← Тараджим

Тараджим · id 29560

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الطيب بامخرمة

Полный текст (3 319 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بالخلافة لأخيه المعتصم، فمدة ولايته عشرون سنة وأشهر، وعمره ثمان وأربعون سنة وأربعة أشهر. ١٠٧٢ - [الفضل بن دكين] (١) أبو نعيم الفضل بن دكين، و (دكين) لقب والده عمرو بن حماد بن زهير القرشي، مولاهم الأحوال الملائي الكوفي مولى طلحة بن عبيد الله. سمع الأعمش، والثوري، ومالكا، وابن عيينة وغيرهم. وروى عنه البخاري بواسطة، وبغير واسطة، وروى عنه حجاج بن الشاعر، وعبد بن حميد وغيرهم. قال ابن معين: ما رأيت أثبت من أبي نعيم وعفان. وقال أحمد: كان يقظا في الحديث عارفا، وقام في الامتحان بما لم يقم به غيره، وكان أعلم من وكيع بالرجال وأنسابهم، ووكيع أكبر منه بسنة. وقال غيره: لما امتحنوه .. قال: والله؛ عنقي أهون عليّ من زري هذا، ثم قطع زره ورمى به. ولد سنة ثلاثين ومائة، ومات سنة تسع-أو ثمان-عشرة ومائتين. ١٠٧٣ - [مالك بن إسماعيل النهدي] (٢) مالك بن إسماعيل بن زياد بن درهم بن غسان النهدي مولى تيم، أمه ابنة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان. سمع زهير بن معاوية، وإسرائيل، وابن عيينة وغيرهم. وروى عنه البخاري، وهارون بن عبد الله. وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين.

стр. 947

١٠٧٤ - [علي بن عياش الألهاني] (١) علي بن عياش-بمعجمة آخره-الألهاني الحمصي. سمع شعيب بن أبي حمزة، وحريز بن عثمان، وأبا غسان محمد بن مطرف وغيرهم، وروى عنه البخاري في مواضع من «صحيحه». وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين. ١٠٧٥ - [أبو بكر الحميدي] (٢) عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد الحميدي-نسبة إلى جده المذكور-القرشي المكي أبو بكر. سمع سفيان بن عيينة، وجالسه تسع عشرة سنة أو نحوها، وكان أثبت الناس فيه، وسمع الوليد بن مسلم، ووكيعا وغيرهما. وروى عنه البخاري في أول حديث في «صحيحه»، ثم أكثر الرواية عنه. وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين. ١٠٧٦ - [عبيد الله بن صالح] (٣) عبيد الله بن صالح بن أبي عفان أبو محمد الكوفي. كان فقيها عارفا مقرئا مجتهدا عارفا بالقراءة لا سيما قراءة حمزة، وليس بينه وبين حمزة إلا رجلان، وكان يقرأ أيضا بحرف عاصم، وكان مجيد القراءة بالطريقين، نسيج وحده عبادة وفضلا. سكن صنعاء إلى أن توفي بها لبضع عشرة ومائتين.

стр. 948

خرج مرة من صنعاء إلى سعوان لبعض حوائجه، فرصده شخص، فإذا هو لم يتوضأ في اليوم والليلة إلا مرة واحدة وقت الظهر، وكان يقرئ الناس في مسجد صنعاء. ١٠٧٧ - [آدم بن أبي إياس] (١) آدم بن أبي إياس-واسمه: عبد الرحمن بن محمد بن الحسن مولى تيم أو تميم- الخراساني الأصل، وسكن عسقلان. سمع شعبة، والليث، وإسرائيل بن يونس وغيرهم، وروى عنه البخاري وغيره. وكان صالحا قانتا لله، ولما احتضر .. قرأ ختمة، ثم قال: لا إله إلا الله، وفارق الدنيا، وتوفي سنة عشرين ومائتين. ١٠٧٨ - [عبد الله بن جعفر الرقّي] (٢) عبد الله بن جعفر بن غيلان الرقّي مولى عقبة بن أبي معيط. سمع المعتمر بن سليمان، وعبيد الله بن عمرو وغيرهما. وروى عنه الفضل بن يعقوب، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وعمرو الناقد وغيرهم. وتوفي سنة عشرين ومائتين. ١٠٧٩ - [عفان بن مسلم الصفار] (٣) عفان بن مسلم الصفار الأنصاري أبو عثمان مولى عزرة بن ثابت الحافظ البصري. سمع وهيب بن خالد، وصخر بن جويرية وغيرهما.

стр. 949

وروى عنه البخاري، ومحمد بن سعد، ومحمد بن عبد الله وغيرهم، وكان أحد أركان الحديث. قال يحيى بن معين: أصحاب الحديث خمسة: ابن جريج ومالك والثوري وشعبة وعفان. وقال ابن حنبل: كتب المأمون إلى متولي بغداد يمتحن الناس، وكتب: إن لم يجب عفان .. فاقطع رزقه، وكان له في الشهر خمس مائة درهم، فلم يجبهم، فقطعوه فقال: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ.﴾ توفي ببغداد سنة عشرين ومائتين وهو ابن ست وثمانين سنة. ١٠٨٠ - [عبد الله بن رجاء الغدّاني] (١) عبد الله بن رجاء بن المثنى الغداني مولاهم البصري أبو عمرو. سمع شعبة، وإسرائيل، وهماما، وموسى بن عقبة وغيرهم. وروى البخاري عنه في «صحيحه» بواسطة محمد غير منسوب، وبغير واسطة، وروى عنه سريج، وعمرو الناقد وغيرهم (٢). وتوفي في آخر يوم من ذي الحجة سنة تسع عشرة-أو في أوائل سنة عشرين-ومائتين. ١٠٨١ - [قالون] (٣) قالون المقرئ صاحب نافع، وقارئ أهل المدينة. توفي سنة عشرين ومائتين.

стр. 950

١٠٨٢ - [الإمام الجواد] (١) الشريف الجواد محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، أحد الأئمة الاثني عشر الذين تدعي الرافضة عصمتهم. كان المأمون قد نوه بذكره، وزوجه ابنته أم الفضل، وزوج أباه علي الرضا ابنته الأخرى أم حبيبة. وسكن الجواد بزوجته أم الفضل بنت المأمون المدينة، فكان المأمون ينفذ إليه في السنة ألف ألف، فلما توفي المأمون .. قدم الجواد إلى بغداد وافدا على المعتصم ومعه امرأته أم الفضل بنت المأمون، فتوفي ﵀ ببغداد في سنة عشرين ومائتين، فدفن عند جده موسى بن جعفر لخمس خلون من ذي الحجة، وصلّى عليه الواثق بن المعتصم، وحملت امرأته إلى قصر عمها المعتصم، فجعلت مع الحرم. وكان الجواد يروي مسندا عن آبائه إلى علي بن أبي طالب ﵃ أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: «يا علي؛ ما حار-أو قال: ما خاب-من استخار، ولا ندم من استشار، يا علي؛ عليك بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، يا علي؛ اغد، فإن الله بارك لأمتي في بكورها» (٢) وكان يقول: من استفاد أخا في الله .. فقد استفاد بيتا في الجنة، والله سبحانه أعلم. ١٠٨٣ - [محمد بن خالد الجندي] (٣) محمد بن خالد الجندي-بفتح الجيم والنون-الصنعاني المؤذن، ويقال: الكندي بكسر الكاف وسكون النون، كان فقيها مشهورا.

стр. 951

روى عنه الإمام الشافعي ما رواه عن أبان بن صالح عن النبي ﷺ : «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهديّ إلا عيسى ابن مريم» (١). قال ابن سمرة: (روى هذا الخبر عن الشافعي يونس بن عبد الأعلى-وهو أحد أصحاب الشافعي-قال: وكان بعض الفقهاء يستدل بأن الشافعي دخل الجند، كما دخل صنعاء بروايته عن هذا محمد بن خالد الجندي) اه (٢) ومحمد بن خالد هذا وثقه ابن معين، وقال البيهقي: إنه مجهول. واعلم أنه اختلفت الرواية في هذا الحديث عن يونس: فروى الحافظ المزي بإسناده من طريق ابن زياد النيسابوري، ومن طريق ابن منده عن الحسن بن يوسف الطرائفي وأبي الطاهر بن عمرو، قالوا ثلاثتهم: حدثنا يونس، نا الشافعي، فصرح هؤلاء بحديث الشافعي ليونس (٣). وروى الحافظ الذهبي بسنده إلى أبي الطاهر أحمد بن محمد بن عمر المدني قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي، فرواه بالعنعنة. قال الحافظ الذهبي: وعندي «مسند يونس بن عبد الأعلى» من رواية أبي الطاهر المدني عنه، وفيه هذا الحديث قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: حدثت عن الشافعي. قال الذهبي: وروى أحمد بن محمد بن رشدين قال: حدثني علي بن عبيد الله الواسطي قال: رأيت الشافعي في المنام، فسمعته يقول: كذب علي يونس من حديث الجندي، ما هذا من حديثي، ولا أحدث به. اه وكذلك اختلف أيضا في شيخ محمد بن خالد الجندي في هذا الحديث: هل هو أبان بن صالح، كما ذكره ابن سمرة والذهبي في روايته المتقدمة عن أبي طاهر أحمد بن محمد بن عمر المدني، وكذلك رواه صامت بن معاذ: نا يحيى بن السكن، نا محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، أو هو أبان بن أبي عياش، كما رواه صامت المذكور عن

