عليه دواب سليمان، فركب منها بغلة شهباء وانصرف، ثم بدأ بأهله فرد ما كان بأيديهم من المظالم، ثم فعل ذلك بالناس، ثم كتب إلى عماله في الجهات برد المظالم إلى أهلها.
وعن أبي بكر بن محمد قال: كتب إليّ عمر: أن استقر في الدواوين، فانظر إلى كل جور جاره من قبلي في حق مسلم أو معاهد فرده إليه، فإن مات أهل المظلمة .. فرده إلى ورثتهم، وما كان يقدم على أحد من عماله كتاب منه إلا فيه رد مظلمة، أو إحياء سنة، أو إطفاء بدعة، أو قسم، أو تقدير عطاء حتى خرج من الدنيا.
ولما استخلف .. باع كل ما كان بملكه من الفضول من عبد ولباس وعطر وكل ما يستغنى عنه، فبلغ ذلك ثلاثة وعشرين ألف دينار، فجعله في السبيل، وكان قبل الخلافة متنعما في مطعمه وملبسه، حتى إنه كان يؤتى بالثوب النفيس فيقول: ما أحسنه لولا خشونة فيه، فلما ولي الخلافة .. زهد في الدنيا، حتى كان يؤتى بالثوب الخشن فيقول: ما أحسنه لولا نعومة فيه.
وقال ﵁: لي نفس تواقة تاقت إلى معالي الأمور فنالت الخلافة، ثم تاقت إلى الجنة.
ومناقبه كثيرة، وقد أجمعوا على جلالته وفضله، ووفور علمه وصلاحه، وزهده وورعه، وعدله وشفقته على المسلمين، وحسن سيرته فيهم، وبذل وسعه في الاجتهاد في طاعة الله تعالى، وحرصه على اتباع آثار رسول الله ﷺ والاقتداء بسنته وسنة الخلفاء الراشدين.
وخرج في أيامه بسطام اليشكري الخارجي المعروف بشوذب في ثمانين رجلا، وهزم جيوش العراق، فكتب إليه عمر: بلغني أنك خرجت كما تزعم غضبا لله تعالى ولرسوله ﷺ ، ولست بأولى بذلك مني، فهلم فلنتناظر؛ فإن كان الحق بأيدينا ..
دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك .. نظرنا في أمرك، فأمسك بسطام عن الحرب، وبعث إليه رجلين، فلما وصلا إلى عمر .. قالا له: أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟
قال: صيّره غيري.
قالا: أفرأيت لو وليت مالا لغيرك، ثم وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمنك عليه؟
стр. 527
قال: أنظراني ثلاثا، فخرجا من عنده، وبلغ ذلك بني مروان، فخافوا أن يخرج ما في أيديهم من الأموال وأن يخلع يزيد، فدسوا إلى عمر من سقاه سما، فلم يلبث بعد خروجهما من عنده ثلاثا حتى مات بدير سمعان قرية من حمص، وقبره مشهور هناك يزار ويتبرك به.
توفي يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وفي ذلك يقول جرير من قصيدة: [من البسيط]
لو كنت أملك والأقدار غالبة ... تأتي رواحا وتبيانا وتبتكر
رددت عن عمر الخيرات مصرعه ... بدير سمعان لكن يغلب القدر
وعمره تسع وثلاثون سنة وستة أشهر، وكان يقال له: أشج بني أمية؛ لأن دابة ضربته في وجهه فشجته.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلا.
وكان لعمر بن عبد العزيز أربعة عشر ابنا، منهم الولد الصالح عبد الملك، كان من أعبد الناس وأبرهم بوالديه، وكان وزيرا صالحا لأبيه، وبطانة خير يشير عليه بمصالح الرعية، ويعينه على الاهتمام بمصالح المسلمين، وتوفي قبل أبيه وهو ابن سبع عشرة سنة وستة أشهر.
قال الإمام أحمد ابن حنبل: (روي في الحديث: «إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها»، فنظرنا في المائة الأولى؛ فإذا هو عمر بن عبد العزيز) اه (١)
قال النووي: (وهذا الحديث الذي ذكره الإمام أحمد رواه أبو داود في «سننه» عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، وحمله العلماء في المائة الأولى على عمر، وفي الثانية على الشافعي، وفي الثالثة على أبي العباس بن سريج، وقيل: أبو الحسن الأشعري، وفي الرابعة على أبي سهل الصعلوكي، أو ابن الباقلاني، أو أبي حامد الأسفراييني، وفي الخامسة على الإمام أبي حامد الغزالي) اه (٢)
стр. 528
٤٩٧ - [ربعي بن حراش] (١)
ربعي بن حراش-بمهملتين وآخره شين معجمة-الغطفاني، ويقال: العبسي أبو مريم الأعور، وهو أخو مسعود بن حراش.
سمع أبا مسعود عقبة بن عمرو، وحذيفة، وعلي، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه جماعة من التابعين، وكان من العباد، ويقال: إنه تكلم بعد الموت.
وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مائة أو إحدى ومائة.
٤٩٨ - [الحسن بن الحنفية] (٢)
الحسن بن محمد ابن الحنفية الهاشمي العلوي.
كان من عقلاء قومه وعلمائهم، يقال: إنه صنف كتابا في الإرجاء ثم ندم (٣).
وتوفي سنة إحدى ومائة، وقيل: سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة تسع وتسعين.
٤٩٩ - [إبراهيم بن عبد الله] (٤)
إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى العباس بن عبد المطلب المدني (٥).
سمع أباه وأبا مرة.
وروى عنه الزهري، وزيد بن أسلم وغيرهما.
وتوفي سنة إحدى ومائة.
стр. 529
٥٠٠ - [معاذة العدوية] (١)
معاذة بنت عبد الله العدوية البصرية امرأة صلة بن أشيم الفقيهة العابدة.
سمعت عائشة، وغيرها من الصحابة.
وروى عنها عاصم الأحول، وأبو قلابة، وقتادة وغيرهم.
وتوفيت بالبصرة سنة إحدى ومائة.
٥٠١ - [بشير بن يسار الأنصاري] (٢)
بشير-بضم الموحدة مصغرا-ابن يسار الأنصاري مولى بني حارثة من الأنصار المدني الفقيه.
سمع سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك، وسويد بن النعمان، وغيرهم من الصحابة.
روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره.
وتوفي سنة إحدى ومائة.
٥٠٢ - [عبد الرحمن بن كعب الأنصاري] (٣)
عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي أبو الخطاب.
سمع أباه، وجابر بن عبد الله.
وروى عنه الزهري، وسعد بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن سعد.
стр. 530
توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وقيل: في خلافة سليمان بن عبد الملك، وقيل: في خلافة هشام.
٥٠٣ - [حفصة بنت سيرين] (١)
حفصة بنت سيرين، أخت محمد ابن سيرين، ووالدة الهذيل بن عبد الرحمن.
سمعت أنس بن مالك، وأم عطية.
روى عنها أيوب، وعاصم الأحول، وخالد الحذاء، وغيرهم.
وتوفيت سنة إحدى ومائة.
٥٠٤ - [عائشة بنت طلحة] (٢)
عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب القرشية التيمية.
سمعت عائشة أم المؤمنين.
روى عنها حبيب بن أبي عمرة، ومعاوية بن إسحاق وغيرهما.
وهي التي أصدقها مصعب بن الزبير مائة ألف دينار، وكانت مشهورة بالحسن والجمال، وجمع بينها وبين سكينة بنت الحسين، وحجتا معا وهما في عصمة مصعب، كل منهما في هيئة عظيمة وأبهة زائدة، وكانت عائشة أعظم أبهة وزينة من سكينة، معها ستون بغلة ذات الزنانير، عليهم الجواري لابسين الديباج، فقال حاديها: [من الرجز]
عائش يا ذات البغال الستين ... لا زلت ما عشت كذا تحجين
وقال حادي سكينة: [من الرجز]
لولا أبوها ما اهتدى أبوك
فأمرت عائشة حاديها أن يكف عن الحداء وقالت: كنا في مزاح فصيرته سكينة جدا، أما في الجد .. فلا نكافئها والله.
