٥٥١ - [معاوية بن قرة] (١)
معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزني البصري أبو إياس.
سمع أنس بن مالك، وعبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار، وأبا بردة وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وعوف، وسماك، وثابت البناني وغيرهم.
وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة.
٥٥٢ - [عطاء بن أبي رباح] (٢)
عطاء بن أبي رباح-واسمه: أسلم-المكي أبو محمد القرشي الفهري مولاهم.
ولد في آخر خلافة عثمان، ونشأ بمكة.
وسمع العبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاصي، ومن عائشة، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه الزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، وخلق من التابعين.
وإليه وإلى مجاهد انتهت فتوى مكة بزمانهما، وكان بنو أمية يأمرون أيام الحج من يصيح: لا يفتي إلا عطاء.
أثنى عليه ابن عمر وغيره من الأئمة، واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته.
قال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم .. يخيل إليّ أنه يؤيد.
وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان لا يفتر من ذكر الله تعالى، وإياه عني السائل بقوله: [من الطويل]
سل المفتي المكيّ هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاد جناح
فقال معاذ الله أن يذهب التقى ... تلازق أكباد بهن جراح
стр. 562
فلما بلغ ذلك عطاء .. قال: والله؛ لم أفته، ويقال: إن المرأة قالت لهذا القائل المتعرض لها: آلله أفتاك عطاء بذلك؟ قال: الله، قالت: فدونك ولا تجاوز ما قاله عطاء.
ومن غرائبه: أنه كان يرى جواز القصر لمن أراد السفر قبل خروجه من البلد، وأنه إذا كان يوم الجمعة يوم عيد .. تجب صلاة العيد ولا تجب بعدها جمعة ولا ظهر، ولا صلاة واجبة بعد العيد إلا العصر، وأنه كان يرى إباحة وطء الجواري بإذن أربابهن، ولا ينبغي أن يعتقد فيه ما قاله بعضهم: إنه كان يبعث بجواريه لضيفانه؛ فإنه وإن رأى الحل فالمروءة والغيرة تأبى ذلك.
توفي سنة خمس عشرة ومائة، كما نقله النووي والجمهور (١)، أو سنة أربع عشرة، أو سبع عشرة.
٥٥٣ - [وهب بن منبه] (٢)
وهب بن منبه بن كامل بن سيج-بفتح السين المهملة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم جيم- أبو عبد الله التابعي اليمني الأبناوي (٣) الصنعاني، ويقال: الذّماري-بكسر الذال المعجمة- نسبة إلى قرية على مرحلتين من صنعاء اليمن، وهو أخو همام ومعقل وغيلان وعبد الله وعمر بنو منبه.
سمع جابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمرو بن العاصي، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه عمرو بن دينار، والمغيرة بن حكيم، وغيرهما من التابعين.
وله معرفة تامة بكتب الأولين وأخبار الأمم الماضين؛ بحيث كان يشبه بكعب الأحبار في زمانه، واتفقوا على توثيقه، وله مصنف ترجمه بذكر الملوك المتوّجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم في مجلد واحد، وهو من الكتب المفيدة.
توفي بصنعاء اليمن سنة أربع عشرة ومائة وله ثمانون سنة.
стр. 563
٥٥٤ - [محمد الباقر] (١)
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني أبو جعفر، الملقب بالباقر؛ لأنه بقر العلم؛ أي: شقه فعرف أصله وحقيقته، وفيه قيل: [من السريع]
يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من لبّى على الأجبل
سمع جابرا، وأنسا، وجماعة من كبار التابعين كابن المسيب، وابن الحنفية وغيرهما.
روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والأعرج-وهو أسن منه-وغيرهم.
وكان إماما جليلا بارعا مجمعا على جلالته.
قال بعضهم: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند محمد بن علي.
ومن كلامه ﵁: من دخل قلبه خالص دين الله .. شغله عما سواه، وما عسى أن تكون الدنيا؟ ! هل هو إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها، أو أكلة أكلتها؟ !
وقال: إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ..
ذكروك، وإن ذكرت .. أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله ، فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء.
وقال: الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل ..
استوطناه.
وهو أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق.
توفي الباقر في المدينة سنة أربع-أو سبع أو ثمان-عشرة ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقال الواقدي: ابن ثلاث وسبعين سنة.
стр. 564
وفي «تاريخ البخاري» عن ابنه جعفر: (أن أباه توفي وهو ابن ثمان وخمسين) (١)، ودفن بالبقيع مع أبيه وعم أبيه الحسن بن علي والعباس ﵃.
٥٥٥ - [الحكم بن عتيبة] (٢)
الحكم بن عتيبة الكندي مولى امرأة من كندة أبو محمد وأبو عبد الله الكوفي.
سمع أبا جحيفة، وإبراهيم النخعي، ومجاهدا، وسعيد بن جبير وغيرهم.
وروى عنه مسعر، ومنصور، وشعبة، والأعمش وغيرهم.
ولد سنة خمسين.
قال عبد الله بن أبي لبابة: لقيت الحكم بالمدينة وما بين لابتيها أفقه منه.
وكان إذا قدم المدينة .. أخلوا له سارية النبي ﷺ يصلي إليها.
توفي سنة خمس عشرة ومائة.
٥٥٦ - [عبد الله بن بريدة] (٣)
عبد الله بن بريدة بن الحصيب-بمهملتين-الأسلمي أبو سهل قاضي مرو، وكان هو وأخوه سليمان توأمين، ولد عبد الله قبل سليمان.
روى عن عائشة، وسمع عبد الله أباه، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يعمر، وعمران بن حصين، وأبا الأسود الدؤلي.
وروى عنه كهمس، وسعيد الجريري وغيرهما.
يقال: إنه ولد لثلاث خلون من خلافة عمر.
ومات بمرو سنة خمس عشرة ومائة.
стр. 565
٥٥٧ - [عدي بن ثابت الأنصاري] (١)
عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي ابن ابنة عبد الله بن يزيد الخطمي.
سمع جده لأمه عبد الله بن يزيد المذكور، والبراء بن عازب، وعبد الله بن بريدة، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسليمان بن صرد، وسعيد بن جبير وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، ومسعر، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم.
وتوفي سنة ست عشرة ومائة.
٥٥٨ - [عمرو بن مرة] (٢)
عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق بن الحارث المرادي الأعمى أبو عبد الله.
سمع عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبا وائل.
وروى عنه الأعمش، وشعبة، والثوري، ومسعر، ومنصور وغيرهم، وكان إماما حجة عظيما.
قال مسعر: ما أدركت أحدا أفضل منه.
توفي سنة ست عشرة ومائة.
٥٥٩ - [محارب بن دثار] (٣)
محارب بن دثار بن كردوس بن قرواش بن جعوانة بن سلمة بن صخر بن ثعلبة بن سدوس السدوسي قاضي الكوفة أبو النضر.
стр. 566
سمع ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن يزيد الصحابيين، وجماعة من التابعين.
وروى عنه الأعمش، ومسعر، وشريك، والسفيانان، وشعبة وغيرهم، واتفقوا على توثيقه.
توفي سنة ست عشرة ومائة.
٥٦٠ - [عكرمة بن خالد المخزومي] (١)
عكرمة بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي.
سمع عبد الله بن عمرو وأبا الطفيل وغيرهما.
وروى عنه حنظلة بن أبي سفيان، وابن جريج، وعبد الله بن طارق، وعبد الله بن عطاء.
وتوفي بعد عطاء سنة خمس-أو سبع أو أربع-عشرة ومائة.
٥٦١ - [سعيد بن يسار] (٢)
سعيد بن يسار-أخو أبي مزرد عبد الرحمن بن يسار-مولى شقران مولى رسول الله ﷺ ، وقيل: مولى ميمونة، وقيل: غير ذلك، يكنى سعيد: أبا الحباب.
سمع ابن عمر، وأبا هريرة، وابن عباس، وزيد بن خالد الجهني.
