الأمير، فسبق إلى وهمي أنه يريدني لمهم، فلبست سلاحي، فقال معن: انصرفوا في حفظ الله، فلما خرجوا .. قال لزوجته: أرأيت؟ قالت له زوجته: قد تبين لي عذرك.
كان يزيد واليا بأرمينية وأذربيجان ولاه الرشيد، ولما خرج الوليد بن طريف الخارجي على هارون الرشيد ببلاد الجزيرة-كما ذكرناه في ترجمة الوليد في سنة تسع وسبعين ومائة (١) - .. جهز إليه الرشيد موسى بن حازم في جيش كثيف، فهزمهم الوليد، وقتل أميرهم، فوجه إليه الرشيد معمر بن عيسى العبدي، فكانت بينه وبين الوليد وقائع، وكثرت جموع الوليد، فوجه الرشيد إليه يزيد المذكور في عسكر ضخم.
ويروى: أنه لما جهزه الرشيد لحرب الخارجي .. أعطاه ذا الفقار سيف النبي ﷺ وقال: خذه يا يزيد؛ فإنك ستنصر به، فأخذه ومضى لحرب الوليد، وجعل الوليد يراوغه، وكان ذا مكر ودهاء، وأرسل الرشيد إلى يزيد خيلا بعد خيل، واستحثه في مناجزة الوليد، كما قدمنا ذلك، فالتقى العسكران، فدعا يزيد الخارجي للمبارزة، فبرز إليه الوليد، ووقف العسكران، فتطاردا ساعات من النهار، فأمكنت يزيد فيه الفرصة، فضرب رجله فسقط، وصاح بخيله، فبادروا إليه، واحتزوا رأسه، فوجه به إلى الرشيد، وفي ذلك يقول مسلم بن الوليد الأنصاري يمدح يزيد المذكور: [من البسيط]
أذكرت سيف رسول الله سنته ... وبأس أول من صلّى ومن صاما
يعني: بأس علي بن أبي طالب ﵁؛ إذ كان هو الضارب به.
وعن الأصمعي قال: رأيت في ذي الفقار ثماني عشرة فقارة، يقال: إن ذا الفقار كان مع العاصي بن نبيه يوم بدر، فقتله علي ﵁ وأخذ منه ذا الفقار، وذكر بعضهم:
أنه كان للنبي ﷺ ، فأعطاه عليا.
وذكر أبو جعفر الطبري بإسناد متصل: (أن ذا الفقار تلقاه الرشيد من أخيه الهادي، والهادي من أبيه المهدي، والمهدي من جعفر بن سليمان العباسي، وجعفر من التاجر، والتاجر من محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب دفعه إليه، قيل:
بأربع مائة دينار كانت له عليه) (٢).
стр. 807
وذكر الخطيب: (أن الرشيد قال ليزيد: من الذي يقول فيك: [من البسيط]
لا يعبق الطيب كفيه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
فقال: لا أدري يا أمير المؤمنين، فقال له: يقال فيك مثل هذا ولا تعرف قائله؟ ! فانصرف خجلا، فاجتمع به الوليد بن مسلم، وأنشده القصيدة التي فيها البيتان المذكوران، فقال لوكيله: بع ضيعتي، وأعط الشاعر نصف ثمنها، واحتبس نصفه لنفقتنا، فباعها بمائة ألف درهم، وأعطى الوليد بن مسلم خمسين ألفا، فبلغ ذلك الرشيد، فأعطاه مائتي ألف درهم، وقال: استرجع الضيعة بمائة ألف، وزد الشاعر خمسين ألفا، واحتبس لنفسك خمسين ألفا) (١).
ومما يناسب البيت الثاني قول أبي تمام: [من الطويل]
وقد ظللت عقبان راياته ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت على الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل
قال يزيد: استدعاني الرشيد يوما، فأتيته لابسا سلاحي، فضحك وقال: من الذي يقول فيك: [من البسيط]
تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
قلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال: سوءا لك من سيد قوم يمدح بمثل هذا ولا يعرف قائله، وقد بلغ أمير المؤمنين، فرواه ووصل قائله هو مسلم بن الوليد، قال:
فانصرف، فدعوت به ووصلته.
توفي يزيد المذكور سنة خمس وثمانين ومائة.
٨٨٦ - [عمر بن عبيد الطنافسي] (٢)
عمر بن عبيد الطنافسي الحنفي الإيادي مولاهم الكوفي، أخو يعلى ومحمد وإبراهيم.
стр. 808
سمع سعيد بن مسروق، وسماك بن حرب، وعبد الملك بن عمير وغيرهم.
روى عنه محمد بن سلام، وإسحاق الحنظلي، ومحمد بن عبد الله بن نمير وغيرهم.
وتوفي سنة خمس وثمانين ومائة.
٨٨٧ - [المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي] (١)
المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي المدني.
سمع أبا الزناد، وموسى بن عقبة، وسالما أبا النضر وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن عبد الله بن بكير، وقتيبة وغيرهما.
وأظنه هو الذي ذكره اليافعي فيمن توفي سنة ست وثمانين ومائة وقال فيه: (كان فقيه المدينة بعد مالك، قيل: عرض عليه الرشيد قضاء المدينة فامتنع)، وإنما وقع في النسخة سقم، والله سبحانه أعلم (٢).
٨٨٨ - [خالد بن الحارث الهجيمي] (٣)
خالد بن الحارث الهجيمي البصري أخو سليمان، ويكنى أبا عثمان.
سمع من ابن عون، وحميد الطويل، وشعبة، والثوري وغيرهم.
روى عنه إسحاق الحنظلي، وقيس بن حفص، وعبيد الله القواريري وغيرهم.
وتوفي سنة ست وثمانين ومائة.
٨٨٩ - [حاتم بن إسماعيل الكوفي] (٤)
حاتم بن إسماعيل الكوفي مولى بني عبد المدان من بني الحارث بن كعب.
стр. 809
سمع يزيد بن أبي عبيد، والجعيد بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة وغيرهم.
وروى عنه قتيبة بن سعيد، والقعنبي، وعبد الله الحجبي وغيرهم.
وتوفي سنة ست وثمانين ومائة، وقيل غير ذلك.
٨٩٠ - [عباد بن العوام الواسطي] (١)
عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله بن المنذر مولى أسلم بن زرعة الكلابي أبو سهل.
سمع أبا إسحاق الشيباني، ويحيى بن أبي إسحاق، وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم.
وروى عنه سعيد بن سليمان، وعمران بن ميسرة، وأبو الربيع الزهراني، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم.
توفي سنة ست-أو خمس-وثمانين ومائة.
٨٩١ - [عبد العزيز العمّي] (٢)
عبد العزيز بن عبد الصمد العمّي أبو عبد الصمد البصري.
سمع أبا عمران الجوني، ومنصورا، وحصينا وغيرهم.
وروى عنه إسحاق الحنظلي، وعلي بن المديني، وأبو غسان المسمعي وغيرهم.
وتوفي سنة سبع وثمانين ومائة.
٨٩٢ - [عبد العزيز الدراوردي] (٣)
عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي، ودراورد قيل: قرية بخراسان، وقيل: موضع بفارس كان جده منها، ويقال: هي دار بجرد، وذكر أن الرشيد قال له:
стр. 810
ما الدراوردي؟ قال: لقب، أصلحك الله، يكنى: أبا محمد، يقال: إنه مولى جهينة.
سمع يزيد ابن الهاد، والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهما.
روى عنه يحيى بن يحيى، وأحمد بن عبدة، وقتيبة، وعلي بن حجر وغيرهم.
توفي سنة سبع وثمانين ومائة.
وكان فقيها صاحب حديث.
٨٩٣ - [عبد السلام الملائي] (١)
عبد السلام بن حرب الكوفي أبو بكر الملائي، سكن الكوفة.
وسمع أيوب السختياني، وهشام بن حسان وغيرهما.
روى عنه أبو نعيم وغيره.
وتوفي سنة سبع-أو ست-وثمانين ومائة.
٨٩٤ - [معتمر بن سليمان] (٢)
معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي البصري أبو محمد مولى بني مرة.
سمع أباه، وعبيد الله بن عمر، وخالدا الحذاء وغيرهم.
روى عنه أحمد ابن حنبل، وعلي ابن المديني، ومسدد وغيرهم.
وكان عابدا صالحا حجة، أحد شيوخ البصرة.
توفي سنة سبع وثمانين ومائة، كذا في «اليافعي» و «الذهبي» وغيرهما (٣)، وعمره إحدى وثمانون سنة.
стр. 811
٨٩٥ - [الفضيل بن عياض] (١)
الفضيل بن عياض بن مسعود التيمي اليربوعي، الولي الكبير الشهير.
قال ابن المبارك: ما على الأرض أفضل من الفضيل.
وقال القاضي شريك: الفضيل حجة لأهل زمانه.
