← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٩٣٥ - [محمد بن فضيل الضبي] (١) محمد بن فضيل بن غزوان الضبي مولاهم الكوفي أبو عبد الرحمن. سمع أباه، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم. وروى عنه محمد ابن نمير، وإسحاق الحنظلي، وقتيبة بن سعيد وغيرهم. وتوفي سنة خمس-أو أربع-وتسعين ومائة. ٩٣٦ - [الوليد بن مسلم الأموي] (٢) الوليد بن مسلم القرشي الأموي مولاهم الدمشقي أبو العباس. سمع الأوزاعي، وابن أبي ذئب وغيرهما. وروى عنه محمد بن المثنى، وداود بن رشيد وغيرهما. وصنف سبعين كتابا، وكان محدث الشام. ولد سنة تسع عشرة ومائة، وحج سنة أربع وتسعين، وتوفي في التي تليها راجعا من الحج في الطريق قبل أن يصل دمشق. ٩٣٧ - [يحيى بن سليم الطائفي] (٣) يحيى بن سليم الطائفي، ويقال: هو مكي، أبو زكريا الخزاز الحذاء. سمع إسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عثمان بن خثيم. روى عنه بشر ابن مرحوم، ويوسف بن محمد، وابن أبي عمر العدني وغيرهم. وتوفي سنة خمس وتسعين ومائة.

стр. 842

٩٣٨ - [مؤرج بن عمرو السدوسي] (١) مؤرج بن عمرو السدوسي النحوي البصري. روى الحديث عن شعبة بن الحجاج، وأبي عمرو بن العلاء وغيرهما، والعربية عن الخليل بن أحمد، وكان الغالب عليه علم اللغة والشعر، وله عدة تصانيف. ومن شعره: [من الطويل] وفارقت حتى ما أراع من الهوى ... وإن غاب جيران علي كرام فقد جعلت نفسي على اليأس تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام توفي سنة خمس وتسعين ومائة. ٩٣٩ - [معاذ بن معاذ البصري] (٢) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، من ولد كعب ابن العنبر، يكنى أبا المثنى، قاضي البصرة وحافظها. روى عن سليمان التيمي، وشعبة، وابن عون وغيرهم. وروى عنه محمد ابن المثنى، وعلي ابن المديني، ومحمد بن حاتم وغيرهم. مات سنة ست-أو خمس-وتسعين ومائة. ٩٤٠ - [أبو نواس] (٣) الحسن بن هاني المعروف بأبي نواس، الشاعر المشهور، صاحب النوادر والغرائب والعجائب، ولقب بذلك؛ لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقيه (٤).

стр. 843

كان أبوه من جند مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، وكان من أهل دمشق، فانتقل إلى الأهواز، وتزوج بها، وحدث له أولاد منهم أبو نواس، فأسلمته أمه إلى بعض العطارين، فرآه أبو أسامة بن الحباب، فاستحلاه وقال له: أرى فيك مخائل، أرى ألاّ تضيعها، وستقول الشعر فاصحبني أخرّجك قال له: ومن أنت؟ قال: أبو أسامة بن الحباب، قال: نعم أنا والله في طلبك، ولقد أردت أصل إلى الكوفة بسببك؛ لآخذ عنك، وأسمع منك شعرك، فصار أبو نواس معه، وقدم به بغداد. وأول ما قاله أبو نواس من الشعر وهو صبي: [من المقتضب] حامل الهوى تعب ... يستخفه الطرب إن بكى يحق له ... ليس ما به لعب تضحكين لاهية ... والمحب ينتحب تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب ويحكى أن المأمون قال: لو وصفت الدنيا نفسها .. لما وصفت بمثل قول أبي نواس: [من الطويل] ألا كل حي هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق قال أبو حاتم السجستاني: كانت المعاني مدفونة حتى أثارها أبو نواس. ومن محاسن شعره: [من الوافر] ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد ولو عرضت على الموتى حياتي ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا ومن غرائب أبي نواس: أن الرشيد طاف ليلة في قصره، فوجد جارية سكرى، وكان يحبها، فخمشها فانحل إزارها، وانحل خمارها من منكبيها، فقالت: أمهلني الليلة يا أمير المؤمنين، وغدا أصير إليك، فخلاها، ولما أصبح .. أرسل إليها يطلبها، فقالت للرسول: قل له: كلام الليل يمحوه النهار، فلما أخبر الرسول الرشيد بجوابها .. استدعى الرشيد الشعراء الذين على بابه وقال لهم: أريد من كل واحد منكم شعرا يكون آخره: كلام

стр. 844

الليل يمحوه النهار، فقال الرقاشي: [من الوافر] متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار وقد تركتك صبّا مستهاما ... فتاة لا تزور ولا تزار إذا وعدتك صدت ثم قالت ... كلام الليل يمحوه النهار وقال أبو مصعب: [من الوافر] أما والله لو تجدين وجدي ... لأذهب للكرى عنك المزار فكيف وقد تركت العين عبرى ... وفي الأحشاء من ذكراك نار فقالت أنت مغرور بوعدي ... كلام الليل يمحوه النهار وقال أبو نواس: [من الوافر] وليلة أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار وهز الريح أردافا ثقالا ... وغصنا فيه رمان صغار وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التخميش وانحل الإزار مددت يدي لها أبغي التماسا ... فقالت في غد منك المزار فقلت الوعد سيدتي فقالت ... كلام الليل يمحوه النهار فأمر الرشيد لكل واحد من الأولين بألف دينار، وقال لأبي نواس: كأنك كنت معنا البارحة، وأمر بضرب عنقه، فقال: والله يا أمير المؤمنين؛ ما بت إلا في داري، وإنما استدللت على ما قلت بكلامك، فقبل منه، وأعطاه عشرة آلاف دينار. ومن غرائبه أيضا: أن الرشيد أرق ذات ليلة، فدخل على بعض حظاياه، فوجدها نائمة وجواريها يضربن بالمعازف على رأسها، فلما رأينه .. تفرقن من حولها، فكشف الرشيد عن وجهها، وقبل موضع خال في خدها، فانتبهت فزعة وقالت: من هذا؟ فقال: ضيف، فقالت: يكرم الضيف بسمعي والبصر، فلما أصبح .. استدعى بأبي نواس، فقال أبو نواس للرسول: قل له: إن ثيابي مرهونة عند الخمار بست مائة درهم، إن استفكها لي .. لبستها وجئت، فالتزم الرشيد له ذلك القدر، وقال له الرشيد: أحب أن تنظم لي

стр. 845

أبياتا على هذا اللفظ: يكرم الضيف بسمعي والبصر، فقال: [من الرمل] طال ليلي وعاودني السهر ... ثم فكرت وأحسنت النظر جئت أمشي في زوايا الخبا ... ثم طورا في مقاصير الحجر إذ بوجه قمر قد لاح لي ... زانه الرحمن من بين البشر ثم أقبلت إليه مسرعا ... ثم طأطأت فقبلت الأثر فاستفاقت فزعا قائلة ... يا أمين الله ما هذا السفر قلت ضيف طارق في داركم ... هل تضيفوني إلى وقت السحر فأجابت بسرور سيدي ... يكرم الضيف بسمعي والبصر فقال الرشيد: يا ابن الفاعلة؛ كنت البارحة تحت السرير تسمع كلامنا، اضربوا عنقه، فحلف ما كان، وشفعوا فيه، فقال: إن كنت صادقا فقل في شيء أنا أبصره هذه الساعة، وكانت جارية قبالة الرشيد تضرب سدرا في ظل سدرتين، لابسة في إحدى كفيها خاتمين، وهي في مكان لا يراها أبو نواس ولا أحد من الناس غير الرشيد، فقال: [من مجزوء الرمل] نظرت عيني لحيني ... واشتكى وجدي لبيني عند فيء السدرتين ... شبحا مثل اللجين يضرب السدر بكف ... وبأخرى خاتمين فقال الرشيد: أنت تبصرها يا فاعل، اقتلوه، فحلف لا يبصر شيئا، وشفع فيه فلم يقبل، فقالت جارية بالقرب من الرشيد لا يبصرها ولا إلى سواه يبلغ كلامها: بالله يا سيدي خله يروح، فقال الرشيد لها سرا: ما أخليه حتى تمشي عريانة، فحلت ثيابها ومشت حتى جاءته، فخلاه، فلما صار أبو نواس بالباب .. قال: أي والله يا سيدي: [من البسيط] ليس الشفيع الذي يأتيك متزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا فقال له: يا شيطان، فخرج هاربا من ذلك بعد ما أبدع فيما يقول، واخترع ما سحر به العقول. والبيت الأخير للفرزدق؛ كان اختصم هو وامرأته النوار إلى عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله بن الزبير، ونزلت امرأته على امرأة على عبد الله بن الزبير، فشفع كل واحد منهما لنزيله، فقبل ابن الزبير شفاعة امرأته دون شفاعة ابنه، فقال الفرزدق:

стр. 846

ليس الشفيع الذي يأتيك متزرا .. البيت. ومن شعر أبي نواس في الترغيب في البكر على الثيب: [من الكامل] قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم يركب كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبة لؤلؤ لم تثقب وكان اشترى الرشيد جارية بمائة ألف درهم، ودفع الثمن إلى البائع، ثم سألها: أبكر أنت أم ثيب؟ قالت: بل ثيب، فقال: ردوها على مولاها، وأنشد الرشيد بيتي أبي نواس المذكورين، فأنشدت الجارية: [من الوافر] إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلّل بالزمام وتركبا والحبّ ليس بنافع أربابه ... حتى يفصل بالنظام ويثقبا فضحك الرشيد واشتراها، وأمر لها بمائة ألف درهم لخاصة نفسها، والبيتان اللذان أنشدتهما من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري. توفي أبو نواس في سنة ست وتسعين ومائة. ٩٤١ - [هشام بن يوسف الصنعاني] (١) هشام بن يوسف اليماني الصنعاني أبو عبد الرحمن، قاضي صنعاء، كان من الأبناء أبناء الفرس. سمع معمرا، وابن جريج وغيرهما. وروى عنه علي ابن المديني، وإبراهيم بن موسى، وعبد الله بن المسندي وغيرهم، قال الشيخ اليافعي: (وهو من رواة «الصحيحين») اه (٢) وذكره أبو الفضل وغيره فيمن روى عنه البخاري ومسلم. وتوفي سنة سبع وتسعين ومائة.

стр. 847

٩٤٢ - [أبو يحمد الكلاعي] (١) بقية بن الوليد بن صائد الميتمي أبو يحمد الكلاعي الشامي الحمصي-سكن حمص- الحافظ. روى عن الزّبيدي وغيره، وروى عنه عيسى بن المنذر، وعبدة، وله في «صحيح مسلم» حديث واحد (٢). توفي سنة سبع وتسعين ومائة. ٩٤٣ - [شعيب بن حرب] (٣) شعيب بن حرب المدائني الزاهد أبو صالح البغدادي، من أبناء خراسان، سكن المدائن. سمع صخر بن جويرية وغيره، وروى عنه يعقوب بن إبراهيم الدورقي وغيره. وتوفي بمكة سنة سبع وتسعين ومائة. ٩٤٤ - [وكيع بن الجراح] (٤) وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي من قيس عيلان الكوفي، قيل: إن أصله من أستوا من أعمال نيسابور. سمع الأعمش، والثوري، وشعبة وغيرهم. وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق الحنظلي وغيرهم.

стр. 848

وقال الإمام أحمد: ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع. اه كان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة، وهو الذي أشار إليه القائل بقوله: [من الوافر] شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وعلله بأن العلم فضل ... وفضل الله لا يحويه عاصي (١) ولد وكيع سنة تسع وعشرين ومائة، ومات بفيد منصرفا من الحج في المحرم سنة سبع وتسعين ومائة. ٩٤٥ - [عبد الله بن وهب] (٢) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري مولى ابن زمانة مولى بني فهر، أبو محمد. سمع عمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، ومالكا وغيرهم. وروى عنه يحيى بن يحيى، وسعيد بن منصور، ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم، صحب مالكا عشرين سنة، وقال فيه: إن ابن وهب إمام. وكان صالحا جامعا بين الفقه والرواية والعبادة، ومن مصنفاته: «الموطأ الكبير»، و «الموطأ الصغير». قال يونس بن عبد الأعلى: كتب الخليفة إلى عبد الله بن وهب في قضاء مصر، فجنن نفسه، ولزم بيته، فاطلع عليه بعضهم وهو يتوضأ في صحن داره، فقال له: ألا تخرج إلى الناس فتقضي بينهم بكتاب الله وسنة رسوله؟ فرفع رأسه إليه وقال: إلى ههنا انتهى عقلك، أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء، وأن القضاة يحشرون مع السلاطين؟ ! قرئ عليه كتاب الأهوال من «جامعه» فأخذه شيء كالغشيان، فحمل إلى داره، فلم يزل كذلك حتى توفي سنة سبع وتسعين ومائة. وولد سنة خمس وعشرين ومائة.

стр. 849

٩٤٦ - [محمد بن فليح الأسلمي] (١) محمد بن فليح الأسلمي مولاهم، ويقال: الخزاعي، أبو عبد الله المدني. سمع أباه، وموسى بن عقبة وغيرهما، وروى عنه إبراهيم بن المنذر. وتوفي سنة سبع وتسعين ومائة. ٩٤٧ - [الأمين بن هارون الرشيد] (٢) محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي، الخليفة، وأمه: أم جعفر بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، وتلقب: زبيدة، كان المنصور يرقصها وهي صغيرة. ولد بالرصافة في بغداد سنة سبعين ومائة، وجعله أبوه ولي عهده من بعده، وتوفي أبوه الرشيد بطوس، والأمين ببغداد، وكان أخوه المأمون بمرو، فقدم عليه ببيعته في نصف جمادى الأخرى من سنة ثلاث وتسعين، وهو أول من خطب له بلقبه، ثم بعد سنة من خلافته همّ بخلع أخيه المأمون من ولاية العهد، وجعلها لابنه موسى، فقطع اسم المأمون من السكة والمنبر، ثم خلعه وجهز جيشا كثيفا إلى خراسان؛ للقبض على المأمون، وبعث معهم قيد فضة؛ ليقيدوا به المأمون، فلما علم المأمون بذلك .. جهز طاهر بن الحسين الخزاعي في نحو خمسة آلاف فارس؛ لحرب ذلك الجيش، فهزم طاهر بن الحسين جيش الأمين، ثم أرسل إليه جيشا آخر، فهزمهم، ثم زحف طاهر إلى بغداد، وحصر الأمين بها، وقاتل أهل البلد مع الأمين مقاتلة شديدة، ودام الحصار سنة، وفي أول المحرم من سنة ثمان وتسعين ظفر طاهر بالأمين فقتله، ونصب رأسه بباب الحديد قدر ساعتين، ثم أنزل، وبعث بالرأس مع البردة والقضيب والخاتم إلى المأمون صحبة محمد بن الحسين بن مصعب وقال له: سر بهذا الرأس والبردة إلى المأمون وقل له: وجهت إليك بالدنيا والآخرة.

стр. 850

فمدة ولاية الأمين مع الفتنة أربع سنين وستة أشهر وعشرة أيام، وعمره ثمان وعشرون سنة. ٩٤٨ - [سفيان بن عيينة] (١) سفيان بن عيينة الهلالي مولاهم، أبو محمد الكوفي الحافظ، شيخ الحجاز، ونزيل مكة. كان إماما عالما تقيا ورعا مجمعا على صحة حديثه وروايته، أثنى الأئمة عليه كالشافعي وأحمد وابن وهب وغيرهم، دخل الكوفة وهو ابن عشرين سنة، فقال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار، قال: فجاء الناس يسألونني عن عمرو بن دينار، فأول من صيرني محدثا أبو حنيفة. روى عن الزهري، وأبي إسحاق السبيعي، وعمرو بن دينار، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، والأعمش، وعبد بن عمير وغيرهم من أعيان العلماء. وروى عنه الأئمة كالشافعي، وشعبة بن الحجاج، ومحمد بن إسحاق، وابن جريج، والزبير بن بكار، وعمه مصعب، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، ويحيى بن أكثم القاضي وغيرهم. توفي بمكة في أول رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وقبره بمكة معروف، مكتوب اسمه عليه بالخط الكوفي. ٩٤٩ - [عبد الرحمن بن مهدي] (٢) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان الأزدي مولاهم العنبري، أبو سعيد البصري. سمع الثوري وشعبة ومالك بن أنس وغيرهم.

