ويُكّبِّرُ إذا سجدَ وإذا رَفَعَ، ويجلسُ ويُسلِّمُ ولا يتشهَّدُ، ويُكره للإمام قراءةُ سجدةٍ في صلاةِ سِرٍّ وسجودُه فيها (*)، ويَلْزَمُ المأمومُ متابعتُه في غيرها (*)، ويستحبُّ سجودُ الشكرِ عند تَجَدُّدِ النِّعمِ واندفاعِ النِّقمِ، وتَبْطُلُ به صلاةُ غيرِ جاهلٍ وناسٍ.
وأوقاتُ النهيِ خمسةٌ: من طلوعِ الفجرِ الثاني إلى ومن طُلوعِها حتى ترتفعَ قِيْدَ رمح، وعندَ قيامِها حتى تَزُولَ، ومن صلاةِ العصرِ
ــ
(*) قوله: (ويُكره للإمام قِراءةُ سجدةٍ في صلاةِ سرٍ وسجودُه فيها)، قال في الشرح الكبير: قال بعضُ أصحابِنا يكره للإمامِ قراءةُ السجدةِ في صلاةِ السرِّ، فإنْ قرأَ لم يَسْجدوا. قال أبو حنيفةَ لأنَّ فيها إيهاماً على المأموم، وقال الشافعيُّ لا يُكره لِمَا رُوي عن ابنِ عُمَرَ أنَّ النبيَّ ﷺ سجدَ في الظهرِ ثم قامَ فركعَ فرأى أصحابَه أَنَّه قرأَ سورةَ السجدةِ. رواه أبو داود (١)، وقال شيخُنا: واتِّباعُ سنةِ النبيِّ ﷺ أَوْلَى ا. هـ.
(*) قوله: (ويلزمُ المأمومُ متابعتُه في غيْرِها)، قال في الشرح الكبير: كذلك قال بعض أصحابنا؛ لأنه ليس بمسنونٍ للإمامِ، ولم يوجدْ الاستماعُ المُقْتَضِي للسُّجود، قال شيخُنا: والأَوْلَى السجودُ لقول النبي ﷺ : (إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به فإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا) (٢) ا. هـ.
стр. 72
إلى غُروبِها، وإذا شرعتَ فيه حتى تتمَّ، ويجوزُ قضاءُ الفرائضِ فيها، وفي الأوقاتِ الثلاثةِ فعلُ ركعتي طوافٍ وإعادةُ جماعةٍ (*)، ويَحْرمُ تَطَوُّعٌ بغيرِها في شيءٍ من الأوقات الخمسة، حتى ما له سبب (*).
ــ
(*) قوله: (وفي الأوقاتِ الثلاثةِ فعلُ ركعتي طوافِ وإعادةُ جماعة)، قال في المقنع: وتجوزُ صلاةُ الجنازةِ وركعتا الطوافِ وإعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجدِ بعد الفجرِ والعصرِ، وهل يجوز في الثلاثة الباقية؟ على روايتين.
قال ابنُ المنذر: إجماعُ المسلمينَ في الصلاةِ على الجنازةِ بعد العصرِ والصبحِ، في الأوقاتِ الثلاثةِ التي في حديث عُقْبَةَ (١) فلا يجوزُ، قال في الشرح الكبير: وتجوزُ ركعتا الطوافِ بعده في هذين الوقتين، وهل في الثلاثة الباقية؟ فيه روايتان إحداهما يجوز؛ لقوله ﷺ : (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف هذا البيتَ وصلَّى أيَّةَ ساعةٍ شاءَ من ليلٍ أو نهارٍ)، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأبي ثَوْرٍ، والثانيةُ: لا يجوزُ لحديثِ عُقْبَة.
(*) قوله: (ويَحْرُمُ تطوعٌ بغيرها في شيءٍ من الأوقاتِ حتى ما له سببٌ) قال في المقنع: ولا يجوزُ التطوعُ بغيرها في شيءٍ من هذه الأوقاتِ الخمسةِ إلا ما له سببٌ، كتحيةِ المسجدِ، وسجودِ التلاوةِ، وصلاةِ الكسوفِ، وقضاءِ السُّنَّةِ الراتبة، فإنها على روايتين. قال في الشرح الكبير: المنصوصُ عن أحمد ﵀ في الوتر أنه يفعلُ بعد طلوعِ الفجرِ قبلَ الصلاةِ لحديثِ: (من نامَ عن الوترِ فَلْيصلِّه إذا أصبح)، فأما سجودُ التلاوة وصلاةُ الكسوفِ وتحيةُ المسجدِ فالمشهورُ في المذهبِ أنه لا يجوزُ فعلُها في شيءٍ من أَوقاتِ النَّهيِ، وكذلك قضاءُ السُّننِ الراتبةِ في الأوقاتِ الثلاثةِ المذكورةِ في حديثِ عُقْبَة، انتهى ملخصاً.
قال في الاختيارات: ولا نَهْيَ بعدَ طلوعِ الشمسِ إلى زوالِها يوم الجمعةِ، وهو قولُ الشافعيِّ وتُقْضَى السننُ الراتبةُ، ويُفعلُ ما لهُ سببٌ، ويُفعلُ ما له سبب في أوقاتِ النَّهيِ، وهي إحدى الروايتين عن أحمدَ، واختيارُ جماعةٍ من أصحابِنا وغيرِهم.
стр. 73
باب صلاة الجماعة
تلزم الرجال للصلواتِ الخمس، لا شرطٌ، وله في بيته (*)، وتُستحب صلاةُ أهلِ في مسجدٍ واحدٍ، والأفضلُ لغيِرهم في المسجدِ الذي لا تقامُ فيه الجماعةُ إلا بحضورِه، ثم ما كان أكثر جماعةً، ثم المسجدُ
ــ
(*) قوله: (وله فعلُها في بيته) أي جماعةً في بعضِ الأحيانِ، وعنه أنَّ حضورَ المسجدِ واجبٌ على القريبِ منه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا صلاة لجار في المسجد) وعن أبي هريرة قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى فقال يا رسول اللهِ ليس لي قائدٌ يقودُني إلى المسجدِ فسألَهُ أن يُرخِّصَ له أن يُصَلِّيَ في بيتهِ فرخَّصَ له. فلمّا ولَّى دعاه فقال: (أتسمعُ النِّداءَ بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فغيرُه فأَجِبْ) رواه مسلم (١). وإذا لم يُرَخِّصْ للأعمى الذي لا قائدَ له فغيرُه أَوْلَى. قال في الاختيارات: والجماعةُ شرطٌ للصلاةِ المكتوبَةِ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ولو لم في مِلْكِ غيرِه فعل. فإذا صلَّى وحدَه لغيرِ عذرٍ لم تصحَّ صلاتُه. وفي الفتاوى المِصْريةِ: وإذا قلنا هي واجبةٌ على الأعيانِ وهو المنصوصُ عن أحمدَ وغيرِه من أئمةِ السَّلَفِ وفقهاءِ الحديث، فهؤلاءِ تنازعُوا فيما إذا صلَّى منفردا يُغْشِي عذر هل تصحُّ صلاته؟ على قولين: أحدهما لا تصحُّ، وهو قول طائفةٍ من قدماءِ أصحابِ أحمدَ (والثاني) تصحُّ مع إثمه بالتَّرْكِ، وهو المأثورُ عن أحمدَ وقول أكثرِ أصحابِه.
стр. 74
العتيقُ، وأبعدُ أولى من أَقْرب (*)، ويَحْرُمُ أنْ يَؤُمَّ في مسجدٍ قبل إِمَامِهِ الراتبِ إلا بإذنِه أو عذره، ومن صلَّى ثم أُقيمَ فرضٌ سُنَّ له أَنْ يُعيدَها، إلا المغربَ (*)،
ــ
(*) قوله: (وأبعدُ أَوْلَى من أَقْرب). قال في المُقنع: وهل الأَوْلى قَصْدُ الأبعدِ أو الأقربِ؟ على روايتين. قال في الشرح الكبير: (إحداهما) قَصْدُ الأَبْعَدِ أَفْضَلُ لقولِ النبيِّ ﷺ (أعظمُ الناس أجراً في الصلاةِ أَبْعَدَهُمْ فَأَبْعَدُهمْ مَمْشَى) (١) (والثانية) قَصْدُ الأَقْربِ، لأنَّ له جِواراً فكانَ أحقَّ بصلاتِه، ولقوله ﵇: (لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ) (٢) ا. هـ. قلت: يختلف ذلك باختلافِ المقاصدِ والنياتِ والمصالحِ والمفاسدِ.
(*) قوله: (ومن صلَّى ثم أُقيمَ فرضٌ سُنَّ أن يُعيدَها إلا المغربَ). قال في المقنع: وعنه يعيدُها ويشفعُها قال في الشرح الكبير: فأما المغربُ ففي استحبابِ إعادتِها روايتان (إحداهما): قياساً على سائرِ الصلواتِ (والثاني): لا يُستحَبُّ، حكاها أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ التطوعَ لا يكونُ بوتر. فإن قلنا: تُستحبُ شَفْعَها برابعة، نَصَّ عليه أحمدُ وبه قال الأسودُ بنُ يزيد والزهريُّ والشافعيُّ وإسحاقُ. وعن حُذَيْفَة أنه أعادَ الظهرَ والمغربَ وكان قد صلاهنَّ في جماعة. رواه الأَثْرم.
стр. 75
ولا تُكره إعادةُ الجماعةِ في غيرِ مَسْجِدَيْ مكةَ والمدينة (*): فَيَقْطَعها، ومَنْ كَبَّر قبلَ سلامِ إمامهِ لحقَ الجماعةَ.
وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، فإنْ كان في نافلةٍ أتمَّها، إلا أنْ يَخْشَى فَواتَ الجماعةِ فَيَقْطَعَهَا، ومن كبَّرَ قَّبْلَ سَلاَمِ إِمامِةِ لَحِقَ الجماعةَ، وإن في الركعة وأجزأَتْه التحريمة، ولا قراءةَ على مأموم، وتستحبُّ في إسرارِ إمامِهِ وسكوتِه (*)، وإذا لم يَسْمَعْه لِبُعْدٍ لا لِطَرَشٍ، ويَسْتفتحُ ويتعوذُ فيما يَجْهرُ فيه إمامه.
ــ
(*) قوله: (ولا تكره في غير مسجدي مكة والمدينة). قال في الشرح الكبير: فأما إعادتُها في المسجدِ الحرامِ ومسجدِ النبيِّ ﷺ والمسجدِ الأقصى، فقد روي عن أحمدَ كراهتُه، وذكرَه أصحابُنا، لئلا يَتَوانَى الناسُ في حضورِ الجماعةِ مع الإمامِ في الجماعةِ مع غيرِه، وظاهرُ خبرِ أبي سعيدٍ وأبي أُمَامةَ أنه لا يُكْرَهُ، لأنَّ الظاهرَ أنَّ ذلك كانَ في مسجدِ النبي ﷺ ولأن المعنى يقتضيه، لأن حصولَ فضيلةِ الجماعةِ فيها كحصولها في غيرِها، والله أعلم. انتهى.