ولد بسمرقند، ونشأ بأبيور، قيل: كان في ابتداء أمره شاطرا يقطع الطريق، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدار إليها .. سمع تاليا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ قال: بلى يا رب قد آن، فرجع، وآواه الليل إلى خربة فيها جماعة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نصبح؛ فإن فضيلا في الطريق يقطع علينا، فآمنهم وبات معهم، ثم دخل الكوفة، فسمع الحديث من منصور بن المعتمر، والأعمش، وهشام بن حسان وغيرهم، وروى عنه القعنبي، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن يحيى، وابن أبي عمر وأحمد بن عبدة وغيرهم، ثم انتقل إلى مكة فأقام بها إلى أن توفي سنة سبع وثمانين ومائة.
يحكى أن الرشيد قال له يوما: ما أزهدك! قال: أنت أزهد مني؛ لأني أزهد في الدنيا الفانية، وأنت تزهد في الآخرة الباقية.
وقال ﵀: لو أن الدنيا عرضت عليّ لا أحاسب عليها .. لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه.
وقال رحمه الله تعالى: العمل لأجل الناس رياء، وترك العمل لأجلهم شرك، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما.
قال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله تعالى أحب أمرا فأحببت ذلك الأمر، وكان ابنه المذكور شابا نجيبا من كبار الصالحين، قال: وددت أني في مكان أرى الناس
стр. 812
ولا يروني، فبلغ ذلك أباه فقال: ويح علي؛ ليته أتمها فقال: لا أراهم ولا يروني.
ومناقب الفضيل كثيرة مشهورة.
٨٩٦ - [جعفر بن يحيى البرمكي] (١)
جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، الوزير الكبير، والجواد الشهير.
كان رحمه الله تعالى سمح الأخلاق، طلق الوجه، ظاهر البشر، من ذوي الفصاحة المشهورين باللسن والبلاغة، يقال: إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، ولم يخرج في شيء منها عن موجب الفقه.
كان أبوه قد ضمه إلى القاضي أبي يوسف الحنفي حتى علمه وفقهه.
شكي إليه من بعض العمال، فكتب إليه: كثر شاكوك، وقل شاكروك، فإما عدلت، وإما انعزلت.
ومما يحكى من فطنته أنه بلغه: أن الرشيد مغموم؛ من أجل أن يهوديا زعم أن الرشيد يموت في تلك السنة، فركب إلى الرشيد واليهودي عنده فقال: أنت تزعم أن أمير المؤمنين يموت لكذا وكذا، قال: نعم، قال: وأنت كم عمرك؟ قال: كذا وكذا، مدة طويلة، قال جعفر للرشيد: اقتله حتى تعلم أنه كذب في أمدك كما كذب في أمده، فقتله وصلبه، وذهب غم الرشيد، وشكر جعفرا على ذلك، وفي ذلك يقول أشجع السلمي: [من الطويل]
سل الراكب الموفي على الجذع هل رأى ... لراكبه نجما بدا غير أعور
ولو كان نجم مخبرا عن منية ... لأخبره عن رأسه المتحير
يعرفنا موت الإمام كأنه ... يعرفه أنباء كسرى وقيصر
أتخبر عن نحس لغيرك شؤمه ... ونجمك بادي النحس يا شر مخبر
وأما كرم جعفر وسعة عطائه .. فأشهر من أن يذكر؛ اشترى مرة جارية بأربعين ألف درهم، فقالت الجارية لبائعها: اذكر ما عاهدتني عليه؛ أنك لا تأكل لي ثمنا، فبكى
стр. 813
مولاها، وقال: اشهدوا أنها حرة وقد تزوجتها، فوهب له جعفر المال ولم يأخذ منه شيئا.
وكان عنده يوما أبو عبيد الثقفي، فقصدته خنفساء، فأمر جعفر بإزالتها، فقال أبو عبيد: دعوها عسى يأتي بقصدها إليّ خير؛ فإنهم يزعمون ذلك، فأمر له جعفر بألف دينار وقال: نحقق زعمهم، فأمر بتنحيتها ثم قصدته ثانيا، فأمر له بألف دينار أخرى.
يقال: إنه لما حج .. اجتاز في طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فاعترضته امرأة وأنشدت: [من الكامل]
إني عبرت على العقيق وأهله ... يشكون من مطر الربيع نزورا
ما ضرهم إذ جعفر جار لهم ... ألا يكون ربيعهم ممطورا
قيل: والبيت الثاني مأخوذ من قول الضحاك بن عقيل الخفاجي من جملة أبيات:
ولو جاورتنا العام سمراء لم نبل ... على جدبنا ألا يصوب ربيع
فأجزل جعفر للمرأة المذكورة العطاء، ومع ذلك فكان أخوه الفضل أجود منه.
وكان جعفر متمكنا عند الرشيد، غالبا على أمره، وكان له عند الرشيد من علوّ القدر ونفاذ الأمر وعظم المحل وجلالة المنزلة ما لم يشاركه فيه غيره، حتى إن الرشيد اتخذ ثوبا واحدا كان يلبسه هو وجعفر جملة.
ومما يحكى من مكانته عند الرشيد: أن الرشيد غضب على عبد الملك بن صالح الهاشمي، فاختلى جعفر يوما بأصحابه في مجلس أنس وقال لحاجبه: لا يدخل علينا أحد إلا عبد الملك القهرمان، فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي المذكور يستأذن على جعفر، وكان ذا صيانة وديانة، فظن الحاجب أنه الذي أمره جعفر بإدخاله، فأدخله عليه، فلما رآه جعفر .. تغير لونه، فلما رآهم عبد الملك على تلك الحال، وظهر له أنهم احتشموه .. أراد أن يرفع الخجل عنه وعنهم، فقال: اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم، فأتاه الغلام بثياب المنادمة، ثم جلس يشرب معهم، ولم يكن ذلك من شأنه، وقال للساقي: خفف عني؛ فإني ما شربته قط، فتهلل وجه جعفر فقال له: هل من حاجة؟ قال: نعم، أمير المؤمنين غضبان علي، فاسأله الرضى، قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين، قال: وعلي أربعة آلاف ألف درهم تقضيها عني، قال: هي حاضرة، ولكن كونها من أمير المؤمنين أشرف بك، وأدل على حسن ما عنده لك، قال عبد الملك: وابني إبراهيم أريد أن أرفع قدره بصهر من أمير المؤمنين، قال: قد زوجه أمير المؤمنين العالية ابنته، قال: وأحب أن تخفق
стр. 814
الألوية على رأسه، قال: نعم، قد ولاه أمير المؤمنين مصر، قال إبراهيم بن المهدي الراوي للحكاية-وكان أحد ندماء جعفر في تلك الواقعة-: فانصرف عبد الملك بن صالح، وأنا أعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان الرشيد.
فلما أصبح .. غدا جعفر إلى الرشيد، فأخبره بفعل عبد الملك ومساعدته لهم فيما كانوا عليه، وطلبه ما طلبه وإنعام جعفر بما طلب، وفي كل ذلك يقول الرشيد لجعفر: أحسنت أحسنت، ثم أمضى لعبد الملك جميع ما أنعم له به جعفر.
ثم إن الرشيد سخط على البرامكة، وأضمر لهم السوء، فحج في سنة ست وثمانين، وصدر إلى الحج في أول سنة سبع، فلما بلغ العمر-موضع من الأنبار- .. دعا الرشيد غلامه ياسر وقال: اذهب إلى جعفر بن يحيى وائتني برأسه، فوجم ياسر لا يرد جوابا، فقال له:
ما لك؟ ويلك، قال: الأمر عظيم، وددت أني مت من قبل وقتي هذا، فقال: امض لما أمرتك به، فمضى إلى أن دخل على جعفر وأبو زكار-بالزاي قبل الكاف وآخره راء-يغنيه، ونصبت الستائر، وجواريه عنده: [من الوافر]
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
وكل ذخيرة لا بد يوما ... وإن بقيت تصير إلى نفاد
ولو فوديت من حدث الليالي ... فديتك بالطريف وبالتلاد
فدخل عليه ياسر من غير إذن، فقال: يا ياسر؛ سررتني بإقبالك، وسؤتني بدخولك عليّ من غير إذن، قال: الأمر أكبر من ذلك؛ قد أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا، فأقبل جعفر يقبل يدي ياسر وقال: دعني أدخل وأوصي، فقال: لا سبيل إلى ذلك، أوص بما شئت، قال: فارجع وأعلمه بقتلي، فإن ندم .. كانت حياتي على يدك، وإلا .. أنفذت أمره فيّ، قال: لا أقدر، قال: فأسير معك إلى مضربه، وأسمع كلامه ومراجعتك، فإن أصر .. فعلت، قال: أما هذا .. فنعم، ثم إنه سار به إلى مضرب الرشيد، فلما سمع حسه .. قال له: ما وراءك؟ فذكر له قول جعفر، فسبه وقال: والله؛ لئن راجعتني ..
لأقدمنك قبله، فرجع فقتله وجاء برأسه، فلما وضعه بين يديه .. أمر بضرب عنق ياسر، فقال: لا أرى قاتل جعفر، فلما قتل جعفر .. أرسل الرشيد من يقبض على يحيى وابنه الفضل، ويوقرهما حديدا، ويحملهما إلى حبس الزنادقة، وبالقبض على أولادهم وإخوانهم وقراباتهم.