стр. 851

وروى عنه إسحاق الحنظلي، وأبو موسى بندار، وعمرو بن علي الفلاس وغيرهم. ولد سنة خمس وثلاثين ومائة في محرم، وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة عن ثلاث وستين سنة. ٩٥٠ - [يحيى القطان] (١) يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي مولاهم أبو سعيد الأحول البصري. سمع هشام بن عروة، وحميدا الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. وروى عنه محمد بن المثنى، وعلي ابن المديني، ومحمد بن حاتم وغيرهم، وكان حافظا محققا ورعا عابدا. قال أحمد ابن حنبل: ما رأيت مثله. وقال يحيى ابن معين: أقام يحيى القطان عشرين سنة يختم في كل ليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة. وقال سوار: اختلفت إليه عشرين سنة ما أظن أنه عصى الله قط. ولد أول سنة عشرين ومائة، وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة. ٩٥١ - [مالك بن سعيد الكوفي] (٢) مالك بن سعيد بن الخمس أبو محمد. سمع هشام بن عروة وغيره، وروى عنه علي-يقال: إنه علي بن سلمة اللبقي-وغيره. وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة.

стр. 852

٩٥٢ - [محمد بن معن الغفاري] (١) محمد بن معن بن محمد بن معن بن نضلة بن عمرو الغفاري أبو معن المديني. سمع أباه وغيره، وروى عنه إبراهيم بن المنذر وغيره. وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة وهو ابن بضع وتسعين سنة. ٩٥٣ - [يونس بن بكير الشيباني] (٢) يونس بن بكير الشيباني الكوفي أبو بكر، ويقال: أبو بكير، الحافظ، صاحب المغازي. سمع هشام بن عروة وغيره، وروى عنه محمد بن عبد الله بن نمير وغيره. توفي سنة تسع وتسعين ومائة. ٩٥٤ - [إسحاق بن سليمان الرازي] (٣) إسحاق بن سليمان الرازي العنزي العبدي الكوفي، يكنى أبا يحيى. سمع مالك بن أنس، وحنظلة بن أبي سفيان، وأفلح بن حميد وغيرهم. روى عنه عمرو الناقد، ومحمد ابن نمير، وأبو كريب وغيرهم. وكان عابدا خاشعا، يقال: إنه من الأبدال. توفي سنة تسع وتسعين ومائة، أو أول سنة مائتين.

стр. 853

٩٥٥ - [عبد الله بن نمير الخارفي] (١) عبد الله بن نمير الخارفي من خارف الهمداني أبو هشام. سمع هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبيد الله بن عمر وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، والإمام أحمد ابن حنبل، وأبو كريب وغيرهم. وتوفي سنة تسع وتسعين ومائة. ٩٥٦ - [محمد ابن أبي فديك] (٢) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، واسمه: دينار الديلي مولاهم أبو إسماعيل. سمع الضحاك بن عثمان، وابن أبي ذئب، وهشام بن سعد. وروى عنه إبراهيم بن المنذر، وعبد الرحمن ابن شيبة، ومحمد بن رافع. وتوفي سنة مائتين، أو إحدى ومائتين، وقيل: سنة تسع وتسعين ومائة. ٩٥٧ - [معروف الكرخي] (٣) معروف الكرخي، السيد الكبير، الولي الشهير، مولى علي بن موسى الرضى. كان أبواه نصرانيين، فأسلماه إلى مؤدب وهو صبي، فقال له المؤدب: قل ثالث ثلاثة، فقال معروف: قل هو الله أحد، الواحد القهار، فضربه المعلم على ذلك ضربا

стр. 854

مبرحا، فهرب منه، فكان أبواه يقولان: ليته يرجع إلينا على أي دين شاء، فنوافقه عليه. ثم إنه أسلم على يد علي بن موسى الرضا، ورجع إلى أبويه، فدق الباب، فقيل: من بالباب؟ فقال: معروف، فقيل: على أي دين؟ قال: على دين الإسلام، فأسلم أبواه. وكان مشهورا بإجابة الدعوة، وأهل بغداد يستسقون بقبره، ويقولون: قبر معروف ترياق مجرب. قال لتلميذه السري: إذا كان لك حاجة إلى الله تعالى .. فأقسم عليه بي. وأتاه مرة بإنسان إلى دكانه، وأمره أن يكسوه، فكساه، فقال معروف: بغض الله إليك الدنيا، فقام من مجلسه ذلك وقد بغضت إليه الدنيا. قال محمد بن الحسن: سمعت أبي يقول: رأيت معروفا الكرخي في النوم بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، فقلت: بزهدك وورعك؟ قال: لا، بل بقبولي موعظة ابن السماك، ولزومي الفقر، ومحبتي للفقراء. وكانت موعظة ابن السماك قوله: من أعرض عن الله بكليته .. أعرض الله عنه جملة، ومن أقبل على الله بقلبه .. أقبل عليه برحمته، وأقبل بوجوه الخلق إليه، ومن كان مرة ومرة .. فالله يرحمه وقتا ما، قال: فوقع كلامه في قلبي، فأقبلت على الله تعالى، وتركت ما كنت عليه. توفي معروف سنة مائتين على الصحيح. ٩٥٨ - [أبو البختري] (١) وهب بن وهب القرشي الأسدي المدني أبو البختري، بفتح الموحدة، والمثناة من فوق بينهما خاء معجمة ساكنة، وقبل ياء النسب راء. حدث عن العمري، وجعفر الصادق، وهشام بن عروة وغيرهم. وروى عنه غير واحد، وكان متروك الحديث، وينسب إلى وضعه.

стр. 855

وكان فقيها أخباريا نسابة جوادا سريا، يثيب الجزيل على المدح، وإذا أعطى قليلا أو كثيرا .. يتبعه عذرا، وكان يتهلل وجهه عند طلب الحاجة إليه. دخل عليه شاعر فأنشده: إذا افتر وهب خلته برق عارض ... تبعق في الأرضين أسعده السكب وما ضر وهبا ذم من خالف الملا ... كما لا يضر البدر ينبحه الكلب لكل أناس من أبيهم ذخيرة ... وذخر بني قهر عقيد الندى وهب فأمر له بصرة فيها خمس مائة دينار. حكى الخطيب: (أن أبا البختري قال: لأن أكون في قوم أعلم مني .. أحب إلي من أن أكون مع قوم أنا أعلم منهم؛ لأني إن كنت أعلم منهم .. لم أستفد، وإن كنت مع قوم هم أعلم مني .. استفدت) (١). قال الشيخ اليافعي: (والتعليل بغير هذا أحسن، وهو أنه إذا كان أعلم منهم .. تقلد الأمور المخطرة، وأسندت إليه الخطوب المضرة، التي لعله لا يكمل للقيام بها، ولا يأمن من الوقوع في عطبها، وإذا كانوا أعلم منه .. انتفى عنه ذلك المحذور) (٢). قال الخطيب البغدادي: كان جعفر الصادق قد تزوج أم أبي البختري المذكور، وبالغ الخطيب في مدح أبي البختري. وله كتاب «فضائل الأنصار»، وأخباره ومحاسنه كثيرة، وأقوال المحدثين في الطعن فيه شهيرة، توفي سنة مائتين. ٩٥٩ - [أسباط بن محمد القرشي] (٣) أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي مولى السائب بن يزيد، يكنى أبا محمد. سمع أبا إسحاق الشيباني، وعمرو بن قيس الملائي، والأعمش وغيرهم.

стр. 856

وروى عنه محمد بن حاتم، وإسحاق الحنظلي، ومحمد ابن نمير وغيرهم. وتوفي أول سنة مائتين. ٩٦٠ - [أنس بن عياض الليثي] (١) أنس بن عياض الليثي من أنفسهم، سكن المدينة، ويكنى أبا ضمرة، يقال: إنه ليس بأخي زيد بن عياض الليثي، وليس بينهما قرابة إلا القبيلة. سمع هشام بن عروة، وشريك بن عبد الله، وموسى بن عقبة وغيرهم. وروى عنه علي بن خشرم، وعلي ابن المديني، ويحيى بن يحيى، وقتيبة وغيرهم. قدم بلخ في ولاية نصر بن سيار. ولد سنة أربع ومائة، وتوفي سنة مائتين، وقيل: سنة ثمانين ومائة. ٩٦١ - [سلم بن قتيبة الشعيري] (٢) سلم بن قتيبة الشعيري الخراساني. سكن البصرة، وسمع مالك بن أنس، وعلي بن المبارك، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وغيرهم. روى عنه عمرو بن علي، والمنذر بن الوليد، وزيد بن أخرم وغيرهم. توفي سنة مائتين، وقيل: بعدها. ٩٦٢ - [محمد بن حمير السليحي] (٣) محمد بن حمير السليحي-بمهملات-من قضاعة أبو عبد الحميد الحمصي. سمع إبراهيم بن أبي عبلة، وثابت بن عجلان وغيرهما.