قال في الاختيارات: ولا يعيدُ الصلاةَ مَنْ بالمسجدِ وغيره بلا سبب.
(*) قوله: (ولا قراءةَ على مأمومٍ، ويستحب في إسْرارِ إمامهِ وسكوتهِ). قال أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ: للإمام سكتتانِ فاغتنمْ فيهما القراءةَ بفاتحةِ الكتابِ، إذا دخلَ في الصلاةِ وإذا قال ولا الضَّالِّين، وقال عروة: أما أنا فأغتنم من الإمامِ اثنتينِ: إذا قال غير المغضوبِ عليهم ولا الضَّالِّين فأقرأُ عندها، وحين يختم السورةَ فاقرأُ قبلَ أن يَرْكعَ. وعن عُبَادَةَ بن الصَّامتِ ﵁ قال: صلَّى رسول الله ﷺ الصبحَ فَثَقُلَتْ عليه القراءةُ فلما انصرفَ قال: إني أراكُم تقرأونَ وراءَ إمامِكم، قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأمِّ القرآنِ فإنه لا لم يقرأْ بها (١). رواهُ أبو داود. =
стр. 76
ومن ركعَ أو سجدَ قبلَ إمامِه (*) فعليه أن يَرْجعَ ليأتيَ به بعده، فإنْ لم يَفْعلْ عمداً بَطَلَتْ، وإن ركعَ ورفع قبل ركوع إمامه عالماً عَمْداً بَطَلَتْ، وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت الركعةُ فقط، وإن رَكعَ ورَفعَ قبل ركوعهِ ثم سجدَ قبلَ رَفْعِهِ بطلتْ إلا الجاهلَ والناسيَ، ويصلِّي تلك الركعةَ قضاءً.
ويسنُّ للإمام التخفيفُ مع الإتمامِ وتطويلِ الركعةِ الأولى أكثر من الثانيةِ، ويُسْتحبُّ انتظارُ داخلٍ إن لم يَشُقَّ على مأمومٍ، وإذا استأذنت المرأةُ إلى المسجدِ كُرِهَ مَنْعُها، وبيتُها خيرٌ لها.
ــ
= والتِّرمذيُّ. قال في المغني: يستحبُّ أن يسكتَ الإمامُ عَقِبَ قراءةِ الفاتحةِ سَكْتةً يستريحُ فيها ويقرأُ فيها مَنْ خَلْفَه الفاتحةَ لئلا يُنازعوه فيها.
(*) قوله: (ومنْ ركعَ أو سجدَ قبل إمامِه)، إلخ قال في الشرح الكبير: (مسألة) فإنْ ركعَ أو رفعَ قبلَ ركوع إمامِه عالماً عمداً فهل تبطل صلاته؟ على وجهين: (أحدهما): تَبْطُل للنَّهيِ والثاني: لا تبطلُ؛ لأنه سبقه بركنٍ واحدٍ فهي كالتي قبلَها.
قال ابنُ عَقيل: اختلفَ أصحابُنا فقال بعضهم: تبطل الصلاةُ بالسبقِ بأي رُكنٍ من الأركان، ركوعاً كان أو سجوداً أو قياماً. وقال بعضهم: السَّبقُ المُبطِلُ مختصٌّ بالركوع، لأنه الذي يحصُل به إدراكُ الركعةِ وتفوتُ بفواتِه، فجاز أن يَخْتصَّ بُطلانُ الصلاة بالسَّبْقِ به، وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطلْ صلاتُه لقول رسول الله ﷺ : (عُفي لأُمتي عن الخطأ والنسيان" وهل تبطل الركعة؟ فيه روايتان: (إحداهما): تبطُلُ، في الرُّكوعِ أشْبه ما لَو لم يُدركْه، (والأخرى): لا تبطل للخبر، فأما إن ركع قبل ركوعِ إمامهِ فلمَّا ركعَ الإمامُ سجدَ قبل رَفْعهِ بَطَلَتْ صلاتهُ إن كان عمداً، لأنه لم يقتد بإمامه في أكثر الركعة، وإن فَعَلهُ جاهلاً أو ناسياً لم تَبطُلْ للحديث، ولم يعتدَّ بتلك الركعةِ لعدم اقتدائِه بإمامِه فيها. انتهى.
стр. 77
فصل
الأولى بالإمامة الأقرأ العالم فقه صلاته، ثم الأفقه، ثم الأسن، ثم الأشرف، (ثم الأقدم هجرة)، ثم الأتقى، ثم من قرع، وساكن البيت وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان. وحر وحاضر ومقيم وبصير من ضدهم.
ولا تصح خلف فاسق ككافر (*) ولا امرأةٍ وخُنْثَى للرِّجال،
ــ
(*) قوله: (ولا تصحُّ خلفَ فاسقٍ ككافرٍ). قال في المقنع: وهل تَصْلُح إمامةُ في الشَّرح الكبير: والفاسقُ ينقسمُ على قسمين: فاسقٌ من جهةِ الاعتقادِ، وفاسقٌ من جهةِ الأفعال. فأمَّا الفاسقُ من جهةِ الاعتقادِ فمتى كان يعلن بِدعتَه ويتكلمُ بها ويدعو إليها ويناظرُ لم تصحَّ إمامتُه، وعلى قال أحمدُ: لا يُصَلَّى خلفَ أحدٍ من أهل الأهواءِ إذا كان داعيةً إلى هواه، وقال: لا يُصَلَّى خَلف المُرْجِئ إذا كان داعيةً. وقال الحسنُ والشافعيُّ: الصلاةُ خلفَ أهلِ البدعِ جائزةٌ بكلِّ حالٍ لقول النبيِّ ﷺ : (صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قال لا إله إلا الله) (١)، وقال نافع كان ابنُ عمرَ يُصلِّي خلفَ الخَشَبِيَّة (٢) والخوارج زمنَ ابنِ الزبيرِ وهم يَقْتتلون، فقيل له: أتصلي مع هؤلاء وبعضُهم يقتلُ بعضاً؟ فقال: من قال: حيَّ على الصلاةِ أجبتُه، ومن قال: حيَّ على قتل أخيكَ المسلمِ وأَخْذِ مالِهِ قلتُ: لا. رواه سعيد. وكان ابنُ عمر يصلِّي مع الحَجَّاج.
وأما الجُمَعُ والأعيادُ فتُصلَّى خلفَ كلّ بَرٍ وفاجرٍ، وقد كان أحمدُ يشهدُها مع المعتزلة، وكذلك من كانَ من العلماءِ في عَصْرِه. اهـ ملخصاً.
стр. 78
ولا صَبيّ لبالغ (*)، ولا أخرسَ، ولا عاجزٍ عن ركوعٍ أو سجودٍ أو قعودٍ أو قيامٍ إلا إمامَ الحيِّ المَرْجُوَّ زوالُ علتِّه (*)، ويصلُّون وراءه جلوساً ندباً، وإن ابتدأ بهم قائماً ثم اعتلَّ فجلس أَتَمُّوا خَلْفَهُ قياماً وجوباً.
وتصحُّ خلفَ من به سَلَسُ البولِ بمثله، ولا تصحُّ خلفَ مُحدِثٍ ولا مُتنجسٍ يَعلمُ ذلك. فإن جَهِل هو المأْمُومُ حتى انقضتْ صحَّتْ لمأمومٍ وحدَه (*)،
ــ
(*) قوله: (ولا صبيٍ لبالغ). هذا المذهبُ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأجازهُ الحسنُ والشافعيُّ وإسحاقُ وابنُ المنذرِ لحديثِ عمرو بنِ سَلَمَةَ (١)، قال في سُبُلِ السَّلام: وتقديمُه وهو ابنُ سبْعِ سنينَ دليلٌ لما قاله الحسنُ البصريُّ والشافعيُّ وإسحاقُ من أنَّه لا كراهةَ في إمامةِ المُمَيِّز، وكرهَها مالكٌ والثوريُّ، وعن أحمدَ وأبي حنيفةَ روايتان والمشهورُ عنهما الإجزاءُ في النوافلِ دون الفرائضِ، قال: ويحتاجُ من ادَّعى التفرقةَ بين الفرضِ والنَّفْلِ إلى دليل.
(*) قوله: (إلا إمامَ الحيِّ المَرْجُوَّ زوالُ عِلَّتِه)، قال البخاري: (باب إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَّم به) وصلَّى النبيُّ ﷺ في مرضِه الذي تُوفِّي فيه بالنَّاسِ وهو جالسٌ- إلى أن قال- قال الحُميدي قولُه: (إذا صلَّى جالساً فصلُّوا جلوساً) هو في مرضِه القديم، ثم صلَّى بعد ذلك النبيَّ ﷺ جالساً والناسُ خلفَه قيامٌ لم يأمرْهم بالقعودِ، وإنما يُؤخذُ بالآخِر فالآخِرِ من فِعْلِ النبيِّ ﷺ .
(*) قولُه: (ولا تصحُّ خلفَ مُحدِثٍ ولا مُتنجِّسٍ يَعلمُ ذلك، فإنْ جِهِلَ هو والمأمومُ حتى انقضتْ صحَّتْ لمأمومٍ وحده)، وهو قولُ الشافعيِّ ومالكٍ، وقال =
стр. 79
ولا تصحُّ إمامةُ الأُمِّي وهو مَنْ لا يُحْسِنُ الفاتحةَ أو يُدْغِمُ فيها ما لا يُدْغَمُ، أو يبدل حرفاً (*)، أو يَلْحنُ فيها لَحْناً يُحيلُ إلا بِمثْلِه، وإنْ قَدَرَ على إصلاحهِ لم تصحَّ صلاتُه. وتُكرهُ إمامةُ اللحَّانِ والفَأْفَاءِ والتَّمْتَامِ ومَنْ لا يُفْصِحُ ببعضِ الحروف، وأَنْ يَؤُمَّ أجنبيةً فأكثرَ لَا رجلَ معهن (*)، أو قوماً
ــ
= أبو حنيفة: يُعيدونَ جميعاً. قال في الشرح الكبير: ولنا إجماعُ الصحابةِ ﵃، فَرُوي أنَّ عمرَ صلَّى بالناس الصُّبْحَ ثم خَرجَ إلى الجُرْفِ فأهْراقَ الماءَ فوجَدَ في ثوبِهِ احتلاماً، فأعاد ولم يُعدِ الناسُ (١). وعن البراءِ بن عازبٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (إذا صَلَّى الجنبُ بقومٍ أعادَ صلاتَه وتمَّت للقومِ صلاتُهم) رواه أبو سليمانُ محمدُ بن الحسين الحرَّاني (٢).
(*) قوله: (أو يبدلُ حرفاً)، قال في الفروع: وإن قرأ: (غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالين) بظاء فالوجه الثالث يصح مع الجهل. قال في تصحيح الفروع: (أحدها) لا تَبْطُل الصلاةُ، اختاره القاضي والشيخُ تقيُّ الدين، وقَدَّمه في المغني (٣) والشرح وهو الصواب ا. هـ.
