يحكى أنه دخل يوما على يحيى بن خالد البرمكي وقد جلس لقضاء حوائج الناس وبين يديه ولده جعفر يوقع في القصص، فعرض عليه الفضل عشر رقاع للناس، فتعلل يحيى في كل رقعة بعلة، ولم يوقع في شيء منها البتة، فجمع الفضل الرقاع وقال: ارجعن خائبات خاسرات، ثم خرج وهو يقول: [من الطويل]
عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال والزمان عثور
فتقضى لبانات وتشفى حسائف ... وتحدث من بعد الأمور أمور
والحسائف-جمع حسيفة، بحاء وسين مهملتين ثم فاء-: هي الضغينة، فسمعه يحيى وهو ينشد ذلك، فقال له: عزمت عليك يا أبا العباس إلا رجعت، فرجع، فوقع له في جميع الرقاع، ثم ما كان إلا قليل حتى نكبوا على يديه، وتولى هو وزارة الرشيد بعد البرامكة، وفي ذلك يقول أبو نواس: [من الخفيف]
ما رعى الدهر آل برمك لما ... أن رمى ملكهم بأمر فظيع
إن دهرا لم يرع عهدا ليحيى ... غير راع ذمام آل الربيع
ومات الرشيد والفضل مستمر على وزارته، فكتب إليه أبو نواس يعزيه بالرشيد، ويهنئه بولاية ولده الأمين: [من الطويل]
تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا أنت غابن
ويقال: إنه كان السبب في عزل الأمين لأخيه المأمون عن العهد، وما ترتب على ذلك من الفتنة وخراب بغداد، واستتر بعد ذلك خوفا من المأمون.
وتوفي سنة ثمان ومائتين.
١٠١٦ - [السيدة نفيسة] (١)
نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، السيدة الكبيرة، صاحبة المناقب الجليلة، والمشهد الشهير بمصر.
стр. 912
دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق رضي الله عن الجميع، وقيل: بل مع أبيها الحسن، وكانت من الصالحات.
روي أن الإمام الشافعي لما دخل مصر .. حضر عندها، وسمع عليها الحديث، ولما توفي الشافعي .. أدخلت جنازته إليها، فصلت عليه في دارها، وكانت في موضع مشهدها اليوم، ولم تزل به إلى أن توفيت في شهر رمضان من سنة ثمان ومائتين.
ولما ماتت .. عزم زوجها إسحاق بن جعفر على حملها إلى المدينة ليدفنها هناك، فعزم عليه المصريون في بقائها عندهم فتركها، فدفنت في الموضع المعروف بها اليوم بين القاهرة ومصر، وكان يعرف ذلك المكان بدرب السباع، فخرب الدرب، ولم يبق هناك سوى المشهد.
١٠١٧ - [الأسود بن عامر شاذان] (١)
الأسود بن عامر المعروف بشاذان أبو عبد الرحمن، أصله شامي، وسكن بغداد.
روى عن شعبة، وحماد بن سلمة وغيرهما، وروى عنه عمرو الناقد وغيره.
وتوفي سنة ثمان ومائتين.
١٠١٨ - [عبد الله بن بكر الباهلي] (٢)
عبد الله بن بكر بن حبيب الباهلي السهمي-وسهم من باهلة-البصري أبو وهب.
سمع حميدا الطويل، وحاتم بن أبي صغيرة وغيرهما.
وروى عنه عبد الله بن منير، ومحمد بن حاتم وغيرهما.
وتوفي ببغداد لثلاث عشرة خلت من المحرم سنة ثمان ومائتين.
стр. 913
١٠١٩ - [يحيى بن حسان التنيسي] (١)
يحيى بن حسان بن حيان التنيسي أبو زكريا.
سمع سليمان بن بلال، وحماد بن سلمة، ومعاوية بن سلاّم، وروى عنه عبد الله الدارمي، ومحمد بن مسكين وغيرهما.
وتوفي سنة ثمان ومائتين.
١٠٢٠ - [يحيى بن أبي بكير العبدي] (٢)
يحيى بن أبي بكير-واسم أبي بكير قيس، ويقال: بشير-ابن أسيد العبدي من عبد القيس الكوفي قاضي كرمان.
سمع زهير بن معاوية، وشعبة، وإسرائيل، وزائدة وغيرهم.
وروى عنه يعقوب الدورقي، وإبراهيم بن الحارث وغيرهما.
وتوفي سنة ثمان ومائتين.
١٠٢١ - [يعقوب بن إبراهيم الزهري] (٣)
يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو يوسف، أصله مدني، كان بالعراق.
سمع أباه، وعبد العزيز بن المطلب، والليث بن سعد وغيرهم.
وروى عنه علي بن المديني، وإسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور وغيرهم.
قال كاتب الواقدي: (توفي بفم الصلح-وهي قرية على مرحلة من واسط-في شوال سنة ثمان ومائتين) (٤).
стр. 914
١٠٢٢ - [يونس بن محمد المؤدب] (١)
يونس بن محمد المؤدب البغدادي أبو محمد.
سمع شيبان النحوي، وفليح بن سليمان، وحماد بن سلمة وغيرهم.
وروى عنه عبد بن حميد، وحجاج بن الشاعر، وزهير بن حرب وغيرهم.
وتوفي لسبع خلون من صفر سنة ثمان ومائتين.
١٠٢٣ - [عثمان بن عمر العبدي] (٢)
عثمان بن عمر بن فارس العبدي البصري أبو محمد الرجل الصالح.
سمع يونس بن يزيد وغيره، وروى عنه أبو موسى، وبندار، وأحمد بن إسحاق وغيرهم.
وتوفي سنة تسع-أو ثمان-ومائتين.
١٠٢٤ - [يعلى بن عبيد الطنافسي] (٣)
يعلى بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي أبو يوسف الحنفي مولاهم الكوفي.
سمع الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وزكريا بن أبي زائدة وغيرهم.
روى عنه إسحاق الحنظلي، ومحمد بن مقاتل، ومحمد بن عبد الله بن نمير وغيرهم.
وتوفي لخمس خلون من شوال سنة تسع ومائتين.
стр. 915
١٠٢٥ - [الحسن بن موسى الأشيب] (١)
الحسن بن موسى الأشيب-بشين معجمة بعدها مثناة من تحت، ثم موحدة-أبو علي الكوفي، أصله من خراسان، وسكن بغداد.
سمع عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وحماد بن سلمة، وزهير بن معاوية وغيرهم.
روى عنه الفضل بن سهل، وعبد بن حميد، وحجاج بن الشاعر.
ولي قضاء حمص والموصل، ثم قضاء طبرستان، وتوجه إليها، ومات بالري سنة تسع ومائتين.
١٠٢٦ - [أبو عبيدة بن المثنى] (٢)
معمر بن المثنى التيمي-تيم قريش-مولاهم، المعروف بأبي عبيدة.
قال ابن قتيبة: (كان الغريب وأخبار العرب وأيامها أغلب عليه، وكان مع معرفته ربما لم يقم البيت من الشعر، بل يكسره، قال: وكان يرى رأي الخوارج) (٣).
روى عن هشام بن عروة وغيره، وروى عنه أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عثمان المازني، وأبو حاتم السجستاني، وعمر بن شبة، وعلي بن المغيرة وغيرهم.
أقدمه الرشيد من البصرة في سنة ثمان ومائتين، وقرأ عليه شيئا من كتبه، قال:
استدعاني الوزير الفضل بن الربيع، فدخلت عليه في مجلس طويل عريض، فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عالية لا يرتقى عليها إلا بكرسي، وهو جالس على العرش، فسلمت عليه بالوزارة، فرد وضحك إلي، واستدناني من فرشه، ثم سألني وباسطني وتلطف بي، واستنشدني فأنشدته من عيون أشعار الجاهلية أحفظها، فقال: قد عرفت أكثر هذه، وأريد من مليح الشعر، فأنشدته، فطرب وضحك وزاد نشاطا، ثم دخل رجل في
стр. 916
زي الكتاب له هيئة حسنة، فأجلسه إلى جانبي وقال له: أتعرف هذا؟ قال: لا، فقال:
هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل، ثم التفت الرجل إلي وقال: كنت إليك مشتاقا، وقد سئلت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت: هات، فقال: قال الله تعالى: ﴿(طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ)﴾، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف، وهذا لم يعرف، فقلت: إنما كلم الله العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس: [من الطويل]
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط، ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم .. أوعدوا به! فاستحسن الفضل والسائل ذلك، وعزمت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا وأشباهه، فلما رجعت إلى البصرة .. عملت كتابي الذي سميته: «المجاز»، وسألت عن الرجل فقيل لي: هو من كتّاب الوزير وجلسائه.
وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه كتاب «المجاز»، وأنه يتكلم في كتاب الله برأيه، فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم، ومر بحلقته، فنزل عن حماره، فسلم عليه، وجلس عنده وحادثه، ثم قال: يا أبا سعيد؛ ما تقول في الخبز، أي شيء هو؟ قال: هو الذي تخبزه وتأكله، فقال أبو عبيدة: قد فسرت كتاب الله برأيك، فقال الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته، ولم أفسره برأيي، فقال أبو عبيدة: الذي تعيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا، ثم قام، وركب حماره وانصرف.
ولما قدم أبو عبيدة على موسى بن عبد الرحمن الهلالي، وطعم من طعامه .. صب بعض الغلمان على ذيله مرقة، فقال موسى: قد أصاب ثوبك مرق، وأنا أعطيك عشرة ثياب، فقال أبو عبيدة: لا عليك، فإن مرقكم لا يؤذي؛ لأن ما فيه دهن، ففطن لها موسى، وسكت.
وكان الأصمعي إذا أراد دخول المسجد .. قال: انظروا، لا يكون فيه ذاك؛ يعني أبا عبيدة؛ خوفا من لسانه.
قيل: كان أبو عبيدة مدخول النسب، مدخول الدين، يميل إلى مذهب الخوارج وإلى بعض الأمور القبيحة، والله أعلم بحاله.
стр. 917
وكانت تصانيفه تقارب مائتي مصنف، وزعم الباهلي صاحب كتاب «المعاني» أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي .. اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة .. اشتروا الدر في سوق البعر؛ لأن الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة لرديء الأخبار والأشعار، حتى يحسن عنده القبيح، والفائدة عنده مع ذلك قليلة، وأن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة، وعنده فوائد كثيرة وعلوم جمة.
توفي أبو عبيدة سنة تسع ومائتين.
١٠٢٧ - [إبراهيم بن أحمد الرعرعي] (١)
إبراهيم بن أحمد بن إسحاق الرعرعي-بعينين بينهما وقبلهما راء، مهملات، نسبة إلى الرعارع، القرية المعروفة من أعمال لحج، بينها وبين عدن أبين مرحلة-اللخمي الفقيه البارع المشهور.
وكان تربا لأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي-بفتح الزاي-نسبة إلى مدينة زبيد، وكان إبراهيم ووالده أحمد مشهورين بالعلم والصلاح والورع والرئاسة في ناحيتهما، لم تعرف لأحدهما صبوة، وكان إبراهيم أشهر وأعلم من أبيه، وإليه ارتحل العلماء، وحضر مجلسه الفضلاء.
وتوفي في شهر رمضان لبضع ومائتين من الهجرة.
١٠٢٨ - [محمد بن صالح الكلابي] (٢)
محمد بن صالح الكلابي، أمير عرب الشام، وسيد قيس وفارسها وشاعرها، والمقاوم للسفياني والمحارب له حتى شتت جموعه، فولاه المأمون دمشق.
وتوفي سنة عشر ومائتين.
стр. 918
١٠٢٩ - [يحيى بن غيلان الأسلمي] (١)
يحيى بن غيلان بن عبد الله بن أسماء بن حارثة الأسلمي أبو الفضل، من أهل بغداد.
سمع يزيد بن زريع وغيره، وروى عنه الفضل بن سهل الأعرج.
وتوفي سنة عشر ومائتين كما في كتاب «الذهبي»، ويقال: سنة ثلاث عشرة ومائتين.
١٠٣٠ - [منصور بن سلمة الخزاعي] (٢)
منصور بن سلمة الخزاعي أبو سلمة البغدادي.
سمع سليمان بن بلال، والليث بن سعد وغيرهما.
وروى عنه حجاج بن الشاعر، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، ومحمد بن إسحاق الصغاني.
وتوفي بالمصيصة سنة عشر-أو تسع، أو سبع-ومائتين.
١٠٣١ - [عبد الرزاق الصنعاني] (٣)
عبد الرزاق بن همام بن نافع أبو بكر الحميري مولاهم اليمني الصنعاني الحافظ العلامة المرتحل إليه من الآفاق.
روى عن معمر، وابن جريج، والأوزاعي، وطبقتهم.
ورحل إليه الأئمة إلى اليمن، منهم: الإمام أحمد، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ومحمود بن غيلان.
قيل: ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله ﷺ مثل ما رحلوا إليه.
توفي للنصف من شوال سنة إحدى عشرة ومائتين.
стр. 919
١٠٣٢ - [عبد الله بن صالح العجلي] (١)
عبد الله بن صالح العجلي الكوفي المقرئ المحدث، والد الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي.
سمع عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره.
وروى عنه الإمام البخاري في «صحيحه» في (سورة الفتح)، و (التعبير) (٢).
وتوفي سنة إحدى عشرة ومائتين.
١٠٣٣ - [أبو الجواب الضبي] (٣)
أبو الجواب أحوص-بمهملتين بينهما واو مفتوحة-ابن جواب الضبي الكوفي.
سمع عمار بن رزيق، وسليمان بن قرم وغيرهما.
وروى عنه محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن عبد الله بن نمير وغيرهم.
وتوفي سنة إحدى عشرة ومائتين.
١٠٣٤ - [طلق بن غنام] (٤)
طلق بن غنام بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي أبو محمد.
سمع زائدة وغيره، وروى عنه البخاري في «صحيحه».
وتوفي في رجب سنة إحدى عشرة ومائتين.
стр. 920
١٠٣٥ - [أبو العتاهية] (١)
أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم العنزي الشاعر المشهور، من متقدمي المولّدين، في طبقة بشار بن برد، وأبي نواس، وتلك الطائفة.
حكى أشجع الشاعر المشهور قال: أذن الخليفة المهدي للناس في الدخول، فدخلنا، وأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد؛ أي: الشاعر المشهور، فسكت المهدي، وسكت الناس، فسمع بشار حسا فقال: من هذا؟ فقلت: أبو العتاهية، فقال: أتراه ينشد في هذا المحفل؟ فقلت: أحسبه سيفعل، فأمره المهدي أن ينشد فأنشد: [من المتقارب]
ألا ما لسيدتي ما لها ... أدلت فأجمل إدلالها
فنخسني بشار بمرفقه وقال: ويحك، أرأيت من ينشد مثل هذا الشعر في هذا الموضع؟ ! حتى بلغ إلى قوله:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
فقال لي بشار: انظر ويحك يا أشجع؛ هل طار الخليفة عن فراشه؟ قال: فو الله ما انصرف من ذلك المجلس بجائزة غير أبي العتاهية.
ومن شعره أيضا هذه الأبيات في عمرو بن العلاء: [من الكامل]
إني أمنت من الزمان وصرفه ... لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له جلد الخدود نعالا
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا وردن بنا وردن خفائفا ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا
فأعطاه سبعين ألفا، وخلع عليه، فغار الشعراء لذلك، فجمعهم فقال: يا معشر
стр. 921
الشعراء؛ عجبا لكم ما أشد حسدكم! إن أحدكم يأتينا يمدحنا بقصيدة يشبب فيها بصديقته بخمسين بيتا، فما يبلغها حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتى أبو العتاهية يشبب بأبيات يسيرة، ثم قال كذا وكذا، وأنشد الأبيات المذكورة، فما لكم منه تغارون؟ !