стр. 857

وروى عنه سليمان بن عبد الرحمن، وخطاب بن عثمان وغيرهما، خرج له البخاري. وتوفي في صفر سنة مائتين. ٩٦٣ - [معاذ بن هشام الدستوائي] (١) معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي أبو عبد الله البصري، سكن ناحية اليمن. سمع أباه وغيره، وروى عنه إسحاق الحنظلي، وعلي ابن المديني، ومحمد بن المثنى وغيرهم. مات بالبصرة سنة مائتين. ٩٦٤ - [مبشر بن إسماعيل الكلبي] (٢) مبشر بن إسماعيل الكلبي أبو إسماعيل. سمع الأوزاعي وغيره، وروى عنه عباس بن الحسين، وأحمد بن إبراهيم الدورقي وغيرهما. توفي بحلب سنة مائتين، والله سبحانه أعلم. ٩٦٥ - [عبد الملك بن عبد الرحمن الأبناوي] (٣) عبد الملك بن عبد الرحمن أبو محمد الأبناوي ثم الذماري نسبة إلى ذمار المدينة المعروفة على مرحلتين من صنعاء في ناحية الجنوب. سمع السفيانين، والقاسم بن معن، والإمام أحمد. قال الجندي: (وولي القضاء لموسى بن جعفر الطالبي حين تغلب على صنعاء، فلما

стр. 858

قدم ابن ماهان من قبل المأمون .. نقل إليه أن عبد الملك يكرهه، وأنه يميل إلى الطالبي، فاستدعاه، وقتله في يوم جمعة من شهر رمضان سنة مائتين، وألقاه على الأرض قتيلا ثلاثة أيام، ثم دفن) اه (١) قال الخزرجي: (المعروف في التواريخ: أن المتغلب على اليمن هو إبراهيم بن موسى بن جعفر، وأن ولايته في اليمن كانت بعد ولاية ابن ماهان) (٢). وذكر الجندي: (أن المتغلب على اليمن موسى بن جعفر، وأن ولاية ابن ماهان بعده) (٣). والله سبحانه أعلم وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ***

стр. 859

الحوادث السنة الحادية والثمانون بعد المائة فيها: توفي محدث الشام ومفتي حمص إسماعيل بن عياش-بشين معجمة وياء آخر الحروف-العنسي، وقاضي مصر أبو معاوية الفقيه الزاهد مفضل بن فضالة القتباني، والإمام العالم الجواد المجاهد أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي الذي صدق القائل فيه حيث يقول: [من الطويل] إذا سار عبد الله من مرو ليلة ... فقد سار عنها نورها وجمالها وفيها: مات الحسن بن قحطبة وعمره أربع وثمانون سنة، وأبو المليح الرقي، وحفص بن ميسرة، وخلف بن خليفة، وعباد بن عباد، وعلي بن هاشم. *** السنة الثانية والثمانون فيها: سملت الروم عيني طاغيتهم قسطنطين، وملكوا عليهم أمه (١). وفيها: بايع هارون الرشيد لابنه عبد الله، وسماه المأمون (٢). وفيها: توفي الحافظ عبيد الله بن عبد الرحمن الكوفي الأشجعي، وعمار بن محمد الثوري الكوفي ابن أخت سفيان، قال ابن عرفة: كان لا يضحك، وكنا لا نشك أنه من الأبدال. وفيها-على الأصح-: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الكوفي الحافظ، والحافظ يزيد بن زريع، والقاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، وهو أول من دعي بقاضي القضاة. وفيها-وقيل: في التي قبلها أو التي بعدها-: يونس بن حبيب النحوي مولى بني ضبة.

стр. 860

وفيها-وقيل: في التي قبلها-: مروان بن أبي حفصة الشاعر، وأبو سفيان محمد بن حميد المعمري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. *** السنة الثالثة والثمانون فيها: خرج أعداء الله الخزر-بخاء معجمة وزاي ثم راء-من باب الأبواب ومن قصتهم: أن ستيت بنت ملك الترك خاقان خطبها الأمير الفضل بن يحيى البرمكي، وحملت إليه في عام أول، فماتت في الطريق، فرد من كان معها في خدمتها من العساكر، وأخبروا خاقان أنها قتلت غيلة، فاشتد غضبه، وتجهز للشر، فخرج بجيوشه من الباب الحديد، وأوقع بأهل الإسلام وأهل الذمة، وقتل وسبى، يقال: إنه سبى من المسلمين وأهل الذمة مائة ألف، وعظم مصاب المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فانزعج هارون الرشيد واغتم لذلك، فجهز البعوث، واجتمع المسلمون، وطردوا العدو عن أرمينية، ثم سدوا الباب الذي خرجوا منه (١). وفيها: توفي هشيم بن بشير السلمي الواسطي محدث بغداد، والواعظ المشهور محمد ابن السماك الكوفي، والسيد الصالح أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق أحد الأئمة الاثني عشر المعصومين عند الإمامية، توفي ثاني وعشرين المحرم من السنة المذكورة ببغداد. وفيها: توفي شيخ أصبهان وعالمها أبو المنذر النعمان بن عبد السلام التيمي، وزياد البكائي راوي السيرة عن ابن إسحاق، والفقيه أبو عبد الرحمن يحيى بن حمزة الحضرمي السلمي قاضي دمشق ومحدثها عن ثمانين سنة. *** السنة الرابعة والثمانون فيها: خرج الخزر كما في بعض التواريخ، وذكر اليافعي خروجهم في السنة التي قبلها كما قدمناه (٢).

стр. 861

وفيها: استقدم الرشيد علي بن عيسى من خراسان إلى الرقة، فاستخلف ابنه يحيى بخراسان، وسار إلى الرقة فتحرك بنسا أبو الخصيب مولى الحرس، فعاد علي بن عيسى إلى خراسان (١). وفيها: ولي إبراهيم بن الأغلب إفريقية، فلم يزل آل الأغلب عليها حتى خرج زيادة الله بن عبد الله (٢). وفيها: توفي السيد الجليل عبد الله بن عبد العزيز العمري الزاهد، وإبراهيم بن سعد، وإبراهيم ابن أبي يحيى، وعبد العزيز بن أبي حازم، ومروان بن شجاع. *** السنة الخامسة والثمانون فيها: ولي العباس بن محمد الجزيرة، وسار إلى الرقة، وحمل إليه الرشيد في يوم خمسة آلاف ألف درهم (٣). وفيها: توفي الإمام أبو إسحاق الفزاري-وقيل: في سنة ست-ويوسف بن يعقوب ابن أبي سلمة الماجشون المديني عم عبد العزيز الماجشون (٤). وفيها: توفي المطلب بن زياد-أو ابن يزيد-والمعافى بن عمران بخلف، وعمر بن عبيد، والأمير عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس، والأمير الكبير يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني ابن أخي معن بن زائدة، توفي ببرذعة. قيل: وفيها: توفي داود يزيد بن حاتم المهلبي، وقد ذكرناه قبل ذلك. *** السنة السادسة والثمانون فيها: حج الرشيد، وأخرج معه ابنيه محمد الأمين وعبد الله المأمون، فبدأ بالمدينة، فأعطى أهلها ثلاثة أعطية، ثم سار إلى مكة فأعطى أهلها، فبلغ ذلك ألف ألف وخمسين

стр. 862

ألف دينار، وكتب الكتابين بين محمد وعبد الله بما جعل لكل واحد منهما، وشرطه على أخيه، وأشهد في الكتب وجوه من حضر من القضاة والهاشميين وغيرهم، وجعل الكتابين في البيت الحرام، وتقدم إلى الحجبة بحفظهما، وأن يعلقوهما في كل سنة أيام الحج منشورين، فصنع الحجبة لهما قصبا من فضة، وكلّلوهما بصنوف الياقوت واللؤلؤ والجوهر (١). وفيها: مات العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ببغداد عن ست وستين سنة، والمغيرة بن عبد الرحمن الحزامي فقيه المدينة بعد مالك-قيل: عرض عليه الرشيد قضاء المدينة فامتنع-وخالد بن الحارث البصري، وحاتم بن إسماعيل بخلف، وعباد بن العوام، وعيسى بن موسى الملقب: غنجار. *** السنة السابعة والثمانون فيها: خلعت الروم ملكتهم، وهلكت بعد أشهر، وملكوا عليهم نقفور، والروم تزعم: أنه من ولد جبلة بن الأيهم الغساني الذي أسلم ثم تنصر في أيام عمر، فكتب نقفور إلى الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى هارون الرشيد ملك العرب أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق (٢)، فحملت إليك من أموالها، وذلك؛ لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي .. فاردد ما حصل قبلك، وافتد نفسك، وإلا .. فالسيف بيننا وبينك، فلما قرأ هارون الرشيد كتابه .. اشتد غضبه، ثم كتب بيده على ظهر الكتاب: من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، ثم ركب من يومه، وأسرع حتى نزل على هرقلة، فأوطأ الروم ذلا وبلاء، فقتل وسبى، وذل نقفور، فطلب الموادعة على خراج يحمله، فلما رد الرشيد إلى الرقة .. نقض نقفور العهد، فلم يجسر أحد أن يبلغ الرشيد، حتى عملت الشعراء أبياتا يلوحون بذلك فقال: أو قد فعلها؟ فكرّ راجعا في مشقة الشتاء