(*) قوله: (وأنْ يؤمَّ أجنبيةً فأكثرَ لا رجلَ معهن)، قال في الشرح: لنَهْيهِ ﵇ أنْ يَخْلُوَ الرجلُ بالأجنبيةِ (قلت): والظاهرُ أن النَّهْيَ فيما شَيْءٌ خلا بها وحدَها، ولفظ الحديث: (لا يَخْلو رجلٌ بامرأةٍ إلا والشيطانُ ثالثُهما) (٤)، وأما إذا كُنَّ =
стр. 80
أكثرُهم يكرهه بِحقٍّ. وتَصحُّ إمامةُ ولدِ الزِّنا والجُنْديِّ إذا سَلِمَ دينُهما، ومن يُؤدِّي الصلاةَ بمنْ يَقْضيها، وعكسُه، لا مُفْترِضٌ بِمُتنفِّلٍ (*)، ولا مَنْ يصلِّي الظهرَ بمن يصلِّي العصرَ أو غيرَها.
فصل
يقفُ المأمومُ خلفَ الإمامِ. ويصحُّ معه عن يمينهِ أو عن جانبيهِ لا قُدَّامَهُ ولا عن يَسارِه فقط، ولا الفَذُّ خلْفَه أو خلْفَ الصفِّ (*)، إلا أن تكونَ امرأةً،
ــ
= جمعاً فلا نَهْيَ في ذلك، لما رَوَى عبدُالله ابنُ أحمدَ من حديث أُبيِّ بنِ كعبٍ أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله عملتُ الليلةَ عملاً، قال: ما هو؟ قال: نِسْوةٌ معي في الدَّارِ قُلْن: إنَّكَ تقرأُ ولا نقرأُ، فصلِّ بنا فصلَّيْتُ ثمانياً والوترَ، فسكتَ النبي ﷺ ، قال: فرأينا أن سكوتَه رِضاً.
(*) قوله "ومَنْ يؤدِّي الصلاةَ بمَنْ يَقْضيها وعكسُه لا مفترِضٌ بمتنفِّلٍ الخ، قال في المقنع: ويصحُّ ائتمامُ من يؤدِّي الصلاةَ بمن يَقْضيها، ويصحُّ ائتمامُ المفترِضِ بالمتنفِّلِ، ومن يصلِّي الظُّهرَ بمن يصلِّي العصر في إحدى الروايتين، والأُخرى لا تَصِحُّ فيهما، قال في الاختيارات: وأصحُّ الطَّريقتين لأَصْحابِ أحمدَ أنه يَصِحُّ ائتمامُ القاضي بالمؤدِّي والعكسُ، ولا يَخرجُ عن ذلك ائتمام المُفْتَرِضِ بالمُتنفِّلِ ولو اختلفا، وهو اختيارُ أبي البركات وغيرِه.
(*) قوله: (ولا الفَذُّ خَلْفَه أو خَلْفَ الصفِّ). قال في الاختيارات: وتَصحُّ صلاةُ الفذِّ لعُذرٍ، وقاله إلا موقفاً خَلْفَ الصفِّ، فالأفضلُ أن يقفَ وحده ولا يَجْذِبَ مَنْ يُصَافُّهُ لِمَا في الجَذْبِ من التصرُّفِ في يُغْنِ وإذا ركعَ دونَ الصفِّ دخل الصفَّ بعد اعتدالِ الإمامِ كان ذلك سائغاً.
стр. 81
وإمامةُ النساءِ تقفُ في صفِّهنّ (*)، ويليهِ الرجالُ ثم الصِّبيانُ ثم النِّساءُ، كجَنائزِهمْ، ومن لم يقفْ معه إلا كافرٌ أو امرأةٌ أو مَنْ عَلِمَ حَدَثَهُ أحدُهما أو صبيٌّ في فرضٍ فَفَذٌّ، ومن وَجَدَ فُرْجَةً دخلَها، وإلا عن يمينِ الإمامِ، فإن لم يُمكنْهُ فله أن يُنبِّهَ من يقومُ معه، فإذا صلَّى فَذّاً ركعةً لم تصحَّ، وإن رَكَع فَذّاً ثم دخَلَ في الصفِّ أو وَقفَ معه آخرُ قبلَ سجودِ الإمامِ صحَّتْ.
فصل
يصحُّ اقتداءُ المأمومِ بالإمامِ في المسجدِ وإنْ لم يَرَهُ (*) ولا مَنْ وراءه إذا
ــ
(*) قوله: (وإمامةُ النِّساءِ تقفُ في صفهن)، قال في الشرح الكبير: لا نعلمُ في ذلك خلافاً بينَ من رأى أن تَؤُمَّهُنَّ، قوله: (أو صبيٌّ في فرض فَفَذٌّ)، قال في الفروع: وانعقادُ الجماعةِ بالصَّبِّيِ ومُصافَّتُه كإمامتِه، لأنه ليس من أهلِ الشهادةِ وفَرْضُه نَفْلٌ، وقيل: يصحُّ وهو أَظْهرُ، ا. هـ. قال الحافظُ بنُ حجرٍ على حديثِ أنسٍ (وصَفَفْتُ أنا واليتيمُ وراءَهُ والعجوزُ مِنْ ورائِنا) (١) فيه قيامُ الصبيِّ مع الرَّجُلِ صَفّاً، وأنَّ المرأةَ لا تَصُفُّ مع الرِّجالِ فلو خالفتْ أجزأتْ صلاتُها عند الجُمهور.
(*) قال في الاختيارات: والمأمومُ إذا كان بينه وبين الإمامِ ما يمنعُ الرؤْيةَ والاستطراقَ صحَّتْ صلاتُه إذا كانتْ لعذرٍ (٢)، وهو قولٌ في مذهبِ أحمدَ وغيرهِ، ويُنْشَأُ مسجدٌ إلى جَنبِ ولم يُقْصَدِ الضَّرَرُ، فإن قُصِدَ الضررُ ولا حاجةَ فلا يُنشأ.
стр. 82
سمعَ التكبيرَ، وكذا خارجَه إن رأى الإمامَ أو المأمومين إذا اتّصلتْ الصفوفُ، وتصحُّ خلفَ إمامٍ عالٍ عنهم، ويُكرَهُ إذا كانَ العلوُّ ذراعاً فأكْثرَ كإمامتِه في الطَّاقِ، وتطوُّعِه موضعَ المكتوبةِ إلا مِنْ حاجةٍ، وإطالةُ قُعودِه بعد السَّلامِ مستقبلَ القِبْلَةِ، فإنْ كان ثَمَّ نساءٌ لبِثَ قليلاً لِينْصرِفْنَ، ويُكرَهُ وقوفُهم بين السَّواري إذا قَطَعْنَ الصُّفوفَ.
فصل
ويُعْذَرُ لتَرْكِ جُمُعةٍ أو جماعةٍ مريضٌ، ومُدافعٌ أَحَدَ الأَخْبثَينْ، ومَنْ بحضرةِ طعامٍ محتاج من ضياعِ مالِهِ أو فَواتهِ أو ضَررٍ فيه، أو موتِ قريبهِ أو على نفْسهِ من ضَررٍ أو سُلطانٍ أو مُلازمةِ غريمٍ ولا شيءَ معه، أو من فواتِ رفقتِه، أو غلبةِ نُعاسٍ، أو أذىً بمطرٍ أو وَحلٍ، أو بريحٍ باردةٍ شديدةٍ في ليلةٍ مُظْلِمة باردةٍ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 83
باب صلاة أهل الأعذار
تَلزمُ المريضَ الصلاةُ قائماً، فإن لم يستطعْ فقاعداً، فإن عَجزَ فعلى جَنْبِه، فإن صلَّى مُستلقياً إلى القِبْلةِ صَحَّ، ويُومِئُ راكعاً وساجداً ويخفِضُه عن الركوعِ، فإن عجز أَوْمَأَ بعينهِ، في أثنائِها انتقلَ إلى الآخر، وإن قَدَرَ على قيامٍ وقُعودٍ دونَ ركوعٍ وسجودٍ أَوْمَأَ بركوعٍ قائماً وبسجودٍ قاعداً، ولمريضٍ الصلاةُ مستلقياً مع القُدْرةِ على القيامِ لمداواةٍ بقولِ طبيبٍ مسلمٍ. ولا تصحُّ صلاتُه في السفينةِ قاعداً وهو قادرٌ على القيامِ (*)، ويصحُّ الفرضُ على الراحلةِ خشيةَ التأذِّي بالوحلِ لا للمرض (*).
ــ
(*) قوله: (ولا تصحُّ صلاتُه في السفينةِ قاعداً وهو قادر على القيام). قال في الشرح الكبير: اختلف قوله في الصلاةِ في السفينةِ مع القُدرةِ على الخروجِ، على روايتين (إحداهما): لا يجوزُ لأنَّها ليستْ حالَ استقرارٍ أَشْبَهَ الصَّلاةَ على الراحلةِ، (والثانية): يصحُّ لأنه يَتمكنُ من القيامِ والركوع والسجودِ، أَشْبَهَ الصَّلاةَ على الأرض. وسواءٌ في ذلك الجاريةُ والواقفةُ والمسافرُ والحاضرُ، وهي أَصَحُّ ا. هـ. وعن ابنِ عُمَرَ قال: سُئل النبيُّ ﷺ كيف أُصلِّي في السَّفينةِ؟ قال: "صلِّ فيها قائماً إلا أن تخافَ الغَرَق". رواه الدَّارَقُطْني.
قال البخاريُّ: وصلَّى جابرٌ وأبو سعيدٍ في في السفينةِ قائماً، وقال الحسنُ: قائماً ما لم تَشُقَّ على أصحابِك تدورُ معها وإلا فقاعداً ا. هـ.
(*) قوله: (ويصحُّ الفرضُ على الراحلةِ خَشيةَ التأذِّي بالوحلِ لا للمرضِ). قال في المقنع: وهل يجوزُ ذلك للمريضِ؟ على روايتين. قال في الشرح الكبير: وجملةُ ذلك أن الصلاةَ على الراحلةِ لأَجلِ المرضِ لا تخلو من ثلاثة أحوال: (أحدُها): أن =
стр. 84
فصل
من سافر سفراً مباحاً أربعةَ بُرُدٍ (*) سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ ركعتينِ إذا فارقَ عَامِرَ قَرْيتهِ أو ثم سافرَ أو سَفراً ثم أقامَ أو ذَكرَ صلاةَ حضرٍ في أو عَكْسَها، أو ائتمَّ بمُقيمٍ أو بمن أو أحرم بصلاةٍ يَلزمُه إتْمامُها ففسَدتْ وأعادَهُ أو لم يَنوْ القَصْرَ عند إحرامِها (*)، أو أو نوى إقامةً أكثرَ من أربعةِ أيامٍ، أو ملاَّحاً معه أهلُه لا يَنْوي الإقامةَ ببلدٍ لزمَهُ
ــ
= يخافَ الانقطاعَ عن الرُّفْقةِ أو العجزَ عن الركوبِ أو زيادةَ المرضِ ونحوه فيجوزُ له ذلك. و (الثاني): أن لا يتضرَّر بالنزول ولا يَشُقَّ عليه فيلزمه النزولُ. أن يَشُقَّ عليه النزولُ مشَّقةً يمكنُ تحملُها من غيرِ خوفٍ ولا زيادةِ مرضٍ ففيه الروايتان: (إحداهما): لا تجوزُ له الصلاةُ على الراحلةِ، لأن كان يُنزِلُ مَرْضاه (والثانية): يجوزُ، اختارها أبو بكر لأنَّ المشقةَ في النزولِ في المَطَر فكانَ إباحتُها ههنا أَوْلَى ا. هـ.