стр. 815
ويحكى أنه رئي على باب قصر ابن ماهان بخراسان صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر كتاب بقلم جليل: [من السريع]
إن المساكين بني برمك ... صبت عليهم غير الدهر
إن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبر ساكن ذا القصر
ولما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر .. قال: اللهم؛ إنه كفاني مؤنة الدنيا، فاكفه مؤنة الآخرة.
ويحكى أن جعفرا في آخر أيامهم أراد الركوب، فدعا بالأصطرلاب (١)؛ ليختار وقتا وهو في يده، فمر رجل على دجلة في سفينة وهو لا يرى جعفرا، ولا يدري ما يصنع، وهو ينشد هذا البيت:
يدبر بالنجوم وليس يدري ... ورب النجم يفعل ما يريد
فرمى جعفر بالأصطرلاب الأرض، وركب.
ولما قتل جعفر .. أكثر الشعراء في رثائه ورثاء آله، فقال الرقاشي: [من الوافر]
هذا الخالون من شجوي فناموا ... وعيني لا يلائمها منام
وما سهرت لأني مستهام ... إذا سهر المحب المستهام
ولكن الحوادث أرقتني ... فلي سهر إذا هجع الأنام
أصبت بسادة كانوا نجوما ... بهم نسقى إذا انقطع الغمام
ولم يزل يقول إلى أن قال:
على المعروف والدنيا جميعا ... لدولة آل برمك السلام
فلم أر قبل قتلك يا ابن يحيى ... حساما فلّه السيف الحسام
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام
وقال أيضا يرثيه وأخاه الفضل: [من الطويل]
ألا إن سيفا برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند
стр. 816
فقل للمطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي
وقال آخر: [من الطويل]
ولما رأيت السيف صبح جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما ... قصارى الفتى فيها مفارقة الدنيا
وبالجملة: فمن أطال في ترجمة جعفر .. فقد قصر، وفيهم عبرة لمن اعتبر.
٨٩٧ - [يعقوب بن داود السلمي] (١)
يعقوب بن داود السلمي.
كان سمحا جوادا كثير البر والصدقة واصطناع المعروف، مقصودا ممدحا، مدحه أعيان شعراء عصره، نشأ في صنوف من العلوم.
ولما خرج إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأخوه محمد على المنصور في سنة خمس وأربعين ومائة .. كان يعقوب المذكور كاتبا لإبراهيم المذكور، ولما ظفر المنصور بإبراهيم .. حبس يعقوب المذكور في المطبق، فلما مات المنصور، وولي ابنه المهدي .. جعل يتقرب إليه حتى أدناه، وعلت منزلته، وعظم شأنه، فكان لا ينفذ شيء من الكتب للمهدي حتى يرد كتاب من يعقوب، ثم خرج كتاب المهدي إلى الديوان: أن أمير المؤمنين قد آخى يعقوب بن داود، فقال في ذلك سلم بن عمرو: [من البسيط]
قل للإمام الذي جاءت خلافته ... تهدى إليه بحق غير مردود
نعم القرين على التقوى أعنت به ... أخوك في الله يعقوب بن داود
ثم إن الوشاة والأعداء أكثروا الكلام فيه عند المهدي، وذكروا خروجه على المنصور مع إبراهيم بن عبد الله، فوجد المهدي في نفسه عليه، وأراد أن يمتحنه في ميله إلى العلوية، فقال له: هذا البستان-وأشار إلى بستان فيه صنوف من الأشجار-وهذه الجارية-وأشار إلى جارية عنده-لك، وأمرت لك بمائة ألف درهم، ولي إليك حاجة أحب أن تضمن لي قضاءها، فقال: السمع والطاعة، فقال له: قل: والله، قال: والله-ثلاث مرات-وقال
стр. 817
له: ضع يدك على رأسي واحلف به، ففعل ذلك، فلما استوثق منه بالأيمان .. قال: هذا فلان ابن فلان-لرجل من العلوية-أحب أن تكفيني مؤنته، وتريحني منه؛ يعني: بقتله، وأمر بتحويل الجارية وما في المجلس من الأثاث والمال المذكور إليه، فاشتد سروره بالجارية، وجعلها عنده في مجلسه، فقال له العلوي: ويحك يا يعقوب؛ تلقى الله بدم رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فقال له يعقوب: خذ المال وخذ أي طريق شئت، فقال: طريق كذا آمن لي، فقال: امض مصاحبا بالسلامة، والجارية تسمع ذلك، فوجهت بعض خدمها إلى المهدي تعلمه بذلك، وقالت: هذا جزاء من آثرته بي على نفسك، فوجه المهدي في تلك الطريق من لحق العلوي، فرده إليه وجعله في مجلس، ثم دعا يعقوب بن داود وقال له: ما فعل الرجل؟ فقال: أراح الله أمير المؤمنين منه، قال: مات؟ قال: نعم، فحلفه على ذلك، فحلف وأقسم برأسه، فقال المهدي:
يا غلام؛ أخرج إلينا من في هذا البيت، ففتح بابه عن العلوي والمال بعينه، فبقي يعقوب متحيرا لا يدري ما يقول، فقال له المهدي: لقد حل دمك، ولو أردت إراقته .. لأرقته، ولكن احبسوه في المطبق، فحبسوه، وأمر بأن يطوى خبره عن كل أحد، فأقام فيه سنتين وشهورا في أيام المهدي وأيام الهادي جميعها، ثم شفع فيه يحيى بن خالد البرمكي، فأخرجه الرشيد، وقد ذهب بصره، فأحسن إليه، ورد عليه ماله، وخيره المقام حيث أراد، فاختار مكة، فأذن له في ذلك، فأقام بها حتى مات في سنة سبع وثمانين ومائة (١).
ويروى: أن المهدي حبسه في بئر وبنى عليه قبة، فمكث في البئر خمس عشرة سنة، وكان يدلّى إليه كل يوم رغيف وكوز ماء، ويؤذن بأوقات الصلاة، قال: فلما كان في رأس ثلاث عشرة سنة .. أتاني آت في منامي فقال: [من البسيط]
حنى على يوسف ربّ فأخرجه ... من قعر جبّ وبيت حوله غمم
قال: فحمدت الله تعالى وقلت: أتاني الفرج، ثم مكثت حولا لا أرى شيئا، فأتاني على رأس الحول ذلك الآتي وقال: [من الطويل]
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر
قال: ثم أقمت حولا آخر، ثم أتاني ذلك الآتي فقال: [من الوافر]
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
стр. 818
فيأمن خائف ويفكّ عان ... ويأتي أهله النائي الغريب
قال: فلما أصبحت .. نوديت، فظننت أني أؤذن بالصلاة، فدلي لي حبل، وقيل لي:
اشدد به وسطك، ففعلت، فأخرجوني، فلما قابلت الضوء .. عشي بصري، فدخلوا بي على الخليفة، فقيل لي: سلّم على أمير المؤمنين، فقلت: السلام على أمير المؤمنين المهدي ورحمة الله وبركاته، فقال: لست به، فقلت: السلام على أمير المؤمنين الهادي، فقال: لست به، فقلت: السلام على أمير المؤمنين الرشيد، فقال: يا يعقوب؛ والله ما شفع فيك إلي أحد غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي، فذكرت حملك إياي على عنقك، فرثيت لك من المحل الذي كنت فيه فأخرجتك، وكان يعقوب يحمل الرشيد وهو صغير.
٨٩٨ - [جرير بن عبد الحميد الضبي] (١)
جرير بن عبد الحميد بن جرير بن قرط بن هلال بن أبي قيس الضبي أبو عبد الله الرازي، محدث الري، الحافظ، أصله من الكوفة.
سمع الأعمش، ومغيرة، ومنصورا وغيرهم، وروى عنه قتيبة وعلي ابن المديني، ومحمد بن سلام وغيرهم.
ولد سنة عشر ومائة في السنة التي مات فيها الحسن وابن سيرين، وتوفي بالري سنة ثمان- أو سبع-وثمانين ومائة.
٨٩٩ - [عيسى بن يونس السبيعي] (٢)
عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وسبيع: بطن من همدان، الكوفي.
стр. 819
سكن ناحية الشام بموضع يقال له: الحدث، وحدث عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة وغيرهما.
وروى عنه إسحاق الحنظلي، وإبراهيم بن موسى وغيرهما.
وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة، وقال كاتب الواقدي: (مات بالحدث سنة إحدى وتسعين ومائة) (١).
٩٠٠ - [عبدة بن سليمان الكلابي] (٢)
عبدة بن سليمان الكلابي من أنفسهم، ويقال: العامري الكوفي، كان اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب غلب عليه، يكنى: أبا محمد.
سمع هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر وغيرهم.
وروى عنه إسحاق بن راهويه، ومحمد بن سلام البيكندي، وأبو بكر ابن أبي شيبة وغيرهم.
وتوفي سنة ثمان-أو سبع-وثمانين ومائة.
٩٠١ - [مرحوم بن عبد العزيز العطار] (٣)
مرحوم بن عبد العزيز بن مهران العطار القرشي البصري مولى آل معاوية بن أبي سفيان أبو محمد.
سمع ثابتا البناني، وأبا نعامة السعدي.
وروى عنه علي ابن المديني، وأبو بكر ابن أبي شيبة، ومسدد وغيرهم.
وكان محدثا عابدا صالحا.