стр. 863

حتى أناخ بفنائه، ونال مراده وفي ذلك يقول أبو العتاهية: [من الوافر] ألا نادت هرقلة بالخراب ... من الملك الموفق للصواب غدا هارون يرعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكرة القضاب ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب (١) وفي المحرم من السنة المذكورة: سخط الرشيد على البرامكة بعد تمكنهم الشديد منه، وعلو مرتبتهم عنده، فقتل جعفر بن يحيى بن خالد بالأنبار بموضع يقال له: العمر، وأرسل بجثته إلى بغداد، فنصب نصفها الأعلى على الجسر الأعلى، ونصفها الأسفل على الجسر الأسفل، وحبس أخاه الفضل بن يحيى وأباهما يحيى بن خالد. واختلف في سبب غضبه على البرامكة: فقيل: حمل العباسة أخت الرشيد من زوجها جعفر المذكور، وذلك: أن الرشيد كان يحب أخته العباسة وجعفر بن يحيى حبا شديدا، ولا يتم سروره إلا باجتماعهما عنده، فزوجها منه؛ ليحل له النظر إليها والاجتماع بها، وشرط عليه ألاّ يقربها البتة، فأحبت العباسة جعفرا، وراودته على الاجتماع بها، فأبى وخاف، وكانت عبادة أم جعفر ترسل إليه كل ليلة جمعة جارية بكرا، فقالت العباسة لأم جعفر: أرسليني إلى جعفر كأني جارية من جواريك التي ترسلين إليه، فامتنعت أم جعفر، فقالت: لئن لم تفعلي .. لأذكرن لأخي أنك خاطبتني بكيت وكيت، ولئن اشتملت من ابنك على ولد .. ليكونن لكم الشرف، وما عسى يفعل أخي إذا علم أمرنا؟ فأجابتها أم جعفر، وجعلت تعد ابنها أنها ستهدي إليه جارية بارعة الحسن والجمال، وهو يطالبها بالوعد المرة بعد الأخرى، فلما علمت أنه قد اشتاق إلى ذلك .. أرسلت إلى العباسة أن تهيئي الليلة، ففعلت، وأدخلت على جعفر، وكان لا يثبت صورتها؛ لأنه كان عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها مخافة، فلما قضى وطره منها .. قالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال: وأي بنت ملك أنت؟ قالت: أنا مولاتك العباسة، فطاش عقله وقال لأمه: بعتيني والله رخيصا، وحبلت العباسة منه، وجاءت بولد، فوكلت به غلاما اسمه: رياش، وجارية اسمها: برة، ولما خافت ظهور الأمر .. بعثتهم إلى مكة.

стр. 864

وكان يحيى بن خالد والد جعفر ناظرا على قصر الرشيد وحرمه، وكان يضيق عليهن، فشكته زبيدة إلى الرشيد، فقال لها: يحيى عندي غير متهم في حرمي، فقالت: لم لم يحفظ ابنه مما ارتكبه؟ قال: وما هو؟ فخبرته خبر العباسة، فقال: وهل على هذا من دليل؟ قالت: وأي دليل أدل من الولد؟ قال: وأين هو؟ قالت: كان هنا، فلما خافت ظهوره .. وجهته إلى مكة، قال: فهل علم بذلك سواك؟ قالت: ليس بالقصر جارية إلا وقد علمت به، فسكت وأظهر إرادة الحج، وخرج معه بجعفر إلى مكة، فكتبت العباسة إلى الخادم والداية بالخروج بالصبي إلى اليمن، فلما بلغ الرشيد مكة .. وكّل من يثق به بالبحث عن أمر الصبي، فوجده صحيحا، فأضمر السوء للبرامكة. ويؤيد ذلك قول أبي نواس: [من الهزج] ألا قل لأمين الله ... وابن القادة الساسة إذا ما ناكث سر ... ك أن تفقده راسه فلا تقتله بالسيف ... وزوجه بعباسة وقيل: السبب في ذلك: أن يحيى بن عبد الله بن الحسن كان خرج على بني العباس، فظفر به الرشيد، وسلمه إلى جعفر وأمره بحبسه، فقال يحيى لجعفر: اتق الله في أمري، ولا تتعرض أن يكون خصمك محمد ﷺ ، فرقّ له جعفر وقال: اذهب حيث شئت من البلاد، فدعا له وانصرف، ثم إن الرشيد قال لجعفر: ما فعل يحيى؟ قال: بحاله، قال: بحياتي؟ فوجم وأحجم وقال: وحياتك أطلقته حيث علمت أن لا سوء عنده، قال: نعم الفعل، وما عدوت ما في نفسي، فلما نهض جعفر .. أتبعه بصره وقال: قتلني الله إن لم أقتلك. وقيل: السبب فيه: أنه رفعت إلى الرشيد قضية لم يعرف رافعها، وفيها هذه الأبيات: [من السريع] قل لأمين الله في أرضه ... ومن إليه الحل والعقد هذا ابن يحيى قد غدا ملكا ... مثلك ما بينكما حد أمرك مردود إلى أمره ... وأمره ليس له رد وقد بنى الدار التي ما بنى ال ... فرس لها مثلا ولا الهند الدر والياقوت حصباؤها ... وتربها العنبر والند

стр. 865

ونحن نخشى أنه وارث ... ملكك إن غيبك اللحد ولن يباهي العبد أربابه ... إلا إذا ما بطر العبد فوقف الرشيد عليها وأضمر السوء. وقيل: لم يكن من البرامكة جناية توجب غضب الرشيد، ولكن طالت أيامهم، وكل طويل مملول، ولقد استطال الناس أيام الذين هم خير الناس؛ أيام عمر، وما رأوا مثلها عدلا وأمانا وسعة أموال وفتوح، وأيام عثمان، فقتلوهما، ورأى الرشيد مع ذلك أنس النعمة بهم، وحمد الناس لهم، وآمالهم فيهم، ونظرهم إليهم، والملوك تنافس في أقل من ذلك، ووقع منهم بعض الإدلال خصوصا جعفر والفضل دون يحيى؛ فإنه أحكم خبرة، وأكثر ممارسة للأمور، ولاذ بالرشيد قوم من أعدائهم كالفضل بن الربيع وغيره، فستروا منهم المحاسن، وأظهروا القبائح حتى كان ما كان. ويحكى أن علية بنت المهدي قالت للرشيد بعد وقعته بالبرامكة: يا سيدي؛ ما رأيت لك يوم سرور منذ قتلت جعفرا، فلأي شيء قتلته؟ فقال: لو علمت أن قميصي يعلم السبب في ذلك .. لمزقته. وكان الرشيد بعد ذلك إذا ذكروا عنده بسوء .. أنشد معلنا: [من الطويل] أقلوا ملاما لا أبا لأبيكم ... عن القوم أو سدوا المكان الذي سدوا ومن أعجب ما يؤرخ من تقلبات الدنيا بأهلها: ما حكى بعضهم قال: دخلت إلى والدتي يوم عيد الأضحى ضحى وعندها امرأة في ثياب رثة، فقالت لي والدتي: هذه عبادة أم جعفر البرمكي، فأقبلت عليها، وتحادثنا زمانا، ثم قلت: يا أمه؛ ما أعجب ما رأيت؟ قالت: لقد أتى علي يا بني عيد مثل هذا وعلى رأسي أربع مائة وصيفة، وإني لأعدّ ابني عاقا لي، ولقد أتى علي يا بني هذا العيد وما ثيابي إلا جلد شاتين أفترش أحدهما وألتحف بالآخر، قال: فدفعت لها خمس مائة درهم، فكادت تموت فرحا بها، فسبحان الله مقلب الدهور، ومدبر الأمور (١)! وفي هذه السنة: توفي السيد الجليل الفضيل بن عياض، ويعقوب بن داود