قال في الاختيارات: وتصحُّ صلاةُ الفرضِ على الراحلةِ خشيةَ الانقطاعِ عن الرفقةِ أو حصولِ ضررٍ بالمَشْي، أو تبرز للخفر.
(*) قوله: (من سافر سفراً مباحاً أربعةَ بُرُدٍ). قال في الاختيارات: أما خروجُه إلى بعضِ عملِ أرضِه، وخروجُه ﷺ إلى قُباء فلا يُسمَّى سفراً ولو كان بريداً ولهذا لا يتزوَّدُ ولا يتأهَّبُ له أُهبَةَ السفر.
(*) قوله: (أو لم يَنْوِ القَصْرَ عند إحرامِها). قال في الفروع: واختار جماعةٌ: يصحُّ القَصْرُ بلا نيةٍ وفاقاً لأبي حنيفة ومالك.
стр. 85
أن يُتِمَّ، وإن كان له طريقانِ فَسلكَ أبعدَهما أو ذَكرَ صلاةَ سفرٍ في آخر قَصْرٍ، وإن حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً أو أقامَ لقضاءِ حاجةٍ بلا نيَّةٍ إقامةً قَصَرَ أبداً (*).
ــ
(*) قوله: (وإن حبس ولم ينو إقامة أو أقام لقضاءِ بلا نيَّةٍ إقامة قَصْرٍ أبداً). قال في الفروع: قال ابن المُنذر: للمسافر القَصْرُ ما لم يجمعْ إقامةً وإنْ أَتَى عليه سِنونَ إجماعاً. وفي التلخيص: إقامةُ الجيشِ الطويلةُ للغَزْوِ ولا تمنع الترخُّص لقوله ﵇. قال الشَّوكاني: وإذا أقامَ ببلدٍ متِّردداً قَصَرَ إلى عشرينَ يوماً ثم يُتِمّ. وعن ابنِ عباسٍ قال: لما فتحَ النبيُّ ﷺ مكةَ أقامَ فيها تسعَ عشرةَ ليلةً يصلِّي ركعتين. فنحنُ إذا سافرنا فأقْمنا تسعَ عشرةَ قَصَرْنا وإن زِدْنا أتْممنا. رواه البخاري (١) وغيره.
قال في الاختيارات: والجمعُ بين في السفرِ يختصُّ بمحلِ الحاجةِ؛ لأنه من رُخَصِ السفرِ من تقديمٍ وتأخيرٍ، وهو ظاهرُ مذهبِ أحمد المنصوص عليه، ويَجمعُ لتحصيلِ الجماعةِ وللصَّلاةِ في الحمَّامِ مع جوازِها فيه خوفَ فواتِ الوقْتِ، ولخوفِ تَحَرُّجٍ في تَرْكِه. وفي الصحيحين من حديثِ ابنِ عباسٍ أنه سُئل: لمَ فعلَ ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أحداً من أُمَّته (٢). فلم يعلِّلْهَ بمرضٍ أو غيرِه، وأوسعُ المذاهب في الجَمْع مذهبُ أحمدَ فإنه يجوز الجمع إذا كان له شُغل كما رَوى النَّسائيُّ ذلك مرفوعاً إلى النبي ﷺ (٣)، وأَوَّلَ القاضي وغيرُه نصَّ أحمدَ أن المرادَ بالشُّغْلِ الذي يُبيحُ تركَ الجُمُعةِ والجماعة ا. هـ.
стр. 86
فصل
يجوز الجمع بين الظُّهرين وبين العشاءينِ في وقتِ إحداهما في سفرِ قصرٍ، ولمريضٍ يَلْحقهُ بتركِهِ مشقَّةٌ، وبين العشاءين لمطرٍ يبلُّ الثيابَ ولوحلٍ وريحٍ شديدةٍ باردةٍ، ولو في بيتهِ أو في مسجدٍ طريقهُ تحت ساباطٍ (*). والأفضل فعل الأرفق به من تقديم وتأخير، في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند إحرامها، ولا يفرِّق بينهما إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف، ويبطل براتبة بينهما (*)، وأن يكون العذر موجودا عند افتتاحهما وسلام الأولى، وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجميع في وقت الأولى، إن لم يضق عن فعلها، واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.
ــ
(*) قوله: (وفي مسجدٍ طريقهُ تحَتَ ساباطٍ). قال في المقنع: وهل يجوزُ لأجلِ الوَحْلِ والريحِ الشديدةِ الباردةِ أو لمن يُصلِّي في بيتهِ أو في مسجدٍ طُرقهُ تحتَ ساباطٍ على وَجْهينِ قال في الشرح الكبير: (إحداهما): الجوازُ؛ لأن الرُّخصةَ العامةَ يستوي فيها حالُ وجودِ المشقةِ وعدمِها كالسَّفرِ والثاني: المَنْعُ؛ لأن الجمعَ لأجلِ المشقة. ا. هـ. ملخصاً.
(*) قوله: (ويبطل براتبة بينهما)، قال في المقنع: فإن صلى السُّنُّةَ بينهما بَطَلَ الجمعُ في إحدى الروايتين، قال في الاختيارات: ولا في الجَمْعِ في وقتِ الأُولى، وهو مأخوذٌ من نصِّ في جَمْعِ المطرِ إذا صلَّى إحدى الصلاتينِ في بيته والأخرى في المسجدِ فلا بأسَ. ومن نصَّه في رواية أبي طالب: للمسافرِ أن يُصلِّيَ العشاءَ قبلَ أن يغيبَ الشَّفَقُ، وعلَّله أحمدُ بأنه له الجَمْعُ. وقال أيضاً: ولا يُشْتَرَطُ للقَصْرِ والجمعِ نيَّةٌ، واختاره أبو بكر عبدالعزيز بن جعفر وغيرُه.
стр. 87
فصل
وصلاةُ الخوفِ صحَّتْ عن النبيِّ ﷺ بصفات كلها جائزة (*).
ويُستحَبُ أن يَحملَ معه في صلاتِها من السِّلاحِ ما يَدْفعُ به عن نفسِهِ ولا يُثقلهُ كسيفٍ ونحوه.
ــ
(*) قال الخطَّابي: صلاةُ الخوفِ أنواعٌ صلاها النبيُّ ﷺ في أيامٍ مُختلِفَةٍ بأشكالٍ متباينةٍ يتحرَّى في كُلِّها ما هو الأَحْوَطُ للصلاةِ والأبلغُ في الحراسةِ، فهي على اختلافِ صورها مُتَّفقةُ المعنى.
قال الخرقي: وإنْ خافَ وهو مقيمٌ صلَّى بكل طائفةٍ ركعتين وأتمَّتْ الطائفةُ الأُولى بالحمد لله في كلِّ ركعةٍ، والطائفةُ الأُخرى تتم بالحمد لله وسورة: قال الحافظ ابن حجر: صلاة الخوفِ في الحَضَرِ قال بها الشافعيُّ والجمهور.
стр. 88
باب صلاة الجمعة
تَلْزمُ كلَّ ذَكَرٍ حُرٍّ، مُكلَّفٍ، مسلمٍ، مستوطنٍ ببناء (*) اسُمه واحدٌ ولو تَفَرَّق، ليس بينه وبين المسجدِ أكثرُ من فَرْسَخٍ، ولا تجبُ على مسافرٍ سَفَرَ قَصْرٍ ولا عبدٍ ولا امرأةٍ، ومن حضرَها منهم أجزأتْه ولم تنعقدْ به، ولم يصحَّ أن يَؤُمَّ فيها (*)، ومَنْ سقطتْ عنه عليه إذا حَضرَها وانعقدتْ به، ومن صلَّى الظُّهرَ ممَّنْ عليه حضورُ الجمعةِ قبل صلاة الإمامِ لم تصح، وتصحُّ ممن لا تجبُ عليه، والأفضلُ حتى يُصلِّيَ الإمامُ. ولا يجوزُ لمن تَلزمهُ السفرُ في يومِها بعدَ الزوال.
فصل
يشترطُ لصِحَّتِها شروطٌ ليس منها إِذنُ الإمامِ.
أحدُها: الوقتُ: وأولُه أولُ وقتِ صلاةِ العيد (*)، وآخرُهُ آخرُ وقتِ صلاةِ
ــ
(*) قوله: (مستوطِن ببناء). قال في الاختيارات: وتجبُ الجُمعةُ على من أقدم في غير بناءٍ كالخيامِ، وبيوتِ الشعرِ ونحوِها، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، وحَكَى الأزجيُّ روايةً عن أحمدَ: ليسَ على أهلِ الباديةِ جُمعةٌ؛ لأنهم يتنقلون فأسْقَطَها عنهم، وعلل بأنهم غيرُ مستوطِنين. وقال أبو العباس في موضع في الخيام ونحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرعُ أهلُ القريةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَلزمَ الجمعةُ مسافراً له القصرُ تَبَعاً للمقيمين.
(*) قوله: (ومن حضرها منهم أجزأتْه ولم تنعقدْ به ولم تصحَّ أن يوُتمَّ فيها). قال في الشرح الكبير: وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: يجوز أن يكونَ العبدُ والمسافرُ إماماً فيها، ووافقهَمْ مالكٌ في المسافر.
(*) قوله: (وأولُه أولُ وقت صلاة العيد)، قال في الشرح الكبير: وقال أكثرُ أهلِ العلمِ وقتُها وقتُ الظُّهرِ إلا أنه يُستحبُّ تعجيلُها في أولِ وقتِها لقولِ سلمةَ بن الأَكْوعِ: =
стр. 89
الظُّهرِ فإن خرجَ وقتُها قبلَ التَّحريمة صلُّوا ظهراً وإلا فجُمعة.
الثاني: حضورُ أربعينَ (*) من أهل وجوبِها بقرية مستوطِنين. وتصحُّ فيما قاربه البُنْيانَ من الصَّحراءِ، فإنْ نَقَصُوا قبل إتْمامِها استأنفوا ظُهراً، ومن أدرك مع الإمامِ منها ركعةً أتمَّها جُمعةً، وإنْ أدْركَ أقلَّ من ذلك أتمَّها ظُهراً إذا كان نوى الظُّهرَ (*).
ــ
= " كنَّا نجمِّعُ مع النبي ﷺ إذا زالتِ الشمسُ ثم نرجعُ نتتبَّعُ الفَيْءَ" (١). قال شيخُنا: وأما فِعُلُها في لا يجوزُ؛ فالأَوْلى فِعْلُها بعد الزَّوالِ، لأنه فيه خروجاً من الْخِلاَفِ. وتعجيلُها في أولِ وقتِها في الشتاءِ والصيفِ. ا. هـ. ملخصاً.