وتوفي سنة ثمان-أو سبع-وثمانين ومائة.
стр. 820
٩٠٢ - [عقبة بن خالد السكوني] (١)
عقبة بن خالد بن معوذ السكوني.
سمع عبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة وغيرهما.
وروى عنه سعيد الأشج، ومحمد ابن نمير، وسهل بن عثمان وغيرهم.
وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة.
٩٠٣ - [النديم الموصلي] (٢)
أبو إسحاق إبراهيم بن ماهان التميمي مولاهم، المعروف بالنديم الموصلي، ولم يكن من الموصل، وإنما أقام بها مدة فنسب إليها، وهو من بيت كبير من العجم، ولم يكن مثله في الغناء واختراع الألحان، وأول خليفة سمعه المهدي بن المنصور.
يحكى أن هارون الرشيد كان يهوى جارية هوى شديدا، فتغاضبا مرة، ودام بينهما الغضب، فقال البرمكي للعباس بن الأحنف: أحب أن تعمل في ذلك شيئا، فقال: [من الكامل]
راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيم قل ما يتجنب
إن التجنب إن تطاول منكما ... دبّ السّلوّ له فعزّ المطلب
وأمر إبراهيم الموصلي يغني بها الرشيد، فلما سمعه .. بادر فترضاها، فسألت عن السبب، فأخبرت بذلك، فأمرت لكل واحد من العباس بن الأحنف وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، وسألت الرشيد أن يكافئهما، فأمر لهما بأربعين ألف درهم.
توفي إبراهيم المذكور بالقولنج في سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل: في سنة ثلاث عشرة ومائتين.
стр. 821
٩٠٤ - [الكسائي] (١)
أبو الحسن علي بن حمزة الأسدي مولاهم المعروف بالكسائي؛ لأنه أتى حمزة بن حبيب الزيات بالكوفة وهو ملتف بكساء، فقال حمزة: من يقرأ؟ فقيل له: صاحب الكساء، فبقي عليه هذا اللقب، وقيل: بل أحرم في كساء، فنسب إليه.
روى الكسائي عن حمزة الزيات، وأبي بكر بن عياش، وابن عيينة وغيرهم.
وروى عنه الفراء، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما.
وكان يؤدب الأمين بن الرشيد، ولم تكن له زوجة ولا جارية، فكتب إلى الرشيد يشكو العزبة في هذه الأبيات: [من الكامل]
قل للخليفة ما تقول لمن ... أمسى إليك بحرمة يدلي
ما زلت مذ صار الأمين معي ... عبدي يدي ومطيتي رجلي
وعلى فراشي من ينبهني ... من نومتي وقيامه قبلي
أسعى برجل مثل ثالثة ... موفورة مني بلا رجل
وإذا ركبت أكون مرتدفا ... قدام سرجي راكبا مثلي
فامنن علي بما يسكنه ... عني واهد الغمد للنصل
فأمر له الرشيد بعشرة آلاف، وجارية حسناء بجميع آلاتها، وخادم، وبرذون بجميع آلاته.
واجتمع يوما بمحمد بن الحسن الحنفي في مجلس الرشيد، فقال الكسائي: من تبحر في علم يهتدي به إلى جميع العلوم؟ فقال له محمد: ما تقول فيمن سهى في سجود السهو، هل يسجد مرة أخرى؟ قال الكسائي: لا، قال: لماذا؟ قال: لأن النحاة يقولون:
المصغر لا يصغر.
قال ابن خلكان: (هكذا وجدته في مواضع عديدة، وذكر الخطيب في «تاريخه»: أن
стр. 822
هذه القصة جرت بين محمد بن الحسن المذكور والفراء، وهما ابنا خالة) (١).
فقال محمد: ما تقول في تعليق الطلاق؟ قال: لا يصح، قال: ولم؟ قال: لأن السيل لا يسبق المطر، قال الشيخ اليافعي: وقول الكسائي: (لا يصح) أي: لا يصح وقوعه قبل وجود الصفة المعلق عليها. اه (٢)، وكأنه فرض السؤال في أنه هل يقع الطلاق المعلق قبل وجود الصفة؟ وعلى ذهني أن السؤال مفروض: هل يصح تعليق الطلاق قبل النكاح؟
وللكسائي مناظرات مع سيبويه، ومع اليزيدي، ذكرت في تراجمهما.
خرج صحبة الرشيد إلى الري فتوفي هناك في سنة تسع وثمانين ومائة، وفي ذلك اليوم توفي محمد بن الحسن الشيباني بالري، فقال الرشيد: دفنّا الفقه والنحو بالري.
٩٠٥ - [محمد بن الحسن الشيباني] (٣)
محمد بن الحسن الشيباني مولاهم الكوفي، وأصله: من قرية قرب باب دمشق، فقدم أبوه من الشام إلى العراق، فأقام بواسط، فولد بها محمد المذكور، ونشأ بالكوفة، ولقي جماعة من أعلام الأئمة، وجلس مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وصنف الكتب النادرة منها: «الجامع الكبير»، و «الجامع الصغير» وغيرهما، وله في مصنفاته المسائل المشكلة خصوصا المتعلقة بالعربية، ونشر علم أبي حنيفة، وتناظر هو والشافعي ببغداد مرارا، وظهر عليه الشافعي وقطعه، قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما رأيت سمينا ذكيا إلا محمد بن الحسن.
وكان أفصح الناس، إذا تكلم .. خيل لصاحبه أن القرآن نزل بلغته، وهو ابن خالة الفراء صاحب النحو واللغة، قال رحمه الله تعالى: خلف لي أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت نصفها على النحو واللغة.
стр. 823
وحكي عنه قال: أتى أبو حنيفة بامرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، فأمرهم فشقوا جوفها واستخرجوا الولد فعاش، وكان يتردد إلى مجلس محمد بن الحسن، ويسمى ابن أبي حنيفة.
قال الشيخ اليافعي: (وقد حكي أن الشافعي ﵀ هو الذي أفتى بشق بطن المرأة وإخراج الولد، وكان بعض العلماء قد أفتى بدفنها مع الحمل، فنشأ الولد وتعلم العلم، فسأل عنه الذي كان قد أفتى بدفنه مع أمه، فقال الشافعي ﵀: هذا الذي أفتيت بقتله، قال: ويحتمل أن تكونا قضيتين) (١).
خرج محمد والكسائي صحبة الرشيد إلى الري، فماتا بالري في يوم واحد سنة تسع وثمانين ومائة، فقال الرشيد: دفنا الفقه والنحو اليوم بالري.
٩٠٦ - [علي بن مسهر القرشي] (٢)
علي بن مسهر، ويكنى أبا الحسن.
سمع الشيباني، وهشاما، والأعمش وغيرهم.
روى عنه إسماعيل بن الخليل، وبشر بن آدم، وسويد بن سعيد وغيرهم، وولي القضاء بنواحي الموصل.
وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة.
٩٠٧ - [عبد الأعلى السامي] (٣)
عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي-بالمهملة-من بني سامة بن لؤي البصري، يكنى أبا محمد، ويلقب أبا همام.
سمع سعيد بن أبي عروبة، وعبيد الله بن عمر، وسعيد الجريري وغيرهم.
стр. 824
روى عنه نصر بن علي، وعلي ابن المديني وغيرهما.
وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة.
٩٠٨ - [سليم بن أخضر البصري] (١)
سليم بن أخضر البصري.
سمع سليمان التيمي، وعبيد الله بن عمر، وابن عون وغيرهم.
روى عنه أحمد بن عبدة، وأبو كامل الجحدري، ويحيى بن يحيى.
وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة فيما أظن (٢).
٩٠٩ - [أبو خالد الأحمر] (٣)
سليمان بن حيان الجعفري-نزل فيهم وليس منهم-الكوفي المعروف بأبي خالد الأحمر.
سمع عبيد الله بن عمر، وحميدا، وهشام بن عروة وغيرهم.
وروى عنه محمد بن سلام البيكندي، ومحمد ابن نمير، وأبو بكر ابن أبي شيبة وغيرهم.
وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة.
٩١٠ - [عبيدة بن حميد الحذاء] (٤)
عبيدة بن حميد الليثي، ويقال: الضبي، أبو عبد الرحمن الكوفي النحوي، ويقال له: الحذاء، قال الإمام أحمد: ولم يكن حذاء.
стр. 825
سمع عبد العزيز بن رفيع، وعبد الملك بن عمير، ومنصور بن المعتمر وغيرهم.
وروى عنه محمد بن سلام، وفروة بن أبي المغراء، والحسن الزعفراني وغيرهم.
كان صاحب قرآن وحديث ونحو، أدب الأمين بعد الكسائي.
وتوفي سنة تسعين ومائة، كذا في «تاريخ اليافعي» (١).
قال أبو الفضل المقدسي: وحكى البخاري عن الحسن بن أبي زيد قال: كتبنا من عبيدة بن حميد الضبي ببغداد سنة ست وتسعين ومائة، ومات بعد ذلك (٢).
٩١١ - [حميد الرؤاسي] (٣)
حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي ابن رؤاس بن كلاب.
سمع أباه، وهشام بن عروة، والأعمش.
وروى عنه قتيبة بن سعيد، وزهير، وابن نمير وغيرهم.