стр. 866

السلمي (١)، والحافظ عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، والحافظ عبد العزيز بن محمد الدراوردي، والمحدث عبد السلام بن حرب الكوفي، والحافظ أبو الخطاب السدوسي البصري المكفوف، والإمام المحدث أبو محمد معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، ومعاذ بن مسلم الكوفي النحوي شيخ الكسائي عاش نحو مائة سنة. *** السنة الثامنة والثمانون فيها: كانت وقعة بين عيسى بن علي بن عيسى وهو في ثلاثين ألفا، وبين خاقان ملك الترك وهو في مائة ألف وخمسين ألفا، فانهزم خاقان، وأسر أخوه، وقتل من الروم أربعون ألفا (٢). وفيها: محدث الري الحافظ أبو عبد الله جرير بن عبد الحميد الضبي على الصحيح، ورشدين بن سعد بمصر، ومحمد بن يزيد الواسطي، وعيسى بن يونس السبيعي بخلف، وعبدة بن سليمان، وعقبة بن خالد، وأبو إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمد على خلاف قد تقدم (٣)، وأبو إسحاق إبراهيم بن ماهان التميمي مولاهم الموصلي المعروف بالنديم. *** السنة التاسعة والثمانون فيها: الفداء الذي لم يسمع بمثله، حتى لم يبق في أيدي الروم مسلم إلا فودي (٤). وفيها: توفي شيخ القراءات الإمام أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي أحد القراء السبعة، والفقيه الإمام محمد بن الحسن الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة. وفيها: توفي أبو خالد الأحمر، وعلي بن مسهر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى بن عبد الله، ويحيى بن يمان. ***

стр. 867

السنة الموفية تسعين فيها: فتح الرشيد هرقلة، استعد الرشيد وأمعن في بلاد الروم، فدخلها في مائة ألف وسبعة وثلاثين ألفا، سوى المجاهدين تطوعا، وبث جيوشه تغير وتغنم وتخرب، فلما فتح هرقلة .. خربها، وسبى أهلها، وأقام بها شهرا، وركب حميد بن معيوف في البحر فغزا قبرس وسبى من أهلها ستة عشر ألفا، وكان في السبي أسقف قبرس، فنودي عليه، فبلغ ألفي دينار، وبذل نقفور جزية عن رأسه وامرأته وخواصه، وكان ذلك خمسين ألف دينار، منها أربعة دنانير عن رأسه، واشترط عليه الرشيد ألا يعمر هرقلة، وأن يحمل في العام ثلاث مائة ألف دينار، وكتب نقفور إلى الرشيد: أما بعد .. فلي إليك حاجة؛ أن تهب لابني جارية من سبي هرقلة كنت خطبتها له، فأسعفني بها، فأحضر الرشيد الجارية، فزينت، وأرسل معها سرداقا وتحفا، فأعطى نقفور الرسول خمسين ألفا وثلاث مائة ثوب وبراذين (١). وفيها: خلع رافع بن الليث بن نصر بن سيار الطاعة بسمرقند، وهزم عيسى بن علي وقتله، ففر أبوه علي بن عيسى من بلخ إلى مرو خوفا من رافع أن يأتي مرو فيملكها، وكان عيسى قد دفن مالا كثيرا في بستان داره، فعلم به الناس من جارية له فانتهبوه، فعلم الرشيد بذلك، فقبضه وأخذ أمواله وأموال ولده، وولى هرثمة خراسان مكانه (٢). وفيها: أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون (٣). وفيها: توفي أبو عبيدة الحداد البصري، وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي الكوفي، وعمر بن علي، ومحمد بن يزيد الواسطي، وعتاب بن بشير. وفيها: توفي يحيى بن خالد البرمكي في سجن الرشيد بعد أن كان الرشيد يعظمه ويجله، ولا يناديه إلا أبا، وجعل إصدار الأمور وإيرادها إليه. ***

стр. 868

السنة الحادية والتسعون فيها: توفي مخلد بن الحسين الأزدي المهلبي المصري، ومعمر بن سليمان الرقي، ومحمد بن سلمة الحراني مفتي حران ومحدثها، ومطرف بن مازن الكناني بالولاء الصنعاني قاضي صنعاء اليمن ومحدثها، وسلمة بن الفضل، وعبد الرحمن بن القاسم، والفضل بن موسى. *** السنة الثانية والتسعون فيها: شخص الرشيد إلى خراسان؛ لحرب رافع بن الليث، واستخلف الأمين ببغداد، وابنه القاسم بالرقة، وضم إليه خزيمة بن خازم، واستصحب معه ابنه المأمون (١). وفيها: أول ظهور الخرمية ثاروا بجبال أذربيجان، فغزاهم خازم بن خزيمة، فقتل وسبى (٢). وفيها: توفي الإمام الكبير أبو محمد عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي الحافظ العابد، وصعصعة بن سلام الدمشقي مفتي الأندلس، وخطيب قرطبة، أخذ عن الأوزاعي، والأمير الكبير الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، مات في سجن الرشيد. وفيها: توفي علي بن ظبيان، والعباس بن الأحنف اليماني الشاعر، وقيل: في التي قبلها، وقيل: في التي بعدها. *** السنة الثالثة والتسعون فيها: سار الرشيد إلى خراسان؛ لتمهيد قواعدها، وكان في العام الماضي قد بعث من قبض على الأمير علي بن عيسى بن ماهان، واستصفى أمواله وخزائنه، وبعث بها إلى الرشيد على ألف وخمس مائة بعير، فوافته بجرجان (٣).

стр. 869

وفيها: توفي الخليفة أبو جعفر هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي بطوس، وكان قبل موته بيوم قتل أخا رافع بن الليث وقطعه أربعة عشر عضوا (١). وفيها: توفي الإمام أبو بشر إسماعيل ابن علية البصري الأسدي مولاهم، والحافظ محمد بن جعفر المعروف بغندر، والسيد الجليل المقرئ أبو بكر بن عياش الأسدي مولاهم شيخ الكوفة، والحافظ مروان بن معاوية، ومخلد بن يزيد. *** السنة الرابعة والتسعون فيها: مبدأ الفتنة بين الأمين والمأمون، كان الرشيد أبوهما قد عقد العهد للأمين، ثم من بعده للمأمون، ثم من بعده للقاسم المؤتمن، وكان المأمون على إمرة خراسان، فشرع الأمين في العمل على خلعه؛ ليقدم ولده موسى وهو ابن خمس سنين، ولقبه الناطق بالحق، وأخذ يبذل الأموال للقواد؛ ليقوموا معه في ذلك، ونصحه أولو الرأي والعزم فلم يرعو حتى آل الأمر إلى قتله كما سيأتي (٢). وفيها: صار رافع بن الليث إلى طاعة المأمون (٣). وفيها: توفي يحيى بن سعيد بن أبان الأموي الكوفي الحافظ، والشيخ الكبير العارف بالله شقيق البلخي، شيخ خراسان، وشيخ حاتم الأصم، وأبو عمرو حفص بن غياث النخعي القاضي، وسويد بن عبد العزيز، وعبد الوهاب الثقفي، ومحمد بن أبي عدي، ومحمد بن حرب. قيل: وفيها: توفي أبو بشر عمرو بن عثمان المعروف بسيبويه، وهو لقب فارسي معناه بالعربي رائحة التفاح، وقال إبراهيم الحربي: سمي بذلك؛ لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان، وكان في غاية الجمال، وقد قدمنا ذكره فيما تقدم (٤). ***

