كتاب الظهار
وهو مُحرَّمٌ، فمن شَبَّه زوجتَه أو بعضَها ببعضِ أو بكلِّ من تَحْرُمُ عليه أبداً بنسبٍ أو رَضاعٍ من ظَهْرٍ أو بطنٍ أو عضوٍ آخر لا ينفصلُ، بقوله لها: أنتِ عليَّ أو مَعِي أو مِنِّي كظَهْرِ أمِّي أو كَيَدِ أُختي أو وجهِ حماتِي ونحوه، أو أنتِ عليّ حرامٌ (*)، أو كالميتةِ والدمِ فهو وإن قالتْه لزوجِها فليسَ بظِهَارٍ وعليها كفارتُه (*)، ويصحُّ من كُلِّ زوجةٍ.
ــ
(*) قوله: (أو أنتِ عليَّ حرامٌ). قال قال أنتِ علي حرامٌ، فهو مُظَاهِرٌ إلا أن ينويَ طلاقاً أو يميناً، فهل يكون ظِهَاراً أو ما نواه؟ على روايتين. اهـ، وعنه أن التحريمَ يمينٌ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ وأكثرِ الفقهاءِ، إذا لم يَنْوِ به الظِّهارَ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: آية ٢] وعنه إذا نَوَى بالتحريمِ الطلاقَ كان طلاقاً.
(*) قوله: (وإن قالتْهُ لزوجِها فليس بِظهارٍ وعليها كفَّارتُه) قال في المقنع: وإن قالت المرأةُ لزوجِها أنتَ عليَّ كظهرِ أبي لم تكن مظاهَرةً وعليها كفارةُ ظِهارٍ، وعليها التمكينُ قبلَ التكفيرِ، وعنه كفارةُ يمينٍ، وهو قياسُ المذهب، وعنه لا شيءَ عليها، وإن قال لأجنبية: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمي لم يَطَأْها إن تزوجَها حتى يُكفِّرَ اهـ.
قوله: (وإن قال لأجنبيةٍ) إلى آخره، يعني أنه يصحُّ الظِّهارُ من الأجنبيةِ على المذهبِ، وعنه لا يصحُّ ذَكَرَها الشيخُ تقي الدين. قال في الانتصار: هذا قياسُ المذهبِ كالطلاقِ والإيلاءِ ا. هـ. وهذا قولُ أبي حنيفة والشافعي لقولِ الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ " [القصص: ٣]، والأجنبيةُ ليستْ بزوجةٍ.
стр. 282
فصل
ويصح الظِّهارُ معجَّلاً ومعلَّقاً بشرطٍ، فإذا وُجِدَ أو مُطلِّقاً ومُؤقَّتاً، فإن وَطِئَ فيه كَفَّرَ، فإذا فَرَغَ الوقتُ زالَ الظِّهارَ. ويحرمُ قبلَ أن يكفِّر وَطْءٌ ودواعِيْهِ ممن ظاهرَ منها، ولا تثبتُ الكفارةُ في الذمةِ إلا بالوطءِ وهو العَوْدُ، ويلزمُ إخراجُها قبلَه عند العَزْمِ عليه، وتلزمُه كفارةٌ واحدةٌ بتكريرِه قبل التكفيرِ من من نسائِه بكلمةٍ واحدةٍ، وإن ظاهرَ منهنَ بكلماتٍ فكفاراتٌ.
فصل
كفارتُه: عِتْقُ رقبةٍ، فإن لم يجدْ فصيامُ شهرينِ متتابعينِ، فإن لم يستطعْ أطعمَ ستينَ مسكيناً، ولا تلزمُ الرقبةُ إلا مَنْ مَلَكَها أو أمكنَه ذلك بثمنِ مثلِها فاضلاً عن كفايتِه دائماً وكفايةِ من من مسكنٍ وخادمٍ ومركوبٍ وعرضِ بذلةٍ وثيابِ تجمُّلٍ (*)، ومالٍ يقوم كسبُهُ بِمُؤْنَتِهِ، وكتبِ علمٍ ووفاءِ دَيْنٍ، ولا يجزئُ في الكفاراتِ كلِّها إلا رقبةٌ مؤمنةٌ سليمةٌ من عيبٍ يضرُّ بالعملِ ضرراً بيِّناً كالعَمَى والشَّللِ أو رِجْلٍ أو أَقْطَعِها أو أَقْطَعِ يُغْنِ الوُسطَى أو أو الأنمُلةِ من الإبهامِ، أو أقطعِ الخِنْصَرِ والبِنْصَرِ من يدٍ واحدةٍ، ولا يجزئُ مريضٌ ميؤوسٌ منه ونحوه، ولا أمُّ ولدٍ، ويجزئُ المدَبَّرُ، وولدُ الزِّنَى، والأحمقُ والمرهونُ، والجانِي والأمةُ الحامِلُ ولو اسْتُثْنِيَ حَمْلُها.
ــ
(*) قوله: "وعمَّا يحتاجُه من مسكنٍ وخادمٍ ... " هذا المذهبُ، وقال مالك وأبو حنيفة متى وَجَدَ رقبةً لزمَه إعتاقُها، ولم يَجُزْ له الانتقالُ إلى الصيامِ سواء أو لم يكن، لأنَّ الله شرطَ في الانتقالِ إلى الصيامِ ألاَّ يجدَ رقبةً، وهذا واجدٌ.
стр. 283
فصل
يجب التتابعُ في أو فِطْرٌ يجب، كعيدٍ وأيامِ تَشْريقٍ، وحيضٍ، وجنونٍ، ومرضٍ مَخُوفٍ، أو أفطرَ ناسياً أو أو لعذرٍ يبيحُ الفطرَ لم ينقطعْ.
ويجزئُ التكفيرُ بما يجزئُ في فطرةٍ فقط، ولا يجزئُ من البُرِّ أقلُّ من مُدٍّ، ولا من غيرِه أقلُّ من مُدَّينِ، لكل واحدٍ ممن يجوز دفعُ الزكاةِ إليهم، وإن غَدَّى المساكينَ أو عَشَّاهم لم يُجْزِئْه (*).
وتجب النيَّةُ في التكفير من صومٍ وغيرِه، وإن أصابَ المظاهِرُ منها ليلاً أو نهاراً انقطع وإن أصابَ غيَرها ليلاً لم ينقطعْ.
ــ
(*) قولُه: (وإن غَدَّى المساكينَ أو عَشَّاهُم لم يُجزئْهُ). قال في المقنع: وعنه يُجزئُه. ما يُخْرَجُ في الكفَّارةِ المُطْلَقةِ غيرُ مقيَّدٍ بالشرعِ بل بالعُرفِ قدراً ونوعاً من غير تقديرٍ ولا تمليكٍ، وهو قياسُ المذهبِ في الزوجةِ والأقاربِ والمملوكِ والضيفِ والأجيرِ والمستأجر بطعامه، والإدام يجبُ إن كان يُطعِمُ أهلَه بإدامٍ وإلا فلا، وعادةُ الناسِ تختلفُ في ذلك في الرُّخصِ والغلاءِ، واليسارِ والإعسارِ، وتختلفُ بالشتاءِ والصيفِ ا. هـ.
стр. 284
كتاب اللِّعَان
يُشترط في صِحَتِهِ أن يكونَ بين زوجينِ، ومن عَرَفَ العربيةَ لم يصحَّ لِعَاُنه بغيرِها، وإن جَهِلَها فبلُغته (*).
فإذا قذفَ امرأتَه بالزِّنى فله إسقاطُ الحَدِّ باللِّعانِ، فيقولُ قبلَها أربعَ مراتٍ: أشهدُ بالله لقد زَنَتْ زوجتي هذه، ويشيرُ إليها، ومع غَيْبَتِها يُسمِّيها وينسبُها، وفي الخامسة: وأنَّ لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقولُ هي أربعَ مراتٍ: أشهدُ باللهِ لقد كذبَ من الزِّنا، ثم تقولُ في الخامسةِ: وأنَّ غَضَبَ اللهِ عليها إن كانَ من الصادقين.
فإن بدأَتْ باللِّعانِ قبلَه أو نَقَصَ أحدُهما لم يَحْضُرْهُما حاكمٌ، أو نائبُه، أو أَبدلَ أحدُهما لفظةَ أشهدُ بأُقسِمُ، أو أَحْلِفُ أو لفظةَ اللَّعنَةِ بالإبعادِ، أو الغَضَبِ بالسَّخْطِ لم يصحَّ.
ــ
(*) قال في الاختيارات: ولو لم يقلْ الزوجُ فيما رميتُها به، قياسُ المذهب صحتهُ كما إذا اقتصرَ الزوجُ في النكاحِ على قولِه قَبِلْتُ، وإذا جوَّزْنا إبدالَ لفظِ الشهادةِ والسخطِ واللعنِ، فلئن نُجوِّزَه بغيرِ العربيةِ أولَى، وإن لاعَنَ الزوجُ وامتنعت الزوجةُ عن اللِّعانِ حُدَّتْ، ولو شَتَمَ شخصاً فقال: أنت ملعونٌ ولدُ زِنا، وجب عليه التعزيرُ على مثلِ هذا الكلامِ ويجبُ عليه حدُّ القَذْفِ إن لم يقصدْ بهذه الكلمةِ أن المشتومَ فِعْلُه كفِعْلِ الخبيثِ، أو كفِعْلِ ولدِ الزِّنا، ولا يُحَدُّ القاذفُ إلا بالطَّلَبِ إجماعاً. انتهى.
стр. 285
فصل
وإن قَذَفَ زوجتَه الصغيرةَ أو المجنونةَ عُزِّرَ ولا لِعَان (*).
ومِنْ شَرْطِهِ قذفُها بالزِّنَى لفظاً كزنيتِ أو يا زانيةُ رأيتُك تَزْنِيْنَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، فإن قال: وُطِئَت بشُبهةٍ، أو مُكْرَهةً، أو نائمةً، أو قال: لم تَزْنِ ولكن ليس هذا الولدُ مني، فشهدت امرأةٌ ثقةٌ أنه وُلِدَ على فراشِه، لَحِقَهُ نسبُه ولا لِعَان، ومِنْ شَرْطِه أن تُكذِّبَه الزوجةُ.
وإذا تَمَّ سقط عنه الحدُّ والتعزيرُ، وتثبتُ الفُرقةُ بينهما بتحريمٍ مؤبَّدٍ.
ــ
(*) قال في الاختيارات: ولا تصيرُ الزوجةٌ فراشاً إلا بالدخولِ، وهو مأخوذٌ من كلامِ الإمامِ أحمدَ في روايةِ حربٍ، وتتبعضُ الأحكامُ لقوله: (احتجِبِي منه ياسودةُ)، وعليه نصوصُ أحمد.
قال في الاختيارات: ولو أقرَّ بنسبٍ أو شهدتْ به بينةٌ فشهدتْ بينةٌ أُخرى أنَّ هذا ليسَ من نوعِ هذا، بل هذا روميٌّ وهذا فارسيٌّ، فهنا في وجه نَسَبِهِ تعارضُ القافةِ أو البينةِ، ومن وجهٍ كبرُ السنِّ فهذا المعارِضُ الثاني للنسبِ هل يقدحُ في المُقْتَضِي له، قال أبو العباس: هذه المسألة حدثَتْ وسئلتُ عنها. وكان الجوابُ أن التغايرَ بينهما إن أوجَبَ القطع بعدم النسبِ فهو كالسنِّ مثل أن يكون أحدُهما حبشياً والآخرُ رومياً ونحو ذلك فهنا ينتفي النسبُ، وإن كان أمراً محتمِلاً لم ينفِه، لكن إن كان المقتضي للنسبِ الفراشُ لم يُلتَفَتْ إلى المعارَضَةِ، وإن كان المثبِتُ له مُجَرَّدَ الإقرارِ أو البينةِ فاختلافُ الجِنْسِ معارِضٌ ظاهرٌ، فإن كان النسبُ بُنُوَّةً فثبوتُها أرجحُ من غيرِها إذ لابدَّ للابنِ من أبٍ غالباً وظاهراً، ا. هـ.