وتوفي سنة تسعين-أو تسع وثمانين-ومائة.
٩١٢ - [عمر بن علي المقدمي] (٤)
عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي أبو حفص البصري، والد عاصم ومحمد.
سمع إسماعيل بن أبي خالد، ومعن بن محمد، وهشام بن عروة.
روى عنه ابن أخيه محمد بن أبي بكر بن علي، وخليفة وغيرهما.
وتوفي سنة تسعين ومائة.
стр. 826
٩١٣ - [عتاب بن بشير الحراني] (١)
عتاب بن بشير، يقال: إنه مولى بني أمية أبو الحسن الحراني.
سمع إسحاق بن راشد وغيره، وروى عنه محمد بن سلام وغيره.
قال البخاري: وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة (٢)، وذكره غيره فيمن توفي سنة تسعين ومائة.
٩١٤ - [يحيى بن خالد البرمكي] (٣)
يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، أبو النجباء: جعفر، والفضل، ومحمد، وموسى.
كان جده برمك من مجوس بلخ، ولا يعلم إسلامه.
نعم؛ يحكى أنه دخل على عبد الملك بن مروان وعند عبد الملك صورة ديكين، من خاصيتهما: أنهما إذا دخل ذو سم .. تناقما، فلما دخل برمك .. تناقم الديكان المصوران، فأمر عبد الملك بتفتيشه، فلم يجدوا معه شيئا، فسأله هل معه شيء من السم؟ فقال: نعم خاتم مسموم أدخره لوقت الضرورة، وقدمه لعبد الملك.
وأما ابنه خالد .. فإنه ولي الوزارة للسفاح ثم للمنصور، وقد ذكرناه في العشرين الثالثة من هذه المائة (٤).
وأما ابنه يحيى صاحب الترجمة .. فإنه كان من النبل والعقل وجميل الخلال على أكمل حال، وكان المهدي قد ضم إليه ولده هارون الرشيد، وجعله في حجره، فأدبه وهذبه، فلما ولي هارون .. عرف له حقه، وقال: أنت أجلستني في هذا المجلس ببركتك ويمنك
стр. 827
وحسن تدبيرك، وقد قلدتك الأمر، ودفع إليه خاتمه، وفي ذلك يقول الموصلي: [من الطويل]
ألم تر أن الشمس كانت سقيمة ... فلما ولي هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندى ... فهارون واليها ويحيى وزيرها
ومن كلام يحيى: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الهدية، والكتاب، والرسول، وكان يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون.
ومما يدل على غزارة عقله، وصواب رأيه: ما يحكى أن الرشيد استشاره في هدم إيوان كسرى، فأشار عليه بالترك، فلم يحمله هارون على النصحية، وظن أنه أحب بقاء آثار المجوس؛ لما يقال: إن أصل البرامكة مجوس، وربما شافهه بذلك تبكيتا، فشرع الرشيد في الهدم، فغرم على هدم قطعة يسيرة أموالا جزيلة، وصعب الهدم عليه وتعسر؛ لقوة إحكام بنائه، فاستشار يحيى ثانيا في ترك الهدم، فأشار عليه بألا يترك ما شرع فيه من الهدم، فقال: سبحان الله! أشرت أولا بترك الهدم، وأشرت ثانيا بالهدم، فقال ما معناه:
أشرت أولا بترك الهدم؛ ليعرف شرف الإسلام وعلوه وقوة تأييده على من رأى تلك الآثار التي ظهر عليها الإسلام، وأذل أهلها، وأزال ملكهم الذي كان زواله لا يرام، وعزه لا يضام، فلما لم تقبل شوري، وشرعتم في هدمه، واستشرتني في ترك ذلك .. أشرت عليك بعدم الترك؛ لئلا يدل ذلك على ضعف الإسلام فيقال: عجز المسلمون عن هدم ما بناه المخالفون لدينهم، والهدم أسهل من البناء، فعرف الرشيد نصيحته في ذلك.
وله في الجود والكرم حكايات مشهورة:
منها: ما حكى إسحاق النديم الموصلي قال: كانت صلات يحيى بن خالد إذا ركب لمن تعرض له في الطريق .. مائتي درهم، فركب ذات يوم، فتعرض له شخص وأنشده: [من الخفيف]
يا سمي الحصور يحيى أتيحت ... لك من فضل ربنا جنتان
كل من مر في الطريق عليكم ... فله من نوالكم مائتان
مائتا درهم لمثلي قليل ... وهي منكم للقابس العجلان
قال يحيى: صدقت، وأمر بحمله إلى داره، فلما رجع من دار الخلافة .. سأله عن حاله، فذكر أنه تزوج امرأة، وقد أخذ بواحدة من ثلاث: إما أن يؤدي المهر وهو أربعة
стр. 828
آلاف، وإما أن يطلق، وإما أن يضم للمرأة منزلا وخادما وما يكفيها إلى أن يتهيأ له نقلها، فأمر له يحيى بعشرين ألفا: أربعة آلاف للمهر، وأربعة آلاف لثمن المنزل، وأربعة آلاف للكفاية، وأربعة آلاف للخدمة، وأربعة آلاف يستظهر بها.
ودخل عليه يوما أبو قابوس الحميري فأنشده: [من البسيط]
رأيت يحيى أدام الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الذي كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد
فأجزل صلته.
وقال فيه مسلم بن الوليد الأنصاري: [من الطويل]
أجدك هل تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر
صبرت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر
فقضى حوائجه، ووصله بجملة من المال.
وفي جوده وجود ابنه ينشد هذان البيتان:
سألت الندى هل أنت حر فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت شراء قال لا بل وراثة ... توارثني عن والد بعد والد
وكان يحيى يقول: إذا أقبلت الدنيا .. فأنفق؛ فإنها لا تبقى.
ونادى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أحد غلمانه فلم يجبه، فقال: سمعت يحيى بن خالد يقول: يدل على حلم الرجل سوء أدب غلمانه.
وأخباره كثيرة، ومكارمه شهيرة، فلا نطول بذكرها.
ولما غضب الرشيد على البرامكة وقتل جعفرا .. حبس أباه يحيى المذكور، فلم يزل في الحبس إلى أن توفي سنة تسعين ومائة، ودفن في شاطئ الفرات، فوجد في جنبه رقعة مكتوب فيها بخطه: قد تقدم الخصم والمدعى عليه في الأثر، والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجور ولا يحتاج إلى بينة، فحملت إلى الرشيد، فلم يزل يبكي يومه كله، وبقي أياما يتبين الأسى في وجهه.
стр. 829
٩١٥ - [مخلد بن الحسين الأزدي] (١)
مخلد بن الحسين الأزدي المهلبي المصري.
كان من عقلاء زمانه وصلحائهم.
توفي سنة إحدى وتسعين ومائة.
٩١٦ - [محمد بن سلمة الحراني] (٢)
محمد بن سلمة بن عبد الله الحراني، مولى قتيبة، ويقال: مولى باهلة، أبو عبد الله.
سمع خالدا أبا عبد الرحمن وغيره، وروى عنه أحمد ابن حنبل وغيره.
وكان محدث حران ومفتيها.
توفي سنة إحدى وتسعين ومائة.
٩١٧ - [مطرف بن مازن الكناني] (٣)
مطرف بن مازن الكناني بالولاء، وقيل: القيسي بالولاء المدني الصنعاني.
ولي القضاء بصنعاء اليمن، وحدث عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وجماعة كثيرة.
وروى عنه الإمام الشافعي وخلق كثير، وطعن في روايته جماعة من المحدثين، وقال بعضهم: كان رجلا صالحا.
توفي سنة إحدى وتسعين ومائة.
стр. 830
٩١٨ - [ابن القاسم المالكي] (١)
عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي المصري الفقيه أبو عبد الله، صاحب الإمام مالك بن أنس.
ولد سنة إحدى-أو اثنتين-وثلاثين ومائة، وسمع بكر بن مضر وغيره، وروى عنه سعيد بن عيسى بن تليد وغيره.
وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة.
٩١٩ - [الفضل بن موسى السيناني] (٢)
الفضل بن موسى السيناني-نسبة إلى سينان، بسين مهملة، ثم تحتانية آخر الحروف، ثم نونين بينهما ألف، قرية من قرى مرو-أبو عبد الله المروزي.
سمع الأعمش، وعبيد الله بن عمر، وفضيل بن غزوان وغيرهم.
وروى عنه إسحاق الحنظلي، ومعاذ بن أسد، وعلي بن حجر وغيرهم.
ولد سنة خمس عشرة ومائة، وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة.
٩٢٠ - [عبد الله بن إدريس الأودي] (٣)
عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي الكوفي أبو محمد.
سمع إسماعيل بن أبي خالد، وأبا حيان التيمي وغيرهم.
روى عنه إسحاق الحنظلي، ومحمد ابن نمير، وأبو بكر ابن أبي شيبة وغيرهم.
ولد سنة خمس عشرة ومائة، وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائة.
стр. 831
٩٢١ - [الفضل بن يحيى البرمكي] (١)
الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، الأمير الكبير.
ولي أعمالا جليلة، وكان أندى كفا من أخيه جعفر، وجعفر أبلغ منه في الرسائل والكتابة.