стр. 952

شيخ من أهل الجند، عن محمد بن خالد، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن؟ وكذلك اختلف في رواية الحسن: هل هي مرسلة عن النبي ﷺ ، كما ذكره ابن سمرة هنا، وكذلك رواها صامت بن معاذ في روايته المتقدمة عن الرجل المجهول من أهل الجند، عن محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلا، أو متصلا، كما رواها صامت المذكور في روايته المتقدمة عن يحيى بن السكن، عن محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس، عن النبي ﷺ متصلا، وكذلك رواها الحافظ الذهبي في روايته المتقدمة عن أبي الطاهر أحمد بن محمد بن عمر المدني قال: نا يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي، عن محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن أنس، عن النبي ﷺ .. الحديث؟ والقصد: أن رواية محمد بن خالد عن أبان بن صالح عن أنس، عن النبي ﷺ متصلة، وروايته عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلة. والذي نقله الجندي عن ابن سمرة هنا مخالف للطريقين المذكورين؛ فإنه ذكره من رواية محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلا، وقد علمت أن روايته عن أبان بن صالح متصلة. قال الحافظ البيهقي: (رجع الحديث إلى محمد بن خالد-مجهول-عن أبان بن أبي عياش-وهو متروك-عن الحسن مرسلا، قال: والأحاديث في التنصيص في خروج المهدي أصح، وأنه من عترة النبي ﷺ اه ولم أقف على تاريخ وفاة محمد بن خالد، إلا أنه كان موجودا في أوائل هذه المائة، أو آخر التي قبلها. ***

стр. 953

الحوادث السنة الأولى بعد المائتين فيها: كان أول ظهور بابك الخرمي من الفرق الباطنية الزنادقة، فعاث وأفسد، وكان يقول بتناسخ الأرواح (١). وفيها: غزت المتطوعة بغداد للنكير على الفساق، وكان الفساد قد كثر، والأموال منهوبة، والولدان والنساء في الطرقات متعرضين، فمشى بعضهم إلى بعض، وتعاونوا على دفع أذاهم، وارتضى أهل الجانب الغربي بسهل بن سلامة من أهل الحربية وخالد الدريوش، وارتضى أهل الجانب الشرقي بأحمد بن نصر بن مالك الخزاعي (٢). وفيها: توفي حماد بن أسامة الكوفي الحافظ، وأبو الحسن الواسطي محدث واسط، واسمه: علي بن عاصم، وحماد بن مسعدة، وحرمي بن عمارة. وفيها: مات داود بن يزيد بن حاتم عامل السند، وقتل زهير بن المسيب، وكان أسره محمد بن أبي خالد وحبسه، فلما مات .. أخرجه ابنه خالد فقتله (٣). وفيها: مات هرثمة في حبس المأمون بمرو، فلف في خيش، ودفن في خندق كان لأهل السجن، فلما بلغ ذلك حاتم بن هرثمة .. كاتب الناس ودعا إلى الخلاف (٤). *** السنة الثانية بعد المائتين فيها: كانت وقعة بين عيسى بن محمد بن أبي خالد الحربي الخارج من قبل إبراهيم بن المهدي الذي نصبه أهل بغداد خليفة، وخلعوا المأمون؛ لمبايعته بالعهد لعلي الرضا بن

стр. 954

موسى الكاظم وبين أصحاب الحسن بن سهل القائم من جهة المأمون، فانهزم عيسى وأصحابه، وكان أمر عيسى قد اشتد، وخافه الحسن، وبذل المصاهرة له، ومائة ألف دينار، والأمان له ولأهل بيته ولأهل بغداد، وولاية أيّ النواحي أحب، فطلب عيسى خط المأمون بذلك، فأجابه إليه، وأحصى في ديوان عيسى من أصحابه وأصحاب أبيه مائة ألف وخمسة وعشرين ألفا، فأعطى الفارس أربعين، والراجل عشرين (١). وفيها: مات أبو قتيبة، وتوجه المأمون من مرو يريد العراق، وذلك أن علي بن موسى الرضا أعلمه صورة الحال وما الناس عليه من الاختلاف، وكان الفضل يستر ذلك ويخفيه (٢). وفيها: قتل الفضل بن سهل، دخل عليه قوم من غلمان المأمون وهو في الحمام، فضربوه بالسيوف، فأحضرهم المأمون وسألهم، فقالوا: أنت أمرتنا بذلك، فضرب أعناقهم، وجعل الحسن بن سهل مكان أخيه (٣). وفيها: تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وتزوج علي بن موسى الرضا أم حبيبة بنت المأمون (٤). وحج بالناس فيها إبراهيم بن موسى بن جعفر (٥). وفيها: توفي الإمام المقرئ النحوي اللغوي يحيى بن المبارك العدوي المعروف باليزيدي؛ لصحبته يزيد بن منصور خال المهدي. وفيها: توفي أيوب بن سويد، وأبو يحيى الحماني، وعمر بن شبيب، وضمرة بن ربيعة. ***

стр. 955

السنة الثالثة بعد المائتين فيها: غلب علي بن هشام على شرقي بغداد، وحميد الطوسي على غربيها، وانحل أمر إبراهيم بن المهدي، واستتر، واستوثقت الممالك للمأمون، وقدم بغداد في رمضان، واتخذها سكنا (١). وفيها: غلبت السوداء على الحسن بن سهل حتى قيّد وحبس، فكتب بذلك إلى المأمون، فجعل على عسكره دينار بن عبد الله، وكتب: إني قادم إليكم (٢). وفيها: زلزلت خراسان سبعة عشر يوما، وهدمت المنازل (٣). وفيها: توفي الإمام المقرئ الحافظ حسين بن علي الجعفي مولاهم، وأبو الحسين زيد بن الحباب الكوفي، والحافظ محمد بن بشر العبدي الكوفي، وأبو أحمد الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي مولاهم، وأبو جعفر محمد بن جعفر الصادق الملقب بالديباج، مات بجرجان، ونزل المأمون في لحده، وكان عاقلا شجاعا متنسكا؛ يصوم يوما ويفطر يوما، والإمام أبو الحسن النضر بن شميل المازني البصري، والإمام أبو زكريا يحيى بن آدم الكوفي المقرئ الفقيه الحافظ صاحب التصانيف، وأزهر بن سعد السمان الباهلي مولاهم البصري، والسيد الجليل سلالة السادة الكرام أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وأبو داود الحفري، وعمر بن يونس، ومحمد بن بكر البرساني، والوليد بن مزيد. *** السنة الرابعة بعد المائتين فيها: دخل المأمون بغداد، وجعلها دار سكناه، ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فلبس بنو هاشم الخضرة، فلما كان بعد ثمانية أيام .. جلس للناس في الخضرة، ثم دعا

стр. 956

بسواد فلبسه، ودعا بخلعة سوداء فألبسها طاهر بن الحسين، ثم دعا بالقواد فألبسهم، ولبس سائر الناس. قيل: إن طاهرا كلمه في ذلك، وقيل: إن الذي كلمه في ذلك زينب بنت سليمان بن علي وقالت له: لأن تروهم والأمر فيكم خير من أن يروكم والأمر فيهم، فقال: يا عمة؛ ما كلمني أحد في المعنى بكلام هو أبلغ من كلامك ولا أوقع (١). وولى أخاه أبا عيسى بن الرشيد الكوفة، وأخاه صالح بن الرشيد البصرة، وعبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب الحرمين، وولى طاهر بن الحسين الشرطة، وأمر بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على النصف، ووصل الناس بصلات جزيلة (٢). وفيها: مات إمامنا محمد بن إدريس الشافعي بمصر، وإسحاق بن الفرات، وأشهب بن عبد العزيز العامري صاحب الإمام مالك بن أنس، والحسن بن زياد اللؤلؤئي قاضي الكوفة، وصاحب أبي حنيفة، وشجاع بن الوليد السكوني، وأبو بكر الحنفي عبد الكبير، وعبد الوهاب بن عطاء، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي. *** السنة الخامسة بعد المائتين فيها: ولى المأمون طاهر بن الحسين من بغداد إلى آخر عمل المشرق، وشيعه إلى نهر مرة، واستخلف ابنه عبد الله ببغداد (٣)، وفي توليته وموته حكاية طريفة، ستأتي في تاريخ وفاته سنة سبع (٤). وفيها: مات السري بن الحكم بمصر، وداود بن يزيد عامل السند، فوليها بشر بن داود. وفيها: مات السندي بن شاهك.

