← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٤٢٩ - [عبد الله بن شداد الليثي] (١) عبد الله بن شداد بن أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر، ويعرف بعبد الله بن شداد بن الهاد، والهاد لقب لأسامة، وقيل: لعمرو؛ لأنه كان يوقد النار ليهتدي بها إليه الأضياف وغيرهم. وعبد الله هذا يكنى: أبا الوليد الكناني الليثي المدني التابعي، أمه: سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء بنت عميس، وأخت أم الفضل زوجة العباس لأمها، وكن عشر أخوات، وكانت تحت حمزة، فولدت له بنته عمارة أو فاطمة، واستشهد عنها يوم أحد، فتزوجها شداد، فولدت له عبد الله في حياة رسول الله ﷺ ولم يدركه. وروى عن النبي ﷺ ، وسمع عمر وعليا ومعاذا وغيرهم من الصحابة، وروى عنه جماعة من كبار التابعين كطاوس والشعبي، واتفقوا على توثيقه. وكان فقيها كثير الحديث. قتل مع ابن الأشعث ليلة دجيل سنة إحدى وثمانين. ٤٣٠ - [أبو عبيدة الهذلي] (٢) أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي. يروي عن أبيه ولم يدركه. قتل مع ابن الأشعث ليلة دجيل إحدى وثمانين.

стр. 457

٤٣١ - [المهلب بن أبي صفرة] (١) المهلب بن أبي صفرة-واسم أبي صفرة: ظالم بن سارق، ويقال: سراق بن صبح الأسدي-أبو سعيد أمير خراسان، وصاحب الحروب والفتوحات. قال أبو إسحاق السبيعي: لم أر أميرا أيمن نقيبة، ولا أشجع لقاء، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحب من المهلب. يقال: إنه ولد عام فتح مكة، وأدرك عمر بن الخطاب، ولم يرو عنه شيئا، وسمع عبد الله بن عمرو وابن عمر وسمرة والبراء. قال فيه ابن الزبير: إنه سيد أهل العراق. وكان أشجع الناس، وكانت به قوة، حمى البصرة من الشراة (٢) بعد إجلاء أهلها عنها، وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز؛ فهي تسمى بصرة المهلب، ولي خراسان خمس سنين في ولاية عبد الملك، وكانت له كلمات لطيفة وإشارات مليحة؛ تدل على مكارمه، ومات بمرو الروذ سنة اثنتين وثمانين أو ثلاث وثمانين، وأكثر الشعراء في مراثيه، ومنه قول بعضهم: [من الطويل] ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندا والجود بعد المهلب أقاما بمرو الرّوذ لا يبرحانها ... وقد بعدا من كل شرق ومغرب وخلف عدة أولاد نجباء كرام أجواد أمجاد، وله آثار جميلة، وفضائل حميدة. قلت: ومما ينبغي ذكره فوائد هنا تتعلق بالمهلب، وذلك فيما وقفت عليه من ترجمته في «تهذيب الكمال» لأبي الحجاج المزي قال: (قال محمد بن سلام الجمحي: كان بالبصرة أربعة، كل رجل منهم في زمانه لا يعلم في الأمصار مثله: الأحنف بن قيس في عفافه وحلمه ومنزلته من علي، والحسن في زهده وفصاحته وسخائه وموقعه في قلوب الناس، ولم أر أميرا أيمن، ولا أشجع لقاء، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحب من

стр. 458

المهلب، وسوار بن عبد الله القاضي في فضله وتحريه، وكان المهلب فيما روي عنه يقول: ما شيء أبقى للملك من العفو، وخير مناقب الملوك العفو، وكان يقول: لأن يطيعني سفهاء قومي أحب إلي من أن يطيعني حلماؤهم) اهـ (١) وقد أشار إلى ذلك المؤلف ﵀ قريبا من غير تصريح، والله أعلم (٢). ٤٣٢ - [زرّ بن حبيش] (٣) زرّ بن حبيش بن أوس بن هلال الأسدي-أسد خزيمة-الكوفي التابعي المخضرم. أدرك الجاهلية، وسمع عمر وعثمان وعليا وابن مسعود وغيرهم من كبار الصحابة، وروى عنه الشعبي والنخعي وغيرهما من التابعين. وكان ابن مسعود وغيره يسأله عن العربية فيما قيل، واتفقوا على توثيقه وجلالته. وتوفي سنة اثنتين وثمانين عن مائة وعشرين، وقيل: مائة وثلاث. ٤٣٣ - [جميل بثينة] (٤) جميل بن عبد الله بن معمر الشاعر المشهور، من بني عذرة، صاحب بثينة من عذرة أيضا، أحد عشاق العرب، تعلق قلبه بها وهو غلام، فلما كبر خطبها .. فرد، فقال الشعر فيها، وكان يأتيها إلى منزلها بوادي القرى، وله ديوان شعر أكثر ذكرها فيه، فقيل له: لو قرأت القرآن .. كان أعود عليك من الشعر، قال: إن أنسا أخبرني عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من الشعر لحكمة» (٥).

стр. 459

وكان جميل راوية هدبة، وهدبة راوية الحطيئة، والحطيئة راوية زهير بن أبي سلمى وابنه كعب بن زهير، وكان كثيّر صاحب عزة راوية جميل المذكور، ومن شعر جميل: [من الطويل] وأخبر تماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى يرمي بليلى المراميا وفيها يقول: [من الطويل] وما زلت بي يا بثن حتى لو انني ... من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا وما زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا (١) ومن شعره: [من الكامل] تقضى الديون وليس ينجز موعدا ... هذا الغريم لنا وليس بمعسر ما أنت والوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم تمطر (٢) وكأن راويه كثيّر عزة أخذه حيث يقول: [من الطويل] قضى كل ذي دين فوفّى غريمه ... وعزة ممطول معنّى غريمها (٣) توفي جميل بمصر سند اثنتين وثمانين. ٤٣٤ - [عبد الرحمن بن أبي ليلى] (٤) عبد الرحمن بن أبي ليلى-واسم أبي ليلى: يسار، أو بلال، أو بليل، أو داود- الأنصاري الأوسي الكوفي التابعي. ولد لست سنين بقين من خلافة عمر. وروى عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، واتفقوا على توثيقه وجلالته. وقال عبد الملك بن عمير: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من

стр. 460

أصحاب رسول الله ﷺ يستمعون لحديثه، وينصتون له، منهم البراء بن عازب. توفي في فتنة ابن الأشعث سنة ثلاث وثمانين. ووالده أبو ليلى صحابي شهد أحدا وما بعدها مع النبي ﷺ ، وشهد مع علي ﵁ مشاهده، وقتل معه بصفين. ٤٣٥ - [محمد بن سعد بن أبي وقاص] (١) محمد بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري أبو القاسم الإمام الثقة المدني. حدث عن أبيه وعثمان بن عفان وأبي الدرداء وطائفة. وحدث عنه ابناه إبراهيم وإسماعيل وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. روى جملة صالحة من العلم، قام على الحجاج مع ابن الأشعث، فأسر يوم دير الجماجم، فقتله الحجاج في سنة اثنتين وثمانين. ٤٣٦ - [عبد الله بن الحارث] (٢) عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي. حنكه النبي ﷺ عند ولادته، يكنى: أبا محمد وأبا إسحاق، ويلقب (ببّه) لأن أمه كانت ترقصه وتقول له: [من مجزوء الرجز] لأنكحنّ ببّة ... جارية خدبّة مكرمة محبّة ... تجبّ أهل الكعبة بايعه أهل الكوفة والبصرة لما هرب منها عبيد الله بن زياد، وأمّره ابن الزبير أياما قلائل، ثم عزله، وهرب من الحجاج إلى عمان، فمات بها في سنة أربع وثمانين.