(*) قوله: (حضور أربعين): قال في المقنع: وعنه تنعقد بثلاثة. قال في الاختيارات: وتنعقد الجمعة بثلاثة: واحدٌ يخطُب واثنان يستمعان، وهو إحدى الرواياتِ عن أحمدَ، من العلماء. وقد يقالُ بوجوبِها على الأربعين لأنه لم يَثبتْ وجوبُها على مَنْ دونَهم، تصحُّ ممن دونهم، لأنَّه انتقالٌ إلى أعلى الفَرْضَين كالمريضِ بخلافِ المسافرِ، فإنَّ فرضَه ركعتان.
(*) قوله: (وإن أدرك أقلَّ من ذلك أتمَّها ظُهراً إذا كان نوى الظُّهرَ). قال في المقنع: ومن أدرك مع الإمامِ منها ركعةً أتمَّها جُمعةً، ومن أدركَ ذلك أتمَّها ظُهراً إذا كان قد نوى الظُّهرَ في قول الخرقي. وقال أبو إسحاقَ بنَ شاقِلاَّ: ينوي جمعةً ويُتِمُّها ظُهراً. قال في الشرح الكبير: وهذا ظاهرُ قولِ قَتَادةَ وأيوب ويُونُسَ والشافعيِّ؛ لأنه يصحُّ أن ينويَ الظُّهرَ خلفَ من يُصلِّي الجمعةَ في ابتدائِها، فكذلك في انتهائِها. ا. هـ ملخصاً.
стр. 90
ويُشترطُ تقدُّمُ خُطبتين، من شَرْطِ صحَّتِهما: حَمْدُ اللهِ على رسولِ الله ﷺ وقراءةُ آيةٍ، والوصيةُ بتقوى الله ، وحضورُ العددِ المُشترَطِ، ولا تُشترَطُ لهما الطهارةُ، ولا أن يتولاهُما من يتولَّى الصَّلاةَ.
ومن سُننِهما أنْ يخطُبَ على مِنبرٍ أو موضعٍ عالٍ، ويسلِّم على المأمومينَ إذا أَقبلَ عليهم ثم يجلِسُ إلى فراغِ الأذان، ويجلِسُ بين الخُطبتينِ، ويخطُب قائماً، ويعتمدُ على سيفٍ أو قوسٍ أو عصاً، ويقصِدُ تِلْقاءَ وجْههِ، ويقصُرُ الخُطبةَ، ويدعو للمسلمين.
فصل
والجمعةُ ركعتانِ يُسنُّ أن يقرأ جهرا في الأُولى بالجُمعة وفي في أكثرِ من موضعٍ من البلدِ إلا لحاجةٍ (*)، فإن فَعَلُوا فالصحيحةُ ما باشَرَها الإمامُ أو أَذِنَ فيها، فإن استويا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة، وإن وقعتا معاً أو جُهِلَت الأولى بَطَلَتَا. وأقلُّ السُّنَّةِ بعد الجمعة ركعتان، وأكثرُها ستٌ، ويسنُّ أن يغتسل لها [في يومها] (*) -وتقدم- ويتنظف ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه، ويبكر إليها ماشياً، ويدنو
ــ
(*) قوله: من موضع في البلدِ في المقنع: وتجوزُ إقامةُ الجمعةِ في موضعينِ للبلدِ للحاجةِ، ولا في الفروع: وتجوزُ في أكثر منْ موضعٍ للحاجةِ كخوفِ فتنةٍ أو بُعْدٍ أو ضيقٍ وفاقاً للشافعي، ورواية عن أبي حنيفةَ ومالكٍ لِئلاَّ تفوتَ حِكمةُ تجميعِ الخَلْقِ الكثيرِ دائماً.
(*) قوله: (ويُسنُّ أن يغتسلَ وتَقَدَّم) -أي في كتاب الطهارة وهو قوله: وإن استعمل في طهارةٍ مستحبَّةٍ كتجديدِ وضوءٍ وغسل جُمعة.
стр. 91
من الإمام، ويقرأ في يومها ويكثر الدعاء والصلاة على النبي ﷺ ، ولا يتخطَّى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو إلى فُرْجةٍ، وحَرُم أن يقيمَ غيره فيجلسَ مكانَه إلا من في موضع يحفظه له، وحَرُم رفعُ مُصَلًّى مفروش ما لم تَحْضر الصلاة (*)، ومن قام من مكانه لعارض لَحِقَهُ ثم عاد إليه قريباً فهو أحقُّ به، ومن دخل والإمامُ يخطب لم يجلس حتى يُصلِّيَ ركعتين يوجز فيهما، ولا يجوز الكلامُ والإمامُ يخطبُ إلا له أو لمن يكلمه، ويجوز قبل الخطبة وبعدها.
ــ
(*) قوله: (وحَرُم رفعُ مُصلَّى مفروش ما لم تَحضر الصلاة). قال في المقنع: وإن وجد مُصلًّى مفروشاً فهل له رَفْعُه؟ على وجهين، قال في الشرح الكبير: (أحدهما): ليس له ذلك لأن فيه افتياتاً على صاحبها وربما أفضى إلى الخصومة، ولأنه سَبَقَ إليه، أَشْبه السابقَ إلى رحبةِ المسجد ومقاعدِ الأسواق، (والثاني): يجوز رَفْعُه والجلوسُ موضِعَه لأنه لا حُرْمةَ له، ولأن السَّبْق بالأبدان هو الذي يحصل به الفضلُ لا بالأَوْطِئة، ولأن تَرْكَها يُفضي إلى أن يتأخرَ صاحبُها ثم يتخطَّى رقابَ الناس، ورَفْعُها ينفي ذلك. وأما ما يفعله بعضُ الناس يأتي فيضع عصاه ويخرج لأَشْغاله فهذا لا يجوز، والداخلُ بعده هو السابقُ ولو جلس في الصف الآخر.
قال الشيخ عبد الله أبا بُطَيْن: وأما من دخل المسجد ووجد فيها عصاً يضعها أهلُها ويخرجون لأغراضهم فلا بأس بتأخيرها والمجيءِ في موضعها، فإذا حاذرت من شيء يصير في نفس أخ لك إذا أخَّرْتَ عصا وجلست في مكانه فالذي أحبُّه تركها والجلوسَ في مكان آخر. ا. هـ. من مجموع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم.
стр. 92
باب صلاة العيدين
وهي فرضُ كفايةٍ (*)، إذا تركها أهلُ بلد قاتلهم الإمامُ، وقتُها كصلاة الضُّحى، وآخرُه الزوالُ، فإن لم إلا بعده صلَّوا من في صحراء، وتَقْديمُ صلاة الأضحى وعكسُه الفطر، وأكلهُ قبلها، وعكسُه في الأضحى إن ضحَّى (*)، وتكره في الجامع بلا عذر. ويُسن تَبْكيرُ مأموم إليها ماشياً بعد الصبح، وتأخرُ إمام إلى وقت الصلاة على أحسن هيئة؛ إلا المعتكفَ ففي ثياب اعتكافه (*)،
ــ
(*) قوله: (وهي فرض كفاية). قال في الاختيارات: وهي فرضٌ عينيٌّ، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد. وقد يقال بوجوبها على النساء، ومن شَرْطها الاستيطانُ وعددُ الجمعة، ويفعلها المسافرُ والعبد والمرأةُ تبعاً.
(*) قوله: (وأكلُه قبلَها وعكسُه في الأضحى إن ضَحَّى). لحديث بريدة، رواه الدارقطني وفيه: وكان لا يأكلُ يومَ النَّحر حتى يرجعَ فيأكلَ من أضحيته، وإذا لم يكن له ذِبْحٌ لم يُبالِ أن يأكل (١).
والحكمة في تأخير الأكل يوم الأضحى: الابتداءُ بأكل النُّسك شكراً لله تعالى. وفي رواية البيهقي: وكان إذا رجع أكل من كبد ضَحِيَّتِه.
(*) قوله: (إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه). قال في الفروع: ويُسنُّ لُبْسُ أحسن ثيابه إلا المعتكفَ في العشر الأواخرِ من رمضانَ أو إلى المُصَلَّي في ثياب اعتكافه وفاقاً للشافعي. نَصَّ على ذلك. وقال جماعة إلا الإمام.
وقال القاضي في موضع: مُعْتَكِفٌ كغيره في زِيْنَةٍ وطِيْبٍ ونحوهما. وعنه الثياب جيدة ورثَّة، الكلُّ سواء ا. هـ. والصواب أن المعتكف كغيره.
стр. 93
ومن شَرْطِها: استيطانٌ، وعددُ الجمعة، لا إذنُ إمامٍ (*)، ويُسَنُّ أن يَرْجعَ من طريقٍ أُخرى.
ويُصليها ركعتينِ قبل الخُطبة يكبِّر في الأولى -بعد الاستفتاح، وقَبْل التعوذِ والقراءةِ ستاً، وفي الثانية -قبل القراءة- خمساً. يرفع يديه مع كل تكبيرة ويقول: الله أكبر كبيراً، والحمد للهِ كثيراً، وسبحان اللهِ بكرةً وأصيلاً، وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ وآله وسلم تسليماً (كثيراً)، وإن أحبَّ قال غيرَ ذلك. ثم يقرأ جَهْراً بعد الفاتحة بـ (سَبِّح) في الأولى، وبـ (الغاشية) في الثانية، فإذا سلَّم خطب كخُطبتي الجمعة، يستفتح الأولى بتسع
ــ
(*) قوله: (ومِنْ شَرْطها استيطانٌ وعددُ الجمعة لا إذنُ الإمام). قال في المقنع: وهل مِنْ شَرْطها الاستيطانُ وإذنُ الإمام والعددُ المشْتَرَطُ للجمعة؟ على روايتين.
(*) قوله: (وينادى الصلاة جامعة). قال في الشرح الكبير: كذلك ذكره أصحابنا قياساً على صلاة الكسوف. وقال الموفق في المغني: وقال بعض أصحابنا: ينادي في العيدين الصلاة جامعة، وهو قول الشافعي، وسنة رسول الله ﷺ أحقُّ أن تُتَّبَع، يعني: ما أخرجه مسلم (١) عن عطاء قال: أخبرني جابر أن لا أذان يوم الفطر حين يخرجُ الإمامُ ولا بعدما يخرج الإمام، ولا إقامة ولا نداء ولا شيء.
стр. 94
تكبيرات، والثانية بسبع، يحثُّهم في الفطر على الصدقة، في الأضحى في الأضحية، ويُبين لهم حكمها. والتكبيراتُ الزوائدُ والذكرُ بينها والخُطبتان سُنَّة، ويُكره التنفلُ قبل الصلاة في موضعها (*).
ويسنُّ لمنْ فاتَتْه أو بعضَها قضاؤُها على صِفتها، ويسنُّ التكبيرُ المطلقُ في ليلتي العيدين، وفي فِطْرٍ آكد، وفي كل عشر ذي الحجة، والمُقَيَّدِ عقب كلِّ فريضة في جماعة، من صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق، وإن نسيه قضاه ما لم يُحْدِثْ أو يَخرجْ من المسجد (*)، ولا يسنُّ عقب صلاة عيدٍ، وصفتُه شفعاً: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
ــ
(*) قوله: (ويُكره التنفل قبل الصلاة وبعده في موضعها). قال في الشرح الكبير: وقال مالك كقولنا في المُصَلَّى، وله في المسجد روايتان: (إحداهما) يتطوع لقول النبي ﷺ : (إذا دخل أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يصلِّي ركعتين) (١) أ. هـ.