стр. 957

وفيها: توفي الحافظ أبو محمد روح بن عبادة القيسي البصري، والحافظ محمد بن عبيد الطنافسي الكوفي، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي مولاهم، قارئ البصرة، وأحد القراء العشرة، والشيخ الكبير الولي الشهير أبو سليمان الداراني، وإسحاق بن منصور السلولي، وبشر بن بكر التنيسي، والعقدي واسمه: عبد الملك بن عمرو. *** السنة السادسة بعد المائتين فيها: ولى المأمون عبد الله بن طاهر بن الحسين الرقة وحرب نصر بن شبث، واستخلف على الشرطة وما كان أبوه استخلفه عليه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعي. وقيل: إن المأمون هو الذي استعمل على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي، فوليها مدة طويلة، وهو الذي كان يمتحن الناس بخلق القرآن في أيام المأمون والمعتصم والواثق (١). وفيها: توفي أبو علي محمد بن المستنير المعروف بقطرب النحوي اللغوي، والحافظ أبو العباس وهب بن جرير الأزدي البصري، والإمام الحافظ أبو خالد يزيد بن هارون الواسطي. وفيها-أو في التي بعدها-: الهيثم بن عدي الطائي الأخباري. وفيها: ولي عمرو بن مسعدة الأهواز (٢). وفيها: توفي أبو حذيفة صاحب «المبتدأ»، وحجاج الأعور، وداود بن المحبر، وشبابة، ومحاضر بن الموزع، ووهب بن جرير. *** السنة السابعة بعد المائتين فيها: توفي طاهر بن الحسين الخزاعي الملقب ذا اليمينين، وجد في فراشه ميتا، وكان قد قطع ذكر المأمون على المنبر، ولما توفي .. استخلف المأمون ولده طلحة بن طاهر على

стр. 958

خراسان خليفة لأخيه عبد الله، وقاضي بغداد أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي، والإمام النحوي يحيى بن زياد الفراء الكوفي أجلّ أصحاب الكسائي، والحافظ بشر بن عمر، والمحدث جعفر بن عون، والحافظ عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو نوح قراد، وكثير بن هشام، وأبو يحيى محمد ابن عبد الأعلى بن كناسة الكوفي الأسدي، وهو ابن أخت إبراهيم بن أدهم. قيل: وفيها: توفي أزهر السمان، وقد تقدم. *** السنة الثامنة بعد المائتين فيها: خالف الحسن بن الحسين بن مصعب بكرمان، فسار إليه أحمد بن أبي خالد، فأخذه وقدم به على المأمون، فعفا عنه (١). وفيها: توفي أبو عيسى والقاسم ابنا الرشيد، وأبو عبد الله هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم البغدادي الأديب الفاضل، والوزير بن الوزير الفضل بن الربيع، والسيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب صاحبة المشهد الكبير بمصر، والأسود بن عامر، وسعيد بن عامر، وعبد الله بن بكر، ومحمد بن مصعب، ويحيى بن حسان، ويحيى بن أبي بكير، ويعقوب بن إبراهيم الزهري، ويونس المؤدب. *** السنة التاسعة بعد المائتين فيها: ظفر عبد الله بن طاهر بنصر بن شبث، وحمله إلى المأمون، فدخل بغداد في صفر سنة عشر ومائتين (٢). وفيها: توفي عثمان بن عمر بن فارس العبدي البصري الرجل الصالح، ويعلى بن عبيد الطنافسي، والحسن بن موسى الأشيب، وأبو علي الحنفي، وحفص بن عبد الله قاضي نيسابور. وفيها-وقيل: في سنة إحدى عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: ست عشرة-: توفي الإمام أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي مولى تيم قريش.

стр. 959

السنة العاشرة بعد المائتين فيها: توفي أبو عمرو الشيباني (١) -واسمه: إسحاق بن مرار الكوفي اللغوي صاحب التصانيف-وله تسعون سنة، وكان ثقة خيّرا كاملا علامة، وعلي بن جعفر الصادق (٢)، وكان من جملة السادات الأشراف، ومحمد بن صالح الكلابي أمير عرب الشام، ومروان بن محمد الدمشقي صاحب سعيد بن عبد العزيز، كان إماما صالحا خاشعا في جملة الشاميين، والحافظ يحيى بن إسحاق، والمحدث يحيى بن غيلان، والحافظ منصور بن سلمة. وفيها: مات حميد بن عبد الحميد الطوسي، وفتح عبد الله بن طاهر مصر، وولى يحيى بن أكثم القضاء (٣). وفيها: أقدم المأمون محمد بن علي بن موسى من المدينة إلى بغداد، وزوجه ابنته أم الفضل، وأذن له في حملها إلى المدينة (٤) وفيها: ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدي بعد أن اختفى ببغداد مدة، وله في اختفائه حكايات طريفة، فظفر به منتقبا في زي النساء، فحمل على هيئته تلك إلى المأمون، وأجلس حتى رآه الناس، ثم حبسه مدة، ثم عفا عنه بشفاعة زوجته بوران بنت الحسن بن سهل، ونادمه، ولهما في ذلك حكايات مستحسنة تدل على مكارم الأخلاق من العفو والحلم (٥). وفيها: ركب المأمون إلى المطبق حتى قتل إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام المعروف بابن عائشة وصلبه، وقتل معه محمد بن إبراهيم الإفريقي وثلاثة نفر، وكان الأمر قد تم له مع أكثر القواد على أن يخرجوه من المطبق في صبيحة تلك الليلة، ويثبوا بالمأمون، فعلم المأمون بذلك فبادرهم، ووجد لابن عائشة صناديق فيها كتب القواد وغيرهم إليه، فأحضر الصناديق وقال للناس: أنا أعلم أن فيكم ذا الرأي الذي لا اسم له فيها، ومنكم العاتب، والمستزيد، وإن نظرت فيها .. لم أصف لكم، ولم تصفوا لي،

стр. 960

فتوبوا إلى ربكم من نكثكم، ولا تعاودوا من فعل مثل هذا فيضيق عنه العفو، ثم أمر بإحراق الصناديق ولم يفتحها (١). وفيها: بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل بواسط، وأقام بها بضعة عشر يوما، وقام أبوها الحسن بن سهل أمير المأمون بمصالح الجيش جميعه تلك الأيام، وغرم خمسين ألف ألف درهم، وكان العسكر خلقا لا يحصى، فلم يكن فيهم من اشترى لنفسه ولا لدوابه حتى على الحمالين والمكارية والملاحين، وكل من حضر في ذلك العسكر، يقال: بلغ غرم الحسن بن سهل في ذلك خمسين ألف ألف درهم، وكان عرس لم يسمع بمثله في الدنيا، نثر فيه على الهاشميين والقواد والوجوه والكتاب بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع، وأسماء جوائز، ودواب وغير ذلك، وكل من وقع في حجره شيء منها ملك ما هو مكتوب فيها من هذه المذكورات من ضيعة أو غيرها، ثم نثر على عموم الناس بعد ذلك الدراهم والدنانير، ونوافج المسك، وبيض العنبر، وفرش للمأمون حصير منسوج بالذهب، فلما جلس عليه .. نثرت على قدميه لآلئ كثيرة، فلما رأى تساقط اللآلى المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب .. قال: قاتل الله أبا نواس، كأنه شاهد هذه الحالة حيث يقول في صفة الخمرة والحباب الذي يعلوها عند المزاج: [من البسيط] كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب وقد غلّط النحويون أبا نواس في هذا البيت؛ لذكره (فعلى) أفعل التفضيل من غير إضافة ولا تعريف. ثم إن المأمون أطلق للحسن بن سهل خراج فارس والأهواز مدة سنة بعد أن وصله بعشرة آلاف ألف درهم، ووهب لولده ألف ألف درهم، وأقطعه الصلح، وقالت الشعراء والخطباء في ذلك فأطنبوا، ومما يستطرف فيه قول محمد بن حازم: [من مجزوء المديد] بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن يا بن هارون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون .. قال: والله؛ ما ندري خيرا أراد أم شرا. ودخل المأمون على بوران الليلة الثالثة من وصوله، فلما جلس .. نثرت عليه خدمها ألف درة كانت في طينة ذهب، وفي المجلس بنات الملوك من أخوات المأمون وعماته