وكان الرشيد قد ولاه الوزارة قبل جعفر، وأراد أن ينقلها منه إلى جعفر، فقال لأبيهما يحيى: يا أبت-وكان يدعوه كذلك-إني أريد أن أجعل الخاتم الذي لأخي الفضل لجعفر.
وكان يدعو الفضل: يا أخي؛ لأنهما متقاربان في المولد، وكانت أم الفضل قد أرضعت الرشيد، واسمها: زبيدة، من مولدات المدينة.
قال: وقد احتشمت من الكتاب إليه في ذلك، فاكتب أنت إليه، فكتب والده إليه: قد أمر أمير المؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: سمعت مقالة أمير المؤمنين في أخي وأطعت، وما انتقلت مني نعمة صارت إليه، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه، فقال جعفر: لله أخي؛ ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منة العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذرعه!
وولاه الرشيد خراسان، فأقام بها مدة، فوصل كتاب البريد بخراسان ويحيى جالس عند الرشيد، وفي الكتاب: إن الفضل بن يحيى متشاغل بالصيد وإدامة اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد .. رمى به إلى يحيى وقال: يا أبت؛ اقرأ هذا الكتاب، وجوّب عليه ما يردعه عن ذلك، فكتب يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره عليك، فعاود ما هو أزين بك؛ فإن من عاد إلى ما يزينه أو يشينه .. لم يعرفه أهل دهره إلا به، والسلام.
وكتب في أسفل الكتاب أبياتا مضمونها التحريض على التستر باللذات وإظهار النسك مع إخفاء تناول الشهوات (٢)، وكان الرشيد ينظر إلى ما يكتبه، فلما فرغ .. قال: أبلغت
стр. 832
يا أبت، فلما وصل الكتاب إلى الفضل .. لم يفارق المسجد نهارا إلى أن انصرف عن عمله.
وأما جوده البالغ، وسخاؤه المفرط .. فأشهر من أن يذكر، من ذلك: أنه قال له حاجبه: بالباب رجل يزعم أن له سببا يمت به إليك، قال: أدخله، فأدخله فإذا هو شاب حسن الوجه، رث الهيئة، فسلم، وأومأ إليه بالجلوس فجلس، فقال له بعد ساعة:
ما حاجتك؟ قال: أعلمتك بها رثاثة ملبسي، قال: فما الذي تمت به؟ قال: ولادة تقرب من ولادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك، فقال الفضل: أما الجوار .. فيمكن، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أخبرتني أمي أنها لما ولدتني .. قيل لها: ولد هذه الليلة ليحيى بن خالد ولد، وسمي الفضل، فسمتني أمي فضيلا؛ إكبارا لاسمك أن تلحقني به، وصغّرته؛ لقصور قدري عن قدرك، فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: خمس وثلاثون سنة، قال: صدقت، هذا المقدار الذي أعد، فما فعلت أمك؟ قال: ماتت، قال: فما منعك من اللحاق بنا مقدما؟ قال: لم أرض نفسي للقائك؛ لأنها كانت فيّ عامية معها حداثة تقعدني عن لقاء الملوك، وعلق هذا بقلبي منذ أعوام، فشغلت نفسي بما يصلح للقائك حتى رضيت نفسي، قال:
فما يصلح له؟ قال: الكبير من الأمر والصغير، قال: يا غلام؛ أعطه لكل عام مضى من سنه ألف درهم، وأعطه عشرة آلاف درهم يحمل بها نفسه إلى وقت استعماله، وأعطه مركوبا سريا.
ومن مستغربات تقلب الدنيا: ما حكى محمد بن يزيد الدمشقي قال: دعاني ليلة الفضل بن يحيى، فدخلت بمكان واسع فيه جمع كثير من أهل الدولة، وفيهم والده وأخوه جعفر، فأخرج مولود من باب على يمين الفضل وكانت ليلة سابعه، ولا علم لي، فأقبلوا يقرءون ومجامر الند تختلف عليهم، والشماع المعنبرة تضيء بأيدي الخدام، فلما فرغوا من القراءة .. قام الشعراء كل يهنيه بطلعته، ويبشره برؤيته، فنثرت عليهم الدنانير مطيبة
стр. 833
بالمسك، فما بقي أحد إلا أخذ في كمه، وأخذت معهم، وخرج الناس والشعراء وخرجت معهم، فلحقني خادمان، فرداني إلى الفضل وهو جالس مع أبيه-أو قال: ابنه-فقال لي:
يا محمد؛ قد سمعت ما كان هذه الليلة، والله؛ ما أعجبني من أشعارهم شيئا، وقد أحببت أن تسمعني في المولود شيئا، فقلت: [من الطويل]
ونفرح بالمولود من آل برمك ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل
ويعرف فيه الخير عند ولاده ... ببذل الندى والجود والمجد والفضل
فتهلل وجهه فرحا وقال: ما سررت بمثل هذا وأمر لي بعشرة آلاف دينار وقال لي:
خذها يا محمد، وهي دون حقك، فأخذت المال، واشتريت به أرضا وعقارا، وفتح الله عليّ، وكثر مالي، وعظم جاهي، فلم يكن إلا يسيرا حتى نكبت البرامكة، وكان معي حمام بإزاء داري، فأمرت الحمامي أن ينظفه، ثم دخلت فيه، وأمرت الحمامي أن يرسل إلي بمن يدلكني ويغمزني، فأرسل إلي بصبي حسن الوجه، فدلكني وغمزني، فاستلقيت على قفاي، وذكرت أيام البرامكة وأن جميع ما أملكه من فضل الله تعالى، وهو على يد الفضل، وأنشدت البيتين المذكورين، فانقلبت عينا الصبي وانتفخت أوداجه وسقط مغشيا عليه، ففزعت، وخرجت من الحمام، وقلت للحمامي: أرسلت إلي بمجنون يدلكني؟ ! الحمد لله على السلامة منه، فقال: والله يا سيدي ما به جنون، وإن له عندي سنينا كثيرة ما رأيت منه شيئا.
فدعوت الصبي وآنسته من نفسي، حتى اطمأنت نفسه، فقلت له: ما ذلك العارض الذي رأيت منك؟ قال: كأنك ظننت أني جننت؟ قلت: نعم، قال: ما كنت تنشد في ذلك الوقت؟ قلت: بيتين من الشعر، قال: ومن قائلهما؟ قلت: أنا، قال: فيمن قلتهما؟ قال: في ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك، قال: ومن ولد الفضل بن يحيى بن خالد؟ قلت: لا أدري، قال: أنا ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك، وأنا صاحب ذلك السابع، وفيّ قلت البيتين، كنت قد سمعتهما من قبل، فلما سمعتهما منك .. ضاقت عليّ الأرض بأجمعها، ورأيت مني ما رأيت، قال: فقلت له: يا ولدي؛ أنا والله شيخ كبير، ولا قرابة لي ترثني وأرثها، وقد عزمت أن أحضر شاهدين وأشهدهما أن جميع ما أملكه من فضل الفضل أبيك وعلى يديك، فتأخذ المال وأكون أعيش في فضلك إلى أن أموت، فتغرغرت عيناه وقال: والله؛ لا انثنيت في هبة وهبها لك والدي وإن كنت محتاجا إلى ذلك، قال:
فحلفت عليه أن يأخذ الكل، أو يأخذ البعض، فأبى وكره، وكان ذلك آخر عهدي به.
стр. 834
وأخبار الفضل في الجود وغيره من حسن الأخلاق كثيرة شهيرة.
ولما غضب الرشيد على البرامكة، وقتل جعفرا .. حبس الفضل ووالده، وضرب الفضل في الحبس مائتي سوط حتى جرح ظهره، فعالجه طبيب حتى برئ، فاقترض الفضل من بعض أصحابه عشرة آلاف درهم، وسيرها للطبيب، فردها، فظن الفضل أنه استقلها، فاقترض عشرة آلاف أخرى، وسيرها إلى الطبيب، فأبى أن يقبلها وقال: ما كنت لآخذ على معالجة فتى من الكرام كراء، والله؛ لو كانت عشرين ألف دينار ما قبلتها، فلما بلغ الفضل ذلك .. قال: والله؛ إن الذي فعله هذا أبلغ مما فعلناه في جميع أيامنا من المكارم، وكان الطبيب في شدة وفاقة، وكان الفضل ينشد وهو في السجن: [من الطويل]
إلى الله فيما نالنا نرفع الشكوى ... ففي يده كشف المضرة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلا نحن في الموتى ولا نحن في الأحيا
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
وكان الفضل كثير البر بأبيه، وكان أبوه يتأذى من استعمال الماء البارد في زمن الشتاء، فيقال: إنه لما كان في السجن .. لم يقدر على تسخين الماء، فكان الفضل يأخذ الإبريق النحاس، فيلصقه إلى بطنه زمانا عسى تنكسر برودته بحرارة بطنه؛ حتى يستعمله أبوه.
ولد الفضل لسبع بقين من ذي الحجة سنة سبع وأربعين ومائة، وتوفي في السجن سنة اثنتين وتسعين ومائة في المحرم، ولما بلغ الرشيد موته .. قال: أمري قريب من أمره، فكان كذلك؛ فإن الرشيد توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة.