وتوفيت عائشة سنة إحدى ومائة.
стр. 531
٥٠٥ - [أبو الأشعث الصنعاني] (١)
أبو الأشعث الصنعاني-من صنعاء الشام-الشامي، واسمه: شراحيل بن آدة، ويقال:
ابن كليب بن آدة.
سمع عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبا أسماء الرحبي.
وروى عنه أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي.
توفي سنة إحدى ومائة.
٥٠٦ - [أبو بكر الأشعري] (٢)
أبو بكر بن أبي موسى، واسمه: عمرو، وقيل: عامر، واسم أبي موسى:
عبد الله بن قيس الأشعري.
سمع أباه، والبراء بن عازب.
وروى عنه أبو عمران الجوني، وأبو حمزة الضبعي، وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم.
وولي قضاء البصرة فيما أظن (٣)، وكان أكبر من أخيه أبي بردة.
وتوفي سنة إحدى ومائة.
٥٠٧ - [أبو صالح السمان] (٤)
أبو صالح السمان، ويقال له: الزيات، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، واسمه: ذكوان، وهو مدني غطفاني، مولى جويرية بنت الأحمس امرأة من قيس،
стр. 532
ويقال: مولى لعبد الله بن غطفان، وهو والد سهيل بن أبي صالح.
سمع سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وابن عباس، وجابرا وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وروى عنه عطاء بن أبي رباح، ومحمد ابن سيرين في خلق من التابعين.
واتفقوا على توثيقه وجلالته، وشهد الدار زمن عثمان.
وتوفي بالمدينة سنة إحدى ومائة.
٥٠٨ - [يزيد بن المهلب بن أبي صفرة] (١)
يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي أمير العراق لسليمان بن عبد الملك، فاستفتح جرجان وكان قد غلب عليها الخزر، وصالح الأصبهبذ على ألفي ألف درهم، وفتح دهستان، وكتب إلى سليمان: أنه قد صار عنده من الخمس بعد أن أوصل إلى كل ذي حق حقه ستة آلاف ألف، فأشار عليه أصحابه ألاّ يسمي مبلغا، فأبى لثقته برأي سليمان، وأنه يخليها له، فثبتت في الديوان، ومات سليمان فطالبه بها عمر بن عبد العزيز، وحبسه وطاف به في جبة صوف بعد أن ضربه أسواطا، وأراد نفيه إلى جزيرة دهلك، ثم رده إلى السجن، فلما توفي عمر .. أخرجه خواصه من السجن، فوثب على البصرة وفر منه عاملها عدي بن أرطاة الفزاري، ونصب يزيد رايات سوداء، وتسمى بالقحطاني، وقال: أدعوا إلى سيرة عمر بن الخطاب، فوجه إليه يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك وولاه العراق، فالتقى هو ويزيد بن المهلب بالعقر من أرض بابل، فقتل ابن المهلب، وانهزم جيشه في صفر سنة اثنتين ومائة.
وكان كثير الغزو والفتوح، جوادا ممدحا، وكان الحجاج قبل ذلك في ولاية الحجاج على العراق قد قبض على يزيد قبل ذلك، فأخذه بسوء العذاب، فسأله أن يخفف عنه العذاب على أن يعطيه كل يوم مائة ألف درهم، فإن أداها .. وإلا عذبه في الليل، فجمع له
стр. 533
يوما مائة ألف درهم ليشتري بها نفسه من عذاب ذلك اليوم، فدخل عليه الأخطل الشاعر فأنشده: [من الطويل]
أبا خالد بادت خراسان بعدكم ... وقال ذوو الحاجات أين يزيد
فلا نظر الراءون بعدك منظرا ... ولا اخضر بالمروين بعدك عود
فما لسرير الملك بعدك بهجة ... ولا لجواد بعد جودك جود (١)
فأعطاه المائة ألف، ووطن نفسه على الصبر لعذاب ذلك اليوم، فبلغ الحجاج ذلك فقال: أكل هذا الكرم وأنت بهذه الحالة؟ ! قد وهبت لك عذاب اليوم وما بعده.
قال ابن خلكان: (أجمع علماء التاريخ على أنه لم يكن في أيام بني أمية أكرم من بني المهلب، كما لم يكن في دولة بني العباس أكرم من البرامكة) (٢).
ولما قتل يزيد في المعركة .. عمد ابنه معاوية فأخرج من الحبس عدي بن أرطاة وجماعة فذبحهم صبرا، ولما حمل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك .. نال منه جلساؤه، فقال: مه؛ إن يزيد طلب جسيما، وركب عظيما، ومات كريما.
٥٠٩ - [يزيد بن أبي مسلم الثقفي] (٣)
يزيد بن أبي مسلم الثقفي، مولى الحجاج بن يوسف وكاتبه.
وكان فيه كفاية ونهضة، ولما حضرت الحجاج الوفاة .. استخلفه بالعراق، فأقره الوليد بن عبد الملك، وقال الوليد يوما مشيرا إلى كفايته وقيامه فيما ولي: مثلي ومثل الحجاج وابن أبي مسلم كرجل ضاع له درهم فوجد دينارا، ولما مات الوليد وولي سليمان .. عزل يزيد المذكور، واستحضره فرآه دميما، كبير البطن، قبيح الوجه، فقال:
لعن الله من أشركك في أمانته، وحكمك في دينه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا تقل ذاك؛ فإنك رأيتني والأمور مدبرة عني، فلو رأيتني وهي مقبلة .. لاستعظمت ما استصغرت، ولاستجللت ما احتقرت، فقال سليمان: قاتله الله ما أسد عقله، وأعضب لسانه (٤)! ثم قال
стр. 534
له سليمان: يا يزيد؛ أترى صاحبك الحجاج يهوي بعد في جهنم أم قد استقر في قعرها؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن الحجاج عادى عدوكم، ووالى وليكم، وبذل مهجته لكم، فهو يوم القيامة عن يمين عبد الملك، ويسار الوليد، فاجعله حيث أحببت.
وقيل: إنه قال: يحشر بين أخيك وأبيك، فضعهما حيث شئت، فقال سليمان:
قاتله الله ما أوفاه لصاحبه! إذا اصطنعت الرجال .. فليصطنع مثل هذا، فقال بعض الحاضرين: اقتله يا أمير المؤمنين، فقال يزيد: من هذا؟ قالوا: فلان بن فلان، قال:
والله؛ لقد بلغني أن أمه ما كان شعرها يواري أذنيها، فما تمالك سليمان أن ضحك وأمر بتخليته، ثم كشف عنه فلم يجد له خيانة في دينار ولا درهم، فهم باستكتابه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أنشدك الله يا أمير المؤمنين؛ ألا تحيي ذكر الحجاج باستكتابك كاتبه، فأعلمه سليمان أنه لم يخن قط في دينار ولا درهم، فأجابه عمر بأن إبليس لم يخن فيهما وقد أهلك هذا الخلق، فتركه.
توفي يزيد المذكور في سنة اثنتين ومائة.
٥١٠ - [الضحاك بن مزاحم] (١)
الضحاك بن مزاحم الهلالي.
صاحب التفسير، فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارا يدور عليهم إذا أعيا.
توفي بخراسان سنة اثنتين ومائة.
٥١١ - [عطاء بن يسار] (٢)
عطاء بن يسار الهلالي المدني أبو محمد، مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، وأخو سليمان وعبد الملك وعبد الله بنو يسار، من كبار التابعين.
стр. 535
سمع ابن مسعود، وابن عمرو بن العاصي، ومولاته ميمونة، وغيرهم من الصحابة، وكان إماما كثير الحديث، اتفقوا على توثيقه.
توفي سنة ثلاث-أو أربع-ومائة، وقيل: توفي سنة أربع-أو سبع-وتسعين.
٥١٢ - [مجاهد بن جبر] (١)
مجاهد بن جبر-ويقال: جبير بالتصغير-المكي المخزومي مولاهم، مولى عبد الله بن السائب المخزومي، التابعي الكبير المشهور.
سمع ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وغيرهم من الصحابة وطاووسا، وابن أبي ليلى، وغيرهم من التابعين.
وروى عنه طاوس أيضا، وعطاء، وعكرمة وغيرهم، واتفقوا على جلالته، ورئاسته في الفقه والتفسير والحديث وتوثيقه.
قال: عرضت على ابن عباس القرآن ثلاثين مرة.
توفي سنة ثلاث-أو اثنتين أو إحدى-ومائة، وقيل: سنة مائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة.
٥١٣ - [مصعب بن سعد بن أبي وقاص] (٢)
مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني.
سمع أباه، وعليا، وابن عمر.
وروى عنه مجاهد، وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما، وكان إماما فاضلا، كثير الحديث، اتفقوا على توثيقه.
توفي سنة ثلاث ومائة.
стр. 536
٥١٤ - [موسى بن طلحة التيمي] (١)
موسى بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب القرشي التيمي أبو عيسى المدني، ثم تحول إلى الكوفة.
سمع أباه، وعثمان بن عفان، وحكيم بن حزام، وعبد الله بن عمر وغيرهم.
وروى عنه جماعة من التابعين.
قالوا: هو أفضل إخوته بعد محمد، وكان يسمى في زمانه المهدي.
توفي سنة ثلاث-أو أربع-ومائة.
٥١٥ - [يحيى بن وثاب الأسدي] (٢)
يحيى بن وثاب الأسدي مولاهم الكوفي مقرئها التابعي القارئ.
كان أحسن الناس قراءة، إذا قرأ .. لا يسمع في المسجد حركة لإنصاتهم لقراءته.
قال الأعمش: كنت إذا رأيته .. قلت: هذا قد جاء من الحساب.
سمع ابن عمر، وابن عباس، وروى عن ابن مسعود، وأبي هريرة وغيرهم.
وروى عنه جمع من التابعين.
توفي سنة ثلاث ومائة.
٥١٦ - [يزيد بن الأصم] (٣)
يزيد بن الأصم-واسم الأصم: عبد عمرو-ابن عدس بن معاوية بن عبادة العامري
стр. 537
أبو عوف ابن خالة ابن عباس وخالد بن الوليد، أمه: برزة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين.
سمع خالته ميمونة، وأبا هريرة، ومعاوية، وابن عباس وغيرهم.
وروى عنه الزهري، وجعفر بن برقان وغيرهما.
توفي سنة ثلاث ومائة.
٥١٧ - [الشعبي] (١)
عامر بن شراحيل الشعبي-نسبة إلى شعب بالفتح، قال ابن خلكان: (بطن من همدان) (٢)، وقال الجوهري: (جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده ودفن به) (٣)، قال الشيخ اليافعي: (وشعب في بلاد اليمن معروف بالقرب من موضعنا) (٤) - أبو عمرو الكوفي الإمام الحبر العلامة، يقال: إن جده من أقيال اليمن من حمير، وهو تابعي جليل القدر، غزير العلم، وافر العقل.
أرسله عبد الملك برسالة إلى ملك الروم، فكان لا يسأله عن شيء إلا أجابه، فلما استكمله .. قال: أمن أهل بيت المملكة أنت؟ قال: لا، بل رجل من العرب، فدفع إليه رقعة مختومة، وقال: إذا أوصلت الرسالة إلى صاحبك .. فادفع له الرقعة، ففعل الشعبي ذلك، فقال له عبد الملك لما قرأها: أقال لك عند ما أعطاك الرقعة شيئا؟ قلت: نعم، قال: أمن بيت المملكة أنت؟ قلت: لا، ولكني من العرب، فقال لي: أتدري ما في الرقعة؟ قلت: لا، فدفعها إليّ فقرأتها؛ فإذا فيها: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره؟ ! فقلت: والله؛ لو علمت ما فيها .. ما حملتها، ثم قلت: إنما قال هذا يا أمير المؤمنين؛ لأنه لم يرك، قال: أفتدري لم كتبها؟ قلت: لا، قال: حسدني عليك، فكتبها ليغريني على قتلك.
стр. 538
وكان الشعبي مزاحا، قال له الحجاج يوما: كم عطاءك؟ أي: بالنصب، قال:
ألفين، فقال له الحجاج: كم عطاؤك؟ أي: بالرفع، فقال: ألفان، فقال له: كيف لحنت أولا؟ قال: لحن الأمير فلحنت، فلما أعرب .. أعربت، ولا يحسن أن يلحن الأمير فأعرب أنا، فاستحسن ذلك منه وأجازه.
وتحاكم إليه مرة رجل وزوجته، فحكم للمرأة على الرجل، فقال الرجل: [من مجزوء الرمل]
فتن الشعبيّ لما ... رفع الطّرف إليها
.. في أبيات، فمر الشعبي بشخص وهو يقول:
فتن الشعبي لمّا
ثم التفت فرأى الشعبي، فسكت استحياء، فأتم الشعبي البيت وقال:
....... لما ... رفع الطرف إليها
دخل الشعبي على الحجاج بعد هزيمة ابن الأشعث، وكان الشعبي من جملة من خرج مع ابن الأشعث، فقال له الحجاج: أدب وافر، وعقل نافر، فقال: صدق الأمير؛ العقل غريزة، والأدب تكلف، ولولا أنتم معشر الملوك .. ما تأدبنا، قال الحجاج: فالمنّة لنا في ذلك دونكم، قال: صدق الأمير.
يروى: أنه قال: ما أروي-أو ما أحفظ-شيئا أقل من الشعر، ولو شئت أن أنشده شهرا ولا أعيد شيئا .. لفعلت.
يقال: إن عبد الملك قال له يوما: أنشدني أحكم ما قالت العرب وأوجزه، فقال: قول امرئ القيس: [من البسيط]
صبّت عليه وما تنصبّ من أمم ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب
وقول زهير: [من الطويل]
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لم يتق الشتم يشتم
وقول النابغة: [من الطويل]
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرجال المهذّب
стр. 539
وقول عدي بن يزيد: [من الطويل]
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدي
وقول طرفة بن العبد: [من الطويل]
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقول الحطيئة: [من البسيط]
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب الخير بين الله والناس
في أبيات أخر من أشعار العرب.
وكان رحمه الله تعالى يقول: إنما الفقيه من ورع عن محارم الله تعالى، والعالم من خاف الله .
وقال: ما أودعت قلبي شيئا قط فخانني.
توفي ﵀ سنة أربع-أو خمس أو ثلاث-ومائة.
٥١٨ - [خالد بن معدان] (١)
خالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي الشامي الحمصي أبو عبد الله.
لقي سبعين رجلا من أصحاب النبي ﷺ .
وسمع أبا أمامة، والمقدام بن معدي كرب وغيرهما.
وروى عنه محمد بن إبراهيم التيمي وغيره.
وكان فقيها عابدا، قيل: كان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة.
توفي بطرسوس سنة أربع ومائة.
٥١٩ - [عامر بن سعد بن أبي وقاص] (٢)
عامر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري المدني التابعي.
стр. 540
سمع أباه، وعثمان بن عفان، وابن عمر وغيرهم.
وروى عنه ابنه داود، وسعيد بن المسيب، وغيرهم من التابعين، واتفقوا على توثيقه وكثرة علمه.
وكان رأسا في العلم والعمل، طلب للقضاء فهرب إلى الشام، ونزل بداريا.
وتوفي بالمدينة سنة أربع-أو ثلاث ومائة-وقيل: سنة مائة.
٥٢٠ - [أبو بردة بن أبي موسى الأشعري] (١)
أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، واسمه: عامر، واسم أبيه: عبد الله بن قيس.
ولي قضاء الكوفة، فعزله الحجاج، وجعل أخاه أبا بكر مكانه.
سمع أباه، وعليا، وابن عمر، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه الشعبي، والسبيعي، وغيرهما من التابعين.
وكان ثقة كثير الحديث، وهو جد الإمام أبي الحسن الأشعري إمام أهل السنة.