(*) قوله: (وإن نَسِيَه قضاه ما لم يُحْدِثْ أو يخرجْ من المسجد). قال في الشرح الكبير: قال الشيخ: والأَوْلَى - إن شاء الله- أنه يكبِّر؛ لأن ذلك ذكرٌ منفردٌ بعد سلام الإمام فلا يُشترط له الطهارةُ كسائر الذِّكر.
стр. 95
باب صلاة الكسوف
تسنُّ جماعةً وفرادَى إذا كسف (١) أحدُ النيِّريْن، ركعتين يقرأ في الأولى جهراً بعد الفاتحة سورةً طويلةً، ثم يركعُ طويلاً، ثم يرفعُ ويُسَمِّع ويحمِّدُ، ثم يقرأُ الفاتحةَ وسورةً طويلةً دون الأولى، ثم يركعُ فيطيلُ وهو دون الأوَّلِ، ثم يرفعُ ثم يسجدُ سجدتين طويلتين، ثم يصلي الثانية كالأولى لكن دونها في كل ما يفعلُ، ثم يتشهدُ ويُسلِّم، فإن فيها أتمَّها خفيفةً، وإن غابت الشمسُ كاسفةً أو طلعتْ والقمرُ خاسفٌ، أو كانت آيةً غيرَ الزَّلْزَلةِ لم يُصلِّ (*). وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعاتٍ أو أربعٍ أو خمس جاز.
ــ
(*) قوله: (وإن غابت الشمس كاسفةً، أو طلعتْ والقمرُ خاسفٌ، أو كانت آيةً غيرَ الزَّلْزَلَةِ لم يُصَلِّ)، قال في الفروع: والأشهرُ يصلِّي إذا غاب القمرُ خاسفاً ليلاً، وفي مَنع الصلاة له بطلوع الفجر كطلوع الشمس وجهان: إن فُعِلتْ وقت نَهْي قال في التصحيح: قال الشارح: فيه احتمالان ذكرهما القاضي: (أحدهما) لا يُمنع من الصلاة إذا قلنا إنها تفعل في وقت نهي. اختاره المجد في شرحه، قال في مجمع البحرين: لم يُمنع في أظهر الوجهين، وهو ظاهر كلام أبي الخطاب ا. هـ.
قال في الاختيارات: وتصلَّى صلاةُ الكسوف لكل آيةٍ كالزلزلة وغيرها، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقول محققي أصحابنا وغيرهم.
стр. 96
باب صلاة الاستسقاء
إذا أجدبت الأرضُ وقَحَطَ المطرُ صلَّوها جماعةً وفُرادى، وصفتُها في موضعها وأحكامها كعيد، وإذا أراد الإمامُ الخروجَ لها وعظَ الناسَ وأمرَهُم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم وتَرْكِ التَّشَاحنِ، والصيام والصدقة، ويَعِدُهم يوماً يَخْرجون فيه، ويَتنظَّف ولا يَتطيَّب، ويخرج متواضعاً متخشِّعاً متذلِّلاً متضرِّعاً، ومعه أهلُ الدِّين والصلاح والشيوخ والصبيان المميِّزون.
وإن خرج أهلُ الذِّمَّةِ منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يُمنعوا، فيصلي بهم، ثم يخطبُ واحدةً يفتتحها بالتكبير كخُطبة العيد ويُكثر فيها الاستغفارَ وقراءةَ الآياتِ التي فيها الأمرُ به، ويرفع يديه فيدعو بدعاء النَّبي ﷺ ، ومنه: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً) إلى آخره، وإن سُقُوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيدَ من فضله، وينادي لها: الصلاة جامعة، من شرطها إذنُ الإمام، ويسن أن يقف في أول المطر وإخراجُ رَحْلِه وثيابهِ ليُصيبَها، وإن زادت المياه وخيف منها سُنَّ أن يقول: (اللهم حوالَيْنا ولا علينا، اللهم على الظِّرابِ والآكامِ وبطونِ الأودية ومنابتِ الشجر، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. . .﴾ (١).
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 97
كتاب الجنائز
تُسَنُّ عيادةُ المريض، وتذكيُره التوبةَ والوصيةَ، وإذا نزل به سُنَّ تعاهدُ بَلِّ حَلْقِه بماءٍ أو شرابٍ، ويُنَدِّي شفتيه بقطنة، وتلقينه لا إله إلا الله مرةً، ولم يزدْ على ثلاث إلا أن يتكلم بعده فيُعيد تلقينه برفقٍ، ويقرأ عنده (يس) (١)، ويوجهه إلى القبلة، فإذا مات سُنَّ تغميضُه، وشدُّ لحييه وتليينُ مفاصله، وخلعُ ثيابه، وسترُه بثوب، ووضعُ حديدةٍ على بطنه، ووضعُه على سريرِ غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه، وإسراعُ تجهيزه إن مات غير فجأة، وإنفاذُ وصيته، ويجب في قضاء دينه.
فصل
غسلُ الميت وتكفينُه والصلاةُ عليه ودفنهُ فرضُ كفاية، وأَوْلى الناس بغسله وصيُّه ثم أبوه ثم جَدُّه ثم الأقربُ فالأقربُ من عَصَباتِه ثم ذوو أرحامِه، وبأنثى وَصِيَّتُها ثم القربى فالقربى من نسائها، ولكل واحد من الزوجين غسلُ صاحبه، وكذا سيد مع سُرِّيته، ولرجل وامرأة غسلُ من له دون سبعِ سنينَ فقط. وإن مات رجل بين نسوة أو عكسه يُمِّم كخُنْثَى مُشْكلٍ، ويحرم أن يغسل مسلمٌ كافراً أو يَدفِنَه، بل يُوارى لعدم من يُواريه، وإذا أخذ في غسله سَتَر عورتَه وجرَّده، وسَتَره عن العيون.
ويكره لغير مُعِينٍ في غسله حضورُه، ثم يرفع رأسه إلى قُرْبِ جلوسه ويعصر بطنه برفق، ويكثر صَبَّ الماء حينئذ، ثم يلفُّ على يده خِرْقةً فينجيه ولا يحلُّ مسُّ عورةِ مَنْ له سبعُ سنين، ويستحب أن لا يمسَّ سائره إلا بخرقة ثم يوضئه ندباً، ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه، ويدخل
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 98
إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي مِنْخريه فينظفهما، ولا يدخلهما الماء، ثم ينوى غسله ويسمي، ويغسل برغوة السِّدْر رأسه ولحيته فقط، ثم يغسل شقّه الأيمن ثم الأيسر، ثم كله ثلاثاً يُمِرُّ في كل مرة يَدَه على بطنه، فإن لم ينق بثلاث زِيْدَ حتى ينقى ولو جاوز السبع، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً، والماء الحار والأشنان والخلال يُستعمل إذا احتيج إليه، ويقص شاربه، ويقلم أظفاره، ولا يسرح شعره (*)، ثم ينشف بثوب، ويُضْفَر شعرُها ثلاثةَ قُرون ويُسْدَل
ــ
(*) قوله: (ولا يسرح شعره). قال في الشرح: أي: يكره ذلك ما فيه تقطيع الشعر من غير حاجة إليه، وقال البخاري: باب نقض شعر المرأة، وقال ابن سيرين: لا بأس أن ينقض شعر الميت. وذكر حديث أم عطية إنهن جَعَلْنَ رأسَ بنتِ رسول الله ﷺ ثلاثةَ قُرونٍ نَقَضْنَه ثم غَسَلْنَه ثم جَعَلْنَه ثلاثةَ قُرون (١).
قال الحافظ: قوله: باب نقض شعر المرأة أي: الميتة قبل الغسل، والتقييد بالمرأة خرج مخرج الغالب أو الأكثر، وإلا فالرجل إذا كان له شعر يُنْقَض لأجل التنظيف، وليبلغ الماءُ البشرةَ. وذهب مَنْ مَنَعَهُ إلى أنه قد يُفضي إلى انتتاف شعره، وأجاب من أثبته بأنه يَنْضَمُّ إلى ما انتثر منه. قال وفائدة النقض تبليغُ الماءِ البشرةَ، وتنظيفُ الشعر من الأوساخ، ولمسلم (٢): (مَشَطْناها ثلاثةَ قُرون)، أي سَرَّحْناها بالمُشْط. وفيه حجَّةٌ للشافعي ومن وافقه على استحباب تسريح الشعر، واعتل من كرهه بتقطيع الشعر، والرفق يُؤْمَن مع ذلك ا. هـ.
стр. 99
وراءها، وإن خرج منه شيء بعد سَبْع حُشي بقطن، فإن لم يَسْتمسكْ فَبِطينٍ حُر، ثم يغسل المحل ويُوَضَّأ وإن خرج بعد تكفينه لم يُعد الغسل.
ومُحْرمٌ ميتٌ كحيٍ: يُغسل بماء وسِدْر، ولا يُقَرَّبُ طيباً، ولا يلبس ذَكَرٌ مَخِيْطاً ولا يغطى رأسه ولا وجه أنثى.
ولا يغسَّل شهيد ولا مقتول ظلماً (*) إلا أن يكون جُنباً، ويدفن بدمه في ثيابه بعد نزع السلاح والجلود عنه، وإن سلبهما كُفِّن في غيرهما، ولا
ــ
(*) قوله: (ولا يغسل شهيد ولا مقتول ظلماً). قال في المقنع: ومن قُتل مظلوماً فهل يلحق بالشهيد؟ على روايتين. قال في الشرح الكبير: إحداهما: يغسَّل ويصلى عليه اختارها الخلاَّل، وهو قول الحسن ومذهب مالك والشافعي؛ لأن رتبته دون رتبة الشهيد في المعترك، والثانية: حُكمه حُكم الشهيد، وهو قول الشَّعْبي والأوزاعي. وقال البخاري (١): باب الصلاة على الشهيد، وذكر حديث جابر: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: (أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ ) فإذا أشير إلى أحدهما قَدَّمَه في اللَّحْد وقال: (أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة). وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم. وحديث عقبه بن عامر: أن النبي ﷺ خرج يوما فصلَّى على أهلِ أُحُد صلاتَه على الميت - الحديث (٢).
قال الحافظ: قوله: باب الصلاةِ على الشهداء، قال الزين ابن المنير: أراد باب حُكْم =
стр. 100
يُصلَّى عليه، وإن سَقَطَ عن دابته أو وُجد ميتاً ولا أَثَرَ به، أو حُمِلَ فَأَكلَ، أو طالَ بقاؤُه غُسِّلَ وصُلِّي عليه.
والسِّقْطُ إذا بَلَغَ أربعةَ أشهرٍ غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه.
ومن تَعَذَّر غَسْلُه يُمِّم، وعلى الغاسل سَتْرُ ما رآه إن لم يكن حَسَناً.