٩٢٢ - [العباس بن الأحنف] (١)
العباس بن الأحنف اليماني، الشاعر المشهور.
من قوله: [من الطويل]
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع
فأقسم ما تركي عتابك من قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع
стр. 835
وإني إذا لم ألزم الصبر طائعا ... فلا بد منه مكرها غير طائع
توفي سنة اثنتين-أو إحدى، أو ثلاث-وتسعين ومائة.
حكى عمر بن شبة قال: مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي، والعباس بن الأحنف، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج، فصفوا بين يديه، فقال: من هذا الأول؟ فقالوا: إبراهيم الموصلي، فقال: أخروه وقدّموا العباس بن الأحنف، فقدم، فصلى عليه، فلما فرغ وانصرف .. دنى منه هاشم بن عبد الله الخزاعي، فقال له: يا سيدي؛ كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقدمة على من حضر؟ فقال: أليس هو القائل، وأنشد بيتين من نظم العباس ثم قال:
أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدمة؟ !
قال الشيخ اليافعي: (وكان الكسائي أولى بالتقديم؛ لفضائله المشهورة، ولو لم يكن إلا كونه إماما في القراءة.
قال: وفيه إشكال؛ فإن بعضهم حكى أنه رأى العباس بن الأحنف بعد موت الرشيد، وحكى بعضهم أنه توفي قبل هذه السنة) (١).
٩٢٣ - [هارون الرشيد] (٢)
هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، الخليفة العباسي، كان يكنى أبا موسى فلم يردها، واكتنى بأبي جعفر.
أمه وأم أخيه موسى الهادي الخيزران.
ولد بالري سنة ثمان وأربعين ومائة، وبويع له يوم توفي أخوه موسى الهادي للنصف من ربيع سنة سبعين ومائة.
وكان شهما شجاعا حازما جوادا ممدحا، فيه دين وسنة وتخشع، كان يخضع للكبار،
стр. 836
ويتأدب معهم، وعظه الفضيل بن عياض، وابن السماك وغيرهم، وله مشاركات في الفقه وبعض العلوم والأدب.
قيل: كان يصلي كل يوم مائة ركعة، ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم.
روى عن أبيه، وجده، ومبارك بن فضالة وغيرهم، وحج مرات في خلافته، وغزا عدة غزوات حتى قيل فيه: [من الوافر]
فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور
قيل: إنه كان يحج سنة، ويغزو أخرى.
وتوفي بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة، فمدة ولايته ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر.
وأول من سلم عليه بالخلافة يحيى بن خالد، وهنأه بعبد الله المأمون، وسلم عليه بالخلافة عمه سليمان بن أبي جعفر، وعم أبيه العباس بن محمد، وعم جده عبد الصمد بن علي.
وكان قد عهد إلى أولاده الثلاثة: محمد الأمين، ثم عبد الله المأمون، ثم القاسم المؤتمن، ولم يدخل ولده المعتصم في ولاية العهد، فساق الله الخلافة إليه، وجعلها في عقبه دون عقب الثلاثة المذكورين، فلما توفي .. بويع ابنه محمد الأمين.
٩٢٤ - [إسماعيل ابن عليّة] (١)
إسماعيل بن إبراهيم بن سهم بن مقسم، المعروف بابن علية-وهي أمه مولى لبني أسد- الأسدي البصري أبو بشر.
سمع أيوب، وعبد العزيز، وروح بن القاسم وغيرهم.
وروى عنه علي ابن المديني، وقتيبة، وعلي بن حجر وغيرهم.
قال شعبة: ابن علية سيد المحدثين، وقال يزيد بن هارون: دخلت البصرة وما بها أحد يفضل في الحديث على ابن علية.
ولد سنة عشر ومائة، وتوفي سنة ثلاث-أو أربع-وتسعين ومائة.
стр. 837
٩٢٥ - [غندر الهلالي] (١)
محمد بن جعفر الهلالي، أبو عبد الله البصري، الملقب غندر، وهو ابن امرأة شعبة، يقال: إنه جالس شعبة عشرين سنة.
سمع شعبة، ومعمرا، وابن جريج وغيرهم.
وروى عنه أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين.
قال ابن معين: كان من أصح الناس كتابا.
وقال غيره: مكث خمسين سنة يصوم يوما ويفطر يوما.
وتوفي سنة ثلاث وتسعين ومائة.
٩٢٦ - [أبو بكر بن عياش] (٢)
أبو بكر بن عياش-بشين معجمة آخره-الأسدي مولاهم، شيخ الكوفة في القراءات والحديث، اسمه وكنيته واحد على الأصح، وقيل: اسمه شعبة، وقيل: سالم.
سمع أبا إسحاق الشيباني، وعبد العزيز بن رفيع، وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن المبارك، ويحيى بن آدم، وعلي ابن المديني وغيرهم.
قال بعضهم: كان لا يفتر عن التلاوة، قرأ اثنتي عشرة ألف ختمة، وقيل: أربعا وعشرين ألف ختمة.
قال رحمه الله تعالى: رأيت أعرابيا واقفا بالكناسة على نجيب ينشد: [من الطويل]
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بمهجور حزوى فابكيا بالمنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل
قال: فخلوت بنفسي، فبكيت واسترحت من مصيبة أصابتني، كذا رواه المبرد عنه (٣).
توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة، وعمره بضع وتسعون سنة.
стр. 838
٩٢٧ - [مخلد بن يزيد الحراني] (١)
مخلد بن يزيد الحراني الجزري أبو الحسن.
سمع عبد الملك بن جريج، وروى عنه محمد بن سلام، وإسحاق الحنظلي وغيرهما.
توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة.
٩٢٨ - [مروان بن معاوية الفزاري] (٢)
مروان بن معاوية بن الحارث-أو حارثة-ابن أسماء بن خارجة بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري الكوفي أبو عبد الله، سكن مكة.
سمع حميدا الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصما الأحول وغيرهم.
وروى عنه إسحاق الحنظلي، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني وغيرهم.
وتوفي سنة ثلاث وتسعين ومائة، يقال: إنه مات فجاءة قبل يوم التروية بيوم.
٩٢٩ - [يحيى بن سعيد بن أبان] (٣)
يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي الأموي الكوفي أبو أيوب الحافظ، وهو أخو عنبسة وعبيد وعبد الله.
سمع الأعمش، ومسعرا، وابن جريج وغيرهم.
وروى عنه ابنه سعيد، وداود بن رشيد، ومخلد بن مالك الحمّال.
وتوفي للنصف من شعبان سنة أربع وتسعين ومائة.
стр. 839
٩٣٠ - [حفص بن غياث] (١)
حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن الحارث بن ثعلبة النخعي الكوفي أبو عمرو.
سمع الأعمش، وعاصما الأحول، وهشام بن عروة وغيرهم.
روى عنه ابنه عمر، وإسحاق الحنظلي، ومحمد بن الحسن الأسدي وغيرهم، وولي قضاء الكوفة.
ولد سنة سبع عشرة ومائة، وتوفي سنة خمس-أو ست-وتسعين ومائة، وقيل: سنة أربع وتسعين ومائة.
٩٣١ - [عبد الوهاب الثقفي] (٢)
عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن عبد الله بن الحكم بن أبي العاصي الثقفي البصري أبو محمد.
سمع أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد، وخالدا الحذاء وغيرهم.
وروى عنه بندار، ومحمد بن سلام، وإسحاق الحنظلي وغيرهم.
وقال عمرو بن علي: ولد عبد الوهاب سنة عشر ومائة، وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة، وعمره أربع وثمانون سنة.
٩٣٢ - [محمد بن حرب الأبرش] (٣)
محمد بن حرب الخولاني الأبرش الحمصي أبو عبد الله كاتب محمد بن الوليد الزبيدي.
سمع الزبيدي، والأوزاعي وغيرهما.
стр. 840
وروى عنه محمد بن وهب، وحيوة بن شريح، وحاجب بن الوليد وغيرهم.
وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة.
٩٣٣ - [إسحاق الأزرق] (١)
إسحاق بن يوسف بن يعقوب بن مرداس الأزرق أبو محمد الواسطي.
سمع الثوري، والأعمش، ومسعرا، وعبد الله بن عون وغيرهم.
وروى عنه عمرو الناقد، وزهير، والحسن بن الصباح وغيرهم.
وكان شيخا حافظا عابدا، يقال: إنه بقي عشرين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء.
ولد سنة سبع عشرة ومائة، وتوفي سنة خمس-أو ست، أو أربع-وتسعين ومائة.
٩٣٤ - [أبو معاوية الضرير] (٢)
محمد بن خازم-بخاء معجمة-أبو معاوية الضرير التميمي السعدي الكوفي، يقال:
عمي وهو صغير.
سمع الأعمش، وهشام بن عروة وغيرهما.
روى عنه علي ابن المديني، وأبو موسى المديني، وقتيبة وغيرهم، وكان عالما حافظا.