стр. 461

٤٣٧ - [الأسود بن هلال] (١) الأسود بن هلال أبو سلاّم المحاربي الكوفي. قتل بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين. ذكره أبو موسى في الصحابة، ويقال: إنه أدرك الجاهلية أيضا، وحدث عن عمر ومعاذ وابن مسعود. حدث عنه أشعث بن أبي الشعثاء، وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما، وثقه يحيى بن معين. ٤٣٨ - [عمران بن حطّان] (٢) عمران بن حطّان بن ظبيان السدوسي البصري. من أعيان العلماء، لكنه من رءوس الخوارج. قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا منه ومن أبي حسان الأعرج. روى عن عائشة وأبي موسى وابن عباس وغيرهم. قال الفرزدق: كان عمران بن حطان من أشعر الناس، يقال: إنه كان سنيا، فتزوج خارجية وقال: سأردها، فأعجبه حسنها، فصرفته إلى مذهبها. ومن شعره القبيح قوله لابن ملجم في قتله لعلي ﵁: [من البسيط] يا ضربة من تقيّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا الأبيات المشهورة وقد ردّ عليه جماعة من العلماء؛ ابن المبارك وغيره. ولما بلغ شعره عبد الملك بن مروان .. أهدر دمه، ووضع عليه العيون، فلم تحمله

стр. 462

أرض، فاستجار بروح بن زنباع وكان في ضيافته، وبقي عنده سنة، فسمر روح ليلة عند عبد الملك بن مروان، فتذاكرا شعر عمران هذا، فلما انصرف روح .. تحدث مع عمران بما جرى وهو لا يعرفه، فأنشده القصيدة كلها، فلما عاد روح إلى عبد الملك .. قال: إن في ضيافتي رجلا ما سمعت حديثا قط إلا وحدثني به وبأحسن منه، ولقد أنشدني تلك القصيدة كلها، فقال له عبد الملك: صفه لي، فوصفه له، فقال: إنك تصف عمران بن حطان، اعرض عليه أن يلقاني، فعرض عليه روح ذلك فأبى، وهرب إلى الجزيرة، ثم إلى عمان فأكرموه، وكتب إلى روح: [من البسيط] يا روح كم من كريم قد نزلت به ... قد ظن ظنّك من لخم وغسان حي إذا خفته زايلت منزله ... من بعد ما قيل عمران بن حطّان قد كنت ضيفك حولا ما تروّعني ... فيه طوارق من إنس ولا جان حتى أردت بي العظمى فأوحشني ... ما يوحش الناس من خوف ابن مروان لو كنت مستغفرا يوما لطاغية ... كنت المقدّم في سر وإعلان قال قتادة: لقيني عمران بن حطان فقال: يا أعمى؛ احفظ هذه الأبيات: [من الكامل] حتى متى تسقى النفوس بكأسها ... ريب المنون وأنت لاه ترتع أفقد رضيت بأن تعلّل بالمنى ... وإلى المنية كل يوم تدفع أحلام نوم أو كظلّ زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع فتزوّدنّ ليوم فقرك دائبا ... واجمع لنفسك لا لغيرك تجمع قال الذهبي: وبلغنا أن الثوري كثيرا ما كان يتمثل بأبيات عمران هذه: [من الطويل] أرى أشقياء الناس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراة وجوّع أراها وإن كانت تحبّ فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشع كركب قضوا حاجاتهم وترحّلوا ... طريقهم بادي العلامة مهيع (١) توفي عمران سنة أربع وثمانين، وروى له البخاري فيما أظن (٢). قلت: وفي «التقريب» لشيخ الإسلام ابن حجر: (عمران بن حطان-بكسر الحاء

стр. 463

وتشديد الطاء المهملتين-صدوق إلا أنه كان على مذهب الخوارج، ويقال: إنه رجع عن ذلك) (١)، والله أعلم. ٤٣٩ - [روح بن زنباع الجذامي] (٢) روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي أبو زرعة الأمير الكبير أمير فلسطين. قال مسلم: له صحبة، ونازع الذهبي في ذلك (٣)، وقال غيره: الأصح له صحبة، ولأبيه رواية. روي أن زنباعا جدع أنف عبد له وجده مع جاريته، فقال له النبي ﷺ : «ما حملك على ما فعلت به؟ » فذكر ذنبه، فقال النبي ﷺ للعبد: «اذهب فأنت حر» (٤). روى روح عن أبيه، وعن تميم الداري، وعبادة بن الصامت وغيرهم، وكان معظما عند عبد الملك لا يفارقه كالوزير منه، ولي جند فلسطين ليزيد، وكان مع مروان يوم مرج راهط، قيل: كان إذا خرج من الحمام .. أعتق رقبة. قال الذهبي: (وهو صدوق، ولم يقع له شيء في الكتب الستة، وحديثه قليل) اهـ (٥) توفي سنة أربع وثمانين. وهو الذي قرب الحجاج إلى خدمة عبد الملك، وذلك: أن الحجاج كان من أعوان روح بن زنباع ومن خدمه، فشكى عبد الملك إلى روح انحلال عسكره، وأن الناس لا يرحلون برحيله، ولا ينزلون بنزوله، فقال روح: إن في شرطتي رجلا لو ولاه أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحل الناس برحيله وأنزلهم بنزوله، قال: فإنا قد قلدناه ذلك، فكان لا يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان روح، فوقف الحجاج عليهم يوما وقد

стр. 464

رحل الناس وهم على طعام يأكلون، فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين؟ ! فقالوا: انزل يا ابن اللخناء .. فكل معنا، فقال لهم: هيهات ذهب ذلك، ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط وطيف بهم في العسكر، وأحرق فساطيط روح، فشكاه إلى عبد الملك، فقال: عليّ به، فلما دخل عليه .. قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أنا ما فعلت شيئا. قال: فمن فعل؟ قال: أنت، إنما يدي يدك، وسوطي سوطك، وما على أمير المؤمنين أن يعوض روحا عن ذلك فيما قدمني له، فعوض عبد الملك روحا ما ذهب، فكان ذلك أول ما عرف من كفاءة الحجاج. ٤٤٠ - [ابن الأشعث] (١) عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي. بعثه الحجاج أميرا على سجستان، فثار هناك وأقبل في جمع كبير ومعه علماء وصلحاء لما انتهك الحجاج من إماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته، وجرى بينه وبين الحجاج عدة وقعات، يقال: إنها ثمانون وقعة، كان النصر في غالبها للأشعث على جيش الحجاج، وكاد ابن الأشعث أن يغلب على العراق؛ فإنه اجتمع عنده ثلاثة وثلاثون ألف فارس، ومائة وعشرون ألف راجل، فقيل لعبد الملك: إن أهل العراق لا يطلبون إلا عزل الحجاج، ولو عزلته .. لصلحت نياتهم لك، فجهز جيشا عظيما من الشام، وفيهم: ابنه عبد الله، وأخوه محمد بن مروان، وقال لهم: إن قبل أهل العراق عزل الحجاج عنهم .. فاعزلوه، ويكون موضعه محمد بن مروان، وينزل ابن الأشعث حيث أمر من العراق، وهو وال عليه، وإن لم يرضهم عزله .. فهو على ولايته وعلى جميع الجيش حتى عبد الله ومحمد تحت لوائه، فعرضوا ذلك على أهل العراق فلم يقبلوه، فاجتمع عليهم جيش عبد الملك وجيش الحجاج، والتقوا بهم وابن الأشعث بدير الجماجم، فكانت الوقعة المشهورة، قتل فيها جمع من الفريقين، وانهزم ابن الأشعث وتفرق جمعه، وفر ابن الأشعث إلى الملك رتبيل ملتجئا إليه، فقال له علقمة بن عمرو: كأني بكتاب من الحجاج وقد جاء إلى رتبيل يرغبه ويرهبه حتى يبعث بك إليه أو يقتلك، ولكن ههنا خمس مائة مقاتل يقاتلون معنا، قد

стр. 465

تبايعنا على أن ندخل مدينة نتحصن بها حتى نعطى أمانا أو نموت كراما، فأبى ابن الأشعث إلا الالتجاء إلى رتبيل، وأقام الخمس مائة حتى قدم من قبل الحجاج عمارة بن تميم، فقاتلوه حتى أمنهم ووفى لهم، ثم تتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في طلب ابن الأشعث، فأرسل إليه ووعده أن يترك عنه حمل الخراج سبعة أعوام، فقيل: إن رتبيل غدر بابن الأشعث، فأرسل به إلى الحجاج في ثلاثين من أهل بيته مقيدين، فيقال: إن ابن الأشعث ألقى نفسه من قصر خراب أنزلوه فيه، فهلك قبل أن يصل إلى الحجاج. وقيل: إن رتبيل لم يسمح به، وإنما أصاب ابن الأشعث السل، فمات فقطع رأسه، ونفذ به إلى الحجاج، وكان موته سنة أربع وثمانين. ٤٤١ - [ابن القرّيّة] (١) أيوب بن يزيد بن قيس بن زرارة النمري الهلالي، المعروف بابن القرّية-بكسر القاف والراء والمثناة التحتانية مشددة-اسم أمه كما في «الذهبي» (٢)، أو جدته كما في «اليافعي» (٣). أعرابي أمي فصيح مفوه، يضرب ببلاغته المثل. وكان عامل الحجاج يغدي كل يوم ويعشي، فرأى ابن القرية الناس يدخلون بيت العامل، فقال: أين يدخل هؤلاء؟ قالوا: إلى طعام الأمير، فدخل فتغدى، فقال: كل يوم يصنع الأمير ما أرى؟ قيل: نعم، فكان كل يوم يأتي الغداء والعشاء، فورد كتاب من الحجاج إلى العامل وهو عربي غريب لم يدر العامل ما فيه، فاهتم وأخر لذلك طعامه، فجاء ابن القرية فقال: ما بال الأمير لا يأكل ولا يطعم؟ فقالوا: ورد عليه كتاب عربي غريب من الحجاج لم يدر ما هو، فقال: ليقرئني الأمير الكتاب وأنا أفسره إن شاء الله تعالى، وكان خطيبا لسنا فصيحا بليغا، فقرئ عليه، ففسره بأوضح خطاب، وأمره الوالي أن يكتب له الجواب، قال: لست أقرأ ولا أكتب، ولكن أقعد عندي كاتبا يكتب ما أمليه

стр. 466

عليه، ففعل العامل، وأرسل الجواب إلى الحجاج، فلما وقف على غريبه وفصاحته .. علم أنه ليس من كلام كتّاب الخراج، فدعا برسائل عامل عين التمر؛ فإذا هي ليست ككتاب ابن القرية، فكتب الحجاج إلى العامل: أما بعد: فقد أتاني كتاب بعيد من جوابك، وأظنه من غيرك، فإذا وصلك كتابي .. فلا تضعه في يدك حتى توجه إليّ بالرجل الذي سطر الكتاب، والسلام. فلما وقف العامل على كتاب الحجاج .. قال لابن القرية: تتوجه نحوه ولا بأس عليك، وأمر له بكسوة ونفقة، وحمله إلى الحجاج، فلما دخل عليه .. قال: ما اسمك؟ قال: أيوب، قال: اسم نبي، وأظنك أميا تحاول الفصاحة ولا يستصعب عليك المقال، وأنزله بنزل ومنزل ولم يزل يزداد عجبا حتى أوفده على عبد الملك بن مروان. فلما خلع ابن الأشعث الطاعة بسجستان .. بعث الحجاج ابن القرية إليه رسولا، فلما دخل عليه .. قال له ابن الأشعث: لتقومن خطيبا، ولتخلعن عبد الملك وتشتم الحجاج أو لأضربن عنقك. قال أيها الأمير: إنما أنا رسول، قال: هو ما أقول لك، فقام وخطب، وخلع عبد الملك، وشتم الحجاج، وأقام عند ابن الأشعث إلى أن انهزم ابن الأشعث في وقعة دير الجماجم، فكتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليها: ألاّ يمر بهم أحد من أصحاب ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيرا إليه، فأخذ ابن القرية فيمن أخذ، فلما أدخل على الحجاج .. قال: أخبرني عما أسألك عنه، قال: سل عما بدا لك. قال: أخبرني عن أهل العراق، قال: أعلم الناس بحق وباطل. قال: فأهل الحجاز، قال: أسرع الناس إلى فتنة، وأعجزهم عنها. قال: فأهل الشام، قال: أطوع الناس لخلفائهم. قال: فأهل مصر، قال: عبيد من خلب؛ أي: خدع. قال: فأهل الموصل، قال: أشجع الفرسان، وأقتل للأقران. قال: فأهل اليمن، قال: أهل سمع وطاعة، ولزوم الجماعة. ثم سأله عن قبائل العرب وعن البلدان وهو يجيب بأفصح عبارة، ثم قال: إن العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال: صدقت العرب أصلح الله الأمير.

стр. 467

قال: فما آفة الحلم؟ قال: الغضب. قال: فما آفة العقل؟ قال: العجب. قال: فما آفة العلم؟ قال: النسيان. قال: فما آفة السخاء؟ قال: المن عند البلاء. قال: فما آفة الكرام؟ قال: مجاورة اللئام. قال: فما آفة الشجاعة؟ قال: البغي. قال: فما آفة العبادة؟ قال: الفترة. قال: فما آفة الذهن؟ قال: حديث النفس. قال: فما آفة الحديث؟ قال: الكذب. قال: فما آفة الحجاج بن يوسف؟ قال: أصلح الله الأمير، لا آفة لمن كرم حسبه، وطاب نسبه، وزكى فرعه. قال: امتلأت شقاقا، وأظهرت نفاقا، وأمر بضرب عنقه بعد أن عيب عليه بمتابعته أهل العراق، فقال: ثلاث كلمات، أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقوف يكن مثلا بعدي، قال: هات، قال: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة، ولكل حليم هفوة. قال الحجاج: ليس هذا وقت المزاح، يا غلام أوجب جرحه، فضرب عنقه، فلما رآه الحجاج قتيلا .. ندم حيث لا ينفعه الندم، وذلك في سنة أربع وثمانين. قلت: المؤرخ رحمه الله تعالى لم يستوف كلام ابن القرية المذكور في جواب ما سأله به الحجاج بن يوسف، فينبغي إيراد بعض ما وقفت عليه في «تاريخ ابن خلكان» لتتم الفائدة: (قال: فأهل البحرين، قال: نبيط استعربوا، قال: فأهل عمان، قال: عرب استنبطوا، قال: فأهل اليمامة، قال: أهل جفاء، واختلاف أهواء، وأصبر على اللقاء، قال: فأهل فارس، قال: أهل بأس شديد، وشر عتيد، وزيف كثير، وقرى يسير) اهـ (١) والله سبحانه أعلم.

стр. 468

٤٤٢ - [عبد العزيز بن مروان] (١) عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أبو الأصبغ، أمير مصر والمغرب، ووالد الخليفة الصالح العادل عمر بن عبد العزيز. ولاه أبوه مصر لما استولى عليها، وعقد له البيعة بعد أخيه عبد الملك، فأقام بمصر أميرا عشرين سنة. سمع أبا هريرة وابن الزبير وغيرهما، وروى عنه الزهري وغيره، وكان ثقة قليل الحديث. وهمّ عبد الملك بخلعه عن ولاية العهد، وأن يعهد إلى ابنيه الوليد وسليمان من بعده، فقال له قبيصة بن ذؤيب: لا تفعل، ولعل الموت يأتي دون ما تريد، فأخر ما عزم عليه، فمات عبد العزيز في الطاعون سنة خمس أو ست وثمانين، وعهد عبد الملك إلى الوليد وسليمان. ٤٤٣ - [واثلة بن الأسقع] (٢) واثلة بن الأسقع-وقيل: واثلة بن عبد الله بن الأسقع بالقاف-الكناني الليثي أبو شداد، وقيل: أبو الأسقع. أسلم والنبي ﷺ يتجهز إلى تبوك، فشهدها معه. ويقال: إنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة، وشهد فتح دمشق وحمص. سكن دمشق ببيت جبرين بلدة بقرب بيت المقدس.

стр. 469

روى عن النبي ﷺ أحاديث، وتوفي بدمشق سنة خمس أو ست وثمانين. وكان فارسا شجاعا ممدحا فاضلا. قلت: توفي عن مائة وخمس سنين، كذا ذكره العامري في «رياضه» (١)، والله أعلم، ﵁. ٤٤٤ - [عمرو بن حريث] (٢) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان القرشي المخزومي أبو سعيد الصحابي. مسح النبي ﷺ رأسه، ودعا له بالبركة في صفقته وبيعه، فكسب مالا عظيما. توفي ﷺ وله اثنتا عشرة سنة، وقيل: حملت به أمه عام بدر. وروى عن النبي ﷺ أحاديث، وسكن الكوفة، وهو أول قرشي اتخذها دارا، ووليها لبني أمية، وشهد القادسية وأبلى فيها. توفي سنة خمس وثمانين، ﵁. ٤٤٥ - [عبد الله بن عامر العنزي] (٣) عبد الله بن عامر بن ربيعة بن مالك بن عامر بن ربيعة العنزي-بإسكان النون من عنز بن وائل بن قاسط، وغلّطوا من قال: بفتحها نسبة إلى عنزة حي من اليمن-أبو محمد حليف الخطاب والد عمر ﵁.

стр. 470

توفي ﷺ وله أربع أو خمس سنين، وأبوه عامر بن ربيعة من كبار الصحابة. روى عبد الله عن أبيه، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعائشة ﵃. وتوفي سنة خمس وثمانين. قلت: ذكر الفقيه العلامة عبد الله بن محمد بن أحمد بافضل في كتابه المسمى: «الكفاية»: (وهذا عبد الله هو الأصغر، وله أخ يسمى عبد الله أيضا، صحب النبي ﷺ ، وهو الأكبر) اهـ والله أعلم. ٤٤٦ - [خالد بن يزيد بن معاوية] (١) خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان القرشي الأموي. كان متقنا لعلمي الطب والكيمياء، ومتفننا في غيرهما، أخذ الصناعة من رجل من الرهبان، وكان يحب زوجته رملة بنت الزبير بن العوام، فقال فيها من قصيدة طويلة: [من الطويل] تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا شكا إلى عبد الملك بن مروان من ابنه الوليد بأنه احتقر ابن عمه عبد الله بن يزيد؛ يعني: أخاه، فقال عبد الملك: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها﴾ الآية، فقال خالد: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ الآية، فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلمني؟ ! والله؛ لقد دخل علي فما أقام لسانه لحنا، فقال خالد: أفعلى الوليد تعول؟ ! فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن .. فإن أخاه سليمان؛ أي: فصيحا ذكيا، فقال خالد: إن كان عبد الله يلحن .. فإن أخاه خالد، فقال له الوليد: اسكت يا خالد، فو الله ما تعد في العير ولا في النفير، فقال خالد: ويحك؛ فمن للعير والنفير غيري؟ ! جدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت: غنيمات والطائف رحم الله عثمان ..

