والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة، وهي: قبيلة كبيرة من مذحج باليمن، واسم النخع:
جسر بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك بن أدد، وإنما قيل له: النخع؛ لأنه انتخع من قومه-أي: بعد عنهم-وخرج منهم خلق كثير، وقيل في نسبه غير هذا، وهذا هو الصحيح، نقلته من «جمهرة النسب» للكلبي) انتهى ما ذكره ابن خلكان (١)، رحمه الله تعالى، والله أعلم.
٤٧١ - [قرة بن شريك القيسي] (٢)
قرة بن شريك القيسي أمير مصر.
كان ظالما فاسقا، وكان إذا انصرف الصناع من بناء جامع مصر .. دخله ودعا بالخمر والملاهي، وقال: لنا الليل ولهم النهار.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: الوليد بن هشام بالشام، والحجاج بالعراق، وقرة بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، امتلأت والله الأرض جورا.
وتوفي قرة سنة ست-أو خمس-وتسعين.
٤٧٢ - [الوليد بن عبد الملك] (٣)
الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي الخليفة، يكنى أبا العباس.
بويع له يوم الخميس النصف من شوال سنة ست وثمانين.
وكان مع ظلمه كثير التلاوة للقرآن، قيل: كان يختم في ثلاث، ويقرأ في رمضان سبع عشرة ختمة، وعظمت سعادته في الدنيا وفي نجاح أشياء من أمور الدين، منها: إنشاء جامع دمشق، وعمارته لمسجد المدينة، ومسجد مكة، وافتتح في أيامه بلاد الهند، وبلاد الترك، والأندلس، وكثرت الصدقات.
стр. 492
وجاء عنه أنه قال: لولا ذكر الله تعالى قوم لوط في القرآن .. ما ظننت أحدا يفعله.
وتوفي في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، فمدة ولايته تسع سنين وثمانية أشهر.
وكان فاحش اللحن، وهو أول من عظم الكتب، وكتب في الطوامير، وحلل الخط، وقال: لا تكون كتبي مثل كتب الناس، ونهى أن يتكلم بما لا يريد.
وفي عمره اختلاف من اثنين وأربعين إلى ست وأربعين.
٤٧٣ - [قتيبة بن مسلم الباهلي] (١)
قتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان، وليها عشر سنين.
وكان بطلا شجاعا شهما مقداما، هزم الكفار غير مرة، وافتتح خوارزم وسمرقند وبخارى وقد كانوا كفروا، وافتتح فرغانة.
ولما مات الوليد بن عبد الملك وولي أخوه سليمان .. خافه قتيبة، فخرج عليه وأظهر الخلاف، وكان قتيبة قد عزل وكيع بن أبي سود عن ولاية بني تميم فحقد عليه وكيع، فلما أظهر قتيبة الخلاف .. سعى وكيع في تأليب الجند سرا، ثم خرج على قتيبة فقتله مع أحد عشر رجلا من أهله، وفي قتله يقول جرير: [من الطويل]
ندمتم على قتل الأغر بن مسلم ... وأنتم إذا لاقيتم الله أندم
لقد كنتم من غزوة في غنيمة ... وأنتم لمن لاقيتم اليوم مغنم
على أنه أفضى إلى حور جنة ... وتطبق بالبلوى عليكم جهنم
قال الأصبهبذ يوما لرجل من العرب: يا معشر العرب؛ قتلتم قتيبة ويزيد بن المهلب وهما سيدا العرب؟ ! قال: نعم، فأيهما كان أهيب في صدوركم، وأعظم قدرا عندكم؟ فقال له الأصبهبذ: لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى حجرته مكبلا بالحديد ويزيد معنا في بلادنا وال علينا .. لكان قتيبة أهيب في صدورنا، وأعظم من يزيد.
стр. 493
والباهلي نسبة إلى باهلة، قبيلة مشهورة، وكانت العرب تستنكف من الانتساب إليها حتى قال الشاعر: [من المتقارب]
وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهلة
وقال آخر: [من المتقارب]
ولو قيل للكلب يا باهلي ... عوى الكلب من لؤم هذا النسب
وقال قتيبة بن مسلم لهبيرة بن مسروح: أي رجل أنت؟ ! لو كان أخوالك من غير سلول، فلو بادلت بهم، فقال: أصلح الله الأمير، بادل بهم من شئت من العرب، وجنبني باهلة.
٤٧٤ - [قيس بن أبي حازم] (١)
قيس بن أبي حازم الأحمسي البجلي الكوفي.
أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، وهو من كبار التابعين.
روى عن العشرة إلا عبد الرحمن بن عوف، وكان من علماء الكوفة.
وتوفي سنة سبع وتسعين وقد جاوز المائة.
٤٧٥ - [طلحة ابن كريز] (٢)
طلحة بن عبيد الله بن كريز-بفتح الكاف ثم راء مكسورة ثم تحتانية آخر الحروف ثم زاي -ابن جابر بن ربيعة بن هلال الخزاعي الكعبي الكوفي أبو المطرف التابعي.
روى عن ابن عمر وأبي الدرداء وعائشة وغيرهم.
وروى عنه أبو حازم الأعرج وحميد الطويل في آخرين، واتفقوا على توثيقه، وروى له مسلم، قيل: كان قليل الحديث.
стр. 494
وهو أحد الطلحات الموصوفين بالجود.
توفي سنة سبع وتسعين (١).
٤٧٦ - [موسى بن نصير] (٢)
موسى بن نصير الأعرج الأمير أبو عبد الرحمن فاتح الأندلس.
قال ابن خلكان: (كان من التابعين ﵃، وكان عاقلا كريما شجاعا ورعا تقيا لله تعالى) اهـ (٣)
وكان والده نصير على حرس معاوية، ومنزلته عنده مكينة.
وكان عبد الله بن مروان أخو عبد الملك بن مروان واليا على مصر وإفريقية، فبعث إليه ابن أخيه الوليد بن عبد الملك أيام خلافته يقول له: أرسل مع ابن نصير عسكرا إلى إفريقية، وذلك في سنة تسع وثمانين، فلما قدمها ومعه جماعة من الجند .. بلغه أن بأطراف البلاد جماعة خارجين عن الطاعة، فقتل من البربر خلقا كثيرا، وسبى سبيا عظيما حتى انتهى إلى السوس الأدنى لا يدافعه أحد، وبذل بقية البربر الطاعة، وطلبوا الأمان، وولى عليهم واليا، واستعمل على طنجة وأعمالها مولاه طارق بن زياد البربري، ومهد البلاد، ولم يكن له منازع من البربر ولا من الروم، وترك خلقا كثيرا يعلمون القرآن وفرائض الإسلام، وسبى سبيا عظيما.
قال الليث: فبلغ الخمس ستين ألف رأس، قال اليافعي: (كذا في الأصل، ولعله:
ستون ألف دينار أو درهم على حسب ارتفاع القيم وانخفاضها) (٤).
стр. 495
قال أبو شبيب الصدفي: لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير.
وحصل في البلاد قحط شديد، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات، وفرق بينها وبين أولادها، فوقع الصراخ والبكاء والضجيج، وأقام على ذلك إلى منتصف النهار، ثم صلّى وخطب بالناس، ولم يذكر الوليد بن عبد الملك، فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال: هذا مقام لا يدعى فيه لغير الله، فسقوا.
فلما تقررت له القواعد .. كتب إلى مولاه طارق وهو بطنجة وأمره بغزو بلاد الأندلس، فصعد طارق إلى جبل يعرف اليوم بجبل طارق؛ لأنه نسب إليه لما حصل عليه.
وذكر عن طارق: أنه كان نائما في المركب وقت التعدية، وأنه رأى النبي ﷺ والأربعة الخلفاء ﵃ يمشون على الماء حتى مروا، وبشره النبي ﷺ بالفتح، وأمره بالرفق على المسلمين، والوفاء بالعهد.
وكان صاحب طليطلة ومعظم بلاد الأندلس ملك يقال له: لذريق، ولما نزل طارق من الجبل بالجيش .. كتب نائب لذريق إليه كتابا وقال: إنه قد وقع قوم بأرضنا لا ندري من السماء هم أم من الأرض، فأقبل في سبعين ألف فارس، ومعه العجل يحمل الأموال والمتاع، وهو على سريره بين دابتين، عليه قبة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، فلما دنا من طارق وعسكره .. قال طارق لمن معه: أين المفر والبحر من ورائكم والعدو من أمامكم؟ ! فليس لكم والله إلا الصدق والصبر، وليس لكم وزير إلا سيوفكم، فلما التقوا ..