стр. 961

وغيرهن، فلم يرفعن شيئا من الدر، فقال المأمون: أكرمنها بلقط شيء، ففعلن، ثم إن المأمون أمر من يجمع الدر فجمع، ووضعه في حجرها وقال: هذه نحلتك، وسلي حاجتك، فقالت لها خدمها: كلمي سيدك، فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت. وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر وزنها أربعون منا في تور من الذهب، فأنكر المأمون عليهم ذلك وقال: هذا سرف. وحكى أبو الحسن الجرجاني في كتاب «الكنايات» أن المأمون طلب الدخول عليها، فاعتذرت، فلم يعذرها، فلما زفت إليه ومد يده إليها .. قالت: أتى أمر الله فلا تستعجلوا، فعلم أنها حائض فتركها، فلما قعد للناس من الغد .. دخل عليه أحمد بن يوسف الكاتب وقال: يا أمير المؤمنين؛ هنأك الله بما أخذت من الأمير باليمن والبركة، وشدة الحركة، والظفر بالمعركة، فأنشد المأمون: [من المديد] فارس ماض بحربته ... حاذق بالطعن في الظلم رام أن يدمي فريسته ... فاتقته من دم بدم فعرّض بحيضها، وهو من أحسن الكنايات (١). *** السنة الحادية عشرة بعد المائتين فيها: توفي الحافظ العلامة عبد الرزاق بن همام الصنعاني الحميري، والإمام عبد الله بن صالح العجلي الكوفي المقرئ المحدث، والد الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي نزيل المغرب، وأبو الجوّاب، وطلق بن غنام، وأبو يعلى بن منصور، والشاعر المشهور أبو العتاهية-واسمه: إسماعيل بن القاسم العنزي-وحميد بن عبد الحميد الطوسي. وفيها: أمر المأمون فنودي: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أو فضله على أحد من الصحابة (٢)، وهذا سيأتي ذكره قريبا في أول السنة الثانية عشرة. ***

стр. 962

السنة الثانية عشرة بعد المائتين فيها: أظهر المأمون القول بخلق القرآن مع ما أظهر في السنة الماضية من التشيع وتفضيل علي بن أبي طالب ﵁ على سائر الناس بعد رسول الله ﷺ ، وندائه ببراءة الذمة ممن ذكر معاوية ﵁ بخير، أو فضّله على أحد من أصحاب النبي ﷺ (١). وفيها: توفي أسد بن موسى الأموي الملقب بأسد السنة، والحافظ أبو عاصم النبيل- واسمه: الضحاك بن مخلد الشيباني محدث البصرة-والحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الفريابي، رحل إليه الإمام أحمد فلم يدركه، بل بلغه موته بحمص، وإسماعيل بن حماد بن الإمام أبي حنيفة، كان موصوفا بالزهد والعبادة والعدل في الأحكام، ولي القضاء ببغداد، ثم بالبصرة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون صاحب الإمام مالك، كان فصيحا مفوها، وعليه دارت الفتيا في زمانه بالمدينة، والغافقي مفتي الأندلس، كان صالحا ورعا مجاب الدعوة، مقدما في الفقه على يحيى بن يحيى، والحسين بن حفص. قيل: وفيها: توفي أحمد بن أبي خالد وزير المأمون، وقيل: توفي في آخر سنة ثلاث عشرة ومائتين. وفيها: توفي أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني. *** السنة الثالثة عشرة بعد المائتين فيها: توفي علي بن جبلة الشاعر المشهور أحد فحول الشعر المبرزين من الموالي، ولد أعمى، وقيل: بل عمي من جدري أصابه وهو ابن سبع سنين، وكان أسود أبرص. وفيها: توفي صاحب «المسائل الأسدية» التي كتبها عن ابن القاسم، والحافظ الزاهد عبد الله بن داود، سمع الأعمش وغيره، وكان من أعبد أهل زمانه، وإسحاق بن مرار- بكسر الميم، وتكرير الراء قبل الألف وبعدها-الشيباني النحوي اللغوي من الأئمة الأعلام، وقد ذكر في السنة العاشرة أيضا. وفيها-أعني: سنة ثلاث عشرة-: توفي عبيد الله بن موسى العنسي الكوفي الحافظ،

стр. 963

كان إماما في الفقه والحديث والقرآن، موصوفا بالعبادة والصلاح، لكنه من رءوس الشيعة. وفيها: الهيثم بن جميل البغدادي الحافظ نزيل أنطاكية، كان من صلحاء المحدثين وأثباتهم. وفيها: توفي الحافظ عمرو بن أبي سلمة، وخالد بن مخلد، ومحمد بن عرعرة. *** السنة الرابعة عشرة بعد المائتين فيها: قتل محمد بن حميد بن عبد الحميد الطوسي الأمير ابن الأمير، قتله بابك، وفض جمعه، وقتل خلقا من أصحابه. وفيها: أمر المأمون أخاه أبا إسحاق باتخاذ الأتراك، فاتخذهم (١). وفيها: خرج بلال الضبابي، وعظم أمره، حتى خرج إليه المأمون بنفسه، ورجع المأمون، ووجه ابنه العباس [في جماعة من القواد فيهم علي بن هشام] وعجيف وغيرهم، فقتلوا بلالا (٢). وفيها: توفي الحافظ إسحاق بن عيسى الطباع البغدادي، والأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة النحوي البلخي المجاشعي أحد نحاة البصرة، والحافظ يحيى بن حماد البصري، وأبو الفضل عمرو بن مسعدة بن سعيد الكاتب أحد وزراء المأمون، وأحمد بن خالد الوهبي، وحسين بن محمد، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومعاوية بن عمرو. *** السنة الخامسة عشرة بعد المائتين فيها: ظهر عبدوس الفهري بمصر، ووثب على عمال السلطان فقتل بعضهم (٣). فيها: توفي أبو زيد الأنصاري اللغوي-واسمه: سعيد بن أوس-ومحمد بن عبد الله

стр. 964

الأنصاري من كبار شيوخ البخاري، ومحمد بن المبارك الصوري الحافظ صاحب سعيد بن عبد العزيز، والحافظ مكي بن إبراهيم البلخي، وأبو عامر قبيصة بن عقبة الكوفي، وعلي بن الحسن بن شقيق الحافظ محدث مرو. *** السنة السادسة عشرة بعد المائتين فيها: غزا المأمون، فدخل بلاد الروم، وأقام بها ثلاثة أشهر، وافتتح أخوه عدة حصون، وأغار جيشه فغنموا وسبوا، ودخل الديار المصرية فقتل عبدوسا الفهري، ثم انصرف إلى الشام (١). فيها: قتل عليا وحسينا ابني هشام؛ بعث عجيفا للقبض عليهما، وضرب أعناقهما العباس بن المأمون صبرا، وطيف برءوسهما في الشام والجزيرة وبغداد وخراسان، وقتلا لسوء سيرتهما، واتهما بالميل إلى بابك، ويقال: كان ذلك في سنة سبع عشرة (٢). وفيها-أعني سنة ست عشرة-: توفيت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، زوجة هارون الرشيد، وأم ولده محمد الأمين. وفيها: توفي الأصمعي الإمام المشهور اللغوي الأديب، واسمه: عبد الملك بن قريب. وفيها: توفي حبان بن هلال، وموسى بن داود بخلف، ومحمد بن بكار بن بلال، وهوذة بن خليفة. *** السنة السابعة عشرة بعد المائتين فيها-أو في التي قبلها-: توفي الحافظ حجاج بن منهال البصري الأنماطي. وفيها: توفي سريج بن النعمان البغدادي الحافظ، وهشام بن إسماعيل الخزاعي الدمشقي الزاهد القدوة. ***

стр. 965

السنة الثامنة عشرة بعد المائتين فيها: امتحن المأمون العلماء بالقول بخلق القرآن، فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم، وأمره بامتحان الفقهاء والقضاة والمحدثين، وأمره بإشخاص جماعة منهم إليه وهو بالرقة، وبالغ في ذلك، وقام في هذه البدعة قيام متعبّد بها، وقال في آخر كتابه: من لم يرجع عن شركه .. يسفك دمه، فأما بشر بن الوليد .. فابعث برأسه إلي، وكذلك إبراهيم بن الحسن، واحمل الباقين في قيود وأغلال، فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه، وتوقف طائفة، ثم أجابوا وناظروا، فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة على ذلك، وتهدد على ذلك بالقتل، ولم يقف ويثبت من علماء العراق إلا أحمد ابن حنبل ومحمد بن نوح، فشدّا في الحديد، ووجّها إلى المأمون، قيل: وثبت معهما أيضا القواريري وسجادة، فحملا معهما في الحديد إلى المأمون وهو بطرسوس، وبلغ المأمون أن الذين أجابوا إلى القول بخلق القرآن تأوّلوا قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ فقال: أخطئوا، إنما هذه لمن كان معتقدا للإيمان مظهرا للشرك، فأما من كان معتقدا للشرك مظهرا للإيمان .. فليست له، ثم أمر بحملهم أجمعين مقيدين، فحملوا نحو عشرين رجلا، منهم بشر بن الوليد، فلما بلغوا الرقة .. جاءهم الفرج بوفاة المأمون، فردّوا إلى بغداد (١). ولما توفي المأمون عهد بالخلافة إلى أخيه المعتصم. وفيها: قوي أمر الخرّميّة بالجبال، ودخل في دينهم خلق كثير من أهل همذان وأصفهان وماسبذان، وتجمعوا، وعسكروا في أعمال همذان، فندب المعتصم لحربهم إسحاق بن إبراهيم أمير بغداد، وعقد له على الجبال، فالتقاهم بهمذان، فكسرهم، وقتل منهم ستين ألفا، وقيل: مائة ألف، وهرب باقيهم إلى بلاد الروم (٢). وفيها: توفي أبو محمد عبد الملك بن هشام البصري الحميري اليمني المعافري- صاحب المغازي، الذي هذب السيرة ولخصها-في شهر رجب من السنة المذكورة. وفيها: توفي بشر المريسي رأس الضلال، الداعي إلى البدع القبيحة من القول بخلق