стр. 471

لقلنا: صدقت، وأشار بذلك إلى أن الحكم جد الوليد نفي إلى الطائف فكان بها يرعى الغنم. توفي سنة خمس وثمانين. ٤٤٧ - [أبو أمامة الباهلي] (١) أبو أمامة الباهلي، واسمه: صدي بن عجلان بن والبة-بالموحدة-ابن رياح-بكسر الراء والمثناة من تحت-ابن الحارث الصحابي. روى عن النبي ﷺ مائتين وخمسين حديثا. سكن مصر ثم حمص، وبها توفي سنة ست وثمانين-، وقيل: إحدى وثمانين، ورجحه النووي في «تهذيبه» (٢) -عن مائة وست سنين. قيل: هو آخر من توفي من الصحابة بالشام. قلت: قال العامري في «رياضه»: (صديّ-بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء-ابن عجلان الباهلي السهمي، وسهم بطن من باهلة، وباهلة بنت سعد العشيرة، نسب ولدها إليها، وهو: ابن مالك بن أعصر الغطفاني. قال ابن حبيب المحاربي: دخلت مسجد حمص فإذا مكحول وابن أبي زكريا جالسان، فقال مكحول: لو قمنا إلى أبي أمامة صاحب رسول الله ﷺ فأدينا من حقه وسمعنا منه، قال: فقمنا جميعا حتى أتيناه، فسلمنا عليه، فرد السلام ثم قال: إن دخولكم عليّ رحمة لكم وحجة عليكم، ولم أر رسول الله ﷺ من شيء أشد خوفا على هذه الأمة من الكذب والعصبية، ألا وإنه أمرنا أن نبلغكم ذلك عنه، ألا وإنا قد فعلنا، فأبلغوا عنا ما قد بلغناكم، وكان يصفر لحيته، ﵁ اهـ (٣) والله أعلم.

стр. 472

٤٤٨ - [عبد الله بن أبي أوفى] (١) عبد الله بن أبي أوفى-واسم أبي أوفى علقمة-ابن خالد بن الحارث الأسلمي أبو محمد. شهد بيعة الرضوان وخيبر وما بعدهما من المشاهد مع النبي ﷺ ، ولم يزل بالمدينة إلى أن توفي ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، ومات بها في سنة ست-أو سبع-وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وآخر أهل بيعة الرضوان ﵃. قلت: وكفّ بصره في آخر عمره، كذا ذكره العامري في «رياضه» (٢)، والله أعلم. ٤٤٩ - [قبيصة بن ذؤيب] (٣) قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة-بحاءين مهملتين-ابن عمرو بن كليب الخزاعي التابعي أبو سعيد. ولد عام الفتح، وقيل: عام الهجرة. وسمع زيد بن ثابت وأبا الدرداء وأبا هريرة، وروى عن أبي بكر الصديق وعمر وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من الصحابة، وأجمعوا على توثيقه وجلالته. وكان على خاتم عبد الملك بن مروان، وكان البريد إليه. وكان مكحول يقول: ما رأيت أعلم منه. وقال الزهري: كان من علماء الأمة. توفي سنة ست-أو سبع-وثمانين.

стр. 473

٤٥٠ - [عبد الله بن الحارث الزبيدي] (١) عبد الله بن الحارث بن جزء بن عبد الله الزبيدي، وزبيد من مذحج من اليمن. قال ابن الأثير: (عندي في قول ابن منده: إنه شهد بدرا وقتل باليمامة .. نظر) اهـ (٢) والأكثرون على أنه توفي بمصر سنة ست-أو سبع أو ثمان-وثمانين، وهو آخر من مات بها من الصحابة، ﵁. ٤٥١ - [عبد الملك بن مروان] (٣) عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية القرشي الأموي الخليفة. ولد بالمدينة ونشأ بها في الطاعة والعبادة، حتى كان يقال له: حمامة المسجد، وقد عدّه أبو الزناد في طبقة ابن المسيب. وقال نافع: لقد رأيت أهل المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله تعالى من عبد الملك. وجعله معاوية على ديوان المدينة وهو ابن ست عشرة سنة، وولاه أبوه هجر، ثم جعله الخليفة بعده، فبويع له بالخلافة سنة خمس وستين بعد أن بويع لابن الزبير قبله في تلك السنة أو في السنة التي قبلها، فجهز لقتال مصعب بن الزبير بعد أن قتل الضحاك بن قيس بالشام، ثم قتل مصعبا بالعراق، فلما صفا له الشام ومصر والعراق .. أرسل الحجاج لقتال ابن الزبير فحاصره، ثم ظفر به فقتله وصلبه، ثم ولّى الحجاج العراق، فقاتل الخوارج شبيبا وقطريّ بن الفجاءة وغيرهم. ونقش عبد الملك الدراهم والدنانير بالعربية في سنة ست وسبعين.

стр. 474

وتوفي بدمشق سنة ست وثمانين بعد أن عهد بالخلافة لأولاده الوليد وسليمان ويزيد وهشام على هذا الترتيب. ويروى: أنه رأى في منامه أنه بال في محراب النبي ﷺ أربع مرات، أو أنه بال في زوايا المسجد الأربع، فدس إلى سعيد بن المسيب من يسأله عن ذلك، فقال: يلي الملك من ولده لصلبه أربعة، أو قال: يلد أربعة أولاد يملكون الأرض، فكان كذلك. ٤٥٢ - [المقدام بن معدي كرب] (١) المقدام بن معدي كرب بن عمرو بن يزيد بن معدي كرب الكندي أبو كريمة. وفد على رسول الله ﷺ في وفد كندة، وروى عن النبي ﷺ أحاديث، وسكن حمص، وعداده في الشاميين، توفي بالشام سنة سبع وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين. قلت: قال الحافظ العامري في «رياضه»، والعلامة عبد الله بن محمد بن أحمد بافضل في «كفايته»: المقدام بن معدي كرب بن عمرو بن يزيد آخره ميم، وكرب-بفتح الكاف وكسر الراء-أحد أعيان الصحابة، ومعنى معدي كرب: وجه الفلاحة. انتهى ما لخصته من الكتابين المذكورين (٢)، والله أعلم. ٤٥٣ - [عبد الله بن بسر] (٣) عبد الله بن بسر-بضم الموحدة وسكون السين المهملة-المازني، من مازن بن منصور بن عكرمة، يكنى: أبا بسر، وقيل: أبا صفوان. صحب النبي ﷺ هو وأمه وأبوه وأخوه عطية وأخته الصماء.

стр. 475

روى [حديث إلقاء النوى] (١) بين السبابة والوسطى. وتوفي سنة ثمان وثمانين، وهذا آخر من مات بالشام من الصحابة ﵃، وقيل: توفي سنة ثلاث وتسعين وعمره مائة سنة، ﵁. ٤٥٤ - [عبد الله بن ثعلبة] (٢) عبد الله بن ثعلبة بن صعير-بضم الصاد وفتح العين المهملتين-أبو محمد. ولد قبل الهجرة، وقيل: بعدها، وروى حديث: «إن الشهيد يأتي يوم القيامة لونه لون الدم وريحه ريح المسك» (٣). وتوفي سنة تسع وثمانين وهو ابن ثلاث وتسعين. وفي «تاريخ اليافعي»: (أن النبي ﷺ مسح رأسه ودعا له، فوعى ذلك) (٤)، ﵁. ٤٥٥ - [سهل بن سعد] (٥) سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة الأنصاري الساعدي أبو العباس، كان اسمه حزنا، فسماه ﷺ سهلا. وتوفي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة، وشهد قضاءه ﷺ في المتلاعنين. وتوفي بالمدينة [سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين]. وهو صحابي، وأبوه صحابي أيضا، ذكره ابن عبد البر من الصحابة (٦)، ﵁.

стр. 476

٤٥٦ - [السائب بن يزيد] (١) السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، ويقال: الأسدي، وقيل غير ذلك، وقيل: إنه صحابي، وله حلف في عبد شمس من قريش. وولد السائب المذكور سنة ثلاث من الهجرة، وقال: أذكر أني خرجت مع الغلمان إلى ثنية الوداع لنلتقي رسول الله ﷺ مقدمه من تبوك. وقال: حج بن أبي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين. وقال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله؛ إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، وتوضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت خاتمه بين كتفيه مثل زرّ الحجلة؛ يعني: الخيمة. وتوفي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقيل: أربع وتسعين، وصححه النووي في «التهذيب»؛ تمسكا بما في «الصحيحين» عن الجعيد بن عبد الرحمن قال: رأيت السائب بن يزيد سنة أربع وتسعين جلدا معتدلا، فقال: قد علمت ما متعت به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله ﷺ (٢). ٤٥٧ - [مالك بن أوس] (٣) مالك بن أوس بن الحدثان بن الحارث بن عوف بن ربيعة النصري-بالنون-المدني أبو سعد، ويقال: أبو سعيد التابعي. ركب الخيل في الجاهلية، وأدرك زمن النبي ﷺ ولم يره، وقيل: إنه رأى أبا بكر الصديق.