ــ =
= الصلاة على الشهيد. ولذلك أَوْرد حديثَ جابر الدالَّ على نفيها، وحديثَ عُقْبَه الدالَّ على إثباتِها. قال: ويحتمل أن يكون المراد باب مشروعية الصلاة على الشهيد في قبره؛ لأجل دفنه عملاً بظاهر الحديثين قال: والمراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار. قال الحافظ: وكذا المراد بقوله بعد من لم ير غسل الشهيد إلى أن قال: والخلاف في الصلاة على قتيل معركة الكفار مشهور. قال الترمذي، قال بعضهم: يُصَلَّى على الشهيد، وهو قول الكوفيين وإسحاق، وقال بعضهم لا يُصَلَّى عليه، وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد، قال الحافظ: ثم إن الخلاف في ذلك في منع الصلاة عليهم على الأصح عند الشافعية، وفي وجه أن الخلاف في الاستحباب، وهو المنقول عن الحنابلة، قال المَرُّوذي عن أحمد: الصلاة على الشهيد أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ. ا. هـ.
وقال البخاري (١) أيضاً، باب من لم ير غسل الشهيد، ذكر حديث جابر، قال النبي ﷺ : (ادفنوهم في دمائهم)، يعني يوم أحد ولم يغسلهم. قال الحافظ: وقد وقع عند أحمد من وجه آخر عن جابر، أن النبي ﷺ ، قال في قتلى أحد: (لا تغسلوهم، فإن كان جرح يفوحُ مسكاً يوم القيامة)، ولم يُصَلِّ عليهم، فبيَّن الحكمة في ذلك. انتهى والله أعلم.
стр. 101
فصل
يجب تكفينُه في مالِه مَقدَّماً على دَيْنٍ وغيرِه، فإن لم يكن له مالٌ فعلى من تلزمه نفقتُه، إلا الزوجَ لا يَلْزمه كفن امرأتِهِ (*)، ويُستحَبُّ تكفينُ رجلٍ في ثلاثِ لفائفَ بيضٍ تُجَمَّر، ثم تُبْسَط بعضُها فوق بعضِ، ويُجعل الحَنُوطُ فيما بينها، ثم يوضَع عليها مُسْتَلْقياً، ويُجعل منه في قُطن بين أَلْيتيه ويُشَدُّ فوقها خِرْقَةٌ مشقوقةُ الطَّرَفِ كالتُّبَّان (١)، تَجمع أَلْيَتَيْهِ ومثانَتَه ويُجعل الباقي على منافذِ وجهه ومواضع سجوده، وإن طُيِّب كلُّه فَحَسنٌ، ثم يُرَدُّ طرفُ اللِّفَافةِ العُليا على شِقِّه الأيمنِ ويُرَدُّ طرفُها الآخرُ فوقه، ثم الثانية والثالثة كذلك ويُجعل أكثرُ الفاضلِ على رأسِه، ثم يَعْقِدُها، وتُحَلُّ في القبر، وإن كُفِّن في قميصٍ ومئزرٍ ولِفَافةٍ جاز.
وتُكَفَّن المرأةُ في خمسة أثواب: إزار وخِمار وقميص ولِفَافتين، والواجبُ ثوبٌ يَسْتر جميعَه.
فصل
السُّنَّة أن يقوم الإمامُ عند صدره وعند وسطها، ويكبِّر أربعاً، يقرأ في الأولى بعد التَّعوُذِ الفاتحةَ، ويُصلِّي على النبي ﷺ في الثانية كالتشهد، ويدعو
ــ
(*) قوله: (إلا الزوج لا يَلْزمُه كفنُ امرأته). قال في الفروع: ولا يَلْزمُه كَفَنُ امرأته نصَّ عليه. ورواية عن مالك، وقيل: بلى. وحكى روايةً وفاقاً لأبي حنيفةَ والشافعي، ورواية عن مالك، وقيل: مع عدم تركه.
стр. 102
في الثالثة فيقول: (اللهم اغفر لحيِّنا وميِّتنا، وشاهدِنا وغائبِنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذَكَرِنا وأُنثانا) (١)، إنك تَعْلَم مُنقلَبنا ومَثْوانا، وأنت على كل شيء قدير، اللهم مَنْ أحييته منا فأحيه على الإسلام والسُّنَّة، ومن توفيته فَتَوفَّه عليهما، اللهم اغفرْ له وارحْمه وعافِهِ، واعفُ عنه وأكرمْ نُزُلَه، ووسِّعْ مُدخَلَه واغسلْه بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، وأبدلْه داراً خيراً من داره، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخلْه الجنة، وأَعِذْه من عذاب القبر وعذاب النار (٢)، وافْسَحْ له في قبره ونَوِّرْ له فيه، وإن كان صغيراً قال: اللهم اجعلْه ذخراً لوالديه وفَرَطاً (٣) وأَجْراً وشفيعاً مجاباً، اللهمَّ ثَقِّلْ به مَوازينهما، وأعْظِمْ به أجورهما وأَلْحِقْه بصالح سَلَفِ المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وَقِهِ برحمتك عذابَ الجحيم.
ويقف بعد الرابعة قليلاً، ويسلِّم واحدةً عن يمينه، ويرفع يديه مع كلِّ تكبيرةٍ، وواجبُها: قيامٌ وتكبيراتٌ، والفاتحةُ والصلاةُ على النبي ﷺ ، ودعوةٌ للميت، والسلامُ، ومن فاته شيءٌ من التكبير قَضَاه على صِفَتهِ، ومن فاتتْه
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 103
الصلاةُ عليه صلَّى على قبره وعلى غائبٍ بالنِّية إلى شهر (*)، ولا يُصلِّي الإمام على الغالِّ ولا على قاتلِ نفسهِ (*)، ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد (*).
فصل
يُسَنُّ التَّرْبيعُ في حَمْله، ويُباح بين العَمودين (*)، ويُسَنُّ الإسراعُ بها، وكونُ المشاةِ أمامَها والركبان خلفها، ويكره جلوسُ تابعها حتى توضع،
ــ
(*) قوله: (وعلى غائب بالنية إلى شهر) هذا المذهب، وعنه لا يجوز وفاقاً لأبي حنيفة ومالك. قال في الاختيارات: ولا يصلّي على الغائب عن البلد إن كان صُلِّي عليه، وهو وجهٌ في المذهب اهـ. وقال الخَطَّابي: لا يصلي على الغائب إلا إذا وقع موتُه بأرض ليس بها من يصلي عليه، لقصة النجاشي، وبه ترجم أبو داود في السنن: الصلاة على المسلم، يليه أهلُ الشِّرْك ببلد آخر.
(*) قوله: (ولا يصلي الإمامُ على الغالِّ ولا قاتلِ نفسه). قال في الاختيارات: ومن مات وكان لا يزكِّي ولا يصلي إلا في رمضان، ينبغي لأهل العلم والدين أن يَدَعُوا الصلاة عليه عقوبةً ونكالاً لأمثاله كتركه ﷺ الصلاةَ على القاتل نَفْسَه وعلى الغالِّ والمَدِين الذي ليس له وفاء، ولا بد أن يصلِّي عليه بعضُ الناس وإن كان منافقاً كمن عُلِم نفاقُه لم يُصَلَّ عليه، ومن لم يُعْلَمْ نفاقُه صُلِّي عليه اهـ.
(*) قوله: (ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد). قال في المقنع: ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يُخَفْ تلويثُه.
(*) قوله: (ويباح بين العمودين). قال في شرح الإقناع: وهما القائمتان، كل عمود على عاتق كان حسناً، ولم يكره، نص عليه في رواية ابن منصور. لأنه ﵊ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين. وروي عن سعد =
стр. 104
ويُسجَّى قبرُ امرأةٍ فقط، واللَّحْدُ أفضلُ من الشَّق، ويقول مُدخِلُه: بسم الله وعلى مِلَّة رسول الله، ويضعه في لَحْده على شِقِّه الأيمنِ مستقبلَ القِبلة، ويُرفعُ القبرُ عن الأرض قَدر شِبْر مُسَنَّماً ويُكره تجصيصُه والبناءُ والكتابةُ والوطءُ عليه، والاتكاءُ إليه، ويَحْرُم فيه دفنُ اثنين فأكثر إلا لضرورة، ويجعل بين كل اثنين حاجزٌ من تراب، ولا تُكره القراءةُ على القبر (*)، وأيُّ قُربةٍ فَعلها وجعلَ ثوابها لميتٍ مسلمٍ أو حيٍ نفعه ذلك، ويُسن أن يُصنَع لأهل الميت طعامٌ يبعثُ به إليهم ويُكره لهم فعلُه للناس.
ــ
= وابن عمر وأبي هريرة أنهم فعلوا ذلك. قال في الرعاية: إن حمل بين العمودين فمن عند رأسه ثم من عند رجليه، وفي المذهب من ناحية رجليه لا يصلح إلا التربيعُ اهـ. لأن المؤخَّر إن تَوسَّط بين العمودين لم يَرَ ما بين قدميه، فلا يهتدي إلى المشي، فعلى هذا يَحمل السريرَ ثلاثةٌ، واحدٌ من مقدمة يضع العمودين المقدمين على عاتقيه، ورأسُه بينهما والخشبة المعترضةُ على كاهِلِه، واثنان من مؤخرة، أحدُهما من الجانب الأيمن، والآخر من الجانب الأيسر، يضع كلٌّ منهم عموداً على عاتقه اهـ.
(*) قوله: (ولا تكره القراءة على القبر). قال في المقنع: أصح الروايتين، قال في الاختيارات: ولا يُشرع شيءٌ من العبادات عند القبر الصدقةُ وغيُرها، ونقل الجماعة عن أحمد كراهةَ القراءة على القبور، وهو قولُ جمهور السلف، وعليه قدماءُ أصحابه، ولم يَقل أحدٌ من العلماء المعتبَرين أن القراءةَ أفضلُ، ولا رخص في اتخاذه عيداً كأعياد القراءة عنده في وقت معلوم .. أو الذكر أو الصيام، واتخاذُ المصاحف عند القبر بدعة ولو للقراءة، ولو نَفعَ الميتَ لفعله السَّلفُ إلى أن قال: وقال أبو العباس في موضع آخر: الصحيحُ أنه ينتفع الميتُ بجميع العبادات البدنيَّةِ، من الصلاة والصوم والقراءة، كما ينتفع بالعبادات المالية، وكما لو دعا له واستغفر له، ولا يستحبُّ القرب للنبي ﷺ بل هو بدعةٌ، هذا الصواب المقطوع به ا. هـ. ملخصاً.
стр. 105
فصل
تسن زيارة القبور (*) إلا للنساء، ويقول إذا زارها أو مَرَّ بها: السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون (١)، يرحم اللهُ المُسْتقدِمِين منكم والمستأخِرين نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمْنا أجرَهم، ولا تَفْتِنَّا بعدهم، واغفرْ لنا ولهم (٢)، ويجوز البكاء على الميت وتُسَنُّ تعزيةُ المصابِ بالميت ويَحرمُ النَّدْبُ والنِّياحةُ وشَقُّ الثوب ولَطْمُ الخدِّ ونحوه.
