Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
ومن أبيات أولها
أماتكم من قبل موتكم الجهل ... وجركم من خفةٍ بكم النمل
الوزن من أول الطويل وقافيتها من المتواتر.
ومن التي أولها
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا
الوزن من أول البسيط.
أحيا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الشاعر أخبر عن نفسه فقال: أحيا أي أعيش وأيسر ما قاسيت ما قتل. والآخر: أن يكون أحيا في معنى أفعل الذي يراد به التفضيل؛ أي أشد ما يكون في إحياء الإنسان, وأيسر ما لاقيت شيء قاتل؛ فكأن الكلام على التقديم والتأخير, كأنه قال: ما قتل أي الشيء الذي يقتل أحيا وأيسر ما ألقاه. وإذا حمل على هذا الوجه فقد حذف المضاف إليه في قوله: أحيا؛ لأنه أراد أحيا ما لاقيت, وإنما يستعمل ذلك في الشعر, ولو قلت في الكلام المنثور: أكرم وأفضل الناس زيد, تريد: أكرم الناس زيد وأفضلهم, لقبح ذلك, وفيه شبه من قول الفرزدق: [المنسرح]
يا من رأى عارضًا أرقت له ز .. بين ذراعي وجبهة الأسد
أراد بين ذراعي الأسد وجبهته.
وقوله:
إلا يشب فلقد شابت له كبد ... شيبًا إذا خضبته سلوة نصلا
ادعى أن كبده قد شابت لأن عادتها ألا تبيض؛ وإنما جرت العادة أن يصفوا الرأس بالشيب, وكذلك يستعيرونه للفؤاد, وإنما استحسنوا ذلك لأنهم يقولون: سواد القلب وسويداؤه وسوداؤه؛ فلما وصفوه بالسواد كما يصفون الشباب وصفوه بالمشيب, قال الطائي: [الخفيف]
стр. 1052
شاب رأسي وما رأيت مشيب الر ... رأس إلا من فضل شيب الفؤاد
وقال الشاعر: [الكامل]
نبئت سوداء القلوب مريضةً ... فأقبلت من ضر إليها أعودها
يريد بسوداء القلب (١٧٠/ب) امرأةً يشبهها بسواد القلب. وإذا وصفوا العدو بشدة العداوة قالوا: هو أسود الكبد, قال الشاعر: [البسيط]
لقد طرقت سليمى في منازلها ... وكم عدو لديها أسود الكبد
فلما وصفت الكبد بالسواد لم يبعد أن يدعى لها الشيب.
وقوله:
قيل بمنبج مثواه ونائله ... في الأفق يسأل عن من غيره سألا
منبج إن كان اسمًا عربيًا فهو مأخوذ من قولهم: نبج إذا رفع صوته. ويوم النباج يوم من أيام العرب, ويقال: إن النباج مواضع مرتفعة. والقيل: ملك دون الملك الأعظم. وقوله: يسأل عن من غيره سألا؛ كأنه يسأل عنه ليغنيه عن سؤال غيره, أو ليعاتبه إذا لم يسأل هذا الممدوح.
وقوله:
ترابه في كلابٍ كحل أعينها ... وسيفه في جنابٍ يسبق العذلا
كلاب بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة, وهم من قيس عيلان. وبنو جنابٍ من كلب ابنوبرة ومرجعهم إلى قضاعة.
стр. 1053
ويقال: «سبق السيف العذل» يضرب ذلك مثلًا للأمر إذا فات. ويزعمون أن أصل ذلك أن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر كان له ولدان يقال لهما: سعد وسعيد؛ فأما سعد فإليه انتهى نسب ضبة, وأما سعيد فسافر ولم يعد. وعمر ضبة إلى أن كبر فكان كلما رأى شخصًا مقبلًا قال: أسعد أم سعيد؛ فصار ذلك مثلًا للخير والشر؛ لأن سعيدًا سافر ولم يعد, وسعدًا أعقب وكثر ولده وكان فيهم سادة.
ويقال: إن ضبة بن أد حج فصحب رجلًا في الطريق, وهو - فيما زعموا - الحارث بن كعب, فتحدثا وهما سائران, فمرا بموضع, فقال الحارث بن كعب: لقيت في هذا الموضع غلامًا فقتلته وأخذت سيفه, وهذا هو معي, فقال له ضبة: أرنيه؛ فلما أراه إياه عرفه وقال: الحديث ذو شجون وضرب بالسيف الحارث فقتله, فقيل له: أقتلت رجلًا في الحرم؟ فقال: سبق السيف العذل فصارت مثلًا.
وقد روى النسابون ما هو لهذا نقيض والله العالم بيقين الأمور.
وقوله:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا
قد طافت الشعراء حول هذا المعنى إلا أنهم جعلوا المرئي شيئًا, قال الشاعر: [الكامل]
مازلت تحسب كل شيءٍ بعدهم ... خيلًا تكر عليهم ورجالا
وقال آخر: [الطويل]
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومةً تدعو عبيدًا وأزنما
فجعل أبو الطيب خيال الشيء شيئًا.
стр. 1054
وقوله:
كم مهمهٍ قذفٍ قلب الدليل به ... قلب المحب قضاني بعدما مطلا
يقول: كم مهمهٍ بعيدٍ لا يأمن السائر فيه؛ فقلب دليل القوم يخفق مثل قلب المحب. قضاني فيه ضمير عائد إلى المهمه. يقول: هذا المهمه قضاني ما وعدني بعد أن مطل لبعده.
وقوله:
عقدت بالنجم طرفي في مفاوزه ... وحر وجهي بحر الشمس إذ أفلا
يريد: أنه لم يزل ينظر إلى النجم حتى كأنه قد عقد طرفه به, وقال قال ابن المعتز: [الكامل]
فعقدت ناظره مع النجم
يقول: عقدت حر وجهي بحر الشمس إذ أفل النجم؛ يريد: أنه سرى ليلًا وسار نهارًا حتى بلغ ما يريد.
وقوله:
أنكحت صم حصاها خف يعملةٍ ... تغشمرت بي إليك السهل والجبلا
الهاء في حصاها عائدة إلى المفاوز. وقوله: أنكحت صم حصاها خف يعملةٍ, من قوله في الأخرى:
أنساعها ممغوطة وخفافها ... منكوحة وطريقها عذراء
وتغشمرت الناقة وغيرها إذا ركبت رأسها في السير. واليعملة: الناقة التي تعمل في السير, وقلما يخرجون هذا اللفظ عن التأنيث, وقد جاء في بعض الشعر: يعمل في صفة الظليم؛ يريدون أنه يعمل نفسه في البيداء.
وقوله:
لو كنت حشو قميصي فوق نمرقها ... سمعت للجن في غيطانها زجلا
(١٧١/أ) النمرق: الوسادة. يقال: نمرقة ونمرقة. والغيطان: جمع غائط وهو المطمئن من الأرض. وقافيتها من المتراكب.
стр. 1055
ومن التي أولها
قفا تريا ودقي فهاتا المخايل ... ولا تخشيا خلفًا لما أنا قائل
وزنها من الطويل الثاني.
الودق هاهنا المطر, وقيل: هو خروج القطر من الغيم بكثرة, وفيهما روى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أن الودق مثل الدخان يخرج مع القطر من الغيم. والذي يدل عليه الاشتقاق أن الودق القطر, سمي ودقًا لأنه يدق من الأرض أي يقرب منها. والمخايل: جمع مخيلة وهي السحابة التي يخال فيها المطر. وفي الحديث: «أن النبي ﷺ كان إذا رأى مخيلةً أقبل وأدبر كان يخاف أن يكون فيها عذاب». والمعنى: قفا تريا ما أفعل فقد رأيتما دلائله.
وقوله:
وآخر قطن من يديه الجنادل
أي: إني لا أحفل به ولا يقدر لي على مضرة؛ فكأن الجنادل إذا رماني بها قطن من لينها. يقال: قطن وقطن وقطن, قال الراجز: [الرجز]
كأن مجرى دمعها المستن
قطنة من أجود القطن
стр. 1056
ويروى: قطننة, ويجوز أن يكون التشديد استعمله الراجز للضرورة؛ فأما قول لبيد: [الكامل]
شاقتك ظعن الحي يوم تحملوا ... فتكنسوا قطنًا تصر خيامها
فيقال: أراد تكنسوا قطنًا, أي جعلوا ثيابًا من قطنٍ لهم مثل الكنس جمع كناسٍ, وهو حيث تكون الظبية والبقرة الوحشية. وقيل القطن: جمع قطينٍ وهم أهل الدار. وقيل القطن: جمع قطانٍ وهو جانب الهودج.
وقوله:
ويجهل أني مالك الأرض معسر ... وأني على ظهر السماكين راجل
نصب مالك الأرض على الحال؛ كأنه قال: يجهل هذا الرجل أني في حال ملكي الأرض معسر؛ لأن همتي وعظمها توهمني أني إذا ملكت الأرض فقير. والأحسن أن يكون العامل في مالك الأرض فعلًا مضمرًا هو كنت التي تكتفي باسم واحد, وكذلك يقولون في قول الشاعر: [الطويل]
ألم تر أني واردًا بعد سبعةٍ ... لأعمى وأني صادرًا لبصير
أراد: أني إذا كنت واردًا أي في حال ورودي. وكنت في معنى وقعت وحصلت.
ومالك الأرض نكرة لأنه في معنى الحال. واسم الفاعل إذا كان نكرةً لم يتعرف بالإضافة إلى المعرفة لأن معناه التنوين كأنه قال: أني مالكًا للأرض. ويجوز أن يكون العامل في مالك الأرض قوله: معسر لأن معسرًا اسم فاعل, واسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا كان في معنى الحال أو الاستقبال.
وقوله:
ومازلت طودًا لا تزول مناكبي ... إلى أن بدت للضيم في زلازل
الطود: الجبل. يقال: طود في الأرض إذا جول فيها, وكأنه مأخوذ من الأطواد أي الجبال؛ لأنه إذا سار في الأرض مر بأطوادها, وبعضهم ينشد هذا البيت: [الوافر]
стр. 1057
أطود ما أطود ثم آوي ... إلى بيتٍ قعيدته لكاع
وأكثر الروايات: أطوف. وقال الراجز: [الرجز]
لا هم إن الأسود بن مقصود ... قد أخذ الهجمة ذات التطويد
والزلازل: جمع زلزلةٍ وهي الحركة الشديدة.
وقوله:
فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشى ... قلاقل عيسٍ كلهن قلاقل
القلقلة: الحركة العنيفة. والأحسن أن يكون في القافية قلاقل بضم القاف لأنه يقال: بعير قلقل وقلاقل؛ فضم القاف أحسن لأن لفظ الفتح قد جاء في قوله: قلاقل عيسٍ. وقولك: كل القوم صالح أقيس من قولك: كل القوم صالحون, وكلا الوجهين حسن.
وقوله (١٧١/ب):
إذا الليل وارانا أرتنا خفافها ... بقدح الحصى ما لا ترينا المشاعل
وهذا المعنى قد سبق إليه الشعراء, قال الشنفرى: [الطويل]
إذا الأمعز الصوان لاقى مناسمي ... تطاير منه قادح ومفلل
стр. 1058
يعني بالقادح: الذي يطير منه الشرر. وقال هميان في صفة الإبل: [الرجز]
توقد سرجًا بالحصى سوارجا
وقوله:
كأني من الوجناء في متن موجةٍ ... رمت بي بحارًا ما لهن سواحل
الوجناء: ناقة صلبة غليظة يقال إنها شبهت بالوجين من الأرض وهو غلظ منقاد, قال المثقب العبدي: [الوافر]
كأن مناخها ملقى لجامٍ ... على معزائه وعلى الوجين
وقيل: الوجناء العظيمة الوجنة وهي عظم الخد, وشبه الناقة بالموجة ترمي به بحارًا؛ يجوز أن يعني بها الليل أو الأرض الواسعة, أو يريد أن الأمرين قد اجتمعا له.
وقوله:
يخيل لي أن البلاد مسامعي ... وأني فيها ما تقول العواذل
يقول: لا أستقر في مكانٍ فكأن البلاد مسامعي وأنا فيها ما يقوله عاذلي وعاذلتي, فلا يستقر فيها منه شيء.
وقوله:
ومن يبغ ما أبغي من المجد والعلا ... تساوى المحايا عنده والمقاتل
المحايا: جمع محيا من قولهم: حييت محيًا وهو ضد الممات. والأقيس أن يقال: المحايي بياءين كما يقال في المسقى: المساقي, وفي المرمى: المرامي. ويجوز أن تقلب الياء الآخرة ألفًا لاستثقالهم الجمع بين ياءين كما قالوا: نوق معايا جمع معييةٍ.
стр. 1059
وقوله:
غثاثة عيشي أن تغث كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل
يقال: طعام غث بين الغثاثة والغثوثة إذا لم يكن طيبًا, وإنما أخذ من اللحم الغث وهو الذي لا دسم فيه. يقال: ناقة غثة والجمع غثاث, قال كثير: [المتقارب]
فغمرت منها ذوات السديف ... وأرويت ما كان منها غثاثا
ومن كلام العرب: تركنا بني فلانٍ يتكنفون بالغثاث؛ أي يجعلونها حول بيوتهم. والغثاث: المهازيل؛ أي قد ماتت إبلهم من الهزل فهي حول البيوت. وقال ابن الزبير لقوم من الأعراب: «والله إن كلامكم لغث, وإن سلاحكم لرث, وإنكم لعيال في الجدب, وأعداء في الخصب».
ويقال: عرفت غث فلان من سمينه؛ أي رديء علمه من جيده, قال الشاعر: [الوافر]
فإنما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي من سميني
ويقال: أغث الحديث إذا صار غثًا, قال قيس بن الخطيم: [المنسرح]
ولا يغث الحديث ما نطقت ... وهو بفيها ذو لذةٍ أنف
وقافيتها من المتدارك.
ومن أبيات أولها
محبي قيامي ما لذلكم النصل ... بريئًا من الجرحى سليمًا من القتل
الوزن من أول الطويل.
стр. 1060
محبي: نصب على النداء؛ أي يا محبي قيامي, ويعني بقيامه نهوضه في التماس ما يريد؛ يقال: قام الملك في أمر كذا, ومن ذلك قولهم: كان كذا من قبل أن يقوم النبي ﷺ ؛ أي من قبل أن يظهر الدعوة إلى الإسلام, قال الشاعر: [الطويل]
تبغ ابن كوزٍ في سوانا فإننا ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا
وقال الشاعر: [الطويل]
إذا مات منا سيد قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول
ويعني بالنصل سيفه؛ كأنه يسألهم: ما له بريئًا من الجرحى سليمًا من القتل؛ كأنه يقول لمحبي قيامه: ما لكم لا تجتمعون إلي تنصروني فأقتل وأجرح ويختضب سيفي بالدم.
وقوله:
وخضرة ثوب العيش في الخضرة التي ... أرتك احمرار الموت في مدرج النمل السيف يوصف بالخضرة, وأنشد بعض الأعراب: [الطويل]
وأشعث يا أم الوليد فليته ... وأشعث يا أم الوليد فلانيا
بأخضر يا أم الوليد فليته ... بأخضر يا أم الوليد فلانيا
بكفي يا أم الوليد فليته ... بكفيه يا أم الوليد فلانيا
السيوف توصف بأن في صفاحها آثار الذر وآثار النمل, قال الشاعر: [الكامل]
ومهندًا عضبًا مضاربه ... في صفحه كمدبة النمل
стр. 1061
وقال الراجز: [الرجز]
كأن فوق متنه مسرى دبا ... فردٍ سرى فوق نقًا غب صبا
كأنه عني مدب جرادةٍ صغيرة أول ما تخرج من السر أي بيض الجراد. يقول: سيفي يريك احمرار الموت في مدرج النمل. ويجوز أن يقول: إنك إذا نظرت إلى مدرج النمل فيه أراك احمرار الموت وإن لم تكن ثم حمرة. ويحتمل أن يعني أنه قد جرح فصار الدم في مدرج النمل.
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
أمط في معنى: أزل, يقول: أمط عنك تشبيهي بأن يقول: كأنه الأسد, وكأنما هو الليث؛ أي إني فرد لا يشابهني شيء من الأشياء.
وقوله:
وذرني وإياه وطرفي وذابلي ... نكن واحدًا يلقى الردى وانظرن فعلي
(١٧٢/أ) الهاء في إياه راجعة إلى النصل المذكور في البيت الأول. يقول: ذرني وسيفي وطرفي ورمحي نتعاون على ما أريد؛ فنكون كالواحد؛ أي إن الطرف أصرفه كيف شئت لاقتداري على ذلك, والسيف والرمح لا يخالفاني فيما أريد؛ فكأنني وهذه الأشياء واحد. وقله: ذرني كلمة شاذة استعملت في الأمر والمستقبل فقيل: هو يذر كذا وكذا. وقالوا في الأمر: ذرني للواحد, وذراني للاثنين, وذروني للجميع, وذريني للمرأة, قال ابن الدمينة: [الطويل]
خليلي كفا الألسن العوج واعلما ... من العلم ألا هل بي فذراني
стр. 1062
وقال حاتم الطائي: [الطويل]
ذريني ومالي إن مالك وافر ... وكل امرئٍ جارٍ على ما تعودا
وأصحاب الرواية يقولون: إن العرب لم تقل: واذر, وقد روي في كلام قديم: تراك وذار. فأما ودع في معنى ترك؛ فقد روي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ أي ما تركك ربك. قال أبو الأسود الدؤلي: [الرمل]
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الود حتى ودعه
وقافيتها من المتواتر.
ومن أبيات أولها
قد شغل الناس كثرة الأمل ... وأنت بالمكرمات في شغل
الوزن من المنسرح الأول.
قوله:
أهلًا وسهلًا بما بعثت به ... إيها أبا قاسمٍ وبالرسل
أهلًا وسهلًا كلمة تقال للداخل على الإنسان إذا أراد إكرامه, كأنه يريد: أتيت أهلًا ومكانًا سهلًا, قال طفيل الغني: [الطويل]
وبالحزن ميمون النقيبة قوله ... لملتمس المعروف: أهل ومرحب
стр. 1063
وقولهم: مرحبًا بالنصب يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون منصوبًا بفعلٍ مضمرٍ ليس من لفظ مرحبٍ.
والآخر: أن يكون في معنى: رحبت بلادك مرحبصا.
وحكى بعض أهل اللغة: مرحبك الله ومسهلك؛ كأنه دعا له أن يقول له الناس: مرحبًا فجاء بالميم, كما جاؤوا بها في قولهم: تمسكن الرجل, ولما جاء بها في مرحبًا جاء بها في قوله: مسهلك كأنه بناها على أنهم قالوةا: مرحبًا ومسهلًا. ولو لم يتبع أبو الطيب النصف الأول بقوله: إيهًا أبا قاسمٍ وبالرسل لكان قد جعل الترحيب بالهدية دون غيرها. وإيهًا تقال للإنسان إذا أمر بالتقصير عن الشيء والكف, وإيه تقال إذا أردت الزيادة, وكثرت هذه الكلمة حتى صار التنوين كأنه أكمل, وكان الأصمعي يعيب قول ذي الرمة: [الطويل]
وقفنا فقلنا إيه عن أم سالمٍ ... وما بال تكليم الرسوم البلاقع
والقياس يوجب أن يكون قولهم إيه بغير تنوين مرادًا به المعرفة كأن قال: الزيادة, وإذا نون فكأنه نكرة, كأنه قال: زدني زيادةً, وقد أنشدوا بيتًا فيه إيهًا في معنى الأمر بالكف, وقد جعلت نونه ألفًا في القافية, قال الراجز: [الرجز]
إيهًا بني تغلب إيهًا إيها ... نحن بنو الحرب ربينا فيها
ويجوز أن يكون حذف النون للضرورة, وقال آخر فحذف الياء من إيها: [الطويل]
إهًا عد عن ذكر الشباب فإنما ... يقحمك الأهوال قلب متيم
وقال في هذه الأبيات: أبا قاسمٍ فحذف الألف واللام ولم تجر عادته بذلك؛ وقد مدح سيف الدولة وكنيته أبو الحسن فلم يخاطبه بحذف الألف واللام. ومن نظر في القصيدة التي أولها:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم
стр. 1064
أجاز أن يكون زاد وسمها بقاسم؛ لأنها مدح في القاسم بن عبيد الله؛ ولعله ترك ذلك مخافة أن يحذف الألف واللام من الاسم لأن ثباتهما فيه أشد إكرامًا للممدوح. وقولك للرجل: يا أبا الحسين أجمل عند العامة من قولك: يا أبا حسينٍ. وقافيتها من المتراكب.
ومن بيتين أولهما
لا تحسن الشعرة حتى ترى ... منشورة الضفرين يوم القتال
وزنهما من أول السريع.
يقال: شعرة وشعرة وشعر وشعر. ولو رويت الوفرة لكان أفصح, ويجوز أن يكون قالها على الرواية الأولى. وعلى الثانية؛ فالوفر ذكر الأصمعي أنه من أسماء الشعر؛ حتى ادعى بعض الناس أن قول الأشتر النخعي: [الكامل]
بقيت وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
مراد به الشعر, وليس الأمر كذلك وإنما أراد المال.
وقوله:
على فتًى معتقلٍ صعدةً ... يعلها من كل وافي السبال
الصعدة: قناة (١٧٢/ب) تنبت مستويةً ولا تحتاج إلى ثقافٍ, وهي غير مفرطة الطول.
ويقال: امرأة صعدة إذا كانت حسنة القوام, قال الشاعر: [الطويل]
وثديان كالحقين في صدر صعدةٍ ... تمكن فيها الحسن فاعتم واعتدل
стр. 1065
وقافيتهما من المترادف. ويقال: عل المسقي إذا سقاه مرةً بعد مرة, وقد جاء معل في معنى عال, وفي أبيات تروى لفروة بن مسيكٍ المرادي: [الوافر]
فمنهل صعدةٍ ومعل أخرى ... فما أجلى ظلام الموت حينا
ومن أبيات أولها
أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغٍ ... يجوب حزونًا بيننا وسهولا
الوزن من ثالث الطويل.
كيغلغ: اسم أعجمي, والعرب تجترئ على الأسماء الأعجمية فتغيرها كما اتفق. والأشبه بأبي الطيب أن يكون قال كيغلغ بالياء لأنه قال في الأخرى:
يحمي ابن كيغلغ الطريق
فمجيئه بالياء يدل على كونها في هذا الموضع كذلك؛ لأن كيغلغ إلى كيغلغ أقرب منه إلى كلغلغ, وهي في بعض النسخ بلامين على مثال فعلعل مثل: عرمرمٍ وسمعمعٍ.
والعرمرم: الجيش الكبير, والسمعمع: الصغير الرأس.
وقافيتها من المتواتر. والعرب لم تستعمل هذا الوزن إلا بلينٍ؛ وبان في كلام سيبويه أن هذا الوزن يجب أن يكون قبل الواو التي في قافيته ضمة وقبل يائها كسرة, وأكثر ما يرد الشعر على ذلك, وربما جاء شيء منه بفتح ما قبل حرف اللين كالأبيات التي ترى
стр. 1066
لجابر بن رألان السنبسي, وأولها: [الطويل]
لعمرك ما أخزى إذا ما سببتني ... إذا لم تقل بطلًا علي ومينا
وروى بعضهم لعمرو بن سعد بن أبي وقاص: [الطويل]
يقولون ملك الري ما فيه شركة ... لغيرك مبذولًا ولا بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس مثلها ... شقاء وملك الري قرة عين
فأما المولدون فقد يجيء في شعرهم نحو من هذا؛ لأن الرواية كثرت عنهم فكان شعر الواحد منهم كأِعار جماعة من العرب. وهذان البيتان يرويان لابن المعتز, ولابن الرومي: [الطويل]
قضوا ما قضوا من أمره ثم قدموا ... إمامًا إمام الناس بين يديه
وقاموا صفوفًا للصلاة كأنما ... أقيموا صفوفًا للسلام عليه
وصفراء اسم أم المهجو.
стр. 1067
ومن التي أولها
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
الوزن من البسيط الثاني.
خاطب نفسه وكأنه يخاطب غيره, وذلك كثير في أشعار المتقدمين والمحدثين, قال النابغة: [الطويل]
أهاجك من سعداك ربع المنازل ... ببرقة نعمي فروض الأجادل
فقال: سعداك وإنما يخاطب نفسه, وكذلك قول الراعي: [الكامل]
ما بال دفك بالفراش مذيلا ... أقذًى بعينك أم أردت رحيلا
يقول: فإن لم يكن لك مال ولا خيل فليسعد نطقك إذ لم تسعد حالك.
وقوله:
واجز الأمير الذي نعماه فاجئة ... بغير قولٍ ونعمى الناس أقوال
إذا ضمت النون من النعمى فهي مقصورة, وهي ممدودة مع الفتح. يقول: هذا الأمير نعماه تفجأ؛ أي تجيء بغير وعد يتقدمها, ونعمى الناس غيره وعود لا يحصل منها إلا قول لا يتبعه فعل.
وقوله:
فربما جزت الإحسان موليه ... خريدة من عذارى الحي مكسال
стр. 1068
يحث نفسه على جزاء الأمير. يقول: إذا كانت الخريدة وهي الحيية من النساء ربما جزت الإحسان موليه إياها, وهي مع ذلك مكسال أي كثيرة الكسل, فأنت لا عذر لك في جزاء ما أهدي إليك.
وقوله:
فإن لم تكن محكمات الشكل تمنعني ... ظهور جريٍ فلي فيهن تصهال
يقول: إن كنت لا أقدر علي المكافأة من قود الخيل وحمل الأموال؛ لأن شكلي محكمة فهي تمنعني من ظهور الجري - والشكل: جمع شكالٍ وهو ما يشكل به الفرس - فلي ثناء يظهر. وجعل التصهال مثلًا لثنائه على الممدوح.
وقوله (١٧٣/أ):
وما شكرت لأن المال فرحني ... سيان عندي إكثار وإقلال
يدعي أن شكره ليس لأنه فرح بالمال, وهذه دعوى لا تصح.
وقوله:
لكن رأيت قبيحًا أن يجاد لنا ... وأننا بقضاء الحق بخال
يقول: ما شكري لأني فرحت بالصلة, لكني رأيت قبيحًا أن يجاد لي وأكرم, وأنا باخل بالجزاء.
وبخال: جمع باخل, وجمع بخيل بخلاء. وقال في البيت الذي قبله: ما فرحت, وقال في هذا البيت: أن يجاد لنا وأخبر عن جماعة؛ ولو أمكنه الوزن لكان الإحراء على التوحيد أشبه.
وقوله:
فكنت منبت روض الحزن باكره ... غيث لغير سباخ الأرض هطال
قال في البيت الأول: وما فرحت وما شكرت, وقال في البيت الذي بعده: أن يجاد لنا, واحتاج في هذا البيت إلى أن يقول: فكنت منبت روض الحزن: شبه نفسه به.
ويقال: إن الروضة بالحزن أحسن منها بالسهل؛ وذلك أن رعيها يتعذر فلا تطؤها الماشية. والروضة إذا كانت بالسهل كان السوام على رعيها أقدر منه على الروضة إذا كانت بالحزن, وذلك يتردد في الشعر, قال الأعشى: [البسيط]
стр. 1069
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها واكف هطل
وقيل: إن الحزن في بيت الأعشى موضع بعينه وليس ذلك بممتنع, قال كثير: [الطويل]
فما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها
فقال الشاعر: أنا كمنبت روض الحزن بكر علي الغيث فهطل بأرضٍ غير سبخةٍ؛ لأن السبخة أرض فيها ملوحة فهي لا تنبت إذا جادها الغيث.
وسئل بعض الأعراب عن الأرض السبخة فقال: هي التي لا ييبس ثراها, ولا ينبت مراعاها, أي: إن الغيث وإن كثر جوده لها فإنها لا تنبت؛ إلا أن ثراها لا يزال نديًا فلا منفعة فيه.
وقوله:
غيث يبين للنظار موقعه ... أن الغيوث بما تأتيه جهال
يعني بالغيث: الممدوح وعطاءه. أي: إنه قد وضع الصنيعة في موضعها فبين للناس موقعه أن الغيوث جهال لا تشعر بما تفعل. وإنما ضرب الغيوث مثلًا للملوك؛ أي هذا الرجل علم أني مستحق للعطية فوضعها عندي وجهل ذلك سواه.
وقوله:
لا يدرك المجد إلا سيد فطن ... لما يشق على السادات فعال
يقول: هذا الممدوح له فطنة في الكرم ليست لسواه؛ وكل ذلك تعريض بمن يمكنه أن يعطيه شيئًا وهو لا يفعل. يقال: فطنة وفطنة, والمثل السائر: «البطنة تذهب الفطنة».
وقوله:
لا وارث جهلت يمناه ما وهبت ... ولا كسوب بغير السيف سئال
يقول: لا يدرك المجد إلا سيد يشق على الناس أن يفعلوا فعله؛ لا وارث ورث ماله فهو لم يتعب في جمعه, ولا صاحب مالٍ كسبه بغير السيف.
стр. 1070
وقوله:
قال الزمان له قولًا فأفهمه ... إن الزمان على الإمساك عذال
الهاء في أفهمه وله عائدة على الكسوب بالسيف. والمراد: أن أكرم الناس هو الذي يتعب في جمع المال, ويطلبه باليسف ثم يهبه بعد ذلك.
وقوله:
تدري القناة إذا اهتزت براحته ... أن الشقي بها خيل وأبطال
ادعى للقناة الدراية بما يفعله الفارس الذي هو معه, وهذا مدح للقناة وليس للفارس به فضيلة, ولكن من المبالغة التي تستحسنها الشعراء.
وقوله:
كفاتكٍ ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال
يقول: لا يدرك المجد إلا رجل صفاته هذه التي ذكرت, ثم شبهه بفاتك, ثم استدرك ذلك فقال: ودخول الكاف منقصة؛ لأني إذا قلت: مثل فلان فقد جعلت له مثلًا؛ وإنما ذلك مجاز وتوسع, كما أني أقول إذا شبهت الشيء المستحسن على الظاهر: هو كالشمس وليس للشمس أمثال.
وقوله:
القائد الأسد غذتها براثنه ... بمثلها من عداه وهي أشبال
يقول: هذا الممدوح يقود الأسود التي غذتها براثنه بأسدٍ مثلها من أعاديه وهي أطفال, وإنما يعني (١٧٣/ب) عبيدًا للممدوح غذاهم في حال صغرهم إلى أن صاروا بعد حال الأشبال إلى حال الأسد فحاربوا معه الأعداء. وبراثن الأسد له مثل الأظفار لابن آدم.
وقوله:
القاتل السيف في جسم القتيل به ... وللسيوف كما للناس آجال
يقول: هذا الممدوح إذا ضرب الفارس قتله, وحطم السيف في جسده؛ فكأن السيف مقتول, وقد مضى نحو من ذلك.
стр. 1071
وقوله:
تغير منه على الغارات هيبته ... وماله في أقاصي البر أهمال
الأهمال: جمع هملٍ, وهو المال الذي لا راعي له. وقوله: تغير منه على الغارات هيبته يحتمل وجهين: أحدهما أن هيبته تغير على غارات عدوه على ماله فتمنعهم من أن يغيروا فماله همل, والآخر أن يريد أن هيبته تغير على غاراته, فهو لا يحتاج إلى أن يغير.
وقوله:
له من الوحش ما اختارت أسنته ... عير وهيق وخنساء وذيال
العير هاهنا: العير الوحشي, وقد ذكر في الأمثال كقولهم: «لا تكن أدنى العيرين إلى السهم» , و «العير أوقى لدمه» , و «الجحش إذا فاتك الأعيار»؛ فهذه الأمثال لعير الوحش. فأما قولهم: «إن هلك عير فعير في الرباط» , فالمراد به عير الأهل؛ أي إن هلك عير لك فعندك عير يقوم مقامه. وقالوا: «كالعير عاره وتده»؛ يعنون الحمار الأهلي؛ والمعنى يراد به أن بعض أصحاب الرجل جنى عليه, فأما قول اليشكري: [الخفيف]
زعموةا أن كل من ضرب العيـ ... ـر موالٍ لنا وأنى الولاء
فقد اختلفت فيه؛ فقيل معناه: كل من ساق حمارًا, وقيل: إنما عنى إيادًا لأنهم كانوا أصحاب حمير. وقيل: العير اسم جبلٍ, وقيل إن النبي ﷺ «حرم من عير إلى ثور» , ولا يحتمل أن يكون الشاعر أراده لأن هذه لا تدل عليه وهو في الحديث نكرة, وفي البيت بالألف واللام.
стр. 1072
وقيل: أراد بالعير عير الوتد وهو ما نتأ في وسطه, ويجوز أن يحمل هذا القول على أنه أراد الوتد فكنى عنه بالعير لما لم يستقم له الشعر. وقيل: أراد بالعير عير الكتف وهو الناتئ في وسطها؛ أي كل من حمل على كتفه شيئًا أو ضرب كتف غيره في الهزيمة. وقيل: أراد بالعير السيد لأن السادة طال ما أصيبوا بالقتل. وقيل: أراد بالعير كليب وائلٍ لأنه كان سيدًا؛ وإنما حمله على هذا القول أنهم سمعوا هذا البيت: [الوافر]
كليت العير كان أقل ذنبًا ... غداة يسومنا بالفتكرين
الفتكرين: الداهية. وقيل: أراد بالعير الناتئ من عين الإنسان؛ أي كل من مسح عينه وأمسكها بيده. وقولهم: فعله قبل عيرٍ وما جرى, يجوز أن يعني حمار الوحش, وجريه عدوه. ويحتمل أن يعني عير العين ويكون جريه سيلانه بالدمع, وقد مضى القول في قول امرئ القيس:
وواد كجوف العير
أنه أراد رجلًا يقال له: حمار فلم يستقم له الشعر فعدل إلى العير.
والهيق: ذكر النعام والأنثى هيقة. والخنساء: بقرة الوحش؛ سميت بذلك لصغر أنفها وخنوسه في وجهها. وصرفها في هذا الموضع, وصرف فعلاء قليل جدًا, ولو لم يصرف لدخل البيت زحاف قبيح في الغريزة. وذيال: ثور وحشي سمي ذيالًا لطول ذنبه.
وقوله:
تمسي الضيوف مشهاةً بعقوته ... كأن أوقاتها في الطيب آصال
مشهاةً أي يقال لهم: ما تشتهون؟ وعقوة الدار: فناؤها. وآصال: جمع أصيل مثل قولهم: يتيم وأيتام. والأصيل: آخر النهار وإنما يستطاب في شدة الحر؛ لأن الهواء يصلح في آخر النهار, وهذا نحو من قول الطائي: [الكامل]
أيامنا مصقولة أطرافها ... بك والليالي كلها أسحار
وقوله:
لو اشتهت لحم قاريها لبادرها ... خراذل منه في الشيزي وأوصال
стр. 1073
قاريها: الذي يقريها من قرى الضيف. والخراذل: بالذال والدال: قطع اللحم, وينشد لأيوب بن عبيد العنبري وكان أحد اللصوص: [الطويل]
وإني وهجري الإنس من بعد حبهم ... وتركي من قد كنت ما إن أزايله
لكالصقر جلى بعدما صاد فتيةً ... قديرًا ومشويًا عبيطًا خراذله
يقال: صاد القوم وصاد لهم. والشيزى: خشب تعمل منه الجفان, والأوصال: جمع وصلٍ وهو العضو.
وقوله:
لا يعرف الرزء في مالٍ ولا ولدٍ ... إلا إذا حفز الأضياف ترحال
يقال: حفزه إذا دفعه, وإذا أعجله. والمعنى أن هذا الممدح يعد رحيل الضيف رزيةً, وهذه مبالغة تخرج إلى غير الحق؛ لأن رحيل الضيف منفعة له إذا كان مسافرًا, وإنما يعبر بالمضيف كالمجتاز, واجتيازه ألا يتلبث عن طريقه (١٧٤/أ) فزعم أن هذا المذكور لا يعرف الرزء في المال ولا الوالد إلا إذا الضيف حفزه الرحيل.
وفي الأخبار التي رواها بعض الناس, وهي جديرة بالكذب, أن معد بن عدنان نزل به أضياف في سنةٍ مجدبةٍ فذبح لها ولدًا كان له وقال: [الرجز]
نعم إدام الجار والرفيق ... لحم غلامٍ ماجدٍ عريق
يلت بالأحساب لا السويق
وقوله:
يروي صدى الأرض من فضلات ما شربواة ... محض اللقاح وصافي اللون سلسال
стр. 1074
سكن الضاد في فلات وتحريكها أجود, وتلك ضرورة. وادعى أن الأرض العطشى يرويها من فضلات ضيوفه محض اللقاح أي لبنها الخالص. واللقاح: جمع لقوح, ويجوز أن يكون جمع لقحةٍ وهي التي تنتج فهي لقوح شهرين أو ثلاثة, ثم هي بعد ذلك لبون.
وصافي اللون سلسال أي: خمر, ويروي فعل محض اللقاح.
وقوله:
تقري صوارمه الساعات عبط دم ... كأنما الساع نزال وقفال
يقول: كلما أتته ساعة عبط فيها دمًا في حرب أو قرى ضيف. ويقال: عبط الدم إذا نحر أو ذبح من غير علة, ومات الشاب عبطةً أي لم يئن له أن يموت, قال قطري بن الفجاءة: [الوافر]
ومن لا يعتبط يهرم ويسأم ... وتفض به المنون إلى انقطاع
والساع: جمع ساعة, كما قالوا: نخلة ونخل, وتمرة وتمر, قال القطامي: [الوافر]
وكنا كالحريق أصاب غابًا ... فيخبو ساعةً ويهب ساعا
وقوله:
تجري النفوس حواليه مخلطةً ... منها عداة وأغنام وأبآل
يقول: الدماء حوالي هذا الرجل؛ لأنه يقتل الأعداء, والإبل تنحر لضيوفه, والغنم تذبح فيختلط دم بدمٍ.
وقوله:
أمضى الفريقين في أقرانه ظبةً ... والبيض هادية والسمر ضلال
ظبة السيف: حده. والبيض هادية؛ أي يهتدى بها في ظلمة النقع لأن النهار قد استتر بالغبار, وهذا نحو من قول البحتري: [الخفيف]
مد ليلًا على الكماة فما يمـ ... ـشون فيه إلا بضوء السيوف
стр. 1075
واستعار الضلال للرماح, وهو يحتمل أنها قد تغيبت في النقع؛ فهي كالضالة فيه من قوله تعالى: ﴿أئذا ضللنا في الأرض﴾ , ويمكن أن يعني بقوله: ضلال أي إنها لا يطعن بها؛ أي إن القوم قد دنا بعضهم من بعضٍ فهم يتضاربون بالسيوف فكأن الرماح ضالة طريقها.
وقوله:
يريك مخبره أضعاف منظره ... بين الرجال وفيها الماء والآل
يقول: هذا الرجل إذا نظرت إليه هالك منظره, فإذا خبرته علمت أن مخبره أضعاف لمنظره, والرجال غيره فيها الماء اولآل؛ أي فيهم من له نفع وفيهم من لا نفع له؛ فمنهم من يرى كالماء, فيكون فيه خير, ومنهم من يظن ماء فيكون آلًا أي سرابًا.
وقوله:
وقد يلقبه المجنون حاسده ... إذا اختلطن وبعض العقل عقال
اختلطن: يجوز أن يعني بها الخيل أو السيوف أو الرماح, والعقال: داء يصيب الخيل فلا تجري في أول الأمر ثم تجري بعد ذلك. يقول: بعض العقل عقال؛ أي يمنع صاحبه التهجم على الحرب.
وقوله:
إذا العدى نشبت فيهم مخالبه ... لم يجتمع لهم حلم وريبال
يقول: إذا نشبت مخالبه [في] العدى لم يجتمع لهم حلم وريبال. وقد مضى القول في الريبال وأنه الأسد؛ أي إنه لا يحلم عنهم في ذلك الوقت لأن الأسد لا يحلم عن الفريسة.
وقوله:
يروعهم منه دهر صرفه أبدًا ... مجاهر وصروف الدهر تغتال
جعل الممدوح دهرًا يغول الأعداء جهارًا. وصروف الدهر تغتال؛ أي تجيئهم وهم لا يعلمون بها وهذا يطرقهم وهم يعلمون.
وقوله:
أناله الشرف الأعلى تقدمه ... فما الذي بتوقي ما أتى نالوا
стр. 1076
يقول: أناله الشرف تقدمه في الحرب, فما الذي نال أعداؤه بتوقي الإقدام, إذ كان لا ينيلهم زيادة مالٍ ولا عمر.
وقوله:
إذا الملوك تحلت كان حليته ... مهند وأصم الكعب عسال
في كان ضمير يعود إلى الممدوح, وحليته ابتداء ومهند خبر. ولا ينبغي أن تنصب حليته لأنها خبر مقدم, فيرفع مهند لأنه اسم كان؛ لأن ذلك يؤدي إلى ضرورةٍ إن صار الخبر معرفةً والاسم نكرةً.
وقوله (١٧٤/):
تملك الحمد حتى ما لمفتخرٍ ... في الحمد حاء ولا ميم ولا دال
يريد أن الحمد كله منصرف إليه فليس لأحد جزء منه.
وقوله:
عليه منه سرابيل مضاعفة ... وقد كفاه من الماذي سربال
يقول: على هذا الممدوح سرابيل من الحمد كثيرة, وقد كفاه سربال واحد من الماذي؛ يقال: درع ماذية؛ قيل: هي البيضاء, وقيل: هي اللينة.
وقوله:
وكيف أستر ما أوليت من حسنٍ ... وقد غمرت نوالًا أيها النال
يقال: رجلنال أي كثير النوال, كما يقال: طائر راش أي كثير الريش, ويوم طان أي كثير الطين, وحمار صات أي كثير الصوت, قال النظار الأسدي: [الرجز]
كأنني فوق أقب سهوقٍ ... جأبٍ إذا عشر صات الإرنان
وقوله:
وقد أطال ثنائي طول لابسه ... إن الثناء على التنبال تنبال
стр. 1077
العرب تصف الرجل بالطول, ولذلك قال الأعشى: [المتقارب]
وإن معاوية الأكرمين ... حسان الوجوه طوال الأمم
أي القامات. وصف الممدوح بالطول وزعم أن الثناء على التنبال, وهو القصير, تنبال مثله, وأن ثناءه طال لطول من أثنى عليه.
وقوله:
إن كنت تكبر أن تختال في بشرٍ ... فإن قدرك في الأقدار يختال
يقال: اختال الرجل إذا بانت الخيلاء في مشيه. يقول: إن كنت لتواضعك وفضلك لا تختال في البشر؛ فإن قدرك يختال في أقدارهم من حيث لا تعلم.
وقوله:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال
يقول: لولا أن المجد والسيادة يصعبان لساد الناس أجمعون. ثم ذكر ما يمنع من السيادة وهو الجبن والبخل, فقال: الجود يفقر والإقدام قتال, وقد وصفت الشعراء أن الأخلاق الشريفة تتعذر على الناس, قال الشاعر: [البسيط]
يا أيها المتمني أن يكون فتًى ... مثل ابن زيدٍ لقد خلى لك السبلا
اعدد نظائر أخلاقٍ عددن له ... هل سب من أحدٍ أو سب أو بخلا
وبيت أبي الطيب مثل بيت الطائي وهو قوله: [الخفيف]
فعلمنا أن ليس إلا بشق النفـ ... ـس صار الكريم يدعى كريما
وقوله:
وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كل ماشيةٍ بالرجل شملال
стр. 1078
يقال: ناقة شملال أي حسنة المشي سريعة, وأكثر ما يستعمل في النوق, قال الراجز: [الرجز]
وقد أقود بالكرام الأزوال ... مشمرًا بذات لوثٍ شملال
وبعض الناس يروي قول امرئ القيس: [الطويل]
كأني بفتخاء الجناحين لقوةٍ ... على عجلٍ منها أطأطئ شملالي
وقافيتها من المتواتر.
ومن أبيات أولها
أتحلف لا تكلفني مسيرًا ... إلى بلدٍ أحاول فيه مالا
وزنها من أول الوافر.
قوله:
وأنت مكلفي أنبا مكانًا ... وأبعد شقةً وأشد حالا
يقال: نبا المكان بالرجل إذا لم يوافقه فأوجب رحيله عنه, ومنه قولهم: نبا السيف إذا لم يقطع, وذكر الأصمعي في الأمثال قولهم: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» وزعم أنه: من نبا ينبو غير مهموز؛ أي الصدق ينبي عنك أعداءك لا أن توعدهم بالشر. ولو جعلت الياء
стр. 1079
في ينبي مخففةً من الهمزة وأخذت الكلمة من قولهم: أنبا الرجل بكذا إذا خبر به لكان ذلك وجهًا؛ إلا أن بعض الناس يرى تخفيف هذه الهمزة ضرورةً, والشقة: البعد.
وقوله:
إذا سرنا عن الفسطاط يومًا ... فلقني الفوارس والرجالا
في الفسطاط لغات يقال: فستاط وفستاط, وتجعل الطاء مكان التاء, فيقال: فسطاط وفسطاط, وحكي: فساط بتشديد السين وضم الفاء وكسرها. وقيل: إنما سميت مصر الفسطاط لأن أول جيش للمسلمين ضرب لرئيسه فسطاط هناك, فحدث من ذلك تسمية الموضع بهذا الاسم. ويقال: إن عمرو بن العاص لما عزل عن مصر ضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية؛ فجعل يتزبع له تزبع التغيظ, ومعنى يتزبع: يقول ما لا يجمل مقال غضبان حقودٍ. والقافية من المتواتر.
ومن التي أولها
كدعواك كل يدعي صحة العقل ... ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل
الوزن من الطويل الأول.
يقول: كل الناس يدعي أنه عاقل؛ لأن الإنسان لا يعلم بما فيه من جهل.
وقوله (١٧٥/أ):
لهنك: ذهب قوم إلى أن هذه الهاء بدل من همزة إنك لأن أصل هذه اللام أن تكون في أول الكلام, وهي لام توكيد, فكرهوا الجمع بينها وبين أن لأنهما توكيدان, فلما جعلوا الهمزة هاءً استحسنوا مجيء اللام. ويدل على أنها بدل من همزة إن مجيء اللام في الخبر, قال الشاعر: [الطويل]
لهنك من عبسيةٍ لوسيمة ... على هنواتٍ كاذبٍ من يقولها
стр. 1080
وأنشد أبو زيد: [الكامل]
وأما لهنك من تذكر وصلها ... لعلى شفا يأسٍ وإن لم تيأس
وقال قوم: إنما أراد لله إنك, وحذف الهمزة لكثرة الاستعمال, ولأنهم حذفوا من هذا الاسم في قولهم:
لاه ابن عمك
يريدون: لله, وهذا أقوى من القول الأول, قال الشاعر: [الطويل]
لهن هوانا آل ليلي قديم ... وأفضل أهواء الرجال قديمها
ولم يجئ باللام في الخبر. وقال آخر: [الطويل]
ألا يا سنا برقٍ علي قلل الحمى ... لهنك من برقٍ علي كريم
ولما كثر اسم الله جلت عظمته على الألسن حذفوا منه الألف في الوقف فقالوا: [الرجز]
أقبل سيل جاء من عند الله ... يحرد حرد الجنة المغله
وقال آخر فحذف الألف في الوصل: [الوافر]
عليكم لعنة الله من رعاءٍ ... فقد ضاعت رعية ما رعيت
أتوني يضحكون ويهلكوها ... كأن وجوههم طليت بزيت
стр. 1081
يقول الشاعر للعاذلة: أنت أولى لائمٍ بملامة, وأحوج إلى العذل ممن تعذلين. وضم الذال في يعذل أكثر, وقد حكيت بالكسر.
وقوله:
تقولين ما في الناس مثلك عاشق ... جدي مثل من أحببته تجدي مثلي
نصب مثلك لأنها نكرة, والتقدير: ما في الناس عاشق مثلك فلما قدمت مثلك على عشاق, وهي وصف له, نصبت على الحال كما قال القائل: [الطويل]
وتحت العوالي والظبى مستظلةً ... ظباء أعارتها العيون الجآذر
نصب مستظلة لأنه نعت لظباءٍ مقدم؛ كأنه قال: وتحت العوالي ظباء مستظلة.
ويدلك على أن مثلك نكرة وأن مثل ليست تتعرف بالإضافة إلى المعرفة قول أبي محجن الثقفي: [الكامل]
يارب مثلك في النساء غريرةٍ ... بيضاء قد متعتها بطلاق
يقول: إذا وجدت مثل من أحببته وجدت مثلي فإذا تعذر وجوده تعذر وجود من يشبهني.
وقوله:
محب كنى بالبيض عن مرهفاته ... وبالحسن في أجسامهن عن الصقل
أراد أنا محب فحذف لعلم السامع, ووصف نفسه بأن أحبابه السيوف, وأنه كنى بالبيض عن المرهفات التي هي الصوارم لا عن المرهفات التي عني بها النساء, وكنى عن الصقل بالحسن.
стр. 1082
وقوله:
فما حرمت حسناء بالهجرٍ غبطةً ... ولا بلغتها من شكا الهجر بالوصل
الغبطة ما يسر الإنسان ويغبط عليه أي يحسد. وأصل الغبط أن يحسد الرجل غيره ويؤثر أن يكون له مثل ماله, ولا يكون له غرض في زوال نعمة المغبوط. والحسد أن يكون الحاسد مشتهيًا لزوال ما أعطيته المحسود, قال لبيد: [المنسرح]
كل بني حرةٍ مصيرهم ... قل وإن أكثرت من العدد
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يومًا يصيروا للبؤس والنكد
فقال الشاعر على سبيل الادعاء: فما حرمت حسناء غبطةً بالهجر, ولا بلغتها من شكا الهجر بالوصل. الهاء في بلغتها راجعة إلى الغبطة.
وقوله:
تريدين لقيان المعالي رخيصةً ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل
يقولون: لقيان ولقيان بضم اللام وكسرها. يقول لعاذلته: تريدين أن تأخذي المعالي رخيصةً ولابد دونها من لقيان الشدائد, كما أن مشتار الشهد يصبر على إبر النحل ليبلغ إلى ما يريد.
وجبال السراة يلاقي فيها مشتار العسل شدةً؛ لأنها تكون في مواضع يتعذر إليها الوصول؛ وذلك أن بعضها يعسل في عرض الجبل, فلا يمكن صعود المشتار إليها من أسفل الجبل؛ فيتدلى عليها من أعلاه بحبالٍ. قال أبو ذؤيب يصف المشتار: [الطويل]
تدلى عليها بالحبال موثق ... شديد الوصاة نابل وابن نابل
فحط عليها والضلوغ كأنها ... من الرعب أشباه السهام النواصل
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوبٍ عوامل
لم يرج في معنى: لم يخف.
стр. 1083
وقوله (١٧٥/ب):
حذرت علينا الموت والخيل تدعي ... ولم تعلمي عن أي عاقبةٍ تجلي
جعل الادعاء الخيل وإنما الادعاء للفوارس, ومثل هذا كثير في كلامهم؛ يستعيرون الشيء من الاسم إلى مقاربه كما يقولون: قامت الحرب, وإنما يريدون قام الذين يتحاربون, وقد علم أن الحرب لا تقوم؛ لأن القيام من أفعال الحيوان.
وقوله:
ولست غبينًا لو شريت منيتي ... بإكرام دلار بن لشكروزٍ لي
البغداديون يفتحون دال دلار وهم أخبر بكلام فارس؛ لأنهم نشأوا مع الديلم وغيرهم من الفرس. والعرب تجري على تغيير الأسماء الأعجمية. ودلار على وزن فعال وليس له اشتقاق في كلام العرب؛ لأن الدلر كلمة لم تستعمل.
وقوله:
تمر الأنابيب الخواطر بيننا ... ونذكر إقبال الأمير فتحلولي
تحلولي: تفعوعل من الحلاوة. يقال: احلولى الشيء فهو محلولٍ, وأصل هذه الكلمة ألا تكون متعدية إلى مفعولٍ, وقد جاءت متعديةً في بعض المواضع, قال حميد بن ثور: [الطويل]
فلما مضى عامان بعد انفصاله ... عن الضرع واحلولى دماثًا يرودها
وقال تأبط شرًا: [الطويل]
يظل بموماةٍ ويمسي بغيرها ... جحيشًا ويعروري ظهور المهالك
عدى يعروري إلى جحيشٍ. وفي هذا البيت سناد وهو مجيء الواو قبل اللام التي هي الروي, وسهله بعض التسهيل أن الواو إذا انفتح ما قبلها لم يكمل لينها وكذلك الياء.
والسناد خمسة أضربٍ: سناد التأسيس: وهو أن يكون بيت مؤسسًا وبيت غير مؤسس.
والتأسيس: ألف بينها وبين حرف الروي حرف يسمى الدخيل, وذلك مثل قول العجاج: [الرجز]
стр. 1084
يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي
ثم قال فيها:
فخندف هامة هذا العالم
فألف العالم تأسيس. وقيل إن رؤبة كان يعيب هذا من كلام أبيه. وحكي عن يونس بن حبيبٍ أن لغة العجاج كانت أن يهمز ألف العالم, ورؤبة أعلم بكلام العجاج, وفتحة اللام في العالم تسهل السناد بعض التسهيل؛ لأن العادة فيما بعد ألف التأسيس أن يكون مكسورًا في أكثر القصائد, والناس يروون في هذه الأرجوزة:
مكرمٍ للأنبياء خاتم
فتح التاء في خاتم أقل عيبًا من كسرها, فهذا ضرب من ضروب السناد.
والضرب الثاني: سناد الردف؛ وهو أن يجيء بيت مردف وبيت غير مردفٍ كبيت أبي الطيب. فإن كان ما قبل الردف مفتوحًا فهو أحسن من الضم والكسر, ومثل بيت أبي الطيب قول الحطيئة: [الطويل]
إلى الروم والأحبوش حتى تناولا ... بأيديهما مال المرازبة الغلف
وبالطوف نالا خير ما ناله الفتى ... وما المرء إلا بالتقلب والطوف
ومثل ذلك شعر ينسب إلى الكسعي الذي يضرب به المثل في الندامة فيقال: «ندم ندامة الكسعي» وهو: [الوافر]
стр. 1085
ندمت ندامةً لو أن نفسي ... تطاوعني إذًا لبتكت خمسي
تبين لي سفاه الرأي مني ... لعمر الله حين كسرت قوسي
والضرب الثالث من ضروب السناد: سناد الإشباع. والإشباع حركة الحرف الدخيل, وهو الحرف الذي بين حرف التأسيس وحرف الروي في الشعر المطلق, فإذا جاء مفتوحًا مع مكسور فذلك سناد؛ كقول الراجز: [الرجز]
يا نخل ذات السدر والجراول ... تطاولي ما شئت أن تطاولي
فإن جاءت الضمة مع الكسرة فهو أسهل من مجيء الفتحة معها؛ لأن الكسرة والضمة متواخيتان, قال قيس بن الخطيم: [الطويل]
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب
صدود خدودٍ والقنا متشاجر ... ولم تبرح الأقدام عند التضارب
والضرب الرابع من السناد: سناد الحذو وهو أن يكون ما قبل الردف مكسورًا, ثم يجيء مفتوحًا, أو تجيء الفتحة مع الضمة, قال عمرو بن معدي كرب فجاء بياءٍ مكسورٍ ما قبلها مع ياءٍ قبلها فتحة, وفي القصيدة واو ما قبلها مفتوح, قال: [الوافر]
تقول ظعينتي لما رأته ... شريجًا بين مبيض وجون
تراه كالثغام يعل مسكًا ... يسر الفاليات إذا فليني
وفي القصيدة:
لصلصلة اللجام برأس طرفٍ ... أحب إلي من أن تنكحيني
فأقسم لو جعلت علي دينًا ... بطعة فارسٍ لقضيت ديني
стр. 1086
وقال عبيد بن الأبرص: [الوافر]
فإن يك فاتني ومضى شبابي ... وأصبح عارضي مثل اللجين
فقد ألج الخباء على عذارى ... كأن عيونهن عيون عين
(١٧٦/أ) والضرب الخامس من السناد هو: سناد التوجيه, وهي حركة ما قبل الروي في الشعر المقيد كان الخليل يرى اختلافها سنادًا كقول امرئ القيس: [المتقارب]
لا وأبيك ابنة العامر ... ي لا يدعي القوم أني أفر
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعًا صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر
جاء بالفتحة مع الضمة والكسرة, وكان سعيد بن مسعدة لا يرى ذلك عيبًا لأنه كثير في أشعار الفحول.
وقوله:
فلا عدمت أرض العراقين فتنةً ... دعتك إليها كاشف الخوف والمحل
العراقان يراد بهما الكوفة والبصرة, وهما المصران والبصرتان, وقالوا للجزيرة وللموصل: الموصلان, وهو من جنس قولهم: العمران. وكاشف الخوف والمحل يحتمل أن يكون منصوبًا على النداء والحال.
стр. 1087
وقوله:
ونرمي نواصيها من اسمك في الوغى ... بأنفذ من نشابنا ومن النبل
ونرمي نواصيها: أي نواصي خيل الأعداء نرميها إذا سميناك بما هو أقتل لها من نشابنا ومن النبل. والنشاب: كلمة عربية, وهي مأخوذة من قولهم: نشب في الشيء إذا علق به, قال ابن أبي ربيعة: [الكامل]
فسمعت ما قالت فبت كأنما ... يرمى الحشى بنوافذ النشاب
وقوله:
فإن تك من بعد القتال أتيتنا ... فقد هزم الأعداء ذكرك من قبل
قبل هاهنا نكرة, ولو كانت معرفةً لضمت وجعلت غايةً, وكذلك إذا جاءت منصوبةً؛ فهي ف يحال التنكير إذا قلت: جئت قبلا.
وقوله:
ومازلت أطوي القلب قبل اجتماعنا ... على حاجةٍ بين السنابك والسبل
السنابك: مقاديم الحوافر, ويقال للأرض الغليظة: سنبك. وجاء في الحديث: «تخرجكم الروم منها كفرًا كفرًا كما أخرجتموهم منها طفرًا طفرًا إلى سنبكٍ من الأرض» قيل: وما ذاك السنبك, قال: «حسمى جذام».
يريد الشاعر أنه كان يطوي في نفسه حاجة بين السنابك والسبل؛ أي إني كنت أريد المسير إليك وتلك حاجة بين السبل وبين السنابك؛ يعني سنابك الخيل.
وقوله:
وخيلٍ إذا مرت بوحشٍ وروضةٍ ... أبت رعيها إلا ومرجلنا يغلي
стр. 1088
وصف أن خيلهم سوابق يصطاد عليها الوحش؛ فإذا مرت بروضة ووحش أبت رعيها إلا إذا غلت مراجلنا بلحم الصيد؛ وإنما المراد بهذا الوصف أصحابها وفرسانها؛ لأن الخيل لا يمكن أن تعتقد ذلك, وإنما هذا اللفظ كقولهم: صرعت الخيل فلانًا؛ وإنما صرعه الفارس بطعنةٍ أو ضربةٍ. قال الشاعر: [الطويل]
فكان صريع الخيل أول وهلةٍ ... فأهون به مختار جهلٍ على علم
وقوله:
ولكن رأيت الفضل في القصد شركةً ... وكان لك الفضلان بالقصد والفضل
يقول: كان عزمنا أن نقصدك, والقصد مقترن بفضل القاصد؛ فلما اتفق ورودك كان الفضلان لك لأنك جئتنا فلم نحتج أن نسير إليك. وقد شرح هذا البيت بما بعده وهو قوله:
وليس الذي يتبع الوبل رائدًا ... كمن جاءه في داره رائد الوبل
يقول: ليس الذي يسير فيرد مواقع الغيث كآخر مقيم جاءه المطر في بلاده؛ أي كنت أيها الرجال كالسحاب الذي جاءنا مطره ولم يحوجنا إلى المسير لنرعى ما أنبته فيما بعد من الأماكن.
وقوله:
وقاد لها دلار كل طمرةٍ ... تنيف بخديها سحوق من النخل
هذا المعنى قد سبق إليه الشعراء, قال امرؤ القيس: [المتقارب]
وسالفةٍ كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوي السعر
يريد أنها شقراء فكأن غويًا أضرم في رأس نخلة نارًا, وهذا نحو من قول طفيل الغنوي: [الطويل]
كأن على أعرافه ولجامه ... سنا ضرمٍ من عرفجٍ متلهب
والليان: جمع لينه وهو ضرب من النخل وقال قوم: كل نخلة لينة. وقافيتها من المتواتر.
стр. 1089
ومن القصيدة التي أولها
أثلث فإن أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل
وزنها من رابع الكامل.
قوله: أثلث من ثلثت الاثنين إذا كنت لهم ثالثًا. يقول: نحن نبكي والإبل ترزم؛ أي نحن فابك أيها الطلل أو افعل ما يدل على أسفك. ويقال: أرزمت الناقة إذا حنت. قال أبو ذؤيب: [الطويل]
فتلك التي لا يبرح القلب حبها ... ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل
وقوله:
أو لا فلا عتب على طللٍ ... إن الطلول لمثلها فعل
يقول: افعل أيها الطلل كما تفعل أو لا تفعل شيئًا, فإن الطلول عادتها ألا تظهر أسفًا على الظاعن.
وقوله:
لو كنت تنطق قلت معتذرًا ... بي غير ما بك أيها الرجل
أبكاك أنك بعض من شغفوا ... ولم ابك أني بعض من قتلوا
يقول: لو أنك (١٧٦/ب) تقدر على النطق لاعتذرت من تركك البكاء ونحوه؛ فقلت: أبكاك أيها القائل أنهم شغفوك؛ أي غلبوا على قلبك فبكيت إذ فارقوك, ولم أبك لأنهم قتلوني برحيلهم, وليس عند المقتول بكاء ولا غيره مما يفعله الأحياء. وألقى حركة الهمزة من أبك على ميم "لم" وحذفها.
وقوله:
إن الذين أقمت واحتملوا ... أيامهم لديارهم دول
هذا البيت يجوز أن يكون متصلًا بالكلام المحكي على الطلل ولا يمتنع أن يكون من خطاب الشاعر إياه. والبيت يحتمل ضم التاء من أقمت وفتحها.
стр. 1090
وقوله:
الحسن يرحل كلما رحلوا ... معهم وينزل حيثما نزلوا
في مقلتي رشأٍ تديرهما ... بدوية فتنت بها الحلل
تشكو المطاعم طول هجرتها ... وصدودها ومن الذي تصل
ما أسأرت في القعب من لبنٍ ... تركته وهو المسك والعسل
أسأرت: في معنى أبقت, ولم يزل الكلام يحتمل أن يكون حكايةً عن الطلل, وعن الشاعر حتى جاء هذا البيت وهو قوله:
قالت ألا تصحو
فعلم أنه من كلام الشاعر.
وقوله:
ملك إذا ما الرمح أدركه ... أود ذكرناه فيعتدل
الأود: الاعوجاج, وهذه دعوى مفرطة ولكن الشعراء يفعلون ذلك. يقول: هذا الملك قد عدل في رعاياه حتى إن الرمح إذا اتأذ, أي اعوج, ذكر له فاعتدل.
وقوله:
حتى أتى الدنيا ابن بجدتها ... فشكا إليه السهل والجبل
يقال: هو ابن بجدة الأمر والأرض إذا كان عالمًا بها وبما يشكل من الأمور. يقال: بجد في المكان إذا أقام به, لأن من أقام بالأرض علم كيف تكون أحوال أهلها, وكيف يجب أن يدبرها من وليها, فلما جاء هذا الممدوح إلى الدنيا وهي محتاجة إلى العدل شكا سهلها وجبلها إليه.
وقوله:
شكوى العليل إلى الكفيل به ... ألا تمر بجسمه العلل
يقول: شكا إليه السهل والجبل شكوى العليل إلى الكفيل به, والهاء في به راجعة إلى العليل. والكفيل الذي يكفل أي يضمن, والمضمون أن هذا العليل لا تمر العلل بجسمه.
следующие страницы →