стр. 870

السنة الخامسة والتسعون فيها: أسقط الأمين اسم المأمون وأخيه المؤتمن من الدينار والدرهم، ومن المنابر، فلما تيقن المأمون أن الأمين خلعه .. تسمى بإمام المؤمنين، وكوتب بذلك (١). وفيها: جهز الأمين علي بن عيسى بن ماهان إلى خراسان في جيش عظيم، وأنفق عليهم أموالا لا تحصى، وأرسل معه بقيد فضة؛ ليقيد به المأمون في زعمه، فلما علم المأمون بذلك .. ندب طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي وهرثمة بن أعين لحربه في نحو أربعة آلاف فارس، فالتقى الجمعان بالري، فأشرف طاهر بن الحسين على جيش ابن ماهان وهم يلبسون السلاح وقد امتلأت بهم الصحراء بياضا وصفرة في العدد المذهبة فقال طاهر: هذا ما لا قبل لنا به، ولكن اجعلوها خارجية، واقصدوا القلب، ثم أقبل وذكر ابن ماهان البيعة التي للمأمون في عنقه فلم يلتفت، وكان مستهينا بطاهر بن الحسين وقلة جمعه، فالتحم الحرب، فكان علي بن عيسى أول قتيل، وانهزم جيشه، وحمل رأسه على رمح، واستولى طاهر بن الحسين على ما معه من العدد والسلاح، وأرسلوا برأسه إلى المأمون بخراسان، فمن حينه خوطب المأمون بأمير المؤمنين، ولما جاء البريد إلى الأمين بقتل علي بن عيسى، وانهزام جيشه-يقال: إنه كان يتصيد سمكا-فقال للبريدي: دعني، إن كوثرا قد صاد سمكتين، وأنا لم أصد شيئا. وندم في الباطن على خلع أخيه، وطمع فيه أمراؤه، وفرق عليهم أموالا لا تحصى حتى فرّغ الخزائن، وما نفعوه، وجهز جيشا آخر مقدمه عبد الرحمن الأبناوي أحد الفرسان المذكورين، فالتقاه طاهر بن الحسين أيضا بهمذان، وقتل عبد الرحمن في القتال، وانهزم جيشه بعد أن قتل خلق كثير من الفريقين، ودخل طاهر بن الحسين إلى همذان، ثم زحف حتى نزل بحلوان. قال الشيخ اليافعي: (هكذا ذكر قتل الأمير علي بن عيسى الخزاعي في هذه الوقعة، قال: وذكرت في غير هذا الكتاب أن الوزير علي بن عيسى المذكور ركب في موكب، فصار الغرباء يقولون: من هذا، من هذا؟ فقالت امرأة: إلى كم تقولون من هذا، من هذا؟ هذا عبد سقط من عين الله، فابتلاه الله بما ترون، فسمعها علي بن عيسى،

стр. 871

فاستعفى عن الوزارة، ولحق بمكة فجاور بها إلى أن توفي، والله أعلم بحقيقة الأمر) (١). وشرع أمر الأمين في الاضمحلال والزوال (٢). وفي هذه السنة: ظهر بدمشق أبو العميطر السفياني، فبايعوه بالخلافة، واسمه: علي بن عبد الله بن خالد ابن الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فطرد عاملها الأمير سليمان بن المنصور، فجهز الأمين عسكرا لحربه، فنزلوا الرقة ولم يقدموا عليه (٣). وفيها: توفي إسحاق بن يوسف الأزرق محدث واسط، وأبو معاوية الضرير الحافظ، واسمه: محمد بن خازم، ومحمد ابن غزوان الضبي مولاهم الكوفي الحافظ، وأبو العباس الوليد بن مسلم الدمشقي محدث الشام، ومؤرج بن عمرو السدوسي النحوي البصري، وغنام بن علي، ويحيى بن سليم الطائفي. *** السنة السادسة والتسعون فيها: قدم الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان من الشام إلى بغداد، فوثب على الأمين، وخلعه في شهر رجب، ودعا إلى بيعة المأمون، فأجابه الناس إلى ذلك، وحبس الأمين وأمه وولده يوما وليلة، ثم وثب الجند على الحسين بن علي المذكور، فقتلوه وأتوا برأسه محمدا الأمين، وأعادوه إلى مكانه وجددوا له البيعة (٤). وفيها: هرب الفضل بن الربيع وزير الأمين ومدبره والمنسوب إليه إثارة الفتنة، واستتر فلم يعرف له خبر حتى دخل المأمون بغداد (٥). وفيها: دخل طاهر بن الحسين الأهواز، وقتل عاملها محمد بن يزيد بن حاتم، ثم دخل واسطا بغير قتال (٦).

стр. 872

وفيها: خلع عاملا البصرة والكوفة محمدا الأمين، ودخلا في طاعة عبد الله المأمون، فأقرهما طاهر (١). وفيها: خلع داود بن عيسى محمدا الأمين بمكة والمدينة، ودعا للمأمون، وخرج إليه بنفسه (٢). وفيها: لقب المأمون الفضل بن سهل ذا الرئاستين (٣). وفيها: مات عبد الملك بن صالح بن علي بالرقة، وكان ممن ترشح للخلافة. وفيها: توفي قاضي البصرة أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري أحد الحفاظ، وسعد بن الصلت قاضي شيراز ومحدثها، روى عن الأعمش وكان حافظا، وأبو نواس الحسن بن هاني الشاعر المشهور ذو النوادر والغرائب والعجائب. *** السنة السابعة والتسعون فيها: حوصر الأمين وأحيط ببغداد، فنزل طاهر بن الحسين بالأنبار، وزهير بن المسيب في ناحية، وهرثمة بن أعين في الجانب الشرقي، وقاتلت الرعية مع الأمين، وقاموا معه قياما لا مزيد عليه، ودام الحصار سنة، واشتد الأمر، وعظم البلاء، وهرب عبد الله بن خازم بن خزيمة، فلحق بالمدائن بعياله وأهله ليلا، ولم يحضر شيئا من القتال (٤). وفيها: توفي قاضي صنعاء هشام بن يوسف، ومحدث الشام بقية بن الوليد الكلاعي، وشعيب بن حرب المدائني، والحافظ وكيع بن الجراح، وعبد الله بن وهب الفقيه المالكي. وفيها: ورش المقرئ، ومحمد بن فليح. ***

стр. 873

السنة الثامنة والتسعون في المحرم منها: فارق خزيمة بن حازم ومحمد بن علي بن عيسى بن ماهان الأمين، وصارا إلى طاهر بن الحسين (١). وفيها: دخل طاهر الكرخ وقصر الوضاح عنوة، وهرب محمد من قصر الخلد إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه خدمه وجواريه، ونادى طاهر بالأمان لمن لزم منزله، وأحاط بمدينة أبي جعفر وبقصر زبيدة وقصر الخلد، ونصب عليها المجانيق، وعزم محمد الأمين أن يضع يده في يد طاهر بن الحسين، فمنعه من ذلك بعض قواده، وأشار عليه بهرثمة، فوعده أن يلتقيا، فدخله ليلا، فلما حصلا في الحراقة (٢) وتحدثا .. سعي بهما إلى طاهر، فأرسل من أصحابه جماعة، وأمرهم بأخذ محمد الأمين، فإن لم يقدروا عليه .. قلبوا الحراقة، فلم يقدروا عليه فقلبوها، فأخرج هرثمة وقد كاد يغرق، وعبر محمد سباحة إلى الجانب الشرقي وفيه معسكر هرثمة، فلما رأى النيران .. هالته، فعاد سباحة إلى الجانب الغربي، فظفر به أصحاب طاهر، فشموا منه رائحة الطيب، فسألوه عن نفسه، فأخبرهم، فأرسلوا إلى طاهر بالخبر، وقد ركب يطوف، فنزل عن دابته وسجد شكرا لله تعالى، ونقل إلى دار، فقتل بها، وتشعب الجند على طاهر بن الحسين، فاستتر ثلاثة أيام حتى أصلح أمره وعاد إلى معسكره (٣). وفيها: ولى المأمون الحسن بن سهل جميع ما افتتحه طاهر بن الحسين، وأمر طاهر بتسليم ذلك إلى عمال الحسن، وأن يلحق بالرقة؛ لمحاربة نصر بن شبث، وجعل إليه إمارة الموصل والجزيرة والشام (٤). وفيها: توفي أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، شيخ الحجاز، ونزيل مكة، وأحد الأعلام، حج سبعين حجة، وعمره إحدى وتسعون سنة، والإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي البصري الحافظ محدث العراق، والإمام أبو يحيى معن بن عيسى

стр. 874

المدني القزاز صاحب مالك، والحافظ أبو سعيد القطان البصري أحد الحفاظ الأعلام، ومالك بن سعير، ومحمد بن معن الغفاري. *** السنة التاسعة والتسعون فيها: خرج بالكوفة ابن طباطبا وهو محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب يدعو إلى الرضا من آل محمد والعمل بالكتاب والسنة، والقائم بأمره في الحروب وتدبيرها أبو السرايا بن منصور الشيباني، وخرج بالبصرة علي بن جعفر بن محمد، وزيد بن موسى بن جعفر، فغلبا عليها، وخرج معه بمكة الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالأفطس، فغلب عليها، وبيض جميعهم (١)، ومات ابن طباطبا في جمادى الآخرة من هذه السنة، فنصب أبو السرايا مكانه غلاما حدثا يقال له: محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين، وكسر أبو السرايا الجيوش، ودخلت جيوشه واسطا والبصرة، وبيضوا، ونزل على نهر صرصر، وكان هرثمة شخص إلى خراسان، ووصل حلوان، فاستعاده الحسن بن سهل، وندبه لحربه (٢). وفيها: مات سليمان بن أبي جعفر، ووقف الناس في هذه السنة بعرفات بغير إمام ولا من يدفع بهم؛ لاختلاف الكلمة (٣). وفيها: توفي الحافظ يونس بن بكير الشيباني الكوفي صاحب المغازي، وإسحاق بن سليمان الرازي، وكان عابدا خاشعا، يقال: إنه من الأبدال، وحفص بن عبد الرحمن البلخي اجتمع فيه الفقه والوقار والورع، كان ابن المبارك يزوره، وابن نمير، وابن شابور، وعمرو العنقزي، وأبو مطيع البلخي. ***