وروى عنه يحيى الأنصاري، ومعاوية بن أبي مزرد، وعمرو بن يحيى المازني، وسعيد المقبري وغيرهم.
توفي سنة سبع عشرة ومائة.
стр. 567
٥٦٢ - [الأعرج] (١)
عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أبو داود الهاشمي مولاهم، مولى عمر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
سمع أبا هريرة وغيره.
وروى عنه الزهري، وصالح بن كيسان، وأبو الزناد، وجعفر بن ربيعة وغيرهم.
وتوفي سنة سبع عشرة ومائة.
٥٦٣ - [عبد الله ابن أبي مليكة] (٢)
عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة-واسم أبي مليكة: زهير-ابن عبد الله بن جدعان التيمي الأحول المكي القاضي أبو بكر أو أبو محمد.
سمع عائشة، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم.
وروى عنه الليث بن سعد، وابن جريج، وحماد بن زيد وغيرهم.
ولي القضاء لابن الزبير، وكان مؤذنا في الحرم.
وتوفي سنة سبع عشرة ومائة.
٥٦٤ - [عبد الله الخزاعي] (٣)
عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي الدمشقي فقيه أهل دمشق.
قال أبو مسهر: كان سيد أهل المسجد وأهل دمشق، قيل: بم سادهم؟ قال: بحسن
стр. 568
الخلق، وكان عمر بن عبد العزيز يجلسه معه على السرير.
توفي سنة سبع عشرة ومائة.
٥٦٥ - [قتادة السدوسي] (١)
قتادة بن دعامة-بكسر الدال المهملة-ابن قتادة بن عزيز-بفتح العين وبالزاي المكررة- ابن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سدوس السدوسي البصري التابعي أبو الخطاب.
ولد أعمى، وسمع أنس بن مالك، وعبد الله بن سرجس، وأبا الطفيل، وأبا عثمان النهدي، والحسن البصري، وابن سيرين، وعكرمة، وخلقا من التابعين.
وروى عنه سليمان التيمي، وحميد الطويل، والأعمش، وأيوب، وخلق من التابعين.
وأجمعوا على جلالته وتوثيقه وحفظه وإتقانه وفضله، وكان لا يسمع شيئا إلا حفظه، قرئت عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها.
وسأل ابن المسيب، فقال له: تحفظ كل ما سألتني عنه؟ قال: سألتك عن كذا فقلت فيه كذا، وسألتك عن كذا، فقلت فيه كذا، فقال ابن المسيب: ما كنت أظن أن الله خلق مثلك، وقعد عند سعيد بن المسيب ثلاثة أيام، فقال له في اليوم الثالث ارتحل يا أعمى فقد أنزفتني.
وقال قتادة: ما قلت لمحدث: أعده عليّ، ولا سمعت شيئا إلا وعاه قلبي.
ومن غريب ما يحكى عنه: أنه سأل أعرابي على باب قتادة وانصرف، ففقدوا قدحا فحج قتادة بعد عشر سنين، فوقف أعرابي يسألهم، فسمع قتادة كلامه فقال: هذا صاحب القدح، فسألوه فأقر به.
توفي قتادة سنة سبع عشرة-أو ثمان عشرة-ومائة وهو ابن ست أو خمس وخمسين سنة.
стр. 569
٥٦٦ - [ميمون بن مهران الأسدي] (١)
ميمون بن مهران الأسدي مولاهم، ويقال له: النّصري، كان مملوكا لامرأة فأعتقته بالكوفة فنشأ بها.
وسمع ابن عباس وغيره.
وروى عنه الحكم، وأيوب.
وولي قضاء الجزيرة، وكان من العلماء العالمين.
ولد سنة أربعين، وتوفي سنة سبع-أو ثمان عشرة-ومائة.
٥٦٧ - [نافع مولى ابن عمر] (٢)
نافع بن هرمز-ويقال: ابن كاوس-مولى ابن عمر، يكنى: أبا عبد الله، أصله من سبي نيسابور، أو من سبي خراسان، سبي صغيرا فاشتراه ابن عمر، وهو تابعي جليل.
سمع سيده، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وأبا لبابة، ورافع بن خديج، وعائشة، والربيع بنت معوذ ﵃، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله وغيرهما من التابعين.
وروى عنه خلق من التابعين ومن بعدهم كمالك، والأوزاعي، وابن جريج، وهو من الثقات المشهورين بالحديث، ومعظم حديث ابن عمر دائر عليه.
وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى أهل مصر يعلمهم السنن.
وعند المحدثين أن رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب؛ لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة.
توفي بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: سنة عشرين.
стр. 570
٥٦٨ - [سكينة بنت الحسين] (١)
السيدة سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، قيل: اسمها آمنة، وسكينة لقب، وأمها الرباب ابنة امرئ القيس بن عدي، وكانت من أجمل النساء وأحسنهنّ أخلاقا.
تزوجت مصعب بن الزبير فهلك عنها، ثم تزوجها عبد الله بن عبد الله بن حكيم بن حزام، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها، وقيل في ترتيب أزواجها غير هذا.
ولها نوادر وحكايات ظريفة، سمعت بعض أشعار عروة بن أذينة، فأنكرت عليه أشياء بلطافة وظرافة، منها: أنها سمعت قوله في مرثيته لأخيه بكر: [من الوافر]
سرى همّي وهمّ المرء يسري ... وغاب النجم إلا قيد فتر
أراقب في المجرّة كل نجم ... تعرض في المجرة حين يجري
لهمّ ما أزال له قرينا ... كأن القلب أبطن حرّ جمر
على بكر أخي فارقت بكرا ... وأي العيش يصلح بعد بكر
فلما سمعت سكينة هذا الشعر .. قالت: ومن هو بكر هذا؟ فوصف لها، فقالت:
أهو ذاك الأسيد الذي كان يمر بنا؟ قالوا: نعم، قالت: لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت.
ويحكى: أن بعض المغنين غنى بهذه الأبيات عند الوليد بن يزيد الأموي وهو في مجلس أنسه، فقال للمغني: من يقول هذا الشعر؟ قال: عروة بن أذينة، فقال الوليد:
وأي العيش يصلح بعد بكر؟ ! هذا العيش الذي نحن فيه، والله؛ لقد تحجر واسعا.
توفيت سكينة سنة سبع عشرة ومائة.
стр. 571
٥٦٩ - [ذو الرّمة] (١)
ذو الرمة الشاعر المشهور، واسمه: غيلان بن عقبة، ويكنى: أبا الحارث، وإنما لقب بذي الرمة من قوله في الوتد: [من الرجز]
أشعث باقي رمة التقليد
(٢) والرّمة-بكسر الراء-: العظم البالي، وبضمها: الحبل.
وكان من فحول الشعراء.
وقيل: إنه كان ينشد شعره في سوق الإبل، فوقف عليه الفرزدق وسمع شعره، فقال له ذو الرمة: ما تسمع يا أبا فراس؟ فقال: ما أحسن ما تقول! قال: فما لي لا أذكر مع الفحول؟ ! قال: قصر بك عن غايتهم بكاؤك في الدّمن، ووصفك الأباعر والعطن.
وهو أحد عشاق العرب المشهورين، ومعشوقته مية بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقري، ومية هذه هي التي عناها أبو تمام الطائي بقوله في قصيدة له: [من البسيط]
ما ربع مية معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب
وجدها قيس بن عاصم هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ لما قدم عليه وفد تميم: «هذا سيد أهل الوبر» (٣).
وهو الذي مدحه الأحنف بن قيس بالحلم كما تقدم (٤)، وهو الذي قال فيه الشاعر يرثيه: [من الطويل]
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
ومن شعر ذي الرمة: [من الطويل]
إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به أهل ميّ هاج قلبي هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها
стр. 572
ومر ذو الرمة في بعض أسفاره في بعض البوادي على امرأة من بني عامر بن صعصعة وهي خارجة من خبائها، فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق إداوته ودنى منها يستطعم كلامها، فقال: إني رجل على ظهر سفر وقد تخرقت إداوتي فأصلحيها، فقالت: إني والله لخرقاء لا أحسن العمل، وقالت: وإن كنت خرقاء فإني صناع، هات الإداوة فأعطاها فأصلحتها له.