حمل طارق على سرير لذريق وقد رفع على رأسه رواق ديباج يظله، وهو في غاية من البنود والأعلام وبين يديه المقاتلة والسلاح، وحمل أصحاب طارق، فتفرقت المقاتلة من يدي لذريق، فخلص إليه طارق، فضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره، فلما رأى أصحابه مصرع ملكهم .. اقتحم الجيشان، فكان النصر للمسلمين، ولم يزل طارق يفتح البلاد وموسى بن نصير قد التحق به إلى أن بلغ ساحل البحر المحيط.
فلما بلغ موسى بن نصير موت الوليد بن عبد الملك وتولية أخيه سليمان .. قصد سليمان بن عبد الملك في سنة سبع وتسعين، فحج سليمان تلك السنة بالناس، وحج معه موسى بن نصير، وتوفي موسى بوادي القرى في السنة المذكورة.
стр. 496
٤٧٧ - [أبو عمرو الشيباني] (١)
سعد بن إياس أبو عمرو الشيباني، ويقال: البكري، من شيبان بن ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
أدرك زمن النبي ﷺ ولم يره.
وروى عن علي وابن مسعود وابن أرقم وأبي مسعود الأنصاري.
روى عنه الأعمش وغيره، وكان يقرئ الناس بمسجد الكوفة.
توفي سنة ثمان وتسعين عن مائة وعشرين سنة.
٤٧٨ - [عبد الرحمن بن الأسود النخعي] (٢)
عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي أبو حفص الفقيه الكوفي العابد.
أدرك زمن النبي ﷺ ، وسمع من عائشة، وسمع أباه.
روى عنه أبو إسحاق السبيعي وغيره.
وتوفي سنة تسع-أو ثمان-وتسعين، وقيل: توفي في ولاية خالد بن عبد الله، وإنه الذي صلّى عليه.
٤٧٩ - [عبيد الله بن عبد الله بن عتبة] (٣)
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله حليف بني زهرة أحد الفقهاء السبعة.
سمع ابن عباس وزيد بن خالد وأبا سعيد الخدري وغيرهم.
وروى عنه الزهري وغير واحد.
وتوفي سنة ثمان وتسعين.
стр. 497
٤٨٠ - [كريب مولى ابن عباس] (١)
كريب مولى ابن عباس، حمل عن ابن عباس علما كثيرا.
أدرك عثمان بن عفان وزيد بن ثابت، وسمع مولاه وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة.
روى عنه ابناه محمد ورشدين وعمرو بن دينار وغيرهم من التابعين، واتفقوا على توثيقه.
وتوفي بالمدينة سنة ثمان وتسعين.
٤٨١ - [عمرة بنت عبد الرحمن] (٢)
عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية الفقيهة.
كانت في حجر عائشة ﵂، فأكثرت الرواية عنها.
وروى عنها الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهما.
وتوفيت سنة ثمان وتسعين، وقيل: توفيت بعد المائة سنة ثلاث-أو ست-ومائة، وعمرها حين توفيت سبع وسبعون سنة.
٤٨٢ - [سليمان بن عبد الملك] (٣)
سليمان بن عبد الملك بن مروان الأموي الخليفة أبو أيوب.
عهد إليه أبوه بعد الوليد، فلما ولي الوليد .. عزم على خلعه والبيعة لابنه عبد العزيز بن
стр. 498
الوليد، وأجابه إلى ذلك قتيبة بن مسلم والي خراسان، فلم يتم ذلك، فبويع لسليمان عند وفاة الوليد، وكان عهد إلى ابنه أيوب، فتوفي قبله سنة ثمان وتسعين، وتوفي سليمان عاشر صفر من سنة تسع وتسعين بعد أن عهد إلى عمر بن عبد العزيز ومن بعده ليزيد بن عبد الملك، فمدة ولايته سنتان وثلاثة أشهر وخمسة وعشرون يوما، وعمره أربعون سنة وأشهر، واغتر بشبابه، فكان يقول: أنا الملك الشاب، فخاب ظنه.
وكان فصيحا.
جهز الجيوش لغزو القسطنطينية، [وقرب ابن عمه عمر بن عبد العزيز، وجعله وزيره] (١) ومشيره، ثم عهد إليه بالخلافة.
يحكى: أنه قدم إليه حكيم من الهند وقال: جئتك بثلاث: تأكل ولا تشبع، وتنكح ولا تفتر، ويسود شعرك ولا يبيض، فقال سليمان: كلهن يرغب العاقل عنهن، أما كثرة الأكل: فأقل ما فيه كثرة دخول المرء إلى الخلاء، وشم الروائح الكريهة، وأما كثرة النكاح: فأقل ما في ذلك أنه يقبح لمثلي خليفة يبقى أسير امرأة، وأما تسويد الشعر: فيقبح أن يسود المرء نورا أكرم الله به عبده المسلم، أشار إلى الحديث: «من شاب شيبة في الإسلام .. كانت له نورا يوم القيامة ... » الحديث (٢).
٤٨٣ - [أبو الأسود الدؤلي] (٣)
أبو الأسود الدّؤلي بضم الدال ثم همزة مفتوحة، ويقال فيه: الدّيلي بكسر الدال والياء، وهو منسوب إلى جد القبيلة الدؤل، سمي باسم دويبة بين ابن عرس والثعلب، واسم أبي الأسود: ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل على الأصح من خلاف في اسمه واسم أبيه.
سمع عمر بن الخطاب، والزبير، وأبا ذر، وعمران بن الحصين، وأبا موسى الأشعري، وابن عباس، وعليا وصحبه وشهد معه صفين.
стр. 499
وكان من أكمل الرجال رأيا وأرجحهم عقلا، وهو أول من وضع النحو، قيل: السبب أن إحدى بناته قالت له: يا أبت؛ ما أحسن السماء! برفع (أحسن) وجر (السماء)، فقال: يا بنية؛ نجومها، قالت: إني لم أرد: أي شيء فيها أحسن، إنما تعجبت من حسنها، فقال: إذن قولي: ما أحسن السماء! ووضع حينئذ نبذة في النحو، فقيل له: من أين لك هذا العلم؟ فقال: تلقيت حدوده من علي بن أبي طالب.
وقيل: إنه سمع قارئا يقرأ: (أن الله بريء من المشركين ورسوله) فجر (رسوله) فقال: ما ظننت أن أمر الناس يؤول إلى هذا! فأتى إلى زياد واستأذنه في شكل المصحف بعد أن كان طلب منه زياد فامتنع، فيقال: إن زيادا دس عليه من سمّعه ذلك اللحن ليفعل، وهو أول من شكل المصحف ونقطه.
وكان له دار فباعها، فقيل له: بعت دارك؟ ! فقال: بل بعت جاري، فأرسلها مثلا لمن باع الدار هربا من الجار.
قلت: ونظم هذا المعنى بعض الشعراء الفصحاء، ولله دره حيث يقول: [من الطويل]
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ... على أنّ لي جارا هناك ينغّص
فقلت لهم لا تعذلوني فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخص
والله أعلم.
دخل يوما على عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي-وقيل: على المنذر بن الجارود-وعلى أبي الأسود جبة رثة كان يكره لبسها، فقال له: يا أبا الأسود؛ أما تمل لبس هذه الجبة؟ ! فقال: ربّ مملوك لا تستطيع فراقه، فلما خرج من عنده .. سير إليه مائة ثوب، فكان أبو الأسود ينشد ذلك: [من الطويل]
كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإنّ أحقّ الناس إن كنت شاكرا ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر
قلت: يروى: (مملول) باللام، و (مملوك) بالكاف (١)، وذكر ذلك ابن خلكان في «تاريخه»، والله أعلم (٢)، ويروى: (ناصر) بالنون من النصرة، و (ياصر) بالمثناة آخر الحروف من التعطف والحنو.