وحكى صاحب «الفصوص» في اللغة: أن أبا العتاهية زار يوما بشار بن برد، فقال لبشار: إني لأستحسن قولك اعتذارا من البكاء إذ تقول: [من مجزوء الكامل]
كم من صديق لي أسا ... رقه البكاء من الحياء
وإذا تفطن لامني ... فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداء
فقال بشار: أيها الشيخ؛ ما عرفته إلا من بحرك، ولا شربته إلا من قدحك، وأنت السابق حيث تقول: [من الوافر]
وقالوا قد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الجزع الجليد
فقالوا ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود
يحكى أن أبا العتاهية كان قد امتنع من الشعر، فأمر المهدي بحبسه في سجن الجرائم، فلما دخله .. رأى منظرا هاله، فدهش، فطلب موضعا يأوي إليه، فإذا بكهل حسن البزة والوجه، عليه سيما الخير، فقصده وجلس إليه من غير سلام لما هو فيه من الجزع والحيرة، وإذا بالرجل ينشد: [من الطويل]
تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيرني يأسي من الناس واثقا ... بحسن صنيع الله من حيث لا أدري
قال: فاستحسنت البيتين، وتبركت بهما، وثاب إلي عقلي فقلت له: تفضل أعزك الله بإعادتهما علي، فقال: يا إسماعيل؛ ويحك ما أسوأ أدبك وأقلّ عقلك ومروءتك! دخلت ولم تسلم علي تسليم المسلم، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى سمعت مني بيتين من الشعر، لم يجعل الله فيك خيرا ولا أدبا ولا معاشا غيره، فطفقت تستنشدني ابتداء كأن بيننا أنسا وسالف مودة توجب بسط القبض، ولم تذكر ما كان منك، ولا اعتذرت عما بدا من إساءتك وقلة أدبك، فقلت: اعذرني متفضلا، فدون ما أنا فيه يدهش، قال: وفيم أنت؟ ! تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم، وسبيلك إليهم، والآن تقوله فتطلق، وأنا
стр. 922
يدعى الساعة بي، فأطلب بعيسى بن زيد ابن رسول الله ﷺ ، فإن دللت عليه .. لقيت الله بدمه، وكان رسول الله ﷺ خصمي فيه، وإلا .. قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، وأنت ترى صبري، فقلت: يكفيك الله، وخجلت منه، فقال:
لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين، ثم أعادهما عليّ مرارا حتى حفظتهما، ثم دعي بي وبه فقلت: من أنت أعزك الله؟ قال: أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد، فلما وقفنا بين يدي المهدي .. قال للرجل: أين عيسى بن زيد؟ فقال: وما يدريني أين عيسى، تطلّبته فهرب منك في البلاد وحبستني، فمن أين أقف على خبره؟ ! قال: أين كان متواريا؟ ومتى كان آخر عهدك به؟ وعند من لقيته؟ قال: ما لقيته منذ توارى، ولا عرفت له خبرا، قال: والله لتدلن عليه، أو لأضربن عنقك الساعة، قال: اصنع ما بدا لك، فو الله؛ لا أدلك على ابن رسول الله ﷺ فألقى الله ورسوله بدمه، ولو كان بين ثوبي وجلدي .. ما كشفت لك عنه، فأمر به فضربت عنقه، ثم قال: أتقول الشعر، أو ألحقك به؟ قلت: بل أقول، قال: أطلقوه، فأطلقت.
ولما حضرته الوفاة .. قال: أشتهي أن يجيء فلان المغني فيغني عند رأسي: [من الكامل]
إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي ... فإن عزاء الباكيات قليل
سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
وتوفي سنة إحدى عشرة ومائتين.
١٠٣٦ - [أبو عاصم النبيل] (١)
الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني مولاهم، أبو عاصم النبيل.
سمع ابن جريج، والأوزاعي، ومالك، والثوري، وشعبة وغيرهم.
وروى عنه علي بن المديني، والبخاري وغيرهما من الأئمة، وكان حافظ البصرة ومحدثها.
ولد سنة اثنتين وعشرين ومائة، وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين عن تسعين وأربعة أشهر.
стр. 923
١٠٣٧ - [الحسين بن حفص الهمداني] (١)
الحسين بن حفص الهمداني الأصبهاني أبو محمد.
سمع سفيان الثوري وغيره، وروى عنه أبو داود السنجي سليمان بن معبد.
وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين.
١٠٣٨ - [عبد القدوس بن الحجاج الخولاني] (٢)
عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي أبو المغيرة.
سمع الأوزاعي وغيره.
روى عنه البخاري بواسطة، وبغير واسطة، وروى عنه إسحاق بن منصور، وسلمة بن شبيب وغيرهما.
وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين.
١٠٣٩ - [أبو عمرو الشيباني] (٣)
إسحاق بن مرار-بكسر الميم، وتكرير الراء قبل الألف وبعدها-الشيباني النحوي اللغوي.
كان من الأئمة الأعلام، أخذ عنه جماعة كبار، منهم: الإمام أحمد ابن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ويعقوب بن السكيت.
وله مصنفات عديدة في اللغة، وغريب الحديث، والخيل والإبل، وخلق الإنسان،
стр. 924
والنوادر، وأشعار العرب ونحو ذلك، وكان الغالب عليه النوادر، وحفظ الغرائب وأراجيز العرب.
قال ولده: لما جمع أشعار العرب .. دونها، وكانت نيفا وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس .. كتب مصحفا، وجعله في مسجد الكوفة، حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا، وكان يكتب بيده إلى أن مات.
قيل: عاش مائة وثماني عشرة سنة، وقال ابن كامل: مات في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم النديم الموصلي (١).وقيل: توفي سنة ست ومائتين وعمره مائة وعشر سنين، قال ابن خلكان: (وهو الأصح) (٢).
١٠٤٠ - [عبيد الله بن موسى العبسي] (٣)
عبيد الله بن موسى بن باذام العبسي مولاهم، الكوفي أبو محمد الحافظ.
كان إماما في الفقه والحديث والقرآن، موصوفا بالعبادة والصلاح، لكنه من رءوس الشيعة.
سمع هشام بن عروة، وسليمان الأعمش وغيرهما.
روى عنه البخاري بواسطة، وبغير واسطة، وروى عنه حجاج بن الشاعر، وعبد بن حميد وغيرهم.
وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائتين.
١٠٤١ - [عمرو بن أبي سلمة التنيسي] (٤)
عمرو بن أبي سلمة التنيسي، أصله من دمشق، وسكن تنيس.
стр. 925
سمع الأوزاعي وغيره، وروى عنه محمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن يوسف، وعبد الله المسندي وغيرهم.
وتوفي سنة ثلاث-أو أربع-عشرة ومائتين.
١٠٤٢ - [خالد بن مخلد البجلي] (١)
خالد بن مخلد البجلي، ويقال: القطواني، نسبة إلى قطوان، محلة على باب الكوفة، قيل: إنه كان يغضب إذا قيل له: قطواني.
سمع سليمان بن بلال، وعلي بن مسهر، والمغيرة بن عبد الرحمن وغيرهم.
وروى عنه البخاري بواسطة، وبغير واسطة، وروى عنه عبد بن حميد، وأبو كريب وغيرهما.
وتوفي بالكوفة في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين.
١٠٤٣ - [محمد بن عرعرة البرند] (٢)
محمد بن عرعرة بن البرند-بموحدة، وبعد الراء نون-الباجي السامي-بالمهملة- البصري القرشي أبو عمرو، ويقال: أبو إبراهيم.
سمع شعبة، وعمر بن أبي زائدة.
وروى عنه نصر بن علي، وبندار، والبخاري وغيرهم.
وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائتين.
١٠٤٤ - [العكوك] (٣)
علي بن جبلة الشاعر المشهور، أحد فحول الشعراء المبرزين من الموالي.
стр. 926
ولد أعمى، ويقال: عمي من جدري أصابه وهو ابن سبع سنين، وكان أسود أبرص، ومن قصائده الفائقة القصيدة التي يقول فيها: [من المديد]
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
كلّ من في الأرض من عرب ... بين بادية إلى حضره
مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره
ويروى أن المأمون قال لأبي دلف الأمير المشهور: أنت الذي قال فيك الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلف ...
وأنشده الأبيات، قال: لا يا أمير المؤمنين، بل إنما الذي قال فيّ علي بن جبلة-أو قال: الشاعر-: [من الطويل]
أبا دلف يا أكذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب
فأعجب المأمون بذلك، ورضي عنه.
ويقال: إن المأمون لما بلغته هذه القصيدة .. غضب وقال: اطلبوا ابن جبلة حيث ما كان، وائتوني به، فلم يقدروا عليه؛ لأنه كان مقيما بالجبل، فلما اتصل به هذا الخبر .. هرب إلى الجزيرة الفراتية، وقد كان يكتب فيه إلى الآفاق: أن يؤخذ حيث كان، فهرب من الجزيرة حتى توسط البلدان الشامية، فظفروا به، وحملوه مقيدا إلى المأمون، فلما وصل إليه .. قال له: يا ابن اللخناء؛ أنت القائل في قصيدتك للقاسم بن عيسى-يعني أبا دلف-: [من المديد]
كل من في الأرض من عرب ...
إلى آخر البيتين.