والخرقاء: هي التي لا تعمل شغلا لكرامتها على أهلها، فشبب بها ذو الرمة أيضا، وسماها خرقاء، ومن قوله فيها: [من الطويل]
وما شنّتا خرقاء واهيتا الكلى ... سقى بهما ساق ولم تتبللا
بأضيع من عينيك للدمع كلما ... تذكرت ربعا أو توهمت منزلا
ومن قوله فيها: [من الوافر]
تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء كاشفة اللثام
ومن قوله يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري مخاطبا ناقته: [من الطويل]
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
أخذ هذا المعنى من قول الشماخ في عرابة الأوسي يخاطب ناقته أيضا: [من الوافر]
إذا بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
وجاء بعدهما أبو نواس فأوضح هذا المعنى بقوله في الأمين محمد بن هارون الرشيد: [من الكامل]
وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام
قرّبننا من خير من وطئ الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام
فأحسن أبو نواس في هذا المعنى؛ لأنهما أوعدا ناقتيهما بالذبح؛ لاستغنائهما عنهما بإيصالهما إلى مطلوبهما، ووعدها أبو نواس بتحريم الركوب على ظهرها وإراحتها من الكد والأسفار؛ لتبليغها له إلى من استغنى به عن الأسفار.
توفي ذو الرمة سنة سبع عشرة ومائة.
стр. 573
٥٧٠ - [علي بن عبد الله بن العباس] (١)
علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي جد الخلفاء العباسيين أبو محمد.
قال محمد بن سعد: (ولد علي بن عبد الله المذكور في رمضان ليلة قتل علي بن أبي طالب سنة أربعين، فسماه باسمه، وكناه بكنيته أبا الحسن) (٢).
ويروى: أن عليا حنكه ودعا له وقال لأبيه: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وقال: خذ إليك أبا الأملاك أو قال: أبا الخلائف، وأن عبد الملك غير كنيته فجعلها أبا محمد، فاستمر على ذلك.
وكان أصغر أولاد عبد الله سنّا، وأجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه، وكان طويلا حسنا، ذا لحية طويلة وقدر عظيم، لا يوجد له نعل ولا خف حتى يستعمله، مفرطا في طوله، إذا طاف .. كأنما الناس حوله مشاة وهو راكب، وكان مع هذا الطول إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب العباس، وكان العباس إلى منكب عبد المطلب، ذكر ذلك المبرد (٣).
وذكر المبرد أيضا: (أن الوليد بن عبد الملك ضرب علي بن عبد الله المذكور بالسياط مرتين: إحداهما: لما تزوج لبابة بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وكانت قبله عند عبد الملك، فعض تفاحة ثم رمى بها إليها، وكان أبخر فاستدعت السكين، فقال:
ما تصنعين بها؟ قالت: أميط الأذى، فطلقها فتزوجها علي بن عبد الله المذكور، فضربه الوليد وقال: إنما تتزوج بأمهات الخلفاء لتضع منهم؛ لأن جده مروان بن الحكم إنما تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية لتضع منه، فقال علي بن عبد الله: إنما أردت الخروج من هذه البلد، وأنا ابن عمها لأسافر بها.
وأما ضربه ثانيا: فقد حدث محمد بن شجاع بإسناد متصل يقول في آخره: رأيت علي بن عبد الله مضروبا بالسوط، يدار به على بعير ووجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح
стр. 574
يصيح: هذا علي بن عبد الله الكذاب، فأتيته وقلت: ما هذا الذي نسبوه إليك من الكذب؟ قال: بلغهم عني أني قلت: إن هذا الأمر سيكون في ولدي، والله ليكونن فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه) (١).
وروي: أن عليا المذكور دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه الخليفتان السفاح والمنصور، فأوسع له على سريره وبره، وسأله حاجته، فقال: ثلاثون ألف درهم عليّ دين، فأمر بقضائها، فقال: واستوص بابني هذين خيرا ففعل فشكره وقال: وصلتك رحم، فلما ولى .. قال هشام لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختل وخلط فصار يقول: إن هذا الأمر سيصل إلى ولده، فسمعه علي فقال: والله؛ ليكونن ذلك وليملكن هذان.
وكان أصغر أولاد أبيه، وكان ثقة قليل الحديث كثير الصلاة، حتى كان يدعى بالسّجاد، يقال: كان له خمس مائة زيتونة، فكان يصلي تحت كل زيتونة كل يوم ركعتين فيجتمع له ألف ركعة في اليوم.
وتوفي بالحميمة من أرض البلقاء في سنة ثمان-أو سبع أو تسع-عشرة ومائة.
٥٧١ - [عمرو بن شعيب] (٢)
عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي القرشي السهمي المدني- ويقال: المكي، ويقال: الطائفي-أبو إبراهيم.
سمع أباه، ومعظم رواياته عنه، وسعيد بن المسيب، وطاووسا، وعروة، ومجاهدا وغيرهم.
وروى عنه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والزهري، وخلق من التابعين.
ووثقه أئمة الحديث، وإنما أنكر عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده؛ لأنه أخذ صحيفة كانت عنده فرواها.
قال ابن عدي: (روى عنه أئمة الناس وثقاتهم، لكن أحاديثه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه لم يدخلوه في الصحاح، وأنكر بعضهم سماع شعيب من جده عبد الله بن
стр. 575
عمرو، قال: إنما سمع أباه محمد بن عبد الله بن عمرو، فتكون رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ مرسلا) (١).
قال النووي: (وهذا إنكار ضعيف، وقد أثبت الدارقطني وأبو بكر النيسابوري وغيرهما من الأئمة سماع شعيب من عبد الله بن عمرو) (٢).
وتوفي عمرو بن شعيب في سنة ثمان عشرة ومائة.
٥٧٢ - [إياس ابن الأكوع] (٣)
إياس بن سلمة بن الأكوع-واسم الأكوع: سنان-ابن عبد الله بن قشير الأسلمي أبو سلمة المزني.
سمع أباه، وروى عنه أبو العميس، ويعلى بن الحارث، وعكرمة بن عمار.
مات سنة تسع عشرة ومائة.
٥٧٣ - [حبيب بن أبي ثابت] (٤)
حبيب بن أبي ثابت-واسم أبي ثابت: قيس-ابن دينار الأسدي الكاهلي مولاهم أبو يحيى الكوفي.
سمع سعيد بن جبير، وأبا وائل، وزيد بن وهب، وطاووسا، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ومجاهدا، وعطاء بن يسار وغيرهم.
روى عنه مسعر، والثوري، وشعبة، والأعمش، وأبو إسحاق الشيباني.
وكان فقيه الكوفة ومفتيها.
توفي سنة تسع عشرة ومائة.
стр. 576
٥٧٤ - [قيس بن سعد المكي] (١)
قيس بن سعد الحبشي المكي أبو عبد الله، يقال: إنه مولى نافع بن علقمة، وقيل:
مولى أم علقمة.
سمع عطاء بن أبي رباح وصحبه، وسمع طاووسا، وعمرو بن دينار، ويزيد بن هرمز.
روى عنه هشام بن حسان، وجرير بن حازم، وعمران القصير، وسيف بن سليمان.
وخلف عطاء في مجلسه بمكة في الفتوى.
وتوفي سنة تسع-أو سبع-عشرة ومائة.
٥٧٥ - [أنس بن سيرين] (٢)
أنس بن سيرين، مولى أنس بن مالك، يقال: إنه لما ولد .. ذهب به إلى مولاه أنس بن مالك، فسماه باسمه، وكناه بكنيته أبي حمزة، وهو أخو محمد بن سيرين.
سمع مولاه أنسا، وابن عمر، وجندبا، وأخاه معبدا.
وروى عنه ابن عون، وخالد الحذاء، وشعبة، وحماد بن زيد وغيرهم.
مات بعد أخيه محمد سنة عشرين ومائة.
٥٧٦ - [حماد بن أبي سليمان] (٣)
حماد بن أبي سليمان-واسم أبي سليمان: مسلم-الأشعري مولاهم الكوفي، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري أبو إسماعيل، فقيه الكوفة، وصاحب إبراهيم النخعي.
стр. 577
روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والنخعي وطائفة.
وكان سريا (١) محتشما، صدوق اللسان، كثير الإحسان، يفطّر في كل ليلة من رمضان خمس مائة إنسان.
روى عنه الثوري، وشعبة، وكان الأعمش سيّئ الرأي فيه.
مات سنة عشرين ومائة.
٥٧٧ - [عاصم بن عمر] (٢)
عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري الأوسي الظفري أبو عمرو وأبو عمر، شيخ محمد بن إسحاق صاحب «السيرة»، وكان عاصم أخباريا علامة المغازي.
سمع جابر بن عبد الله، وعبيد الله الخولاني.
روى عنه بكير بن الأشج، وعبد الرحمن ابن الغسيل.
توفي سنة عشرين ومائة، وقال عمرو بن علي وابن نمير: مات سنة تسع وعشرين ومائة، والله سبحانه أعلم.
٥٧٨ - [ابن كثير المقرئ] (٣)
عبد الله بن كثير الكناني مولاهم مولى عمرو بن علقمة الكناني المكي القارئ الداري أبو معبد الإمام المقرئ.
أحد القراء السبعة، مقرئ مكة والقاص فيها.
قال أبو عمرو الداني في «التيسير»: (الداري هو العطار) (٤).
стр. 578
قال النووي: (وما قاله أبو عمرو هو الصواب، وأما قول ابن أبي داود وغيره: إنما قيل له: الداري؛ لأنه من بني الدار بن هاني بن حبيب من رهط تميم الداري .. فرده أبو بكر بن مجاهد، وقال: هو غلط من ابن أبي داود، وليس هو من رهط تميم الداري، وإنما هو من أبناء فارس من الطبقة الثانية من التابعين) (١).
سمع ابن كثير عبد الله بن الزبير، ومحمد بن قيس بن مخرمة، وأبا المنهال عبد الرحمن بن مطعم المكي، ومجاهدا.
وقرأ على عبد الله بن السائب المخزومي وعلى مجاهد.
وروى عنه ابن جريج، وابن أبي نجيح، وشبل بن عباد وغيرهم، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة.
توفي سنة عشرين ومائة كما قاله أبو عمرو الداني وغيره (٢)، وقيل: سنة اثنتين وعشرين ومائة.
٥٧٩ - [علقمة بن مرثد الحضرمي] (٣)
علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي.
سمع سعد بن عبيدة، وسليمان بن بريدة، ومقاتل بن حيان وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوري، ومسعر وغيرهم.
وكان نبيلا في الحديث.
توفي سنة عشرين ومائة.
٥٨٠ - [قيس بن مسلم الجدلي] (٤)
قيس بن مسلم الجدلي من قيس عيلان أبو عمرو الكوفي.
стр. 579
سمع طارق بن شهاب.
وروى عنه الثوري، وشعبة، ومسعر وغيرهم.
وتوفي سنة عشرين ومائة.
٥٨١ - [محمد بن إبراهيم التيمي] (١)
محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر القرشي التيمي أبو عبد الله المدني الفقيه.
سمع علقمة، ومحمد بن عمرو بن علقمة وغيرهم.
توفي سنة عشرين ومائة.
والله سبحانه أعلم
***
стр. 580
الحوادث
السنة الحادية بعد المائة
في رجب منها: توفي الخليفة الصالح العادل خامس الخلفاء الراشدين، والمجدد للأمة الدين أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي، وولي يزيد بن عبد الملك (١).
وفيها-أو في التي قبلها-: [توفي] ربعي بن حراش أحد علماء الكوفة وعبادها.
وفيها-أو في سنة خمس وتسعين-: [توفي] الحسن بن محمد ابن الحنفية، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين المدني، ومعاذة العدوية الفقيهة العابدة بالبصرة، وبشير بن يسار المدني الفقيه، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، وحفصة بنت سيرين، وعائشة بنت طلحة التيمية التي أصدقها مصعب بن الزبير مائة ألف دينار، وكانت من أجمل الناس، وهي إحدى عقيلتي قريش اللتين تمناهما مصعب فنالهما كما تقدم (٢)، والثانية سكينة بنت الحسين.
وفيها: توفي أبو الأشعث الصنعاني الشامي، وأبو بكر بن أبي موسى الأشعري القاضي، والقطامي وزياد الأعجم الشاعران.
وفيها: هرب يزيد بن المهلب من سجن عمر بن عبد العزيز، وحبس ابن أرطأة عامل البصرة، وخلع طاعة يزيد بن عبد الملك، واستقل بالدعوة وغلب على العراق لنفسه، فأمر يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة على العراقين وأمره بمحاربة يزيد بن المهلب، فحاربه حتى قتله في السنة الآتية كما سيأتي (٣).
وفيها: مات محمد بن مروان بن الحكم.
***
стр. 581
السنة الثانية بعد المائة
فيها: استوثقت البصرة ليزيد بن المهلب، وبعث عماله إلى الأهواز وفارس، وسار هو في عساكره حتى نزل واسطا، وانبث معه مائة ألف وعشرون ألفا، ولم يدخل أهل الكوفة معه في شيء، فالتقى هو ومسلمة بن عبد الملك بالعقر من أرض بابل، فوقعت بينهم ملحمة عظيمة، انجلت عن قتل يزيد بن المهلب، وهزم أصحابه، فولى مسلمة بن عبد الملك الكوفة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وولى البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، وولى خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاصي، ورجع مسلمة إلى الشام (١).
وفيها: قتل أهل إفريقية يزيد بن أبي مسلم عاملها (٢).
وفيها: مات يزيد بن أبي مسلم الثقفي مولاهم مولى الحجاج بن يوسف وخليفة العراق (٣).
وفيها: توفي الضحاك بن مزاحم الهلالي صاحب «التفسير» بخراسان.
يقال: وفيها: مات أبو الطفيل عامر بن واثلة، وهو آخر من مات ممن رأى النبي ﷺ (٤).
***
السنة الثالثة بعد المائة
فيها: عزل يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة عن العراق، وولى عمر بن هبيرة العراقين وخراسان (٥).
وفيها: توفي عطاء بن يسار الفقيه المدني، وأبو الحجاج مجاهد بن جبر، ومصعب بن
стр. 582
سعد بن أبي وقاص الزهري، وموسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، ويحيى بن وثاب الأسدي الكوفي، ويزيد بن الأصم العامري.
***
السنة الرابعة بعد المائة
فيها: عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري عن مكة والمدينة والطائف، وولى مكانه عبد الواحد بن عبد الله بن نصر النضري، فأحسن السيرة، وأحبه أهل المدينة لذلك، فأغرم عبد الرحمن بن الضحاك الفهري أربعين ألف دينار لإيذائه فاطمة بنت الحسين (١).
وفيها: عقد يزيد لأخيه هشام بولاية العهد، ولابنه الوليد بن يزيد من بعده (٢).
وفيها توفي الإمام العلامة عامر بن شراحيل الشعبي، وخالد بن معدان الكلاعي الفقيه العابد، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وأبو بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري قاضي الكوفة، على خلاف في الجميع.
***
السنة الخامسة بعد المائة
فيها: توفي الخليفة يزيد بن عبد الملك وتولى أخوه هشام بن عبد الملك، وعكرمة مولى ابن عباس، وكثير عزة، وصلي عليهما جميعا، فقال الناس: مات أعلم الناس وأشعر الناس.
وفيها: توفي أبو رجاء عمران العطاردي، وأبان بن عثمان بن عفان، والأخوان عبيد الله وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وفيها: ولّى عمر بن هبيرة مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة خراسان (٣).