стр. 966

القرآن وغير ذلك من العقائد المنابذة لمذهب أهل الحق، وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وعبد الله بن يوسف، ويحيى البابلتي. *** السنة التاسعة عشرة بعد المائتين فيها: ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بالطالقان يدعو إلى الرضا من آل محمد، فاجتمع له ناس، وكانت له وقعات أخذ في آخرها، وحمل إلى المعتصم وحبس، وهرب في ليلة عيد الفطر، فلم يعرف له خبر (١). وفيها: خرج المعتصم يتصيد، فأخذ سباعا، وجعل في عنق كل سبع منها طوقا فيه عشرون رطلا وأطلقه، وصاد مائة حمار وحش، فوسم أعناقها بأبي إسحاق المعتصم، وخلى سبيلها. وفيها-وقيل: في التي بعدها-: امتحن المعتصم الإمام أحمد، وضرب بين يديه بالسياط حتى غشي عليه، فلما صمّم ولم يجبهم إلى مرادهم .. أطلقه، وندم على ضربه (٢). قال الشيخ اليافعي: (وقد أوضحت في كتاب «المرهم» في الأصول كيفية ذلك الامتحان، ومن حرض عليه من علمائهم، وما لحق المتولين ذلك من العقوبة) اه وفيها: توفي أبو أيوب سليمان بن علي الهاشمي، كان إماما فاضلا شريفا، روي أن الإمام أحمد أثنى عليه وقال: يصلح للخلافة، والحافظ أبو نعيم الفضل بن دكين محدث الكوفة، والحافظ أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي، والحافظ علي بن عياش الألهاني، والحميدي-واسمه: عبد الله بن الزبير-شيخ البخاري. *** السنة الموفية عشرين بعد المائتين فيها: عقد المعتصم للأفشين-واسمه: خيذر بن كاوس الأشروسني-على الجبال وحرب بابك الخرمي، فقتل من أصحابه الخرّميّة نحو الألف، وهرب بابك (٣).

стр. 967

وفيها: توفي الإمام آدم بن إياس الخراساني، وعبد الله بن جعفر الرقي الحافظ، وعفان بن مسلم الحافظ، والإمام قالون صاحب نافع وقارئ أهل المدينة. وفيها: قدم بغداد الشريف أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ومعه زوجته أم الفضل بنت المأمون، فتوفي محمد المذكور ببغداد في ذي الحجة من السنة المذكورة، ودفن عند جده موسى الكاظم. وفيها: توفي الحافظ عبد الله بن رجاء، وأبو حذيفة النهدي، واسمه: موسى بن مسعود البصري المؤدب. والله سبحانه أعلم ***

стр. 968

العشرون الثانية من المائة الثالثة [الاعلام] ١٠٨٤ - [أبو عبد الرحمن القعنبي] (١) أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي المدني القعنبي الزاهد. سمع مالكا، والليث، وحماد بن سلمة، وخلقا سواهم، وهو أوثق من روى «الموطأ». وروى عنه الذّهلي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي وغيرهم من الأئمة الأعلام. قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجلّ في عينيّ من القعنبي. كان ثقة حجة، خشوعا مجاب الدعوة، يقال: إنه من الأبدال. قال الشيخ محيي الدين النووي في «شرح البخاري»: (روينا عن أبي سبرة الحافظ قال: قلت للقعنبي: حدثت ولم تكن تحدث؟ قال: رأيت كأن القيامة قد قامت، فصيح بأهل العلم فقاموا، فقمت معهم، فصيح بي: اجلس، فقلت: يا إلهي؛ ألم أكن معهم أطلب؟ قال: بلى ولكنهم نشروه وأخفيته، فحدثت) (٢). وأجمعوا على جلالته وإتقانه وحفظه وورعه وزهده. توفي يوم الجمعة لستّ خلون من المحرم في سنة إحدى وعشرين ومائتين. ١٠٨٥ - [عاصم بن علي الواسطي] (٣) عاصم بن علي ابن صهيب مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق، القرشي أبو الحسين، من أهل واسط.

стр. 969

سمع ابن أبي ذئب، وعاصم بن محمد وغيرهما. وروى عنه البخاري بواسطة محمد بن يحيى، وبغير واسطة. وتوفي سنة عشرين-أو إحدى وعشرين-ومائتين. ١٠٨٦ - [أبو اليمان الحمصي] (١) الحكم بن نافع البهراني الحمصي مولى امرأة من بهراء، يقال لها: أم سلمة، كانت عند عمر بن رؤبة التغلبي، يكنى أبا اليمان. سمع شعيب بن أبي حمزة، وروى عنه البخاري نسخة كبيرة، وروى عنه عبد الله الدارمي، ومحمد الصاغاني وغيرهما. ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، وتوفي سنة إحدى-أو اثنتين-وعشرين ومائتين. ١٠٨٧ - [عمر بن حفص النخعي] (٢) عمر بن حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي أبو حفص. سمع أباه وغيره، وروى عنه البخاري بواسطة وبغيرها، وروى عنه أحمد بن يوسف وغيره. وتوفي في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين ومائتين. ١٠٨٨ - [يحيى بن صالح الوحاظي] (٣) يحيى بن صالح الوحاظي الحمصي أبو زكريا. سمع معاوية بن سلاّم، وسليمان بن بلال وغيرهما.

стр. 970

روى عنه إسحاق بن منصور، وموسى بن عيسى وغيرهما. وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. قال الحافظ الرشيد: ووحاظة بطن من حمير. قال الفقيه أبو الخير بن منصور الشماخي: المعروف عندنا أنها بلدة باليمن. قال حافظ اليمن إبراهيم بن عمر العلوي: سميت البلد بالقبيلة. ١٠٨٩ - [بابك الخرّمي] (١) بابك الخرّمي رئيس الخرمية. ظهر في أيام المأمون، وعاث وأفسد البلاد والعباد، واستولى على كثير من البلدان، وأراد أن يقيم ملة المجوس، فبعث إليه المأمون جيشا، مقدمهم محمد بن حميد الطوسي في سنة أربع عشرة ومائتين، فهزمهم اللعين، وقتل محمد بن حميد وفض جمعه، وقتل خلقا من أصحابه. ولم يزل أمره يستفحل إلى أن تولى المعتصم، فقوي أمر الخرّمية بالجبال، ودخل في دينهم خلق كثير من أهل همذان وأصبهان وماسبذان وغير ذلك، وتجمعوا وعسكروا في أعمال همذان، فوجه إليهم المعتصم عساكر، آخرها إسحاق بن إبراهيم والي بغداد، وعقد له على الجبال، فأوقع بهم، وقتل منهم في عمل همذان ستين ألفا، وقيل: مائة ألف، وهرب باقيهم إلى بلاد الروم. وفي سنة عشرين ومائتين: عقد المعتصم للأفشين الأسروشني على الجبال وحرب بابك، فكانت بينهما وقعة عظيمة، قتل من الخرمية عالم كثير، وهرب بابك إلى موقان، ثم اجتمع الأفشين وبابك في سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وكانت بينهما وقعة هائلة، انهزم فيها بابك، وافتتحت مدينته في رمضان بعد حصار شديد، واختفى بابك في غيضة، وأسر جميع خواصه وأولاده، وبعث المعتصم إلى الأفشين بثلاثين ألف ألف درهم؛ ليتقوى بها، وبعث المعتصم لبابك بالأمان، فحرق كتاب المعتصم وسبه، وكان الشيطان قويّ النفس،

стр. 971

شديد البطش، صعب المراس، ثم إنه طلع من تلك الغيضة في طريق يعرفها في الجبل، وانفلت ووصل إلى جبال أرمينية، فنزل عند البطريق سهل، ولم يزل الأفشين يتحيل عليه بكل حيلة، ويبذل الأموال في طلبه، وجعل المعتصم لمن جاءه برأسه ألف ألف درهم، فلما نزل بابك على البطريق .. أغلق عليه، وبعث يعرف الأفشين، فجاءت الأفشينية فتسلموه، وقدم به الأفشين إلى بغداد أسيرا هو وأخوه، وكان يوم دخوله بغداد يوما مشهودا، ثم دخل على المعتصم بسرّمن رأى، فأركب على فيل، وطيف به في سر من رأى، ثم أمر المعتصم بقطع يديه ورجليه، ثم قتله وصلبه، وأرسل بأخيه إلى بغداد، ففعل به مثل ذلك، وذلك في سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وفي أيامه ظهر المازيار القائم بملة المجوس بطبرستان. ١٠٩٠ - [موسى بن إسماعيل التبوذكي] (١) موسى بن إسماعيل المنقري البصري، ويقال له: التّبوذكي، يكنى أبا سلمة. سمع هماما، وإبراهيم بن سعد، وسعيد بن مسلمة وغيرهم. روى عنه البخاري والحسن الحلواني وغيرهما، وكان أحد أركان الحديث. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين. ١٠٩١ - [إبراهيم بن المهدي الأمير] (٢) إبراهيم بن المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي. كان فصيحا أديبا شاعرا، رأسا في معرفة الغناء، ولي إمرة دمشق لأخيه الرشيد. ولما جعل المأمون ولي عهده علي بن موسى الرضا .. شق ذلك على بني العباس، فبايعوا ببغداد لإبراهيم بن المهدي بالخلافة، ولقب بالمبارك، فحاربه والي بغداد من جهة