стр. 286
فصل
مَنْ وَلَدتْ زوجتُه مَنْ أَمْكَنَ أنه منه لَحِقَهُ، بأن تلدَه بعد نصفِ سنةٍ منذُ أمكنَ وَطْؤُه، (أو بَلَغَ) أو دونَ أربعِ سنينَ منذ أبانَها، وهو مَنْ يولدُ لمثلِه كابن عشرٍ، ولا يُحكَم ببلوغِه إن شكَّ فيه.
ومن اعترفَ بِوَطْءِ أَمَتِه في الفرجِ أو دونَه فولدَتْ لنصفِ سنةٍ فأزيدَ لَحِقَه ولدُها، إلا أن يدَّعيَ الاستبراءَ ويحلفَ عليه، وإن قال: وطئتُها دون الفرجِ، أو فيه ولم أُنْزِلْ، أو عَزَلتُ لَحِقَه، وإن أعْتَقَها أو باعَها بعد اعترافِه بَوطْئِها فأتتْ بولدٍ لدونِ نصفِ سنةٍ لَحِقَه والبيعُ باطلٌ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 287
كتاب العدد
تلزم الِعدَّةُ كلَّ امرأةٍ فارقَتْ زوجاً خَلا بها مُطاوِعَةً (*)، مع عِلْمِه بها وقدرتِه على وَطْئِها ولو مع ما يمنعُه منهما (١)، أو من أحدهما حساً، أو شرعاً، أو وَطِئَها، أو ماتَ عنها حتى في نكاحٍ فاسدٍ فيه خلافٌ (*)، وإن كان باطلاً وِفاقاً لم تعتدَّ للوفاةِ.
ومن فارقَها حياً قبلَ وطءٍ وخلوةٍ، أو بعدَهما، أو بعدَ أحدِهما وهو ممن لا يولدُ لمثلِه، أو تحمَّلتْ ماءَ الزوجِ (*)، أو قَبَّلها أو لَمَسَها بلا خلوةٍ فلا عِدَّة.
ــ
(*) قوله: (خَلا بها مُطاوِعةً)، روى أحمد عن زرارةَ بن أَوْفَى قال: قَضَى الخلفاءُ الراشدونَ أنَّ من أَرْخَى ستراً أو أغْلَقَ باباً فقد وجَبَ المَهْرُ ووجَبَتْ العِدَّةُ.
(*) قوله: (حتى في نكاح فاسد فيه خلاف)، قال في الفروع: والنكاحُ الفاسدُ في ذلك كالصحيحِ نصَّ عليه، وقال ابنُ حامدٍ لا عِدَّةَ فيه إلا بالوَطْءِ مُطْلَقاً كالباطلِ.
(*) قوله: (أو تحمَّلَتْ بماءِ الزوجِ) إلى آخره، قال في الفروع: وفي تحمُّلِها ماء رجلٍ ولمساً وقبلةً وجهان، قال في التصحيح: ذكر مسألتين، الأولى: إذا تحمَّلَتْ ماءَ رجلٍ فهل تجبُ العِدَّةُ بذلك أم لا؟ أطلقَ الخلافَ فيه، أحدهما: لا تجبُ وهو الصواب، وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ من الأصحاب، والوجهُ الثاني: تجب العِدَّةُ بذلك، وبه قَطَعَ القاضي في المجرَّد، وقال في الرعاية الكبرى: إذا استدخَلَتْ مَنِيَّ زوجٍ أو أجنبيٍ بشهوةٍ تُثبتُ النسبَ والعِدَّةَ، وقال بعد أن أَطْلَقَ الوجهين: إن كان ماءُ زوجِها اعتدَّتْ وإلا فلا، المسألةُ الثانية: لو قَبَّلها أو لَمَسَها فهل تجبُ عليها العِدَّةُ بذلك أم لا؟ أحدهُما لا تجبُ وهو الصواب. انتهى ملخصاً.
стр. 288
فصل
والمُعتَدَّاتُ سِتٌ:
الأولى: الحاملُ وعِدَّتُها من موتٍ وغيرِه إلى وضعِ كلِّ الحَمْلِ (وإنما تنقضي) بما تصيرُ به أَمَةٌ أمَّ ولدٍ، فإن لم يَلحقْه لِصِغَرِه أو لكونِه ممسوحاً أو وَلَدَتْ لدونِ ستةِ أشهرٍ منذ نَكَحَها ونحوه وعاشَ لم تنقضِ به، وأكثرُ مدةِ الحَمْلِ أربعُ سنينَ (*)، وأقلُّها ستةُ أشهرٍ، وغالُبها تسعةُ أشهرٍ، ويباحُ إلقاءُ النُّطفةِ قبل أربعينَ يوماً بدواءٍ مُباحٍ.
الثانية: المتوفَّى عنها زوجُها بلا حَمْلٍ منه قبلَ الدخولِ وبعدَه، للحُرِّ أربعةُ أشهرٍ وعشرةٌ، وللأَمَةِ نصفُها (*)، فإن ماتَ زوجُ رجعيةٍ في عِدَّةِ طلاقٍ سقطَتْ وابتدأَتْ عِدَّةَ وفاةٍ منذُ ماتَ، وإن ماتَ في عِدَّة من أبانَها في الصِّحةِ لم تنتقلْ، وتعتدُّ ممن أبانَها في مرضِ موته الأطولَ من عِدَّةِ وفاةٍ وطلاقٍ، ما لم تكن أَمَةً، أو ذِمِّيةً، أو جاءتْ البَيْنُونَةُ منها فَلِطَلاَقٍ لا غيرَ، وإن طلَّق بعضَ نسائه مبهمَةً أو معيَّنَةً ثم أُنسيها، ثم مات قبلَ قُرعةٍ اعتدَّ كلُّ منهنَّ سوى حاملٍ الأطولَ منهما.
ــ
(*) قوله: (وأكثرُ مُدَّةِ الحَمْلِ أربعُ سنين)، هذا ظاهرُ المذهب، وبه قال الشافعيُّ، وهو المشهور عن مالك، وروى أحمدُ أنَّ أقصَى مدتِه سنتانِ، وهو مذهبُ أبي حنيفة، وقال الليثُ: أقصاه ثلاثُ سنين، وقال عباد بن العوام: خمسُ سنينَ وقال الزهريُّ: قد تحملُ المرأةُ ستَّ سنينَ، وسبعَ سنينَ، وقال أبو عُبيد: ليس لأقصاهُ وقتٌ يوقَفُ عليه.
(*) قوله: (وللأَمَةِ نصفُها)، وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، وقال ابن سيرين: ما أَرَى عِدَّةَ الأمَةِ إلا كعِدَّةِ الحُرَّةِ، إلا أن تكونَ قد مضَتْ في ذلك سُنَّةٌ، فإن السُّنَّةَ أحقُّ أن تُتَّبَعَ، وأخَذَ بظاهرِ اللفظِ وعمومِه.
стр. 289
الثالثة: الحائِلُ ذاتُ الأَقْراءِ، وهي الحيضُ، المفارِقَةُ في الحياةِ، فعِدَّتُها إن كانت حرةً أو مُبَعَّضَةً ثلاثةُ قُروءٍ كاملةٌ، وإلا قُرْءان.
الرابعة: من فارقَها حياً ولم تَحِضْ لصغرٍ أو إياسٍ، فتعتدُّ حرةٌ ثلاثةَ أشهرٍ، وأمةٌ شهرينِ، ومبعَّضَةٌ بالحسابِ، ويُجْبَرُ الكَسْرُ.
الخامسة: من ارتفع حيضُها ولم تَدْرِ سببَه، فعِدتُها سنةٌ: تسعةُ أشهرٍ للحملِ، وثلاثةٌ للعِدَّةِ، وتنقصُ الأمةُ شهراً، وعِدَّةُ من بَلَغَتْ ولم تَحِضْ، والمُستحاضَةُ الناسيةٌ، والمُستحاضَةُ المُبتدأَةُ ثلاثةُ أشهرٍ، والأمةُ شهرانِ وإن علمَتْ ما رفَعَهُ (*) من مرضٍ أو رَضاعٍ أو غيرِهما فلا تزالُ في عِدَّةٍ حتى يعودَ الحيضُ فتعتدَّ به، أو تبلغُ سنَّ الأياسِ فتعتدُّ عِدَّتَه.
السادسة: امرأةُ المفقودِ، تتربَّصُ ما تقدَّمَ في ميراثِه (*)، ثم تعتَدُّ للوفاةِ، وأمةٌ كحرةٍ في التربُّصِ، وفي العِدَّةِ نصفُ عِدَّةِ الحرةِ، ولا تفتقرُ إلى حُكمِ حاكمٍ بضربِ المدةِ، وعدةِ الوفاةِ. وإن تزوجتْ فَقَدِمَ الأولُ قبلَ وَطْءِ الثاني فهي للأولِ، وبعده له أخذُها زوجةً بالعقدِ الأولِ، ولو لم يطلِّقْ الثاني، ولا يطأُ قبل فراغِ عِدَّةِ الثاني، وله تركُها معه من غيرِ تجديدِ عَقْدٍ ويأخذُ قَدْرَ الصَّدَاقِ الذي أعطاها من الثاني، ويرجعُ الثاني عليها بما أخذه منه.
ــ
(*) قوله: (وإن علمتْ ما رَفَعَهُ) إلى آخره، وعنه يُنتظَرُ زوالُه، ثم إن حاضَتْ اعتدَّتْ به وإلا اعتدَّتْ بسنةٍ، قال في الإنصاف: وهو الصوابُ، واختار الشيخ تقي الدين إن علمَتْ عدمَ عودةٍ فكآيسةٍ وإلا اعتدَّت سنةً.
(*) وقوله: (تتربَّص ما تقدَّم في ميراثه)، يعني تمامَ تسعينَ سنةً منذُ وُلِدَ في السفر الذي غالبُه السلامةُ، وأربعَ سنينَ فيما كان غالبُه الهلاكُ، وهذا إذا كان له مالٌ يُصْرَفُ عليها منه، فإن غابَ ولم يَدَعْ لها نفقةً وتعذَّر أخذُها من مالِه واستدانَتْها عليه، أو لم يكن له مالٌ فلها الفسخُ بإذنِ الحاكم.
стр. 290
فصل
ومن مات زوجُها الغائبُ أو طلَّقها اعتدَّتْ منذُ الفُرقةِ، وإن لم تُحِدَّ (*).
وعِدَّةُ موطوءةٍ بشبهةٍ أو زناً أو بعقدٍ فاسدٍ كمطلَّقةٍ (*)، وإن وُطِئَتْ مُعتدةً بشبهةٍ أو نكاحٍ فاسدٍ فُرِّقَ بينهما وأتمتْ عِدَّةَ الأولِ، ولا يُحتَسبُ منها مُقامُها عند الثاني، ثم اعتدَّت للثاني، وتحلُّ له بعْقدٍ بعد انقضاءِ العِدَّتينِ، وإن تزوجَتْ في عِدَّتِها لم تنقطعْ حتى يدخلَ بها، فإذا فارقَها بَنَتْ على عِدَّتُها من الأولِ ثم استأنفتْ العِدَّةَ من الثاني، وإن أتتْ بولدٍ من أحدِهما انقضتْ عِدَّتُها ثم اعتدَّتْ للآخَرِ.
ومَنْ وَطِئَ مُعْتَدَّتَهُ البائنَ بشبهةٍ استأنفتْ العِدَّةَ بوطئِه ودخَلَتْ فيها بقيةَ الأُولَى، وإن نَكَحَ من أبانَها في عِدَّتِها ثم طلَّقها قبل الدخولِ بها بَنَتْ.
ــ
(*) قال في الاختيارات: والصوابُ في امرأةِ المفقودِ مذهبُ عمرَ بن الخطابِ وغيرِه من الصحابة، وهو أنها تتربَّصُ أربعَ سنينَ ثم تعتدُّ للوفاةِ، ويجوزُ لها أن تتزوجَ بعد ذلك، وهي زوجةُ الثاني ظاهراً وباطناً، ثم إذا قَدِمَ زوجُها الأولُ بعد تزوجِها خيِّر بين امرأتِه وبين مَهْرِها، ولا فَرْقَ بين ما قبلَ الدخولِ وبعدَه وهو ظاهرُ مذهبِ أحمد.
(*) قوله: (وعدَّةُ موطوءةٍ بشبهةٍ أو زناً ... ) إلى آخره، قال في المقنع: وعِدَّةُ الموطوءةِ بشبهةِ عِدَّةُ المطلَّقةِ، وكذلك عِدَّةُ المَزْنِيِّ بها، وعنه أنها تُستبرَأ بحيضةٍ، قال في الاختيارات: والواجبُ أن الشبهةَ إن كانت شبهةَ نكاحٍ فتعتدُّ الموطوءةُ عِدَّةَ المزوَّجةِ حُرَّةً كانت أو أَمَةً، وإن كانت شبهةَ مِلْكٍ فعِدَّةُ الأمَةِ المشتراةِ أما الزِّنا فالعِبْرةُ بالحَمْلِ، وقال أبو العباس في موضع آخر: الموطوءةُ بشبهةٍ تُسْتَبْرأُ، والمُختلعةُ يكفيها الاعتدادُ بحيضةٍ، وهو روايةٌ عن أحمد ومذهبُ عثمانَ بنِ عفَّانَ وغيره، والمفسوخُ نكاحُها كذلك، وأومأَ إليه أحمدُ في روايةِ صالح.
стр. 291
فصل
يلزمُ الإِحْدادُ مدةَ العِدَّةِ كل مُتَّوفَّى عنها زوجُها في نكاحٍ صحيحٍ، ولو ذميةً أو أَمَةً أو غيرَ مُكلَّفةٍ، ويباحُ لبائنٍ من حيٍّ، ولا يجبُ على رجعيةٍ (*) وموطوءةٍ بشبهةٍ أو زِناً أو في نكاحٍ فاسدٍ أو باطلٍ أو مِلْكِ يمينٍ.
والإحدادُ: اجتنابُ ما يدعو إلى جماعِها أو يُرغِّبُ في النظرِ إليها من الزِّينةِ، والطِّيبِ والتَّحْسينِ، والحِنَّاءِ، وما صُبِغَ للزينةِ، وحليٍّ، وكُحْلٍ أسودَ، لا توتياء ونحوه، ولا نقابَ وأبيضَ، ولو كان حسناً (*).
فصل
وتجب عِدَّةُ الوفاةِ في المنزلِ حيثُ وجَبَتْ، فإن تحوَّلَتْ خوفاً أو قَهْراً أو لَحِقٍّ انتقلتْ حيثُ شاءَتْ. ولها الخروجُ لحاجتِها نهاراً لا ليلاً، وإن تركت الإحدادَ أثِمَتْ وتمتْ عِدَّتُها بمُضِيِّ زمانِها.
ــ
(*) قوله: (ولا يجبُ على رجعيةٍ)، قال في المقنع: ولا إحدادَ على الرجعيةِ بغيرِ خلافٍ نعلمُه، قال في الرِّعاية: وحيث قلنا لا يجبُ الإحدادُ فإنه يجوزُ إجماعاً لكن لا يُسَنُّ.
(*) قوله: (ولا نقابَ وأبيضَ ولو كان حسناً)، قال في الفروع ويحرُم ما صُبِغَ غزلُه ثم نُسِجَ كالمدبوغِ بعد نَسْجِه، وقيل: لا لقوله ﷺ : (إلا ثوب عصبٍ) (١)، كذا قيل ولا يحرم، وفي الترغيب في الأصح مُلَونٌّ لدفعِ وسخٍ كأسودَ وكحليٍ وأبيضَ مُعَدٍّ للزينةِ وفيه وجه. ا. هـ.
стр. 292
باب الاستبراء
من مَلَكَ أمةً يُوطَأُ مِثْلُها من صغيرٍ وذكرٍ وضدهما حَرُمَ عليه وَطْؤُها ومقدماتُه قبل استبرائِها (*).
واستبراءُ الحامِلِ بوضْعِها، ومن تحيضُ بحيضةٍ، والآيسةُ والصغيرةُ بمُضِيِّ شهرٍ.
ــ
(*) قوله: (من صغيرٍ وذكرٍ وضدهما ... ) هذا المذهب، وعنه لا يلزمُ الاستبراءُ إذا مَلَكَها من طفلٍ أو امرأةٍ، قال في الاختيارات: ولا يجبُ استبراءُ الأمةِ البِكْرِ سواء كانت كبيرةً أو صغيرةً، وهو مذهبُ ابنِ عمر واختيارُ البخاري وروايةٌ عن أحمدَ وهو الأشبه، ولا مَنِ اشْتَرَاها من رَجُلٍ صادقٍ وأخبره أنه لم يَطَأْ أو وَطِئَ واسْتبرَأَ. اهـ.
стр. 293
كتاب الرَّضاع (*)
ويحرُمُ من الرَّضاعِ ما يحرُم من النَّسبِ، والمحرِّمُ خمسُ رَضَعاتٍ في الحَولَينِ والسَّعُوطُ والوَجُورُ، ولبنُ الميتةِ والموطوءةِ بشبهة أو بعقدٍ فاسدٍ أو باطلٍ أو زِناً محرم، وعكسُه البهيمةُ وغيرُ حُبْلَى ولا موطوءةٌ.
فمتى أرضعتْ امرأةٌ طفلاً صار ولدَها في النكاحِ والنظرِ والخلوةِ والمَحْرميةِ، ووَلَدَ من نُسِبَ لبنُها إليه بحملٍ أو وَطْءٍ، ومحارمُه في النكاح محارمُهُ، ومحارمُها محارمُهُ، دون أبويهِ وأصولِهما وفروعِهما، فتباحُ المرضعةُ لأبي المرتَضِع وأخيهِ من النَّسبِ، وأمُّه وأختُه من النسبِ لأبيهِ وأخيهِ.
ومن حرمت عليه بنتها فأرضعتْ طفلةً حرَّمتها عليه، وفسخَتْ نكاحَها منه، إن كانت زوجتَه.
وكلُّ امرأةٍ أفسدتْ نكاحَ نفسِها برَضاعٍ قبل الدخولِ فلا مَهْرَ لها، وكذا إن كانت طفلةً فدبَّتْ فرضَعتْ من نائمةٍ، وبعد الدخولِ مهرُها بحالِه، وإن أفسدَه غيرُها فلها على الزوجِ نصفُ المسمَّى قبله، وجميعُه بعده، ويَرجعُ الزوج به على المفسِدِ.
ــ
(*) قال في الاختيارات: وإذا كانت المرأةُ معروفةً بالصِّدقِ وذكرتْ أنها أَرْضَعَتْ طفلةً خمسَ رضَعاتٍ قُبِل قولُها، ويثبتُ حكمُ الرَّضاعِ على الصحيحِ، ورضاعُ الكبيرِ تنتشرُ به الحرمةُ بحيثُ لا يحتشمونَ منه للحاجةِ لقصةِ سالمٍ مولى أبي حُذيفة، وهو بعضُ مذهبِ عائشةَ وعطاء والليثِ وداودَ ممن يَرَى أنه يَنْشُرُ الحرمةَ مُطلَقاً ا. هـ.
стр. 294
ومن قال لزوجتِه: أنتِ أختي لرَضاعٍ بَطَلَ النكاحُ، فإن كان قبلَ الدخولِ وصدَّقَتْه فلا مهرَ، وإن أكذَبتْه فلها نصفُه، ويجب كلُّه بعدَه، وإن قالتْ هي ذلك وأكذَبَها، فهي زوجتُه حُكماً.
وإذا شكَّ في الرضاعِ أو كمالِه (*) أو شكَّت المرضعةُ، ولا بينَّةَ فلا تحريمَ.
ــ
(*) قوله: "أو كمالِه" يعنى كمالَ خمسِ رضعاتٍ وعنه ثلاثٌ يحرِّمْنَ ... لقوله ﷺ : (لا تحرِّمُ المَصَّةُ ولا المصَّتانِ) (١). رواه مسلم. وعنه واحدةٌ لعمومِ الآية، وبه قال مالكٌ وأصحابُ الرأيِ فإذا شكَّ في كمال الرَّضاعِ فأقلُّ أحوالِه الكراهةُ.
стр. 295
كتاب النفقات
يلزم الزوجَ نفقةُ زوجتِه قُوتاً وكسوةً، وسُكنَاها بما يصلُح لمِثْلِها، ويَعتبرُ الحاكمُ ذلك بحالِهما عند التنازعِ، فيفرضُ للمُوسِرَةِ تحت المُوسِرِ قدرَ كفايتِها من أرفعِ خُبزِ البلد وأُدُمِهِ، ولحماً، عادة الموسرين بمحلِّهما، وما يلْبَسُ مثلُها من حريرٍ وغيره، وللنومِ فراشٌ ولحِافٌ وإزارٌ ومخدَّةٌ، وللجلوسِ حصيرٌ جيدٌ وزَلِّيٌّ. وللفقيرةِ تحتَ الفقيرِ من أَدنى خُبزِ البلدِ وأُدُمٌ يلائمُه، وما يلبسُ مثلُها ويجلسُ عليه. وللمتوسطةِ (مع المتوسطِ) أو الغنيةِ مع الفقيرِ وعكسُهما، ما بين ذلك عُرفاً. وعليه مُؤْنَةُ نظافةِ زوجتِه دون خادمِها لا دواءٌ، وأجرةُ طبيبٍ.
فصل
ونفقةُ المطلَّقةِ الرجعيةِ وكسوتُها وسُكناها كالزوجةِ، ولا قَسْمَ لها، والبائنُ بفسخٍ أو طلاقٍ لها ذلك إن كانت حاملاً، والنفقةُ للحَمْلِ لا لها من أجلِه (*). ومن حُبِستْ ولو
ــ
(*) قوله: (والنفقةُ للحَمْلِ لا لها من أجلِه) قال في المقنع: وهل تجبُ النفقةُ للحامِلِ لحملها أو لها من أجلِه؟ على روايتين، إحداهما: أنها لها فتجبُ لها إذا كان أحدُ الزوجين رقيقاً ولا تجبُ للناشزِ ولا للحامِلِ من وَطْءِ شبهةٍ أو نكاحٍ فاسدٍ. والثانية: أنها للحَمْلِ فتجبُ لهؤلاءِ الثلاثِ ولا تجبُ لها، إذا كان أحدُهما رقيقاً انتهى.
قال في الاختيارات: والمطلَّقةُ البائنُ وإن لم تلزمْه نفقتُها إن شاء أسكنَها في مسكنِه أو غيرِه إن صَلَح لها ولا محذورَ، تحصيناً لمائِه، وأنفقَ عليها فله ذلك، وكذلك الحاملُ من وَطْءِ الشبهةِ أو النكاحِ الفاسدِ لا يجبُ على الواطئِ نفقتُها إن قلنا بالنفقةِ لها، إلا أن يُسكنَها في منزلٍ يليقُ بها تحصيناً لمائِه، فيلزمُها ذلك، وتجبُ لها النفقةُ والله أعلم. =
стр. 296
ظُلماً، أو نَشَزَتْ، أو تطوَّعتْ بلا إذنِه بصومٍ أو حَجٍّ، أو أحرمَتْ بنذرِ حجٍ أو صومٍ، أو صامَتْ عن كفارةٍ أو قضاءِ رمضانَ مع سعةِ وقتِه، أو سافرتْ لحاجتِها ولو بإذنِه سقطَتْ، ولا نفقةَ ولا سُكْنَى لمتوفَّىً عنها. ولها أخذُ نفقةِ كلِّ يومٍ من أولِهِ لا قيمتُها، ولا عليها أخذُها، فإن اتفقَا عليه أو على تأخيرِها أو تعجيلِها مدةً طويلةً أو قليلةً جازَ، ولها الكسوةُ كلَّ عامٍ مرةً في أولِه. وإذا غابَ ولم يُنْفِقْ لزمتْهُ نفقةُ ما مَضَى، وإن أَنفقتْ في غَيْبَتِه من مالِه فبانَ ميتاً غرَّمها الوارثُ ما أنفقَتْه بعد موتِه.