جعلتنا ممن يستعير المكارم والافتخار به؟ ! قال: يا أمير المؤمنين؛ أنتم أهل بيت لا يقاس بكم؛ لأن الله تعالى اختصكم لنفسه على عباده، وآتاكم الكتاب والحكمة، وآتاكم ملكا عظيما، وإنما ذهبت في قولي إلى أقران القاسم بن عيسى وأشكاله، قال: والله؛
стр. 927
ما أبقيت أحدا، ولقد أدخلتنا في الكل، وما أستحل دمك بكلمتك هذه، ولكني أستحله بكفرك في شعرك حيث قلت في عبد ذليل مهين، فأشركت بالله العظيم، وجعلت معه مالكا قادرا، وهو قولك: [من البسيط]
أنت الذي ينزل الأيام منزلها ... وينقل الدهر من حال إلى حال
فما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
ذلك الله يفعله، أخرجوا لسانه من قفاه، فأخرجوا لسانه من قفاه فمات في سنة ثلاث عشرة ومائتين.
قال ابن خلكان: (كذا ذكره ابن المعتز في قضيته مع المأمون، ورأيت في كتاب «البارع في أخبار الشعراء المولدين» تأليف ابن المنجم هذين البيتين لخلف بن مرزوق مولى علي بن ريطة، والله أعلم، مع بيت ثالث وهو:
تزور سخطا فتمسي البيض راضية ... وتستهل فتبكي أعين المال
والله أعلم بالصواب) اه (١)
قال الشيخ اليافعي: (ولقد أبدع في هذا البيت بجمعه بين وصفين محمودين، وهما الكرم والشجاعة مع حسن المقابلة؛ فالشجاعة في نصف الأول؛ يعني: تقصد الأعداء، فتمسي السيوف راوية بدمائهم، فكنى عن ريّها برضاها، ونصف الآخر بالكرم؛ أي:
تضحك استبشارا بالضيفان، فتعقر وتذبح لهم السمان، وفي ضمن ذلك بكاؤها بما عرض لها من الأحزان) (٢).
١٠٤٥ - [الأمير حميد الطوسي] (٣)
حميد بن عبد الحميد الطوسي الأمير الكبير، مدحه علي بن جبلة الشاعر، فقال له:
ما عسى أن تقول فينا بعد قولك في أبي دلف: [من المديد]
إنما الدنيا أبو دلف ....
стр. 928
الأبيات الأربعة التي في ترجمة علي بن جبلة؟ (١) فقال: أصلح الله الأمير، قد قلت فيك ما هو أحسن من هذا، قال: وما هو؟ فأنشده: [من مجزوء الرمل]
إنما الدنيا حميد ... وأياديه الجسام
فإذا ولى حميد ... فعلى الدنيا السلام
فتبسم ولم يرد جوابا، وأجمع من حضر المجلس من أهل المعرفة بالشعر أن هذا أحسن مما قاله في أبي دلف، فأعطاه وأحسن جائزته.
ومن قول علي بن جبلة في الأمير حميد المذكور: [من الوافر]
تكفّل ساكني الدنيا حميد ... فقد أضحوا له فيها عيالا
كأن أباه آدم كان أوصى ... إليه أن يعولهم فعالا
توفي حميد المذكور في عيد الفطر سنة عشر ومائتين، ورثاه علي بن جبلة المذكور بقصيدة يقول فيها: [من الطويل]
فأدبنا ما أدب الناس قبلنا ... ولكنه لم يبق للصبر موضع
ورثاه أبو العتاهية بقوله: [من الطويل]
أبا غانم أما فناك فواسع ... وقبرك معمور الجوانب محكم
وما ينفع المقبور عمران قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم
قال الشيخ اليافعي: (لفظ «فناك» في أول البيت الأول ليس هو في الأصل المنقول منه، وإنما فيه: «دارك» وهو لا يتزن، فأبدلته ب «فناك») (٢).
١٠٤٦ - [الأمير ابن حميد الطوسي] (٣)
محمد بن حميد الطوسي الأمير ابن الأمير.
стр. 929
قتله بابك في سنة أربع عشرة ومائتين، وفض جموعه، ورثاه أبو تمام الطائي بأبيات حسنة، منها: [من الطويل]
توفّيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السّفر السّفر
وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخرا لمن أمسى وليس له ذخر
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
يحكى أن أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي استنشد أبا تمام هذه القصيدة فأنشده، فلما بلغ هذه الأبيات .. بكى أبو دلف وقال: وددت أنها فيّ، فقال أبو تمام: بل يطيل الله عمر الأمير، فقال أبو دلف: لم يمت من قيل فيه هذا.
١٠٤٧ - [إسحاق بن عيسى الطباع] (١)
إسحاق بن عيسى الطباع أبو يعقوب البغدادي الحافظ.
سمع مالك بن أنس وغيره، وروى عنه محمد بن رافع، وزهير بن حرب وغيرهما.
روى له مسلم.
وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين.
١٠٤٨ - [أبو زيد الأنصاري] (٢)
أبو زيد الأنصاري، واسمه: سعيد بن أوس البصري اللغوي.
كان من أئمة الأدب، وغلبت عليه اللغات والنوادر والغريب، وكان ثقة في روايته، وله في الأدب مصنفات مفيدة تقارب عشرين مصنفا.
قال له الأصمعي: أنت رئيسنا وسيدنا منذ ثلاثين سنة.
стр. 930
وكان الثوري يقول: الأصمعي أحفظ الناس، وأبو عبيدة أجمعهم، وأبو زيد الأنصاري أوثقهم.
وكان النضر بن شميل يقول: كنا في كتّاب واحد أنا وأبو زيد الأنصاري وأبو محمد اليزيدي.
قال بعضهم: كان الأصمعي يحفظ ثلث اللغة، وكان أبو زيد يحفظ ثلثيها.
وكان صدوقا صالحا.
توفي سنة أربع-أو خمس-عشرة ومائتين، عمّر ﵀ حتى قارب المائة.
١٠٤٩ - [عمرو بن مسعدة الكاتب] (١)
أبو الفضل عمرو بن مسعدة بن سعيد الكاتب أحد وزراء المأمون.
كان كاتبا فصيحا بليغا، جزل العبارة وجيزها، سديد المقاصد والمعاني.
أمره المأمون أن يكتب لشخص كتابا إلى بعض العمال بالوصية عليه والاعتناء بأمره، فكتب له: كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معنيّ لمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصله، والسلام.
وقيل: إن هذا من كلام الحسن بن وهب.
يحكى أنه تزوجت أم بعض الرؤساء، فساءه ذلك، فكتب إليه أبو الفضل المذكور:
الحمد لله الذي كشف عنا ستر الحيرة، وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومنع من عضل الأمهات، كما منع من وأد البنات؛ استنزالا للنفوس الأبية عن الحمية حمية الجاهلية، ثم عرّض لجزيل الأجر من استسلم لوقائع قضائه، وعوض جزيل الذخر من صبر على نازل بلائه، وهنّاك الذي شرح للتقوى صدرك، ووسّع في البلوى صبرك، وألهمك التسليم لمشيئته، والرضى بقضيته، فلما قرأها ذلك الرئيس .. تسلى بها، وذهب عنه ما كان يجده.
وكتب إلى المأمون: كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قواده وسائر أجناده في
стр. 931
الانقياد والطاعة على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، وانقياد كفاة تراخت عطياتهم، واختلت لذلك أحوالهم، والتاثت معه أمورهم، فلما قرأه .. قال المأمون:
سمعت الرشيد يقول: البلاغة التباعد عن الإطالة، والتقرب من معنى البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى-أو قال: على الكثير من المعنى-وما كنت أعلم أن أحدا يقدر على المبالغة في هذا المعنى حتى قرأت هذا الكتاب، وقال: إن استحساني إياه بعثني على أن أمرت للجند قبله بعطياتهم لسبعة أشهر.
وتوفي المذكور سنة أربع-أو خمس-عشرة ومائتين.
١٠٥٠ - [الأخفش الأوسط] (١)
أبو الحسن سعيد بن مسعدة النحوي البجلي المجاشعي-نسبة إلى مجاشع بن دارم بطن من تيم-المعروف بالأخفش الأوسط، والأخفش: هو صغير العينين مع سوء بصرهما، وكان يقال له: الأخفش الأصغر، فلما ظهر علي بن سليمان البغدادي النحوي المعروف بالأخفش الصغير الآتي ذكره في آخر هذه المائة (٢) .. عرف هذا بالأخفش الأوسط.