стр. 972

المأمون، فانكسر إبراهيم مرة بعد أخرى، ولما وصل المأمون إلى بغداد .. اختفى إبراهيم، ولم يزل مختفيا سبع سنين، وله في اختفائه حكايات عجيبة. منها: ما حكاه للمأمون بعد أن رضي عليه وسأله عما اتفق له في اختفائه فقال: من أعجب ما اتفق لي: أني ضجرت يوما من طول اختفائي في البيوت، فخرجت نصف النهار في حال غفلة الناس وقيلولتهم، وقد غيرت حالي حتى لا أعرف، فمررت بجسر بغداد؛ فإذا بتركي على فرس يتبعني ويقول: طلبة أمير المؤمنين، وأراد أن يلزمني، فدلقته عن الفرس حتى سقط إلى دجلة، واشتغل الناس به، وانغمست بينهم، وسعيت حتى أبعدت؛ فإذا أنا بدار، فدققت الباب وقلت: هل لكم في إيواء خائف على نفسه من القتل؟ فخرجت صاحبة الدار، وأدخلتني الدار، وسكنت روعي، وطيبت خاطري، فبينا نحن على ذلك؛ إذ أقبل صاحب الدار وهو التركي الذي رميته في دجلة، فدق الباب، فأدخلتني في مخدع لها، فدخل معصوب الرأس مما أصابه من الجراحة، وهو يئن ويتأسف على ما فاته، فقالت: ما نالك؟ قال: فاتني الغنى أن وقع في يدي، قالت: وما ذاك؟ قال: ظفرت ببغية أمير المؤمنين، وقد وقع في يدي ثم دلقني حتى سقطت من على فرسي في دجلة، وهرب، فأخذت تهون عليه الأمر وتقول له: لعل الخيرة لك في ذلك، ولعلك لو قدمت به على أمير المؤمنين فقتله .. كنت مشاركا في دمه، وإن عفا عنه ورضي عنه .. لم تأمنه أن يخبث عليك، فينالك محذور، فالحمد لله الذي سلمك من ذلك، حتى سكن حاله، ثم قربت له ماء فاغتسل، وقربت له طعاما فأكل، وقربت له شرابا فشرب، ثم نام، فلما علمت أنه قد نام .. قالت: أأنت صاحبه؟ قلت: نعم، قالت: قد سمعت أسفه وحرده، وإن يظفر بك .. لم تسلم منه، فالمصلحة أن تخرج وهو نائم. فخرجت فمررت بحجام جالس على باب بيته، فسلمت عليه، فرد السلام ببشاشة، فقلت: هل ثمّ مكان يؤويني إلى الليل؟ قال: بالرحب والسعة، وأدخلني إلى بيته، ثم خرج وغاب عني ساعة، ثم أتى بأوان جديدة من الخزف؛ من قدر وكوز ونحو ذلك، وقال: إن الملوك يستقذرون أوانينا، وهذه أوان جديدة لم تمسها الأيدي لتستعملها فيما أردت، ثم صنع طعاما طيبا بحضرتي، ثم غرف منه في الأواني الجديدة وقربه إلي، فعزمت عليه أن يجلس يأكل معي، فأبى وقال: الحجامون لا يؤاكلون الملوك، فقلت: ومن عندك من الملوك؟ قال: أولست بإبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس؟ طب نفسا، وقر عينا، لو تمكث ههنا طول عمرك .. لم يعلم بك أحد، وغرف لنفسه شيئا من الطعام، وقعد يأكل

стр. 973

وحده، فلما فرغ .. أتاني بشراب طيب، فصبه في شيء من تلك الأواني الجديدة وسقاني، ثم صب لنفسه في أوانيه وشرب، ثم أتاني بعود وقال: إن أسمعت عبدك شيئا من الغناء الذي يذكر عنك .. كان لك الفضل، فأخذت العود وأسمعته أبياتا، فطرب منها، وكنت متوسلا شيئا من الدراهم، فدفعت إليه صرة في قبيل فعله وجميله، فأبى أن يقبلها وقال: أنتم ما ترون لأحد مروءة، ولا تريدون لأحد منة، وأقمت عنده أياما في إعزاز وإكرام. ثم إني خشيت القتل وقلت: هذا حجام لا أصل له، لا آمن أن يدل علي، فخرجت في غيبته، فوجدت امرأة من موالينا ومن لنا عليها إحسان جزيل، فلما رأتني .. بكت وأظهرت من التعب لحالي والرقة لي ما سكن قلبي إليها، ثم أدخلتني دارها، وخرجت وأغلقت علي الباب، فظننت أنها خرجت لقضاء حاجة لها، فلم يكن غير يسير حتى سمعت حس الخيل، وصلصلة اللّجم؛ وإذا بالعسكر قد أحاطوا بجميع جوانب الدار، ودخلت علي هي وصاحب الشرطة، فسلمتني إليه، فتعجب المأمون من ذلك وقال: يصلح الجندي أن يكون حجاما ويزوج بالجارية الغادرة، والحجام أن يكون جنديا ويزوج على زوجة الجندي، هذا معنى الحكاية. ولما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي .. حبسه أياما، فلما دخل المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل .. سألها المأمون أن تذكر حاجتها، فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي، فرضي عنه ونادمه. وتوفي إبراهيم سنة أربع وعشرين ومائتين. ١٠٩٢ - [سليمان بن حرب الواشحي] (١) سليمان بن حرب الأزدي الواشحي-بشين معجمة وحاء مهملة، وواشح بطن من الأزد- أبو أيوب البصري، قاضي مكة، الحافظ، حضر مجلسه المأمون من وراء الستر. سمع حماد بن زيد، وشعبة، ووهيبا وغيرهم، وروى عنه البخاري، وحجاج بن الشاعر، وأحمد الدارمي وغيرهم. ولد في صفر سنة أربعين ومائة، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين بالبصرة.

стр. 974

١٠٩٣ - [أبو الحسن المدائني] (١) علي بن محمد المدائني أبو الحسن البصري الأخباري، صاحب التصانيف في المغازي والأنساب. كان يسرد الصوم. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. ١٠٩٤ - [أبو عبيد القاسم بن سلاّم] (٢) أبو عبيد القاسم بن سلاّم-بتشديد اللام-البغدادي، الإمام العالم، صاحب التصانيف المفيدة. كان أبوه عبدا روميا لرجل من أهل هراة، فاشتغل أبو عبيد بالحديث والفقه والأدب. سمع شريكا، وابن المبارك وطبقتهما، روى عن أبي زيد الأنصاري، والأصمعي، وأبي عبيدة، وابن الأعرابي، والكسائي، والفراء وغيرهم. وروى الناس من كتبه المصنفة نيفا وعشرين كتابا في القرآن الكريم، والحديث وغريبه، والفقه وغير ذلك. يقال: إنه أول من صنف في غريب الحديث، ولما وضع كتاب «الغريب» .. عرضه على عبد الله بن طاهر فاستحسنه وقال: إنّ عقلا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق ألاّ يحوج إلى طلب المعاش، وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر. أثنى عليه الأئمة، قال إسحاق بن راهويه: الحق يحبه الله، أبو عبيد أفقه مني وأعلم. وقال القاضي أحمد بن كامل: أبو عبيد فاضل في دينه، متفنن في أصناف علوم الإسلام

стр. 975

والدين والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحدا من الناس طعن عليه في أمر دينه. اه ولي قضاء طرسوس ثمانية عشر سنة، وقدم بغداد فسمع الناس كتبه، ثم حج، فلما قضى حجه .. عزم على الانصراف، واكترى إلى العراق، فرأى في الليلة التي عزم على الخروج في صبيحتها في منامه النبي ﷺ وهو جالس، وعلى رأسه قوم يحجبونه، وناس يدخلون ويسلمون عليه ويصافحونه، قال: فكلما أردت لأدخل معهم .. منعت، فقلت: لم لا تخلون بيني وبين رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: والله؛ لا تدخل عليه، ولا تسلم عليه وأنت خارج غدا إلى العراق، فقلت لهم: إني لا أخرج إذا، فأخذوا عهدي، ثم خلوا بيني وبين رسول الله ﷺ ، فدخلت فسلمت عليه وصافحني، وأصبحت ففسخت الكراء، وسكنت بمكة، ولم يزل بها إلى أن توفي سنة أربع-أو ثلاث، أو اثنتين-وعشرين ومائتين. قال ﵀: كنت مستلقيا بمكة في المسجد الحرام، فجاءتني عائشة المكية وكانت من العارفات، فقالت لي: يا أبا عبيد؛ يقال: إنك من أهل العلم؛ فلا تجالسه إلا بالأدب، وإلا .. محاك من ديوان العلماء، أو قالت: من ديوان الصالحين، رحمهما الله تعالى ورضي عنهما آمين. ١٠٩٥ - [سعيد بن أبي مريم] (١) سعيد بن الحكم أبي مريم بن محمد الجمحي مولاهم المصري أبو محمد. سمع سليمان بن بلال، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ويحيى بن أيوب وغيرهم. وروى عنه البخاري بواسطة وبغير واسطة، وروى عنه حسن الحلواني، ومحمد الصغاني وغيرهما. ولد سنة أربع وأربعين ومائة، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين.

