Полный текст (1 484 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وقوله:
ما لي لا أمدح الحسين ولا ... أبذل مثل الود الذي بذله (*)
(١٥٨/أ) في هذا البيت جزء إذا تم ثقل في الذوق, وإنما يزاد فيه حرف ساكن, وكونه فيه هو الأصل عند الخليل, وكان سعيد بن مسعدة يذهب إلى أن الأصل سقوطه, وهو واقع موقع الدال الأولى من الود, ولو خففت الدال لزال ما ثقل في الطبع.
وقوله:
أأخفت العين عنده خبرًا ... أم بلغ الكيذبان ما أمله
هذا الاستفهام هو الذي يقلب الكلام حتى يجعله كالنفي؛ فكأن الشاعر قال: مالي لا أمدح الحسين ولم تخف العين عنده خبرًا, ولم يبلغ الكيذبان ما أمله لديه؛ أي إني إذا نظرت إلى الممدوح علمت أنه راضٍ عني؛ فتبينت عيني ما هو عليه. ويجوز أن تكون العين عين الممدح, وكلا المعنيين قد جاء في الشعر, قال الشاعر: [الطويل]
تبين لي عيناك ما القلب كاتم ... ولاجن بالبغضاء والنظر الشزر
وقال آخر: [البسيط]
العين تعرف في عيني محدثها ... من كان من حزبها أو من أعاديها
والكيذبان في معنى الكذاب؛ يقال بفتح الدال وضمها.
وقوله:
أم ليس ضراب كل جمجمةٍ ... منخوةٍ ساعة الوغى زعله
الاستفهام في هذا البيت يؤدي إلى غير النفي, مثل الاستفهام الذي تقدم؛ كأنه قال: ولم يبلغ الكيذبان ما أمله, وهذا الممدوح ضراب كل جمجمة منخوةٍ؛ أي ذات نخوة وهي الكبر. والزعلة المفرطة في النشاط.
стр. 982
وقوله:
وراكب الهول ما يفتره ... لو كان للهول محزم هزله
جعل الممدوح يركب الهول, وركوبه إياه هو إقدامه عليه, ولو كان للهول محزم كمحزم الفرس لهزله هذا الراكب.
وقوله:
وفارس الأحمر المكلل في ... طيئٍ المشرع القنا قبله
يعني بالأحمر المكلل: فرس الممدوح, والمكلل الذي عليه إكليل, والمشرع نعت للمكلل, والقنا في موضع خفضٍ بإضافة المشرع إليه, ويجوز أن تجعل القنا في موضع رفعٍ, كما تقول: مررت بالرجل المكرم الأب, كما تقول: مررت بالرجل الحسن الوجه, ويجوز أن يكون الأب في موضع رفعٍ, ويكون التقدير على مذهب البصريين إضمار منه, وعلى مذهب الكوفيين: المكرم أبوه, وإنما تحسن منه هاهنا إذا حملت على المعنى, فكأنه الأب القريب منه. ونصب الأب يجوز على التشبيه بالمفعول به؛ لأنه معرفة لا يجوز حمله على التمييز؛ وإنما جاز أن يكون المشرع نعتًا للمشرع المكلل لرجوع الهاء إليه.
وقوله:
لما رأت وجهه خيولهم ... أقسم بالله لا رأت كفله
هذا المعنى يتردد في الشعر القديم؛ وإنما يريد القائل أن الفارس لا ينهزم فيولي ظهره العدو. وقد عبر الشاعر عنه في هذا البيت بعبارة مستحسنة مأخوذة من قول كعب بن زهير: [البسيط]
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... ومالهم عن حياض الموت تهليل
ومن قول القطامي: [البسيط]
ليست تجرح فرارًا ظهورهم ... وبالنحور كلوم ذات أبلاد
وطيئ يزعم أصحاب النسب أنه سمي بذلك لأنه أول من طوى المناهل, وهذه العبارة
стр. 983
تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون المناهل مرادًا بها الآبار؛ أي هو أول من طوى الآبار بالحجارة. وقد زعم بعض الرواة أن هذا البيت من شعر طيئ واسمه جلهمة, والبيت: [الوافر]
فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويب
وقد ذكر هذا البيت حبيب بن أوس في اختياراته ونسبه إلى رجل يقال له: سنا.
والآخر: أن تكون المناهل الموارد التي ينهل فيها أي يشرب, ويكون معنى طواها: أي جاوز بعضها إلى بعض كما يقال: طوى فلان البلاد إذا سار مرحلتين أو ثلاثًا ولمينزل. ويفسد هذا القول أن: طويت لا همز فيه وطيئ مهمو. ولقائل أن يقول: لما اجتمعت ثلاث ياءاتٍ في أصل الكلمة همزت إحداهن وهي الآخرة. ويروى عن الخليل أنه قال: طيئ من (١٥٨/ب) قولهم: طاء في الأرض إذا ذهب فيها على وزن جاء, فإن صح هذا القول فقد وضح أن اشتقاق طيئ من فعل مهموز.
وقوله:
فأكبروا فعله وأصغره ... أكبر من فعله الذي فعله
أصغره: فعل ماض, والهاء فيه راجعة إلى الفعل الذي فعله الممدوح, والنصف الأول يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون في أصغر ضمير عائد إلى الممدوح؛ فيكون الكلام قد تم, ويكون أكبر خبر مبتدأٍ مقدمٍ؛ كأنه قال لما تم الكلام في النصف الأول: الذي فعله أكبر من فعله.
والوجه الآخر: أن يكون أكبر فاعلًا, وتقديره: احتقر الفعل رجل أكبر من فعله, ويكون قوله: الذي نعتًا لفعله.
стр. 984
وقوله:
القاتل الاصل الكميل فلا ... بعض جميلٍ عن بعضه شغله
القاتل: أي يقتل أعداءه, والواصل: الذي يصل عفاته وسائله وأقربيه, والكميل في معنى الكامل, وينشد للعباس بن مرداس: [المتقارب]
على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للهجر حولًا كميلا
يذكرنيك حنين العجول ... وصوت الحمامة تدعو هديلا
العجول: الناقة التي قد فقدت ولدها بمتٍ أو ذبحٍ.
وقوله:
فواهب والرماح تشجره ... وطاعن والهبات متصله
فواهب على تقدير قوله: فهو واهب, والرماح تشجره أي تطعنه, وإنما يريد أصحاب الرماح؛ يقال: شجره الرجل بالرمح, ثم جعلوا الرمح شاجرًا على المجاز أي يشجر به, كما قيل: ليل نائم أي ينام فيه. وطاعن مؤد معنى: وهو طاعن, والمراد أنه لا تشغله الحرب عن الجود, ولا تشغله الهبات عن القتال.
وقوله:
فكلما آمن البلاد سرى ... وكلما خيف منزل نزله
يقول: هذا الممدوح إذا آمن البلاد لم يمنعه ذلك من سرى الليل طلب المكارم, وغيره إذا آمن بلده أقام. والنصف الأول ضد النصف الثاني, والمعنيان صحيحان؛ لأنه جعل الممدوح إذا آمن البلاد فهو غير تاركٍ للسرى, وزعم أنه كلما خيف منزل نزل فيه.
وقوله:
وكلما جاهر العدو ضحى ... أمكن حتى كأنه ختله
стр. 985
وصفه بأنه لا يغتر العدو كما قال الحارث بن حلزة: [الخفيف]
لم يغروكم غرورًا ولكن ... يرفع الآل جمعهم والضحاء
وصفه بالبأس وحسن الظفر, وأنه إذا جاهر عدوه أمكنه العدو من نفسه حتى كأنه خلته, وليس ثم ختل, وهذا ضد قولهم في المثل: الحرب خدعة.
وقوله:
يحتقر البيض واللدان إذا ... سن عليه الدلاص أو نثله
ذكر الدلاص هاهنا, وربما ذكرت الدرع, قال الراجز: [الرجز]
كأنه في الدرع ذي التغصن
وإذا كان المؤنث ليس حقيقي التأنيث اجترأت العرب على تذكيره. والتأنيث الحقيقي هو الذي يكون معه الولاد والنص, والتأنيث الذي لا حقيقة له كتأنيث الأرض والسماء والنار. ويقال: نثل عليه درعه إذا لبسها, وقيل: إن النثلة والنثرة هي الدرع القصيرة.
وقوله:
قد هذبت فهمه الفقاهة لي ... وهذبت شعري الفصاحة له
الفقاهة: مصدر الفقيه وهو العالم بالشيء الحاذق به, ويروى عن العرب أنهم يقولون: فحل فقيه؛ أي حاذق بالضراب.
وقوله:
فصرت كالسيف حامدًا يده ... ما يحمد السيف كل من حمله
المعنى: أن يد الممدوح يد شجاعٍ, وأنا سيف ماضٍ, فهي تحمدني وأنا أحمدها. واستعار الحمد للسيف الذي يضرب به وإنما يعني شعره. والقافية من المتراكب.
стр. 986
ومن بيتين أولهما قوله:
يا أكرم الناس في الفعال ... وأفصح الناس في المقال
إن قلت في ذا البخور سوقًا ... فهكذا قلت في النوال
وزنهما من البسيط السادس.
وقوله: البخور (١٥٩/أ) بفتح الباء من قولهم: بخر العود وغيره في النار؛ إذا فاحت رائحته وطلع له دخان. والقافية من المتواتر.
ومن التي أولها
لك يا منازل في الفؤاد منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل
وزنها من أول الكامل.
قوله:
يعلمن ذاك وما علمت وإنما ... أولاكما ببكى عليه العاقل
يعلمن ذاك؛ أي منازلك التي في الفؤاد يعلمن بحالك وحالهن؛ فهن أواهل بذكرك وأنت مقفرة من ذكر أهلك, ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد. وأولاكما بأن يبكى عليه العاقل؛ يعني المنازل التي في الفؤاد.
وقوله:
تخلو الديار من الظباء وعنده ... من كل تابعةٍ خيال خاذل
الهاء في قوله: عنده عائدة على الذي, والذي وصلته مراد بها الشاعر. يقول: تخلو الديار من الظباء وعندي من كل ظبيةٍ, تابعةٍ من ظعن, خيال خاذل من قولهم: ظبية خاذلة إذا تخلفت عن صواحبها لأجل ولدٍ معها.
وقوله:
اللاء أفتكها الجبان بمهجتي ... وأحبها قربًا إلي الباخل
стр. 987
يقال: اللاء واللائي بإثبات الياء وحذفها, ويقال للرجال: اللاؤون, وأنشد الفراء: [الوافر]
هم اللاؤون فكوا الغل عني ... بمرو الشاهجان وهم جناحي
وقوله: اللاء يجوز أن يكون نعتًا للظباء, ولا يمتنع أن يكون محمولًا على قوله: من كل تابعةٍ؛ لأن كل قد دلت على معنى الجمع, فإذا حمله على الظباء فاللاء في موضع خفضٍ لأنه نعت, وإذا حمله على كل تابعةٍ؛ فهو بدل معرفةٍ من نكرةٍ. وقوله: أفتكها الجبان بمهجتي؛ أي أفتكها بمهجتي الجبان. يعني أنه مغرم بامرأة وليس للنساء شجاعة الرجال. ولو أمكنه أن يقدم الباء في بمهجتي على الجبان لكان ذلك أوجه؛ ولكنه لم يستقم له الوزن, وأفعل إذا كان للتضعيف لم يعمل. والباء متصلة بأفتك اتصالًا بينًا, وكذلك إذا قلت: مررت بالذين أحبهم فلان إلي؛ فالوجه تقديم إلي على فلان لئلا يفصل بينه وبين أحب.
وقوله:
الراميات لنا وهن نوافر ... والخاتلات لنا وهن غوافل
من عادة الرامي أن يرمي وهو مقابل للمرمي, وهؤلاء النوافر إذا نظرنا إليهن في حال النفار فهن كالرماة الذين يقصدوننا بالرمي وهن مع ذلك نوافر. ووصفهن بالختل وهن غوافل؛ وإنما يعني أنهن يكن سبب الختل ولا ذنب لهن في ذلك؛ وإنما الذنب للمختول الذي جاءه الختل من قبل نفسه.
وقوله:
كافأتنا عن شبههن من المها ... فلهن في غير التراب حبائل
كافأننا: فاعللنا من الكفء وهو من قولهم: فلان كفؤ لفلان وكفيء له, قال الشاعر: [الطويل]
أما كان عباد كفيئًا لدارمٍ؟ ... بلا ولأبياتٍ بها الحجرات
يقول: هؤلاء النساء المشبهات بالظباء كافأننا عن شبههن من بقر الوحش؛ لأن الصادة منا يقتنصوهن؛ فقد كافأننا عنهن؛ إلا أنهن لا ينصبن الحبائل للصيد كما يفعل القناص من بني آدم.
стр. 988
وقوله:
من طاعني ثغر الرجال جآذر ... ومن الرماح دمالج وخلاخل
الثغر جمع ثغرة النحر, وهي الهزمة التي فيه. يقول: من طاعني فيجيء بجمع طاعنٍ على قول من قال: طاعنون وطاعنين؛ لأنه جعل الجآذر من الطاعنين, وهو يريد مؤنثاتٍ؛ فغلب المذكر على المؤنث, وما يعقل على ما لا يعقل. ثم قال: ومن الرماح دمالج وخلاخل؛ أي هن يطعننا بحليهن كما تطعن الفوارس برماحها.
وقوله:
ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل
(١٥٩/ب) قوله: ولذا يشير به؛ أي لذا الشأن ولذا الأمر سميت أغطية العيون جفونًا, لأنها تعمل عمل السيوف؛ وإنما قيل لغمد السيف: جفن من قولهم: جفن نفسه عن كذا إذا منعها منه, قال الراجز: [الرجز]
جمع مال الله فينا وجفن ... نفسًا عن الدنيا وللدين فطن
وإنما قيل: جفنة الطعام لأنها تجمعه, قال الشاعر: [الطويل]
نجا سالم والنفس منه بشدقه ... ولم ينج إلا جفن سيفٍ ومئزراً
وقال الفرزدق: [الطويل]
وغمد سلاحٍ قد رزئت فلم أبل ... لذاك ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جفنه من دارمٍ ذو حفيظةٍ ... لو ان المنايا أنسأته لياليا
وكانت امرأة له ماتت وهي حامل.
стр. 989
وقوله:
كم وقفةٍ سجرتك شوقًا بعدما ... غري الرقيب بنا ولج العاذل
سجرتك: أي ملأتك من قولهم: بحر مسجور, وذهب إلى حرارة الشوق تشبيهًا بسجار التنور.
وقوله:
دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقهما وضم الشاكل
نصب ناحلين على الحال من النون والألف في قوله: بنا؛ لأنه يعني نفسه والتي ذكرها في النسيب. والشكلة الواقعة في الإعراب هي من: شكلت الدابة بالشكال لأنه يضبط الدابة, وكذلك الشكلة تضبط الحرف وتبين حاله. وضم هاهنا لا يريد به الضم الذي هو شكل؛ وإنما أراد ضم شكلة النصب إلى مثلها. يريد أنه والمذكورة قد دنا أحدهما من الآخر؛ إلا أنهما دون التعانق لم يصلا إليه.
وقوله:
جمح الزمان فما لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل
جمح الفرس إذا غلب فارسه على رأسه, وفي الكتاب العزيز: ﴿وهم يجمحون﴾ , فسروه: يسرعون, وهو راجع إلى المعنى الأول, فكأن الجماح إسراع في عصيانٍ لما يريده الراكب أو غيره.
وقوله:
حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ ... يته المنى وهي المقام الهائل
كان بعض أهل العلم يجعل تمام نصف البيت الأول قبل أن تتم الكلمة كالعيب في المنظوم, وإنما يقل ذلك في الأوزان الطوال؛ فأما في الأوزان الخفيفة فهو كثير كقول الأعشى: [الخفيف]
حل أهلي ما بين درنا فبادو ... لى وحلت علويةً بالسخال
стр. 990
وكقوله: [الخفيف]
إن يعاقب يكن غرامًا وإن يعـ ... ـط جزيلًا فإنه لا يبالي
وقد تقدم ذكر هذا في أول الكتاب. والمعنى: أن الزمان جمح فما تخلص اللذة من أذى يشوبها به الدهر, ولا يكمل للإنسان سرور. وزعم أن ذلك في كل الأشياء حتى أبو الفضل, وهو الممدوح, رؤيته أماني الناس, وإذا وصلوا إليها نغصتها عليهم الهيبة, وما يشاهدون من هول المنظر.
وقوله:
ممطورة طرقي إليها دونها ... من جوده في كل فج وابل
الهاء في إليها راجعة إلى رؤيته, وكذلك الهاء في قوله: دونها, والفج: الطريق الواسع.
وقوله:
ولديه ملعقيان والأدب المفا ... د وملحياة وملممات مناهل
ما علمت بيتًا حذفت منه نون مع لام المعرفة ثلاث مرات إلا في هذا البيت. والعقيان: الذهب الخاص, ويقال: هو الذهب الذي يخرج من المعدن, قال الشاعر: [الرمل]
كل قومٍ خلقوا من آنكٍ ... وبنو العباس عقيان الذهب
وقوله:
لو لم يهب لجب الوفود حواله ... لسرى إليه قطا الفلاة الناهل
يقال: هم حوله وحوليه وحواليه, وهم أحواله, ونصب ذلك كله على الظرف, والعامل فيه فعل مضمر كأنه قال: حضروا حواله أو نحو ذلك, والعرب تنشد رجزًا تنسبه إلى الضب, وقد أنشده سيبويه في كتابه وهو: [الرجز]
стр. 991
أهدموا دارك لا أبا لكا
وزعموا أنك لا أخا لكا
وأنا أمشي الدألى حوالكا
الدألى: مشي سريع, وقال كعب بن زهير في تثنية حوالٍ: [البسيط]
يسعى الوشاة حواليها وقيلهم ... إنك يا بن أبي سلمى لمقتول
وقال امرؤ القيس في جمع حول: [الطويل]
فقالت سباك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي
وقال النابغة: [الكامل]
حولي بنو دودان لا يعصونني ... وبنو بغيضٍ كلهم أنصاري
وليس في الظروف الجارية مجرى حول مثل: أمام وفوق وتحت ما جاء مثنى ومجموعًا في الشعر الفصيح إلا حولك وحوال. ويعني بلجب الوفود ارتفاع أصواتهم واختلاطها؛ يقول: لو لم يفزع القطا الناهل؛ أي العطشان؛ لجب الوفود فيذعره لسرى إلى جود الممدوح لكي يرده.
وقوله: (١٦٠/أ)
يدري بما بك قبل تظهره له ... من ذهنه ويجيب قبل تسائل
حذف أن في قوله: قبل تظهره وقبل تسائل, وحذفها رديء, وهو في الشعر جائز.
وقوله:
وتراه معترضًا لها وموليًا ... أحداقنا وتحار حين يقابل
стр. 992
معنى البيت أن الممدوح إذا اعترض لعيوننا أو كان موليًا عنها رأته, فإذا قابلها مواجهةً حارت من نوره فلم تره.
وقوله:
كلماته قضب وهن فواصل ... كل الضرائب تحتهن مفاصل
فواصل أي يفصلن الضريبة, وهن في معنى فواصل؛ أي قواطع, والمفاصل جمع مفصلٍ, وكل موصل عظمين في بدن الإنسان فهو مفصل, فأما المفاصل في قول الهذلي: [الطويل]
وإن حديثًا منك لو تعلمينه ... جنى النحل في ألبان عوذٍ مطافل
مطافيل أبكارٍ حديثٍ نتاجها ... تشاب بماءٍ مثل ماء المفاصل
فالمفاصل هاهنا: مواضع تفصل بين الصخور, فيكون فيها ماء بارد. وإذا صادف السيف مفصلًا كان أمضى منه إذا لم يصادفه؛ فإذا أصاب المفصل قيل: طبق, وإذا أصاب العظم قيل: صمم.
وقوله:
هزمت مكارمه المكارم كلها ... حتى كأن المكرمات قبائل
وقتلن دفرًا والدهيم فما ترى ... أم الدهيم وأم دفرٍ هابل
يقول: مكارم الممدوح هزمت مكارم الناس؛ فكأنها قبيلة غلبت القبائل. وقتلن دفرًا؛ يعني: قتلن دفرًا الذي تكنى به الدنيا؛ فيقال لها: أم دفرٍ, وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من الدفر الذي هو كراهة الرائحة.
والآخر: أن يكون من الدفر الذي هو دفع؛ يقال: دفرت الرجل إذا دفعته, أي هي تدفع الناس فتخرجهم منها.
والدهيم من أسماء الداهية, ويقال: إن أصل ذلك من أن ناقةً كانت تسمى الدهيم, وهي ناقة عمرو بن الزبان, وكان له بنون جماعةً فقتلوا وحملت رؤوسهم على الدهيم, وخليت الناقة فذهبت إلى البيت الذي كانت قد اعتادت الرواح إليه, وعمرو بن الزبان
стр. 993
جالس فيه, فرأت الناقة أمه له, وجست الرؤوس من ظاهرٍ وهي لا تعلم ما هي, فقالت: لقد جنى بنوك الليلة بيض نعام, فضربت العرب بها المثل في النكد والشؤم؛ فقالوا: صبحتهم الدهيم وصبحهم حمل الدهيم قال الكميت: [الطويل]
أهمدان مهلًا لا يصبح بيوتكم ... بأفعالكم حمل الدهيم وما تزبي
تزبي: أي تحمل؛ يقال: زباه إذا حمله. وكان أبو الفتح بن جني, ﵀, يذهب إلى أن نصف البيت الأول يتم فيه الكلام, ويجعل قوله: أم الدهيم ابتداءً, ويجعل هابلًا خبرًا لأم دفر أو لأم الدهيم؛ فكأنه قال: أم الدهيم هابل وأم دفرٍ كذلك, فاكتفي بأحد الخبرين.
وأوجه من هذا, والله أعلم, أن يكون النصف الآخر متعلقًا بالنصف الأول, وترفع أم الدهيم لأنها اسم ما لم يسم فاعله, وتكون الواو في قوله: وأم دفرٍ عاطفةً جملةً على جملةٍ, وأم دفرٍ مرفوعة بالابتداء. وهابل أي ثاكل, ومعروف في كلام العرب أنهم يسمون الداهية: الدهيم مرةً وأم الدهيم أخرى.
وقوله:
علامة العلماء واللج الذي ... لا ينتهي ولكل لج ساحل
يقال: رجل علامة ونسابة أدخلوا الهاء للمبالغة, وليس قولهم العلامة كقولهم: شفرة هذامة؛ لأن الشفرة مونثة, قال الراجز: [الرجز]
ويل لأحمال بني نعامه ... منك ومن شفرتك الهذامه
أي القاطعة.
إذا ابتركت وحفرت قامه ... ثمطرحت الفرث والعظامه
стр. 994
أدخل الهاء في العظام كما قالوا: بكارة في جمع بكرٍ.
يقول الشاعر: علامة العلماء أي هو أعلمهم, وكأنه في الجود لج, واللج معظم الماء, ولا ساحل لهذا اللج؛ أي ليس له منتهى, ولكل لج ساحل ينتهي إليه.
وقوله:
لو طاب مولد كل حي مثله ... ولد النساء وما لهن قوابل
نصب مثله على تقدير قوله: لو طاب مولد كل حي مثل طيب مولد هذا الرجل؛ لولد النساء ولا قوابل لهن, لأن أمرهن كان يتيسر. وهذا الكلام يؤدي إلى أن الممدوح ادعى له الشاعر أنه لما ولد لم يحتج إلى قابلةٍ, وهي التي تقبل المرأة عند الولادة أي تكون قدامها, قال الشاعر وهو حاتم الطائي: [الطويل]
هلموا إلى العزى فإن كنت ربكم ... أنبتم وإلا لم يقل فيك قائل
وإن كانت الأخرى فبوؤوا بصرخةٍ ... كصرخة حبلى أسلمتها القوابل
وقوله: (١٦٠/ب):
أو بان بالكرم الجنين بيانه ... لدرت به ذكر أم انثى الحامل
الجنين هاهنا الذي في بطن أمه, وهو فعيل بمعنى مفعولٍ؛ لأنه من جننت الشيء إذا سترته, فأما قول عمرو بن كلثوم: [الوافر]
ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعةٍ إلا جنينا
فالجنين يحتمل أن يكون الدفين والذي في بطن أمه. وقوله: ذكر: أراد همزة الاستفهام
стр. 995
فحذفها للضرورة؛ كأنه قال: أذكر أم أنثى. وألقى حركة أنثى على ميم أم فحذف همزة الاستفهام ضرورةً وهمزة أنثى؛ لأنه نقل حركتها إلى ميم وليس ذلك بضرورةٍ؛ لأن بعض القراء قد استعمل ذلك في الكتاب العزيز استعمالًا كثر؛ إلا أن ترك النقل أكثر في الشعر.
وقوله:
ليزد بنو الحسن الشراف تواضعًا ... هيهات تكتم في الظلام مشاعل
كان لهذا الممدوح, فيما قيل, نسب في ولد الحسن بن علي ﵉, فقال الشاعر: ليزد بنو الحسن الشراف تواضعًا؛ يأمرهم بالزيادة في التواضع؛ لأنهم كلما زادوا فيه ظهر شرفهم؛ فهم يتواضعون لإخفاء نسبهم وهو لاينكتم, كما أن المشاعل لا تنكتم في الظلام. وحذف أن في قوله: تكتم, ولو أن الكلام غير منظومٍ لكان الوجه أن يقول: هيهات أن تكتم.
وقوله:
ستروا الندى ستر الغراب سفاده ... فبدا وهل يخفى الرباب الهاطل
فتح السين في «سترٍ» الوجه, لأنه المصدر وهو أولى بالعمل فيما بعده, وإن كسرت السين لم يكن إلى النصب سبيل إلا بإضمار فعلٍ يدل عليه لفظ الستر. وفتح السين أيسر وأسهل. ويقال: إن الغراب يكتم سفاده. وحدث رجل يوثق به في مثل هذا الحديث, أنه رآه يسفد, وأن الأنثى تنفرش له على ظهرها, ولا يسفد كما تسفد الطير.
وقوله:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
جخفت: أي تكبرت وفخرت, وفي الكلام تقديم وتأخير؛ كأنه قال: جفخت بهم شيم وهم لا يجفخون بها. وذكر الصاحب ابن عبادٍ هذه الكلمة في الرسالة التي عاب فيها أبا الطيب, وإنما أنكر لفظ الكلمة.
وقوله:
يا افخر فإن الناس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل
يا افخر أراد: يا ممدوح افخر, والعرب تحذف المنادى بعد يا كثيرًا, قال العجاج: [الرجز]
стр. 996
يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي ... بسمسمٍ وعن يمين سمسم
والنحويون ينشدون هذا البيت: [البسيط]
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والطيبين على سمعان من جار
أراد: يا قوم لعنة الله.
وقوله:
أثني عليك ولو تشاء لقلت لي ... قصرت فالإمساك عني نائل
بالغ أبو الطيب في هذه القصيدة وأكثر من تفضيل الممدوح, ولو أن الموصوف قال لأبي الطيب: قصرت لكان مبطلًا لا محالة. وادعى الشاعر أن إمساك الممدوح عن قوله: قصرت نائل على سبيل المبالغة.
وقوله:
ما نال أهل الجاهلية كلهم ... شعري ولا سمعت بسحري بابل
ذكر أن الجاهلية لم ينالوا مثل شعره, وادعى السحر وأن بابل لم تسمع بمثل سحره. ولما ذكر هاروت وماروت في الكتاب العزيز وذكرت معهما بابل, صارت يضرب بها المثل في السحر. وليس لبابل اشتقاق في العربية لأنها من البيل وهو مهمل.
وأصحاب الكتب القديمة كاليهود ومن ابتعهم يذكرون أن قومًا اجتمعوا البناء صرحٍ يبلغون به إلى السماء؛ فأصبحوا وقد تبلبلت ألسنتهم؛ أي افترقت, وكانوا قبل ذلك
стр. 997
يتكلمون بلسانٍ واحد, وأن سبب اختلاف الأسن هو هذا الحديث. والمعقول يشهد بأنه كذب, وبابل ليس من لفظه البلبلة فيشتق منه.
وقوله:
من لي بفهم أهيل عصرٍ يدعي ... أن يحسب الهندي فيهم باقل
تردد في شعر أبي الطيب لفظ التصغير, ولم يكثر ذلك في شعر غيره مثل كثرته في ديوانه. وحديث باقل مشهور ويجب أن يذكر هاهنا. ويقال: إنه اشترى ظبيًا فقيل له: بكم اشتريته, وكان حاملًا للظبي, فبسط يديه للسائل وأخرج لسانه؛ أراد أن يعلمه أنه اشتراه بعشرة دراهم بعدد أنامله وبدرهمٍ دل عليه بإخراج لسانه, وكان يغنيه عن ذلك أن يقول: بأحد عشر درهمًا. وزعموا أن الظبي انفلت منه. وقد عاب بعض الناس أبا الطيب لما جعل باقلًا ينسب إلى حساب الهند؛ لأنه لا يوصف بذلك؛ وإنما يوصف بالعي, وقد ذكرت ذلك الشعراء. وكان حميد الأرقط الراجز معروفًا بهجاء الأضياف, رويت له هذه الأبيات في صفة ضيفٍ: [الطويل]
أتى يخبط الأطناب والليل دامس ... يسائل عن غير الذي هو آمل
فقلت لها قومي إليه فيسري ... طعامًا فإن الضيف لا بد نازل
يقول وقد ألقى المراسي للقرى ... أبن لي ما الحجاج بالناس فاعل
فقلت لعمري ما لهذا طرقتني ... فكل ودع الحجاج ما أنت آكل
أتانا وما داناه سحبان وائلٍ ... بيانًا وعلمًا بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل
стр. 998
(١٦١/أ) وقوله:
الطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
الطيب مبتدأ, وأنت مبتدأ ثانٍ, وطيبه خبر أنت, والتقدير: الطيب أنت طيبه إذا أصابك, والماء معطوف على الطيب, وأنت مبتدأ والغاسل خبر أنت, وهو على تقدير الهاء كأنه قال: والماء أنت الغاسله إذا اغتسلت. والقافية من المتدارك.
ومن التي أولها
أبعد نأي المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل
وزنها من أول المنسرح.
يقول: أبعد نأي المليحة بخلها؛ لأنها إذا بخلت وهي الدانية فكأنها بعيدة الدار, وقد بين ذلك بقوله: في البعد ما لا تكلف الإبل؛ أي إن البعد قد يكون بالهجر كما يكون بالفراق.
وقوله:
كأنما قدها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل
يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنه من فراقها وجل
يقول: ردفها ثقيل فإذا انفتلت اضطرب قدها فكأنه سكران من خمر طرفها, وقد بان الغرض في البيت الثاني لأنه قال: يجذبها عجز, ووصفه بالاضطراب؛ لأن خصرها يضعف عن حمله؛ فكأنه وجل من فراقها فهو يرعد لشدة الوجل.
وقوله:
بصارمي مرتدٍ بمخبرتي ... مجتزيء بالظلام مشتمل
السيف عند العرب رداء وقد مر. قال الشاعر: [المتقارب]
وداهيةٍ جرها جارم ... جعلت رداءك فيها خمارا
стр. 999
أي ضربت به وجه قرنك فجعلته كالخمار له. ويقال: فلان جيد المخبرة إذا كان خبيرًا بالشيء. والاشتمال في هذا البيت هو من شمله الشيء إذا عمه. فأما الشملة فكساء صغير لا يعم الجسد والجمع شمال, قال الراعي النميري: [الوافر]
من يك شاتيًا ويكن أخاه ... أبو الضحاك يتسج الشمالا
وقوله:
في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلادٍ من أختها بدل
الخافقان جانبا الهواء سميا بذلك لأن الريح تخفق فيهما؛ فكل واحد منهما مخفوق فيه, وهو مثل قولهم: ليل نائم؛ أي ينام فيه. وإذا أظهرت النون في قوله: من أختها تبينت الغريزة شيئًا في وزن البيت؛ وهو ساكن في موضع نون من, وثبات هذا الساكن هو الأصل عند الخليل, وعند سعيد بن مسعدة أن سقوطه أصل وأن ثباته فرع.
وإذا ألقيت حركة الهمزة على النون ذهب ما في البيت مما ينكره الطبع, وكانت النون كأنها ساقطة؛ لأنك لو قلت: م أختها بدل؛ فحذفت النون لاستقام الوزن. ونقل حركة الهمزة إلى ما قبلها لغة فصيحة حجازية, وقد رواها روش عن نافعٍ في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز.
وقوله:
وفي اعتماد الأمير بدر بن عما ... رٍ عن الشغل بالورى شغل
في هذا البيت حرف ساكن يذهب الخليل إلى أن ثباته هو الأصل, ويزعم سعيد بن مسعدة أن أصله السقوط, وهو الباء من ابن؛ فإذا حذفت كان حذفها أقوم لوزن البيت في
стр. 1000
الغريزة, ومثل هذا من شعر العرب قوله:
وفتيةٍ كالنجوم نادمتهم ... ما فيهم عاجز ولا وكل
وقولهك
أصبح مالًا كماله لذوي الـ ... حاجة لا يبتدي ولا يسل
خفف همزة يبتدي, وتخفيفها ضرورة عند قوم, وترك الهمز في مثل هذا الموضع عند آخرين قياس مطر. والمعنى: أن هذا الرجل أصبح مالًا للعفاة كما أن ماله لهم, فهم يأخذون ماله متى أرادوه لا يسألونه فيه ولا هو يبتدئهم بالعطاء؛ لأن أمره إليهم, وإذا عرضت لهم حاجة نهض فيها؛ فكأنه مال لهم يصرفونه على ما يريدون.
وقوله:
تعرف في عينه حقائقه ... كأنه بالذكاء مكتحل
يقول: هذا الممدوح إذا نظر الإنسان إلى عينه عرف حقائق أمره؛ فكأن الناظر إليه يستفيد الذكاء من عينه فيعرف خفيات أموره.
وقوله:
أشفق عند اتقاد فكرته ... عليه منها أخاف يشتعل
قد تكرر في شعر أبي الطيب مواضع تحذف فيها أن, ومنها قوله: أخاف يشتعل؛ أي أن يشتعل, وأكثر العرب يفتحون همزة أخاف, و "قيس" إذا كان الفعل الماضي على فعلت كسروا أول المضارع مع الهمزة والنون والتاء, وفتحوها مع الياء. وحكى الفراء أن بعض كلبٍ تكسر في الياء, فقيس تقول: إخاف ونخاف وتخاف ويفتحون يخاف, والكلبيون يكسرون في الحروف الأربعة. وقد قرئ بهذه اللغة في الكتاب العزيز, قرأ يحيى بن وثاب (١٦١/ب): ﴿إن تكونوا تيلمون فإنهم يألمون كما تيلمون﴾ , وكذلك قرأ: ﴿فتمسكم النار﴾ ,
стр. 1001
وإذا جاوز الفعل الأربعة كسروا أول مستقبل إلا في الياء, وقرأ بعضهم: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾.
وقوله:
يقبلهم وجه كل سابحةٍ ... أربعها قبل طرفها تصل
هذا إسراف في المبالغة يخرج إلى الكذب الذي لا يجوز أن يكون مثله؛ ومع هذا فإن القوائم إذا وصلت قبل الطرف فقد وصف النظر بالضعف.
وقوله:
جرداء ملء الحزام مجفرةٍ ... تكون مثلي عسيبها الخصل
الجرداء: القليلة الشعر القصيرته, وذلك مما توصف به الخيل. ومجفرة: عظيمة الجنبين. والعسيب: أصل الذنب, ويحمد في الفرس قصير العسيب وطول شعر الذنب, فلذلك قال: تكون مثلي عسيبها الخصل؛ أي خصل الشعر. واستعملوا العسيب في الخيل والإبل وربما استعمل في الإنس.
وقوله:
إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت مالها كفل
هذا يحمد من صفات الخيل؛ لأن الفرس إذا أقبلت فرئيت مرتفعة العنق فذلك أحمد لها, وإذا ولت حمد كفلها أن يكون مشرفًا. وفي كلام ينسب إلى ابن أقيصر, وكان من أعرف العرب بالخيل, في صفة فرس: «إذا أقبل ربا وإذا أدبر حبى» , أي كأنه ينكب لارتفاع كفله.
وقوله:
سارٍ ولا قفر من مواكبه ... كأنما كل سبسبٍ جبل
يقول: قد ملأ الأرض بجيوشه فكأن السباسب جبال. والموكب: يقال للجماعة الركبان من الثلاثين إلى الأربعين ونحو ذلك, ويدل قول القطامي: [الطويل]
وقمت إلى مهريةٍ قد تعودت ... يداها ورجلاها خبيب المواكب
стр. 1002
على أن الموكب يستعمل في ركبان الإبل. وزعم بعضهم أن الوكب كثرة الوسخ, ويجوز أن يكون الموكب من هذا؛ لأنه يثير الغبار فيؤدي ذلك إلى وسخ الجسد واللباس.
وقوله:
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل
كان بعض أهل الأدب ينكر قوله: يا رجل في هذا البيت ويستضعفه, وليس كما زعم, وإنما وصف الشاعر أنه بدر وبحر وغمامة وليث شرى وجعله حمامًا, وهو مع ذلك كله, وهذه الخلائق المجتمعة فيه, رجل واحد. وكثير من العرب يخفف جيم الرجل فيقال: فلان نعم الرجل, وهذا قياس مطرد فيما ثانيه مضموم أو مكسور, قال الراجز: [الرجز]
رجلان من ضبة أخبرانا ... أنا رأينا رجلًا عريانا
وقوله:
قلوبهم في مضاء ما امتشقوا ... قاماتهم في تمام ما اعتقلوا
يقال: امتشق السيف إذا استله بسرعةٍ, والمشق: الطعن السريع, قال ذو الرمة: [البسيط]
فكر يطعن مشقًا في جواشنها ... كأنه الأجر في الأقتال يحتسب
ويروى: في الإقبال. وشبه قاماتهم بالرماح؛ لأن العرب تصف بالطول وتذم القصر, قال الشاعر: [الطويل]
تبين لي أن القماءة ذلة ... وأن أشداء الرجال طوالها
ويروى طيالها. وقال آخر: [المتقارب]
نشدتك بالله هل تعلميـ ... ـن أني طويل وأني حسن
стр. 1003
وقال آخر في ذم القصر: [الوافر]
كأنهم كلى بقر الأضاحي ... إذا قاموا حسبتهم قعودا
وقوله:
أنت نقيض اسمه إذا اختلفت ... قواضب الهند والقنا الذبل
أنت لعمري البدر المنير ... ولكنك في حومة الوغى زحل
كأن البدر من شأنه أن يوصف بالنور ويهتدي به الناس في الأسفار؛ فزعم أن هذا الرجل في الحرب يصير نقيض اسمه؛ لأنه يقتل الناس ويثير الغبار بالخيل, فتظلم عليهم الأرض, ويكون فعله في الحرب نقيض فعل البدر في الظلم. ثم ذكر في البيت أنه البدر المنير, ولكنه زحل في موقف الحرب؛ لأنه زحل يزعم المنجمون أنه في صورة الأسود وهو بطيء السير؛ فكأن هذا الرجل الذي هو كالبدر المنير في الحرب زحل؛ لأنه لا يسير سيرًا سريعًا (١٦٢/أ) إذ كان القمر يوصف بسرعة السير. وهو كوكب نحسٍ يكثر الهلكة, وبعض الناس يذهب إلى أن زحل ملك الموت. وزحل مثل عمر لا ينصرف إلا عند ضرورة وقد مر ذكره.
وقوله:
قصدت من شرفها ومغربها ... حتى اشتكتك الركاب والسبل
في هذا البيت مبالغتان:
أحداهما: يجوز أن يكون مثلها, وهي ادعاؤه أن الركاب تشتكي الممدوح من كثرة ما تركب إليه؛ فهذا يجوز مثله؛ لأنها إذا صارت أنضاءً وأخذ منها السير فكأنها تشتكيه.
والأخرى: ادعاؤه أن السبل تشتكيه, أي الطرق, فهذا لا يمكن أن يكون.
وقوله:
لم تبق إلا قليل عافيةٍ ... قد وفدت تجتديكها العلل
عذر الملومين فيك أنهما ... آسٍ جبان ومبضع بطل
يقول: وهبت مالك وغيره حتى كأنك وهبت أكثر صحتك, فلم يبق إلا عافية قليلة,
стр. 1004
قد وردت تسألك أن تهبها لعل العلل. وقول الناس العافية من قولهم: عفا الشيء, إذا كثر, كأن الجسم يكثر بها, وتحسن حاله, ويجوز أن تكون من قولهم: أعطاه عطاءً عفوًا أي سهلًا؛ أي عيشها عيش سهل؛ فيكون المعنى أن هذه الحالة يسهل العيش فيها.
وكان بدر بن عمار احتاج إلى الفصد فأحضر آسيًا, أي طبيبًا, فلحق الطبيب جبن لهيبته الممدوح فغرق المبضع في اللحم؛ فأدى ذلك إلى شكاة بدر بن عمار. واعتذر أبو الطيب للآسي والمبضع؛ فذكر أن الآسي جبن لفرط الهيبة, وأن المبضع لما عجز الطبيب عن تدبيره كان كالبطل؛ أي الشجاع فوصل إلى موضعٍ لا يجب أن يصل إليه. والمبضع مأخوذ من قولك: بضع الشيء إذا شقه, ويجوز أن يكون مبضع الفصاد سمي مبضعًا لأنه يدخل في بضيع الإنسان أي لحمه.
وقوله:
خامره إذ مددتها جزع ... كأنه من حذاقةٍ عجل
خامره أي خالطه, وأصل الخمر في اللغة تغطية الشيء, ويقال للذي يساتر وينافق: مخامر؛ كأنه يساتر صاحبه. وقيل: خامره أي خالطه؛ لأن كل واحد من الخليطين يستتر بالآخر.
وقوله:
أبلغ ما يطلب النجاح به الطبع وعند التعمق الزلل
أصل التعمق من قولهم: بئر عميقة أي بعيدة القعر, وهي بينة العمق والعمق. وقيل: تعمق في الشيء إذا بالغ في طلبه؛ كأنه من اجتهاده نزل في بئرٍ عميقة.
وقافية هذه القصيدة من المتراكب.
ومن التي أولها
بقائي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا
وزنها من أول الوافر.
بقائي شاء أي أراد أن يرتحل عني وهم لم يشاؤوا الرحيل, وهذه دعوى لأنهم قد شاؤوا الرحيل لا محالة. وادعى أنهم زموا حسن الصبر, واستعار لهم الزم وأصله للإبل, وقد جاء في
стр. 1005
الحديث عن بعض الصحابة: «ما تكلمت بكلمةٍ منذ كذا حتى أزمها وأخطمها»؛ فاستعار الزمام للكلمة. وكل شيء منعته من التصرف فقد زممته. وزعم أنهم لم يزموا الإبل, وتلك دعوى ليست بالصحيحة؛ لأن أصحاب الإبل إذا ارتحلوا فلابد لهم من الأزمة.
وقوله:
تولوا بغتةً فكأن بينًا ... تهيبني ففاجأني اغتيالا
يقال: بغته إذا جاءه فجاءةً, وذكر أن البين كأنه تهيبه ففجأه مغتالًا. ومجيئه بهذا الكلام بعد كأن قد خلص لفظه من أن يكون كذبًا.
وقوله:
فكان مسير عيرهم ذميلًا ... وسير الدمع إثرهم انهمالا
العير: الإبل الحاملة, وقد يكون عليها ناس أو غيرهم, قال النابغة: [البسيط]
ودع أمامة والتوديع تعذير ... وما وداعك من قفت به العير
أي من ذهبت به, وقفت فعلت من قفوت, ومعنى قفت العير: أي تبعت آثار غيرها.
وقوله:
كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخاتٍ فلما ثرن سالا
يقول: كأن العيس كانت مناخاتٍ فوق جفن عيني فهي مانعة له أن يسيل, فلما ثرن فاض بالدمع. ودخول (١٦٢/ب) كاف التشبيه قد خلص اللفظ من الكذب.
وقوله:
وحجبت النوى الظبيات عني ... فساعدت البراقع والجلالا
النوى: نية القوم, ثم سمي البعد نوى؛ لأن الظاعنين ينوونه, والبراقع جمع برقعٍ, وفيه ثلاث لغات: برقع وبرقع وبرقوع, وبرقع بفتح القاف بناء لم يذكره سيبويه. وقال الشاعر: [الطويل]
وخد كبرقوع الفتاة ملمعٍ ... وروقين لما يعدوا أن تقشرا
стр. 1006
ويجوز أن يكون الذي زاد الواو في البرقع جاء بها ضرورةً لإقامة الوزن, ولو لم يجئ بالواو لكان في البيت زحاف. وهذا الضرب من الزحاف يتساوى في حذف حرفٍ ساكنٍ, ويكون في بعض الأبيات أحسن منه في غيره, ويجب أن يكون ذلك لأجل حروف الكلمة, وإذا حذفت الواو من برقوعٍ في البيت المتقدم ذكره نفر منه الطبع أكثر من نفاره من قول امرئ القيس: [الطويل]
إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
وكلا الزحافين فيما سقط واحد. والجلال ما جلل به الهودج وغيره, وهو هاهنا اسم واحد يجري مجرى الغطاء والوقاء, وهو في غير هذا الموضع: جمع جل يراد به جل الدابة, وهذا البيت يروى لطليحة بن خويلد الأسدي: [الطويل]
فيومًا تراها في الجلال مصونةً ... ويومًا تراها غير ذات جلال
وقوله:
وضفرن الغدائر لا لحسنٍ ... ولكن خفن في الشعر الضلالا
وصفهن بكثرة الشعر وأنهن ضفرن الغدائر لا ليتحسن بذلك, ولكن خفن أن يضللن في الشعر, أي يغبن, من قوله تعالى: ﴿أئذا ضللنا في الأرض﴾ , أي غبنا, وهذه مبالغة في الصفة إذا صحت للمرأة كانت عيبًا مكروهًا, وقد وصفت الشعراء الشعر بالكثرة؛ ولكنها لم تفرط في ذلك مثل هذا الإفراط, وهذا البيت يروى لابن المعتز: [المنسرح]
стр. 1007
دعت خلاخيلها ذوائبها ... فجئن من قرنها إلى القدم
وقوله:
بجسمي من برته فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤةٍ لجالا
لأبي الطيب مبالغة في وصف النحول لم يسبقه إليها شاعر فيما أعلم ومن أحسنها قوله:
أراك ظننت السلك جسمي فعقته ... عليك بدر عن لقاء الترائب
وقوله:
ولولا أنني في غير نومٍ ... لبت أظنني مني خيالا
تقول العرب: ظننتني وعلمتني وخلتني, ولم يرو عنهم: ضربتني؛ كأنهم لما كان الفعل يتعدى إلى مفعولين اتسعوا في أحدهما لقوة تعديه, وقالوا: عدمتني فكانت هذه الكلمة من الشواذ, قال جران العود النميري: [الطويل]
لقد كان لي في ضرتين عدمتني ... وما أنا لاقٍ منهما متزحزح
وقوله: أظنني مني خيالًا لا يناسب قوله في الأخرى:
كانت إعادته خيال خياله
وقوله:
بدت قمرًا ومالت غصن بانٍ ... وفاحت عنبرًا ورنت غزالا
المنصوبات في هذا البيت نصبها على الحال, والخوط: القضيب, وجمعه: خيطان, كما يقال: كور وكيران, وحوت وحيتان.
وقوله:
أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا
стр. 1008
هذا البيت حث على الزهر في الدنيا الخادعة, ونهي لمن رزق شيئًا منها عن السرور بما رزق؛ لأنه يعلم علم ضرورة أنه مأخوذ منه.
وقوله:
ألفت ترحلي وجعلت أرضي ... قتودي والغريري الجلالا
زعم أنه قد ألف ترحله, وجعل أرضه التي يألفها ويرقد عليها قتود رحله؛ أي أعواده وهي جمع قتد. والغريري: جمل منسوب إلى بني غرير, وهم قوم من العرب توصف إبلهم بالنجابة, قال ذو الرمة: [الوافر]
نجائب من نتاج بني غريرٍ ... من العيدي قد ضمرت كلالا
ضمرت أي قد أمسكت الجرر في أفواهها. وفي شعر حبيب بن أوس بيت يدل على أن غريرًا فحل من فحول الإبل وهو قوله: [مخلع البسيط]
قد ضج من فعلهم جديل ... لنسله واشتكى غرير
والذي دل عليه شعر ذي الرمة أن بني غريرٍ قوم من العرب يقال إنهم من بني الحارث بن كعب. (١٦٣/أ) والجلال: الخيار من الشيء.
وقوله:
فما حاولت في أرضٍ مقامًا ... ولا أزمعت عن أرضٍ زوالا
يقول: أنا سائر طول دهري, فلم أحاول مقامًا في أرض. وأصل المحاولة أن تكون من اثنين؛ فكأنه نفى عن نفسه محاولة أرضٍ على المقام فيها, أو محاولة أهلها على ذلك.
والمحاولة يجوز أن تكون مأخوذةً من الحول وهو القوة, ومن قولهم: حوله وحواليه, وأزمعت الشيء: إذا أردته وعزمت عليه, قال عنترة: [الكامل]
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليلٍ مظلم
والاسم من أزمعت: الزماع بفتح الزاي, وقد حكيت بالكسر.
стр. 1009
وقوله:
على قلقٍ كأن الريح تحتي ... أوجهها جنوبًا أو شمالا
إذا استقبل الرجل مطلع الشمس؛ فالجنوب من الرياح تجيء عن يمينه, والشمال تهب عن شماله.
وقوله:
إلى البدر بن عمار الذي لم ... يكن في غرة الشمس الهلالا
حذف التنوين من عمارٍ على معنى الضرورة, وقد مر مثله. وزعم أن هذا المسمى بدرًا لم يكن قط هلالًا بل خلق كاملًا لا انتقاص فيه. والهلال عندهم في الثلاث الأولى من الشهر, ثم يسمى قمرًا إلى أن يبدر, فإذا أخذ في النقصان وتبين ذلك فيه عبرت عنه العرب بقميرٍ, قال ابن أبي ربيعة: [الطويل]
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروح رعيان ونوم سمر
ولا يمتنع أن يسمى الهلال إذا زاد عن الأهلة: قميرًا؛ إلا أن الذي سمع أنهم يجعلونه قميرًا في آخر الشهر, قال ابن أبي ربيعة: [الخفيف]
وقمير بدا ابن خمسٍ وعشرين له قالت الفتاتان قوما
وفي هذا البيت زحاف لا تنكره الغريزة وهو سقوط أربع حركات في أربعة مواضع, ومثله قول القائل: [الوافر]
تصد الكأس عنا أم عمروٍ ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وكذلك قوله: [الوافر]
أبا هندٍ فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
стр. 1010
وقوله:
بلا مثلٍ وإن أبصرت فيه ... لكل مغيبٍ حسنٍ مثالا
يقول: إن هذا الممدوح ليس له في العالم نظير, لأنه قد أعطي من حسن الخلق والخلائق ما لم يعط سواه, وهو مع ذلك فيه لكل مغيبٍ حسنٍ مثال.
وقوله:
حسام لابن رائق المرجى ... حسام المتقي أيام صالا
كان بدر بن عمار واليًا من قبل محمد بن رائق, وكان ابن رائق من أصحاب الخليفة الملقب بالمتقي. وكان ابن رائق قد اجتاز بهذه البلاد ليقاتل الأخشيد, فلم يطقه, وقتلته بنو حمدان في أيام ناصر الدولة وسيف الدولة قبل أن تصير حلب في ملك علي بن عبد الله بن حمدان. والحسام: السيف الماضي, يقال: حسم إذا قطع, وربما قالوا: حسامه بالهاء وهي قليلة, ويجوز أن يكونوا أنثوه إذا أرادوا به الصفيحة وهو ما عرض من السيوف.
وقوله:
سنان في قناة بني معد ... بني أسدٍ إذا دعوا النزالا
يقول: بدر سنان في قناة بني معد, نسبه إلى معد بن عدنان. وأصحاب اللغة يزعمون أن الميم في معد أصلية, ويستدلون على ذلك بقولهم: تمعدد الرجل إذا تشبه بمعد. وفي الحديث: «اخشوشنوا وتمعددوا» أي تشبهوا بمعد بن عدنان في صبرهم على الشدائد, ولو كانت الميم زائدةً لوجب عندهم أن يقال: تعددوا, وقد قالوا: تمسكن الرجل فأثبتوا الميم والقياس: تسكن, وقالوا: تمدرع إذا لبس المدرعة, والقياس يوجب: تدرع, وقالوا: تمعدد الغلام إذا اشتد وقوي, قال الراجز: [الرجز]
стр. 1011
ربيته حتى إذا تمعددا ... وآض نهدًا كالحصان أجردا
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
والمعد من الفرس ما وقعت عليه دفة السرج, قال ابن أحمر: [الوافر]
فإما زال سرج عن معد ... فأجدر بالحوادث أن تكونا
ويستعمل المعد للإنسان. وقال أبو خراش الهذلي: [الطويل]
رأت رجلًا قد لوحته مخامص ... وطافت بريان المعدين ذي شحم
وقوله: بني أسد يجوز أن يكون بدلًا من بني معد وهو بدل تبعيض؛ لأن بني أسد يرجعون في النسب إلى معد, وهذا كما تقول: فلان من بني العباس بني علي بن عبد الله. ويجوز أن تنصب بني أسد بإضمار فعل كأنك قلت: أعني أو أريد أو نحو (١٦٣/ب) ذلك. وحرك الواو في قوله: دعوا النزالا بالضم لالتقاء الساكنين وهما الواو ولام التعريف التي في النزالا, وكذلك يفعلون بالواو المفتوح ما قبلها إذا لقيها ساكن, يقولون: اخشوا الله, ولا تنسوا الموت.
وقوله:
أعز مغالبٍ كفًا وسيفًا ... ومقدرةً ومحميةً وآلا
يقال: مقدرة ومقدرة ومقدرة. وآلا: أي أهلًا وأسرةً, والمنصوبات في هذا البيت تنصب على التمييز وهو يسمى التفسير والتبيين.
وقوله:
يكون أحق إثناءٍ عليه ... على الدنيا وأهليها محالا
يقول: كل ما يوصف به من المكارم والأفعال الجميلة يكون حقًا, وإذا وصف به أهل
стр. 1012
الدنيا كان محالًا. فإذا قيل: هو كريم فالقائل صادق ومحق, وإن قيل: إن غيره كريم فالقائل كاذب محيل أي قد أتي بالمحال, وكذلك إن أثني عليه بالشجاعة, والحلم وغيرهما مما يحمد.
وقوله:
ويبقى ضعف ما قد قيل فيه ... إذا لم يترك أحد مقالا
يقول: إذا جهد الناس في مدحه فلم يتركوا مقالًا يصلون إليه؛ فقد بقي ضعف ما فيه من المحاسن المذكورة لم يهتد لوصفها الواصفون.
وقوله:
ويابن الضاربين بكل عضبٍ ... من العرب الأسافل والقلالا
القلال: جمع قلةٍ وهي أعلى الرأس, وجعلهم يضربون الأسافل؛ لأنهم إذا ضربوا الفارس في قلة رأسه نزل السيف إلى أسفل جسده.
وقوله:
أرى المتشاعرين غروا بذمي ... ومن ذا يحمد الداء العضالا
المتشاعرون الذين يتشبهون بالشعراء وليسوا كذلك. والداء العضال الذي لا يبرأ, وغروا من قولهم: غري بالشيء إذا أولع به.
وقوله:
ومن يك ذا فمٍ مر مريضٍ ... يجد مرًا به الماء الزلالا
يقول: المتشاعرون يذمونني وليس العيب في وإنما هو فيهم؛ لأنهم يجهلون مقداري. وكيف يحمدونني؛ وإنما أنا كالماء العذب؟ ومن يك ذا فم فيه مرارة لمرض به فإنه إذا شرب الماء العذب ظنه مرًا.
وقوله:
وقائدها مسومةً خفافًا ... على حي تصبحه ثقالًا
الهاء في قائدها ترجع إلى الخيل, والمسومة يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من السيمة؛ أي العلامة؛ أي لهذه الخيل علامات.
стр. 1013
والآخر: أن تكون مسومةً في معنى مسرحةٍ من قولك: سومت السوام إذا سرحهت في مرعى, وجعله يقود الخيل على مذهب العرب. قال الأفوه: [الرمل]
نحن قدنا الخيل حتى انقطعت ... شدن الأفلاء عنها والمهار
وكانوا يركبون الإبل في الغزو, ويجنبون إليها الخيل فلا يركبونها إلا في وقت الحاجة إليها. وقوله: وقائدها يجوز أن يعني أنه يقود الجيش الذي فوارسه على الخيل. وقوله: إنها خفاف في الركض ثقال على الأعداء فيه شبه بقول زهير لما ذكر اليوم الذي أوقع فيه الممدوح بأعدائه: [المتقارب]
فظل قصيرًا لأصحابه ... وكان على القوم يومًا طويلا
وقوله:
جوائل بالقني مثقفاتٍ ... كأن على عواملها الذبالا
القني: جمع قناةٍ. والقنا من ذوات الواو فقلبت إلى الياء؛ كما قالوا: عصي في جمع عصى, وتثنيتها: عصوان؛ فقلبت الواو في الجمع. والعوامل جمع عامل وهو ما قرب من السنان, والثعلب فوقه. قال الراجز: [الرجز]
قد أطعن النجلاء تعوي وتهر
لها رشاش من نجيعٍ منهمر
وثعلب العامل فيها منكسر
والذبال: جمع ذبالة وهي الفتيلة, ويقال: ذبالة بتشديد الباء.
стр. 1014
وقوله:
إذا وطئت بأيديها صخورًا ... بقين لوطء أرجلها رمالا
هذه مبالغة في شدة الحافر وصلابة الوطء, وهي مبالغة لا يمكن أن يكون مثلها.
وقوله:
جواب مسائلي: أله نظير؟ ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا
يقول للسائل عن الممدوح: أله نظير: لا؛ أي لا نظير له, ويقول للسائل: ولا لك نظير أيضًا؛ لأنك جاهل في ظنك أن له نظيرًا. وقد كرر أبو الطيب لا في قوله:
هكذا هكذا وإلا فلا لا
والكلام قد تم عند قوله: ولا لك في سؤالك؛ فجاء بلا ثانية توكيدًا, ثم لم يرض بذلك حتى قال: ألا يا سائلي لا, فإن كان أراد هذا الغرض فليس بالحسن, وأسهل منه أن يصرف إلى معنى آخر؛ وذلك أنهم يقولون: ما بفلان من الضلال والألال, فيجعلون الألال كالإتباع, وتابع الشيء كائن في معناه, (١٦٤/أ) أو قريبًا منه؛ فكأنه على هذا الوجه قال: ولا لك في سؤالك, فتم الكلام أي لا ضلال, فإما أن يكون أراد: لا تضل أيها السائل ضلالًا, أو يكون نفى الضلال عن الناس أن يظنوا بمن مدح هذا الظن.
وقوله:
وأسعد من رأينا مستميح ... ينيل المستماح بأن ينالا
المستميح: الذي يطلب ما عند الناس من العطاء, وهو من قولهم: ماح البئر إذا نزل إلى مائها فاستخرجه, وإنما ذلك لقلته, فكأن مستميح القوم أصله أنهم يعطونه شيئًا قليلًا كما تعطي البئر من نزل من المائحين؛ لأنهم إنما ينزلون إليها إذا قل فيها الماء؛ يقال: ماح البئر ميحًا, قال الراجز: [الرجز]
امتحضا وسقياني ضيحا ... وقد كفيت صاحبي الميحا
امتحضا: أي شربا المحض من اللبن, والضيح: اللبن الكثير الماء.
стр. 1015
وقوله:
يفارق سهمك الرجل الملاقي ... فراق القوس ما لاقى الرجالا
يقول: إذا لقي سهمك رجلًا نفذ فيه وفارقه سريعًا كفراقه القوس؛ أي إنه لا يثبت في الرجل, ولكنه يعبر الرجال شيئًا فشيئًا ما لقي رجلًا.
وقوله:
فما تقف السهام على قرارٍ ... كأن الريش يطلب النصالا
يقول: سهامك لا تستقر لأنها تخلص من رجل إلى رجل؛ فكأن ريشها يطلب نصالها كي يلحقها, ونصالها تفر منه.
وقوله:
وأعجب منك كيف قدرت تنشا ... وقد أعطيت في المهد الكمالا
تنشا: أصله الهمز, والتخفيف جائز. يقول: أعجب منك أيها الرجل أنك نشأت كما ينشأ وقد أعطيت الكمال في مهدك. وقافيتها من المتواتر.
ومن التي أولها
في الخد أن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا
الوزن من ثاني الكامل.
الخد: أصله من خددت في الأرض إذا حفرت فيها موضعًا, ومنه اشتقاق الأخدود لأنه حفرة مستطيلة, ويجوز أن يكون خد ابن آدم سمي خدًا لأن الذي تحت لحمه مطمئن, ويجوز أن يكون قيل له: خد من قولهم: تخدد لحمه إذا صارت فيه طرائق تدل على الهزال. وإذا هزل الرجل ظهر في خده نحو من ذلك, والقول الأول أشبه. قال جرير في صفة الخيل: [الكامل]
أفنى عرائكها وخدد لحمها ... ألا تذوق مع الشكائم عودا
стр. 1016
يقول: إذا عزم الخليط رحيلًا بكي المحب بكاءً مثل المطر؛ إلا أنه لا ينبت العشب كغيره من الأمطار؛ فالخدود يزيد محلها به. وقد قال بعض الشعراء, ويقال إنه ليموت بن المزرع: [مخلع البسيط]
كم زفرات وكم دموع ... يا عين هذا هو الفظيع
لو نبت العشب من دموعٍ ... لكان في خدي الربيع
يا قمرًا غاب عن عياني ... بالله قل لي متى الرجوع
وقوله:
كانت من الكحلاء سولي إنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا
أصل السول: الهمز لأنه من سألت؛ فإذا كان في حشو البيت فأنت في الهمز وتركه مخير, وإذا كان في قافية هذه القصيدة لم يجز إلا كون الهمزة واوًا لأنها مردفة, ولو وقع في قوافٍ مثل جملٍ ونجلٍ لم يجز إلا الهمز.
وفي كانت ضمير يعود على النظرة في قوله: يا نظرة نفت الرقاد, وفي الكلام حذف وهو معلوم عند السامع؛ كأنه قال: يا نظرةً نفت الرقاد ما أضرك وأبعد نفعك؛ كأنك تمثلت من أجلي. والأصل في الأجل هو المدة التي يؤخر موت الإنسان حتى تنفد.
وقوله:
تشكو روادفك المطية فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا
روادفها: ردفها وما والاه كأنه جعلها جمع رادفةٍ أو رادفٍ وهي مآخير خلقها. يقول: هي عظيمة الجسم فالمطية تشكو ثقلها على ظهرها, وكان أبو الطيب يصف المرأة بالسمن وكثرة اللحم حتى يفرط, ومن ذلك قوله:
يظن ضجيعها الزند الضجيعا
стр. 1017
يقول: تشكو المطية حملك كأنها تشكو دخيلًا في قلبها من حبك.
وقوله: (١٦٤/ب):
ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا
هذا من أحسن ما قيل في الغيرة؛ لأنه زعم أن زمام هذه الناقة إذا جذب فقلبت فمها نحو الراكبة غار من ذلك؛ لأنه يظن قلبها الفم طلب تقبيلٍ, ومثل ذلك لا يظن بالنوق.
وقوله:
حدق يذم من القواتل غيرها ... بدر بن عمار بن إسماعيلا
زعم أن الممدوح يذم؛ أي يعطي الذمة من كل القواتل إلا من هذه العيون, فقد أفرط في صفة العيون بتمكنها من القتل؛ إلا أنه جعل الممدوح لا يستطيع أن يمنعهن من القتل.
وقوله:
محك إذا مطل الغريم بدينه ... جعل الحسام بما أراد كفيلا
المحك: الذي يلج في المطل, ومطالبة الشيء, ومنه قول زهير: [البسيط]
اردد يسارًا ولا تعنف عليه ولا ... تمحك بعرضك إن الغادر المحك
ويروى: ولا تمعل بعرضك إن الغادر المحك, والمعنى واحد. يقول: هذا الرجل إذا مطل الغريم بدينه جعل الحسام كفيله بقضاء الدين. وإنما يعني بالغريم من جنى جناية يجب أن يعاقب عليها؛ فجعل تأديب الجانين كالدين للممدوح يتقاضاه بالسيف, فكأن السيوف كفلاء له بما يريد.
وقوله:
نطق إذا حط الكلام لثامه ... أعطى بمنطقه القلوب عقولا
يقال: رجل نطق ونطق إذا كان بليغ المنطق حسنه. يقول: إذا هذا الممدوح حط لثامه ليتكلم للأمر والنهي؛ فإنه يعطي من يسمع كلامه عقلًا؛ لأنه ينطق بالحكمة, وما يهتدي به الضالون.
وقوله:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
стр. 1018
ادعى أن الممدوح أعدى بسخائه الزمان فسخا به على البشر؛ وإنما حمله على السخاء أنه أعداه, ولولا ذلك لكان بخيلًا به.
وقوله:
وكأن برقًا في متون غمامةٍ ... هنديه في كفه مسلولًا
شبه سيفه بالبرق ويده بالغمامة. وهنديه أي سيفه, وجعل اسم كأن نكرةً وخبرها معرفةً وذلك حسن لأن كون الاسم نكرةً والخبر من المعارف, إنما ينكر إذا تغير بذلك الإعراب كقولك: كان الأمير شابًا فهذا وجه الكلام. فإن قلت: كان الأمير شاب لم يجز مثل ذلك إلا في ضرورة, وكونه في كان وأخواتها ينكر لأنه يؤدي إلى تغيير الإعراب, وهو في إن وأخواتها غير نكيرٍ؛ لأنك إذا قلت: إن قائمًا أبوك فالإعراب على حاله؛ وإنما جاء الاسم نكرةً وليس الخبر كذلك, ومما جاء الاسم فيه نكرةً والخبر معرفةً في باب: إن قول الفرزدق: [الوافر]
وإن حرامًا أن أسب مقاعسًا ... بآبائي الغر الكرام الخضارم
فقوله: حرامًا نكرة, والجملة التي هي قوله: أن أسب مقاعسًا في موضع معرفةٍ؛ لأنها تؤدي معنى قوله: وإن حرامًا سبي مقاعسًا.
وقوله:
ومحل قائمه يسيل مواهبًا ... لو كن سيلًا ما وجدن مسيلا
الهاء في قائمه عائدة على سيف الممدوح. والمحل حيث يحله الشيء, وإنما يعني يد الممدوح؛ أي إن يده التي يحلها قائم سيفه أي يكون فيها من قولهم: حللت بالدار. ومواهبًا منصوبة لأنها مفعول, ولما كان قائم السيف لا يعقل جمعوه على قوائم, قال الشاعر في صفة السيوف: [الطويل]
إذا هي شيمت فالقوائم تحتها ... وإن لم تشم يومًا علتها القوائم
زعم أن ما يسيل من كف هذا الرجل لو كان سيلًا لم يصب موضعًا يسيل فيه.
стр. 1019
وقوله:
رقت مضاربه فهن كأنما ... يبيدن من عشق الرقاب نحولا
يقول: رقت مضاربه أي مضارب السيف؛ فكأنهن يعشقن الرقاب؛ فكأن العشق أنحلهن.
وقوله:
أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا
(١٦٥/أ) عفره إذا ألقاه في العفر أي التراب. يقول: إذا كنت تعفر الليث بسوطك فلمن ادخرت سيفك؟ والليث موصوف بالشجاعة وعظم البأس.
وقوله:
وقعت على الأردن منه بلية ... نضدت لها هام الرفاق تلولا
يقول: هذا الأسد بلية على البلاد التي هو فيها لأنه إذا مرت به الرفاق افترس بعضهم, فيأكل الجسد ويترك الرأس؛ لأنه عظم, فعنده من هام الرفاق تلول, جمع تل, وهو ما ارتفع من الأرض. وقولهم في الجمع: تلال أكثر من قولهم تلول, قال النابغة: [الوافر]
مضر بالقصور يذود عنها ... قراقير النبيط إلى التلال
وقوله:
ورد إذا ورد البحيرة شاربًا ... ورد الفرات زئيره والنيلا
الورد: الذي يضرب لونه إلى الحمرة, وبالغ في تعظيم الأسد وعلو زئيره, فزعم أنه إذا ورد البحيرة سمع زئيره في الأرض التي فيها الفرات والتي فيها النيل.
وقوله:
متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا
يقول: هذا الأسد يفرس الفوارس فهو متخضب بدمائهم. والغيل: شجر ملتف,
стр. 1020
وتضاف الأسد إليه؛ فيقال: أسد الغيل, قال طرفة: [الرمل]
أسد غيلٍ فإذا ما شربوا ... وهبوا كل نجاةٍ وطمر
ولبدة الأسد ولبدتاه: ما علا كتفيه من الشعر, وجعله الشاعر كالغيل, وهو إفراط في المبالغة.
وقوله:
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا
يصف عيني الأسد بالحمرة, ولم يمكنه أن يجعلهما نارين لأجل الوزن, فشبههما بنار الفريق وهم الجماعة من الناس يفارقون غيرهم, ونحو من ذلك قول الآخر في صفة الأسد وهو يخاطبه: [الوافر]
تدل بمخلبٍ وبحد نابٍ ... وباللحظات تحسبهن جمرا
وقوله:
في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا
يقول: هذا الأسد متوحد كوحدة الرهبان إلا أنه لا يفرق بين الحلال والحرام, والأسد يوصف بالتوحد لأنه يهاب فلا يأنس إليه غيره. وإذا وصفوه بعظم الشأن ذكروا أن الأسد تفر منه. قال الهذلي: [الكامل]
أسد تفر الأسد من عروائه ... بمدافع الرجاز أو بعيون
следующие страницы →