توفي أبو بردة بالكوفة سنة أربع-أو ثلاث-ومائة.
٥٢١ - [كثيّر عزّة] (٢)
كثيّر عزّة، واسم أبيه: عبد الرحمن الخزاعي، عرف بكثّير-تصغير كثير-لقصره، وأضيف إلى محبوبته عزة بنت جميل بن حفص الغفارية.
وكان شيعيا غاليا يؤمن بالرجعة؛ أي: الرجوع إلى الدنيا بعد الموت، وهو أحد عشاق العرب المشهورين، وله في ذلك نوادر وأمور مشهورة، وأكثر شعره فيها، ومن أجود شعره
стр. 541
قصيدته التائية التي يقول فيها: [من الطويل]
وإني وتهيامي بعزّة بعد ما ... تسليت من وجد بها وتسلّت
لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وكان لكثير غلام عطار في المدينة، وربما باع نساء العرب بالنسيئة، فأعطى عزة-وهو لا يعرفها-شيئا من العطر، فمطلته أياما، وحضرت إلى حانوته في نسوة، فطالبها فقالت:
حبا وكرامة، ما أقرب الوفاء وأسرعه، فأنشد متمثلا قول سيّده كثير: [من الطويل]
قضى كل ذي دين فوفّى غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها
فقال له النسوة: أتدري من غريمتك؟ قال: لا والله، قلن: هي عزة، قال:
أشهدكن الله أنها في حل مما لي قبلها، ثم أخبر سيده بذلك، فقال: وأنا أشهد الله أنك حر لوجهه، ووهبه جميع ما في حانوته من العطر، وذلك من عجائب الاتفاق.
وأغرب منه ما يحكى: أنه لما عزم عبد الملك للسير لمحاربة مصعب بن الزبير ..
ناشدته زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية: ألا يخرج بنفسه، وأن يستنيب غيره في حربه، وألحت عليه في ذلك، فلم يوافقها على ما سألت، وصمم على المخرج، فبكت حتى بكى من كان حولها من حشمها، فقال عبد الملك: قاتل الله ابن أبي جمعة-يعني كثيرا-كأنه رأى موقفنا هذا حيث قال: [من الطويل]
إذا ما نبا للغزو لم تثن عزمه ... حصان عليها نظم درّ يزينها
نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها
ثم خرج عبد الملك فواجهه كثيّر، فقال: إنّه-أي: ذكرت الآن-يا بن أبي جمعة، أتدري لماذا؟ قال: أظن أن عاتكة عذلت عن هذا المخرج، فلم تصغ لقولها، فبكت حتى بكى حشمها لبكائها، فذكرت قولي، وذكر البيتين ... فقال: قاتلك الله، كأنك كنت معنا!
ويروى: أن عزة دخلت على أم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان، أخت عمر بن عبد العزيز، وزوجة الوليد بن عبد الملك فقالت لها: أرأيت قول كثير: [من الطويل]
قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنّى غريمها
ما كان ذلك الدين؟ قالت: قبلة وعدته بها ثم خرجت منها، فقالت أم البنين: أنجزيه
стр. 542
ما وعدتيه وإثمها علي، ثم تحرجت أم البنين من هذا القول، فأعتقت كذا وكذا رقبة عما صدر منها من الكلام.
يروى: أن عبد الملك بن مروان قال له: بحق علي بن أبي طالب؛ هل رأيت أحدا أعشق منك؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ لو نشدتني بحقك .. لأخبرتك، فقال: نشدتك بحقي إلا ما أخبرتني، فقال: بينا أنا أسير-يا أمير المؤمنين-في بعض الفلوات؛ إذ أنا برجل قد نصب حبالة، فقلت له: ما أجلسك ههنا؟ قال: أهلكني وأهلي الجوع، فنصبت حبالتي هذه لأصيد لهم ولنفسي، فقلت له: أرأيت إن أصبت صيدا أتجعل لي منه جزءا؟ قال: نعم، قال: فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية في الحبالة، فتبادرنا إليها فحلها وأطلقها، فقلت له: ما حملك على هذا؟ ! قال: دخلتني لها رأفة لشبهها بليلى، وأنشد: [من الطويل]
أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني ... لك اليوم من وحشيّة لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... فأنت لليلى ما حييت طليق
وكان كثير بالمدينة وعزة بمصر فاشتاق إليها، فعزم إلى مصر فدخلها والناس منصرفون عن جنازتها.
وتوفي كثير بالمدينة سنة أربع-أو خمس-ومائة.
٥٢٢ - [الخليفة يزيد بن عبد الملك] (١)
يزيد بن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي أبو خالد، أمه: عاتكة بنت يزيد بن معاوية.
بويع له بالخلافة يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة بعد موت عمر بن عبد العزيز.
قيل: إنه لما استخلف .. قال: سيروا سيرة عمر بن عبد العزيز، فأتوه بأربعين شيخا شهدوا له أن الخلفاء لا حساب عليهم ولا عذاب، نعوذ بالله مما سيلقى الظالمون من شديد العذاب.
стр. 543
وحكى الحافظ ابن عساكر: أنه لما حج أمر للحلاق الذي حلق رأسه بألف درهم، فتحير الحلاق ودهش وقال: هذه الألف أمضي بها إلى أمي أشتريها فقال: أعطوه ألفا أخرى، فقال: امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد بعدك، فقال: أعطوه ألفين.
قال الشيخ اليافعي: (هكذا هو في الأصل المنقول منه، لكن هذه القصة وقعت في ترجمة يزيد بن المهلب، فلا أدري أهو غلط من الكاتب، أو أدخل حكاية من حكايات ابن عبد الملك في حكايات يزيد) (١).
ومات بالفجيعة على جاريته حبابة وكان يحبها حبا شديدا، فيقال: إنه خلا بها يوما وقال: بلغني أن الدنيا لم تصف يوما واحدا لأحد من الخلق، فاحجبوا عني الأغيار يومي هذا، واشتغل بلهوه معها، فتناولت حبة رمان فشرقت بها فماتت، فانزعج يزيد وامتنع من دفنها حتى أروحت، وليم فيها ومشى في جنازتها، وعاش بعدها خمسة أيام، وقيل:
خمسة عشر يوما، ومات لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة؛ فمدة ولايته أربع سنين وشهر، وعمره أربعون سنة، وقيل: أقل من ذلك.
٥٢٣ - [عكرمة مولى ابن عباس] (٢)
عكرمة مولى ابن عباس.
أصله من البربر من أهل المغرب، وهب لابن عباس، فاجتهد في تعليمه القرآن والسنن، وسماه بأسماء العرب.
حدث عن مولاه، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وأبي سعيد وغيرهم.
وكان كثير التنقل دخل اليمن وأصبهان وخراسان ومصر والمغرب وغيرها، وكانت الأمراء تكرمه وتفضله.
ووثقه العلماء، وإنما أنكر عليه مالك ويحيى بن سعيد لرأيه، ولما مات ابن عباس ..
стр. 544
باعه ولده علي بن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقيل له: بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار؟ ! فاستقاله فأقاله، ثم أعتقه.
روى الواقدي بسنده: أنه مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد، وصلي عليهما جميعا، فقال الناس: مات أعلم الناس وأشعر الناس، توفيا بالمدينة سنة خمس ومائة.
٥٢٤ - [أبان بن عثمان بن عفان] (١)
أبان بن عثمان بن عفان القرشي الأموي المدني أبو سعيد.
سمع أباه، وروى عنه نبيه بن وهب.
وتوفي سنة خمس ومائة.
٥٢٥ - [عبد الله بن عبد الله بن عمر] (٢)
عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عبد الرحمن، هو أخو سالم وزيد وبلال وعبيد الله وحمزة.
سمع أباه، وروى عنه عبد الرحمن بن القاسم والزهري وغيرهما.
وكان وصي أبيه عبد الله بن عمر.
وتوفي بالمدينة سنة خمس ومائة.