والأوسط المذكور كان من أئمة العربية، أخذ النحو عن سيبويه، وهو الذي زاد في العروض واحدا من البحور على ما ذكره الخليل المشهور، وللأخفش عدة مصنفات، منها: كتاب «الأوسط» في النحو، وكتاب «تفسير معاني القرآن»، وكتاب «الاشتقاق» وغير ذلك.
وكان أجلع، وهو الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه.
توفي سنة أربع-أو خمس-عشرة ومائتين.
١٠٥١ - [محمد بن عبد الله الأنصاري] (٣)
محمد بن عبد الله الأنصاري، قاضي البصرة وعالمها وسيدها، وهو من كبار شيوخ البخاري.
стр. 932
توفي سنة أربع-أو خمس-عشرة ومائتين وعمره سبع وتسعون سنة.
١٠٥٢ - [محمد بن المبارك الصوري] (١)
محمد بن المبارك الصوري الشامي القلانسي أبو عبد الله الحافظ، صاحب سعيد بن عبد العزيز.
سمع يحيى بن حمزة، ومعاوية بن سلام، وغيرهما.
وروى عنه، عبد الله الدارمي، وإسحاق بن منصور وغيرهما.
توفي سنة خمس عشرة ومائتين.
قال الشيخ اليافعي: (وقد يشتبه بمحمد بن المبارك الصوري الذي تشفعت به شجرة الرمان إلى إبراهيم بن أدهم أن يتناول منها شيئا، كما تقدم في ترجمة إبراهيم بن أدهم، لكن صاحب ابن أدهم هذا توفي قبل هذا التاريخ بثلاث وخمسين سنة، توفي سنة اثنتين وستين ومائة، قال: ويحتمل أنه هو) اه (٢)
١٠٥٣ - [مكي بن إبراهيم البرجمي] (٣)
مكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد البرجمي التميمي الحنظلي البلخي أبو السّكن.
سمع يزيد بن أبي عبيد، وابن جريج وغيرهما.
روى عنه محمد بن المثنى، ومحمد بن حاتم، والبخاري وغيرهم.
ولد سنة ست وعشرين ومائة، وتوفي سنة أربع-أو خمس-عشرة ومائتين.
стр. 933
١٠٥٤ - [قبيصة بن عقبة السّوائي] (١)
قبيصة بن عقبة الكوفي الحافظ أبو عامر العابد.
كان يقال له: راهب الكوفة، وكان عباد بن السري إذا ذكره دمعت عيناه.
توفي سنة أربع عشرة ومائتين.
١٠٥٥ - [علي بن الحسن القيسي] (٢)
علي بن الحسن بن شقيق بن دينار القيسي مولاهم أبو عبد الرحمن، أصله من البصرة، وقدم جده شقيق إلى مرو.
سمع علي المذكور عبد الله بن المبارك وغيره، وروى عنه البخاري، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ وغيرهما.
وكان حافظا، كثير العلم، كتب الكثير، حتى كتب التوراة والإنجيل، وجادل اليهود.
وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين.
١٠٥٦ - [يحيى بن حماد الشيباني] (٣)
يحيى بن حماد الشيباني مولاهم البصري الحافظ أبو بكر.
سمع أبا عوانة، وشعبة، وعبد العزيز بن المختار وغيرهم.
روى عنه البخاري بواسطة، وبغير واسطة، وروى عنه إسحاق الحنظلي، وإسحاق بن منصور وغيرهم.
وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين.
стр. 934
١٠٥٧ - [الحسين بن محمد المروزي] (١)
الحسين بن محمد بن بهرام التميمي المروزي المعلم أبو أحمد، نزيل بغداد.
سمع شيبان بن عبد الرحمن، وجرير بن حازم وغيرهما.
وروى عنه زهير بن حرب، ومحمد بن رافع وغيرهما.
وتوفي سنة أربع عشرة ومائتين.
١٠٥٨ - [معاوية بن عمرو الأزدي] (٢)
معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي البغدادي أبو عمرو.
سمع زائدة، وإبراهيم الفزاري وغيرهما.
وروى عنه عمرو الناقد، وزهير بن حرب، وروى عنه البخاري بواسطة، وبغير واسطة.
وتوفي ببغداد سنة أربع عشرة ومائتين في جمادى الأولى.
١٠٥٩ - [زبيدة بنت جعفر] (٣)
زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، زوجة هارون الرشيد، وأم ولده محمد الأمين، كان اسمها أمة العزيز، فلقبها جدها المنصور زبيدة؛ لبياضها ونضارتها، وكان لها صدقات جزيلة، وخيرات كثيرة، ومعروف كثير.
ذكر ابن الجوزي أنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الراوية عندهم بدينار، فأجرت العين إلى مكة من مسافة بعيدة (٤).
стр. 935
قال الشيخ اليافعي: (وهذه العين التي أجرتها آثارها باقية، مشتملة على عمارة عظيمة يتنزه برؤيتها على يمين الذاهب إلى منى من مكة، ذات بنيان محكم في الجبال، تقصر العبارة عن وصف حسنه، وينزل الماء منه إلى مصنع تحت الأرض عميق ذي درج كثيرة جدا، لا يوصل إلى قراره إلا بهبوط كثير كالبئر، يسمونه: المظلمة، يفزع بعض الناس إذا نزل فيه وحده نهارا، فضلا عن الليل) اه (١)
وعملت عقبه البستان، فقال لها وكيلها: يلزمك نفقة كثيرة، فقالت: اعمل ولو كانت ضربة فأس بدينار.
قالوا: وكان لها مائة جارية يحفظن القرآن، ولكل واحدة ورد غير القرآن، فكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن.
قال الطبري: (أعرس بها هارون سنة خمس وستين ومائة) اه (٢)
وعاشت بعد الرشيد فوق عشرين سنة، وتوفيت سنة ست-أو سبع-عشرة ومائتين، ورئيت لها بعد موتها منامات تدل على حسن منقلبها، منها: ما ذكره القشيري في «رسالته»: (أنها رئيت في المنام فقيل لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لي، فقيل لها: بصدقاتك وفعلك للخير، وإجرائك الماء إلى مكة؟ قالت: أما إن تلك أموال رجعت إلى أربابها، ولكن غفر لي بنيتي) (٣).
١٠٦٠ - [حبّان بن هلال الباهلي] (٤)
حبان-بفتح المهملة، ثم موحدة-بن هلال الباهلي-ويقال: الكناني-البصري أبو حبيب.
سمع همام بن يحيى، وشعبة، وحماد بن سلمة وغيرهم.
وروى عنه أحمد الدارمي، وإسحاق بن منصور وغيرهما.
وتوفي في رمضان سنة ست عشرة ومائتين.
стр. 936
١٠٦١ - [موسى بن داود الخلقاني] (١)
موسى بن داود الضبي، أبو عبد الله، أصله من الكوفة، وسكن بغداد، وكان على قضاء طرسوس، ويعرف بالخلقاني.
سمع سليمان بن بلال وغيره، وروى عنه محمد بن أحمد بن أبي خلف وغيره.
وتوفي سنة ست-أو سبع-عشرة ومائتين على خلاف.
١٠٦٢ - [الأصمعي] (٢)
أبو سعيد عبد الملك بن قريب الباهلي المعروف بالأصمعي، الأخباري اللغوي البصري الإمام العلامة المشهور، صاحب النوادر والملح، والغرائب والأشعار.
وعن الأصمعي قال: أحفظ ستة عشر-أو أربعة عشر-ألف أرجوزة، منها المائة، والمئتان.