стр. 976

١٠٩٦ - [عمرو بن مرزوق] (١) عمرو بن مرزوق مولى باهله أبو عثمان البصري، أصله من مصر، بالميم. سمع شعبة وغيره، وروى عنه البخاري وغيره. وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين. ١٠٩٧ - [يزيد بن عبد ربه] (٢) يزيد بن عبد ربه الجرجسي الحمصي أبو الفضل، كان ينزل حمص عند كنيسة جرجس فنسب إليها. سمع الوليد بن مسلم، ومحمد بن حرب وغيرهما، وروى عنه إسحاق بن منصور وغيره. وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين. ١٠٩٨ - [قرة بن حبيب التستري] (٣) قرة بن حبيب التّستري البصري الرماح، صاحب القنا. سمع عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وغيره، وروى عنه الحسن الزعفراني وغيره. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. ١٠٩٩ - [عبد السلام بن مطهر] (٤) عبد السلام بن مطهر بن حسام الأزدي البصري أبو ظفر.

стр. 977

سمع عمر بن علي المقدمي وغيره، وروى عنه البخاري وغيره. وتوفي في رجب سنة أربع وعشرين ومائتين. ١١٠٠ - [أصبغ بن الفرج] (١) أصبغ بن الفرج المالكي مفتي مصر. قال ابن معين: كان من أعلم خلق الله بمذهب مالك، يعرفه مسألة مسألة، متى قالها مالك، ومن خالفه فيها. وله تصانيف حسان. توفي سنة خمس وعشرين ومائتين. ١١٠١ - [صالح بن إسحاق الجرمي] (٢) أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي بفتح الجيم، وسكون الراء، قيل: إنه مولى جرم بن ربّان، العلامة النحوي. أصله من البصرة، فقدم بغداد، وأخذ النحو عن الأخفش وغيره، ولقي يونس بن حبيب، ولم يلق سيبويه. أخذ اللغة عن الأصمعي، وأبي عبيدة، وأبي زيد الأنصاري وطبقتهم. وكان فقيها عالما بالنحو واللغة، دينا ورعا، حسن المذهب، صحيح الاعتقاد، ناظر ببغداد الفراء. روى الحديث وكان فيه جليلا، وكذا في الأخبار، وله كتاب في النحو، وكتاب في السير عجيب، وكتاب في العروض، وكتاب «غريب سيبويه» وغير ذلك. توفي سنة خمس وعشرين ومائتين.

стр. 978

١١٠٢ - [محمد بن سلام البيكندي] (١) محمد بن سلام-بالتخفيف-بن الفرج السلمي مولاهم أبو عبد الله البيكندي. سمع ابن عيينة، ووكيعا، وأبا معاوية وغيرهم. روى عنه البخاري في مواضع من «صحيحه». وتوفي لسبع خلون من صفر سنة خمس وعشرين ومائتين. ١١٠٣ - [سعدويه الواسطي] (٢) سعيد بن سليمان الواسطي المعروف بسعدويه، يكنى أبا عثمان. سمع الليث بن سعد، وعباد بن العوام، وهشيما وغيرهم. روى البخاري عنه بواسطة وبغيرها، وروى عنه محمد بن حاتم وغيره. وتوفي في ذي الحجة سنة خمس وعشرين ومائتين. ١١٠٤ - [أبو دلف العجلي] (٣) أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي، الأمير الكبير، صاحب الكرج-بفتحتين وجيم- أحد قواد المأمون، ثم المعتصم، وكان أحد الأبطال المذكورين، والأجواد المشهورين، وله وقائع مشهورة، وصنائع مأثورة. أخذ عنه الأدباء والفضلاء، وله صنعة في الغناء، وله كتاب «البزاة والصيد»، وكتاب «السلاح»، وكتاب «النّزه»، وكتاب «سياسة الملوك» وغير ذلك.

стр. 979

ومدحه أبو تمام بأحسن المدائح، وكذلك بكر بن النّطّاح، وفيه يقول: [من الكامل] يا طالبا للكيمياء وعلمه ... مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم لو لم يكن في الأرض إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم يقال: أعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، فأغفله قليلا، ثم دخل عليه وقد اشترى بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلّة، فأنشده: [من الطويل] بك ابتعت في نهر الأبلّة قرية ... عليها قصير بالرخام مشيد إلى جنبها أخت لها يعرضونها ... وعندك مال للهبات عتيد فقال: وكم ثمن هذه الأخت؟ فقال: عشرة آلاف درهم، فدفعها له ثم قال له: تعلم أن نهر الأبلة عظيم، وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى، وإن فتحت هذا الباب .. اتسع الخرق، فاقنع بهذه، فدعا له وانصرف. وطعن أبو دلف فارسا في معركة، فنفذت الطعنة إلى أن وصلت إلى فارس آخر وراءه، فنفذ فيه السنان فقتلهما، فقال بكر بن النّطّاح في ذلك: [من الكامل] قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم الهياج ولا تراه كليلا لا تعجبوا لو أن طول قناته ... ميل إذا نظم الفوارس ميلا وكان أحمد بن أبي صالح مولى بني هاشم أسود مشوه الخلق، وكان فقيرا، فقالت له امرأته: يا هذا؛ إن الأدب أراه قد سقط نجمه، وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك ورمحك وقوسك، وادخل مع الناس في غزواتهم عسى الله أن ينفلك من الغنيمة شيئا، فأنشد: [من البسيط] ما لي وما لك قد كلفتني شططا ... حمل السلاح وقول الدارعين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلا ... أمسي وأصبح مشتاقا إلى التلف تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف ظننت أنّ نزال القرن من خلقي ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف فبلغ خبره أبا دلف، فوجه إليه بألف دينار. وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبه الدين، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم وأنشده: [من الوافر] أيا ربّ المنائح والعطايا ... ويا طلق المحيّا واليدين

стр. 980

لقد خبّرت أن عليك دينا ... فزد في رقم دينك واقض ديني فوصله وقضى دينه. ودخل عليه بعض الشعراء وأنشده: [من البسيط] الله أجرى من الأرزاق أكثرها ... على يديك بعلم يا أبا دلف ما خط لا كاتباه في صحيفته ... كما تخطط لا في سائر الصحف بارى الرياح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف ومما يحكى من حسن ذكائه وسرعة جوابه أن المأمون قال: أنت الذي يقول فيك الشاعر: [من المديد] إنما الدنيا أبو دلف ... بين بادية ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره فقال: لست كذلك يا أمير المؤمنين، ولكنني الذي يقول فيه علي بن جبلة: [من الطويل] أبا دلف يا أكذب الناس كلّهم ... سواي فإني في مديحك أكذب يحكى أنه أغمي عليه في مرض موته، فأفاق وقال: من بالباب؟ فقالوا: عشرة من خراسان يزعمون أنهم أشراف، فقال: أدخلوهم، فسألهم عن حاجتهم، فأخبروه بأنهم فقراء وعليهم دين فقصدوه لقضاء حوائجهم، فأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف درهم-أو دينار، الشك مني-وأمر أن يكتب كل واحد منهم نسبه إلى رسول الله ﷺ ، ثم يكتب في آخر ذلك: يا رسول الله؛ إنه لحقني فاقة، وركبني دين، فقصدت أبا دلف، فقضى ديني وحاجتي، ثم أمر بالأوراق أن تدفن معه بعد موته، وزود الأشراف بجميع ما يحتاجونه إلى بلدهم وقال: احفظوا هذه الدراهم لقضاء ديونكم، وسد فاقتكم، فدعوا له وانصرفوا، ﵀. وحكي عن ابنه دلف أنه رآه بعد موته في المنام في دار وحشة وعرة، سوداء الحيطان، مقلعة السقوف والأبواب، مشوهة البنيان، وأن أباه أبا دلف في غرفة منها في حيطانها أثر النيران، وفي أرضها أثر الرماد، وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه كالحزين، ندمان، قال: فقال لي كالمستفهم: دلف؟ قلت: دلف، فأنشأ يقول: [من الخفيف] أبلغن أهلها ولا تخف عنهم ... ما لقينا في البرزخ الخناق