٥٢٦ - [عبيد الله بن عبد الله بن عمر] (٣)
عبيد الله-مصغرا-ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني.
стр. 545
سمع أبا، وروى عنه الزهري، ونافع، والوليد بن كثير وغيرهم.
وتوفي هو وأخوه عبد الله في سنة خمس ومائة.
٥٢٧ - [عبد الملك بن عمير اللخمي] (١)
عبد الملك بن عمير بن سويد بن جارية-بالجيم-اللخمي الكوفي التابعي.
رأى عليا، وأبا موسى الأشعري.
وسمع جرير بن عبد الله، والأشعث بن قيس، وغيرهما من الصحابة، وخلقا من التابعين.
وروى عنه سليمان التيمي، وشعبة، والسفيانان وغيرهم.
وولي قضاء الكوفة، وهو ثقة روى له البخاري ومسلم.
قال: كنت بقصر الكوفة مع عبيد الله بن زياد، فرأيت رأس الحسين بن علي بين يديه، ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد الثقفي، فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير، فرأيت رأس المختار بين يديه، ثم كنت فيه مع عبد الملك، فرأيت رأس مصعب بين يديه، فلما أخبرت عبد الملك بذلك .. تشاءم بالقصر فهدمه.
توفي سنة ست ومائة عن مائة وثلاث سنين.
٥٢٨ - [سالم بن عبد الله] (٢)
سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عمر-أو أبو عبد الله- المدني، التابعي الكبير، الإمام الفقيه الزاهد.
سمع أباه، وأبا أيوب الأنصاري، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، وجماعات من التابعين.
стр. 546
وروى عنه نافع مولى أبيه، والزهري، وعمرو بن دينار وغيرهم.
وكان أشبه ولد عبد الله به، قال الإمام مالك بن أنس: لم يكن أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد في العيش من سالم، كان يلبس الثوب بدرهمين، وقد عد في الفقهاء السبعة المدنيين.
قيل: إن سليمان بن عبد الملك دخل الكعبة، فرأى سالما واقفا، فقال: سلني حاجتك، فقال: لا أسأل في بيت الله غير الله.
توفي سنة ست ومائة-وقيل: خمس، وقيل: ثمان ومائة-بالمدينة.
٥٢٩ - [طاوس بن كيسان] (١)
طاوس بن كيسان اليماني الجندي الحميري مولاهم، مولى بحير بن ريسان الحميري.
كان فقيها جليل القدر، نبيه الذكر.
سمع ابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبا هريرة، وزيد بن ثابت وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبد الله الصالح بن الصالح، وعمرو بن دينار، وخلق من التابعين.
واتفقوا على جلالته وفضله، ووفور علمه وصلاحه وحفظه وتثبته.
توفي حاجا بمكة قبل يوم التروية بيوم، وصلّى عليه هشام بن عبد الملك في ولايته، قدم مكة تلك السنة للحج، قالوا: ولم يتهيأ إخراج جنازته لكثرة الناس حتى وجه أمير مكة بالحرس.
قيل: إنه تولى قضاء صنعاء، وكتب طاوس إلى عمر بن عبد العزيز لما استخلف: إذا أردت أن يكون عملك خيرا كله .. فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة.
٥٣٠ - [أبو مجلز السدوسي] (٢)
أبو مجلز لا حق بن حميد بن سعيد بن خالد بن كثير السدوسي البصري، أحد علماء البصرة.
стр. 547
سمع ابن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وجندبا البجلي، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه سليمان التيمي، وعاصم الأحول وغيرهما.
قال هشام بن عباس: كان أبو مجلز قليل الكلام، فإذا تكلم .. كان من الرجال.
توفي سنة ست-أو تسع-ومائة.
٥٣١ - [سليمان بن يسار] (١)
سليمان بن يسار الهلالي، أخو عطاء وعبد الملك وعبد الله موالي ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، ويقال: إن سليمان بنفسه كان مكاتبا لها.
سمع ابن عباس، وابن عمر، وجابرا، وحسان بن ثابت، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وروى عنه عمرو بن دينار، ونافع، والزهري، وجماعة من التابعين.
وكان فقيها كثير الحديث، فاضلا عابدا، اتفقوا على جلالته وكثرة علمه، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة.
توفي سنة سبع ومائة.
٥٣٢ - [القاسم بن محمد] (٢)
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي أبو محمد.
نشأ في حجر عمته عائشة، فأكثر عنها.
стр. 548
وروى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وروى عنه نافع مولى ابن عمر، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلائق من التابعين.
وكان إماما كبيرا، عالما فقيها، ورعا كثير الحديث، أثنى عليه أئمة عصره، سئل:
أنت أعلم أم سالم بن عبد الله بن عمر؟ فقال: ذاك مبارك، قال ابن إسحاق: كره أن يقول: هو أعلم فيكذب، أو يقول: أنا أعلم فيزكي نفسه.
وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة.
توفي سنة سبع-أو ست أو ثمان أو اثني عشر-ومائة.
٥٣٣ - [بكر بن عبد الله المزني] (١)
بكر بن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني البصري أبو عبد الله، وهو أخو علقمة بن عبد الله المزني.
أدرك عبد الله بن مغفل ومعقل بن يسار المزنيان.
وسمع ابن عمر، وأنس بن مالك، وأبا رافع، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة.
روى عنه سليمان التيمي، وحميد الطويل، وغالب القطان وغيرهم.
وتوفي سنة ثمان ومائة.
٥٣٤ - [أبو نضرة العوقي] (٢)
المنذر بن مالك بن قطعة العوقي-بفتحتين-العبدي؛ نسبة إلى عبد القيس، والعوقة:
بطن من عبد القيس، يكنى: أبا نضرة، بالنون والضاد المعجمة.
стр. 549
سمع أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه قتادة، وأبو الأشهب وغيرهما.
أدرك عليا، وطلحة.
وتوفي سنة ثمان-أو تسع-ومائة، وأوصى أن يصلي عليه الحسن، فصلى عليه.
٥٣٥ - [يزيد بن عبد الله بن الشّخّير] (١)
يزيد بن عبد الله بن الشّخّير العامري البصري أبو العلاء.
سمع أباه، وأخاه مطرفا، والأحنف بن قيس، وعثمان بن أبي العاصي.
وروى عنه سعيد الجريري، والمعتمر بن سليمان، وأبوه سليمان وغير واحد.
وكان ثقة جليل القدر، لقي عمران بن حصين وجماعة.
وتوفي سنة ثمان ومائة-وقيل: سنة إحدى عشر ومائة-وعمره نحو من تسعين سنة.
٥٣٦ - [محمد بن كعب القرظي] (٢)
محمد بن كعب بن سليم-ويقال: محمد بن كعب بن حيان بن سليم-القرظي نسبة إلى بني قريظة الطائفة المعروفة من اليهود، يكنى: أبا حمزة، المدني، من حلفاء الأوس.
كان أبوه من سبي بني قريظة، ويقال: إن محمدا ولد في حياة رسول الله ﷺ .
سمع ابن عباس، وزيد بن أرقم، ومعاوية.
وروى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه خلق من التابعين.
стр. 550
وكان ثقة عالما، كثير الحديث، موصوفا بالعلم والورع والصلاح.
توفي سنة ثمان ومائة.
٥٣٧ - [أبو نجيح الثقفي] (١)
أبو نجيح الثقفي-واسمه: يسار بآخر الحروف ثم سين مهملة-مولى الأخنس بن شريق الثقفي، وهو والد عبد الله بن أبي نجيح.
سمع عبيد بن عمير، وعنه ابنه عبد الله وغيره، وروى عن رسول الله ﷺ مرسلا.
وروى عن عمر بن الخطاب، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وقيس بن سعد مرسلا.
قال الإمام أحمد: كان من خيار عباد الله.
توفي سنة تسع ومائة.
٥٣٨ - [الحسن البصري] (٢)
الحسن بن أبي الحسن يسار البصري التابعي أبو سعيد الأنصاري بالولاء، مولى زيد بن ثابت.