ومن أعجب ما يحكى من حفظه: ما ذكره في «المقتبس» عن ابن دريد أو أبي حاتم قال: كنا عند الحسن بن سهل وبالحضرة جماعة من أهل العلم، منهم: جرير بن حازم، ومعمر بن المثنى، والأصمعي، والهيثم بن عدي في جماعة من هذا السن، وحاجب الحسن يعرض عليه القصص، وهو يوقع في كل قصة ما ينبغي لها حتى أمرّ خمسين قصة، فلما تقصى ما بين يديه .. أقبل علينا وقال: قد فعلنا في يومنا هذا خيرا كثيرا، ووقعنا في هذه القصص بما فيه فرح لأهلها، ونرجو أن نكون مثابين مشكورين، فأفيضوا بنا في حق أنفسنا نتذاكر العلم، فأخذوا في ذكر الحفاظ من أصحاب الحديث، كالزهري والشعبي وقتادة وشعبة وسفيان، فقال أبو عبيدة: وما الحاجة إلى ذكر هؤلاء الجلة وما ندري أصدق المخبر عنهم أم كذب؟ ! إن في الحضرة رجلا يزعم أنه ما نسي شيئا، وأنه ما يحتاج أن يعيد
стр. 937
نظره في دفتر، إنما هي نظرة، ثم قد حفظ ما فيه، يعرّض بالأصمعي، ثم قال الحسن:
نعم يا أبا سعيد، يجيء من هذا بما ينكر جدا؟ فقال الأصمعي: نعم أصلحك الله، ما أحتاج أن أعيد النظر في دفتر، وما أنسيت شيئا قط، فقال الحسن: فنحن نجرب هذا القول بواحدة، يا غلام؛ هات الدفتر الفلاني؛ فإنه يجمع كثيرا مما قد أنشدتناه وحدثتناه، فأدبر الغلام ليأتي بالدفتر، فقال الأصمعي: أعزك الله، وما حاجة إلى هذا؟ أنت وقعت على خمسين قصة، أنا أعيد القصص التي مرت، وأسماء أصحابها، وتوقيعاتها كلها، فامتحن ذلك بالنظر إليها، فأكبر ذلك من حضر، وعجبوا واستضحكوا، وكان الحسن قد عارض بتلك التوقيعات وأثبتها في دفتر البيت، فقال الحسن: يا غلام؛ اردد القصص، فردّت وقد شدت في خيط كي تحفظ، فابتدأ الأصمعي فقال: القصة الأولى لفلان بن فلان، قصته كذا وكذا، ووقعت أعزك الله كذا وكذا، حتى أنفذ على هذا السبيل سبعا وأربعين قصة، فقال الحسن: يا هذا؛ حسبك الساعة، والله أقتلك-يعني: أصيبك بعيني-يا غلام؛ خمسين ألفا فأحضرها بدرا، ثم قال: يا غلمان؛ احملوا معه إلى منزله، فتبادر الغلمان بحملها، فقال: أصلحك الله، تنعم بالحامل، كما أنعمت بالمحمول، قال: هم لك، ولست منتفعا بهم، واشتريتهم منك بعشرة آلاف درهم، احمل يا غلام مع أبي سعيد ستين ألفا، قال: فحملت معه، وانصرف الباقون بالخيبة.
أصله من البصرة، ثم قدم بغداد في أيام الرشيد، وسبب قدومه ومعرفته بالرشيد ما ذكر في «المقتبس» أيضا: أنه لما قدم الرشيد البصرة .. قال جعفر بن يحيى للصباح بن عبد العزيز: قد عزم أمير المؤمنين على الركوب في زلال في نهر الأيلة، ثم يخرج إلى دجلة، ويرجع في نهر معقل، وأحب أن يكون معه رجل عالم بالقصور والأنهار والقطائع؛ ليقصها له، فقال: لا أعرف من يفي بهذا ويصلح له غير الأصمعي، قال: فأتني به، فأتيته به، فتحدث بين يدي جعفر، فأضحكه وأعجبه، فأدخله إلى الرشيد، فركب معه، فجعل لا يمر بنهر ولا بأرض إلا خبر بأصلها وفرعها، وسمى الأنهار، ونسب القطائع، فقال الرشيد لجعفر: ويحك، ما رأيت مثل هذا قط! من أين غصت عليه؟ ! فلما قارب البصرة .. قال للرشيد: والذي شرفني بخطابك؛ إن لي من كل ما مررت به موضع قدم، فضحك الرشيد وقال: اشتر له يا جعفر أرضا، فاشترى له بنهر الأيلة أربعة عشر جريبا بألف وأربع مائة دينار، وكان جعفر قد نهاه عن سؤال الرشيد، ووعده بكل ما يريد، فقال: أما نهيتك عن سؤاله؟ ! قال: انتهزت الفرصة، فأخبرته خبري، فكرم.
стр. 938
قال: رأيت بالبادية شيخا قد سقط حاجباه على عينيه، فسألته عن سنه فقال: مائة وعشرون سنة، فقلت: أرى منك بقية، قال: تركت الحسد، فبقي على الجسد، فقلت له: هل قلت شيئا؟ قال: بيتين في إخواني، فاستنشدته فقال: [من الطويل]
ألا أيها الموت الذي ليس تاركي ... أرحني فقد أفنيت كل خليل
أراك بصيرا بالذين أحبهم ... كأنك تنحو نحوهم بدليل
دخل العباس بن الأحنف على الرشيد وعنده الأصمعي، فقال له الرشيد: أنشدنا من ملحك الغريبة، فأنشده: [من الهزج]
إذا ما شئت أن تصن ... ع شيئا يعجب الناسا
فصور ههنا فوزا ... وصور ثمّ عباسا
ودع بينهما شبرا ... وإن زدت فلا باسا
فإن لم يدنوا حتى ... ترى رأسهما راسا
فكذبهما وكذبه ... بما قاست وما قاسا
فلما خرج العباس .. قال: يا أمير المؤمنين؛ مسترق من العرب والعجم، فقال الرشيد: ما كان من العرب؟ قلت: رجل يقال له: عمر، هوي جارية يقال لها: قمر، فقال يشبّب: [من الهزج]
إذا ما شئت أن تصن ... ع شيئا يعجب البشرا
فصور ههنا قمرا ... وصور ههنا عمرا
فإن لم يدنوا حتى ... ترى بشريهما بشرا
فكذبها بما ذكرت ... وكذبه بما ذكرا
فقال: فما كان من العجم؟ قلت: رجل يقال له: فلق-بسكون اللام بين الفاء المفتوحة والقاف-هوي جارية يقال لها: روق، فقال: [من الهزج]
إذا ما شئت أن تصن ... ع شيئا يعجب الخلقا
فصور ههنا روقا ... وصور ههنا فلقا
فإن لم يدنوا حتى ... ترى خلقيهما خلقا
فكذّبها بما لقيت ... وكذبه بما يلقا
стр. 939
قال: فبينما نحن كذلك؛ إذ دخل الحاجب فقال: عباس بالباب، فقال: ائذن له، فدخل، فقال: يا عباس؛ تسرق معاني الشعر وتدعيه؟ فقال: ما سبقني إليه أحد، فقال: هذا الأصمعي يحكيه عن العرب والعجم، ثم قال: يا غلام؛ ادفع الجائزة إلى الأصمعي، قال: فلما خرجنا .. قال العباس: كذبتني وأبطلت جائزتي، فقلت: أتذكر يوم كذا وكذا؟ ثم أنشأ يقول: [من البسيط]
إذا وترت امرءا فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لم يحصد به عنبا
ويحكى عن الأصمعي أنه قال: مررت بالبادية، فوجدت امرأة حسنة تنزع من بئر وتنشد: [من الرجز]
أستغفر الله لذنبي كلّه ... قتلت إنسانا لغير حلّة
مثل غزال كانس في ظله ... وقد مضى الليل ولم أمله
والخمر مفتاح لهذا كلّه
فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك وأبلغك! فقالت: وهل ترك القرآن لذي فصاحة بلاغة؟ ! فقلت لها: أتقرءين القرآن؟ قالت: نعم، وأعرف آية جمعت أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، فقلت: وما هي؟ قالت: قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.﴾
قال الأصمعي: قال لي الرشيد ليلة وهو يسير في قبة: حدثني، قلت: يا أمير المؤمنين؛ إن مزرد بن ضرار كان شاعرا مليحا ظريفا، وإن أمه كانت تبخل عليه بزادها، وإنها غابت عن بيتها يوما، فوثب مزرد على ما في بيتها فأكله وقال: [من الطويل]
ولما غدت أمي تزور بناتها ... أغرت على العكم الذي كان يمنع
خلطت بصاعي عجوة صاع حنطة ... إلى صاع سمن فوقه يتربع
ودبّلت أمثال الأثافي كأنها ... رءوس نقاد مزقت لا تجمع
وقلت لبطني أبشر اليوم إنه ... حمى أمنا مما تصد وتجمع
فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع
فضحك الرشيد.
стр. 940
وسأل الرشيد يوما أهل مجلسه عن صدر هذا البيت:
............... ... ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه
فلم يعرفه أحد، فقال إسحاق الموصلي: الأصمعي عليل، وأنا أمضي إليه وأسأله عنه، فقال الرشيد: احملوا إليه ألف دينار لنفقته، قال: فجاءت رقعة الأصمعي وفيها:
أنشدني خلف الأحمر لأبي النشناش النهشلي: [من الطويل]
وسائلة أين الرحيل وسائل ... ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه
وداوية تيهاء يخشى به الردى ... سرت بأبي النشناش فيها ركائبه
ليدرك ثأرا أو ليكسب مغنما ... جزيلا وهذا الدهر جمّ عجائبه
وذكر القصيدة كلها.