وفيها: قدم بكير بن ماهان الكوفة بلبنة ذهب وأربع لبنات فضة فأنفقها على الشيعة، ومات ميسرة النبال، فأقام محمد بن علي مقامه بالعراق بكير بن ماهان (٤).
***
стр. 583
السنة السادسة بعد المائة
فيها: ولى هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري العراقين وخراسان، فدخلها وقبض على متوليها عمر بن هبيرة الفزاري وسجنه، فعمد غلمانه فنقبوا سربا إلى السجن وأخرجوه منه، وهرب إلى الشام، فأجاره مسلمة بن عبد الملك، ومات قريبا من ذلك (١).
وفيها: عزل هشام بن عبد الواحد النضري عن الحجاز، وولاه إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي (٢).
وفيها: توفي قاضي الكوفة عبد الملك بن عمير، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والإمام طاوس بن كيسان اليماني الجندي بفتحتين، وأبو مجلز لاحق بن حميد البصري.
***
السنة السابعة بعد المائة
فيها: ولى خالد بن عبد الله القسري أخاه أسد بن عبد الله خراسان، ووشي إليه بدعاة محمد بن علي فأخذ أبا محمد الصادق-وكان هناك-فكنى أبا عكرمة ومحمد بن خنيس وعامة أصحابهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم، وأفلت عمار العبادي فأتى إلى بكير بن ماهان بالخبر (٣).
وفيها: توفي سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة أيضا.
***
السنة الثامنة بعد المائة
فيها: بعث بكير بن ماهان إلى خراسان عدة من الدعاة فيهم عمار العبادي، فظفر أسد بن عبد الله القسري بعدة من دعاة بني هاشم فحبسهم (٤).
стр. 584
ودعا أشرس أهل الذمة من أهل سمرقند وما وراء النهر إلى الإسلام على أن يضع عنهم الجزية، وطالبهم بها فنصبوا له الحرب (١).
وفيها: توفي بكر بن عبد الله المزني البصري الفقيه، وأبو نضرة العبدي العوقي، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، ومحمد بن كعب القرظي.
***
السنة التاسعة بعد المائة
فيها: توفي أبو نجيح يسار المكي مولى ثقيف، وأبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي البصري، روى عن عبد الله بن عمرو وجماعة.
***
السنة الموفية لعشر بعد المائة
فيها: توفي الإمامان الصالحان الزاهدان: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، وإمام المعبرين محمد بن سيرين، والشاعران الشهيران جرير والفرزدق، والسيدة فاطمة بنت الحسين، وسليم بن عامر الكلاعي الحمصي، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
***
السنة الحادية عشرة بعد المائة
فيها: عزل هشام أشرس عن خراسان، وولاها الجنيد بن عبد الرحمن المري، وحمله إليها على ثمان دواب من البريد، وعزل أخاه مسلمة عن أرمينية، وولاها الجراح بن عبد الله الحكمي، فثارت إليه الخزر من ناحية اللاّن، فسارع إليهم الجراح قبل أن يسأم جيشه، فاستشهد ومن كان معه بمرج أردبيل، وفتحت الترك أردبيل، فبعث هشام سعيد بن عمرو الحرشي على أربعين دابة من دواب البريد، وكتب إلى أمراء الأجناد بموافاته، فأصاب للخزر بكثير جموع معهم أسرى المسلمين وأهل الذمة، فاستشهدهم وأكثر القتل في الخزر، وذلك في شتاء شديد ومطر وثلوج، وطلبهم حتى جاء الغياث (٢).
стр. 585
وفيها: توفي عطية بن سعد العوفي المفسر، والقاسم بن مخيمرة الكوفي، ويزيد بن عبد الله بن الشخير بخلف.
***
السنة الثانية عشرة بعد المائة
فيها: توفي أبو المقدام رجاء بن حيوة الكندي الشامي الفقيه، والقاسم بن عبد الرحمن الدمشقي، وطلحة بن مصرّف الهمداني الكوفي، وأبو المليح بن أسامة.
***
السنة الثالثة عشرة بعد المائة
فيها: قتل عبد الوهاب بن بخت بأرض الروم بمدينة يقال لها: ساوة، انهزم الناس. عن البطال، فجعل عبد الوهاب يكر فرسه، ثم ألقى البيضة عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بن بخت، أمن الجنة تفرون؟ ! ثم تقدم نحو العدو فخالطهم، فقتل وقتل فرسه (١).
وفيها: توفي فقيه الشام مكحول أبو عبد الله مولى بني هذيل، وأبو إياس معاوية بن قرة المزني البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير.
***
السنة الرابعة عشرة بعد المائة
فيها: التقى عبد الله البطال وقسطنطين في جمع، فانهزم الجمع وأسر قسطنطين، وعزل هشام إبراهيم عن المدينة، وولاها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم، وولى مروان بن محمد أرمينية وأذربيجان، وولى محمد بن هشام المخزومي مكة (٢).
وفيها: توفي فقيه الحجاز أبو محمد عطاء بن أبي رباح، وفقيه اليمن أبو عبد الله
стр. 586
وهب بن منبه، وأبو جعفر الباقر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وعلي بن رباح بخلف.
***
السنة الخامسة عشرة بعد المائة
فيها: وقع الطاعون الجارف بالشام، ومات الجنيد بن عبد الرحمن بخراسان، واستخلف عليها ابن مريم المري (١).
وفيها: مات أبو محمد الحكم بن عتيبة الكوفي مولى كندة، والقاضي أبو سهل عبد الله بن بريدة.
***
السنة السادسة عشرة بعد المائة
فيها: استمر الطاعون بالشام، وأصاب العراق وأكثره بواسط (٢).
وفيها: ولى هشام عاصم بن عبد الله الهلالي خراسان، فخرج عليه الحارث بن سريج التميمي (٣).
و[فيها]: قبضت البربر، وهرب عاملهم (٤).
وفيها: توفي عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، وعمرو بن مرة المرادي، ومحارب بن دثار السدوسي، وعكرمة بن خالد.
***
السنة السابعة عشرة بعد المائة
فيها: ولى هشام خالد بن عبد الله القسري خراسان، فولاها خالد أخاه أسد بن عبد الله، فأخذ سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهز بن قريظ وخالد بن
стр. 587
إبراهيم وطلحة بن زريق فحبسهم، وألجم موسى بن كعب بلجام، فجذب موسى اللجام فحطم أسنانه، وضرب لاهز بن قريظ ثلاث مائة سوط، ثم كلم فيهم فخلى سبيلهم (١).
وفيها: توفي أبو الحباب سعيد بن يسار المدني مولى ميمونة، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة التيمي المكي، وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي فقيه دمشق.
وفيها-أو في سنة ثمان عشرة-: توفي قتادة بن دعامة السدوسي الأعمى عالم أهل البصرة، وقاضي الجزيرة ميمون بن مهران، ونافع مولى ابن عمر، وموسى بن وردان، والسيدة سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، وذو الرمة أبو الحارث غيلان بن عقبة الشاعر المشهور.
***
السنة الثامنة عشر بعد المائة
فيها: وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد إلى خراسان يدعو إلى محمد بن علي، فنزل مرو وغير اسمه فتسمى بخداش، وغير ما دعاهم إليه، ورخص لبعضهم في نساء بعض، وخلط تخليطا عظيما، وأضاف ذلك إلى محمد بن علي، فنمي خبره إلى أسد بن عبد الله القسري، فوضع عليه العيون حتى ظفر بن فقطع يديه ولسانه وسمل عينيه، وأخذ جماعة من أصحابه فقطع أيدي بعضهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وقتل بعضهم تحت ضرب السياط (٢).
وفيها: غلب الحارث بن سريج الخارجي بخراسان على آمد وخوارزم وغيرهما.
وفيها: أسر عبد الله البطال قسطنطين الطرموح فقتله هشام (٣).
وفيها: توفي أبو محمد علي بن عبد الله بن العباس جد الخلفاء العباسيين بالحميمة من أرض البلقاء من الشام، وعمرو بن شعيب، وأبو عشانة المعافري، ومقرئ الشام ابن عامر، وعبادة بن نسي، وأبو صخرة جامع.
***
стр. 588
السنة التاسعة عشرة بعد المائة
فيها: مات أسد بن عبد الله القسري بخراسان، فاستخلف على عمله جعفر بن حنظلة البهراني، وأقره أخوه خالد بن عبد الله القسري إلى أن عزل خالد (١).
وفيها: كتب هشام إلى يوسف بن عمر الثقفي، وهو وال على اليمن بولاية العراقين (٢).
وفيها: مات إياس بن سلمة بن الأكوع، وحبيب بن أبي ثابت فقيه الكوفة ومفتيها، وقيس بن سعد المفتي بمكة صاحب عطاء.
***
السنة الموفية عشرين بعد المائة
فيها: أرسلت شيعة محمد بن علي بخراسان إليه سليمان بن كثير، وكان محمد بن علي منقبضا من أهل خراسان؛ لأجل قبولهم من خداش كذبه وتخليطه، فقدم سليمان بن كثير على محمد بن علي، فرده إلى أهل خراسان بكتاب كتبه معه، فلما فضوا الكتاب .. لم يجدوا فيه غير بسم الله الرحمن الرحيم، فعرفوا ما كانوا عليه (٣).
وفيها: قدم يوسف بن عمر الثقفي إلى العراق، فحبس خالد بن عبد الله القسري وعماله، وطالبهم بالأموال، وأقر جعفر بن حنظلة على خراسان (٤).
وفيها: توفي أنس بن سيرين بخلف، وفقيه الكوفة أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان صاحب إبراهيم النخعي، وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري شيخ محمد بن إسحاق صاحب «المغازي»، وأبو معبد عبد الله بن كثير المقرئ المكي، وعلقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي، وقيس بن مسلم، ومحمد بن إبراهيم التيمي المدني الفقيه.
***
стр. 589
العشرون الثانية من المائة الثانية
[الاعلام]
٥٨٢ - [مسلمة بن عبد الملك] (١)
مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي الأموي.
كان موصوفا بالشجاعة والإقدام والرأي والدهاء، ولي أماكن من الثغور وغيرها، وكان ميمون النقيبة منصورا أينما توجه.
توفي سنة إحدى-أو اثنتين-وعشرين ومائة.
٥٨٣ - [محمد ابن حبّان الأنصاري] (٢)
محمد بن يحيى بن حبّان-بفتح المهملة ثم موحدة-ابن منقذ بن عمرو بن مالك الأنصاري المازني أبو عبد الله.
سمع عمه واسع بن حبّان، وأنس بن مالك، والأعرج وغيرهم.
روى عنه مالك، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر، والليث بن سعد وغيرهم.
توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن أربع وسبعين.
٥٨٤ - [زيد بن زين العابدين] (٣)
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي.
стр. 590
خرج بالكوفة وتبعه خلق كثير، فلما خرج .. أتته طائفة كبيرة وقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نتبعك، فقال: أتبرأ ممن تبرأ منهما، فقالوا: إذا نرفضك، فمن ذلك الوقت سموا: الرافضة، وسميت شيعة زيد: زيدية.
فلما خرج .. قاتله متولي العراق من جهة هشام بن عبد الملك وهو الأمير يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف، وجده محمد بن يوسف المذكور هو أخو الحجاج بن يوسف، فالحجاج عم أبي الأمير يوسف بن عمر المذكور، فخذل زيدا أتباعه من أهل الكوفة، وغدروا به كما غدروا من قبله بجده، فقتل زيد ﵀ في جمع كثير من أصحابه، وانهزم ابنه يحيى بن زيد إلى خراسان، وصلب على كناسة الكوفة، ويقال: إنهم صلبوه عريانا فنسجت العنكبوت عليه حتى سترت عورته، وإنهم صلبوه إلى غير القبلة فتحولت خشبته إلى القبلة، وبقي مصلوبا إلى أن ولي الوليد بن يزيد، فأمر بإحراق جثته الشريفة فأحرقت، وكان قتله في سنة اثنتين وعشرين ومائة.
٥٨٥ - [القاضي إياس] (١)
إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني البصري أبو واثلة قاضي البصرة المشهور بالذكاء الذي يضرب به المثل في الذكاء، وإياه عنى أبو تمام بقوله: [من الكامل]
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
سمع أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأباه معاوية بن قرة وغيرهم.
روى عنه محمد بن عجلان، وحميد الطويل، وخالد الحذاء وغيرهم.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى نائبه بالعراق عدي بن أرطأة: أن اجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الجرشي، وول قضاء البصرة أحدهما، فجمعهما عدي، فقال: إياس:
أيها الأمير؛ سل عني وعنه فقيهي المصر الحسن البصري وابن سيرين، وكان القاسم يأتيهما، وإياس لا يأتيهما فعرف القاسم أنه إن سألهما .. أشارا به، فقال: لا تسأل عني وعنه، فو الله الذي لا إله إلا هو؛ إنه أفقه وأعلم بالقضاء مني، فإن كنت كاذبا .. فما يحل
стр. 591
لك أن توليني وأنا كاذب، وإن كنت صادقا .. فينبغي لك أن تقبل قولي، فقال إياس: إنك جئت برجل وأوقفته على شفير جهنم فنحى نفسه عنها بيمين كاذبة يستغفر الله منها وينجو مما يخاف، فقال عدي بن أرطأة: أما إذ فهمتها فأنت لها، فولاه قضاء البصرة، وكان أحد العقلاء الفضلاء الدهاة.
يحكى: أنه قال: ما غلبني سوى رجل واحد شهد عندي أن البستان الفلاني-وذكر حدوده-ملك فلان، فقلت له: كم عدد شجره؟ فسكت، ثم قال لي: منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس؟ فقلت: منذ كذا وكذا سنة، فقال: كم عدد خشب بيتك؟ فقلت: الحق معك، وأجزت شهادته.
ومن فطنته أنه سمع نباح كلب، فقال: هذا على رأس بئر، فاستقرءوا النباح فوجدوه كما قال، فقيل له في ذلك، فقال: إني سمعت الصوت كأنه يخرج من بئر.
ومنها: أنه حدث ما يقتضي الخوف وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن، فقال: ينبغي أن تكون هذه حاملا، وهذه مرضعا، وهذه بكرا، فكشف عن ذلك، فكان كما تفرس، فقيل: من أين أخذت ذلك؟ فقال: رأيت الحامل وضعت يدها على بطنها، والمرضع وضعت يدها على ثديها، والبكر وضعت يدها على فرجها، وعند الخوف لا يضع الإنسان يده إلا على ما يعز عليه ويخاف عليه.
وسمع يهوديا يقول: ما أحمق المسلمين! يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون فقال له: أفكل ما تأكل تحدثه؟ فقال: لا؛ لأن الله تعالى يجعله غذاء، قال: فلا شك أن الله يجعل كل ما يأكله أهل الجنة غذاء.
ورأى برحبة واسط آجرة، فقال: تحت هذه الآجرة دابة، فرفعت فإذا تحتها حية منطوية، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت ما بين الآجرتين نديّا من بين جميع تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئا يتنفس.
وقال: رأيت في المنام كأني وأبي على فرسين نجري معا، فلم يسبقني ولم أسبقه، وعاش أبي ستا وسبعين سنة وهأنا فيها، فلما كانت آخر لياليه .. قال: هذه الليلة أستكمل فيها عمر أبي، فنام فأصبح ميتا، وذلك في سنة اثنتين وعشرين ومائة.
قيل لوالده: كيف ابنك لك؟ قال: نعم الابن، كفاني أمر دنياي وفرغني لآخرتي.