فصل
ومن تسلَّم زوجتَه أو بذلَتْ نفسها -ومثلُها يُوْطَأُ- وجبَتْ نفقتُها ولو مع صِغَرِ الزوج ومَرضِه وجَبِّه وعِنَّتِه (*).
ــ
= وقال أيضاً: والزوجةُ المتوفَّى عنها زوجُها لا نفقةَ لها ولا سُكْنَى، إلا إذا كانتْ حاملاً فروايتان، وإذا لم توجَب النفقةُ في التركةِ فإنه ينبغي أن تجبَ لها النفقةُ في مالِ الحَمْلِ، أو في مالِ من تجبُ عليه النفقةُ، إذا قلنا تجبُ للحَمْلِ كما تجبُ أجرةُ الرضاعِ. وقال أبو العباس في موضع: النفقةُ والسُّكْنَى تجبُ للمتوفَّى عنها في عِدَّتِها ويُشتَرطُ فيها مُقامُها في بيتِ الزوجِ، فإن خرجَتْ فلا جُناحَ إذا كان أصلَحَ لها. والمطلَّقةُ البائنُ الحاملُ تجبُ لها النفقةُ من أجلِ الحَمْلِ وللحَمْلِ. وهو مذهبُ مالك وأحدُ القولين في مذهب أحمد والشافعي.
(*) قال في الاختيارات: ولا يلزمُ الزوجَ تمليكُ الزوجةِ النفقةَ والكسوةَ بل ينفقُ ويكسُو بحسبِ العادةِ لقوله ﵇: (إنَّ حقَّها عليك أن تُطعِمَها إذا طَعِمتَ وتكسُوها إذا اكتسيتَ) وإذا انقضت السنةُ والكسوةُ صحيحةٌ، قال أصحابُنا: عليه كسوةٌ السنةِ الأخرَى، وذكروا احتمالاً أنه لا يلزمُه شيءٌ، وهذا الاحتمالُ قياسُ المذهب، لأن النفقةَ والكسوةَ غيرُ مُقَدَّرةٍ عندنا، فإذا كَفَتْها الكسوةُ عدةَ سنينَ لم =
стр. 297
ولها منعُ نفسِها حتى تقبضَ صَداقَها الحالَّ، فإن سلَّمتْ نفسَها طوعاً ثم أرادتْ المنعَ لم تملِكْه.
وإذا أعسَرَ بنفقةِ القُوتِ أو بالكسوةِ، أو بعضِها، أو المسكنِ لا في الماضي فلها فسخُ النكاحِ، فإن غاب (موسرٌ) ولم يَدَعْ لها نفقةَ، وتعذَّر أخذُها من مالِه واستدانَتُهَا عليه فلها الفسخُ بإذن الحاكم.
ــ
= يجبْ غيرُ ذلك، وإنما يتوجَّه ذلك على قولِ من يجعلُها مُقَدَّرةً، وكذلك على قياسِ هذا لو استبقتْ من نفقةِ أمسِ لليوم، وذلك أنها وإن وجبتْ معاوضَةً فالعوضُ الآخَرُ لا يُشْتَرَطُ الاستبقاءُ فيه ولا التمليكُ بل التمكينُ في الانتفاعِ، فكذلك عوضُه، ونظيرُ هذا الأجيرُ بطعامِه وكسوتِه.
ويتوجَّه على ما قلنا أن قياسَ المذهبِ أن الزوجةَ إذا قبضَتْ النفقةَ ثم تَلِفَتْ أو سُرِقتْ أنه يلزمُ الزوجَ عوضُها، وهو قياسُ قولِنا في الحاجِّ عن الغيرِ إذا كان ما أَخَذَه نفقةً تلفَ، فإنه يتلَفُ من ضمانِ مالِكِه.
قال في المحرَّر: ولو أنفقَتْ من مالِه وهو غائبٌ فتبيَّنَ موتُه فهل يرجعُ عليها بما أنفقتْ بعد موته؟ على روايتين، قال أبو العباس: وعلى قياسه كلُّ من أُبيحَ له شيءٌ وزالت الإباحةُ بفعلِ اللهِ أو بفعلِ المُبيحِ، كالمُعيرِ إذا مات أو رَجَعَ والمانحُ وأهلُ الموقوفِ عليه، لكن لم يَذْكُرِ الجَدَّ ههنا إذا طلَّق فلعله يفرِّقُ بين الموتِ والطلاقِ بأن التفريطَ في الطلاقِ منه.
والقولُ في دفعِ النفقةِ والكسوةِ قولُ من شَهِدَ له العُرفُ، وهو مذهبُ مالكٍ، ويخرَّج على مذهب أحمد في تقديمِه الظاهرَ على الأصلِ، انتهى.
قال في المقنع: وإن منعَتْ تسليمَ نَفْسِها أو منعَها أهلُها فلا نفقةَ لها إلا أن تمنَعَ نفسَها قبل الدخولِ حتى تَقْبضَ صداقَها الحالَّ فلها ذلك وتجب نفقتُها، وإن كانت بعدَ الدخولِ فعلى وجهين بخلاف المؤجَّل.
قال في الاختيارات: وحصولُ الضَّررِ للزوجةِ بتركِ الوَطْءِ مُقْتَضٍ للفسخِ بكلِّ حالٍ، سواء كان بقصدٍ من الزوجِ أو بغيرِ قصدٍ ولو مع قُدرتِه وعجزِه كالنفقةِ وأولى ا. هـ.
стр. 298
بابُ نفقةِ الأقاربٍ والمماليكٍ والبهائمِ (*)
تجب أو تتمتُها لأبويه وإن عَلَوا، ولولدِه وإن سَفَل، حتى ذوي الأرحامِ منهم حَجَبه معسرٌ أو لا. ولكلِّ من يرثُه بفَرْضٍ أو تَعْصيبٍ، لا بِرَحمٍ سوى عَمودَيْ نسبِه، سواء وَرِثَه الآخرُ كأخٍ أو لا، كعمةٍ وعتيقٍ بمعروفٍ، مع فقرِ من تجبُ له، وعَجْزِه عن تكسُّبٍ، إذا فَضَلَ عن قوتِ نفسِه وزوجتِه ورقيقِه يومَه وليلتَه وكسوةٍ وسُكْنَى، من حاصلٍ أو مُتحصَّلٍ، لا من رأسِ مالٍ وثمنِ مِلْكٍ وآلةِ صنعةٍ. ومن له وارثٌ غيرُ أبٍ فنفقتُه عليهم على قَدْرِ إِرْثِهم، فعلى الأمِّ الثلثُ، والثلثانِ على الجَدِّ، وعلى الجَدَّةِ السدسُ، والباقي على الأخِ، والأبُ ينفرد بنفقةِ ولدِه. ومن له ابنٌ فقيرٌ وأخٌ موسِرٌ فلا نفقةَ له عليهما (*)، ومن أمُّه فقيرةٌ وجَدَّتُه موسِرةٌ فنفقتُه على الجَدَّةِ، ومن عليه نفقةُ زيدٍ فعليه نفقةُ زوجتِه كظئرٍ لحَوْلينِ، ولا نفقةَ مع اختلافِ دِيْنٍ إلا بالولاءِ (*). وعلى الأبِ أن يسترضَعَ لولده ويُؤدِّي
ــ
(*) قال في الفروع: وهل يلزمُ المُعْدِم الكسبُ لنفقةِ قريبِهِ على الروايتين في الأولى، ذكره في الترغيب، وجزم جماعةٌ أنه يلزمه ذلك.
(*) قوله: (ومن له ابنٌ فقيرٌ وأخٌ موسرٌ فلا نفقةَ له عليهما)، وعنه تجبُ على الأخِ، اختاره في المستوعب.
(*) قوله: (ولا نفقةَ مع اختلافِ دِيْنٍ ... )، قال في المقنع: ولا تجبُ نفقةُ الأقاربِ مع اختلافِ الدِّينِ، وقيل في عمودَي النسبِ روايتان اهـ.
قال في الاختيارات: وعلى الولدِ الموسرِ أن ينفقَ على أبيهِ المُعْسِرِ وزوجةِ أبيهِ وعلى إخوتِه الصغار، وتجبُ النفقةُ لكلِّ وارثٍ ولو كان مقاطَعاً من ذوي الأرحام وغيرهم، لأنه من صِلَةِ الرَّحِمِ، وهو عامٌّ كعمومِ الميراثِ في ذوي الأرحامِ، وهو روايةٌ عن أحمد والأوجه وجوبها مرتَّباً، وإن كان الموسِرُ القريبُ مُمتنِعاً فينبغي أن =
стр. 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= يكون كالمُعْسِرِ كما لو كان للرجلِ مالٌ وحِيلَ بينه وبينه لغَصْبٍ أو بُعدٍ، لكن ينبغي أن يكون الواجبُ هنا القَرْض رجاءَ الاسترجاع، وعلى هذا فمتى وجبَتْ عليه النفقةُ وجب عليه القرضُ، إذا كان له وفاء. وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرُهما في أبٍ وابنٍ، القياسُ أن على الأب السدسَ، إلا أن الأصحابَ تركوا القياسَ لظاهرِ الآية، والآية إنما هي في الرضيعِ وليس له ابنٌ فينبغي أن يفرّق بين الصغيرِ وغيرِه، فإن مَنْ له ابنٌ يبعدُ أن لا تكونَ عليه نفقتُه، بل تكون على الأبِ، فليس في القرآنِ ما يخالفُ ذلك، وهذا جيدٌ على قولِ ابنِ عقيلٍ حيث ذكرَ في التذكرةِ أن الولدَ ينفردُ بنفقةِ والدَيه ا. هـ.
قال في الاختيارات: وإذا تزوجت المرأةُ ولها ولدٌ فغَصَبتِ الولدَ وذهبتْ به إلى بلدٍ آخرَ، فليس لها أن تطالبَ الأبَ بنفقةِ الولدِ، وإرضاعُ الطفلِ واجبٌ على الأم بشرط أن تكونَ مع الزوجِ، وهو قولُ ابن أبي ليلى وغيرِه من السلف، ولا تستحقُّ أجرةَ المِثْلِ زيادةً على نفقتِها وكسوتِها، وهو اختيارُ القاضي في المجرَّد، وقول الحنفيَّةِ، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فلم يوجبْ لهنَّ إلا الكسوةَ والنفقةَ بالمعروفِ، وهو الواجبُ بالزوجيةِ وما عساه يتجرَّدُ من زيادةٍ خاصةٍ للمُرتَضِع، كما قال في الحامل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فدخلتْ نفقةُ الولدِ في نفقةِ أمِّهِ، لأنه يتغذَّى بها، وكذلك المُرتَضِع. وتكونُ النفقةُ هنا واجبةً بشيئينِ، حتى لو سقَطَ الوجوبُ بأحدِهما ثبتَ الآخَرُ، كما لو نَشَزَتْ وأرضَعَتْ ولدَها فلها النفقةُ للإرضاعِ لا للزوجيةِ، فأما إذا كانت بائناً وأرضعتْ له ولدَه فإنها تستحقُّ أجرها بلا ريبٍ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وهذا الأجرُ هو النفقةُ والكسوةُ، وقاله طائفةٌ، منهم الضحَّاكُ وغيرُه، وإذا كانت المرأةُ قليلةَ اللبنِ وطلَّقها زوجُها فله أن يَكْتريَ مُرْضِعةً لولدِه، وإذا فعلَ ذلك فلا فَرْضَ للمرأةِ بسببِ الولدِ ولها حضانتُه ا. هـ.
стр. 300
الأجرةَ، ولا يمنعُ أمَّه إرضاعَه، ولا يلزمُها إلا لضرورةٍ كخوفِ تَلَفِه، ولها طلبُ أجرةِ المِثْلِ، ولو أرضَعه غيرُها مجاناً بائناً كانت أو ... تحتَه، وإن تزوجتْ آخرَ فله منعُها من إرضاعِ ولدِ الأول، ما لم يضْطرَّ إليها.