وأمه: خيرة كانت مولاة لأم سلمة أم المؤمنين، وربما خرجت أمه في شغل فيبكي، فتعطيه أم سلمة ثديها فيدر عليه، وروي أن تلك الفصاحة والحكمة من ذلك.
ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ونشأ بوادي القرى، وحضر خطبة عثمان، وشهد يوم الدار.
ورأى طلحة بن عبيد الله وعائشة، ولم يصح سماعه منها، ولا رؤيته لعلي ﵁.
стр. 551
وسمع جمعا من الصحابة: أنسا، وابن عمر، وسمرة، وأبا بكرة، وقيس بن عاصم وغيرهم.
يقال: إنه أدرك مائة وثلاثين صحابيا.
وكان ﵁ جامعا بين العلم والعبادة، والزهد والنسك، فصيحا، جميلا وسيما، لا تأخذه في الله لومة لائم، وله مع الحجاج وقعات عظيمة، واجهه فيها بكلام صادع، وسلمه الله من شره، وحضر الحجاج يوما مجلس وعظه، فلم يغير الحسن من عادته في كلامه وهيئته شيئا، فلما فرغ .. قال الحجاج: صدق الشيخ، عليكم بهذه المجالس، ولولا ما ابتلينا به من هذا الأمر .. لم تغلبونا عليها.
ودخل هو وابن سيرين والشعبي على عمر بن هبيرة أيام ولايته خراسان والعراق باستدعاء منه لهم، فقال لهم: إن يزيد استخلفه الله على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهودنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب لي بالأمر من أموره فأقلده ما تقلده من ذلك الأمر، فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية، وقال الحسن: يا بن هبيرة؛ خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله؛ فإن الله يمنعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله، فيوشك أن يبعث الله إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك، يا بن هبيرة؛ إياك أن تعصي الله؛ فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده، فلا تركبن دين الله وعباده بهذا السلطان؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، فأجازهم ابن هبيرة، وأضعف جائزة الحسن.
قال الشعبي: سفسفنا له فسفسف لنا، والسفساف: الرديء من العطية.
توفي الحسن سنة عشر ومائة.
٥٣٩ - [محمد بن سيرين] (١)
محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم أبو بكر البصري التابعي، الإمام الجليل في التفسير والحديث والفقه وتعبير الرؤيا، المقدم في الزهد والورع.
стр. 552
كان أبوه سيرين من سبي عين التمر، كاتبه مولاه أنس بن مالك على عشرين ألفا- وقيل: أربعين ألفا-فأداها وعتق.
وأم محمد المذكور: صفية مولاة أبي بكر الصديق، طيّبها ثلاث من أزواج النبي ﷺ ودعون لها، وحضر إملاكها ثمانية عشر بدريا، منهم أبي بن كعب يدعو وهم يؤمنون.
وكان لمحمد خمسة إخوة: معبد، وأنس، ويحيى، وحفصة، وكريمة أولاد سيرين، كلهم رواة ثقات.
ومن المستطرفات: أن محمدا روى عن أخيه يحيى عن أخيه أنس عن أنس بن مالك حديثا.
ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وهو أكبر من أخيه أنس.
دخل محمد على زيد بن ثابت، وسمع من ابن عمر حديثا أو حديثين.
وسمع أبا هريرة، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، وعدي بن حاتم، وسلمان بن عامر، وأم عطية الأنصارية، ويقال: إنه اجتمع بثلاثين صحابيا، وسمع خلقا من التابعين.
وروى عنه الشعبي، وأيوب، وقتادة، وسليمان التيمي، وغيرهم من التابعين.
وعن محمد قال: حججنا فدخلنا المدينة على زيد بن ثابت ونحن سبعة ولد سيرين، فقال: هذان لأم، وهذان لأم، وهذان لأم، وهذا لأم، فما أخطأ.
وعن مورق العجلي قال: ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين.
وله في تعبير الرؤيا أخبار عجيبة، منها: أن شخصا قال له: رأيت كأن طائرا أخذ حصادة بالمسجد، فقال: إن صدقت رؤياك .. مات الحسن، فلم يك إلا قليلا حتى مات الحسن.
وقال له رجل: رأيت طائرا سمينا ما أعرف ما هو قد تدلى من السماء، وجعل يلتقط الزهر، ثم طار، فتغير وجه ابن سيرين، وقال: هذا موت العلماء، فمات في ذلك العام هو والحسن البصري.
وقال له آخر: رأيت على ساقي رجل شعرا كثيرا، فقال: يركبه دين، ويموت في
стр. 553
السجن، فقال له الرجل: لك رأيت هذه الرؤيا، فاسترجع، فاتفق أنه اشترى زيتا بأربعين ألف درهم، فوجد في زق منه فأرة، فقال: لعل الفأرة كانت في المعصرة، فصب الزيت كله وحبس في ثمنه.
وقالت له امرأة: رأيت القمر قد دخل في الثريا، فاصفر وجهه وقام وهو آخذ ببطنه، فقالت زوجته: ما لك؟ قال: زعمت هذه المرأة أني أموت إلى سبعة أيام، فدفن في اليوم السابع.
وكان رحمه الله تعالى أرجى الناس لهذه الأمة، وأشدهم إزراء على نفسه.
وعن هشام بن حسان قال: كنا يوما مع ابن سيرين في الدار، فكنا نسمع بكاءه في الليل وضحكه بالنهار.
وتوفي يوم الجمعة لتسع مضين من شوال سنة عشر ومائة وعليه دين ثلاثين ألف درهم، فقضاها عنه ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى صار ماله ثلاث مائة ألف.
٥٤٠ - [فاطمة بنت الحسين] (١)
فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين.
تزوجها عبد الله بن عمرو بن عثمان، وأصدقها ألف ألف درهم، وأختها سكينة تزوجها مصعب بن الزبير، وجمع بينها وبين عائشة بنت طلحة، وأصدق عائشة المذكورة مائة ألف دينار كما تقدم (٢).
توفيت فاطمة سنة عشر ومائة.
٥٤١ - [جرير الشاعر] (٣)
جرير بن عطية الشاعر المشهور، يكنى: أبا حزرة بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها راء ثم هاء.
стр. 554
كان من فحول شعراء الإسلام، وكان بينه وبين الفرزدق مهاجاة، وهو أشعر من الفرزدق عند أكثرهم.
وكان عمر بن عبد العزيز لا يأذن لأحد من الشعراء أن يدخل عليه إلا جريرا؛ وذلك لسلامة شعره من الهجو والبذاء.
وأجمعوا على أنه ليس في متقدمي شعراء الإسلام مثل جرير والفرزدق والأخطل، كما أن ليس في متأخريهم مثل أبي تمام والبحتري والمتنبي، وأن أرجح الثلاثة المتقدمين جرير؛ لأن بيوت الشعر فخر ومدح وهجاء وتشبيب، وقد فاقهم جرير في الفخر بقوله: [من الوافر]
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
وفي المدح ما أنشده لعبد الملك بن مروان: [من الوافر]
أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشية همّ صحبك بالرواح
تقول العاذلات علاك شيب ... أهذا الشيب يمنعني مراحي
تعزّت أمّ حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
سأشكر أن رددت إلي ريشي ... وأثبتّ القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
قال جرير: وكان عبد الملك متكئا فاستوى جالسا وقال: من مدحنا .. فليمدحنا بمثل ذلك أو ليسكت، وقال: يا جرير؛ أترى أم حزرة يرويها مائة ناقة من نعم بني كلب، فقلت: إن لم يروها .. فلا أرواها الله، فأمر لي بها سود الحدق، وأمر لي بثمانية رعاء، وكان بين يديه صحاف من ذهب وبيده قضيب، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ والمحلب وأشرت إلى أحد الصحاف، فنبذها إليّ وقال: خذها لا نفعتك.
وفي الهجاء بقوله: [من الوافر]
فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وفي التشبيب قوله: [من البسيط]
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا
قال مسعود بن بشر لابن مناذر: من أشعر الناس؟ قال: من إذا شبب .. لعب، وإذا
стр. 555
طلب .. جد، وإذا لعب .. أطمعك لعبه، وإذا رمته .. بعد عنك، وإذا جد فيما قصد له ..