كان الرشيد إذا ركب .. عادله الفضل بن الربيع، وكان الأصمعي يسير قريبا من الرشيد بحيث يحاذيه، وإسحاق الموصلي يسير قريبا من الفضل، وكان الأصمعي لا يحدث الرشيد شيئا إلا ضحك، فحسده إسحاق فقال للفضل: كل ما يقول كذب، فقال الرشيد: أي شيء يقول؟ فأخبره الفضل، فغضب الرشيد وقال: والله؛ إن كان ما يقول كذبا .. إنه لأظرف الناس، وإن كان حقا .. إنه لأعلم الناس.
ونوادر الأصمعي وغرائبه كثيرة. وكان ذا علم غزير، ومعرفة بالحديث والغريب.
روى عن سليمان التيمي، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وغيرهما.
وروى عنه نصر بن علي الجهضمي وغيره.
ومصنفاته تزيد على ثلاثين كتابا، ومن مسنده عن عائشة ﵂: «إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالبا» (١).
وبإسناده عن ابن عباس ﵄ في الكنز الذي ذكره الله تعالى في قصة الخضر:
(كان لوحا من ذهب مضروبا، مكتوبا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبا لمن يعرف الموت كيف يفرح؟ ! ولمن يعرف النار كيف يضحك؟ ! ولمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ ! ولمن يؤمن بالقضاء والقدر كيف ينصب في طلب الرزق؟ ! ولمن يؤمن
стр. 941
بالحساب كيف يعمل الخطايا؟ ! لا إله إلا الله محمد رسول الله) (١).
وبإسناده عن سلمة بن بلال قال: قال علي ﵁: [من الهزج]
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
وللشيء على الشيء ... مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وقال: عن عمر ﵁ قال: هذا المال لا يصلحه إلا ثلاث: أخذه من حله، ووضعه في حقه، ومنعه من السرف.
وقال: لقي عمر بن الخطاب ﵁ بطريق الحرة رجلا فقال له: ما اسمك؟ قال: طارق، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال:
أين منزلك؟ قال: بحرة النار، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، قال: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع إلى أهله، فوجدهم قد احترقوا.
وبإسناده قال ﷺ : «من أنعم الله نعمة عليه .. فليحمد الله، ومن استبطأ الرزق .. فليستغفر الله، ومن حزبه أمر .. فليقل: لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢).
توفي الأصمعي ﵀ سنة ست عشرة ومائتين.
قال أبو أحمد العسكري: وقد حرص المأمون على الأصمعي وهو بالبصرة أن يصير إليه، فلم يفعل، واحتج بضعفه وكبره، فكان المأمون يجمع المشكل من المسائل، ويسيّر ذلك إليه، فيجيب عنه.
قال أبو العيناء: أنشدني أبو العالية الشامي-يعني يرثي الأصمعي-: [من البسيط]
لا در در بنات الأرض إذ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلفا
стр. 942
قال الشيخ اليافعي: (وقد روي عن أبي العيناء في ذم الأصمعي عن أبي قلابة بيتان يضادان ما مدح به في هذين البيتين) (١).
١٠٦٣ - [حجاج بن منهال] (٢)
حجاج بن منهال البصري السلمي مولاهم الأنماطي أبو محمد.
سمع شعبة، وجرير بن حازم، وابن عيينة وغيرهم.
روى عنه البخاري، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وغيرهما.
وتوفي سنة سبع عشرة ومائتين.
١٠٦٤ - [سريج بن النعمان] (٣)
سريج-أوله سين مهملة، وآخره جيم-ابن النعمان البغدادي الجوهري أبو الحسن.
سمع فليح بن سليمان وغيره، وروى عنه البخاري بواسطة، وبغير واسطة.
وتوفي سنة سبع عشرة ومائتين.
١٠٦٥ - [الأمير عبيد الله بن الحسن العلوي] (٤)
عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب.
ولي إمارة الحرمين للمأمون سنة، وحج بالناس سنتين.
قال الفاكهي: (وهو أول من فرغ المطاف للنساء بعد العصر، فطفن وحدهن لا يخالطهن الرجال) (٥).
ثم عزله المأمون عن ولاية الحرمين، فقدم عليه بغداد، فمات بها في زمن المأمون.
стр. 943
١٠٦٦ - [ابن هشام صاحب السّيرة] (١)
عبد الملك بن هشام البصري الحميري الأصل، اليمني المعافري، صاحب المغازي، الذي هذب سيرة ابن إسحاق ولخصها، كان أديبا أخباريا.
سكن مصر، وبها توفي في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين.
١٠٦٧ - [بشر المريسي] (٢)
بشر المريسي، نسبة إلى مريس، قيل: قرية من قرى مصر، وقيل: من بلاد النوبة وأسوان، وقيل: بل هو منسوب إلى درب المريس ببغداد حيث كان يسكن.
كان رأس الضلالة، داعيا إلى البدعة من القول بخلق القرآن وغير ذلك من العقائد الفاسدة المخالفة لمذهب أهل الحق. قيل: وكان مرجئا، وإليه تنسب الطائفة المريسية من المرجئة.
قيل: كان أبوه يهوديا صباغا بالكوفة.
ناظر بشر الإمام الشافعي ﵀، وكان لا يعرف النحو، ويلحن لحنا فاحشا.
توفي سنة ثمان عشرة ومائتين.
١٠٦٨ - [أبو مسهر] (٣)
عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الغساني من أنفسهم الدمشقي أبو مسهر.
سمع محمد بن حرب الأبرش، ويحيى بن حمزة، وسعيد بن عبد العزيز وغيرهم.
стр. 944
وروى عنه محمد بن يوسف البيكندي، وإسحاق بن منصور وغيرهما.
حبس في المحنة حتى مات ببغداد في الحبس في رجب سنة ثمان عشرة ومائتين.
١٠٦٩ - [عبد الله بن يوسف التنيسي] (١)
عبد الله بن يوسف التنيسي أبو محمد، أصله من دمشق.
سمع مالكا، والليث، ويحيى بن حمزة، وعبد الله بن سالم الحمصي وغيرهم.
وروى عنه البخاري في مواضع من «صحيحه».
قال البخاري: (لقيته بمصر سنة سبع عشرة ومائتين، قال: وقال لي الحسن بن عبد العزيز: مات عبد الله بن يوسف سنة سبع-أو ثمان-عشرة ومائتين) (٢).
وذكر الذهبي: أنه توفي في سنة ثمان عشرة.
١٠٧٠ - [يحيى بن عبد الله البابلتّي] (٣)
يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتّي.
قال الحافظ الرشيد رحمه الله تعالى: روى عن الأوزاعي وغيره، وروى عنه سلمة بن شبيب، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني.
تكلم فيه غير واحد، واستشهد به البخاري في (كتاب الحج) (٤).
قال أبو أحمد الكرابيسي: يعرف بالبابلتي، وهي قرية بين حران والرقة.
وذكر ابن أبي حاتم أنه من باب لت، قال: (وهو رازي قدم حران، قيل له: من أين أنت؟ قال: من الري، من موضع يقال له: باب لت، فقيل له: البابلتي، فغلب عليه) (٥).
ذكره الذهبي فيمن توفي سنة ثمان عشرة ومائتين.
стр. 945
١٠٧١ - [الخليفة المأمون] (١)
عبد الله المأمون بن هارون الرشيد الخليفة العباسي، كان يكنى أبا العباس، فتكنى في خلافته بأبي جعفر تشبها بالمنصور؛ لجلالته في أنفسهم، وتفاؤلا بطول أيامه، أمه أم ولد، سوداء، يقال لها: مراجل.
كان ذا رأي وعقل، ودهاء وشجاعة، وكرم وحلم، ومعرفة بعلم الأدب وعلوم أخرى.
كان من أذكياء العالم، ومما يحكى من ذكائه وحسن أدبه: أن أباه الرشيد كان يميل إليه أكثر من أخيه الأمين، وكانت زبيدة أم الأمين تغار من ذلك، وتوبخ الرشيد على ميله إلى ابن الجارية، فقال لها على سبيل الاعتذار: سأبين لك من حالهما ما تعذريني به، فاستدعى الأمين وكانت عنده مساويك، فقال له: ما هذه يا محمد؟ قال: مساويك، فقال:
اذهب، ثم استدعى المأمون وقال له: ما هذه يا عبد الله؟ فقال: ضد محاسنك يا أمير المؤمنين، ويروى أنه قال له: مساويء أعدائك يا أمير المؤمنين، وزبيدة تسمع كل ذلك، فقبلت عذره.