ــ
(*) قوله: (تسنُّ زيارةُ القبور)، قال في الاختيارات: واتَّفق السلفُ والأئمةُ على أن من سلَّم على النبي ﷺ أو غيرِه من الأنبياء والصالحين؛ فإنه لا يتمسَّح بالقبر ولا يُقبِّله، إلى أن قال: وإذا سلم على النبي استقْبَل القِبلة ودعا في المسجد، ولم يَدْعُ مُستقْبِلاً للقبر كما كان الصحابةُ يفعلونه، وهذا بلا نزاعٍ أَعْلَمُه، وإنما تنازعوا في وقت التسليم، وهل يستقبل القبر أو القبلة؟ والأكثرون على أنه يستقبل القبر ا. هـ. ملخصاً.
стр. 106
كتاب الزكاة
تجبُ بشروطٍ خمسةٍ: حرية، وإسلام، وملك نصاب، واستقراره (*)، ومُضِيُّ الحولِ في غير المعشَّر، إلا نَتَاجَ السَّائمةِ، وربحَ التجارة ولو لم يبلغْ
ــ
(*) (واستقراره). قال في في الجُملة، فلا زكاة في دَيْن الكتابة لعدم استقراره؛ في المقنع: الرابع تَمامُ الملك، فلا زكاة في دَين الكتابة في السائمةِ الموقوفةِ ولا في حصَّة المُضارب من الرِّبح قبل القسمة في الشرح الكبير: لا في السائمة الموقوفة، لأن الملك لا يثبت فيها في وجه، وفي وجهٍ يثبت ناقصاً لا يتمكن من التصرف فيها بأنواع التصرفات، وذكر شيخُنا وجهاً آخر، أن الزكاة تجب فيها، وذكره القاضي، ونقل منها عن أحمد ما يدل على ذلك لعموم قوله ﵇ في أربعين شاةً (١)، ولعموم غيره من النصوص، ولأن الملك ينتقل إلى الموقوف عليه في الصحيح من المذهب أشبهتْ سائر أملاكه -إلى أن قال- من الربح قبل القِسمة فلا تجب فيها عليه في رواية صالح وابن منصور فقال: إذا احتسبا يزكي المضارب إذا حال الحولُ من حينِ احتسبا لأنه علم ما له في المال ا. هـ. في الاختيارات: ويصح أن يَشترط ربُّ المال زكاة رأسِ المالِ أو بعضه من الربح ا. هـ. وقد اختلف العلماءُ في الوقف هل فيه زكاة أم في الثمار المُحَبَّسة الأصول، وكان مكحول وطاوس يقولان: لا زكاةَ فيها، وفَرَّق قومٌ بين أن تكون مُحَبَّسةً على المساكين، وبين أن تكون على قوم بأعيانهم، فأوجبوا فيها الصدقة إذا كانت على قوم بأعيانهم، ولم يوجبوا فيها الصدقةَ إذا كانت على المساكين. =
стр. 107
نِصاباً، فإنَّ حولَهما حولُ أصلِهما إن كان نِصاباً؛ وإلا فمِنْ كمالِه، ومن كان له دينٌ أو حقٌ من صداقٍ أو غيره على مَليءٍ أو غيره (*) أدَّى زكاتَه إذا قَبضَه لما مضى، ولا زكاةَ في مالِ مَنْ عليه دينٌ ينقص النِّصاب ولو كان المالُ ظاهراً (*). وكفارةٌ كَدَينٍ.
ــ
= قلت: وهذه الأثلاث عند البادية وغيرهم الصوابُ وجوبُ الزكاة فيها خروجاً من الخلاف، والله أعلم.
(*) قوله: (على مليءٍ أو غيره)، هذا المذهبُ، وعنه لا زكاةَ في الدَّين على غير المليء قال في الاختيارات: لا تجب في أو على مُعْسرٍ أو أو جاحدٍ ومغصوبٍ ومسروق وضالٍّ، وما دفنه أو جهل عند مَنْ هو ولو حَصَل في يده، وهو رواية عن أحمد اختارها وصححها طائفةٌ من أصحابه انتهى.
وقال مالك في الدين على غير المليء: يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهذا أقرب.
(*) قوله: (ولا زكاة في مالِ مَنْ عليه دَينٌ ينقص النِّصاب ولو كان المال ظاهراً) قال في المقنع: ولا زكاةَ في مالِ مَنْ عليه دينٌ ينقص في المواشي والحبوب في إحدى الروايتين، قال في الشرح الكبير: وجملة ذلك أن الدَّين يَمنع وجوبَ في الأموالِ الباطنةِ رواية واحدة، وهي الأثمانُ وعروضُ التجارة، فأما الأموالُ الظاهرةُ وهي المواشي والحبوبُ والثمارُ ففيها روايتان: إحداهما الدَّينُ يمنع وجوبَ الزكاةِ فيها والثانية لا يَمنعُ الزكاةَ فيها، وهو قولُ مالك والشافعي، والفرق بين الأموال الباطنة والظاهرة أنَّ تَعلُّقَ الزكاةِ بالظاهرة لظهورها، وتَعَلُّقِ قلوبِ الفقراء بها، ولهذا يُشرع إرسالُ السُّعاةِ لأخذها من أربابها، وقد كان النبي ﷺ يبعث السُّعاةِ وكذلك الخلفاءُ بعدَه، ولم يأت عنهم أنهم طالبوا أحداً بصدقة الصامت ولا استكرهوه عليها إلا أن يأتي بها طوعاً، ولأن السُّعاة يأخذون زكاة ما يجدون ولا يَسْألون عما على صاحبها من الدَّين، انتهى ملخصاً.
стр. 108
وإن مَلَك نِصاباً صغاراً انعقد حولُه حين مَلَكَهُ، وإن نَقَصَ النصابُ في بعض الحَولِ أو باعه أو أَبْدله بغير جنسه لا فِراراً من الزكاة انقطع الحولُ، وإن أَبْدله بجنسه بنى على حوله، وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلقٌ بالذمة، ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء ولا بقاءُ المال (*)، والزكاةُ كالدَّين في التَّرِكة.
ــ
(*) قوله: (ولا يعتبر في وجوبها إمكانُ الأداء ولا بقاءُ المال)، قال في المقنع: ولا يعتبر في وجوبها إمكانُ الأداء، ولا تسقطُ بتلف المال، وعنه أنها تسقط في الشرح الكبير: والصحيح إن شاء الله أن الزكاة تسقط بتلف الأداء كالوديعة.
قوله في الاختيارات: ويجوز إخراجُ القِيْمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة مثل أن يبيع ثمرةَ بستانه أو زَرْعَه، فهنا إخراجُ عُشْرِ ولا يُكَلَّف أن يشتريَ تمراً أو حِنْطةً، فإنه قد ساوى الفقير بنفسه، وقد نصَّ أحمدُ على جواز ذلك، أن تجب عليه شاةٌ في الإبل وليس عنده شاةٌ فإخراجَ القيمة كافٍ، ولا يُكلَّفُ السَّفَر لشراء شاةٍ، أو أن يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفعَ لهم فهذا جائز. انتهى.
стр. 109
باب زكاة بهيمة الأنعام
تجب في إبلٍ وبقرٍ وغنم إذا كان سائمةً (*) الحول أو أكثره، فيجب في خمسٍ وعشرينَ من الإبل: في كل خمسٍ شاةٌ، وفي ستٍّ وثلاثينَ: بنتُ لبونٍ، وفي ستٍّ وأربعينَ: حقَّةٌ، وفي إحدى وستينَ: جَذَعةٌ، وفي ستةٍ وسبعين: بنتا لبونٍ، وفي إحدى وتسعينَ: حقَّتانِ، فإذا زادت على مائةٍ وعشرين واحدة: فثلاثُ بناتِ لبونٍ، ثم في كلِّ أربعينَ: بنتُ لبونٍ، وفي كل خمسينَ: حقَّةٌ.
فصل
ويجبُ في ثلاثينَ من البقر أو تبيعةٌ، وفي في كل ثلاثينَ تبيعٌ، وفي كل أربعينَ مُسِنَّةٌ، ويُجزئ الذَّكَرُ هنا وابنُ لبونٍ مكانَ بنتِ مَخَاضٍ، والذكر إذا كان النصاب كله ذكورًا.
فصل
ويجبُ في أربعينَ وفي مائةٍ وإحدى وعشرينَ شاتانِ، وفي مائتينِ وواحدةٍ ثلاثُ شياهٍ، ثم في كل مائةٍ، شاةٍ، والخُلْطةُ تُصيِّر المالَين كالواحد.
ــ
(*) قال في المقنع: ولا تُؤَثِّر الخُلْطةُ في غير السائمة وعنه في الشرح الكبير: لا تُؤَثِّر الخلطةُ في غير السائمة كالذهب والفضة والزروع والثمار وعروض التجارة، ويكون حُكْمُهم حُكْمَ المنفردين، وهذا قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد أن شَرِكَةَ الأعيانِ في غير الماشية، فإذا كان بينهم نصابٌ يشتركون فيه فعليهم الزكاة، وهذا قول إسحاق والأوزاعي في الحَبِّ والثمر قياساً على خلطة الماشية والمذهب الأول، قال أحمد: الأوزاعيُّ يقول في الزرع: إذا كانوا شركاءَ يُخرج لهم خمسة أَوْسُقٍ فيه الزكاةُ، قاسه على الغنم، ولا يعجبني قولُ الأوزاعي ا. هـ.
стр. 110
باب زكاة الحبوب والثمار
تجب في الحبوب كلِّها، ولو لم تكن قُوتاً، وفي كل ثمر يُكال ويُدَّخر كتمرٍ وزبيبٍ، ويعتبر بلوغُ نِصاب قدره ألفٌ وستُّمائةِ رطلٍ عراقيٍ، وتُضَمُّ ثمرةُ العامِ الواحدِ بعضُها إلى بعض في تكميل النِّصاب، لا جِنْسٌ إلى آخر (*)، ويُعتبر أن يكون النِّصاب مملوكاً له وقتَ وجوب الزكاة، فلا تجب فيما يَكْتسبه اللَّقاط أو يأخذه بحصاده، ولا فيما يجتنيه من المباح كالبُطْمِ، والزَّعْبَل، وبِزْرِ في أرضه.
فصل
يجب عُشْرُ ما سُقي بلا مؤنةٍ، ونِصْفُه معها، وثلاثةُ أرباعِهِ بهما، فإنْ تفاوتا فبأكثرهما نفعاً، ومع الجهل العُشْرُ، وإذا اشتدَّ الحَبُّ وبدا صلاحُ الثمرِ وجبت الزكاة، ولا يستقرُ الوجوب إلا بجعلها في البَيْدرِ، فإن تَلِفتْ (قبله) بغير تَعَدٍّ منه سقطتْ (*)،
ــ
(*) قوله: (وتُضَمُّ ثمرةُ العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النِّصاب لا جنسٌ إلى آخر)، قال في المقنع: وعنه أن الحبوبَ يُضَمُّ بعضُها إلى بعض وعنه تُضَمُّ الحنطةُ إلى الشَّعير والقطنيات بعضُها إلى بعض، قال القاضي: وهذا هو الصحيح.
(*) قوله: (فإن تلفت قبله بغير تَعَدٍّ منه سَقَطَتْ)، مفهومُهُ أنها إذا تلفتْ بعده لم تَسْقُطْ، والراجح أنها تسقط عنه إذا لم يُفَرِّط، لأنها شُرعت للمواساة وقد تلف مالُه معها.