آيسك من نفسه، قيل له: مثل من؟ قال: مثل جرير؛ حيث يقول إذا لعب: [من الكامل]
إن الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال معينا
غيّضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
وقال حين جدّ: [من الكامل]
إن الذي حرم المكارم تغلبا ... جعل النبوة والخلافة فينا
مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا
أي: خدما وأتباعا، والخزر-بضم الخاء المعجمة وسكون الزاي-: جمع أخزر، وهو الذي في عينه صغر وضيق كما هو معروف في الترك، فكأنه نسبه إلى غير العرب.
ويقال: إن عبد الملك لما بلغه ذلك .. قال: ما زاد ابن كذا وكذا على أن جعلني شرطيا له، أما إنه لو قال: لو شاء ساقكم إلي قطينا .. لسقتهم إليه.
والأبيات المذكورة قالها جرير في هجاء الأخطل التغلبي، وكان بينه وبين جرير من المنافسة ما يكون بين الأقران المتعاصرين.
ولما بلغ جريرا وفاة الفرزدق .. بكى وقال: أما والله؛ إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجمنا واحدا، وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلما مات ضد إلا وتبعه صاحبه، وكان كما قال، فتوفي جرير باليمامة في رمضان سنة عشر ومائة بعد الفرزدق بأربعين يوما وقد نيف على ثمانين سنة.
٥٤٢ - [الفرزدق] (١)
الفرزدق الشاعر، واسمه: همام بن غالب، ويكنى: أبا الأخطل، ويرجع نسبه إلى مجاشع بن دارم، وأمه: ليلى بنت حابس، أخت الأقرع بن حابس وله ولأبيه مناقب مشهورة في الكرم.
стр. 556
يقال: صعد الوليد بن عبد الملك المنبر، فسمع صوت ناقوس في بيعة، فأمر بهدم البيعة، فكتب إليه الأحزم ملك الروم: إن هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك، فإن يكونوا أصابوا .. فقد أخطأت، وإن تكن أصبت .. فقد أخطئوا، فقال: من يجيبه؟ فقال الفرزدق: أنا، فكتب إليه: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ* فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾.
وسئل بعض أهل العلم عن السبايا المزوجات من الكفار: هل يحل للسابي وطؤها؟ فأبطأ في الجواب، فقال الفرزدق: [من الطويل]
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلالا لمن يبني بها لم تطلّق
ويقال: إنه اجتمع هو والحسن البصري، فقال للحسن: أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد؟ قال: ما يقولون؟ قال: يقولون: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: كلا، لست بخيرهم، ولست بشرهم، ولكن ما أعددت لمثل هذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ستين سنة.
ويقال: إن الفرزدق لقي علي بن أبي طالب.
وتنسب إلى الفرزدق مكرمة يرجى له الرحمة بها، وذلك: أن هشام بن عبد الملك حج في أيام أبيه، فجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام؛ إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين، فلما انتهى إلى الحجر .. تنحى له الناس فاستلمه، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي هابه الناس يا بن أمير المؤمنين؟ فقال هشام: لا أعرفه؛ مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق-وكان حاضرا-: أنا أعرفه، فقال الشامي:
من هو يا أبا فراس؟ فقال: [من البسيط]
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
.. الأبيات المشهورة، وهي نحو خمسة وعشرين بيتا، فغضب هشام وحبس الفرزدق، فبعث إليه زين العابدين اثني عشر ألف درهم، فردها وقال: مدحته لله تعالى لا للعطاء، فقال زين العابدين: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا .. لا نستعيده، فقبلها الفرزدق.
стр. 557
توفي بالبصرة سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يوما وقد قارب المائة.
٥٤٣ - [سليم بن عامر الكلاعي] (١)
سليم بن عامر الكلاعي الشامي الحمصي، أدرك النبي ﷺ .
وروى عن أبي الدرداء وغيره، وسمع المقداد بن الأسود.
وروى عنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.
وتوفي سنة عشر ومائة.
٥٤٤ - [عون بن عبد الله الهذلي] (٢)
عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، أخو عبيد الله بن عبد الله، أحد الفقهاء السبعة.
سمع ابن عمر، وأبا هريرة، وعائشة، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وسمع من التابعين أخاه، وأبا بردة وغيرهما.
وروى عن ابن مسعود وابن عباس مرسلا لم يسمعهما.
روى عنه الزهري، وأبو إسحاق الشيباني، ومحمد بن عجلان وغيرهم، وثقه يحيى بن معين، وروى له مسلم.
وتوفي سنة عشر ومائة.
٥٤٥ - [عطية بن سعد العوفي] (٣)
عطية بن سعد العوفي الكوفي، روى عن أبي هريرة وطائفة.
стр. 558
ضربه الحجاج أربع مائة سوط على أن يشتم عليا ﵁ فلم يفعل.
توفي سنة إحدى عشرة ومائة.
٥٤٦ - [القاسم بن مخيمرة] (١)
القاسم بن مخيمرة الهمذاني الكوفي أبو عروة.
سمع أبا بردة بن أبي موسى.
وروى عنه عبد الرحمن بن حازم، وسكن الشام.
وتوفي سنة إحدى عشرة ومائة، وقيل: سنة مائة.
٥٤٧ - [رجاء بن حيوة] (٢)
رجاء بن حيوة بن جندل الكندي الشامي أبو المقدام-ويقال: أبو نصر-الفلسطيني- ويقال: الأردنيّ بتشديد النون-الإمام التابعي الجليل.
كان شريفا كامل السؤدد.
قال مطر الوراق: ما رأيت شاميا أفقه منه.
وقال مسلمة بن عبد الملك: في كندة ثلاثة رجال: رجاء بن حيوة، وعبادة بن نسي، وعدي بن عدي، إن الله لينزل بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء.
روى عن معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وأبي سعيد الخدري، وجابر، والمسور، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وأبي أمامة، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة، وعن خلق من التابعين.
وروى عنه الزهري، والحكم، وقتادة، وحميد الطويل، وخلق من التابعين.
стр. 559
واتفقوا على جلالته وعظم فضله في نفسه وعلمه.
كان يوما عند عبد الملك بن مروان وقد ذكر عنده شخص بسوء، فقال: لئن أمكنني الله منه .. لأفعلن به، فلما أمكنه الله منه .. همّ بإيقاع الفعل به، فقال له رجاء: يا أمير المؤمنين؛ قد صنع الله لك ما تحب، فاصنع ما يحب الله من العفو، فعفا عنه وأحسن إليه.
وهو الذي أشار على سليمان بن عبد الملك باستخلاف عمر بن عبد العزيز، وكان يجالس عمر بن عبد العزيز كثيرا، وكان قاضيا.
وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائة.
٥٤٨ - [القاسم بن عبد الرحمن الشامي] (١)
القاسم بن عبد الرحمن الشامي الدمشقي أبو عبد الرحمن مولى خالد بن يزيد بن معاوية، وقيل: مولى معاوية، وقيل: مولى جويرية بنت أبي سفيان.
روى عن علي، وعبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وأبي أيوب، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة، وعائشة مرسلا.
وسمع أبا أمامة الباهلي، وقال: إنه أدرك مائة صحابي، أربعون من المهاجرين.
روى عنه خلق من التابعين، ووثقه يحيى بن معين والترمذي وغيرهما.
وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائة، وقيل: ثماني عشرة ومائة.
٥٤٩ - [طلحة بن مصرّف] (٢)
طلحة بن مصرّف-بكسر الراء المشددة، وغلط من فتحها-ابن عمرو بن كعب اليامي- ويقال: الأيامي-الهمداني الكوفي التابعي الإمام.
стр. 560
كان من أقرأ أهل الكوفة، وكانوا يسمونه سيد القراء، فلما بلغه ذلك .. قعد إلى الأعمش يقرأ عليه ليذهب عنه ذلك الاسم.