стр. 477

وسمع عمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من الصحابة، واتفقوا على توثيقه. توفي سنة اثنتين وتسعين، وفي «تهذيب النووي»: (أنه توفي سنة إحدى وتسعين)، ولم يذكر خلافه (١). قلت: وفي «الكفاية» لبافضل وغيرها: الحدثان بفتح الحاء والدال المهملتين والثاء المثلثة. قال النووي: (وجمهور العلماء على أنه تابعي، روى عن العشرة، وأكثر الرواية عن عمر ﵁ اهـ (٢) والله أعلم. ٤٥٨ - [طويس المغنّي] (٣) طويس المغنّي. قال ابن قتيبة: (هو مولى أروى بنت كريز أم عثمان بن عفان، واسمه: عبد الملك) (٤). وقال أبو الفرج الأصبهاني: (اسمه: عيسى بن عبد الله) (٥). وقال الجوهري في «صحاحه»: (اسمه طاوس، فلما تخنث-أو قال: خنث-سمي طويسا) (٦). وكان من المتقنين في الغناء، ممن يضرب به المثل فيه، وإياه عنى الشاعر بقوله في مدح معبد المغني: [من الطويل] يغني طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد

стр. 478

وطويس المذكور هو الذي يضرب به المثل في الشؤم، يقال: أشأم من طويس. يقال: إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه النبي ﷺ ، وفطم في اليوم الذي مات فيه أبو بكر ﵁، وختن في اليوم الذي قتل فيه عمر ﵁، وقيل: بل بلغ الحلم فيه، وتزوج في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد له في اليوم الذي قتل فيه علي، وقيل: في اليوم الذي مات فيه الحسن ﵃، فلذلك تشاءموا به، وذلك من عجائب الاتفاق إن صح. سكن طويس المدينة، ثم انتقل منها إلى السويداء على مرحلتين من المدينة في طريق الشام. والتخنث الموصوف به: هو تكسر وتثنّ كالتثني الذي يكون بالنساء، وليس المراد به الفاحشة المعروفة. وتوفي طويس سنة اثنتين وتسعين. ٤٥٩ - [أنس بن مالك] (١) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم-بمعجمتين-ابن زيد بن حرام-بالراء-الأنصاري الخزرجي النجاري النضري خادم رسول الله ﷺ . قدم النبي ﷺ المدينة وهو ابن عشر سنين، فخدمه عشر سنين مدة إقامته بالمدينة حضرا وسفرا، وكناه ﷺ : أبا حمزة ببقلة كان يحبها. وأمه: أم سليم، التمست من النبي ﷺ أن يدعو له، فقال ﷺ : «اللهم؛ ارزقه مالا وولدا، وبارك له»، قال ﵁: فإني لمن أكثر الأنصار مالا، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي إلى مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة (٢). وكان له بستان يحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يشم منه ريح المسك.

стр. 479

روى عن النبي ﷺ أكثر من ألفي حديث. وتوفي ﵁ على نحو فرسخ ونصف من البصرة بموضع يعرف بقصر أنس في سنة ثلاث-أو ثنتين أو إحدى أو خمس أو سبع-وتسعين. وثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ قدم المدينة وله عشر سنين (١)، فيكون عمره فوق المائة. قال النووي: (وما نقل عن حميد: أن عمر أنس مائة إلا سنة .. فشاذ مردود) (٢). ٤٦٠ - [أبو الشعثاء الأزدي] (٣) أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي البصري. سمع ابن عباس وابن عمر وغيرهما. وروى عنه عمرو بن دينار وقتادة وغيرهما. واتفقوا على توثيقه، قال ابن عباس ﵄: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول أبي الشعثاء .. لأوسعهم علما عمّا في كتاب الله . توفي سنة ثلاث وتسعين، وقال محمد بن سعد: (سنة ثلاث ومائة) (٤)، وقال الهيثم: سنة أربع ومائة. ٤٦١ - [عمر ابن أبي ربيعة] (٥) عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة-واسم أبي ربيعة: عمرو-ابن المغيرة القرشي المخزومي

стр. 480

أبو الخطاب، الشاعر المشهور، صاحب النوادر والمجون، وقد ينسب إلى جده فيقال: عمر ابن أبي ربيعة. لم يكن في قريش أشعر منه، ويكثر الغزل في شعره، وكان يتغزل في شعره بالثريا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية بن عبد شمس، وكانت موصوفة بالجمال، فتزوجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ونقلها إلى مصر، فقال عمر المذكور: [من الخفيف] أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني ومن شعره: [من الخفيف] حيّ طيفا من الأحبة زارا ... بعد ما صرّع الكرى السّمارا طارقا في المنام تحت دجى اللي ... ل ضنينا بأن يزور نهارا قلت ما بالنا جفينا وكنا ... قبل ذاك الأسماع والأبصارا قال إنّا كما عهدت ولكن ... شغل الحلي أهله أن يعارا (١) ومن شعره فيما استشهد به الفقهاء في النهي عن قتل المرأة المشركة وهو: [من الخفيف] إن من أكبر الكبائر عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول (٢) يقال: إنه ولد ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وهي الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب، وكان الحسن إذا ذكر ذلك .. يقول: أيّ حق رفع، وأيّ باطل وضع! وكان جده أبو ربيعة يلقب ذا الرمحين، وأبوه عبد الله كان من أشراف قريش، ومن أحسن الناس وجها، وهو الذي بعثته قريش مع عمرو بن العاصي إلى النجاشي، وولاه رسول الله ﷺ الجند-بفتحتين-من اليمن، فلم يزل عليها حتى حصر عثمان، فجاء لنصره، فوقع عن راحلته فتوفي قرب مكة. وتوفي عمر صاحب الترجمة سنة ثلاث وتسعين.

стр. 481

٤٦٢ - [أبو العالية الرياحي] (١) أبو العالية رفيع-مصغرا-ابن مهران البصري الرياحي-بالتحتانية المثناة-مولى امرأة من بني رياح بن يربوع، اسمها: أميتة، أعتقته سائبة. أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين؛ فهو مخضرم من كبار التابعين، دخل على أبي بكر، وصلّى خلف عمر. وروى عن علي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي أيوب، وغيرهم من الصحابة. وروى عنه جماعة من التابعين. وكان ابن عباس يقعده على السرير وقريش أسفل. وقال أبو بكر بن داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير، وأجمعوا على توثيقه. توفي سنة ثلاث وتسعين. ٤٦٣ - [سعيد بن المسيّب] (٢) سعيد بن المسيّب-بفتح الياء أشهر من كسرها، ويقال: إنه كان يكره الفتح، ويقول: سيّب الله من سيب أبي-ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ القرشي المخزومي التابعي الجليل، المتفق على إمامته وجلالته وتقديمه على أهل عصره في العلم والفضيلة ووجوه الخير. ولد لسنتين مضت من خلافة عمر، ورأى عمر وسمع منه ومن عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر، وغيرهم من الصحابة. وروى عنه جمع من أعلام التابعين، وكان يقال له: فقيه الفقهاء، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين.

стр. 482

قال الإمام أحمد ابن حنبل وغيره: إن سعيد بن المسيب أفضل التابعين، ومرادهم: أفضلهم في علوم الشرع، وإلا .. ففي «صحيح مسلم»: أن خير التابعين رجل يقال له: أويس (١). وله مراسيل كثيرة ثبتت يوجد أكثرها عن أبي هريرة، وكان زوج بنت أبي هريرة. جمع ﵁ بين الحديث والورع والعبادة، وكان إذا سئل عن شيء .. قال: اللهم؛ سلمني، وحج أربعين حجة، ولم تفته تكبيرة الإحرام منذ خمسين سنة، بل كان ملازما الصف الأول، ويقال: إنه صلّى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة. وخطب ابنته بعض ملوك بني أمية، فامتنع عليه من تزويجها، وزوجها بعض الفقراء المشتغلين بالعلم والعبادة، فذكر الفقير ذلك لأمه، فقالت: البعيد مجنون، سعيد بن المسيب يزوجك وبنته يخطبها الملوك؟ ! فلما كان بعد العشاء .. إذ بباب الفقير يدق، فقال: من هذا؟ قال: سعيد، قال: فو الله؛ لقد دار بخاطري كل سعيد بالمدينة إلا سعيد بن المسيب؛ لما أعلم من عدم خروجه من المسجد، ففتحت الباب؛ فإذا هو سعيد بن المسيب وقد لف بنته بثوبه وأتى بها، فقالت أم الفقير له: والله؛ ما تقربها حتى نصلح من شأنها، فدعت جيرانها فاجتمعن، وهيأن لها ما يصلح للعروس على حسب ما تيسر في ذلك الوقت، ثم أدخلتها عليه، وزارها أبوها بعد حول، وبرّهما بشيء من الدنيا ﵁. توفي سنة أربع وتسعين، وقيل: ثلاث، ورجحه النووي في «تهذيبه» (٢). قلت: قال ابن حجر في «تقريبه»: (سعيد بن المسيب أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه) اهـ ملخصا (٣)، والله أعلم. ٤٦٤ - [عروة بن الزبير] (٤) عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي التابعي الجليل، أحد فقهاء المدينة السبعة.