стр. 592
٥٨٦ - [يحيى بن دينار] (١)
يحيى بن دينار، ويقال: يحيى بن الأسود وابن أبي الأسود، ويقال: يحيى بن نافع الرماني الواسطي.
رأى أنس بن مالك، وسمع أبا مجلز لا حقا.
وروى عنه الثوري، وهشيم.
كان ينزل قصر الرمان فنسب إليه.
مات سنة اثنتين وعشرين ومائة.
٥٨٧ - [ثابت البناني] (٢)
ثابت بن أسلم البصري أبو محمد البناني، نسبة إلى بنانة وهم بنو سعد بن لؤي بن غالب.
كان من سادة التابعين علما وعملا وزهدا وصلاحا.
سمع أنس بن مالك، وأبا رافع، وعبد الله بن الزبير، وابن عمر، وغيرهم من الصحابة، وجماعة من التابعين.
روى عنه حميد الطويل، وشعبة، وحماد بن زيد، وخلق من التابعين.
مات سنة ثلاث-أو سبع-وعشرين ومائة عن ست وثمانين سنة.
٥٨٨ - [سماك بن حرب] (٣)
سماك بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي الكوفي أبو المغيرة.
قال: أدركت ثمانين من الصحابة.
стр. 593
وسمع النعمان بن بشير، وجابر بن سمرة، وغيرهما من الصحابة.
وروى عن الشعبي، وسعيد بن جبير، ومعاوية بن قرة، وخلق من التابعين.
روى عنه شعبة، وأبو عوانة، وأبو الأحوص، وزهير بن معاوية، وجمع من التابعين.
وكان ذهب بصره، فدعا الله فرده عليه. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة.
٥٨٩ - [محمد بن واسع] (١)
محمد بن واسع الأزدي البصري أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله.
سمع مطرف بن عبد الله بن الشخير وغيره.
وروى عنه إسماعيل بن مسلم وغيره.
توفي بالبصرة سنة اثنتين-أو سبع-وعشرين ومائة.
٥٩٠ - [ربيعة القصير] (٢)
ربيعة بن يزيد القصير الدمشقي.
سمع أبا إدريس الخولاني، وعبد الله بن عامر اليحصبي، وقزعة، ومسلم بن قرظة.
روى عنه معاوية، وسعيد بن عبد العزيز.
ذكره الذهبي فيمن توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (٣).
٥٩١ - [زبيد بن الحارث] (٤)
زبيد بن الحارث بن عبد الكريم اليامي، من بني يام بن دافع بن مالك بن همدان الكوفي أبو عبد الرحمن.
стр. 594
سمع الشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهدا، وإبراهيم التيمي وغيرهم.
روى عنه الثوري، وشعبة، ومحمد بن طلحة وغيرهم.
توفي سنة ثلاث-أو أربع أو اثنتين-وعشرين ومائة.
٥٩٢ - [ابن شهاب الزهري] (١)
محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري المدني، أحد أئمة التابعين والفقهاء المحدثين.
رأى عشرة من الصحابة، وسمع سهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وروى عنه عمرو بن دينار، وصالح بن كيسان، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وغيرهم من الأئمة.
وكان من أحفظ الناس في وقته وأحسنهم سياقا للمتون، حفظ علم الفقهاء السبعة.
قال عمر بن عبد العزيز ومكحول: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري.
وكان معظما وافر الحرمة عند هشام بن عبد الملك، أعطاه مرة سبعة آلاف دينار قال عمرو بن دينار: ما رأيت الدرهم والدينار عند أحد أهون منه عند الزهري، كأنها عنده بمنزلة البعر، استقضاه يزيد بن عبد الملك.
وتوفي يوم سابع عشر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة.
٥٩٣ - [ابن أبي بزة] (٢)
القاسم بن نافع بن أبي بزة-واسم أبي بزة: يسار-المكي أبو عبد الله، أصله من همدان، ويقال: إن أباه نافعا مولى لبعض أهل مكة، قيل: إنه مولى عبد الملك بن السائب بن صيفي المخزومي.
стр. 595
سمع القاسم سعيد بن جبير، وأبا الطفيل.
وروى عنه ابن جريج، وشعبة وغيرهما.
توفي سنة أربع وعشرين ومائة.
٥٩٤ - [هشام بن عبد الملك] (١)
هشام بن عبد الملك بن مروان القرشي الأموي الخليفة أبو الوليد.
أتته الخلافة على البريد وهو مقيم بالرّصافة، فركب منها إلى دمشق لليال بقين من شعبان في سنة خمس ومائة.
وتوفي في الرّصافة المعروفة بقنسرين لست خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة بالذبحة وعمره خمس-أو أربع-وخمسون سنة، ومدة ولايته عشرون سنة إلا خمسة أشهر.
وكان ذا رأي وحزم وحلم وجمع للمال، حج في سنة فلقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان، وراوده على إعادة لعن علي ﵁ على المنبر، فلم يوافقه هشام على ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز قد رفع ذلك وجعل عوضه ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى.﴾
خرج مرة يتصيد، فطردت الكلاب ظبيا، وتبعها هشام وحده فوجد صغيرا يرعى الغنم، فصاح به: يا صبي؛ دونك الظبي لا يفوتك، فخاطبه الصبي بكلام قبيح، ونسبه إلى سوء الأدب لبداءته بالكلام قبل السلام، فقال له: أنا هشام بن عبد الملك، قال الصبي:
لا قرب الله دارك ولا حيا مزارك، فما استتم الصبي كلامه حتى أحدقت به الخيول والعساكر، فأمرهم باحتفاظ الغلام، فلما وصل إلى سرير ملكه، وأحدقت به الأمراء والوزراء، والصبي ساكت .. فقال له بعض الوزراء: يا كلب العرب؛ ما منعك أن تسلم على أمير المؤمنين، فقال الصبي: يا برذعة الحمار؛ منعني طول الطريق وبهر الدرجة (٢)،
стр. 596
فقال له بعض الحاضرين: يا جحش العرب؛ بلغ من فضولك أن خاطبت أمير المؤمنين كلمة بكلمة، فقال: رمتك الجندل ولأمك الهبل، أما سمعت قول الله في كتابه المنزل على نبيه المرسل: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ فإذا كان الله تعالى يجادل جدالا فمن هشام حتى لا يخاطب خطابا؟ ! فأمر هشام بضرب عنقه، فضحك الصبي، فقال له هشام: أنت في الممات وأنت تضحك، أتهزأ بنا أم بنفسك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ اسمع مني كلمتين وافعل ما بدا لك، قال: قل فو الله؛ إن هذا أول أوقاتك من الآخرة، وآخر أوقاتك من الدنيا، فقال: الصبي فو الله؛ إن كان في المدة تقصير وفي الأجل تأخير ..
لا يضرني من كلامك هذا لا قليل ولا كثير، ولكن يا أمير المؤمنين؛ أبيات من الشعر حضرتني فاسمعها مني، قال: قل، فقال الصبي: [من الكامل]
نبئت أن الباز صادف مرة ... عصفور بر ساقه المقدور
فتكلم العصفور في أظفاره ... والباز منهمك عليه يطير
ما فيّ ما يغني لمثلك شبعة ... ولئن أكلت فإنني لحقير
فتعجب الباز المدل بنفسه ... عجبا وأفلت ذلك العصفور
فضحك هشام وقال: والله؛ لو تلفظ بهذا الكلام في أول أوقاته وطلب ما دون الخلافة .. لأعطيته، يا فلان؛ احش فاه درا وجوهرا، وأعطاه الجائزة والكسوة، وسرحه إلى أهله مسرورا.
ولما قارب هشام الوفاة .. أغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله، فما وجدوا حتى استعاروا من الجيران، فقال الحاضرون: إن في هذا لمعتبرا لمعتبر.
وقيل: إنه أغمي عليه، ثم أفاق إفاقة التمس فيها من الخزان شيئا، فحيل دونه، فقال: أرانا كنا خزانا للوليد، ثم قضى فكفنه غالب مولاه.
