Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
يقول: إذا عزم الخليط رحيلًا بكي المحب بكاءً مثل المطر؛ إلا أنه لا ينبت العشب كغيره من الأمطار؛ فالخدود يزيد محلها به. وقد قال بعض الشعراء, ويقال إنه ليموت بن المزرع: [مخلع البسيط]
كم زفرات وكم دموع ... يا عين هذا هو الفظيع
لو نبت العشب من دموعٍ ... لكان في خدي الربيع
يا قمرًا غاب عن عياني ... بالله قل لي متى الرجوع
وقوله:
كانت من الكحلاء سولي إنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا
أصل السول: الهمز لأنه من سألت؛ فإذا كان في حشو البيت فأنت في الهمز وتركه مخير, وإذا كان في قافية هذه القصيدة لم يجز إلا كون الهمزة واوًا لأنها مردفة, ولو وقع في قوافٍ مثل جملٍ ونجلٍ لم يجز إلا الهمز.
وفي كانت ضمير يعود على النظرة في قوله: يا نظرة نفت الرقاد, وفي الكلام حذف وهو معلوم عند السامع؛ كأنه قال: يا نظرةً نفت الرقاد ما أضرك وأبعد نفعك؛ كأنك تمثلت من أجلي. والأصل في الأجل هو المدة التي يؤخر موت الإنسان حتى تنفد.
وقوله:
تشكو روادفك المطية فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا
روادفها: ردفها وما والاه كأنه جعلها جمع رادفةٍ أو رادفٍ وهي مآخير خلقها. يقول: هي عظيمة الجسم فالمطية تشكو ثقلها على ظهرها, وكان أبو الطيب يصف المرأة بالسمن وكثرة اللحم حتى يفرط, ومن ذلك قوله:
يظن ضجيعها الزند الضجيعا
стр. 1017
يقول: تشكو المطية حملك كأنها تشكو دخيلًا في قلبها من حبك.
وقوله: (١٦٤/ب):
ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا
هذا من أحسن ما قيل في الغيرة؛ لأنه زعم أن زمام هذه الناقة إذا جذب فقلبت فمها نحو الراكبة غار من ذلك؛ لأنه يظن قلبها الفم طلب تقبيلٍ, ومثل ذلك لا يظن بالنوق.
وقوله:
حدق يذم من القواتل غيرها ... بدر بن عمار بن إسماعيلا
زعم أن الممدوح يذم؛ أي يعطي الذمة من كل القواتل إلا من هذه العيون, فقد أفرط في صفة العيون بتمكنها من القتل؛ إلا أنه جعل الممدوح لا يستطيع أن يمنعهن من القتل.
وقوله:
محك إذا مطل الغريم بدينه ... جعل الحسام بما أراد كفيلا
المحك: الذي يلج في المطل, ومطالبة الشيء, ومنه قول زهير: [البسيط]
اردد يسارًا ولا تعنف عليه ولا ... تمحك بعرضك إن الغادر المحك
ويروى: ولا تمعل بعرضك إن الغادر المحك, والمعنى واحد. يقول: هذا الرجل إذا مطل الغريم بدينه جعل الحسام كفيله بقضاء الدين. وإنما يعني بالغريم من جنى جناية يجب أن يعاقب عليها؛ فجعل تأديب الجانين كالدين للممدوح يتقاضاه بالسيف, فكأن السيوف كفلاء له بما يريد.
وقوله:
نطق إذا حط الكلام لثامه ... أعطى بمنطقه القلوب عقولا
يقال: رجل نطق ونطق إذا كان بليغ المنطق حسنه. يقول: إذا هذا الممدوح حط لثامه ليتكلم للأمر والنهي؛ فإنه يعطي من يسمع كلامه عقلًا؛ لأنه ينطق بالحكمة, وما يهتدي به الضالون.
وقوله:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
стр. 1018
ادعى أن الممدوح أعدى بسخائه الزمان فسخا به على البشر؛ وإنما حمله على السخاء أنه أعداه, ولولا ذلك لكان بخيلًا به.
وقوله:
وكأن برقًا في متون غمامةٍ ... هنديه في كفه مسلولًا
شبه سيفه بالبرق ويده بالغمامة. وهنديه أي سيفه, وجعل اسم كأن نكرةً وخبرها معرفةً وذلك حسن لأن كون الاسم نكرةً والخبر من المعارف, إنما ينكر إذا تغير بذلك الإعراب كقولك: كان الأمير شابًا فهذا وجه الكلام. فإن قلت: كان الأمير شاب لم يجز مثل ذلك إلا في ضرورة, وكونه في كان وأخواتها ينكر لأنه يؤدي إلى تغيير الإعراب, وهو في إن وأخواتها غير نكيرٍ؛ لأنك إذا قلت: إن قائمًا أبوك فالإعراب على حاله؛ وإنما جاء الاسم نكرةً وليس الخبر كذلك, ومما جاء الاسم فيه نكرةً والخبر معرفةً في باب: إن قول الفرزدق: [الوافر]
وإن حرامًا أن أسب مقاعسًا ... بآبائي الغر الكرام الخضارم
فقوله: حرامًا نكرة, والجملة التي هي قوله: أن أسب مقاعسًا في موضع معرفةٍ؛ لأنها تؤدي معنى قوله: وإن حرامًا سبي مقاعسًا.
وقوله:
ومحل قائمه يسيل مواهبًا ... لو كن سيلًا ما وجدن مسيلا
الهاء في قائمه عائدة على سيف الممدوح. والمحل حيث يحله الشيء, وإنما يعني يد الممدوح؛ أي إن يده التي يحلها قائم سيفه أي يكون فيها من قولهم: حللت بالدار. ومواهبًا منصوبة لأنها مفعول, ولما كان قائم السيف لا يعقل جمعوه على قوائم, قال الشاعر في صفة السيوف: [الطويل]
إذا هي شيمت فالقوائم تحتها ... وإن لم تشم يومًا علتها القوائم
زعم أن ما يسيل من كف هذا الرجل لو كان سيلًا لم يصب موضعًا يسيل فيه.
стр. 1019
وقوله:
رقت مضاربه فهن كأنما ... يبيدن من عشق الرقاب نحولا
يقول: رقت مضاربه أي مضارب السيف؛ فكأنهن يعشقن الرقاب؛ فكأن العشق أنحلهن.
وقوله:
أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا
(١٦٥/أ) عفره إذا ألقاه في العفر أي التراب. يقول: إذا كنت تعفر الليث بسوطك فلمن ادخرت سيفك؟ والليث موصوف بالشجاعة وعظم البأس.
وقوله:
وقعت على الأردن منه بلية ... نضدت لها هام الرفاق تلولا
يقول: هذا الأسد بلية على البلاد التي هو فيها لأنه إذا مرت به الرفاق افترس بعضهم, فيأكل الجسد ويترك الرأس؛ لأنه عظم, فعنده من هام الرفاق تلول, جمع تل, وهو ما ارتفع من الأرض. وقولهم في الجمع: تلال أكثر من قولهم تلول, قال النابغة: [الوافر]
مضر بالقصور يذود عنها ... قراقير النبيط إلى التلال
وقوله:
ورد إذا ورد البحيرة شاربًا ... ورد الفرات زئيره والنيلا
الورد: الذي يضرب لونه إلى الحمرة, وبالغ في تعظيم الأسد وعلو زئيره, فزعم أنه إذا ورد البحيرة سمع زئيره في الأرض التي فيها الفرات والتي فيها النيل.
وقوله:
متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا
يقول: هذا الأسد يفرس الفوارس فهو متخضب بدمائهم. والغيل: شجر ملتف,
стр. 1020
وتضاف الأسد إليه؛ فيقال: أسد الغيل, قال طرفة: [الرمل]
أسد غيلٍ فإذا ما شربوا ... وهبوا كل نجاةٍ وطمر
ولبدة الأسد ولبدتاه: ما علا كتفيه من الشعر, وجعله الشاعر كالغيل, وهو إفراط في المبالغة.
وقوله:
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا
يصف عيني الأسد بالحمرة, ولم يمكنه أن يجعلهما نارين لأجل الوزن, فشبههما بنار الفريق وهم الجماعة من الناس يفارقون غيرهم, ونحو من ذلك قول الآخر في صفة الأسد وهو يخاطبه: [الوافر]
تدل بمخلبٍ وبحد نابٍ ... وباللحظات تحسبهن جمرا
وقوله:
في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا
يقول: هذا الأسد متوحد كوحدة الرهبان إلا أنه لا يفرق بين الحلال والحرام, والأسد يوصف بالتوحد لأنه يهاب فلا يأنس إليه غيره. وإذا وصفوه بعظم الشأن ذكروا أن الأسد تفر منه. قال الهذلي: [الكامل]
أسد تفر الأسد من عروائه ... بمدافع الرجاز أو بعيون
стр. 1021
العرواء: الرعدة, ويجوز أن يكون المعنى: أن الأسد تفر منه لأن العرواء تأخذها من خوفه, ويحتمل أن يكون المراد أنه إذا غضب أخذته العرواء, وهي في الأصل رعدة تأخذ المحموم, والناس يقولون إن الأسد أبدًا محمومة, وقد زعم قوم أن الأسد ربما فرس غيره من الأسد, قال الشاعر: [الوافر]
كذاك الأسد تفرسها الأسود
وقوله:
يطأ البرا مترفقًا من تيهه ... فكأنه آسٍ يجس عليلا
البرا: التراب. يقول: هذا الأسد كأن به تيهًا؛ فهو يطأ الأرض وطئًا مترفقًا؛ فكأنه طبيب يأخذ مجسه عليلٍ.
وقوله:
ويرد غفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا
الغفرة: ما على عنقه وقذاله من الشعر؛ وإنما قيل لها: غفرة لأنها تغطي ما تحتها, واليافوح: وسط الرأس وأصله الهمز, يقال: أفخه إذا ضرب يافوخه, وجمع اليافوخ: يآفيخ, قال الراجز: [الرجز]
ضربًا إذا وافى اليآفيخ احتفر
وقوله:
وتظنه مما يزمجر نفسه ... عنها بشدة غيظه مشغولا
الزمجرة: صوت يسمع في الجوف, وكذلك: زمجر السحاب. والأجود أن ترفع نفسه لأنها فاعلة تظن؛ أي الأسد تظنه نفسه مشغولًا عنها باتصال الزمجرة. وهذا أوجه من نصب النفس لأن الزمجرة لم تجر عادتها أن تتعدى إلى مفعول.
стр. 1022
وقوله:
قصرت مخافته الخطى فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا
يقول: قصرت مخافة هذا الأسد الخطى؛ وإنما يعني خطى الخيل؛ لأنها لا تقدم عليه, وكان بعض الملوك يصور صورة أسدٍ ويجعله بين دوابه لتأنس به؛ فإذا رأت أسدًا حقيقيًا لم تهبه. يقول: كأن الفارس ركب الجواد مشكولًا فهو لا يقدم على الأسد.
وقوله (١٦٥/ب):
ألقى فريسته وبربر دونها ... وقربت قربًا خاله تطفيلا
يقول: ألقى الأسد فريسته وبربر دونها, والبربرة كلام غليظ, وقد استعير لغير الإنس, قال الشاعر: [البسيط]
لا أرض أكثر منك بيض نعامةٍ ... ومذانبًا تندى وروضًا أخضرا
ومعينًا يحمي الصوار كأنه ... متخمط قطم إذا ما بربرا
يعني بالمعين ثورًا وحشيًا. ويقال: تخمط الفحل إذا هاج وصال, وجعل بعضهم صوت الدف بربرة؛ فقال: [المتقارب]
يغرد في الصبح ذا بحةٍ ... كبربرة الدف يوم النياح
والتطفيل اسم حدث في الإسلام؛ وذلك أن الكوفة كان فيها رجل يقال له: طفيل إذا أحس بوليمةٍ مضى إليها وإن لم يدع؛ فكان يقال له: طفيل الأعراس, فقيل لكل من دخل إلى قوم ليأكل من طعامهم ولم يدعوه إليه: طفيلي, واشتقوا له فعلًا فقالوا: طفل تطفيلصا.
يقول: هذا الأسد ظنك قد طفلت عليه فغضب من ذلك.
وقوله:
فتشابه الخلقان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا
يقول: أشبه خلقك خلق الأسد في الإقدام, وخالفته في بذلك المأكول؛ لأنك جواد وهو بخيل.
стр. 1023
وقوله:
أسد يرى عضويه فيك كليهما ... متنًا أزل وساعدًا مفتولا
يقول: رأى الأسد عضويه فيك: ساعدًا مفتولًا ومتنًا أزل. فإن كان أراد: يرى من رؤية القلب؛ فالمعنى محتمل, وإن كان أراد رؤية العين فالأسد لا يرى متن الرجل إلا وهو مول عنه. والزلل محمود في الرجال مذموم في النساء, وإنما حمد في الرجل لأنه من صفات السباع, ولأن الرجل إذا قل لحم عجزه كان أخف لجسمه, قال الشاعر: [المديد]
مسبل في الحي أحوى رفل ... وإذا يغدو فسمع أزل
فأما الزلل في النساء فمذموم, قال نصيب: [الوافر]
بنفسي كل مهضومٍ حشاها ... إذا ظلمت فليس لها انتصار
إذا ما الزل ضاعفن الحشايا ... كفاها أن يلاث بها إزار
وقال ذو الرمة: [الطويل]
ترى الزل يكرهن الرياح إذا جرت ... ومية إن هبت لها الريح تفرح
وقوله:
في سرج ظامئة الفصوص طمرةٍ ... يأبى تفردها لها التمثيلا
الفرس يوصف بظمأ الفصوص؛ أي قلة اللحم فيهن, وكل رأس مفصلٍ فص, والطمرة: الوثابة, وزعم أن هذها لفرس يأبى تفردها أن يمثل بغيرها.
стр. 1024
وقوله:
نيالة الطلبات لولا أنها ... تعطي مكان لجامها ما نيلا
يقول: هذه الفرس إذا طلبت عدوًا أو وحشًا نالته؛ وهي مع ذلك عزيزة النفس لولا أنها تذل للراكب وتغطيه مكان لجامها لما قدر عليه؛ لأنها سابقة لو شردت عن محاول إلجامها لما وصل إليه.
وقوله:
تندى سوالفها إذا استحضرتها ... ويظن عقد عنانها محلولا
السوالف: جمع سالفة وهي صفحة العنق, والفرس لا يحمد لها كثرة العرق ولا قلته؛ لأنه إذا كثر أضعف, وإذا قل حدث عنه البهر؛ فلذلك جعل سوالفها تندى بالعرق, أي تخرجه قليلًا قليلًا. وتظن عقد عنانها محلولًا؛ أي كأنها وإن كانت ذات عنانٍ لا عنان لها. وعقد عنانها: اسم ما لم يسم فاعله.
وقوله:
مازال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا
مازال: يعني الأسد, وزوره: صدره. يقول: جمع نفسه في زوره حتى حسبت عرضه طوله.
وقوله:
ويدق بالصدر الحجار كأنه ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
الحجارة بالهاء أفصح من الحجار, وكذلك هي في القرآن, وفي الشعر الفصيح, قال امرؤ القيس: [الطويل]
ويخطو على صم صلابٍ كأنها ... حجارة غيلٍ وارسات بطحلب
وقال الأعشى: [مجزوء الكامل]
لسنا نقاتل بالعصي ... ي ولا نرامي بالحجاره
والحضيض: أسفل الجبل.
وقوله:
وكأنه غرته عين فادنى ... لا يبصر الخطب الجليل جليلا
стр. 1025
ادنى: افتعل من الدنو. يقول: كأن هذا الأسد غرته عينه فلم يبصر ما قدامه, ولو تصور الأمر بصورته لفر من هيبة الممدوح؛ ولكنه مغرور ظن ما جل من الخطوب ليس بالجليل.
وقوله:
أنف الكريم من الدنية تارك ... في عينه العدد الكثير قليلا
هذا البيت عذر للاسد في إقدمه؛ لأنه جعل أنف الكريم من الدنية يغره, فيجعل ما كثر من العدد قليلًا عنده؛ أي هذا الأسد (١٦٦/أ) أنف أنف الكرام فاستصغر ما عظم.
وقوله:
والعار مضاض وليس بخائفٍ ... من حتفه من خاف مما قيلا
يقال: أمضني الشيء, وهي اللغة الفصيحة, وقد حكي: مضني, وكأن مضاضًا محمول على مض, وربما جاء أفعل فاشتق منه فعال كما قالوا: أدرك النار؛ وهو دراك. يقول: الرجل إذا خاف من كلام الناس فيه ونسبتهم إياه إلى الجبن أو البخل؛ لم يخف من لقاء الموت؛ لأنه يرى ذلك أحسن من أن يوصف بخلةٍ ذميمة.
وقوله:
سبق التقاءكه بوثبة هاجمٍ ... لو لم تصادمه لجازك ميلا
جاء بالهاء بعد الالتقاء, ولو كان في غير الشعر لكانت إياه أولى من الهاء. والهاجم: الذي يهجم على الشيء بغرته من غير تلبثٍ ولا انتظار. والميل من الأرض: معروف, وقيل: إنما سمي ميلًا لأن الإنسان إذا بلغه مال إلى العلامة التي تدل عليه, وقيل: إنما سمي ميلًا لأنهم كانوا يجعلون عند آخره صخرةً مستطيلةً ليعرف مكانه بها. وشبهوا الصخرة بالميل الذي يكتحل به. يقول: لو لم تصادم الأسد لجازك مقدار ميل, وهذا مدح للأسد ووصف له بالقوة.
وقوله:
خذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا
كافحته: أي لقيته بشخصك ولقيك بشخصه, وكل شيء لقي شيئًا فقد كافحه, والتسليم من قولهم: سلم الأمر إلى الله, والأسد لا يعرف ذلك ولكنه ادعاه له. والتجديل: مصدر جدله؛ أي ألقاه على الجدالة وهي الأرض, قال الراجز: [الرجز]
стр. 1026
قد أركب الآلة بعد الآله
وأترك العاجز بالجداله
منعفرًا ليست له محاله
ويجوز أن يكون التجديل من قولهم: ألقاه على جدوله وهي مثل أعضائه, كما يقال: قطره إذا ألقاه على قطره أي جانبه.
وقوله:
سمع ابن عمته بن وبحاله ... فنجا يهرول منك أمس مهولا
إنما قال الشاعر: ابن عمته لأنه سمع قول أبي زبيدٍ في صفة الأسد: [البسيط]
أفر عنه بني العمات جرأته ... فكلها خاشع من ذاك مكتنع
وليس لابن العمة هاهنا فضل على ابن الخالة. والهرولة فوق المشي ودون العدو, ولم يستعملوا منها فعلًا بغير زيادة. ويجوز أن يكون امتناعهم من ذلك لكراهة اجتماع اللام والراء في كلمة واحدة؛ لأن ذلك مفقود في لغة العرب, ولو لم يزيدوا الواو في الهرولة لقالوا: الهرل والهرل؛ فثقل اجتماع الراء واللام. ومهول أي قد هيل لما شاهد وسمع.
وقوله:
وأمر مما فر منه فراره ... وكقلته ألا يموت قتيلا
هذا الكلام فيه تقديم وتأخير, والتقدير: وفراره أمر مما فر منه. وأمر في أول البيت خبر مقدم, ومثل قتله موته غير قتيل؛ أي إن ذلك خطة صعبة, وإنما يحمل ذلك على التشبيه ببني آدم لأن الشجعان يكرهون الموت على الفرش, قال الحطيئة: [الطويل]
وشر المنايا هالك بين أهله ... كهلك الفتى لم يشهد الحي حاضره
стр. 1027
وقوله:
تلف الذي اتخذ الجراءة خلةً ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا
يقول: تلف الأسد الذي جعل الجرأة خلةً, أي مثل الخليل, وعظ قرينه من الأسد فاتخذ الفرار خليلًا.
وقوله:
لو كان لفظك فيهم ما أنزل الـ .... ـقرآن والتوراة والإنجيلا (*)
حدث رجل من أهل الأدب أنه كان وكيلًا في ضيعةٍ فقدم رجل يزعم أنه المتنبي, وأحمد بن الحسين يومئذٍ في أول أمره لم ينتشر خبره في الأرض, وكان الرجل يحفظ كثيرًا من شعره, فاجتمع أهل القرية حوله, وجعل ينشدهم من أشعار أبي الطيب وهو لا يلحن ولا يصحف, وكان هذا الرجل [أي: الوكيل] حاضرًا فلم يبن له أمره حتى أنشد هذه القصيدة التي في بدر بن عمار فأنشد:
لو كان لفظك فيهم ما أنزل الـ ... ـقرآن والتوراة والإنجيلا
فضم الهمزة في أنزل ونصب ما بعدها, فعلم الرجل أنه كاذب؛ قال: فخلوت به فقلت له: ويحك أما تستحي من هذا الفعل, فاعتذر بالحاجة والاختلال إلى أهل الضيعة. قال: ثم إن قومًا من أهل الضيعة مضوا يسرقون زيتونًا فمضى معهم؛ فانحل ناموسه عندهم.
وقوله:
لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
(١٦٦/ب) سكن الياء بعد أن في: تعطيهم وتلك ضرورة, وقد استعملها الشعراء المتقدمون والمحدثون. يقول: [لو وصلت] أعطيتك من قبل أن تعطيهم, لما جرت الآمال في قلوبهم؛ لأن العطايا كانت تأتيهم من غير أملٍ.
стр. 1028
وقوله:
فلقد عرفتوما عرفت حقيقةً ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا
يقول: قد عرفك الناس ولكن شأنك عظيم؛ فلم يعرفوا حقيقتك, وإنهم لجاهلون بك, وما جهلوك لأنك خامل؛ ولكن لعجزهم أن يدركوا ما عندك من الفضل. وقافيتها من المتواتر.
ومن قطعة أولها
عذلت منادمة الأمير عواذلي ... في شربها وكفت جواب السائل
وزنها من أول الكامل.
يقول: منادمة الأمير عذلت عواذلي في شرب الخمر, والهاء في شربها عائدة على الراح, وإنما أضمرها لأن المنادمة دلت عليها.
يقول: منادمة الأمير إذا وصل إليها الإنسان فقد وصل إلى رتبةٍ عظيمةٍ؛ فلما نادمته عذلت منادمته العواذل وأمرتهم بالكف, وكفتني جواب السائل الذي يقول: لم شربت المسكر.
وقوله:
مطرت سحاب يديك ري جوانحي ... وحملت شكرك واصطناعك حاملي
يقول: كانت جوانحي ظامئةً فأروتها سحاب يديك. والجوانح: جمع جانحةٍ وهي الضلع, وجنوحها: انعطافها. وحملت شكرك, واصطناعك حاملي؛ أي إن شكرك عظيم ثقيل فقد حملته, واصطناعك قد حملني مع شكرك؛ فدل ذلك على أن اصطناعك يزيد في القوة علي لأنه حملني وحمل شكرك.
وقوله:
فمتى أقوم بشكر ما أوليتني ... والقول فيك علو قدر القائل
يقول: متى أقوم بشكر ما أوليتني من الجميل, وإذا شكرتك فإنما أرفع قدري بذلك.
وقافية هذه الأبيات من المتدارك.
стр. 1029
ومن أبيات أولها
بدر فتى لو كان من سؤاله ... يومًا توفر حظه من ماله
وزنها من أول الكامل.
يقول: سائل هذا الممدح يأخذ من ماله أكثر مما يأخذه صاحب المال؛ فلو أنه من سؤاله لكان حظه وافرًا؛ لأن السائل يصيب منه أكثر مما يخصه في نفسه.
وقوله:
سفك الدماء بجوده لا بأسه ... كرمًا لأن الطير بعض عياله
إن أراد أنه قتل الناس وغرضه أن تأكلهم الطير, وحمله على ذلك الجود؛ فالمعنى يحتمل ذلك, وأبلغ منه في صفة الممدوح أن يدعي له أنه ينحر ويذبح لتأكل الطير ما تجده من اللحم؛ فكأنه يسفك الدماء بجوده لا ببأسه. وقافيتهما من المتدارك.
ومن بيتين أولهما
قد أبت بالحاجة مقضيةً ... وعفت في الجلسة تطويلها
وزنهما من ثاني السريع, وقافيتهما من المتدارك.
ومن أبيات أولها
أرى حللًا مطواةً حسانًا ... عداني أن أراد بها اعتلالي
وزنها من أول الوافر.
قوله:
وهبك طويتها وخرجت عنها ... أتطوي ما عليك من الجمال
стр. 1030
العرب تستعمل هبها وهبني في معنى اعددها واعددني, قال عقيبة الأسدي: [مخروم الوافر]
هبها أمةً ذهبت ضياعًا ... يزيد يسوسهم وأبو يزيدا
وقال آخر: [الطويل]
هبوني امرأً منكم أضل بعيره ... له ذمة إن الذمام كبير
وقافيتها من المتواتر.
ومن التي أولها
ومنزلٍ ليس لنا بمنزل ... ولا لغير الغاديات الهطل
وهي من مشطور الرجز وهو رابعه. الغاديات: السحائب التي تجيء بالنهار.
وقوله:
ندي الخزامى ذفر القرنفل ... محللٍ ملوحش لم يحلل
يقول: هذا المنزل ندي الخزامي؛ أي عهده بالمطر قريب فخزاماه ندية. والذفر: شدة الرائحة من الطيب وضده؛ بتحريك الذال وفتح الفاء؛ يقال: ذفر الشيء ذفرًا فهو ذفر. محلل ملوحش: أي تحله الوحش لم يحلل بالإنسز
وقوله (١٦٧/أ):
عن لنا فيه مراعي مغزل ... محين النفس بعيد الموئل
стр. 1031
مراعي مغزل: يعني ظبيًا مع ظبية لها غزال أي ولد. ومراعي يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون يرعى معها.
والآخر: أن يكون يراعيها من المراعاة من قولك: فلان يراعي فلانًا؛ أي ينظر إلى أموره ويتعدها, وأصل ذلك من مراعاة الكلأ. ومحين: من الحين. والموئل: الملجأ.
وقوله:
وعادة العري عن التفضل
يقول: هذا الظبي قد استغنى بعادة العري عن لبس الثياب. والتفضل من قولهم: تفضلت المرأة والرجل إذا كان عليهما ثوب واحد, قال امرؤ القيس: [الطويل]
فجئت وقد نضت لنومٍ ثيابها ... لدى الخدر إلا لبسة المتفضل
ويقال: امرأة فضل أي عليها ثوب واحد, قال المتنخل الهذلي: [البسيط]
السالك الثغرة المرهوب جانبها ... مشي الهلوك عليها درعها الفضل
رفع الفضل لأنه جعله نعتًا للهلوك على الموضع؛ لأن معنى قوله: مشي الهلوك؛ أي: تمشي مشي الهلوك.
وقولهك
معترضًا بمثل قرن الإيل
يصف الظبي بطول القرن فيقال: إيل بكسر الهمزة وفتح الياء, وأيل بضم الهمزة أيضًا.
وقوله:
يحول بين الكلب والتأمل ... فحل كلابي وثاق الأحبل
يريد أن هذا الظبي يسبق لحظ الكلب ويعجله أن يتأمله. وأصل التأمل أن ينظر الإنسان إلى شيء له فيه أمل فيردد النظر فيه, قال الشاعر: [الطويل]
стр. 1032
تأملتها معترةً فكأنما ... رأيت بها من سنة البدر مطلعا
ثم استعمل التأمل في كل شيء ينظر فيه, وإن لم يكن للإنسان فيه أمل, قال أوس بن حجرٍ: [الطويل]
صحا قلبه من سكره وتأملا ... وكان بذكرى أم عمروٍ موكلا
والكلاب: الذي يمارس أمر الكلاب؛ إما لنفسه وأما لغيره, وهو المكلب أيضًا.
وقوله:
عن أشدق مسوجرٍ مسلسل ... أقب ساطٍ شرسٍ شمردل
الأشدق: الواسع الشدق, مسوجر: أي في رقبته ساجور, ومسلسل: أي في رقبته سلسلة, وكل شيء اتصل فهو مسلسل حتى إنهم يقولون: سلاسل البرق؛ يعنون اتصال بعضه ببعض, قال الراجز: [الرجز]
تربعت والدهر عنها غافل
آثار أحوى برقه سلاسل
والأقب: الضامر, وساطٍ: الاشتقاق فيه يدل على أنه من السطوة, وربما فسر الرواة ساطيًا بقولهم: هو الرافع ذنبه, ولعله إنما يفعل ذلك إذا عزم أن يسطو واجتهد في أمر. والشرس: السيئ الخلق, وشمردل: طويل.
وقوله:
منها إذا يثغ له لا يغزل
يثغ له: مجزوم بإذا وإنما يجزم بها في الضرورة, يقال: إن الكلب إذا أدرك الظبي فربما ثغا في وجهه ففزع منه الكلب فعجز عن صيده؛ فيقال عند ذلك: غزل عجز عن صيد الغزال, وكأنهم قالوا: غزل يريدون أنه أصابه ذلك من أجل الغزال فاشتقوا له وصفًا من لفظه.
стр. 1033
وقوله:
مؤجد الفقرة رخو المفصل
المؤجد: المقوى, يقال: بناء مؤجد؛ أي محكم, ومنه قيل: ناقة أجد إذا كانت مؤثقة الخلق, قال المتلمس: [الطويل]
إن الهوان حمار الأهل يعرفه ... والطرف ينكره والعرمس الأجد
والفقرة: الواحدة من فقر الظهر, ووصفه برخاوة المفصل لأنه نعته بسرعة بسط المفاصل وقبضها.
وقوله:
له إذا أدبر لحظ المقبل ... يعدو إذا أحزن عدو المسهل
بعض الكلاب إذا عدا التفت في عدوه, وقد ذكر ذلك الحكمي في صفة الكلب فقال: [الرجز]
لفت المشير موهنًا بناره
وأحزن: إذا أخذ في الحزن من الأرض وهو الصلب؛ أي إنه لا يعجز في الحزون أن يعدو كعدوه في السهول.
وقوله:
إذا تلا جاء المدى وقد تلي ... يقعي جلوس البدوي المصطلي
الإقعاء: أن يعتمد على ذبنه. ونهي عن الإقعاء في الصلاة, وهو أن ينصب الرجل ركبتيه. ويقال: أقعى فهو مقعٍ, وحكى أبو عبيدة: قاعٍ في معنى مقعٍ, وأنشد في شواذ الغريب: [الطويل]
وأنكرت من زبان خضرة وجهه ... وأنفًا له مثل التؤيليل قاعيا
والأفصح ما قال الآخر: [الطويل]
стр. 1034
فأقع كما أقعى أبوك على استه ... رأى أن ريمًا فوقه لا يطاوله
وإذا تلا: أي إذا تبع جاء المدى, وهو متلو: أي قد سبق.
وقوله:
بأربعٍ مجدولةٍ لم تجدل ... فتل الأيادي ربذات الأرجل
مجدولة: أي مفتولة بخلق الله سبحانه لم يجدلها الآدميون, وفتل الأيادي: جمع أفتل والمصدر: الفتل, قال الأعشى: [البسيط]
جاوزته بطليحٍ حرةٍ سرحٍ ... في مرفقيها إذا استعرضتها فتل
وقال: فتل الأيادي وإنما هي (١٧٦/ب) يدان؛ فجمع لأن التثنية جمع, وفي الكتاب العزيز: ﴿قالوا لا تخف خصمان﴾ , فكذلك قال: ربذات الأرجل وإنما هي رجلان, والربذات واحدتها ربذة وهي السريعة الخفيفة, قال عنترة: [الكامل]
ربذٍ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك رايات التجار ملوم
وقوله:
آثارها أمثالها في الجندل ... يكاد في الوثب من التفتل
يجمع بين متنه والكلكل ... وبين أعلاه وبين الأسفل
آثارها: الهاء عائدة على يدي الكلب ورجليه؛ أي إنه يؤثر في الجندل صورًا كصور يديه ورجليه, وجعله يكاد من تفتله في الوثب بجمع بين متنه والكلكل. والمتن: أسفل العجز, والكلكل: الصدر, وهذا يجانس قوله في صفة الأسد:
حتى حسبت العرض منه الطولا
وبين أعلاه وبين الأسفل؛ أي بين أعلى خلقه وأسفله.
стр. 1035
وقوله:
شبيه وسمي الحضار بالولي ... كأنه مضبر من جرول
الوسمي: أول المطر, والولي الذي يليه, والحضار يريد الفعال من المحاضرة, وهي المفاعلة من الحضر, والحضر: شدة العدو. يريد أن أول عدوه كآخره. ومضبر: أي قد جمع بعضه إلى بعض, ومن ذلك إضبارة الكتب. والجرول: الحجر.
وقوله:
موثق على رماح ذبل ... ذي ذنبٍ أجرد غير أعزل
شبه قوائمه بالرماح, ووصف ذنبه بأنه غير أعزل, وهو من الأذناب الذي يميل إلى أحد الجانبين؛ فكأنه ينعزل عن موضعه, وذلك مذموم في الكلب وفي الفرس, قال امرؤ القيس: [الطويل]
بضافٍ فويق الأرض ليس بأعزل
وقوله:
لو كان يبلي السوط تحريك بلي ... نيل المنى وحكم نفس المرسل
يقول: هذا الكلب من فرط نشاطه يحرك ذنبه, فلو كان السوط يبليه التحريك لبلي هذا الذنب. يقول: هذا الكلب نيل المنى؛ أي تنال به الأمنية, ومرسله في الصيد له حكم نفسه.
وقوله:
وعقلة الظبي وحتف التتفل ... فانبريا فذين تحت القسطل
عقلة الظبي: أي كأنه يعقله بعقالٍ. والتتفل: ولد الثعلب, وفذين: أي فردين.
وقوله:
قد ضمن الآخر قتل الأول ... في هبوةٍ كلاهما لم يذهل
هبوة: أي غبار, ولم يذهل: أي لم يذهب عقله بل هو مجتهد؛ فالكلب يجتهد في لحاق الصيد, والظبي لم يذهل عن طلب الخلاص.
وقوله:
لا يأتلي في ترك ألا يأتلي ... مقتحمًا على المكان الأهول
قوله: لا يأتلي أي لا يقصر من قولهم: ألا فهو آلٍ إذا قصر. يقول: المطارد والمطرود
стр. 1036
كلاهما لا يأتلي في ترك ألا يأتلي؛ أي لا يقصر في ترك ألا يقصر, والاقتحام: الدخول في الشيء بسرعة.
وقوله:
حتى إذا قيل له نلت افعل ... افتر عن مذروبةٍ كالأنصل
حتى إذا قيل له: الهاء عائدة على الكب, أي قد نلت ما تريد فافعل ما في نفسك.
افتر: أي فتح فاه فبدت أسنانه وأنيابه, ومذروبة: أي كأنها محددة وإن كانت لم تحدد.
وقوله:
كأنها من سعةٍ في هوجل
الهوجل: الأرض الواسعة.
وقوله:
فحال ما للقفز للتجدل ... وصار ما في جلده في المرجل
أي كانت قوائمه تقفز وصارت بعد القفز للتجدل. والتجدل: الوقوع على الأرض, وقد مر ذكره. وصار ما في جلده في المرجل؛ أي أخذوا لحمه فجعلوه في قدرٍ.
وقوله:
فلم يضرنا معه فقد الأجدل
سكن العين في معه وذاك جائز؛ إلا أنه ليس باللغة العالية, وأنشد سيبويه: [الوافر]
[و] ريشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما
وأنشد الفراء: [الوافر]
ومن يتق فإن الله معه ... ورزق الله مؤتاب وغاد
الأجدل: الصقر. يقول: لم يضرنا مع هذا الكلب فقد الأجدل لأنه أغنانا عنه. وقافيتها من المتدارك.
стр. 1037
ومن التي أولها
عزيز أسى من داؤه الحدق النجل ... عياء به مات المحبون من قبل
الوزن من أول الطويل.
عزيز: خبر متقدم إذا جعلت «من» معرفةً. وإن جعلتها نكرةً جاز أن يكون عزيز ابتداءً. وذهب بعض النحويين إلى أن المبتدأ والخبر إذا كان نكرتين فالمبتدأ هو الأول لا غير, وقد يكون المبتدأ والخبر نكرتين, وأحدهما أخص من الآخر؛ كقولك: ذهب خاتم في إصبعك. فخاتم هاهنا أخص من ذهب, وهو بأن يكون مبتدأ أولى من ذهب.
ويعاء: أي معيٍ لا يعرف دواؤه, ويجوز أن يكون عياء بدلًا من الحدق والنجل, ولا يمتنع أن يكون على إضمار هو. والأسى من قولك: أسوت الجرح إذا أصلحته وداويته. يقال: أسي الجرح أسوًا وأسى, قال الأعشى: [الخفيف]
عنده البر والتقى وأسى الشق ... ق وحمل لمضلع الأثقال
وقوله:
إذا عذلوا فيها أجبت بأنةٍ ... حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل
أنه: من أن المريض إذا اشتكى مرضه بصوت ضعيف. وقوله: حبيبتا يجوز أن يكون على معنى النداء: يا حبيبتا أراد حبيبتي فقلب (١٦٨/أ) الياء ألفًا. وقوله: قلبي منقطع من قوله حبيبتا؛ كأنه قال: أشكو قلبي, كما يقول القائل إذا أصاب يده شيء: يدي. وقوله: فؤادي مؤد معنى قوله: قلبي, وهو كما يقول من أصابه مؤذٍ في يده: آهٍ يدي كفي؛ أي إني قد أصبت في ذلك الموضع. والنصف الآخر من هذا البيت تفسير لقوله: أجبت بأنةٍ, وقوله: هيا جمل؛ أي أيا جمل على معنى النداء؛ كأنه ناداها واسمها جمل.
وقوله:
إلى واحد الدنيا إلى ابن محمدٍ ... شجاع الذي لله ثم له الفضل
стр. 1038
قال: إلى واحد الدنيا وأراد أن يقول: ابن محمد, فلم يستقم له الوزن فجاء بإلى ثانية, وهم يفعلون ذلك في حروف الخفض كثيرًا, فيقولون: مررت بأخيك بأبي عبد الله, وجلست عند فلان عند كاتب الأمير. وحذف التنوين من شجاع لما كان ساكنًا ولقيته لام التعريف.
وقوله:
إلى الثمر الحلو الذي طيئ له ... فروع وقحطان بن هودٍ له أصل
النسابون يقولون: قحطان بن هود, واسم هود - فيما يزعمون - عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نح, وهذه أسماء أعجمية, وهم يزعمون أن هودًا كان من العرب, فإن كان الأمر على ما ذكر فهو مأخوذ من الهوادة وهي بقية الصلح. يقولون: لا هوادة بينهم؛ أي لم يبق بينهم رجوع إلى صلحٍ ومساومةٍ, وهي من: هاد يهود إذا رجع, ويقال: هود الرجل إذا مشي مشيًا ضعيفًا, وهود في غنائه إذا خفضه, قال الشاعر: [الطويل]
أمون من اللاتي تسمعن بالضحى ... قريض الردافى بالغناء المهود
الردافى: جمع رديف وهو الذي يردفه الإنسان خلفه. والأخبار متناقضة لأن أصحاب الأخبار يقولون: إن عادًا من العرب, ويدعي بعض الناس أن أول من تكلم بالعربية: يعرب بن قحطان بن هودٍ, والأسماء التي بين قحطان وبين نوح كلها أعجمية, إلا أنهم يدعون أن هودًا اسم عربي.
وقوله:
إلى القابض الأرواح والضيغم الذي ... تحدث عن وقفاته الخيل والرجل
ردد إلى مع المخفوض وقد تقدم القول فيه. وسكن القاف من وقفاته, وتحريكها أحسن, وقد مر مثل ذلك, وإنما يستعمل في الضرورة, قال ذو الرمة: [الطويل]
أبت ذكر في الصدر عودن قلبه ... خفوقًا ورقصات الهوى في المفاصل
стр. 1039
وقوله:
رأيت ابن أم الموت لو أن بأسه ... فشا بين أهل الأرض لانقطع النسل
أصل فشا: الهمز, وقد استعملت غير مهموزة, قال الشاعر: [الطويل]
تفشأ إخوان الصفاء فعمهم ... وأسكت عني المعولات البواكيا
وقوله:
على سابحٍ موج المنايا بنحره ... غداة كأن النبل في صدره وبل
السابح: الفرس الذي كأنه يسبح في جريه, وهذا البيت يروى للنعمان بن بشير ولغيره, وهو قوله: [البسيط]
اليد سابحة والرجل ضارحة ... والعين قادحة والمتن مقبوب
يصف فرسًا أنثى ضارحة أي تضرح الحجارة, والضرح: الدفع, والعين قادحة أي غائرة.
وقوله:
ولولا تولي نفسه حمل حلمه ... عن الأرض لانهدت وناء بها الحمل
стр. 1040
يقول: لولا أنا هذا الممدوح تولت نفسه النهضة بحلمه فنابت عن الأرض في ذلك؛ لعجزت الأرض أن تحمله فأصابها هد. وناء بها الحمل أي أسقطها إلى الأرض. يقال: ناء إذا نهض, وناء إذا سقط. والنوء عند العرب سقوط النجم, وهو من الأضداد يكون هبوطًا وطلوعًا.
وقوله:
ونادى الندى بالنائمين عن السرى ... فأسمعهم هبوا فقد هلك البخل
يقال: هب النائم إذا انتبه, قال الشاعر: [الطويل]
ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... نسائلكم هل يقتل الرجل الحب
وكل هاء وباء مشددة فإنما يستعملان في قوة الشيء ونشاطه, يقال: هب النائم لأنه يفارق السكون ويعمد لما يختار, وهبت الريح إذا جاءت بسكونٍ (*) , وهب التيس إذا نشط للسفاد, وهب السيف إذا اهتز للقطع.
وقوله:
وما تنقم الأيام ممن وجوهها ... لأخمصه في كل نائبةٍ نعل
أخمص الرجل: باطنها, شبه بالبطن الخميص, يقال: رجل خمصان, وامرأة خمصانة إذا وصف بانضمام البطن وخموصه, ويقال للجائع: خميص؛ لأن البطن يفقد الطعام فيضمر.
وقوله:
وما عزه فيها مراد أراده ... وإن عز إلا أن يكون له مثل
وما عزه: أي ما غلبه, وعز هاهنا متعد. والأحسن أن يكون في قوله: وإن عز غير متعد, ويقال في الأول: عزه يعزه بضم العين وفي (١٦٨/ب) الثاني: عز يعز بالكسر. يقول: ما عزه في هذه الدنيا مراد إلا أن يطلب له مثلًا فذلك متعذر لا يوجد.
وقوله:
كفى ثعلًا فخرًا بأنك منهم ... ودهرًا لأن أمسيت من أهله أهل
стр. 1041
ثعل من طيئ, قال حاتم: [البسيط]
يا ليت شعري وليت غير نافعةٍ ... بأي حالٍ بها أمست بنو ثعلا
وثعل: من أسماء الثعلب وكذلك ثعالة. وقوله: بأنك منهم: الباء زائدة, وقوله: إنك منهم مع الباء في موضع رفع كالفاعل لكفى, ودهرًا معطوف على ثعل. يقول: كفى ثعلًا فخرًا أنك منهم, وكفى دهرًا فخرًا أنه أهل لأنك من أهله؛ وكأنه رفع أهلًا في آخر البيت على تقدير قوله: ودهرًا هو لأن أمسيت من أهله أهل. وبعض الناس يرفع دهرًا ولا ينبغي أن يلتفت إلى ذلك.
وقوله:
وويل لنفسٍ حاولت منك غرةً ... وطوبى لعينٍ ساعةً منك لا تخلو
طوبى: كلمة مأخوذة من طاب يطيب, ويقال: إن مكوزة الأعرابي قرأ: ﴿طيبى لهم وحسن مئاب﴾. وزعم سيبويه أن الفعلى إذا كانت أنثى الأفعل لم تستعمل إلا بالألف واللام أو مضافةً, وإنما قال ذلك يريد بها الأكثر من الكلام, وقد جاءت الفعلى, وهي أنثى الأفعل, على غير ما ذكر إلا أنها قليلة, منها قولهم: طوبى. وكان بعض النحويين ينكر قراءة من قرأ: ﴿وقولوا للناس حسنى﴾ , بغير تنوين؛ لأنه يرى أن الصواب: الحسنى. وقد جاءت أشياء نحو هذا كقولك: هم في دنيا صالحة, وإنما هي الدنيا أنثى الأدنى. وقالوا: هذه امرأة أخرى وخلة أخرى؛ وإنما هي أنثى الآخر, قال ابن أبي ربيعة: [الطويل]
وأخرى أتت من دون نعم ومثلها ... نهى ذا النهى لو يرعوي أو يفكر
وقافيتها من المتواتر.
стр. 1042
ومن التي أولها
صلة الهجر لي وهجر الوصال ... نكساني في السقم نكس الهلال
الوزن من أول الخفيف.
يقول: مواصلة الهجر وهجر المواصلة نكساني في السقم نكس الهلال؛ أي كنت صحيح الجسم كامل الخلق فنكسني هذان الشيئان نكس الهلال؛ وذلك أني زدت كما يزيد في أول الشهر, ثم نقصت كما ينقص إلى أن لحقه السرار. وقد شببت الشعراء بالقمر وزيادته ونقصه, وينشد لبعض العرب: [الطويل]
ومهما يكن ريب الزمان فإنني ... أرى قمر الليل المعلل كالفتى
يكون هلالًا ثم يزداد نوره ... وبهجته حتى إذا تم واستوى
تقارب يخبو ضوؤه وبهاؤه ... وينقص حتى يستسر فلا يرى
كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... وعودته في عمره بعد ما مضى
وقوله:
قف على الدمنتين بالدو من ريا كخالٍ في وجنةٍ جنب خال
الدمنتان: تثنية دنة, وهي أثر الدار وجمعها دمن, قال الشاعر: [البسيط]
يا صاحبي سلا الأطلال والدمنا ... متى يعود إلى عسفان من ظعنا
стр. 1043
والدو: الأرض الواسعة المقفرة. والخال: الشامة. يقول: هاتان دمنتان مخالفتان للون الأرض التي هما فيها, كما أن الشامة تخالف الخد في لونه.
وقوله:
بطلولٍ كأنهن نجوم ... في عراصٍ كأنهن ليال
شبه الطلول بالنجوم لأنها عنده مستحسنة لأجل من كان يحلها ممن يحب. والعراص: جمع عرصةٍ, وهي الموضع الواسع من الدار. وجعل العراص كالليالي لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار, فلما فارقوها ذهب نورها: فكأن كل عرصةٍ منها ليلة في الإظلام.
وقوله:
ونؤي كأنهن عليهن ... ن خذام خرس بسوقٍ خدال
نؤي: جمع نؤي لأن فعلا يجمع على فعولٍ, ومثل: جند وجنود. وحقيقة جمعه: نؤي فجعلت الواو ياء كما فعل بها في ثدي. واشتقاق النؤي من النأي وهو البعد؛ وذلك أنهم أرادوا أن ينؤوا به الماء عن البيت كيلا يدخل السيل إلى رحالهم.
والهاء والنون في عيلهن يجوز أن ترجع إلى الطلول وإلى العراص, ورجوعها إلى الطلول أشبه. وشبه النؤي بالخدام وهي الخلاخيل؛ لأن النؤي يكون مطيفًا بالبيت كما يطيف الخلخال بالساق, ويقال للخلخال: خدمة وخدم وخدام في الجمع, قال الشاعر: [المنسرح]
والضاربو الهام في الحروب إذا ... أبدى العذارى مواضع الخدم
يريد: إذا فزع النساء فشمرن ذيولهن للهرب فانكشفت خلاخيلهن. وقال آخر: [الخفيف]
كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدامٍ عقيلة عذراء
стр. 1044
وبعضهم ينشد: عن خدام العقيلة العذراء؛ كأنه أراد التنوين فحذف. والخدال: جمع خدلةٍ وهي الساق الكثيرة اللحم, ويقال: امرأة خدلة وساق خدلة, قال ذو الرمة (١٦٩/أ) / [الطويل]
مليحات الوجوه مبطنات ... جواعل في البرى قصبًا خدالا
يعني بالقصب: عظام الأسوق.
وقوله:
ما تريد النوى من الحية الذو ... واق حر الفلا وبرد الظلال
شبهت الشعراء المتقدمة الرجل بالحية وهم يريدون المدح, وإنما يذهبون إلى أنه مهيب لا يجترأ عليه, قال الشاعر: [البسيط]
إذا رأيت بوادٍ حيةً ذكرًا ... فاذهب ودعني أمارس حية الوادي
ويقولون: حية جبلية إذا وصفوها بالشر, قال الشاعر: [الكامل]
ما تزدري من حيةٍ جبليةٍ ... سكاتٍ إذا ما عض ليس بأدردا
وقوله: الذواق حر الفلا وبرد الظلال, يصف نفسه بأنه كالحية الذكر لا يستقر في موضع؛ فهو يذوق برد الزمان وحره؛ أي إني قد جربت الأمور ولقيت الشدائد على اختلافها.
وقوله:
فهو أمضى في الروع من ملك المو ... ت وأسرى في ظلمةٍ من خيال
أصل الملك: ملأك فخففت الهمزة, قال الشاعر: [الطويل]
стр. 1045
فلست لإنسي ولكن لملأكٍ ... تنزل من جو السماء يصوب
وقالوا في الجمع: ملائكة فجاؤوا بالهمزة, وقالوا للرسالة: مألكة. وقولهم: الملائكة على أن مألكةً كالمقلوبة من ملؤكةٍ. يقال: مألكة ومألك؛ فقيل: مألك جمع وقيل واحدة, وقالوا في الجمع مآلك, فدل ذلك على أن الأصل ألك, وقالوا في الأمر: ألكني إلى القوم رسالةً وكأنهم يريدون: ألئك لي؛ فألقوا حركة الهمزة على اللام, قال الشاعر: [الطويل]
ألكني إلى قومي السلام رسالةً ... بآية ما كانوا ضعافًا ولا عزلا
وقوله:
ولحتفٍ في العز يدنو محب ... ولعمرٍ يطول في الذل قال
يريد: وهو لحتف في العز محب, ولعمرٍ في الذل قال, عطف هو المضمرة على قوله: فهو أمضى, وكذلك في قوله: ولعمرٍ, أي: وهو لعمر في الذل قالٍ, والقلى: البغض.
وقوله:
نحن ركب ملجن في زي ناسٍ ... فوق طيرٍ لها شخوص الجمال
العرب إذا أرادوا المبالغة في صفة الإنس شبهوهم بالجن, قال الشاعر: [الوافر]
خيلٍ كالقداح مضمراتٍ ... عليها معشر أشباه جن
يقول: نحن ركب من الجن في زي ناسٍ, وركبانا طير لها شخوص جمالٍ.
وقوله:
من بنات الجديل تمشي بنا في الـ ... بيد مشي الأيام في الآجال
الجديل: فحل من فحول الإبل تنسب إليه, فيقال: فحل جدلي, ويقال إنه كان لمهرة
стр. 1046
ابن حيدان, قال الراعي: [الكامل]
صهبًا تناسب شدقمًا وجديلا
فأما قول ذي الرمة: [الطويل]
نجائب مما ذمرت في نتاجها ... بناحية الشحر الجديل وشدقم
فإنه أراد مما ذمرت أصحاب الجديل وشدقم. والتذمير: أن يجس الناتج أصل العنق من النتيج؛ فإن كان صلبًا علم أنه ذكر, وإن كان لينًا علم أنه أنثى.
وقوله:
كل هوجاء للدياميم فيها ... أثر النار في سليط الذبال
الهوجاء: الناقة التي تركب رأسها في السير. ولا يقولون: بعير أهوج. ويقولون: ريح هوجاء إذا وصفوها بشدة الهبوب, قال ابن أحمر: [الكامل]
ولهت عليه كل معصفةٍ ... هوجاء ليس للبها زبر
والدياميم: جمع ديمومةٍ, ويقال: إنها التي يدوم فيها السراب, وهي من دام يدوم. والبصريون يذهبون إلى أن أصلها ديمومة؛ فخففت الياء, وقالوا في ميتٍ: ميت, وفي هينٍ: هين, وإذا أخذ بهذا القول فأصلها: فيعلولة, والموجود منها قيلولة؛ لأن العين ذهبت وهي الياء المتحركة وأصلها الواو. ويقولون: ديموم؛ فيجوز أن يكون جمع ديمومة كما يقولون: رملة ورمل, قال الراجز: [الرجز]
стр. 1047
قد جعلت نفسي في أديمي ... ثم رمت بي عرض الديموم
في بارحٍ مطرد السموم ... عند طلوع وغرة النجوم
الوغرة: شدة الحر. يريد عند طلوع النجم الذي يشتد الحر عند طلوعه؛ وكأنه أراد أن يقول: عند وغرة طلوع النجم, فلم يستقم له الشعر. يقول: هذه الإبل قد أثرت فيها الدياميم تأثير النار في السليط؛ أي الزيت الذي يجعل في الذبال وهي الفتل.
وقوله:
من يزره يزر سليمان في الملـ ... ـك جلالًا ويوسفًا في الجمال
وربيعًا يضاحك الغيث فيه ... زهر الشكر من رياض المعالي
نفحتنا منه الصبا بنسيمٍ ... رد روحًا في ميت الآمال
شبه الممدوح بسليمان (١٦٩/ب) في الملك, والممدوح يعلم أن ذلك كذب؛ ولو كان الشعر في مدح ملكٍ لكان أليق منه إذا كان في قاضٍ, أو تانئٍ.
ونسق ربيعًا على سليمان, ونعت الربيع بقوله: يضاحك الغيث فيه زهر الشكر؛ أي إنه إذا جاد روضت معاليه فظهر فيها زهر الشكر. ونفحتنا الصبا من قولهم: ريح نافحة إذا كانت لينةً طيبةً وهي ضد اللافحة؛ لأن اللافحة تستعمل في الحارة. ونسيم الريح أول هبوبها وما ضعف منها. يقول: كانت آمالنا ميتةً فلما نفحتنا منه الصبا بالنسيم رد روحًا في الأمل الميت.
стр. 1048
وقوله:
والجراحات عنده نغمات ... سبقت قبل سيبه بسؤال
زعم أن الجراحات عند الممدوح نغمات تسبق من السؤال سيبه؛ أي يشق عليه ألا يكون سبق إلى المعروف قبل أن يطلب.
وقوله:
فخذا ماء رجله وانضحا في الـ ... ـمدان تأمن بوائق الزلزال
وامسحا ثوبه البقير على دا ... ثكما تشفيا من الأعلال
يقول: خذا الماء الذي يغسل به رجله وانضحاه في المدن. والنضح: إصابة بماء يكون قليلًا وكثيرًا, وهو هاهنا القليل. وجمع مدينةً على مدنٍ, وهذا يدل على أن الميم أصلية في المدينة, وأنها من مدن بالمكان إذا أقام به, ولو كانت زائدة لم يجز معها حذف الياء كما لا يجوز في معيشةٍ: معش. والزلزال إذا كسر أوله فهو مصدر, وإذا فتح فهو اسم. والبوائق: الدواهي. وامسحا ثوبه البقير؛ أي هو مبارك يستسعد بان يمسح ثوبه, وأن يصيب الإنسان شيء من ماء طهوره. والثوب البقير: يقال: إنه الذي لم تكمل خياطته, ويقال: البقير ثوب يشق ويلبس.
وقوله:
وله في جماجم المال ضرب ... وقعه في جماجم الأبطال
فهم لاتقائه الدهر في يو ... م نزالٍ وليس يوم نزال
استعار الجماجم للمال, وجعل هباته كضرب جماجمه, وحسن أن يستعير الجماجم للمال؛ لأن في آخر البيت جماجم الأبطال. يقول: يهب المال فيعلم الأبطال أنهم إذا أجروا إلى خطأ أو تعدوا على ضعيف كان قادرًا على معاقبتهم؛ وكف أيديهم بالقوم الذين يعطيهم ماله؛ فالأبطال معه طول زمنهم في نزالٍ وإن لم يكن ثم حرب ولا منازلة.
وقوله:
رجل طينه من العنبر الور ... د وطين العباد من صلصال
فبقيات طينه لاقت الما ... ء فصارت عذوبةً في الزلال
стр. 1049
ادعى للممدوح أنه خلق من العنبر الورد, والعباد خلقوا من صلصال مسنونٍ, وهو كريه الرائحة. وزعم أن بقايا طيبه لاقت الماء فصارت عذوبةً فيه. والطيب ليس للعذوبة, وكان تشبيهه بغير ذلك أحسن في هذا الموضع؛ فلو قال: بقايا طيبه وافى زهر الربيع أو نحو ذلك؛ لكان أشبه من عذوبة الماء.
وقوله:
وبقايا وقاره عافت النا ... س فصارت ركانةً في الجبال
زعم أن بقايا وقار الممدوح عافت الناس؛ من قولهم: عفت الشيء إذا كرهته, وأكثر ما يستعمل ذلك في الطعام والشراب. قال الشاعر: [الوافر]
نزعت ثيابكم والقر مودٍ ... ومالي غير ما جلدي قميص
وعفتكم وفي بطني خماص ... وشر الزاد ما عاف الخميص
والركانة: مصدر قولهم: رجل ركين إذا كان حليمًا ثابتًا.
وقوله:
لست ممن يغره حبكم السلـ ... ـم وأن لا ترى شهود القتال
ذاك شيء كفاكه عيش شانيـ ... ـك ذليلًا وقلة الأشكال
يقول: لست أنا ممن يغره حبك السلم وأن لا ترى أن تشهد القتال؛ فيقول: ليس هو بشجاع؛ وإنما تركت شهود القتال (١٧٠/أ) لأنك لا تحتاج إليه, وقد فسر البيت بالذي بعده فقال: ذاك - أمر يعني تركه شهودالقتال - كفاكه ذل شانيك؛ أي مبغضك. وأصل شانيك الهمز. وأغناك عن ذلك أيضًا قلة أشكالك ونظرائك, وإنما يحارب الإنسان من يدانيه في العز والشجاعة.
стр. 1050
وقوله:
واغتفار لو غير السخط منه ... جعلت هامهم نعال النعال
عطف اغتفارًا على قوله: قلة الأشكال وما قبله. والاغتفار: الافتعال من غفر الذنب؛ أي لو غير السخط اغتفارك لجعلت هام أعاديك نعالًا لنعال خيلك.
وقوله:
لجيادٍ يدخلن في الحرب أعرا ... ءً ويخرجن من دمٍ في جلال
أعراء جمع عريٍ. وقوله: يدخلن في الحرب أعراء؛ أي إنك لا توقي خيلك كما يفعل مشاهد الحروب؛ لأنهم يلبسون الخيل التجافيف, ويجتهدون في حمايتها من الرماح والسيوف والنبل. وقد استعملت العرب التجافيف في الشعر القديم, قال المسيب بن علس: [الطويل]
خلوا سبيل بكرنا إن بكرنا ... يجب سنام الأكلف المتماحل
هو الفيل يمشي خارجًا وسط عرعرٍ ... بتجفافه كأنه في سراول
ويقال: فرس مجفف إذا جعل عليه التجفاف, قال عبيد الله بن قيس الرقيات: [الوافر]
كأن مجففات الخيل فيه ... إذا مرت برازيقًا فيول
البرازيق: الجماعات من الناس, وهي في غير هذا الموضع من الفرسان.
وقوله:
واستعار الحديد لونًا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال
يقول: احمر الحديد بالدم فكأنه استعار لونًا غير لونه, وكأنه ألقى لونه في ذوائب الأطفال أي الشيب؛ لأن السيوف توصف بالبياض, وكذلك الشيب, ولهذا الوجه قال أبو عبادة: [الطويل]
وددت بياض السيف يوم لقينني ... مكان بياض الشيب لاح بمفرقي
وقافيتها من المتواتر.
стр. 1051
ومن أبيات أولها
أماتكم من قبل موتكم الجهل ... وجركم من خفةٍ بكم النمل
الوزن من أول الطويل وقافيتها من المتواتر.
ومن التي أولها
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا
الوزن من أول البسيط.
أحيا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الشاعر أخبر عن نفسه فقال: أحيا أي أعيش وأيسر ما قاسيت ما قتل. والآخر: أن يكون أحيا في معنى أفعل الذي يراد به التفضيل؛ أي أشد ما يكون في إحياء الإنسان, وأيسر ما لاقيت شيء قاتل؛ فكأن الكلام على التقديم والتأخير, كأنه قال: ما قتل أي الشيء الذي يقتل أحيا وأيسر ما ألقاه. وإذا حمل على هذا الوجه فقد حذف المضاف إليه في قوله: أحيا؛ لأنه أراد أحيا ما لاقيت, وإنما يستعمل ذلك في الشعر, ولو قلت في الكلام المنثور: أكرم وأفضل الناس زيد, تريد: أكرم الناس زيد وأفضلهم, لقبح ذلك, وفيه شبه من قول الفرزدق: [المنسرح]
يا من رأى عارضًا أرقت له ز .. بين ذراعي وجبهة الأسد
أراد بين ذراعي الأسد وجبهته.
وقوله:
إلا يشب فلقد شابت له كبد ... شيبًا إذا خضبته سلوة نصلا
ادعى أن كبده قد شابت لأن عادتها ألا تبيض؛ وإنما جرت العادة أن يصفوا الرأس بالشيب, وكذلك يستعيرونه للفؤاد, وإنما استحسنوا ذلك لأنهم يقولون: سواد القلب وسويداؤه وسوداؤه؛ فلما وصفوه بالسواد كما يصفون الشباب وصفوه بالمشيب, قال الطائي: [الخفيف]
стр. 1052
شاب رأسي وما رأيت مشيب الر ... رأس إلا من فضل شيب الفؤاد
وقال الشاعر: [الكامل]
نبئت سوداء القلوب مريضةً ... فأقبلت من ضر إليها أعودها
يريد بسوداء القلب (١٧٠/ب) امرأةً يشبهها بسواد القلب. وإذا وصفوا العدو بشدة العداوة قالوا: هو أسود الكبد, قال الشاعر: [البسيط]
لقد طرقت سليمى في منازلها ... وكم عدو لديها أسود الكبد
فلما وصفت الكبد بالسواد لم يبعد أن يدعى لها الشيب.
وقوله:
قيل بمنبج مثواه ونائله ... في الأفق يسأل عن من غيره سألا
منبج إن كان اسمًا عربيًا فهو مأخوذ من قولهم: نبج إذا رفع صوته. ويوم النباج يوم من أيام العرب, ويقال: إن النباج مواضع مرتفعة. والقيل: ملك دون الملك الأعظم. وقوله: يسأل عن من غيره سألا؛ كأنه يسأل عنه ليغنيه عن سؤال غيره, أو ليعاتبه إذا لم يسأل هذا الممدوح.
وقوله:
ترابه في كلابٍ كحل أعينها ... وسيفه في جنابٍ يسبق العذلا
كلاب بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة, وهم من قيس عيلان. وبنو جنابٍ من كلب ابنوبرة ومرجعهم إلى قضاعة.
стр. 1053
ويقال: «سبق السيف العذل» يضرب ذلك مثلًا للأمر إذا فات. ويزعمون أن أصل ذلك أن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر كان له ولدان يقال لهما: سعد وسعيد؛ فأما سعد فإليه انتهى نسب ضبة, وأما سعيد فسافر ولم يعد. وعمر ضبة إلى أن كبر فكان كلما رأى شخصًا مقبلًا قال: أسعد أم سعيد؛ فصار ذلك مثلًا للخير والشر؛ لأن سعيدًا سافر ولم يعد, وسعدًا أعقب وكثر ولده وكان فيهم سادة.
ويقال: إن ضبة بن أد حج فصحب رجلًا في الطريق, وهو - فيما زعموا - الحارث بن كعب, فتحدثا وهما سائران, فمرا بموضع, فقال الحارث بن كعب: لقيت في هذا الموضع غلامًا فقتلته وأخذت سيفه, وهذا هو معي, فقال له ضبة: أرنيه؛ فلما أراه إياه عرفه وقال: الحديث ذو شجون وضرب بالسيف الحارث فقتله, فقيل له: أقتلت رجلًا في الحرم؟ فقال: سبق السيف العذل فصارت مثلًا.
وقد روى النسابون ما هو لهذا نقيض والله العالم بيقين الأمور.
وقوله:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا
قد طافت الشعراء حول هذا المعنى إلا أنهم جعلوا المرئي شيئًا, قال الشاعر: [الكامل]
مازلت تحسب كل شيءٍ بعدهم ... خيلًا تكر عليهم ورجالا
وقال آخر: [الطويل]
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومةً تدعو عبيدًا وأزنما
فجعل أبو الطيب خيال الشيء شيئًا.
стр. 1054
وقوله:
كم مهمهٍ قذفٍ قلب الدليل به ... قلب المحب قضاني بعدما مطلا
يقول: كم مهمهٍ بعيدٍ لا يأمن السائر فيه؛ فقلب دليل القوم يخفق مثل قلب المحب. قضاني فيه ضمير عائد إلى المهمه. يقول: هذا المهمه قضاني ما وعدني بعد أن مطل لبعده.
وقوله:
عقدت بالنجم طرفي في مفاوزه ... وحر وجهي بحر الشمس إذ أفلا
يريد: أنه لم يزل ينظر إلى النجم حتى كأنه قد عقد طرفه به, وقال قال ابن المعتز: [الكامل]
فعقدت ناظره مع النجم
يقول: عقدت حر وجهي بحر الشمس إذ أفل النجم؛ يريد: أنه سرى ليلًا وسار نهارًا حتى بلغ ما يريد.
وقوله:
أنكحت صم حصاها خف يعملةٍ ... تغشمرت بي إليك السهل والجبلا
الهاء في حصاها عائدة إلى المفاوز. وقوله: أنكحت صم حصاها خف يعملةٍ, من قوله في الأخرى:
أنساعها ممغوطة وخفافها ... منكوحة وطريقها عذراء
وتغشمرت الناقة وغيرها إذا ركبت رأسها في السير. واليعملة: الناقة التي تعمل في السير, وقلما يخرجون هذا اللفظ عن التأنيث, وقد جاء في بعض الشعر: يعمل في صفة الظليم؛ يريدون أنه يعمل نفسه في البيداء.
وقوله:
لو كنت حشو قميصي فوق نمرقها ... سمعت للجن في غيطانها زجلا
(١٧١/أ) النمرق: الوسادة. يقال: نمرقة ونمرقة. والغيطان: جمع غائط وهو المطمئن من الأرض. وقافيتها من المتراكب.
стр. 1055
ومن التي أولها
قفا تريا ودقي فهاتا المخايل ... ولا تخشيا خلفًا لما أنا قائل
وزنها من الطويل الثاني.
الودق هاهنا المطر, وقيل: هو خروج القطر من الغيم بكثرة, وفيهما روى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أن الودق مثل الدخان يخرج مع القطر من الغيم. والذي يدل عليه الاشتقاق أن الودق القطر, سمي ودقًا لأنه يدق من الأرض أي يقرب منها. والمخايل: جمع مخيلة وهي السحابة التي يخال فيها المطر. وفي الحديث: «أن النبي ﷺ كان إذا رأى مخيلةً أقبل وأدبر كان يخاف أن يكون فيها عذاب». والمعنى: قفا تريا ما أفعل فقد رأيتما دلائله.
وقوله:
وآخر قطن من يديه الجنادل
أي: إني لا أحفل به ولا يقدر لي على مضرة؛ فكأن الجنادل إذا رماني بها قطن من لينها. يقال: قطن وقطن وقطن, قال الراجز: [الرجز]
كأن مجرى دمعها المستن
قطنة من أجود القطن
следующие страницы →