стр. 483

سمع أباه وأخاه عبد الله وأمه أسماء وخالته عائشة، وأكثر الرواية عنها. ولد عروة سنة اثنتين وعشرين، وقيل: سنة ست وعشرين، وهو شقيق عبد الله، وأما مصعب: فأخوهما من الأب، وسمع سعيد بن زيد وحكيم بن حزام، وغيرهم من الصحابة والتابعين، وروى عنه جمع من التابعين. قال ابن شهاب: كان عروة بحرا لا تكدره الدلاء. وكان ثقة كثير الحديث، فقيها عالما، مأمونا ثبتا، ومناقبه كثيرة مشهورة، وهو مجمع على جلالته، وعلو مرتبته، ووفور علمه، وأصابت الأكلة رجله، فقيل له: إن لم نقطعها .. سرت إلى غيرها، فقطعت رجله، ولم يشعر الوليد بن عبد الملك بقطعها وهو حاضر عنده لعدم تحركه وأنينه حتى كويت، فوجد الوليد رائحة الكي، ومات ولد له في تلك الحالة، فقال: الحمد لله، لئن قطعت عضوا .. لقد أبقيت أعضاء، ولئن أخذت ولدا .. فلقد أبقيت أولادا. وكان عبد الملك يقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة .. فلينظر إلى عروة؛ وذلك لما يحكى: أنه اجتمع عروة وأخواه عبد الله ومصعب وعبد الملك بن مروان بالمسجد الحرام أيام تآلفهم بعهد معاوية، فقالوا: هلمّ فلنتمنه. فقال عبد الله بن الزبير: منيتي أن أملك الحرمين وأنال الخلافة. وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين وأجمع بين عقيلتي قريش: سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة. وقال عبد الملك: منيتي أن أملك الأرض وأخلف معاوية. وقال عروة: لست في شيء مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الأخرى، وأن أكون ممن يروى عنه العلم، فما ماتوا حتى بلغ كل واحد منهم إلى أمله. توفي عروة سنة أربع وتسعين، وقال البخاري: (سنة تسع وتسعين) (١).

стр. 484

توفي بقرية يقال لها: (فرع) من ناحية الربذة، بينها وبين المدينة أربعة أميال، ﵁. ٤٦٥ - [الإمام زين العابدين] (١) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، الهاشمي المعروف بزين العابدين لعبادته، يقال: إنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. وأمه: سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وكان كثير البر بها، فقيل له: إنا نراك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها. وهو ابن خالة سالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق؛ فإن أم كل واحد منهما بنت يزدجرد أيضا، وكان أهل المدينة قليلا ما يتخذون السراري حتى ظهر فيهم هؤلاء الأئمة الثلاثة الذين فاقوا أهل المدينة علما وورعا، فرغب الناس في السراري. وقيل: إن أم زين العابدين اسمها: غزالة، وقيل: سلامة من بلاد السند. ولما قتل الحسين بكربلاء .. كان ولده علي هذا مريضا؛ فلم يتعرضوا له، وكان ﵁ إذا توضأ .. اصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة .. أخذته رعدة، فقيل له في ذلك، فقال: أتدرون بين يدي من أقوم؟ ! ووقع حريق في بيت هو فيه ساجد، فجعلوا يقولون له: يا بن رسول الله؛ النار النار، فقيل له في ذلك، فقال: ألهتني عنها نار الأخرى. وروي من حلمه: أنه تكلم فيه رجل وافترى عليه، فقال له زين العابدين: إن كنت كما قلت .. فأستغفر الله، وإن لم أكن كما قلت .. يغفر الله لك، فقام إليه الرجل فقيل رأسه وقال: لست كما قلت جعلت فداك، فاغفر لي، قال: غفر الله لك، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.

стр. 485

يحكى: أن هشام بن عبد الملك حج في ولاية أبيه، فلما لم يقدر على استلام الحجر لازدحام الناس .. نصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى الطائفين وعنده وجوه أهل الشام وفيهم الفرزدق، فجاء علي بن الحسين فطاف بالبيت، فلما أتى الحجر ليستلم .. فرج له الناس حتى استلمه، فقال بعض الشاميين لهشام: من هذا الذي هابه الناس وفرجوا له حتى استلم الحجر؟ فقال هشام: لا أعرفه، وهو يعرفه، فقال الفرزدق: لكن أنا أعرفه، فقال له الشامي: من هو يا أبا فراس؟ قال: [من البسيط] هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم (١) فغضب هشام على الفرزدق، وحبسه في عسفان، فبعث إليه زين العابدين بمال جزيل، فرده وقال: إني لم أقل ذلك إلا لله تعالى، فردّ زين العابدين الدراهم إلى الفرزدق وقال: إنا أهل البيت إذا خرج منا شيء .. لا نرجع فيه. ومناقبه وفضائله كثيرة مشهورة. توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين. ٤٦٦ - [أبو بكر بن عبد الرحمن] (٢) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي المدني التابعي. أحد الفقهاء السبعة، المعروف براهب قريش لعبادته وفضله، وكان مكفوفا، وأبوه من جلة الصحابة. ولد أبو بكر المذكور في خلافة عمر، واستصغر هو وعروة يوم الجمل فردا. وكان ثقة فقيها عالما سخيا كثير الحديث. توفي بالمدينة سنة أربع-أو خمس أو ثلاث-وتسعين.

стр. 486

٤٦٧ - [الحجاج بن يوسف الثقفي] (١) الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي، يكنى: أبا محمد. وأمه: الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، كانت تحت الحارث بن كلدة طبيب العرب وطلقها؛ لأنه رآها تخلل أسنانها في السحر، فقال: إن كان التخلل لمبادرة الغداء .. فأنت شرهة، أو لمبيت الطعام بين أسنانك .. فأنت قذرة، فقالت: كل ذلك لم يكن، وإنما تخللت من شظايا السواك، فندم على طلاقها. وقيل: إن المطلق لها بسبب التخلل المغيرة بن شعبة، وإنها المتمنية التي سمعها عمر بن الخطاب وهو يطوف ليلة في المدينة تنشد: [من البسيط] هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أو من سبيل إلى نصر بن حجاج فنفى عمر بسبب ذلك نصر بن حجاج من المدينة إلى البصرة، فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثقفي، فولدت له الحجاج مشوها لا دبر له، فنقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثدي أمه أو غيرها، فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة حكيم العرب الحارث بن كلدة، وأمرهم أن يذبحوا له ثلاثة أيام كل يوم جديا أسود، وألعقوه دمه، ثم اذبحوا له أسود سالخا -أي: ثعبانا أسود قد سلخ جلده-وألعقوه دمه، واطلوا به وجهه؛ فإنه يقبل الثدي، ففعلوا له ذلك فقبل الثدي. وكان لا يصبر عن سفك الدماء، وكان يخبر عن نفسه أن أكثر لذاته في سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يقدم عليها غيره. وذكروا أن الحجاج وأباه كانا معلمين الصبيان بالطائف، ثم لحق الحجاج بروح بن زنباع الجذامي وزير عبد الملك، فكان في عديد شرطته، فشكا عبد الملك إلى روح انحلال عسكره، وعدم ارتحالهم بارتحاله ونزولهم بنزوله، فقال: إن في شرطتي رجلا لو قلده أمير المؤمنين أمر عسكره .. لأرحل الناس برحيله، وأنزلهم بنزوله، فقال عبد الملك: إنا

стр. 487

قد قلدناه ذلك، فكان لا يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان الوزير المذكور، فوقف الحجاج عليهم يوما وقد رحل الناس وهم على طعام، فقال: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين؟ ! فقالوا له: انزل يا بن اللخناء فكل معنا، فقال: هيهات ذهب ذلك، فأمر بهم فجلدوا بالسياط، وطوّف بهم في العسكر، وأحرق فساطيط الوزير بالنار، فشكاه روح إلى عبد الملك، فاستدعاه عبد الملك، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ما فعلت أنا شيئا، إنما فعله أمير المؤمنين؛ لأن يدي يدك، وسوطي سوطك، وما على أمير المؤمنين أن يعوض روحا عن ذلك، ولا يكسرني فيما قدمني له؛ فكان ذلك أول ما عرف من كفاءة الحجاج، ثم ولاه عبد الملك بتالة بالقرب من اليمامة فسار إليها، فلما قرب منها .. سأل عنها، فقيل له: وراء هذه الأكمة، فقال: تبا لولاية تواريها أكمة، ورجع على عقبه القهقرى. ثم ولاه عبد الملك قتال ابن الزبير فحاصره، ورمى البيت بالمنجنيق حتى ظفر بابن الزبير فقتله وصلبه، وهدم من البيت ما كان أدخله ابن الزبير من الحجر، وتركه على حالته المعروفة الآن بعد مشاورته عبد الملك في ذلك، ثم أضيف إليه أمر المدينة، فمكث واليا على الحجاز ثلاث سنين، ثم صرفه عنه وولاه العراق، فقاتل شبيبا وقطري بن الفجاءة الخارجيين حتى ظفر بهما بعد حروب طويلة. ثم خرج عليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في جماعة من الفقهاء والعباد والصالحين، قاموا لله تعالى لما رأوا من جور الحجاج وإماتته الصلاة، وسفكه الدماء، فجهز عليهم الحجاج جيوشا فهزموها، ثم كان آخر الأمر الدولة له، فظفر بهم وقتل جمعا عظيما من الفقهاء والعباد والصالحين، وكان آخر من قتله سعيد بن جبير، ولم يمتع بحياته بعده أيام قلائل. مات ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان من سنة خمس وتسعين، وكان ينشد في مرضه بقول عبيد بن سفيان العكلي: [من البسيط] يا ربّ حلف الأعداء واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكني النار أيحلفون على عمياء ويحهم ... ما ظنّهم بعظيم العفو غفار وكان مرضه بالأكلة وقعت في باطنه، وسلط الله عليه الزمهرير؛ فكانت الكوانين تجعل

стр. 488

حوله مملوءة نارا، وتدنا منه حتى تحرق جلده وهو لا يحس بها، فشكى ما يجده إلى الحسن البصري، فقال له: قد نهيتك ألا تتعرض للصالحين. ويقال: إن الحسن سجد شكرا لله تعالى لما بلغه موت الحجاج، وقال: اللهم؛ كما أمته عنا فأمت عنا سنته، يقال: إنه رأى قبل موته أن عينيه قلعتا، وكان عنده هند بنت المهلب وهند بنت أسماء بن خارجة، فطلق الهندين؛ ظنا منه أن رؤياه تتأول كلاّ منهما، فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه محمد بن يوسف من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد، فقال: هذا تأويل رؤياي محمد ومحمد في يوم واحد، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: من يقول شعرا ليسليني؟ فقال الفرزدق: [من الكامل] إن الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمد ومحمد ملكان قد خلت المنابر منهما ... أخذ الحمام عليهما بالمرصد (١) ويقال: إنه استدعى في مرض موته منجما، فسأله: هل ترى في علمك ملكا يموت؟ فقال: نعم، ولست هو، قال: ولم؟ قال: لأن الذي يموت اسمه كليب، فقال: والله؛ بذلك سمتني أمي، فأوصى عند ذلك. ويقال: إن الحجاج خطب يوما، فقال في أثناء كلامه: أيها الناس؛ إن الصبر عن محارم الله أهون من الصبر على عذاب الله، فقال له رجل: ويحك يا حجاج، ما أصفق وجهك وأقل حياءك، فأمر به فحبس، فلما نزل عن المنبر .. دعا به وقال له: لقد اجترأت عليّ، فقال: أتجترئ على الله فلا ننكره، ونجترئ عليك فتنكره؟ ! فخلى سبيله. ومات الحجاج وهو ابن أربع وخمسين سنة، ولي العراق منها عشرين سنة، وترك في بيت المال مائة ألف ألف درهم وبضعة عشر ألف درهم، وكان خراج العراق حين وليها مائة ألف ألف درهم، فلم يزل ينقص بجوره حتى مات وخراجه خمسة وعشرون ألف ألف، وقيل: مائة وعشرون ألف ألف، وقيل: مات وقد قتل مائة وعشرين ألفا صبرا سوى من مات في عسكره، ومات في حبسه ثمانون ألفا: خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، وكان الحجاج ولى يزيد بن أبي كبشة السكسكي الحرب والصلاة على المصرين البصرة والكوفة، ويزيد بن مسلم خراجهما، فأقرهما الوليد بعده، والله أعلم.

стр. 489

٤٦٨ - [سعيد بن جبير] (١) سعيد بن جبير بن هشام أبو عبد الله الكوفي الأسدي الوالبي، مولى بني والبة بن الحارث من أسد خزيمة. سمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير، وغيرهم من الصحابة والتابعين. وروى عنه جمع من التابعين، وكان من كبار أئمة التابعين ومتقدميهم في التفسير والحديث والفقه والعبادة والورع، وغيرها من صفات أهل الخير. حدث بحضرة شيخه ابن عباس بأمره، وكان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه .. فيقول: أليس فيكم سعيد بن جبير؟ ! روي: أنه قرأ القرآن في ركعة في البيت الحرام، وأنه كان له ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح، فلم يصل سعيد تلك الليلة ورده، فشق عليه ذلك، فقال: قطع الله صوته؛ فما سمع له صوت بعده. قتله الحجاج صبرا ظلما في شعبان من سنة خمس وتسعين، فلم يعش الحجاج بعده إلا أياما، ومات في أواخر رمضان، ولما قتله .. سال منه دم كثير أكثر مما يسال من دم غيره ممن قتله الحجاج، فسأل الحجاج الأطباء عن ذلك فقالوا: هذا قتلته ونفسه معه، والدم يتبع النفس، وغيره قتلتهم وأنفسهم ذاهبة من الخوف؛ فلذلك قلّ دمهم. ويقال: إن الحجاج كان في مدة مرضه يرى سعيد بن جبير آخذا بمجامع ثوبه ويقول له: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيستيقظ مذعورا ويقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟ ! وعمر سعيد بن جبير يوم قتل تسع وأربعون سنة. ٤٦٩ - [مطرف بن الشّخّير] (٢) مطرف بن عبد الله بن الشّخّير العامري البصري الفقيه العابد.

стр. 490

كان مجاب الدعوة، روى عن علي وعمار. قال الشيخ أبو إسحاق في «المهذب»: (قال الشافعي: رأيت مطرفا يحلف الناس بصنعاء بالمصحف) اهـ (١) فوهم بعض المصنفين على «المهذب» فزعم أن مطرفا الذي رآه الشافعي هو مطرف بن عبد الله بن الشخير. مات سنة خمس وتسعين قبل ميلاد الشافعي لنحو خمس وخمسين سنة، والشافعي ﵀ ولد في سنة خمسين ومائة، ومطرف المذكور في «المهذب» هو مطرف بن مازن الكناني مولاهم قاضي صنعاء. ٤٧٠ - [إبراهيم النخعي] (٢) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي أبو عمران، أمه: مليكة بنت يزيد بن قيس أخت الأسود بن يزيد. رأى عائشة، وأدرك جماعة من الصحابة، ولم يحدث عن أحد منهم، وإنما حدث عن كبار التابعين كعلقمة وخاليه الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد، ومسروق وغيرهم، وروى عنه جماعة من التابعين. وأجمعوا على توثيقه وجلالته وبراعته في الفقه، حتى قال الشعبي عند موت النخعي: ما ترك بعده أحدا أعلم أو أفقه منه، قيل له: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، ولا من أهل البصرة، ولا الكوفة، ولا الحجاز، ولا الشام. وكان فقيها صالحا متوقيا للشهرة قليل التكلف. توفي سنة خمس-أو ست-وتسعين، ولما حضرته الوفاة .. جزع جزعا شديدا، فقيل له في ذلك، فقال: وأي خطر أعظم مما أنا فيه؟ ! أتوقع رسولا يرد علي إما إلى الجنة وإما إلى النار، والله؛ لوددت أنها تلجلج في حلقي إلى يوم القيامة. يعني نفسه. قلت: ضبط ابن خلكان نسبه في «تاريخه»، قال: (ونسبته إلى النّخع بفتح النون

стр. 491

والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة، وهي: قبيلة كبيرة من مذحج باليمن، واسم النخع: جسر بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك بن أدد، وإنما قيل له: النخع؛ لأنه انتخع من قومه-أي: بعد عنهم-وخرج منهم خلق كثير، وقيل في نسبه غير هذا، وهذا هو الصحيح، نقلته من «جمهرة النسب» للكلبي) انتهى ما ذكره ابن خلكان (١)، رحمه الله تعالى، والله أعلم. ٤٧١ - [قرة بن شريك القيسي] (٢) قرة بن شريك القيسي أمير مصر. كان ظالما فاسقا، وكان إذا انصرف الصناع من بناء جامع مصر .. دخله ودعا بالخمر والملاهي، وقال: لنا الليل ولهم النهار. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: الوليد بن هشام بالشام، والحجاج بالعراق، وقرة بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، امتلأت والله الأرض جورا. وتوفي قرة سنة ست-أو خمس-وتسعين. ٤٧٢ - [الوليد بن عبد الملك] (٣) الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي الخليفة، يكنى أبا العباس. بويع له يوم الخميس النصف من شوال سنة ست وثمانين. وكان مع ظلمه كثير التلاوة للقرآن، قيل: كان يختم في ثلاث، ويقرأ في رمضان سبع عشرة ختمة، وعظمت سعادته في الدنيا وفي نجاح أشياء من أمور الدين، منها: إنشاء جامع دمشق، وعمارته لمسجد المدينة، ومسجد مكة، وافتتح في أيامه بلاد الهند، وبلاد الترك، والأندلس، وكثرت الصدقات.

стр. 492

وجاء عنه أنه قال: لولا ذكر الله تعالى قوم لوط في القرآن .. ما ظننت أحدا يفعله. وتوفي في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، فمدة ولايته تسع سنين وثمانية أشهر. وكان فاحش اللحن، وهو أول من عظم الكتب، وكتب في الطوامير، وحلل الخط، وقال: لا تكون كتبي مثل كتب الناس، ونهى أن يتكلم بما لا يريد. وفي عمره اختلاف من اثنين وأربعين إلى ست وأربعين. ٤٧٣ - [قتيبة بن مسلم الباهلي] (١) قتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان، وليها عشر سنين. وكان بطلا شجاعا شهما مقداما، هزم الكفار غير مرة، وافتتح خوارزم وسمرقند وبخارى وقد كانوا كفروا، وافتتح فرغانة. ولما مات الوليد بن عبد الملك وولي أخوه سليمان .. خافه قتيبة، فخرج عليه وأظهر الخلاف، وكان قتيبة قد عزل وكيع بن أبي سود عن ولاية بني تميم فحقد عليه وكيع، فلما أظهر قتيبة الخلاف .. سعى وكيع في تأليب الجند سرا، ثم خرج على قتيبة فقتله مع أحد عشر رجلا من أهله، وفي قتله يقول جرير: [من الطويل] ندمتم على قتل الأغر بن مسلم ... وأنتم إذا لاقيتم الله أندم لقد كنتم من غزوة في غنيمة ... وأنتم لمن لاقيتم اليوم مغنم على أنه أفضى إلى حور جنة ... وتطبق بالبلوى عليكم جهنم قال الأصبهبذ يوما لرجل من العرب: يا معشر العرب؛ قتلتم قتيبة ويزيد بن المهلب وهما سيدا العرب؟ ! قال: نعم، فأيهما كان أهيب في صدوركم، وأعظم قدرا عندكم؟ فقال له الأصبهبذ: لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى حجرته مكبلا بالحديد ويزيد معنا في بلادنا وال علينا .. لكان قتيبة أهيب في صدورنا، وأعظم من يزيد.

стр. 493

والباهلي نسبة إلى باهلة، قبيلة مشهورة، وكانت العرب تستنكف من الانتساب إليها حتى قال الشاعر: [من المتقارب] وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهلة وقال آخر: [من المتقارب] ولو قيل للكلب يا باهلي ... عوى الكلب من لؤم هذا النسب وقال قتيبة بن مسلم لهبيرة بن مسروح: أي رجل أنت؟ ! لو كان أخوالك من غير سلول، فلو بادلت بهم، فقال: أصلح الله الأمير، بادل بهم من شئت من العرب، وجنبني باهلة. ٤٧٤ - [قيس بن أبي حازم] (١) قيس بن أبي حازم الأحمسي البجلي الكوفي. أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، وهو من كبار التابعين. روى عن العشرة إلا عبد الرحمن بن عوف، وكان من علماء الكوفة. وتوفي سنة سبع وتسعين وقد جاوز المائة. ٤٧٥ - [طلحة ابن كريز] (٢) طلحة بن عبيد الله بن كريز-بفتح الكاف ثم راء مكسورة ثم تحتانية آخر الحروف ثم زاي -ابن جابر بن ربيعة بن هلال الخزاعي الكعبي الكوفي أبو المطرف التابعي. روى عن ابن عمر وأبي الدرداء وعائشة وغيرهم. وروى عنه أبو حازم الأعرج وحميد الطويل في آخرين، واتفقوا على توثيقه، وروى له مسلم، قيل: كان قليل الحديث.

стр. 494

وهو أحد الطلحات الموصوفين بالجود. توفي سنة سبع وتسعين (١). ٤٧٦ - [موسى بن نصير] (٢) موسى بن نصير الأعرج الأمير أبو عبد الرحمن فاتح الأندلس. قال ابن خلكان: (كان من التابعين ﵃، وكان عاقلا كريما شجاعا ورعا تقيا لله تعالى) اهـ (٣) وكان والده نصير على حرس معاوية، ومنزلته عنده مكينة. وكان عبد الله بن مروان أخو عبد الملك بن مروان واليا على مصر وإفريقية، فبعث إليه ابن أخيه الوليد بن عبد الملك أيام خلافته يقول له: أرسل مع ابن نصير عسكرا إلى إفريقية، وذلك في سنة تسع وثمانين، فلما قدمها ومعه جماعة من الجند .. بلغه أن بأطراف البلاد جماعة خارجين عن الطاعة، فقتل من البربر خلقا كثيرا، وسبى سبيا عظيما حتى انتهى إلى السوس الأدنى لا يدافعه أحد، وبذل بقية البربر الطاعة، وطلبوا الأمان، وولى عليهم واليا، واستعمل على طنجة وأعمالها مولاه طارق بن زياد البربري، ومهد البلاد، ولم يكن له منازع من البربر ولا من الروم، وترك خلقا كثيرا يعلمون القرآن وفرائض الإسلام، وسبى سبيا عظيما. قال الليث: فبلغ الخمس ستين ألف رأس، قال اليافعي: (كذا في الأصل، ولعله: ستون ألف دينار أو درهم على حسب ارتفاع القيم وانخفاضها) (٤).

стр. 495

قال أبو شبيب الصدفي: لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير. وحصل في البلاد قحط شديد، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات، وفرق بينها وبين أولادها، فوقع الصراخ والبكاء والضجيج، وأقام على ذلك إلى منتصف النهار، ثم صلّى وخطب بالناس، ولم يذكر الوليد بن عبد الملك، فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال: هذا مقام لا يدعى فيه لغير الله، فسقوا. فلما تقررت له القواعد .. كتب إلى مولاه طارق وهو بطنجة وأمره بغزو بلاد الأندلس، فصعد طارق إلى جبل يعرف اليوم بجبل طارق؛ لأنه نسب إليه لما حصل عليه. وذكر عن طارق: أنه كان نائما في المركب وقت التعدية، وأنه رأى النبي ﷺ والأربعة الخلفاء ﵃ يمشون على الماء حتى مروا، وبشره النبي ﷺ بالفتح، وأمره بالرفق على المسلمين، والوفاء بالعهد. وكان صاحب طليطلة ومعظم بلاد الأندلس ملك يقال له: لذريق، ولما نزل طارق من الجبل بالجيش .. كتب نائب لذريق إليه كتابا وقال: إنه قد وقع قوم بأرضنا لا ندري من السماء هم أم من الأرض، فأقبل في سبعين ألف فارس، ومعه العجل يحمل الأموال والمتاع، وهو على سريره بين دابتين، عليه قبة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، فلما دنا من طارق وعسكره .. قال طارق لمن معه: أين المفر والبحر من ورائكم والعدو من أمامكم؟ ! فليس لكم والله إلا الصدق والصبر، وليس لكم وزير إلا سيوفكم، فلما التقوا .. حمل طارق على سرير لذريق وقد رفع على رأسه رواق ديباج يظله، وهو في غاية من البنود والأعلام وبين يديه المقاتلة والسلاح، وحمل أصحاب طارق، فتفرقت المقاتلة من يدي لذريق، فخلص إليه طارق، فضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره، فلما رأى أصحابه مصرع ملكهم .. اقتحم الجيشان، فكان النصر للمسلمين، ولم يزل طارق يفتح البلاد وموسى بن نصير قد التحق به إلى أن بلغ ساحل البحر المحيط. فلما بلغ موسى بن نصير موت الوليد بن عبد الملك وتولية أخيه سليمان .. قصد سليمان بن عبد الملك في سنة سبع وتسعين، فحج سليمان تلك السنة بالناس، وحج معه موسى بن نصير، وتوفي موسى بوادي القرى في السنة المذكورة.
следующие страницы →