٥٩٥ - [سعيد المقبري] (١)
سعيد بن أبي سعيد-واسم أبي سعيد: كيسان-المدني المعروف بالمقبري لسكناه المقبرة، وأبو سعيد مولى بني ليث.
стр. 597
روى عن سعد بن أبي وقاص، وأكثر عن أبي هريرة، وروى عن أبي شريح الكعبي، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم.
روى عنه مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وعبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
قال الواقدي: كبر حتى اختلط قبل موته بأربع سنين، وتوفي في سنة خمس وعشرين ومائة؛ أي: السنة التي توفي فيها هشام بن عبد الملك، كذا في «تاريخ اليافعي» (١).
وفي غيره: أنه مات أول خلافة هشام بن عبد الملك، والله سبحانه أعلم.
٥٩٦ - [أشعث بن أبي الشعثاء] (٢)
أشعث بن أبي الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي الكوفي أبو الشعثاء.
سمع أباه، ومعاوية بن سويد، والأسود بن يزيد، والأسود بن هلال، وجعفر بن أبي ثور وغيرهم.
روى عنه شعبة، والثوري، وأبو عوانة، وأبو إسحاق الشيباني وغيرهم.
وتوفي سنة خمس وعشرين ومائة.
٥٩٧ - [محمد بن علي والد السفاح] (٣)
محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي أبو عبد الله والد السفاح والمنصور.
سمع أباه، وروى عنه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي ثابت وغيرهما.
وكان وسيما جميلا مهيبا نبيلا، وكان دعاة بني العباس يكاتبونه ويلقبونه بالإمام.
وكان سبب انتقال الخلافة إلى بني العباس أن الشيعة كانت تعتقد إمامة محمد ابن الحنفية
стр. 598
بعد أخيه الحسين، فلما توفي ابن الحنفية .. انتقل الأمر إلى ولده أبي هاشم، وكان عظيم القدر، وكانت الشيعة تتوالاه، فحضرته الوفاة بالشام ولا عقب له، فأوصى إلى محمد بن علي المذكور وقال له: أنت صاحب هذا الأمر، وهو في ولدك، ودفع إليه كتبه، وصرف الشيعة نحوه، فوصل سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم في جماعة من الشيعة إلى محمد بن علي المذكور وهو بمكة، وأعطوه مالا وكساء، وأخبروه بفعل أبي مسلم وكفاءته وشهامته، فقال لهم محمد: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث ..
فصاحبكم إبراهيم بن محمد؛ يعني: ولده وقد أوصيته بكم وأوصيتكم به، فانصرفوا من عنده، وكان تحول من الحميمة إلى كداب واتخذها وطنا، فتوفي بها لمستهل ذي القعدة سنة خمس وعشرين ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكان بين وفاة محمد ووفاة أبيه علي بن عبد الله سبع سنين، ولما كتب نصر بن سيّار إلى مروان بن محمد بأنه ظهر بخراسان شخص يدعو إلى إبراهيم بن محمد .. كتب مروان إلى عامله بالبلقاء أن يرسل إليه إبراهيم بن محمد، فأرسل به إليه، فحبسه حتى مات في الحبس، فتحيل بعض الشيعة ودخل عليه الحبس قبل موته كأنه يطالبه بدين له، فقال: إلى أين تأمرني؟ فقال: إلى عبد الله بن الحارثية؛ يعني: أخاه السفاح، فعلموا أنه أوصى له بالخلافة. هذا خلاصة الأمر في مصير الخلافة إلى بني العباس، والله سبحانه أعلم.
٥٩٨ - [زيد بن أبي أنيسة] (١)
زيد بن أبي أنيسة-ويقال: إن اسم ابن أبي أنيسة زيد أيضا-الغنوي مولاهم أبو أسامة الجزري الرّهاوي-بضم الراء-لأنه سكن الرها.
سمع الحكم بن عتيبة، وعمرو بن مرة وغيرهما.
وروى عنه عبيد الله بن عمرو الرقي، وعطاء بن أبي رباح وغيرهما.
وتوفي سنة خمس وعشرين ومائة عن أربعين سنة.
وكان أحد علماء الجزيرة وحفاظها، ورأى جماعة من التابعين.
стр. 599
٥٩٩ - [زياد بن علاقة] (١)
زياد بن علاقة الثعلبي الكوفي أبو مالك.
سمع جرير بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة، وأدرك ابن مسعود، وسمع عمه قطبة بن مالك، وعمرو بن ميمون وغيرهم.
وروى عنه السفيانان، ومسعر، وشريك، وشعبة وغيرهم.
وتوفي سنة خمس-أو ست-وعشرين ومائة.
٦٠٠ - [الوليد بن يزيد بن عبد الملك] (٢)
الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان.
بويع له في اليوم الذي مات فيه عمه هشام بن عبد الملك، كان نازلا بالأزرق على ماء يقال له: الأغدف، فأتاه موليان له على البريد وهو راكب، فسلما عليه بالخلافة، فوجم وقال لما رآهما من بعد: لقد جاءا بموت أو ملك عاجل.
وكان من أجمل الناس وأقواهم وأجودهم، كريما سمحا، لم يقل في شيء سأله: لا، وأجرى على الزمنى والعيال، وأمر لكل واحد منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الكساء والطيب، وزاد الناس جميعا في العطاء عشرات، وزاد أهل الشام خاصة بعد زيادات العشرات عشرة عشرة، وكان مع ذلك خليعا ماجنا، تدل أفعاله على فساد دينه، والله أعلم بسريرته.
يقال: إنه تفاءل في المصحف، فخرج له ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ فجعل المصحف غرضا للسهام وكان يرميه ويقول: [من الوافر]
أتوعد كل جبار عنيد ... فهأنا ذاك جبار عنيد
إذا وافيت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد
стр. 600
ومن هنا حرم الشافعي التفاؤل بالمصحف.
وعقد الخلافة لابنيه الحكم وعثمان، وجعلهما وليّي عهده من بعده.
وكان من أسباب فساد أمره: أنه أفسد اليمانية وهم جند أهل الشام، وضرب سليمان بن هشام بن عبد الملك مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان، وكان يزيد بن الوليد بن عبد الملك يسعى في خلع الوليد بن يزيد سرا حتى استوثق له ما يريده، فدخل يزيد دمشق سرا على الحمير في عدد قليل وقد بايعه أكثر الناس، وانحل أمر الوليد بن يزيد، فدخلوا عليه القصر وهو في قميص وسراويل وشي، ومعه سيف في غمد، وعنده المغنين، فقتل لليلتين بقيتا من جمادى الآخر سنة ست وعشرين ومائة، فمدة ولايته سنة وشهران وأيام، وعمره نيف وأربعون سنة، ولما قتل بويع ليزيد بن الوليد.
٦٠١ - [يزيد الناقص] (١)
يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، ويلقب بالناقص؛ لأنه نقص الجند في عطياتهم، بويع له يوم قتل الوليد بن يزيد.
وكان فيه عدل وخير ودين؛ ولذلك يقال: الأشج والناقص أعدلا بني مروان، ويعنون بالأشج: عمر بن عبد العزيز، وبالناقص: يزيد المذكور، ولكن كان قدريا.
قال الشافعي ﵁: ولي يزيد بن الوليد فدعا الناس إلى القدر وحملهم عليه.
[ثم اضطرب حبل] (٢) بني مروان، فاجتمع أهل فلسطين على يزيد بن سليمان بن عبد الملك، فدعاهم إلى قتال يزيد بن الوليد، ثم رابطهم يزيد بما أخجلهم، ووثب أهل حمص بأسباب العباس بن الوليد وكان مقيما بها، فهرب منهم فحبسوا بنيه وسلبوا حرمه، وأظهروا الطلب بدم الوليد، فحاربهم يزيد حتى دخلوا في طاعته، وأظهر مروان بن محمد بن مروان الخلاف والطلب بدم الوليد بن يزيد.
وتوفي يزيد في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، فمدة ولايته خمسة أشهر ويومان، وعمره اثنتان وثلاثون سنة.