وكان قد عهد بالخلافة للأمين، ثم من بعده للمأمون، وجعل للمأمون خراسان وما والاها، وكتب بذلك كتابا، وعلقه بالكعبة، فلما مات الرشيد، وولي الأمين .. خلع أخاه المأمون، وحصل بينهما من القتال ما هو مشهور، وفي غير هذا الموضع مذكور، فقتل الأمين أول سنة ثمان وتسعين، وبويع المأمون بمرو في سادس صفر من السنة المذكورة، وكان قد ترك شعار آل العباس من لبس السواد، وعهد بالخلافة لعلي بن موسى الرضى، وأمر بلبس الخضرة، فخالف عليه بنو العباس ببغداد، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي، ثم دخل المأمون بغداد، وظفر بإبراهيم وعفا عنه، وامتحن العلماء في آخر عمره، وألزمهم اعتقاد أن القرآن مخلوق.
وتوفي بطرسوس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين بعد أن عهد
стр. 946
بالخلافة لأخيه المعتصم، فمدة ولايته عشرون سنة وأشهر، وعمره ثمان وأربعون سنة وأربعة أشهر.
١٠٧٢ - [الفضل بن دكين] (١)
أبو نعيم الفضل بن دكين، و (دكين) لقب والده عمرو بن حماد بن زهير القرشي، مولاهم الأحوال الملائي الكوفي مولى طلحة بن عبيد الله.
سمع الأعمش، والثوري، ومالكا، وابن عيينة وغيرهم.
وروى عنه البخاري بواسطة، وبغير واسطة، وروى عنه حجاج بن الشاعر، وعبد بن حميد وغيرهم.
قال ابن معين: ما رأيت أثبت من أبي نعيم وعفان.
وقال أحمد: كان يقظا في الحديث عارفا، وقام في الامتحان بما لم يقم به غيره، وكان أعلم من وكيع بالرجال وأنسابهم، ووكيع أكبر منه بسنة.
وقال غيره: لما امتحنوه .. قال: والله؛ عنقي أهون عليّ من زري هذا، ثم قطع زره ورمى به.
ولد سنة ثلاثين ومائة، ومات سنة تسع-أو ثمان-عشرة ومائتين.
١٠٧٣ - [مالك بن إسماعيل النهدي] (٢)
مالك بن إسماعيل بن زياد بن درهم بن غسان النهدي مولى تيم، أمه ابنة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان.
سمع زهير بن معاوية، وإسرائيل، وابن عيينة وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وهارون بن عبد الله.
وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين.
стр. 947
١٠٧٤ - [علي بن عياش الألهاني] (١)
علي بن عياش-بمعجمة آخره-الألهاني الحمصي.
سمع شعيب بن أبي حمزة، وحريز بن عثمان، وأبا غسان محمد بن مطرف وغيرهم، وروى عنه البخاري في مواضع من «صحيحه».
وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين.
١٠٧٥ - [أبو بكر الحميدي] (٢)
عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد الحميدي-نسبة إلى جده المذكور-القرشي المكي أبو بكر.
سمع سفيان بن عيينة، وجالسه تسع عشرة سنة أو نحوها، وكان أثبت الناس فيه، وسمع الوليد بن مسلم، ووكيعا وغيرهما.
وروى عنه البخاري في أول حديث في «صحيحه»، ثم أكثر الرواية عنه.
وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين.
١٠٧٦ - [عبيد الله بن صالح] (٣)
عبيد الله بن صالح بن أبي عفان أبو محمد الكوفي.
كان فقيها عارفا مقرئا مجتهدا عارفا بالقراءة لا سيما قراءة حمزة، وليس بينه وبين حمزة إلا رجلان، وكان يقرأ أيضا بحرف عاصم، وكان مجيد القراءة بالطريقين، نسيج وحده عبادة وفضلا.
سكن صنعاء إلى أن توفي بها لبضع عشرة ومائتين.
стр. 948
خرج مرة من صنعاء إلى سعوان لبعض حوائجه، فرصده شخص، فإذا هو لم يتوضأ في اليوم والليلة إلا مرة واحدة وقت الظهر، وكان يقرئ الناس في مسجد صنعاء.
١٠٧٧ - [آدم بن أبي إياس] (١)
آدم بن أبي إياس-واسمه: عبد الرحمن بن محمد بن الحسن مولى تيم أو تميم- الخراساني الأصل، وسكن عسقلان.
سمع شعبة، والليث، وإسرائيل بن يونس وغيرهم، وروى عنه البخاري وغيره.
وكان صالحا قانتا لله، ولما احتضر .. قرأ ختمة، ثم قال: لا إله إلا الله، وفارق الدنيا، وتوفي سنة عشرين ومائتين.
١٠٧٨ - [عبد الله بن جعفر الرقّي] (٢)
عبد الله بن جعفر بن غيلان الرقّي مولى عقبة بن أبي معيط.
سمع المعتمر بن سليمان، وعبيد الله بن عمرو وغيرهما.
وروى عنه الفضل بن يعقوب، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وعمرو الناقد وغيرهم.
وتوفي سنة عشرين ومائتين.
١٠٧٩ - [عفان بن مسلم الصفار] (٣)
عفان بن مسلم الصفار الأنصاري أبو عثمان مولى عزرة بن ثابت الحافظ البصري.
سمع وهيب بن خالد، وصخر بن جويرية وغيرهما.
стр. 949
وروى عنه البخاري، ومحمد بن سعد، ومحمد بن عبد الله وغيرهم، وكان أحد أركان الحديث.
قال يحيى بن معين: أصحاب الحديث خمسة: ابن جريج ومالك والثوري وشعبة وعفان.
وقال ابن حنبل: كتب المأمون إلى متولي بغداد يمتحن الناس، وكتب: إن لم يجب عفان .. فاقطع رزقه، وكان له في الشهر خمس مائة درهم، فلم يجبهم، فقطعوه فقال:
﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ.﴾
توفي ببغداد سنة عشرين ومائتين وهو ابن ست وثمانين سنة.
١٠٨٠ - [عبد الله بن رجاء الغدّاني] (١)
عبد الله بن رجاء بن المثنى الغداني مولاهم البصري أبو عمرو.
سمع شعبة، وإسرائيل، وهماما، وموسى بن عقبة وغيرهم.
وروى البخاري عنه في «صحيحه» بواسطة محمد غير منسوب، وبغير واسطة، وروى عنه سريج، وعمرو الناقد وغيرهم (٢).
وتوفي في آخر يوم من ذي الحجة سنة تسع عشرة-أو في أوائل سنة عشرين-ومائتين.
١٠٨١ - [قالون] (٣)
قالون المقرئ صاحب نافع، وقارئ أهل المدينة.
توفي سنة عشرين ومائتين.
стр. 950
١٠٨٢ - [الإمام الجواد] (١)
الشريف الجواد محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، أحد الأئمة الاثني عشر الذين تدعي الرافضة عصمتهم.
كان المأمون قد نوه بذكره، وزوجه ابنته أم الفضل، وزوج أباه علي الرضا ابنته الأخرى أم حبيبة.
وسكن الجواد بزوجته أم الفضل بنت المأمون المدينة، فكان المأمون ينفذ إليه في السنة ألف ألف، فلما توفي المأمون .. قدم الجواد إلى بغداد وافدا على المعتصم ومعه امرأته أم الفضل بنت المأمون، فتوفي ﵀ ببغداد في سنة عشرين ومائتين، فدفن عند جده موسى بن جعفر لخمس خلون من ذي الحجة، وصلّى عليه الواثق بن المعتصم، وحملت امرأته إلى قصر عمها المعتصم، فجعلت مع الحرم.
وكان الجواد يروي مسندا عن آبائه إلى علي بن أبي طالب ﵃ أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: «يا علي؛ ما حار-أو قال: ما خاب-من استخار، ولا ندم من استشار، يا علي؛ عليك بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، يا علي؛ اغد، فإن الله بارك لأمتي في بكورها» (٢) وكان يقول: من استفاد أخا في الله .. فقد استفاد بيتا في الجنة، والله سبحانه أعلم.
١٠٨٣ - [محمد بن خالد الجندي] (٣)
محمد بن خالد الجندي-بفتح الجيم والنون-الصنعاني المؤذن، ويقال: الكندي بكسر الكاف وسكون النون، كان فقيها مشهورا.