стр. 981

قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا ... فارحموا وحشتي وما قد ألاقي ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، ثم أنشد: [من الوافر] فلو كنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيّ ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم. وحكايات أبي دلف كثيرة، وله أشعار حسنة، وقد كان أبوه عيسى قد شرع في مدينة الكرج، ثم أتمها القاسم المذكور، وكان بها أهله وأولاده وعشيرته. وتوفي سنة خمس وعشرين ومائتين. ١١٠٥ - [سعيد ابن عفير] (١) سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود مولى الأنصار أبو عثمان المصري، الحافظ العلامة، قاضي الديار المصرية. سمع عبد الله بن وهب، والليث بن سعد وغيرهما. وروى عنه البخاري، ومحمد بن إسحاق الصغاني وغيرهما. وكان أخباريا نسابة شاعرا، كثير الاطلاع، قليل المثل، شهير الفضل. ولد سنة ست وأربعين ومائة، وتوفي سنة ست وعشرين ومائتين. ١١٠٦ - [يحيى بن يحيى النيسابوري] (٢) يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي أبو زكريا النيسابوري، يقال: إنه مولى بني منقر بن سعد. سمع مالك بن أنس، وسليمان بن بلال، وجرير بن عبد الحميد وغيرهم.

стр. 982

وروى عنه البخاري ومسلم وغيرهما. قال إسحاق بن راهويه: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى، ولا أحسبه رأى مثل نفسه، ومات وهو إمام لأهل الدنيا. وكان يشبه بابن المبارك في وقته. وتوفي سلخ صفر سنة ست وعشرين ومائتين. ١١٠٧ - [إسماعيل بن عبد الله الأصبحي] (١) إسماعيل بن أبي أويس-واسم أبي أويس عبد الله-ابن عبد الله ابن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله ابن أخت الإمام مالك بن أنس. سمع خاله مالكا، وأخاه عبد الحميد، وسليمان بن بلال وغيرهم. روى عنه مسلم بواسطة وبغير واسطة، وروى عنه البخاري، وزهير بن حرب، وأحمد بن يوسف وغيرهم. وتوفي سنة ست-أو سبع-وعشرين ومائتين. ١١٠٨ - [إسحاق بن محمد الفروي] (٢) إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة الفروي أبو يعقوب مولى عثمان بن عفان. سمع مالك بن أنس، ومحمد بن جعفر وغيرهما. روى عنه البخاري بواسطة وبغير واسطة. وتوفي سنة ست وعشرين ومائتين.

стр. 983

١١٠٩ - [عياش الرقام] (١) عياش-بمعجمة آخره-ابن الوليد الرّقّام البصري أبو الوليد. سمع عبد الأعلى بن عبد الأعلى، ومحمد بن فضيل، ووكيعا، والوليد بن مسلم وغيرهم. وروى عنه البخاري وغيره. وتوفي سنة ست وعشرين ومائتين. ١١١٠ - [الأفشين القائد] (٢) خيذر بن كاوس المعروف بالأفشين، أحد قواد المعتصم وكبراء أمرائه، يقال: إنه من أولاد الملوك الأكاسرة. وكان بطلا شجاعا مقداما مطاعا، ليس في الأمراء أكبر منه. قدمه المعتصم على جيش عظيم لمحاربة بابك، فكانت بينهما وقائع، انكسر فيها بابك مرارا وانهزم، ثم احتال عليه الأفشين حتى أتى به أسيرا إلى المعتصم كما تقدم (٣). ولما أسر المازيار المجوسي الذي فعل الفعائل بطبرستان .. ضربه المعتصم خمس مائة سوط، فأقر على الأفشين بأنه كان يكاتبه، ويحسن له الخلاف، وجمع المعتصم بينه وبين الأفشين، فقال ذلك في وجهه، وأنكر الأفشين ذلك، فأظهر المعتصم كذب المازيار في نسبة ذلك إلى الأفشين، وخبث عليه في الباطن، ثم إن القاضي أحمد بن أبي دؤاد قال للمعتصم: إن الأفشين أقلف، وإنه مجوسي ويطأ امرأة عربية، فشك المعتصم في ذلك، ثم كشف عن الأمر فوجده صحيحا، فكاتب عبد الله بن طاهر بالقبض على الحسن بن الأفشين وعلى امرأته أترجة بنت أشناس في يوم عيّنه له، ثم قبض المعتصم على الأفشين في ذلك اليوم الذي عينه لابن طاهر، وحبسه وضيق عليه، ومنع الطعام حتى مات، وقيل:

стр. 984

خنق وصلب إلى جانب بابك والمازيار، وذلك في سنة ست وعشرين ومائتين، وتصدق المعتصم عند قتله بعشرة آلاف ألف درهم؛ لأنه كان خائفا منه أن يقتله، قيل: إنه وجد بدار الأفشين أصنام اتهم بعبادتها، فأحرقت، وكان أقلف متهما في دينه. ١١١١ - [الخليفة المعتصم] (١) الخليفة أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي العباسي. ولد بالرقة في شعبان سنة ثمان وسبعين ومائة، وعهد إليه أخوه المأمون بالخلافة، فبويع له يوم مات المأمون بطرسوس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، فلما بويع .. شقت الأتراك عليه، ونادوا للعباس بن المأمون بالخلافة، فأرسل إليه المعتصم وأحضره، وأخذ البيعة عليه، فخرج العباس إلى الجند وقال: قد بايعت عمي، وسلمت الأمر إليه، فقرّوا عند ذلك وسكنوا. وكتب إلى والي بغداد إسحاق بن إبراهيم أن يأخذ له البيعة على من ببغداد، ويتفق مع الفضل بن مروان على ذلك، وأعطى الناس رزق أربعة أشهر. وكان شجاعا شهما مهيبا عسوفا، إذا غضب .. لا يبالي من قتل، ولا بما فعل. وكان أميا لا يكتب، وسبب ذلك: أنه كان معه خادم يتعلم معه فمات، فنظر إليه الرشيد يمشي وحده، فقال: يا محمد؛ أين الخادم؟ قال: يا سيدي؛ مات واستراح من الكتاب، فقال الرشيد: إنا لله، إن حالا يؤثر ولدنا عليها الموت .. لحال يجب علينا أن نعفيه عنها، فتقدم إلى المؤدب بالانصراف عنهم. ومع كونه أميا حكي أنه وصله كتاب من طاغية الروم يتهدده فيه ويتوعده، فأمر الكتاب أن يجيبوا عنه، فكلما كتبوا جوابا وعرضوه عليه .. لم يرتضه، ثم قال للكاتب: اكتب: من محمد المعتصم بالله أمير المؤمنين إلى كلب الروم فلان الفلاني، وصل كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار، ثم سار إلى جهادهم عقب الرسول على الفور، فيقال: إن طاغية الروم قال: هذا الذي تزعمون أنه

стр. 985

أمّيّ، والله؛ لقد ارتعدت مفاصلي من كتابه، فافتتح من أرض الروم عمورية وغيرها من المدن الكبار. وكان يقال له: المثمن؛ لأنه ولد سنة ثمانين ومائة، أو ثمان وسبعين مائة، في ثامن شهر منها، وهو ثامن خلفاء بني العباس، وفتح ثمان فتوحات، ووقف في خدمته ثمانية من ملوك العجم، قتل منهم ستة، ومدة خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وخلف ثمانية بنين وثمان بنات، ومن الذهب ثمانية آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ثمانية عشر ألف ألف درهم، ومن الخيل ثمانين ألف فرس، ومن الجمال والبغال مثل ذلك، ومن المماليك ثمانية آلاف مملوك، وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور، هكذا قيل، فإن صح .. فهو من جملة العجائب. وتوفي بسرّمن رأى لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وعمره ست-أو سبع-وأربعون سنة، وقام بعده ابنه هارون الواثق. ١١١٢ - [بشر الحافي] (١) أبو نصر بشر بن الحارث، الولي الكبير، العارف بالله الشهير، المعروف ببشر الحافي. ذكروا أنه سمع من حماد بن زيد، وإبراهيم بن سعد، واعتنى بالعلم، وتفقه على مذهب الثوري، وحدث باليسير. وكان رأسا في الورع والزهد، وكان يقول لأصحاب الحديث: أدوا زكاة الحديث، قالوا: وما زكاته؟ قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وقيل له: لم لا تحدث؟ قال: إني أحب أن أحدث، ولو أحببت أن أسكت .. لحدثت؛ يعني أخالف نفسي في هواها، وهو مروزي، من أولاد الكتاب والرؤساء. قيل: إن سبب توبته أنه وجد ورقة تداس في الطريق، مكتوب فيها اسم الله فرفعها، وكان معه درهم فاشترى به غالية وطيب الورقة، وجعلها في شق حائط، فرأى في المنام
следующие страницы →