стр. 500
وله أشعار كثيرة، منها: [من الوافر]
وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدّلاء
تجيء بملئها طورا وطورا ... تجيء بحمأة وقليل ماء
ومنه: [من الكامل]
صبغت أمية في الدماء أكفّنا ... وطوت أمية دوننا دنياها
أي: بنو أمية أوردونا معارك القتال، وبخلوا علينا بالمال.
أصابه الفالج في آخر عمره، فكان يخرج إلى السوق يجر رجليه، وكان موسرا ذا عبيد وإماء، فقيل له: قد أغناك الله عن السعي في حاجتك، فلو جلست في بيتك، قال: لا، ولكني أخرج وأدخل، فيقول الخادم: قد جاء، والصبي: قد جاء، ولو قعدت في البيت فبالت الشاة علي .. ما منعها أحد عني.
قال اليافعي: (يحتمل قوله: «قد جاء» الإشارة إلى أنه يجيء بشيء يفرحون به من السوق، فيكون في ذلك تجديد فرح لهم بعد فرح، ويحتمل وهو الأقرب إلى كلامه: أنهم يخافون منه، فمجيئه يجدد لهم خوفا بعد خوف، ويكون ذلك وسيلة إلى التأدب والحذر منه) (١).
ولي البصرة لعلي ﵁، ولم يزل عليها واليا إلى أن قتل علي.
وسمع قائلا يقول: من يعشّي الجائع؟ فطلبه فعشّاه، فذهب السائل ليخرج، فقال:
أين تريد؟ قال: أهلي، قال: هيهات! ما عشيتك إلا على ألا تؤذي المسلمين الليلة، ثم وضع في رجله القيد حتى أصبح.
وتوفي أبو الأسود بالبصرة سنة تسع وتسعين على خلاف قد تقدم (٢).
قلت: قال ابن حجر: (هو ثقة فاضل مخضرم) (٣)، والله سبحانه أعلم.
стр. 501
٤٨٤ - [محمود بن الربيع] (١)
محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو الأنصاري الخزرجي المدني أبو نعيم.
ثبت عنه في «الصحيح» أنه قال: عقلت عن النبي ﷺ مجّة مجّها من دلو في بئر في دارهم وهو ابن خمس سنين (٢)، وقيل: أربع.
روى عنه أنس بن مالك، وابنه أبو بكر بن أنس، ورجاء بن حيوة، والزهري، وغيرهم.
وتوفي سنة تسع وتسعين عن ثلاث-أو ست-وتسعين سنة.
قلت: قال الحافظ أبو الحجاج المزي: (إن محمودا المذكور ختن عبادة بن الصامت، روى عنه وعن عتبان بن مالك وأبي أيوب) (٣).
وقال ابن حجر في «التقريب»: (هو صحابي صغير، وجلّ روايته عن الصحابة) اهـ (٤) والله أعلم.
٤٨٥ - [نافع بن جبير] (٥)
نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبو محمد المدني التابعي الجليل الإمام الفاضل.
سمع علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، والعباس بن عبد المطلب، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه عروة بن الزبير، والزهري، وعمرو بن دينار، وخلق من التابعين.
стр. 502
واتفقوا على توثيقه وجلالته، وكان هو وأخوه محمد من علماء قريش وأشرافهم.
توفي قريبا من أخيه في سنة تسع وتسعين.
٤٨٦ - [عبد الله بن محيريز] (١)
عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب القرشي الجمحي أبو محيريز التابعي المكي.
سكن بيت المقدس، وسمع عبادة بن الصامت، وأبا سعيد الخدري، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم، وأجمعوا على توثيقه وأمانته وجلالته وفضله.
قال رجاء بن حيوة: والله؛ إني كنت أعد بقاء أبي محيريز أمانا لأهل الأرض.
توفي سنة تسع وتسعين، وقيل: في خلافة الوليد بن عبد الملك.
٤٨٧ - [أبو أمامة بن سهل] (٢)
أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف بن واهب الحارثي الأنصاري.
ولد في حياة رسول الله ﷺ ، ويقال: إنه سماه وكناه باسم جده وكنيته، ولم يسمع من النبي ﷺ ، وسمع أباه، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة، وغيرهم.
وروى عنه الزهري، وسعد بن إبراهيم وغيرهما.
توفي سنة مائة، وقيل: عشر ومائة.
٤٨٨ - [أبو الطفيل عامر بن واثلة] (٣)
أبو الطفيل عامر بن واثلة-ويقال له: عمرو بن واثلة-ابن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي البكري المكي.
стр. 503
رأى النبي ﷺ ، وهو آخر من رأى النبي ﷺ موتا.
روى عن النبي ﷺ ، وعن معاذ بن جبل، وعمر بن الخطاب، وغيرهم، وسكن الكوفة، ثم تحول إلى مكة، فأقام بها إلى أن مات سنة مائة، وقيل: سنة مائة وعشر، ويروى عنه هذا البيت: [من الطويل]
وما شاب رأسي عن سنين تتابعت ... عليّ ولكن شيّبته الوقائع
٤٨٩ - [بسر بن سعيد] (١)
بسر-بضم الموحدة وإسكان المهملة-ابن سعيد، مولى ابن الحضرمي من أهل المدينة، وكان ينزل في دار الحضارمة فنسب إليهم.
وكان زاهدا عابدا صالحا مجاب الدعوة، سمع زيد بن خالد، وزيد بن ثابت، وأبا هريرة وغيرهم.
وروى عن عثمان، ومات سنة مائة.
٤٩٠ - [سالم بن أبي الجعد] (٢)
سالم بن أبي الجعد-واسم أبي الجعد: رافع-الأشجعي مولاهم الكوفي، وهو أخو عبيد وزياد وعمران ومسلم بني أبي الجعد.
سمع سالم جابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وقتادة، وغيرهما.
وتوفي سنة مائة، وقال أبو نعيم: سنة تسع-أو ثمان-وتسعين في ولاية سليمان بن عبد الملك.
стр. 504
٤٩١ - [خارجة بن زيد] (١)
خارجة بن زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الأنصاري النجاري المدني أبو زيد التابعي الكبير.
أدرك عثمان، وسمع أباه زيدا، وعمه يزيد، وأم العلاء الأنصارية.
وروى عنه سالم بن عبد الله، والزهري، وأبو الزناد وغيرهم.
وكان إماما بارعا في العلم، اتفقوا على توثيقه وجلالته، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين عناهم الشاعر بقوله: [من الطويل]
ألا كل من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجة
فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة
وهم على ترتيب النظم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد صاحب الترجمة.
توفي خارجة بالمدينة سنة مائة عن سبعين سنة.
٤٩٢ - [أبو عثمان النهدي] (٢)
أبو عثمان النهدي، واسمه: عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو بن عدي بن وهب البصري.
أسلم في عهد رسول الله ﷺ ، وأدى الزكاة إلى عمال النبي ﷺ ، ولم ير النبي ﷺ ، وأدرك الجاهلية، وحج في الجاهلية حجتين، وغزا في عهد عمر غزوات.
стр. 505
وسمع عبد الرحمن بن أبي بكر وغير واحد من الصحابة.
وروى عنه سليمان التيمي، وعاصم الأحول وغيرهما، وصحب سلمان الفارسي اثنتي عشرة سنة.
ومات سنة مائة، وقال عمرو بن علي: مات سنة خمس وتسعين وعمره ثلاثون ومائة.
٤٩٣ - [شهر بن حوشب] (١)
شهر بن حوشب الأشعري.
قرأ القرآن على ابن عباس، وكان كثير الرواية، حسن الحديث.
توفي سنة مائة.
٤٩٤ - [مسلم بن يسار] (٢)
مسلم بن يسار-بياء آخر الحروف ثم سين مهملة-البصري، قيل: مولى عثمان بن عفان.
روى عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما، وكان ثقة فاضلا ورعا عابدا.
قال ابن عون: لا يفضل عليه أحد في ذلك الزمان.
توفي سنة مائة، أو إحدى ومائة.
٤٩٥ - [عيسى بن طلحة] (٣)
عيسى بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب القرشي التيمي أبو محمد.
كان من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم وأشرافهم.
стр. 506
روى عن أبيه، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وغيرهم.
وروى عنه الزهري، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وغيرهما.
توفي سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز.