فصل
وعليه نفقةُ رَقيقِه طعاماً وكسوةً وسُكْنى، وأن لا يكلفَه مشقاً كثيراً، وإن اتَّفقا على المخارجةِ جازَ، ويُريحُه وقتَ القائلةِ والنومِ والصلاةِ، ويُرْكِبُه في السفرِ عَقْبِهً، وإن طَلبَ نكاحاً زوَّجَه أو باعَه، وإن طلبتْه الأمةُ وَطِئَها أو زوَّجَها أو باعَها.
فصل
وعليه عَلَفُ بَهائِمِه وسَقْيُها وما يُصْلِحُها، ولا يُحَمِّلُها ما تَعْجِزُ عنه، ولا يَحْلِبُ من لبنها ما يضرُّ ولدَها، فإن عجزَ عن نفقتِها أُجْبرَ على بيعِها أو إِجارتِها أو ذَبْحِها إن أُكِلتْ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 301
باب الحضانة
تجب لحفظِ صغيرٍ ومعتوهٍ ومجنونٍ (*).
والأحقُّ بها أُمٌّ، ثم أمهاتُها القُرْبَى فالقُرْبَى، ثم أب، ثم أهاتُه كذلك، ثم جَدٌّ، ثم أمهاتُه كذلك، ثم أختٌ لأبوين، ثم لأمٍّ، ثم لأبٍ، ثم خالةٌ
ــ
(*) قال في الاختيارات: لا حضانةَ إلا لرجلٍ من العصبةِ، أو لامرأةٍ وارثةٍ أو مُدْلِيَةٍ بعصبةٍ أو بوارثٍ، فإن عَدِمُوا فالحاكمُ، وقيل: إن عَدِمُوا ثبتتْ لمن سواهم من الأقاربِ ثم للحاكمِ، ويتوجَّه عند العدمِ أن تكونَ لمن سَبَقَ إليه كاللَّقيطِ، فإنَّ كُفَّالَ اليتامَى لم يكونوا يستأذنونَ الحاكمَ، والوجهُ أن يَتردَّد ذلك بين الميراثِ والمالِ، والعمةُ أحقُّ من الخالةِ، وكذا نساءُ الأبِ أحقُّ يُقَدَّمنَ على نساءِ الأمِّ، لأن الولايةَ للأبِ وكذا أقاربُه، وإنما قُدِّمتِ الأمُّ على الأبِ لأنه لا يقومُ مقامَها هنا في مصلحةِ الطفلِ، وإنما قَدَّم الشارعُ ﵇ خالةَ بنتِ حمزةَ على عَمَّتِها صَفيَّةَ، لأن صَفيَّةَ لم تطلبْ وجَعفرُ طلبَ نائباً عن خالتِها فقَضَى لها بها في غَيْبتِها، وضَعْفُ البَصَرِ يمنعُ من كمالِ ما يَحتاجُ إليه المَحْضونُ من المصالحِ.
وإذا تزوجتِ الأمُّ فلا حضانةَ لها وعلى عَصَبةِ المرأةِ منعُها من المحرَّماتِ، فإن لم تمتنعْ إلا بالحبسِ حبسُوها وإن احتاجتْ إلى القَيْدِ قَيَّدوها، وما ينبغي للمولودِ أن يضربَ أُمَّه، ولا يجوزُ لهم مقاطعتُها بحيثُ تتمكنُ من السُّوءِ، بل يلاحظونَها بحسبِ قُدرتِهم، وإن احتاجتْ إلى رزقٍ وكسوةٍ كَسَوها، وليس لهم إقامةُ الحدِّ عليها، والله أعلم ا. هـ.
стр. 302
لِأَبَوَيْنِ، ثم لأمٍّ، ثم لأبٍ، ثم عَمَّاتٌ كذلك، ثم خالاتُ أُمِّه ثم خالاتُ أبيهِ، ثم عماتُ أبيهِ، ثم بناتُ إخوتِه وأخواتِه، ثم بنات أعمامِه وعماتِه، ثم بناتُ أعمامِ أبيهِ، وبناتُ عماتِ أبيه، ثم لباقي العَصَبةِ الأَقْرب فالأَقْرب، فإن كانت أُنثَى فمِنْ مَحارمِها، ثم لذوي أرحامِه، ثم للحاكِم، وإن امتنعَ من له الحضانةُ أو كان غيرَ أهلٍ انتقلت إلى من بعدَه، ولا حضانةَ لمن فيه رِقٌّ ولا لفاسقٍ، ولا لكافرٍ على مسلمٍ، ولا لمزوَّجةٍ بأجنبيٍ من محضونٍ من حينِ عَقْد، فإن زال المانعُ رجعَ إلى حقِّه، وإن أراد أحدُ أبويهِ سفراً طويلاً إلى بلدٍ بعيدٍ ليسكنَه، وهو ... وطريقُه آمنانِ فحضانتُه لأبيهِ، وإن بَعُدَ السفرُ لحاجةٍ أو قَرُبَ لها أو للسُّكنى فلأمِّه.
فصل
وإذا بلغَ الغلامُ سبعَ سنينَ عاقلاً خيِّر بين أبويهِ فكان مع من اختارَ منهما، ولا يُقَرُّ بيدِ من لا يصونُه ويُصلحُه.
وأبو الأُنثى أحقُّ بها بعد السبعِ، ويكونُ الذكرُ بعد رُشدِه حيث شاء، والأُنثى عند أبِيها حتى يتسلَّمها زوجُها.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 303
كتاب الجنايات (*)
وهي عَمْدٌ يَختصُّ القَوَدُ به بشرطِ القَصْدِ، وشبْهُ عَمْدٍ، وخَطَأٌ.
فالعَمْدُ: أن يَقصِدَ من يعلَمُه آدميّاً معصوماً فَيَقتُلَه بما يَغلِبُ على الظَّنِّ موتُه به، مثل: أن يَجْرَحَهُ بما له مَوْرٌ في البَدَنِ، أو يضربَه بحجرٍ كبيرٍ ونحوه، أو يُلقيَ عليه حائطاً، أو يُلْقِيَه من شاهقٍ، أو في نارٍ أو ماءٍ يغرقُه -ولا يمكنُه التخلصَ منهما- أو يخنُقُه، أو يحبسُه من الطعامِ أو الشرابِ فيموتُ من ذلك في مدةٍ يموتُ فيها غالباً، أو بِسِحْرٍ أو سمٍّ، أو شَهِدَتْ عليه بينةٌ بما يوجبُ قتلَه ثم رجَعوا، وقالوا: عَمَدْنَا قتلَه، ونحو ذلك.
وشِبْهُ العَمْدِ: أن يقصد جنايةً لا تَقْتُلُ غالباً ولم يَجرحْهُ بها، كمن ضربَه في غيرِ مَقتلٍ بسَوطٍ أو عصاً صغيرةٍ، أو لَكَزَهُ ونحوه.
والخطأُ: أن يفعل ما له فعلُه، مثل أن يرميَ صيداً أو غرضاً أو شخصاً فيصيبَ آدمياً (لم يقصدْه)، وعَمْدُ الصبيِ والمجنونِ.
ــ
(*) قال في الاختيارات: العقوباتُ الشرعيةُ إنما شُرِعتْ رحمةً من الله تعالى بعبادِه، فهي صادرةٌ عن رحمةِ الخالقِ وإرادةِ الإحسانِ إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقِبُ الناسَ على ذنوبِهم أن يقصد بذلك الإحسانَ إليهم والرحمةَ بهم، كما يقصدُ الوالدُ تأديبَ ولدِه، وكما يقصد الطبيبُ معالجةَ المريضِ.
стр. 304
فصل
تُقتَلُ الجماعةُ بالواحدِ (*)، وإن سقط القَوَدُ أَدَّوا ديةً واحدةً.
ومن أُكره مُكلَّفاً على قتلِ مُكافئهِ فقتلَه فالقتلُ أو الدِّيَةُ عليهما، وإن أَمر بالقتلِ غيرَ مكلَّفٍ أو مكلَّفاً يَجهلُ تحريمَه، أو أَمَر به السلطانُ ظلماً من لا يَعرِفُ ظُلمَه فيه (*)، فَقَتَل فالقَوَدَ أو الدِّيَة على الآمرِ، وإن قَتَلَ المأمورُ المكلَّفُ عالماً بتحريمِ القتلِ فالضَّمانُ عليه دون الآمِرِ.
وإن اشتركَ فيه اثنانِ لا يجبُ القَوَدُ على أحدِهما منفرداً لأبوَّةٍ أو غيرِها فالقَوَدُ على الشريكِ، فإن عَدَلَ إلى طلبِ المالِ لزمَهُ نصفُ الدِّيَةِ.
ــ
(*) قوله: (تُقتَلُ الجماعةُ بالواحدِ)، قال في الاختيارات: وإذا اتفقَ الجماعةُ على قتلِ شخصٍ فلأولياءِ الدَّمِ أن يقتلوهُم، ولهم أن يقتلوا بعضَهم، وإن لم يُعلَمْ عينُ القاتلِ فللأولياءِ أن يَحْلِفُوا على واحدٍ بقتلِهِ أنه قَتَلَهُ، ويُحكَمُ لهم بالدِّمِ، انتهى.
(*) قوله: (أو أمر به السلطان ظلماً ... ). قال في الاختيارات: قال في المحَّررِ: ولو أمر به -يعني القَتْل- سلطانٌ عادلٌ أو جائرٌ ظُلماً من لا يعرفُ ظُلْمَه فيه فَقَتلَهُ، فالقَوَدُ أو الدِّيَةُ على الآمرِ، خاصةً، قال أبو العباس: هذا بناءً على وجوبِ طاعةِ السلطانِ في القَتْلِ المجهولِ، وفيه نظرٌ، بل لا يُطاعُ حتى يَعْلَمَ جوازَ قَتْلِه، وحينئذٍ فتكونُ الطاعةُ له معصيةً لاسيما إذا كان معروفاً بالظُّلْمِ، فهنا الجهلُ بعدَمِ الحِلِّ، كالعلمِ بالحرمةِ وقياسُ المذهبِ، أنه إذا كان المأمورُ ممن يُطيعه غالباً في ذلك، أنه يجبُ القتلُ عليهما، وهو أَوْلَى من الحاكمِ، والشهود سببٌ يقتضِي غالباً فهو أَوْلَى من المُكْرَهِ ا. هـ.
стр. 305
باب شُروطِ القِصَاص
وهي أربعةٌ:
أحدُها: عصمةُ المقتولِ، فلو قتل مسلمٌ أو ذميٌّ حَرْبياً أو مُرتداً لم يضمنْه بِقصاصٍ ولا ديةٍ (*).
ــ
(*) قال في الاختيارات: ولا يُقتلُ مُسلمٌ بذميٍّ، إلا أن يَقتلُه غيلةً لأخذ مالِه، وهو مذهبُ مالك، قال أصحابُنا: ولا يُقتل حرٌّ بعبدٍ، ولكن ليس في العبد نصوصٌ صحيحةٌ صريحةٌ كما في الذميِّ، بل أَجْوَدُ ما رُوي: مَنْ قَتَلَ عَبْدَه قتلناه، وهذا أنه إذا قتلَه ظُلماً كان الإمامُ وليَّ دمِه، وأيضاً فقد ثبتَ في السُنَّةِ والآثارِ أنه إذا مثَّل بعبدِه عَتَقَ عليه، وهو مذهبُ مالك وأحمد وغيرهما، وقتلُه أعظمُ أنواع المُثْلَةِ فلا يموتُ إلا حُراً، ولكن حريته لم تثبتْ حالَ حياتِه حتى ترثَه عصبتُه، بل حريتُه تثبتُ حُكماً، وهو إذا عَتَقَ كان ولاؤه للمسلمين فيكونُ الإمامُ هو وليُّه فله قتل عبده، وقد يَحتجُّ بهذا من يقول: إن قاتلَ عبدِ غيرِه لسيِّدِه قَتْلُه، وإذا دلَّ الحديثُ على هذا كان هذا القولُ هو الراجحَ، وهذا قويٌّ على قولِ أحمدَ، فإنه يُجَوِّزُ شهادةَ العبدِ كالحرِّ بخلافِ الذمِّي، فلماذا لا يُقتَلُ الحرُّ بالعبدِ، وقد قال النبي ﷺ : (المسلمونَ تتكافأُ دماؤُهم) (١)، ومن قال: لا يُقتَلُ حرٌّ بعبدٍ يقول: إنه لا يُقتل الذمِّيُّ الحرُّ بالعبدِ المسلمِ، والله يقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فالعبدُ المؤمنُ خيرٌ من الذمِّيِ المُشْرِكِ، فكيف لا يُقتلُ به، والسنَّةُ إنما جاءت: (لا يقتل والد بولده) (٢)، فإلْحاقُ الجَدِّ أبي الأمِّ بذلك بعيدٌ اهـ.