стр. 875

السنة الموفية مائتين فيها: هرب أبو السرايا من الكوفة، فدخلها هرثمة، ثم أخذ أبو السرايا ومحمد بن محمد العلوي بجلولاء، وحملا إلى الحسن بن سهل، فضرب عنق أبي السرايا، وكان بين خروجه وقتله عشرة أشهر (١). وفيها: هرب الطالبيون من مكة بعد وقعات كانت بينهم وبين إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى، ورئيس العلوية محمد بن جعفر بن محمد، فدخل على إسحاق بأمان (٢). وفيها: شخص هرثمة إلى المأمون بمرو، فحبسه إلى أن مات في الحبس (٣). وفيها-على الأصح-: توفي الحافظ أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك المدني، والولي الكبير السيد الشهير معروف الكرخي مولى علي بن موسى الرضا، وأبو البختري وهب بن وهب القرشي الأسدي المدني، وأسباط، وأبو ضمرة، وسلم بن قتيبة، وعمر بن عبد الواحد، ومحمد بن حمير، ومعاذ بن هشام، ومبشر بن إسماعيل. والله سبحانه أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ***

стр. 876

طبقات المائة الثالثة

стр. 877

العشرون الأولى من المائة الثالثة [الاعلام] ٩٦٦ - [حماد بن أسامة الليثي] (١) حماد بن أسامة الليثي أبو أسامة الكوفي الحافظ، مولى الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي طالب، ويقال: مولى زيد بن علي. سمع هشام بن عروة، والأعمش، والثوري وغيرهم. وروى عنه ابن المديني، وعبيد بن إسماعيل وغيرهما، قال الإمام أحمد: (ما كان أثبته لا يكاد يخطئ! ) اه توفي سنة إحدى ومائتين. ٩٦٧ - [علي بن عاصم الواسطي] (٢) علي بن عاصم أبو الحسن الواسطي، محدث واسط. روى عن حصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب وغيرهما، وكان يحضر مجلسه ثلاثون ألفا. قال وكيع: أدركت الناس والحلقة بواسط لعلي بن عاصم. وقال بعض المؤرخين: كان إماما ورعا صالحا جليل القدر، وضعفه غير واحد لسوء حفظه. توفي سنة إحدى ومائتين.

стр. 878

٩٦٨ - [حماد بن مسعدة التميمي] (١) حماد بن مسعدة التميمي-ويقال: الباهلي-مولاهم البصري أبو سعيد. سمع يزيد بن أبي عبيد، وابن جريج، وابن عون وغيرهم. وروى عنه إسحاق الحنظلي، ومحمد بن مثنى، ومحمد بن بشار وغيرهم. وتوفي سنة إحدى-أو اثنتين-ومائتين. ٩٦٩ - [حرمي بن عمارة] (٢) حرميّ بن عمارة بن أبي حفصة-واسم أبي حفصة: ثابت-الأزدي أبو روح. سمع شعبة، وقرة بن خالد، وشداد بن طلحة وغيرهم. وروى عنه علي بن المديني، وعبيد الله القواريري، ومحمد بن عمرو بن جبلة وغيرهم. وتوفي سنة إحدى ومائتين كما ذكره الذهبي. ٩٧٠ - [بشمين الحمّاني] (٣) عبد الحميد بن عبد الرحمن [ولقبه] بشمين أبو يحيى الحمّاني مولاهم، التيمي الكوفي، أصله من خوارزم. سمع بريد بن عبد الله وغيره، وروى عنه أبو بكر محمد بن خلف وغيره. ذكره أبو الفضل المقدسي فيمن انفرد البخاري بالرواية عنه، وقد روى له مسلم أيضا في مقدمة «صحيحه» (٤). توفي سنة اثنتين ومائتين.

стр. 879

٩٧١ - [يحيى بن المبارك اليزيدي] (١) يحيى بن المبارك العدوي المعروف باليزيدي؛ لصحبته يزيد بن منصور خال المهدي، صاحب التصانيف الأدبية. كان إماما في النحو، واللغة، والأدب، والقراءة، وكان شاعرا فصيحا. أخذ العربية وأخبار الناس عن الخليل بن أحمد، وأبي عمرو بن العلاء، ودخل مكة في رجب، وحدث بها عن أبي عمرو بن العلاء، وابن جريج، وخالف أبا عمرو في حروف يسيرة من القراءة. وأخذ عنه ابنه محمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عمرو الدوري، وأبو شعيب السوسي، وكان يؤدب أولاد يزيد بن منصور خال المهدي، وبه عرف، وإليه نسب، كما تقدم. اتصل بالرشيد، فجعل ابنه المأمون في حجره، فكان يؤدبه، ويأخذ عليه بحرف أبي عمرو، وكان الكسائي يؤدب الأمين، ويأخذ عليه بحرف حمزة. قال اليزيدي: وجهت إلى المأمون يوما بعض خدمه فأبطأ، ثم وجهت إليه آخر فأبطأ، فقلت: إن هذا الفتى ربما اشتغل بالبطالة، فلما خرج .. أمرت بحمله، وضربته بسبع درر، فإنه ليدلك عينيه من البكاء .. إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلا فمسح عينيه، وجمع عليه ثيابه، وقام إلى فراشه فقعد عليه متربعا، ثم قال: ليدخل، فدخل، وقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره، قال: فأقبل عليه بوجهه، وحدثه حتى أضحكه وضحك إليه، فلما هم بالحركة .. دعا بدابته، وأمر غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني، فجئت، فقال: خذ ما بقي علي من حزبي، فقلت: أيها الأمير؛ أطال الله بقاءك، لقد خشيت أن تشكوني إلى جعفر، قال: حاشى لله، أتراني يا أبا محمد أطلع الرشيد على هذا؟ ! فكيف بجعفر يطلع علي أني محتاج إلى الأدب،

стр. 880

يغفر الله لك، لقد بعد ظنك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا يكون أبدا ولو عدت في كل يوم مائة مرة. قالوا: وسأل المأمون اليزيدي عن شيء فقال: لا، وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، فقال: لله درك! ما وضعت قطّ واو موضعا أحسن من موضعها في لفظك. قال اليزيدي: دخلت على المأمون يوما والدنيا غضة، وعنده نعم تغنّيه، وكانت من أجمل أهل دهرها: [من الكامل] وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ فنعم هجرتك فاغفري وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائذ ولقد أخذتم من فؤادي أنسه ... لا شلّ ربي كفّ ذاك الآخذ واستعادها المأمون الصوت ثلاث مرات، ثم قال: يا يزيدي؛ أيكون شيء أحسن مما نحن فيه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم، فقال: أحسنت وصدقت، ووصلني، وأمر بمائة ألف يتصدق بها. وحكي أنه وقع بين اليزيدي والكسائي تنازع في هذا البيت: [من مجزوء الرمل] لا يكون العير مهرا ... لا يكون المهر مهر فقال الكسائي: مهر الثاني منصوب على أنه خبر كان، ففي البيت على التقدير أقوال، وقد علم كون حرف الروي فيما قبله مرفوعا. وقال اليزيدي: الصواب رفعه؛ لأن الكلام قد تم عند قوله: (لا يكون) الثانية، وهي مؤكدة للأولى، ثم استأنف فقال: المهر مهر، وضرب بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد، فقيل له: أتكتني بحضرة أمير المؤمنين؟ ! والله إن خطأ الكسائي مع حسن أدبه لأحسن من صوابك مع سوء أدبك، فقال: حلاوة الظفر أذهبت عني حسن التحفظ. قال بعضهم: دخل اليزيدي على الخليل بن أحمد وهو جالس على وسادة، فأوسع له وأجلسه، فقال اليزيدي: أحسبني ضيقت عليك، فقال الخليل: ما ضاق موضع على متحابين، والدنيا لا تسع متباغضين. توفي اليزيدي سنة اثنتين ومائتين.
следующие страницы →