والله سبحانه أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
***
стр. 507
ذكر الأحداث
لاستقبال سنة إحدى وثمانين إلى آخر أيام سنة
طبقة العشرين الخامسة من المائة الأولى من الهجرة
السنة الحادية والثمانون
فيها أو في التي قبلها: توفي أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، المعروف بابن الحنفية، عرف بأمه خولة بنت جعفر بن قيس، كانت من بني حنيفة من سبي اليمامة.
وفيها: قام عبد الرحمن بن الأشعث، فخلع الحجاج ونفى عماله، ودعا إلى نفسه فأجابه أهل الجبال، واجتمع إليه جيش عظيم، فوثبوا على عسكر الحجاج يوم الأضحى، فانكشف عسكر الحجاج وانهزم هو، وجرت بينهما عدة وقعات، حتى قيل: كان بينهما أربع وثمانون وقعة في مائة يوم، ثلاث وثمانون على الحجاج، والأخرى كانت له (١).
وفيها: توفي سويد بن غفلة الجعفي بالكوفة، وعبد الله بن شداد بن الهاد الليثي ابن خالة خالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي، قتل مع ابن الأشعث ليلة دجيل.
***
السنة الثانية والثمانون
كانت الحروب تشتعل بين الحجاج وابن الأشعث
ففيها: كانت وقعة تستر بينهما، فقتل من أصحاب الشام ثمانية آلاف، وانهزم الحجاج نحو البصرة، ونزل الزاوية، وقطع الجسر والقناطر (٢).
وفيها: خرج السودان، فعاثوا على فرات البصرة، وقتلوا حفص بن زياد بن عمر العتكي، فبعث إليهم الحجاج مكرما اللخمي صاحب عسكر مكرم وهو من أهل الشام، فقتل رباحا وأصحابه السودان (٣).
стр. 508
وفيها: مات المهلب بن أبي صفرة أمير خراسان، وصاحب الحروب والفتوحات.
وفيها: توفي زر بن حبيش الأسدي.
وفيها: توفي النخعي صاحب علي ﵁، وكان شريفا مطاعا.
قلت: ذكر الجدّ النخعيّ ولم يذكر اسمه، وليس ذلك من عادته، فربما حصل ذلك منه سهوا أو سبق قلم (١)، فلعله كميل الآتي ذكره قريبا، وهو: كميل-بالتصغير-ابن زياد بن نهيك النخعي، مات سنة اثنتين وثمانين، هكذا ذكره ابن حجر في «تقريبه» (٢)، وهو مشهور عند أهل التواريخ بصحبة علي ﵁، والله أعلم.
وفيها: قتل أبو الشعثاء مع ابن الأشعث بظاهر البصرة.
وفيها: قتل الحجاج محمد بن سعد بن أبي وقاص؛ لقتاله مع ابن الأشعث.
وفيها: توفي جميل ابن معمر الشاعر صاحب بثينة.
وفيها: توفي كميل بن زياد، كما في «الذهبي» (٣).
***
السنة الثالثة والثمانون
فيها: كانت وقعة الزاوية بين الحجاج وبين ابن الأشعث، وكان ابن الأشعث لا يلاقي جيشا للحجاج إلا هزمه حتى أجلى له البصرة، ودخلها عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وتابعه القراء والفقهاء والصالحون، وبلغ جيشه ثلاثة وثلاثين ألف فارس، ورجاله مائة وعشرين ألف راجل، أكثرهم قام على الحجاج لله تعالى، وكاد ابن الأشعث أن يغلب على العراق، وأمد عبد الملك الحجاج بجيوش من الشام، واجتمع أهل الشام إلى عبد الملك وقالوا له: إن أهل العراق ما يريدون إلا خلع الحجاج عنهم، فإن فعلت ..
عادت لك نياتهم، ونزع الحجاج عنهم أيسر من حربهم وسفك دمائنا، فأرسل عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان في جيش كثيف، وأمرهم أن يعرضوا ذلك على أهل العراق، فإن قبلوه .. عزل الحجاج، ويكون محمد بن مروان أمير العراق، وينزل ابن الأشعث حيث أحب من العراق، ويكون واليا عليه، وإن أبى أهل العراق ذلك .. فالحجاج
стр. 509
أمير على الكل، وعبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان تحت لوائه، فامتنع أهل العراق من قبول هذه الرسالة، فاجتمع أهل العراق في مائة ألف، ومعهم مثلهم من مواليهم، فالتقوا مع الحجاج بالزاوية، فانهزم أهل العراق، ومضى عبد الرحمن ابن الأشعث إلى الكوفة، وثبت عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة في أهل البصرة فبايعوه، فقاتل بهم خمس ليال أشد القتال، ثم لحق بابن الأشعث، ثم التقى الحجاج وابن الأشعث بدير الجماجم، وهي آخر حرب كانت بينهم، وكان شعار أصحاب ابن الأشعث: يا ثارات الصلاة؛ لأن الحجاج كان يميت الصلاة ويؤخرها حتى يخرج وقتها، فكانت الغلبة فيها للحجاج، قتل من أصحاب ابن الأشعث عالم كثير، وقتل الحجاج عالما كثيرا من الفقهاء والعباد والصالحين، وقيل: إن الحجاج قتل يوم الزاوية خاصة أحد عشر ألفا، وكان يؤتى بالرجل فيقال له: اشهد أنك كفرت، فإن قال: نعم .. بايعه، وإلا .. قتله (١).
وفيها: قتل مع ابن الأشعث البختريّ الطائيّ مولاهم، وكان من كبار فقهاء الكوفة، وغرق مع ابن الأشعث ليلة دجيل عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه.
قلت: ذكر المؤرخ البختريّ هنا ولم يكن له فيما تقدم ذكر (٢).
وفي «التقريب» لشيخ الإسلام ابن حجر وغيره: (أبو البختري بالكنية، وضبطه بفتح الباء الموحدة والمثناة فوق بينهما خاء معجمة، واسمه: سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فيه تشيع قليل، كثير الإرسال) اهـ (٣) والله أعلم.
وفي هذه السنة: توفي أبو الجوزاء الرّبعي، وعبد الرحمن الخولاني قاضي مصر، كان عبد العزيز بن مروان يرزقه في السنة ألف دينار فلا يدخرها.
***
السنة الرابعة والثمانون
فيها: فتحت المصّيصة على يد عبد الله بن عبد الملك بن مروان (٤).
стр. 510
وفيها: قتل أيوب بن يزيد الهلالي، المعروف بابن القرّيّة-بكسر القاف والراء وبالمثناة من تحت المشددة-اسم جدته.
وفيها: ظفر أصحاب الحجاج بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وقتلوه بسجستان، وطيف برأسه في البلدان.
ويقال: إنه لما انهزم من دير الجماجم .. لجأ إلى رتبيل، فغدر به ووجهه إلى الحجاج، فألقى نفسه في طريقه من سطح ومات.
وفيها: توفي عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي الذي حنكه النبي ﷺ عند ولادته، والأسود بن هلال المحاربي، وعمران بن حطّان السدوسي البصري، أحد رءوس الخوارج وشاعرها البليغ، وعتبة بن النّدّر السلمي، وروح بن زنباع الجذامي الذي كان الواسطة في تقريب الحجاج إلى عبد الملك.
***
السنة الخامسة والثمانون
فيها: عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان، وولاها أخاه المفضل بن المهلب، فغزا المفضل باذغيس ففتحها (١).
وفيها: ابتدأ الحجاج ببناء واسط، وقيل: بل في سنة ثلاث وثمانين (٢).
وفيها: مات عبد العزيز بن مروان أمير مصر، وكان ولي العهد بعد عبد الملك، عهد لهما أبوهما كذلك، فلما مات .. عهد عبد الملك من بعده بالخلافة لولديه الوليد ثم سليمان، وبعث إلى عامله في المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي ليبايع لهما بولاية العهد، فامتنع سعيد بن المسيب من ذلك وصمم، فضربه هشام ستين سوطا، وطاف به في ثياب من شعر، وحبسه إلى أن كتب له عبد الملك بإطلاقه فأطلقه (٣).
وفيها: توفي واثلة بن الأسقع الليثي، وعمرو بن سلمة الجرمي، وعمرو بن سلمة الهمداني، وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي حليف الخطاب، وخالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، وعمرو بن حريث المخزومي.
***
стр. 511
السنة السادسة والثمانون
فيها: عزل الحجاج المفضل بن المهلب من خراسان، وولاها قتيبة بن مسلم الباهلي، فافتتح بلاد صاغان من الترك صلحا (١).
وفيها: توفي أبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي الصحابيون، وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي فقيه دمشق، والخليفة عبد الملك بن مروان في شوال، وولي بعده ابنه الوليد.
وزاد بعضهم: أنه مات فيها هند بن أبي هالة ربيب رسول الله ﷺ ، أمه: خديجة بنت خويلد، ﵃ (٢).
***
السنة السابعة والثمانون
فيها: عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن المدينة، وولاها عمر بن عبد العزيز (٣).
وفيها: ابتدأ الوليد ببناء جامع دمشق، ودام العمل والجد والاجتهاد في بنائه وزخرفته أكثر من عشر سنين، وكان فيه أكثر من اثني عشر ألف صانع (٤).
وفيها: سار قتيبة بن مسلم إلى مدينة بخارى وهي بيكند فحاصرها، فجاشت الترك والصّغد وفرغانة والشاش وبخارى في جيش عظيم وعليهم ابن أخت ملك الصين، قيل:
كانوا مائة ألف، فأحدقوا به أربعة أشهر، ثم هزمهم وقتلهم قتلا ذريعا، وسبى منهم خمسين ألف فارس، ففتحها فأصاب فيها قدورا عظاما يصعد إليها بالسلاليم، ثم مضى حتى أناخ على سمرقند، وهي غزوته الأولى (٥).
стр. 512
وفي هذه السنة: توفي المقدام بن معدي كرب عن إحدى وتسعين سنة، وعتبة بن عبد السلمي الصحابي وله أربع وتسعون سنة، وفي «الذهبي»: عبيد بن عبد السلمي، ولعله الصواب (١).
قلت: وفي «التقريب» لابن حجر: (عتبة بن عبد السلميّ أبو الوليد صحابي شهير، أول مشاهده قريظة، مات سنة سبع وثمانين، ويقال: بعد التسعين، وقد قارب المائة) (٢)، والله أعلم.
***
السنة الثامنة والثمانون
فيها: كتب الوليد إلى عامله بالمدينة عمر بن عبد العزيز أن يجدد بناء مسجد المدينة، ويهدم حجر أزواجه ﷺ ويدخلها في المسجد، وأمر ببناء المسجد الحرام، وسائر المساجد، وأمر بتسهيل الثنايا وحفر الآبار، وكتب الوليد إلى ملك الروم: إني أريد بناء مسجد نبينا ﷺ ، وسأله المعونة، فبعث إليه أربعين رجلا من الروم، وأربعين من القبط، وأربعين ألف مثقال، وفسيفساء، فبعث الوليد بالفعلة إلى المدينة، فأخمروا النّورة يصبون عليها روايا الزيت لعمل الفسيفساء (٣).
وفيها: مات عبد الله بن بسر-بسين مهملة-الصحابي بحمص، وهو آخر من مات بها من الصحابة.
وفيها: غزا قتيبة بخارى، فافتتح الطّواويس وعدة قصور، وهي غزوته الثانية (٤).
***
السنة التاسعة والثمانون
فيها: غزا مسلمة بن عبد الملك الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح حصونا
стр. 513
ومدائن هناك، [وافتتح عبد الله بن موسى بن نصير جزيرتي] صقلّيّة وميورقة (١).
وفيها: توفي عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري، مسح النبي ﷺ على رأسه ودعا له فوعى ذلك، وسمع من عمر ﵁.
وفيها: ولي خالد بن عبد الله القسري مكة، فصعد المنبر وخطب بما يدل على كفره، ولم يزل واليا عليها حتى مات (٢).
***
السنة التسعون
فيها: عزل الوليد عبد الله بن عبد الملك عن ولاية مصر، وولاها قرّة بن شريك الظالم (٣).
وفيها: قتل محمد بن القاسم الثقفيّ عامل الحجاج داهر بن صصة ملك السند وفتحها (٤).
وفيها: أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فأهداه ملك الروم إلى الوليد (٥).
وفيها: ظفر قتيبة بن مسلم بأهل طالقان، فقتل منهم صبرا مقتلة عظيمة لم يسمع بمثلها، وصلب سماطين، كلّ سماط أربعة فراسخ في نظام واحد (٦).
وفيها: توفي أبو ظبيان حصين بن جندب الجنبي الكوفي والد قابوس، وعبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري الفقيه، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني مفتي أهل مصر في وقته، تفقه على عقبة بن عامر ﵁.
قلت: اليزني بفتح التحتانية والزاي بعدها نون، ويزن من حمير، هكذا ضبطه في «تهذيب التهذيب» (٧)، والله أعلم.
***
стр. 514
السنة الحادية والتسعون
فيها: حج الوليد بن عبد الملك ومعه رجاء بن حيوة، والوليد يصدر عن رأيه (١).
وفيها: فرغ من بناء المسجد الحرام ومسجد المدينة، فلما قارب الوليد المدينة .. لقيه عمر بن عبد العزيز في وجوه قريش، ثم صاروا إلى مسجد رسول الله ﷺ ، فأخرج من كان فيه إلا سعيد بن المسيب، فدخل الوليد المسجد ونظر إلى بنائه، ووقف على سعيد وكلمه، فلم يقم له سعيد، فكان عمر بن عبد العزيز يقول: يا من كفى سعيدا الوليد؛ اكفني ما أهمني، وطاف الوليد بالمدينة، وقسم بها مالا ورقيقا (٢).
وفيها: توفي سهل بن سعد الساعدي الصحابي وقد قارب المائة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵁.
وفيها: مات السائب بن يزيد الكندي، قال: حج بي أبي مع النبي ﷺ حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين، ورأيت خاتم النبوة بين كتفيه.
وفيها أو في التي بعدها: غزا موسى بن نصير وعامله الأندلس وفتحها (٣).
***
السنة الثانية والتسعون
فيها: فتح طارق بن زياد مولى موسى بن نصير وعامله الأندلس ثانيا، وقطع إليهم البحر، وافتتح قتيبة بن مسلم النهر، وهي غزوته السادسة (٤).
وفيها توفي مالك بن أوس بن الحدثان، أدرك الجاهلية، ورأى أبا بكر ﵁.
وفيها: توفي طويس المغنّي مولى أروى بنت كريز، وهي أم عثمان بن عفان، اسمه:
عبد الملك، وقيل: عيسى.
وقال الجوهري في «صحاحه»: (اسمه طاوس، فلما تخنث-أو قال: خنث-سمي طويسا) (٥).
стр. 515
قال اليافعي في «تاريخه»: (وفيها: توفي إبراهيم بن يزيد التيمي الكوفي العابد المشهور، قتله الحجاج ولم يبلغ عمره أربعين سنة، روى عن عمرو بن ميمون الأودي وجماعة) اهـ (١) كذا في النسخة التي وقفت عليها (التيمي الكوفي)، فإن أراد به إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي .. فالذي ذكره الذهبي والنووي وغيرهما: أنه توفي سنة خمس-أو ست-وتسعين، وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى (٢)، وإن أراد غيره .. فلا أعرفه، والله أعلم (٣).
***
السنة الثالثة والتسعون
فيها: فتح طارق بن زياد مولى موسى بن نصير مدينة طليطلة من الأندلس، فأصاب فيها مائدة سليمان بن داود على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وكان حملها بعض ملوك العرب من بيت المقدس، وكانت خليطين من ذهب وفضة [بثلاثة أطواق من] لؤلؤ وياقوت وزبرجد (٤).
وفيها: افتتح قتيبة بن مسلم عدة فتوح، وهزم الترك، ونازل سمرقند في جيش عظيم، ونصب المجانيق عليها، فجاءت الترك، فأكمن لهم كمينا، فالتقوا في نصف الليل، فاقتتلوا قتالا عظيما، فلم يفلت من الترك إلا اليسير، وافتتح سمرقند صلحا على ثلاثة آلاف ألف درهم في هذه السنة أو في التي بعدها، وبنى بها الجامع والمنبر، وقيل: صالحهم على مائة ألف فارس، وعلى بيوت النار وحلية الأصنام، فأمر بتحريقها، ثم جمعوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال (٥).
وفيها: ضم الحجاج ولاية سجستان إلى قتيبة بن مسلم، فغزا قتيبة بلاد رتبيل، فصالحهم على ألف ألف وسبع مائة ألف درهم (٦).
стр. 516
وفيها: توفي أبو حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، وبلال بن أبي الدرداء، روى عن أبيه، وقد ولي إمرة دمشق، وأبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الفقيه بالبصرة.
قال ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول أبي الشعثاء .. لأوسعهم علما عمّا في كتاب الله .
وفيها: توفي عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي المخزومي الشاعر، صاحب المجون والخلاعة، والغزل والبراعة، وأبو العالية رفيع بن مهران الرياحي مولاهم في البصرة، وزرارة بن أبي أوفى العامري، قرأ في صلاة الصبح ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ فخر ميتا، وعبد الرحمن بن زيد بن خزيمة الأنصاري المدني، روى عن الصحابة [ ... ] (١)، وعن الأعرج: ما رأيت بعد الصحابة أفضل منه.
قلت: هكذا وجدته في المسودة بخط المؤرخ النسبة إلى ابن خزيمة، ولم أجد هذا النسب فيما وقفت عليه من أسماء الرجال في الأمهات الست، وفي «التقريب» لابن حجر العسقلاني: (عبد الرحمن بن يزيد بن جارية-بالجيم والتحتانية-الأنصاري أبو محمد المدني أخو عاصم بن عمر لأمه، يقال: ولد في حياة النبي ﷺ ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، مات سنة ثلاث وتسعين) (٢).
وفي «مختصر تهذيب الكمال» للذهبي: (أنه ولد في زمن النبي ﷺ ، وسمع عمر وعمه مجمّعا، وروى عنه القاسم والزهري.
قال الأعرج: ما رأيت رجلا بعد الصحابة أراه أفضل منه) اهـ (٣) والله سبحانه أعلم.
وفيها: عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة، وولاها عثمان بن حيان المزني (٤).
***
стр. 517
السنة الرابعة والتسعون
فيها: كانت رجفة بالشام أربعين ليلة (١).
وفيها أو في التي قبلها: افتتح قتيبة سمرقند صلحا على ثلاثة آلاف ألف درهم، وقد تقدم ذكر ذلك بزيادات (٢).
وفيها: افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند (٣).
وفيها-أو في ما قبلها-: فتح قتيبة بن مسلم خوارزم على صلح ومال وعسكر استقر عليهم (٤).
وفيها: توفي علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الأئمة الكبار في جماعة من الفقهاء، وكانت تسمى سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها من الفقهاء.
***
السنة الخامسة والتسعون
فيها: افتتح العباس بن الوليد قبرس (٥).
وفيها: غزا قتيبة بن مسلم فرغانة، فافتتح بعضها (٦).
وفيها: توفي إبراهيم بن يزيد النخعي، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، سمع من خاله عثمان وهو صغير، وكان عالما صالحا فاضلا مشهورا مشكورا، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، روى عن أبيه وسعد وجماعة، والفقيه أبو زيد مطرف بن عبد الله بن الشّخّير البصري، روى عن علي وعمار، وكان مجاب الدعوة.
стр. 518
قلت: وفي كنيته بعض إشكال، كما قد رأيت مما قد وقفت عليه في «التقريب» لشيخ الإسلام ابن حجر وغيره: (وهو أبو عبد الله مطرف ... ) إلى آخر الكلام (١)، والله سبحانه أعلم.
وفيها: قتل الحجاج بن يوسف الإمام الجليل سعيد بن جبير، ولم يقتل الحجاج بعده أحدا، بل لم يعش بعده إلا أياما قلائل، ثم لحقه.
وفيها: توفي الحجاج المذكور قريبا في شهر رمضان.
***
السنة السادسة والتسعون
فيها: غزا قتيبة فرغانة ثانية، وقيل: إنه غزا فيها كاشغر، وغزا الصين، ثم ورده الخبر بوفاة الوليد وقيام سليمان، بن عبد الملك، وكان قتيبة يخاف سليمان فخلع سليمان، ثم إن الناس كرهوا قتيبة، وأجمعوا على قتاله، وعرضوا الرئاسة على الحضين بن المنذر، ثم على عبد الله بن حوذان الجهضمي فأباها، فقلدوها وكيع بن أبي سود التميمي، وكان في وكيع هوج شديد وجهل عظيم، وكان بينه وبين قتيبة حرب عظيم أفضت عن قتل قتيبة، وقتل معه من بني سليم أحد عشر رجلا وصلبهم، ولما صعد وكيع المنبر ليخطب .. قال:
مثلي ومثل قتيبة كما قال الأول: [من الرجز]
من ينك العير ينك نيّاكا ... ..
مع كلام يشبه هذا (٢).
وفي هذه السنة: دخل مسلمة بن عبد الملك قسطنطينية صلحا بعد أن حاصرها وألح عليها، وبنى المسجد الجامع، وصار من بعد محبسا (٣).
وفيها: توفي قرة بن شريك القيسي أمير مصر الظالم نفسه، والخليفة الوليد بن عبد الملك، وولي بعده أخوه سليمان بن عبد الملك.
***
стр. 519
السنة السابعة والتسعون
فيها: عزل سليمان بن عبد الملك وكيع بن أبي سود عن خراسان، وولاها يزيد بن المهلب، وكان قد ولى يزيد قبل العراق، فنزل واسطا، فلما أتته ولاية خراسان ..
استخلف على العراق أخاه مروان بن المهلب، وسار إلى خراسان، وأخذ وكيعا بالأموال وحبسه (١).
وفيها: فتح يزيد بن المهلب جرجان، وسار إلى طبرستان، فصالحه الأصبهبذ على ألفي ألف درهم، وفتح دهستان، وكتب يزيد إلى سليمان: أن قد صار عنده من الخمس بعد أن وصل إلى كل ذي حق حقه ستة آلاف ألف، فأشار عليه أصحابه ألاّ يسمي مبلغا، فأبى لثقته برأي سليمان فيه وأن يخليها له، فثبتت في الديوان، ومات سليمان فطالب عمر بن عبد العزيز يزيد بن المهلب بالمال الذي كتبه على نفسه، وحبسه بها (٢).
وفيها: ولد سفيان الثوري (٣).
وفيها: توفي سعيد بن مرجانة صاحب أبي هريرة، والفقيه طلحة بن عبيد الله بن عوف الزهري قاضي المدينة، وهو أحد الطلحات الموصوفين بالجود.
وفيها-أو في سنة ثمان-: توفي قيس بن أبي حازم الأحمسي البجلي الكوفي وقد جاوز المائة، سمع أبا بكر وطائفة من البدريين، وكان من علماء الكوفة.
وفيها: حج بالناس خليفتهم سليمان بن عبد الملك، وتوفي معه بوادي القرى موسى بن نصير الأعرج الأمير، الذي افتتح الأندلس وأكثر المغرب (٤).
***
السنة الثامنة والتسعون
فيها: توفي أبو عمرو سعد الشيباني الكوفي، وأبو هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية الهاشمي.
стр. 520
وفيها أو في التي بعدها: توفي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الضرير أحد الفقهاء السبعة.
وفيها: توفي كريب مولى ابن عباس، والفقيهة عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وكانت في حجر عائشة، فأكثرت الرواية عنها.
***
السنة التاسعة والتسعون
فيها-في عاشر صفر منها-: مات الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان بعد أن استخلف على الناس عمر بن عبد العزيز، فبعث عمر إلى مسلمة بن عبد الملك وهو محاصر قسطنطينية بخيل عتاق وطعام كثير تقوية لعسكره، وأمره بالقفول، وأغزى مكانه عمرو بن قيس السكوني (١).
وفيها: أغارت الخزر على أذربيجان فأصابوا منهم، وسار إليهم عبد العزيز بن حاتم الباهلي فقتلهم قتلا ذريعا (٢).
وفيها: عزل عمر بن عبد العزيز يزيد بن المهلب عن العراق، وولى عديّ بن أرطاة الفزاري البصرة، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفة، والجراح بن عبد الله الحكمي خراسان وسجستان، وأخذ يزيد بن المهلب وأهل بيته وعماله بالأموال، فبلغ ذلك مخلد بن يزيد، فأقبل من خراسان ومعه الأموال وقال: أنا أتحمل ما على أبي، فلم يقبل منه عمر، ومات مخلد، فأمر عمر بيزيد فألبس جبة صوف، وحمل في محمل بعير وطاف [ .... ] (٣) وأمر أن يسير إلى دهلك، فغضبت عشيرته فرده إلى الحبس (٤).
وفيها: مات أبو الأسود الدّؤلي على خلاف قد تقدم (٥)، واسمه: ظالم بن عمرو، ومحمود بن الربيع الأنصاري الخزرجي، وعبد الله بن محيريز الجمحي المكي نزيل بيت المقدس، والحسن بن محمد ابن الحنفية، ونافع بن جبير.
стр. 521
السنة الموفية مائة
فيها: وقع الطاعون بالبصرة فسموه طاعون عدي بن أرطاة (١).
وفيها: ابتدأ أمر الدول العباسية، وذلك: أن أبا هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية قدم على سليمان بن عبد الملك في سنة ثمان وتسعين، فأعجب به وقضى حاجته وصرفه، وضم إليه من يسمّه، فلما صار من السراة .. سمّ، فلما أحسّ بذلك .. قال لأصحابه:
ميلوا إلى ابن عمي محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وهو يومئذ بالحميمة من السراة من كورة البلقاء من أرض دمشق، فلما صار إليه .. أوصى إليه وأعلمه أن الخلافة صائرة إلى ولده، وأفشى إليه أسراره وقال له: إذا مضت سنة مائة .. فوجه دعاتك، واعلم أن هذا الأمر يتم لابن الحارثية من ولدك، وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من زواج الحارثية؛ لما يرون من زوال ملكهم على يد ابن الحارثية، فلما ولي عمر بن عبد العزيز .. جاء إليه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، واستأذنه في زواج الحارثية بنت خاله، فأذن له في زواجها، فقيل لعمر: ما كان بنو أمية يرونه، فقال: إن قضاء الله لا يرده شيء، فتزوجها فولدت له السفاح الذي كان زوال ملك بني أمية على يده.
فلما دخلت سنة مائة .. ابتدأ محمد بن علي في دعاء الناس، فكان أول من استجاب له أربعة نفر من الكوفة، وهم: أبو رباح ميسرة النبال، وأبو عمرو البزار، والمنذر الهمداني، ومصقلة الطحان، فأمرهم أن يدعوا إلى إمامته ولا يجاوزوا الكوفة، ففعلوا ذلك، فاستجاب لهم: أبو عكرمة زياد بن درهم مولى همدان، وأبو هاشم بكر بن ماهان المروزي، وموسى السراج، وأبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، وحفص الأشتر، فاستأذنوه في بث الدعوة، فقال: الكوفة وسوادها شيعة علي وأهل بيته، والبصرة وأهلها شيعة عثمان، والجزيرة حرورية مارقة، والشام لا يعرفون إلا أبا سفيان وطاعة ابن مروان، ومكة والمدينة واليمامة والبحرين قد غلب عليها أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان؛ فإني أتفأل إلى مطلع الشمس سراج الدنيا ومصباح الخلق، فوجه محمد بن علي ميسرة النبال على العراق، ووجه جماعة دعاة إلى خراسان، فلقوا بها من لقوه واستجاب لهم (٢).
стр. 522
وفيها: توفي أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني آخر الصحابة موتا على الإطلاق، وسالم بن أبي الجعد الكوفي، وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري أحد الفقهاء السبعة، وأبو عثمان النهدي، وشهر بن حوشب، وبسر بن سعيد المدني الزاهد.
والله سبحانه أعلم
***
стр. 523
[المجلد الثاني]
طبقات المائة الثانية
стр. 524
العشرون الأولى من المائة الثانية
[الاعلام]
٤٩٦ - [عمر بن عبد العزيز] (١)
عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم القرشي الأموي أبو حفص.
أحد الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وأحد المجددين للدين.
أمه: أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، مر عمر بن الخطاب ليلة يعس بالمدينة، فسمع امرأة تقول لبنتها: قومي امذقي اللبن، قالت: أوما سمعت نهي أمير المؤمنين عن ذلك؟ ! فقالت: وأين منا أمير المؤمنين الآن؟ ! فقالت البنيّة: والله؛ ما كنت لأطيعه في العلانية وأعصيه في السر.
وقيل: إنها قالت: إن غاب عمر .. فرب عمر لا يغيب، فاستحسن عمر كلامها، فزوج ابنه عاصما على البنية، فولدت له أم عاصم، فتزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له عمر.
ويقال: إن عبد العزيز لما أراد أن يتزوج أم عمر .. قال لقيّمه: اجمع لي أربع مائة دينار من طيب مالي؛ فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح، فتزوج أم عمر المذكورة، فولد بمصر سنة إحدى وستين، فأرسل به أبوه إلى المدينة ليتعلم القرآن والسنن، واستنابه الوليد بن عبد الملك على المدينة وعلى عمارة المسجد الشريف، وقرّبه سليمان بن عبد الملك، وكان يستشيره في أموره، فلما حضر سليمان الوفاة .. أراد أن يعهد إلى بعض بنيه وهو غلام، فقال له رجاء بن حيوة: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ إن مما يحفظ به الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح، فقال سليمان: أنا أستخير الله وانظر فيه، ولم أعزم عليه، ثم بعد يومين قال لرجاء بن حيوة: ما ترى في داود بن سليمان؛
стр. 525
يعني: ابنه، فقلت: هو غائب عنك بقسطنطينية، ولا تدري أحي هو أم ميت، قال: فمن ترى؟ قلت: رأيك، ثم قال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ قلت: أعلمه والله خيّرا فاضلا مسلما، قال: هو والله على ذلك، ثم قال: والله؛ لئن وليته ولم أولّ أحدا سواه ..
لتكونن فتنة؛ فلا يتركونه عليهم أبدا إلا أن أجعل أحدهم بعده وكتب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز: إني أوليك الخلافة من بعدي، ومن بعدك يزيد بن عبد الملك، فليسمع المؤمنون له وليطيعوا، وليتقوا الله ولا يختلفوا فيطمع فيهم، وختم الكتاب، ثم بعث إلى صاحب شرطته يأمره أن يجمع أهل بيته، فلما اجتمعوا .. قال لرجاء: اذهب بكتابي وأخبرهم أنه كتابي، ومرهم فليبايعوا لمن وليت فيه، ففعل رجاء، فقالوا: ندخل ونسلم على أمير المؤمنين، قال: نعم، فقال لهم سليمان: في هذا الكتاب عهدي، فبايعوا وأطيعوا لمن سميت فيه، فبايعوه رجلا رجلا، وخرج بالكتاب مختوما.
قال رجاء: فلما تفرقوا .. جاءني عمر بن عبد العزيز، فقال: إني أخشى أن يكون هذا قد أسند إليّ شيئا من الأمر، فأنشدك الله إلا أعلمتني، إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة.
قال رجاء: وجاءني هشام بن عبد الملك فقال: إن لي بك حرمة ومودة قديمة، وعندي شكر، فأعلمني هذا الأمر؛ فإن كان إليّ .. علمت، وإن كان إلى غيري .. تكلمت؛ فليس مثلي يصرف عنه ذلك ولك الله علي لا أذكر من هذا شيئا.
فقال له رجاء: لا والله لا أخبرك حرفا واحدا مما أسر إليّ، فانصرف هشام يضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو يقول: فإلى من تخرج إذن من بني عبد الملك؟
فلما مات سليمان .. جمعهم رجاء قبل أن يعلموا بموته، وأخذ عليهم البيعة ثانيا لمن في الكتاب، فلما بايعوه ثانية .. نعى إليهم سليمان وأظهر الكتاب.
فقال هشام: لا أبايعه والله أبدا، فقال له رجاء: إذن والله أضرب عنقك، قم فبايع من قد بايعته مرتين، فقام يجر رجليه، وأخذ رجاء بضبعي عمر فأجلسه على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه، وهشام يسترجع لما فاته، ثم أخرجت جنازة سليمان، فخرج أولاد عبد الملك ركبانا، وخرج عمر بن عبد العزيز ماشيا، فلما انصرف من الدفن .. عرضت
стр. 526
عليه دواب سليمان، فركب منها بغلة شهباء وانصرف، ثم بدأ بأهله فرد ما كان بأيديهم من المظالم، ثم فعل ذلك بالناس، ثم كتب إلى عماله في الجهات برد المظالم إلى أهلها.
وعن أبي بكر بن محمد قال: كتب إليّ عمر: أن استقر في الدواوين، فانظر إلى كل جور جاره من قبلي في حق مسلم أو معاهد فرده إليه، فإن مات أهل المظلمة .. فرده إلى ورثتهم، وما كان يقدم على أحد من عماله كتاب منه إلا فيه رد مظلمة، أو إحياء سنة، أو إطفاء بدعة، أو قسم، أو تقدير عطاء حتى خرج من الدنيا.
ولما استخلف .. باع كل ما كان بملكه من الفضول من عبد ولباس وعطر وكل ما يستغنى عنه، فبلغ ذلك ثلاثة وعشرين ألف دينار، فجعله في السبيل، وكان قبل الخلافة متنعما في مطعمه وملبسه، حتى إنه كان يؤتى بالثوب النفيس فيقول: ما أحسنه لولا خشونة فيه، فلما ولي الخلافة .. زهد في الدنيا، حتى كان يؤتى بالثوب الخشن فيقول: ما أحسنه لولا نعومة فيه.
وقال ﵁: لي نفس تواقة تاقت إلى معالي الأمور فنالت الخلافة، ثم تاقت إلى الجنة.
ومناقبه كثيرة، وقد أجمعوا على جلالته وفضله، ووفور علمه وصلاحه، وزهده وورعه، وعدله وشفقته على المسلمين، وحسن سيرته فيهم، وبذل وسعه في الاجتهاد في طاعة الله تعالى، وحرصه على اتباع آثار رسول الله ﷺ والاقتداء بسنته وسنة الخلفاء الراشدين.
وخرج في أيامه بسطام اليشكري الخارجي المعروف بشوذب في ثمانين رجلا، وهزم جيوش العراق، فكتب إليه عمر: بلغني أنك خرجت كما تزعم غضبا لله تعالى ولرسوله ﷺ ، ولست بأولى بذلك مني، فهلم فلنتناظر؛ فإن كان الحق بأيدينا ..
دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك .. نظرنا في أمرك، فأمسك بسطام عن الحرب، وبعث إليه رجلين، فلما وصلا إلى عمر .. قالا له: أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟
قال: صيّره غيري.
قالا: أفرأيت لو وليت مالا لغيرك، ثم وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمنك عليه؟
стр. 527
قال: أنظراني ثلاثا، فخرجا من عنده، وبلغ ذلك بني مروان، فخافوا أن يخرج ما في أيديهم من الأموال وأن يخلع يزيد، فدسوا إلى عمر من سقاه سما، فلم يلبث بعد خروجهما من عنده ثلاثا حتى مات بدير سمعان قرية من حمص، وقبره مشهور هناك يزار ويتبرك به.
توفي يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وفي ذلك يقول جرير من قصيدة: [من البسيط]
لو كنت أملك والأقدار غالبة ... تأتي رواحا وتبيانا وتبتكر
رددت عن عمر الخيرات مصرعه ... بدير سمعان لكن يغلب القدر
وعمره تسع وثلاثون سنة وستة أشهر، وكان يقال له: أشج بني أمية؛ لأن دابة ضربته في وجهه فشجته.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلا.
وكان لعمر بن عبد العزيز أربعة عشر ابنا، منهم الولد الصالح عبد الملك، كان من أعبد الناس وأبرهم بوالديه، وكان وزيرا صالحا لأبيه، وبطانة خير يشير عليه بمصالح الرعية، ويعينه على الاهتمام بمصالح المسلمين، وتوفي قبل أبيه وهو ابن سبع عشرة سنة وستة أشهر.
قال الإمام أحمد ابن حنبل: (روي في الحديث: «إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها»، فنظرنا في المائة الأولى؛ فإذا هو عمر بن عبد العزيز) اه (١)
قال النووي: (وهذا الحديث الذي ذكره الإمام أحمد رواه أبو داود في «سننه» عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، وحمله العلماء في المائة الأولى على عمر، وفي الثانية على الشافعي، وفي الثالثة على أبي العباس بن سريج، وقيل: أبو الحسن الأشعري، وفي الرابعة على أبي سهل الصعلوكي، أو ابن الباقلاني، أو أبي حامد الأسفراييني، وفي الخامسة على الإمام أبي حامد الغزالي) اه (٢)
стр. 528
٤٩٧ - [ربعي بن حراش] (١)
ربعي بن حراش-بمهملتين وآخره شين معجمة-الغطفاني، ويقال: العبسي أبو مريم الأعور، وهو أخو مسعود بن حراش.
سمع أبا مسعود عقبة بن عمرو، وحذيفة، وعلي، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه جماعة من التابعين، وكان من العباد، ويقال: إنه تكلم بعد الموت.
وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مائة أو إحدى ومائة.
٤٩٨ - [الحسن بن الحنفية] (٢)
الحسن بن محمد ابن الحنفية الهاشمي العلوي.
كان من عقلاء قومه وعلمائهم، يقال: إنه صنف كتابا في الإرجاء ثم ندم (٣).
وتوفي سنة إحدى ومائة، وقيل: سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة تسع وتسعين.
٤٩٩ - [إبراهيم بن عبد الله] (٤)
إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى العباس بن عبد المطلب المدني (٥).
سمع أباه وأبا مرة.
وروى عنه الزهري، وزيد بن أسلم وغيرهما.
وتوفي سنة إحدى ومائة.
стр. 529
٥٠٠ - [معاذة العدوية] (١)
معاذة بنت عبد الله العدوية البصرية امرأة صلة بن أشيم الفقيهة العابدة.
سمعت عائشة، وغيرها من الصحابة.
وروى عنها عاصم الأحول، وأبو قلابة، وقتادة وغيرهم.
وتوفيت بالبصرة سنة إحدى ومائة.
٥٠١ - [بشير بن يسار الأنصاري] (٢)
بشير-بضم الموحدة مصغرا-ابن يسار الأنصاري مولى بني حارثة من الأنصار المدني الفقيه.
سمع سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك، وسويد بن النعمان، وغيرهم من الصحابة.
روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره.
وتوفي سنة إحدى ومائة.
٥٠٢ - [عبد الرحمن بن كعب الأنصاري] (٣)
عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي أبو الخطاب.
سمع أباه، وجابر بن عبد الله.
وروى عنه الزهري، وسعد بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن سعد.
стр. 530
توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وقيل: في خلافة سليمان بن عبد الملك، وقيل: في خلافة هشام.
٥٠٣ - [حفصة بنت سيرين] (١)
حفصة بنت سيرين، أخت محمد ابن سيرين، ووالدة الهذيل بن عبد الرحمن.
سمعت أنس بن مالك، وأم عطية.
روى عنها أيوب، وعاصم الأحول، وخالد الحذاء، وغيرهم.
وتوفيت سنة إحدى ومائة.
٥٠٤ - [عائشة بنت طلحة] (٢)
عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب القرشية التيمية.
سمعت عائشة أم المؤمنين.
روى عنها حبيب بن أبي عمرة، ومعاوية بن إسحاق وغيرهما.
وهي التي أصدقها مصعب بن الزبير مائة ألف دينار، وكانت مشهورة بالحسن والجمال، وجمع بينها وبين سكينة بنت الحسين، وحجتا معا وهما في عصمة مصعب، كل منهما في هيئة عظيمة وأبهة زائدة، وكانت عائشة أعظم أبهة وزينة من سكينة، معها ستون بغلة ذات الزنانير، عليهم الجواري لابسين الديباج، فقال حاديها: [من الرجز]
عائش يا ذات البغال الستين ... لا زلت ما عشت كذا تحجين
وقال حادي سكينة: [من الرجز]
لولا أبوها ما اهتدى أبوك
فأمرت عائشة حاديها أن يكف عن الحداء وقالت: كنا في مزاح فصيرته سكينة جدا، أما في الجد .. فلا نكافئها والله.
وتوفيت عائشة سنة إحدى ومائة.