قال أبو معشر: ما ترك بعده مثله.
سمع ابن أبي أوفى، وأنسا، وجماعة من التابعين.
روى عنه ابنه محمد، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، وغيرهم من التابعين، واتفقوا على جلالته وإمامته.
٥٥٠ - [مكحول بن زيد الشامي] (١)
مكحول بن زيد الفقيه الشامي التابعي الكابلي، من سبي كابل الهذلي، مولى امرأة من هذيل أعتقته، وقيل: كان لسعيد بن العاصي، فوهبه لامرأة من قريش، فأعتقته، يكنى:
أبا عبد الله.
سمع أنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وأبا جندل بن سهيل، وغيرهم من الصحابة، وجمعا من التابعين كابن المسيب، ووراد كاتب المغيرة، ومسروق.
وروى عنه الزهري، وحميد الطويل في خلق من التابعين.
وكان فقيها عالما، اتفقوا على توثيقه.
قال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول.
وقال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام.
ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا رأي والرأي يخطئ ويصيب.
توفي سنة ثلاث عشرة ومائة، وفي «تهذيب النووي»: (سنة ثمان عشرة) (٢).
стр. 561
٥٥١ - [معاوية بن قرة] (١)
معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزني البصري أبو إياس.
سمع أنس بن مالك، وعبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار، وأبا بردة وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وعوف، وسماك، وثابت البناني وغيرهم.
وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة.
٥٥٢ - [عطاء بن أبي رباح] (٢)
عطاء بن أبي رباح-واسمه: أسلم-المكي أبو محمد القرشي الفهري مولاهم.
ولد في آخر خلافة عثمان، ونشأ بمكة.
وسمع العبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاصي، ومن عائشة، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه الزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، وخلق من التابعين.
وإليه وإلى مجاهد انتهت فتوى مكة بزمانهما، وكان بنو أمية يأمرون أيام الحج من يصيح: لا يفتي إلا عطاء.
أثنى عليه ابن عمر وغيره من الأئمة، واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته.
قال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم .. يخيل إليّ أنه يؤيد.
وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان لا يفتر من ذكر الله تعالى، وإياه عني السائل بقوله: [من الطويل]
سل المفتي المكيّ هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاد جناح
فقال معاذ الله أن يذهب التقى ... تلازق أكباد بهن جراح
стр. 562
فلما بلغ ذلك عطاء .. قال: والله؛ لم أفته، ويقال: إن المرأة قالت لهذا القائل المتعرض لها: آلله أفتاك عطاء بذلك؟ قال: الله، قالت: فدونك ولا تجاوز ما قاله عطاء.
ومن غرائبه: أنه كان يرى جواز القصر لمن أراد السفر قبل خروجه من البلد، وأنه إذا كان يوم الجمعة يوم عيد .. تجب صلاة العيد ولا تجب بعدها جمعة ولا ظهر، ولا صلاة واجبة بعد العيد إلا العصر، وأنه كان يرى إباحة وطء الجواري بإذن أربابهن، ولا ينبغي أن يعتقد فيه ما قاله بعضهم: إنه كان يبعث بجواريه لضيفانه؛ فإنه وإن رأى الحل فالمروءة والغيرة تأبى ذلك.
توفي سنة خمس عشرة ومائة، كما نقله النووي والجمهور (١)، أو سنة أربع عشرة، أو سبع عشرة.
٥٥٣ - [وهب بن منبه] (٢)
وهب بن منبه بن كامل بن سيج-بفتح السين المهملة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم جيم- أبو عبد الله التابعي اليمني الأبناوي (٣) الصنعاني، ويقال: الذّماري-بكسر الذال المعجمة- نسبة إلى قرية على مرحلتين من صنعاء اليمن، وهو أخو همام ومعقل وغيلان وعبد الله وعمر بنو منبه.
سمع جابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمرو بن العاصي، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه عمرو بن دينار، والمغيرة بن حكيم، وغيرهما من التابعين.
وله معرفة تامة بكتب الأولين وأخبار الأمم الماضين؛ بحيث كان يشبه بكعب الأحبار في زمانه، واتفقوا على توثيقه، وله مصنف ترجمه بذكر الملوك المتوّجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم في مجلد واحد، وهو من الكتب المفيدة.
توفي بصنعاء اليمن سنة أربع عشرة ومائة وله ثمانون سنة.
стр. 563
٥٥٤ - [محمد الباقر] (١)
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني أبو جعفر، الملقب بالباقر؛ لأنه بقر العلم؛ أي: شقه فعرف أصله وحقيقته، وفيه قيل: [من السريع]
يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من لبّى على الأجبل
سمع جابرا، وأنسا، وجماعة من كبار التابعين كابن المسيب، وابن الحنفية وغيرهما.
روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والأعرج-وهو أسن منه-وغيرهم.
وكان إماما جليلا بارعا مجمعا على جلالته.
قال بعضهم: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند محمد بن علي.
ومن كلامه ﵁: من دخل قلبه خالص دين الله .. شغله عما سواه، وما عسى أن تكون الدنيا؟ ! هل هو إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها، أو أكلة أكلتها؟ !
وقال: إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ..
ذكروك، وإن ذكرت .. أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله ، فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء.
وقال: الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل ..
استوطناه.
وهو أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق.
توفي الباقر في المدينة سنة أربع-أو سبع أو ثمان-عشرة ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقال الواقدي: ابن ثلاث وسبعين سنة.
стр. 564
وفي «تاريخ البخاري» عن ابنه جعفر: (أن أباه توفي وهو ابن ثمان وخمسين) (١)، ودفن بالبقيع مع أبيه وعم أبيه الحسن بن علي والعباس ﵃.
٥٥٥ - [الحكم بن عتيبة] (٢)
الحكم بن عتيبة الكندي مولى امرأة من كندة أبو محمد وأبو عبد الله الكوفي.
سمع أبا جحيفة، وإبراهيم النخعي، ومجاهدا، وسعيد بن جبير وغيرهم.
وروى عنه مسعر، ومنصور، وشعبة، والأعمش وغيرهم.
ولد سنة خمسين.
قال عبد الله بن أبي لبابة: لقيت الحكم بالمدينة وما بين لابتيها أفقه منه.
وكان إذا قدم المدينة .. أخلوا له سارية النبي ﷺ يصلي إليها.
توفي سنة خمس عشرة ومائة.
٥٥٦ - [عبد الله بن بريدة] (٣)
عبد الله بن بريدة بن الحصيب-بمهملتين-الأسلمي أبو سهل قاضي مرو، وكان هو وأخوه سليمان توأمين، ولد عبد الله قبل سليمان.
روى عن عائشة، وسمع عبد الله أباه، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يعمر، وعمران بن حصين، وأبا الأسود الدؤلي.
وروى عنه كهمس، وسعيد الجريري وغيرهما.
يقال: إنه ولد لثلاث خلون من خلافة عمر.
ومات بمرو سنة خمس عشرة ومائة.
стр. 565
٥٥٧ - [عدي بن ثابت الأنصاري] (١)
عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي ابن ابنة عبد الله بن يزيد الخطمي.
سمع جده لأمه عبد الله بن يزيد المذكور، والبراء بن عازب، وعبد الله بن بريدة، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسليمان بن صرد، وسعيد بن جبير وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، ومسعر، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم.
وتوفي سنة ست عشرة ومائة.
٥٥٨ - [عمرو بن مرة] (٢)
عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق بن الحارث المرادي الأعمى أبو عبد الله.
سمع عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبا وائل.
وروى عنه الأعمش، وشعبة، والثوري، ومسعر، ومنصور وغيرهم، وكان إماما حجة عظيما.
قال مسعر: ما أدركت أحدا أفضل منه.
توفي سنة ست عشرة ومائة.
٥٥٩ - [محارب بن دثار] (٣)
محارب بن دثار بن كردوس بن قرواش بن جعوانة بن سلمة بن صخر بن ثعلبة بن سدوس السدوسي قاضي الكوفة أبو النضر.