стр. 306
الثاني: التكليفُ، فلا قِصاصَ على صغيرٍ ومجنونٍ.
الثالثُ: المكافأةُ، بأن يساويَه في الدِّينِ والحُريةِ والرِّقِّ، فلا يُقتلُ مسلم بكافرٍ (١)، ولا حُرٌّ بعبدٍ، وعكسُه يُقتَلُ، ويُقتلُ الذكرُ بالأُنثى والأُنثى بالذكرِ.
الرابع: عدمُ الولادةِ، فلا يُقتلُ أحدُ الأبوينِ وإن عَلاَ بالولدِ وإن سَفَلَ، ويُقتلُ الولدُ بكلٍ منهما.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 307
باب استيفاء القصاص
يُشترط له ثلاثةُ شروط:
أحدُها: كونُ مستحقِّه مكلَّفاً (*)، فإن كان صبياً أو مجنوناً لم يُسْتوفَ، وحُبِسَ الجاني إلى البلوغِ والإفاقة.
الثاني: اتفاقُ الأولياءِ المشتركِينَ فيه على استيفائِه، وليس لبعضِهم أن ينفرِدَ به، وإن كان من بَقِيَ غائباً أو صغيراً أو مجنوناً انتُظِرَ القدومُ والبلوغُ والعقلُ (*).
ــ
(*) قوله: (أحدُها كونُ مستحقِّهِ مكلَّفاً)، قال في المقنع: إلا أن يكون لهما أبٌ، فهل له استيفاؤُه لهما؟ على روايتين، فإن كانا محتاجَيْنِ إلى النفقةِ فهل لوليِّهما العفوُ على الديةِ؟ يحتملُ وجهين.
(*) قوله: (وإن كان من بقي غائباً أو صغيراً ... )، قال في المقنع: وإن كان بعضُهم صغيراً أو مجنوناً فليس للبالغِ العاقلِ الاستيفاءُ حتى يصيرا مُكَلَّفين في المشهورِ عنه، وعنه لهم ذلك اهـ.
قال في الاختيارات: والجماعةُ المشترِكون في استحقاقِ دمِ المقتولِ الواحدِ، إما أن يثبتَ لكلِّ واحدٍ بعضُ الاستيفاءِ، فيكونَ كالمشتركِين في عَقْدٍ أو خُصومةٍ، وتعيينُ الإمامِ قويٌ، كما يُؤجَر عليهما لنيابتِه عن المُمْتَنِع، والقُرعة إنما شُرِعَتْ في الأصلِ إذا كان كلُّ واحدٍ مستحقاً أو كالمستَحِقِّ، ويتوجَّه أن يقومَ الأكثرُ حقاً أو الأفضلُ لقوله: كَبِّر، وكالأولياء في النكاح، وذلك أنهم قالوا هنا: من تقدم بالقُرعةِ قدمته ولم تَسقطْ حقوقُهم إلى أن قال: وولايةُ القِصاصِ والعَفوِ عنه ليستْ عامةً لجميعِ الورثةِ بل تَختصُّ بالعصبةِ، وهو مذهب مالك، وتخرَّجُ روايةً عن أحمد.
стр. 308
الثالث: أن يُؤْمَنَ في الاستيفاءِ أن يتعدَّى الجَانِي، فإذا وجبَ على حاملٍ أو حائلٍ فَحَملْت لم تُقتَلْ حتى تضعَ الولدَ وتُسقيَه اللَّبَأ، ثم إن وُجِدَ من يُرضِعُه وإلا تُركِتْ حتى تَفطِمَه، ولا يُقتَصُّ منها في الطَّرَفِ حتى تضعَ، والحَدُّ في ذلك كالقصاصِ.
فصل
ولا يُستوفَى قصاصٌ إلا بحضرةِ سلطانٍ أو نائبه، وآلةٍ ماضيةٍ.
ولا يُستوفَى في النَّفْسِ إلا بضَربِ العُنُقِ بِسيفٍ، ولو كان الجاني قَتَلَهُ بغيرِه (*).
ــ
(*) قال في المقنع: ولا يُستوفَى القصاصُ في النفسِ إلا بالسيفِ في إحدى الروايتين، وفي الأخرى يُفعَلُ به كما فَعَلَ به، فلو قَطَعَ يدَه، ثم قَتَلَه بحَجَرٍ، أو غرقه أو غير ذلك فُعِلَ به مثل فِعْلٍ اهـ.
وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفة والشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: هذا أشبهُ بالكتابِ والسنةِ والعدلِ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، قال في الاختيارات: ويُفعل بالجاني على النفسِ مثلَ ما فَعَلَ بالمَجْنِي عليه ما لم يكن مُحَرَّماً في نفسِه، ويقتلُه بالسيفِ إن شاء، وهو روايةٌ عن أحمد ولو كَوَى شخصاً بمِسمار كان للمَجْنِي عليه أن يَكْويَه مثلَ ما كَواه إن أَمْكنَ، ويجري القصاصُ في اللَّطْمةِ والضَّرْبةِ ونحو ذلك، وهو مذهبُ الخلفاءِ الراشدين وغيرهم، ونصَّ عليه أحمدُ في رواية إسماعيل ابن سعد السالنجي.
стр. 309
باب العفو عن القصاص
يجبُ بالعَمْدِ القَوَدُ أو الديةُ، فيخيَّر الوليُّ بينهما، وعفوهُ مَجَّاناً أفضلُ، فإن اختارَ القَوَدَ أو عفا عن الديةِ فقط فله أخذُها، والصلحُ على أكثرَ منها، وإن اختارَها أو عفا مُطلقاً، أو هَلَكَ الجانِي فليس له غيرُها، وإذا قطع إِصبِعاً عمداً فعفا عنها (*)، ثم سَرَتْ إلى الكَفِّ أو النفسِ أو كان العفوُ على غيرِ شيءٍ فَهَدْرٌ، وإن كان العفوُ على مالٍ فله تَمامُ الديةِ، وإن وكَّل من يَقتصُّ ثم عَفَا فاقتصَّ وكيلُه ولم يَعْلَمُ فلا شيءَ عليهما، وإن وجبَ لرقيقٍ قَوَدٌ، أو تَعْزيرُ قَذْفٍ فطلبُه وإسقاطُه إليه، فإن مات فلسيِّده (*).
ــ
(*) قال في المقنع: وإذا قطع إِصْبِعاً عَمْداً فعفَا عنه، ثم سَرَى إلى الكَفِّ أو النفسِ، وكان العفوُ على مالِه فله تَمام الدِّيةِ، وإن عَفَا على غيرِ مالٍ فلا شيءَ له على ظاهر كلامه، ويَحتمِلُ أن له تمامَ الدِّيةِ، قال في الحاشية: وهذا المذهبُ قدَّمه في المُغني والشَّرحِ ونصراه، وبه قال الشافعي؛ لأن المَجْنِي عليه إنما عَفَا عن الإصْبِعِ فوجبَ أن يَثبتَ له كمالُ الديةِ ضرورةً إنه غير مَعفوٍّ عنه ا. هـ.
(*) قال في الاختيارات: قال أصحابنا: وإن وجب لعبدٍ قِصاصٌ أو تعزيرُ قذفٍ فطلبُه وإسقاطُه إليه دون سيِّده، ويتوجَّه أن لا يملكَ إسقاطَه مجَّاناً كالمُفلِسِ والورثةِ مع الديونِ المُستغرِقَةِ على أحد الوجهين، وكذلك الأصلُ في الوَصِيِّ، والقياسُ أن لا يَملِكَ السيِّدُ تعزيرَ القذفِ إذا مات العبدُ، إلا إذا طالبَ كالوارثِ، إلى أن قال: ومن أَبْرأَ جانياً حراً جنايتُه على عاقِلَتِه، إن قلنا تجبُ الديةُ على العاقلةِ أو تحمَّل عنه ابتداءً أو عبداً، إن قلنا جنايتُه في ذمتِه مع أنه يتوجَّه الصحةُ مطلقاً .. هو وجهٌ بناءً على أن مفهومَ هذا اللفظِ في عُرْفِ الناسِ العفوُ مطلقاً، والتصرفاتُ تُحْمَلُ مُوجبَاتُها على =
стр. 310
باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس
من أُقِيدَ بأحدٍ في النفس أُقِيدَ به في الطَّرَفِ والجِرَاحِ، ومَنْ لا فلا، ولا يجبُ إلا بما يُوجِبُ القَوَدَ في النفسِ، وهو نوعان:
أحدُهما: في الطَّرَفِ فتُؤخذُ العينُ والأنفُ والأُذُنُ، والسِّنُّ والجَفْنُ والشَّفَةُ واليَدُ، والرِّجْلُ والإصبع والكَفُّ، والمِرْفَقُ والذَّكَرُ والخُصْيَةُ والإلْيَةُ والشُّفْرُ كلُّ واحدٍ من ذلك بِمْثِلِه. وللقِصَاص في الطَّرَفِ شروطٌ: الأولُ: الأمنُ من الِحْيفِ بأن يكونَ القَطْعُ من مِ فْصَل أوْ لَهُ حدٌّ ينتهي إليه، كمارنِ الأنفِ، وهو ما لانَ منه، والثاني: المُماثَلَةُ في الاسم والموضِعِ، فلا تؤخذ يمينٌ بيسارٍ، ولا خِنْصَرٌ بِبِنْصَرٍ، ولا أصليٌّ بزائدٍ، وعكسُه، ولو تراضَيَا لم يَجُزْ، الثالث: استواؤُهما في الصِّحةِ والكمالِ، فلا تؤخَذُ صحيحةٌ بشلاَّءَ، ولا كاملة الأصابع بناقصة، ولا عين صحيحة بقائمة، ويؤخذ عكسه، ولا أرش.
فصل
النوع الثاني: الجِراحُ، فيُقْتَصُّ في كلِّ جُرحٍ ينتهي إلى عَظْمٍ كالمُوضِحَةِ، وجُرحِ العَضُدِ والساقِ والفخذِ والقدمِ،
ــ
= عُرْفِ الناسِ، فتختلفُ باختلافِ الاصطلاحاتِ، وإذا عفا أولياءُ المقتولِ عن القاتلِ بشرطِ أن لا يُقيمَ في البلدِ، ولم يَفِ بهذا الشرطِ ولم يكن العفوُ لازماً، بل لهم أن يطالبوه بالديةِ في قولِ العلماءِ وبالدَّمِ في قولٍ آخَر، وسواء قيل: هذا الشرطُ صحيحٌ أم فاسدٌ يَفْسدُ به العقدُ أم لا، ولا يصحُّ العفوُ في قتلِ الغيلةِ لِتعذرِ الاحترازِ منه كالقتلِ في المُحاربَةِ. انتهى.
стр. 311
ولا يُقتَصَّ في غيرِ ذلك من الشِّجَاجِ والجُروحِ (*)، غيرَ كَسْرِ سِنِّ، إلا أن يكونَ أعظمَ من المُوضِحَةِ، كالهاشِمَةِ والمُنقلةِ والمَأْمُومَةِ، فله أن يَقتصَّ موضحِةً وله أَرْشُ الزائدِ. وإذا قَطَعَ جماعةٌ طَرَفاً أو جَرحُوا جُرْحاً يوجبُ القَوَدَ فعليهم القَوَدُ، وسِرَايةُ الجنايةِ مضمونةٌ في النفس فما دونها بقَوَدٍ أو دِيَّةٍ، وسِرَايةُ القَوَدِ مَهْدورةٌ، ولا يُقْتَصُّ من عُضْوٍ جُرِحَ قَبْلَ بُرْئِهِ، كما لا تُطلَبُ له دِيَةٌ.
ــ
(*) قوله: (ولا يقتص في غير ذلك من الشِّجاجِ والجُروحِ) إلى آخره، ورُوي عن مالك أن القصاصَ يجبُ في الداميةِ والباضِعَةِ والسمحاقِ، ونحوه عن أصحابِ الرأي لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
стр. 312
كتاب الديات (*)
كلُّ من أَتْلَفَ إنساناً بمُباشَرةٍ أو سببٍ لزمتْه ديتُه، فإن كان عمداً مَحْضاً ففي مالِ الجانِي حَالَّةً، وشِبْهُ العمدِ والخطأِ على عاقلتِه، فإن غَصَبَ حُرَّاً صغيراً فَنَهَشَتْهُ حيةٌ أو أصابتْهُ صاعقةٌ أو مات بمرضٍ، أو غلَّ حُرَّاً مُكلَّفاً وقيَّده فماتَ بالصاعقةِ أو الحيةِ، وجبت الديةُ فيهما.
فصل
وإذا أَدَّبَ الرجلُ ولدَه، أو سلطانٌ رَعِيَّتَهُ، أو معلِّمٌ صَبيَّه ولم يُسْرِفْ لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، ولو كان التأديبُ لحاملٍ فَأَسْقَطَت جنيناً ضَمِنَه المؤدِّبُ.
وإن طلب السلطانُ امرأةً لكشفِ حقِّ الله تعالى، أو استعْدَى عليها رجلٌ بالشُّرَطِ في دَعْوىً له فأسقطتْ ضَمِنَه السلطانُ والمُستعدِي، ولو ماتتْ فَزَعاً لم يَضْمَنَا.
ومن أَمَرَ شخصاً مكلَّفاً أن ينزلَ بئراً أو يصعدَ شجرةً فَهَلكَ به لم يَضْمَنْه، ولو أن الآمرَ سلطانٌ، كما لو استأجرَه سلطانٌ أو غيرُه.
ــ
(*) فائدة: قال في المقنع: وإن نزل رجلٌ بئراً فخرَّ عليه آخرُ فاتَ الأولُ من سَقْطَتِه فعلى عاقلتِه ديتُه، قال في الحاشية: فإن ماتَ الثاني بوقوعِه على الأولِ فدمُهُ هَدْرٌ لأنه مات بفعلِه.
стр. 313
باب مقادير ديات النفس
ديةُ الحرِّ المسلمِ مائةُ بعيرٍ (*)، أو ألفُ مِثْقالٍ ذهباً، أو اثنا عشرَ ألفِ درهمٍ فضةً، أو مائتا بقرةٍ أو ألفا شاةٍ، فهذه أصولُ الديةِ، فأيُّها أَحْضَرَ مَنْ تَلْزَمُه لَزِمَ الوليَّ قبولُه، ففي قتلِ العَمْدِ وشِبْهِه خمسٌ وعشرونَ بنت مَخَاضٍ، وخمسٌ وعشرونَ بنتُ لَبُونٍ، وخمسٌ وعشرونَ حِقَّةً، وخمسٌ وعشرونَ جَذَعةً، وفي الخطأِ يجبُ أخماساً: ثمانونَ من الأربعةِ المذكورةِ، وعشرونَ من بني مَخَاضٍ، ولا تُعتبرُ القيمةُ في ذلك (بل السلامةُ).
ــ
(*) قال في المقنع: وفي الحُلَلِ روايتان، إحداهُما ليست أصلاً في الديةِ وفي الأخرى أنها أصلٌ وقدرُها مائتا حُلَّةٍ من حُلَلِ اليمنِ كلُّ حُلَّةٍ بُرْدانِ، وعنه أن الإبلَ هي الأصلُ خاصةً، وهذه أبدالٌ عنها، فإن قَدَرَ على الإبلِ وإلا انتقلَ إليها اهـ.
قال ابن منجا: هي الصحيحةُ من حيثُ الدليلِ، وقال الزركشيُّ: هي أظهرُ دليلاً لقول رسول الله ﷺ : (في قتيلِ السَوْطِ والعَصَا مائةٌ من الإبلِ) (١) انتهى، وعن عَطَاء: (قَضَى في الدِّيْةِ على أهلِ الإبلِ مائةً من الإبلِ وعلى أهلِ البقرِ مائتَي بقرةً وعلى أهل الشَّاءِ ألفي شاة وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتي حُلَّة وعلى أهل القَمْحِ شيئاً لم يحفظْه محمدُ ابنُ إسحاق)، رواه أبو داود (٢)، وعن ابن عباس أن رجلاً من بني عَدِيٍّ قُتِلَ، فجعل رسولُ الله ﷺ دِيَتَه اثنتى عشرَ ألفَ درهمٍ (٣)، وفي حديث عَمْرو بنِ حَزْمٍ وعلى أهلِ الذهبِ ألفَ دينارٍ.
стр. 314
وديةُ الكِتَابِيِّ نصفُ ديةِ المسلمِ، وديةُ المَجُوسيِّ والوثَنِيِّ ثمانُمائةِ درهمٍ، ونساؤهم على النِّصْفِ، كالمسلمينَ.
وديةُ قِنٍّ قيمتُه، وفي جِراحِهِ ما نَقصَهُ بعد البُرْءِ (*)، وتجبُ في الجنينِ ذَكَراً كان أو أُنثَى عُشْرُ ديةِ أُمِّهِ غُرَّةً (*)، وعُشْرُ قيمتِها إن كان مملوكاً،
ــ
(*) قوله: "وفي جراحِهِ ما نَقَصَهُ بعد البُرْءِ"، قال في المقنع: وفي جراحِه إن لم يكن مقدراً من الحُرِّ ما نَقَصَهُ وإن كان مُقدراً في الحرِ فهو مقدَّر في العبدِ من قيمتِه ففي يدِه نصفُ قيمتِه وفي مُوَضِّحتِه نصفُ عُشْرِ قيمتِه نَقَصَتْهُ الجنايةُ أقلَّ من ذلك أو أكثر، وعنه أنه يضمنُ بما نَقَصَ، اختاره الخلاَّل اهـ.
(*) قوله: "وتجبُ في الجنينِ ذَكَراً كان أو أُنثَى عُشْرُ ديةِ أمِّهِ غُرَّةً"، وفي الصحيحين (١): أن النبيَّ ﷺ قَضَى أن دِيَةَ جنينِها غُرَّةَ عبدٍ أو وليدةٍ، وعند الحَارِثِ ابنِ أبي أسامة: وفي الجنينِ غُرَّةُ عبدٍ أو أَمَةٍ أو عَشْرٌ من الإبلِ أو مائةُ شاةٍ، قال الحافظ ابن حجر: وقد تَصرَّف الفقهاءُ في ذلك، فقال الشافعية: الواجبُ في جنينِ الأمةِ عُشْرُ قيمةِ أُمِّه، كما أنَّ الواجبَ في جنينِ الحرةِ عُشْرُ ديتِها، انتهى. وقال الخرقي: وديةُ الجنينِ إذا سَقَطَ من الضَّرْبةِ ميتاً، وكان من حُرَّةٍ مسلمةٍ غُرَّةٌ عبدٍ أو أمةٍ قيمتُها خمسٌ من الإبلِ موروثةٌ عنه، كأنه سَقَطَ حيَّاً، قال الموفق: الغُرَّةُ قيمتُها نصفُ عُشْرِ الديةِ، وهي خمسٌ من الإبلِ، رُوي ذلك عن عمرَ وزيدٍ ﵄، وبه قال النَّخَعيُّ والشَّعْبيُّ وربيعةُ وقتادةُ ومالك والشافعيُّ وإسحاقُ =
стр. 315
وتُقدَّرُ الحرةُ أَمَةً. وإن جَنَى رقيقٌ خَطَأً أو عَمْداً لا قَوَدَ فيه، أو فيه قوَدٌ واخْتِيرَ فيه المالُ أو أَتْلَفَ مالاً بغيرِ إِذْنِ سيِّدِه تَعلَّقَ ذلك برقبتِه، فيُخيَّرُ سيدُه بين أن يَفْدِيَه بأَرْشِ جنايتِه أو يُسلِّمَهُ إلى وليِّ الجِنَايةِ فيَمْلِكَه أو يبيعَه ويدفعَ ثمنَه.
ــ
= وأصحابُ الرأي، ولأن ذلك أَقَلُّ ما قدَّره الشرعُ في الجناياتِ، وهو أَرْشُ المُوضِحةِ وديةُ السِّنِّ فَردَدْناه إليه، إلى أن قال: وإذا اتَّفقَ نِصف عُشْرِ الديةِ من الأصولِ كلِّها بأن تكون قيمتُها خَمْساً من الإبلِ فنصفُ عُشْرِ الديةِ من غيرِها مثل إن كانت قيمةُ الإبلِ أربعينَ ديناراً أو أربعمَائةِ درهمٍ، فظاهرُ كلامِ الخِرَقيِّ أنها تُقَوَّم بالإبلِ لأنها الأصلُ، وعلى قولِ غيره مِنْ أصحابِنا تُقَوَّمُ بالذهبِ أو الوَرِقِ، فتُجعَل قيمتُها خمسينَ ديناراً أو ستَّمائةِ درهمٍ، فإن اختلفا قُوِّمَتْ على أهلِ الذهبِ به، وعلى أهل الوَرِقِ به، إلى أن قال: وإذا لم يجد الغُرَّةَ انتقلَ إلى خَمْسٍ من الإبل على قول الخِرَقي، وعلى قول غيره ينتقلُ إلى خمسينَ ديناراً أو ستَّمائةِ درهمٍ. انتهى.
стр. 316
باب ديات الأعضاء ومنافعها (*)
مَنْ أَتْلَفَ ما في الإنسان منه شيءٌ واحدٌ كالأنفِ، واللسانِ، والذَّكَرِ ففيه ديةُ النفسِ.
وما فيه منه شيئانِ كالعينَيْنِ، والأُذنَيْنِ، والشَّفَتَيْنِ، واللَّحْيَيْنِ، وثَدْيَيِ المرأةِ، وثَنْدُوَتَي الرَّجلِ، واليدينِ، والرِّجْلَينِ، والأَلْيَتَيْنِ، والأُنْثَيَيْنِ، وإِسْكَتَي المرأةِ ففيهما الديةُ، وفي أَحَدِهَما نصفُها، وفي المِنْخَرَيْنِ ثُلُثا الديةِ، وفي الحاجزِ بينهما ثلثُها، وفي الأجفانِ الأربعةِ الديةُ، وفي كل جَفْنٍ رُبعُها، وفي أصابعِ اليدينِ الديةُ كأصابعِ الرِّجْلَينِ، وفي كل أصبعٍ عُشْرُ الديةِ، وفي كل أُنْمُلَةٍ ثلثُ عُشرِ الديةِ، والإبهامُ مِفْصَلان، ففي كلِّ مِفْصَلٍ نصفُ عُشرِ الديةِ، كديةِ السِّنِّ.
ــ
(*) قال في المقنع: وإن جَنَى العبدُ خطأً فسيِّدُه بالخيارِ بين فدائِه بالأقلِّ من قيمتِه أو أَرْشِ جنايتِه أو تسليمه ليُباعَ في الجناية، قال في الشرح: وجملةُ ذلك أن جنايةَ العبدِ إذا كانت مُوجِبَةً للمالِ أو كانت مُوجِبَةً للقصاصِ فعفا عنها إلى المالِ تتعلَّق برقبتِه، لأنه لا يخلو من أن تتعلَّق برقبتِه أو ذمتِه أو ذمةِ سَيِّدِه، أو لا يجبُ شيءٌ ولا يمكنُ إلغاؤُها لأنها جنايةُ آدميٍ فوجبَ اعتبارُها كجنايةِ الحُرِّ، ولأن جنايةَ الصغيرِ والمجنونِ غيرُ ملغاةٍ مع عُذْرِهِ وعدمِ تكليفِه، فالعبد أولى ولا يمكنُ تعليقُها بذمتِه، لأنه يُفضِي إلى إلغائِها أو تأخيرِ حقِّ المَجْنِيِّ إلى غيرِ غايةٍ، ولا بذمةِ السيِّدِ، لأنه لم يَجْنِ فتعيَّنَ تعليقُها برقبةِ العبدِ، ولأن الضمانَ موجِبٌ جنايتَه فتعلَّق برقبتِه كالقِصاصِ. ا. هـ.
стр. 317
فصل
وفي كلِ حاسَّةٍ ديةٌ كاملةٌ (*)، وهي: السمعُ، البصرُ، والشَّمُّ، والذَّوقُ، وكذا في الكلامِ والعَقْلِ، ومنفعةِ المَشْيِ، والأكلِ، والنكاحِ، وعدمِ استمساكِ البولِ أو الغائطِ.
وفي كل واحدٍ من الشُّعورِ الأربعةِ الدِّيَةُ، وهي: شعرُ الرأسِ واللِّحيةِ والحاجبينِ وأَهْدابِ العينينِ، فإن عادَ فنبتَ سقطَ موجِبُه. وفي الأعورِ الدِّيَةُ كاملة (*)، وإن قلعَ الأعورُ عينَ الصحيحِ المماثلةَ لعينِه الصحيحةِ عمداً فعليه ديةٌ كاملةٌ ولا قِصاصَ، وفي قَطْعِ يَدِ الأَقْطَعِ (*) نصفُ الدِّيةِ كغيره.
ــ
(*) قال في المقنع: وفي بعض ذلك بقِسْطِهِ من الدية؛ وإنما تجب ديتُه، إذا أزالَه على وجهٍ لا يعودُ، فإن عادَ سقطتِ الديةُ، وإن أبقَى من لحيتِه ما لا جمالَ فيه احتَملَ أن يلزمَه بقسطِه واحتملَ أن يلزمَه كمالُ الدية.
(*) قال في المقنع: وفي عينِ الأعورِ ديةٌ كاملةٌ نصَّ عليه، وإن قلعَ الأعورُ عينَ صحيحٍ مماثلةً لعينِه الصحيحةِ عمداً فعليه ديةٌ كاملةٌ ولا قِصاصَ، ويَحتمِل أن تُقلعَ عينُه ويُعطَى نصفَ الديةِ، وإن قلعَها خطأً فعليه نصفُ الديةِ، وإن قلعَ عينَ صحيحٍ عمداً خيِّر بين قَلعٍ ولا شيءَ له غيرها وبين الديةِ، وفي يدِ الأَقْطعِ نصفُ الديةِ، وكذلك في رِجْلِه، وعنه فيها ديةٌ كاملةٌ. انتهى.
(*) قال في الحاشية: قوله: "وفي يدِ الأَقْطعِ" إلى آخره، هذا المذهبُ، وإن اختار القِصاصَ فله ذلك، لأنه عضوٌ أمكنَ القصاصُ في مثلِه فكان الواجبُ فيه القصاصَ أو ديةَ مثلِه، كما لو قَطَعَ أذن من له أُذُنٌ واحدةٌ، وعنه فيها دِيةٌ كاملة، فعليها إذا قَطَعَ يَدَ صحيحٍ لم يُقْطَعْ، كما لو قَطَعَ عينَ الأَعْورِ، والصحيحُ الأولُ ا. هـ. =
стр. 318
باب الشِّجَاجِ وكَسْرِ العِظَام
الشَّجَّةُ: الجُرحُ في الرأسِ والوجهِ خاصةً، وهي عَشْرٌ: الحارصةُ التي تَحْرِصُ الجِلْدَ أي تشقُّه قليلاً ولا تُدْمِيْهِ، ثم البازِلَةُ وهي الداميةُ، والدامعةُ وهي التي يسيلُ منها الدمُ (*)، ثم الباضِعَةُ، وهي التي تَبْضَعُ اللحمَ، ثم المُتَلاحِمةُ، وهي الغائصة في اللَّحْمِ، ثم السِّمْحَاقُ، وهي ما بينها وبين العظمِ قشرةٌ رقيقةٌ، فهذه الخمسُ لا مُقَدَّرَ فيها (*)، بل حكومةٌ، وفي المُوضِحَةِ
ــ
= قال في الفروع: وفي عينِ الأعورِ ديةٌ كاملةٌ، نصَّ عليه ككمالِ قيمةِ صيدِ الحرمِ الأعورِ، فإن قلعَها صحيحٌ فله القَوَدُ مع نصفِ الدِّيَةِ، نصَّ عليه، وذكر ابنُ عقيلٍ هنا روايتين، وعند القاضي أنه لا قَوَدَ فيها، وفي الروضة: إن قَلَعَها خَطأً فنصفُ الديةِ، وإن قلع الأعورُ عينَ صحيحٍ خَطَأً فنصفُ الديةِ وإلا فالديةُ كاملة، نصَّ عليه. نَقَلَ مُهَنَّا عن عمرَ وعثمانَ وعليٍ أنهم قالوا ذلك، وأنه لا يُقْتَصُّ منه إذا فَقَأَ عينَ صحيحٍ، ولا أعلم أحداً خالفَهُمْ إلا إبراهيمَ، وقيل: تُقْلَعُ عينُه كقَتْلِ رجلٍ بامرأةٍ، والأشهرُ أنه يأخذُ مع ذلك نصفَ الديةِ، وخرَّجه في الخلافِ والانتصارِ مِنْ قتلِ رجلٍ بامرأةٍ ا. هـ.
(*) قال في المغني: وإن خَرَقَ جِلْدةَ الدِّماغِ فهي الدامِغَةُ، وفيها ما في المأمومةِ، وقال القاضي: لم يَذْكرْ أصحابُنا الدامِغَةَ لمساواتِها المأمومة في أَرْشِها، وقيل فيها مع ذلك حكومةٌ لخَرْقِ جِلْدةِ الدِّماغِ، ويَحتمِلُ أنهم لم يَتْركوا ذِكْرَها إلاَّ لكونِها لا يَسْلَمُ صاحبُها في الغالب.
(*) قال في المقنع: فهذه الخمسُ فيها حكومةٌ في ظاهرِ المذهبِ، وعنه في الباذلةِ بعيرٌ، وفي الباضِعَةِ بَعِيْرانِ وفي المُتَلاحِمَةِ ثلاثةٌ، وفي السِّمْحاقِ أربعةٌ انتهى. واختاره أبو بكر.
стр. 319
-وهي ما تُوضِحُ العظمَ وتُبْرِزُه- خمسةُ أَبْعِرَةٍ، ثم الهاشِمَةُ، وهي التي تُوضِحُ العظمَ وتَهْشِمُه، وفيها عشرةُ أَبْعِرَةٍ، ثم المُنقِلةُ، وهي ما تُوضِحُ العظمَ وتَهْشِمُه وتنقلُ عظامَها، وفيها خمسةَ عشرَ من الإبلِ، وفي كل واحدةٍ من المَأْمُومَةِ والدَّامِغَةِ ثلثُ الديةِ، وفي الجائِفَةِ ثلثُ الديةِ، وهي التي تَصِلُ إلى باطنِ الجَوْفِ، وفي الضَّلعِ وكل واحدةٍ من التَّرقُوتَيْنِ بعيرٌ، وفي كَسْرِ الذِّراعِ، وهو الساعدُ الجامعُ لعظمَي الزّنْدِ والعَضُدِ والفَخِذِ والسَّاقِ، إذا جُبِرَ ذلك مستقيماً بعيرانِ.
وما عدا ذلك من الجِراحِ وكَسْرِ العظامِ ففيه حُكومةٌ، والحُكُومةُ أن يُقَوَّمَ المَجْنِي عليه كأنه عَبْدٌ لا جِنَايَةَ به، ثم يُقَوَّمُ وهي به قد بَرِئَتْ، فما نَقَصَ عن القيمةِ فله مثلُ نِسْبَتِهِ من الدِّيَةِ (*)، كأنْ قيمتُه عبداً سليماً: ستون، وقيمته بالجنايةِ: خمسونَ، ففيه سدسُ الدِّيَةِ، إلا أن تكونَ الحكومةُ في مَحَلِّ له مُقَدَّر فلا يُبلغُ بها المُقَدَّر.
ــ
(*) قوله: "فما نَقَصَ من القيمةِ فله مثلُ نسبتِه من الدِّيَةِ"، قال في الفروع: فإن لم تَنْقُصْه الجنايةُ حالَ البُرْءِ فحكومةٌ نصَّ عليه، فَتُقَوَّمُ عليه حينئذٍ، وقيل قُبيلَ البُرْءِ، وعنه لا شيءَ فيها لو لم تَنْقُصْهُ الجنايةُ ابتداءً أو زادَتْهُ حُسْناً كإزالةِ لِحْيَةِ امرأةٍ أو إصبعٍ زائدةٍ في الأصح اهـ.
قال في الاختيارات: ويجري القصاصُ في اللَّطْمَةِ والضَّرْبَةِ ونحو ذلك، وهو مذهبُ الخلفاءِ الراشدينَ وغيِرهم.
стр. 320
باب العاقلة وما تحمله (*)
عاقلةُ الإنسانِ: عَصَبَاتُه كلُّهم من النَّسبِ والوَلاءِ، قريبُهم وبعيدُهم، وحاضرُهم وغائبهُم، حتى عمودَيْ نَسَبِه، ولا عَقْلَ على رقيقٍ ولا غيرِ مُكلَّفٍ ولا فقيرٍ ولا أُنثَى، ولا مُخَالِفٍ لدِينِ الجانِي.
ولا تَحْمِلُ العاقلةُ عمداً مَحْضَاً، ولا عبداً، ولا صُلْحاً، ولا اعترافاً لم تُصدِّقْه به، ولا ما دونَ ثُلثِ الديةِ التامَّةِ.
فصل
ومن قَتَلَ نفساً مُحَرَّمةً خطأً مباشَرَةً أو تَسبُّبَاً بغيرِ حقٍّ فعليه الكفَّارَةُ (*).
ــ
(*) قال في الاختيارات: وأبو الرجلِ وابنُه من عاقلتِه عند الجمهور كأبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ في أظهرِ الروايتين عنه، وتؤخذُ الديةُ من الجانِي خَطَأً عند تُعذُّرِ العاقلةِ في أصحِّ قولَي العلماءِ، ولا يؤجَّلُ على العاقِلةِ إذا رأى الإمامُ المصلحةَ فيه، ونصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ، ويتوجَّهُ أن يَعْقِلَ ذوو الأرحامِ عند عدمِ العَصَبةِ إذا قلنا تجبُ النفقةُ عليهم، والمُرْتَدُّ يجبُ أن يَعْقِلَ عنه مَنْ يرثُه من المسلمين، أو أهلُ الدِّيْنِ الذي انتقَلَ إليه ا. هـ.
(*) قال في المقنع: وفي قَتْلِ العَمْدِ روايتان: أحدُهما لا كَفَّارَةَ فيه، اختارها أبو الخطَّابِ والقاضي، والأُخرَى فيه الكفارةُ انتهى. اختارها أبو محمد الجوزي، وجَزمَ بها في الوجيز والمنور. قال ابن كثير: اختلف الأئمةُ هل تجبُ عليه كفارةٌ؟ على قولين، فالشافعيُّ وأصحابُه وطائفةٌ من العلماءِ يقولون: نعم، لأنه إذا وجَبَتْ عليه الكفارةُ في الخَطَأِ، فلئن تجبُ عليه في العَمْدِ أَوْلَى، وقال أصحابُ الإمامِ أحمدَ =