يروى: أنه دخل على الرشيد، وطعم عنده، ولما أراد غسل يده من الطعام .. أخذ الرشيد الإبريق من الغلام وصب عليه، فقيل له: أتدري من يصب عليك؟ قال: لا، فقيل: هو أمير المؤمنين، فلم يزده على قوله: أعزه الله كما أعز العلم وأهله.
ولد سنة ثلاث عشرة ومائة، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائة.
стр. 841
٩٣٥ - [محمد بن فضيل الضبي] (١)
محمد بن فضيل بن غزوان الضبي مولاهم الكوفي أبو عبد الرحمن.
سمع أباه، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم.
وروى عنه محمد ابن نمير، وإسحاق الحنظلي، وقتيبة بن سعيد وغيرهم.
وتوفي سنة خمس-أو أربع-وتسعين ومائة.
٩٣٦ - [الوليد بن مسلم الأموي] (٢)
الوليد بن مسلم القرشي الأموي مولاهم الدمشقي أبو العباس.
سمع الأوزاعي، وابن أبي ذئب وغيرهما.
وروى عنه محمد بن المثنى، وداود بن رشيد وغيرهما.
وصنف سبعين كتابا، وكان محدث الشام.
ولد سنة تسع عشرة ومائة، وحج سنة أربع وتسعين، وتوفي في التي تليها راجعا من الحج في الطريق قبل أن يصل دمشق.
٩٣٧ - [يحيى بن سليم الطائفي] (٣)
يحيى بن سليم الطائفي، ويقال: هو مكي، أبو زكريا الخزاز الحذاء.
سمع إسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عثمان بن خثيم.
روى عنه بشر ابن مرحوم، ويوسف بن محمد، وابن أبي عمر العدني وغيرهم.
وتوفي سنة خمس وتسعين ومائة.
стр. 842
٩٣٨ - [مؤرج بن عمرو السدوسي] (١)
مؤرج بن عمرو السدوسي النحوي البصري.
روى الحديث عن شعبة بن الحجاج، وأبي عمرو بن العلاء وغيرهما، والعربية عن الخليل بن أحمد، وكان الغالب عليه علم اللغة والشعر، وله عدة تصانيف.
ومن شعره: [من الطويل]
وفارقت حتى ما أراع من الهوى ... وإن غاب جيران علي كرام
فقد جعلت نفسي على اليأس تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام
توفي سنة خمس وتسعين ومائة.
٩٣٩ - [معاذ بن معاذ البصري] (٢)
معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، من ولد كعب ابن العنبر، يكنى أبا المثنى، قاضي البصرة وحافظها.
روى عن سليمان التيمي، وشعبة، وابن عون وغيرهم.
وروى عنه محمد ابن المثنى، وعلي ابن المديني، ومحمد بن حاتم وغيرهم.
مات سنة ست-أو خمس-وتسعين ومائة.
٩٤٠ - [أبو نواس] (٣)
الحسن بن هاني المعروف بأبي نواس، الشاعر المشهور، صاحب النوادر والغرائب والعجائب، ولقب بذلك؛ لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقيه (٤).
стр. 843
كان أبوه من جند مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، وكان من أهل دمشق، فانتقل إلى الأهواز، وتزوج بها، وحدث له أولاد منهم أبو نواس، فأسلمته أمه إلى بعض العطارين، فرآه أبو أسامة بن الحباب، فاستحلاه وقال له: أرى فيك مخائل، أرى ألاّ تضيعها، وستقول الشعر فاصحبني أخرّجك قال له: ومن أنت؟ قال: أبو أسامة بن الحباب، قال:
نعم أنا والله في طلبك، ولقد أردت أصل إلى الكوفة بسببك؛ لآخذ عنك، وأسمع منك شعرك، فصار أبو نواس معه، وقدم به بغداد.
وأول ما قاله أبو نواس من الشعر وهو صبي: [من المقتضب]
حامل الهوى تعب ... يستخفه الطرب
إن بكى يحق له ... ليس ما به لعب
تضحكين لاهية ... والمحب ينتحب
تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب
ويحكى أن المأمون قال: لو وصفت الدنيا نفسها .. لما وصفت بمثل قول أبي نواس: [من الطويل]
ألا كل حي هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
قال أبو حاتم السجستاني: كانت المعاني مدفونة حتى أثارها أبو نواس.
ومن محاسن شعره: [من الوافر]
ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد
ولو عرضت على الموتى حياتي ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا
ومن غرائب أبي نواس: أن الرشيد طاف ليلة في قصره، فوجد جارية سكرى، وكان يحبها، فخمشها فانحل إزارها، وانحل خمارها من منكبيها، فقالت: أمهلني الليلة يا أمير المؤمنين، وغدا أصير إليك، فخلاها، ولما أصبح .. أرسل إليها يطلبها، فقالت للرسول: قل له: كلام الليل يمحوه النهار، فلما أخبر الرسول الرشيد بجوابها .. استدعى الرشيد الشعراء الذين على بابه وقال لهم: أريد من كل واحد منكم شعرا يكون آخره: كلام
стр. 844
الليل يمحوه النهار، فقال الرقاشي: [من الوافر]
متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صبّا مستهاما ... فتاة لا تزور ولا تزار
إذا وعدتك صدت ثم قالت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو مصعب: [من الوافر]
أما والله لو تجدين وجدي ... لأذهب للكرى عنك المزار
فكيف وقد تركت العين عبرى ... وفي الأحشاء من ذكراك نار
فقالت أنت مغرور بوعدي ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس: [من الوافر]
وليلة أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وهز الريح أردافا ثقالا ... وغصنا فيه رمان صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التخميش وانحل الإزار
مددت يدي لها أبغي التماسا ... فقالت في غد منك المزار
فقلت الوعد سيدتي فقالت ... كلام الليل يمحوه النهار
فأمر الرشيد لكل واحد من الأولين بألف دينار، وقال لأبي نواس: كأنك كنت معنا البارحة، وأمر بضرب عنقه، فقال: والله يا أمير المؤمنين؛ ما بت إلا في داري، وإنما استدللت على ما قلت بكلامك، فقبل منه، وأعطاه عشرة آلاف دينار.
ومن غرائبه أيضا: أن الرشيد أرق ذات ليلة، فدخل على بعض حظاياه، فوجدها نائمة وجواريها يضربن بالمعازف على رأسها، فلما رأينه .. تفرقن من حولها، فكشف الرشيد عن وجهها، وقبل موضع خال في خدها، فانتبهت فزعة وقالت: من هذا؟ فقال:
ضيف، فقالت: يكرم الضيف بسمعي والبصر، فلما أصبح .. استدعى بأبي نواس، فقال أبو نواس للرسول: قل له: إن ثيابي مرهونة عند الخمار بست مائة درهم، إن استفكها لي .. لبستها وجئت، فالتزم الرشيد له ذلك القدر، وقال له الرشيد: أحب أن تنظم لي
стр. 845
أبياتا على هذا اللفظ: يكرم الضيف بسمعي والبصر، فقال: [من الرمل]
طال ليلي وعاودني السهر ... ثم فكرت وأحسنت النظر
جئت أمشي في زوايا الخبا ... ثم طورا في مقاصير الحجر
إذ بوجه قمر قد لاح لي ... زانه الرحمن من بين البشر
ثم أقبلت إليه مسرعا ... ثم طأطأت فقبلت الأثر
فاستفاقت فزعا قائلة ... يا أمين الله ما هذا السفر
قلت ضيف طارق في داركم ... هل تضيفوني إلى وقت السحر
فأجابت بسرور سيدي ... يكرم الضيف بسمعي والبصر
فقال الرشيد: يا ابن الفاعلة؛ كنت البارحة تحت السرير تسمع كلامنا، اضربوا عنقه، فحلف ما كان، وشفعوا فيه، فقال: إن كنت صادقا فقل في شيء أنا أبصره هذه الساعة، وكانت جارية قبالة الرشيد تضرب سدرا في ظل سدرتين، لابسة في إحدى كفيها خاتمين، وهي في مكان لا يراها أبو نواس ولا أحد من الناس غير الرشيد، فقال: [من مجزوء الرمل]
نظرت عيني لحيني ... واشتكى وجدي لبيني
عند فيء السدرتين ... شبحا مثل اللجين
يضرب السدر بكف ... وبأخرى خاتمين
فقال الرشيد: أنت تبصرها يا فاعل، اقتلوه، فحلف لا يبصر شيئا، وشفع فيه فلم يقبل، فقالت جارية بالقرب من الرشيد لا يبصرها ولا إلى سواه يبلغ كلامها: بالله يا سيدي خله يروح، فقال الرشيد لها سرا: ما أخليه حتى تمشي عريانة، فحلت ثيابها ومشت حتى جاءته، فخلاه، فلما صار أبو نواس بالباب .. قال: أي والله يا سيدي: [من البسيط]
ليس الشفيع الذي يأتيك متزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فقال له: يا شيطان، فخرج هاربا من ذلك بعد ما أبدع فيما يقول، واخترع ما سحر به العقول.
والبيت الأخير للفرزدق؛ كان اختصم هو وامرأته النوار إلى عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله بن الزبير، ونزلت امرأته على امرأة على عبد الله بن الزبير، فشفع كل واحد منهما لنزيله، فقبل ابن الزبير شفاعة امرأته دون شفاعة ابنه، فقال الفرزدق: