Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وقال عبيد بن الأبرص: [الوافر]
فإن يك فاتني ومضى شبابي ... وأصبح عارضي مثل اللجين
فقد ألج الخباء على عذارى ... كأن عيونهن عيون عين
(١٧٦/أ) والضرب الخامس من السناد هو: سناد التوجيه, وهي حركة ما قبل الروي في الشعر المقيد كان الخليل يرى اختلافها سنادًا كقول امرئ القيس: [المتقارب]
لا وأبيك ابنة العامر ... ي لا يدعي القوم أني أفر
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعًا صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر
جاء بالفتحة مع الضمة والكسرة, وكان سعيد بن مسعدة لا يرى ذلك عيبًا لأنه كثير في أشعار الفحول.
وقوله:
فلا عدمت أرض العراقين فتنةً ... دعتك إليها كاشف الخوف والمحل
العراقان يراد بهما الكوفة والبصرة, وهما المصران والبصرتان, وقالوا للجزيرة وللموصل: الموصلان, وهو من جنس قولهم: العمران. وكاشف الخوف والمحل يحتمل أن يكون منصوبًا على النداء والحال.
стр. 1087
وقوله:
ونرمي نواصيها من اسمك في الوغى ... بأنفذ من نشابنا ومن النبل
ونرمي نواصيها: أي نواصي خيل الأعداء نرميها إذا سميناك بما هو أقتل لها من نشابنا ومن النبل. والنشاب: كلمة عربية, وهي مأخوذة من قولهم: نشب في الشيء إذا علق به, قال ابن أبي ربيعة: [الكامل]
فسمعت ما قالت فبت كأنما ... يرمى الحشى بنوافذ النشاب
وقوله:
فإن تك من بعد القتال أتيتنا ... فقد هزم الأعداء ذكرك من قبل
قبل هاهنا نكرة, ولو كانت معرفةً لضمت وجعلت غايةً, وكذلك إذا جاءت منصوبةً؛ فهي ف يحال التنكير إذا قلت: جئت قبلا.
وقوله:
ومازلت أطوي القلب قبل اجتماعنا ... على حاجةٍ بين السنابك والسبل
السنابك: مقاديم الحوافر, ويقال للأرض الغليظة: سنبك. وجاء في الحديث: «تخرجكم الروم منها كفرًا كفرًا كما أخرجتموهم منها طفرًا طفرًا إلى سنبكٍ من الأرض» قيل: وما ذاك السنبك, قال: «حسمى جذام».
يريد الشاعر أنه كان يطوي في نفسه حاجة بين السنابك والسبل؛ أي إني كنت أريد المسير إليك وتلك حاجة بين السبل وبين السنابك؛ يعني سنابك الخيل.
وقوله:
وخيلٍ إذا مرت بوحشٍ وروضةٍ ... أبت رعيها إلا ومرجلنا يغلي
стр. 1088
وصف أن خيلهم سوابق يصطاد عليها الوحش؛ فإذا مرت بروضة ووحش أبت رعيها إلا إذا غلت مراجلنا بلحم الصيد؛ وإنما المراد بهذا الوصف أصحابها وفرسانها؛ لأن الخيل لا يمكن أن تعتقد ذلك, وإنما هذا اللفظ كقولهم: صرعت الخيل فلانًا؛ وإنما صرعه الفارس بطعنةٍ أو ضربةٍ. قال الشاعر: [الطويل]
فكان صريع الخيل أول وهلةٍ ... فأهون به مختار جهلٍ على علم
وقوله:
ولكن رأيت الفضل في القصد شركةً ... وكان لك الفضلان بالقصد والفضل
يقول: كان عزمنا أن نقصدك, والقصد مقترن بفضل القاصد؛ فلما اتفق ورودك كان الفضلان لك لأنك جئتنا فلم نحتج أن نسير إليك. وقد شرح هذا البيت بما بعده وهو قوله:
وليس الذي يتبع الوبل رائدًا ... كمن جاءه في داره رائد الوبل
يقول: ليس الذي يسير فيرد مواقع الغيث كآخر مقيم جاءه المطر في بلاده؛ أي كنت أيها الرجال كالسحاب الذي جاءنا مطره ولم يحوجنا إلى المسير لنرعى ما أنبته فيما بعد من الأماكن.
وقوله:
وقاد لها دلار كل طمرةٍ ... تنيف بخديها سحوق من النخل
هذا المعنى قد سبق إليه الشعراء, قال امرؤ القيس: [المتقارب]
وسالفةٍ كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوي السعر
يريد أنها شقراء فكأن غويًا أضرم في رأس نخلة نارًا, وهذا نحو من قول طفيل الغنوي: [الطويل]
كأن على أعرافه ولجامه ... سنا ضرمٍ من عرفجٍ متلهب
والليان: جمع لينه وهو ضرب من النخل وقال قوم: كل نخلة لينة. وقافيتها من المتواتر.
стр. 1089
ومن القصيدة التي أولها
أثلث فإن أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل
وزنها من رابع الكامل.
قوله: أثلث من ثلثت الاثنين إذا كنت لهم ثالثًا. يقول: نحن نبكي والإبل ترزم؛ أي نحن فابك أيها الطلل أو افعل ما يدل على أسفك. ويقال: أرزمت الناقة إذا حنت. قال أبو ذؤيب: [الطويل]
فتلك التي لا يبرح القلب حبها ... ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل
وقوله:
أو لا فلا عتب على طللٍ ... إن الطلول لمثلها فعل
يقول: افعل أيها الطلل كما تفعل أو لا تفعل شيئًا, فإن الطلول عادتها ألا تظهر أسفًا على الظاعن.
وقوله:
لو كنت تنطق قلت معتذرًا ... بي غير ما بك أيها الرجل
أبكاك أنك بعض من شغفوا ... ولم ابك أني بعض من قتلوا
يقول: لو أنك (١٧٦/ب) تقدر على النطق لاعتذرت من تركك البكاء ونحوه؛ فقلت: أبكاك أيها القائل أنهم شغفوك؛ أي غلبوا على قلبك فبكيت إذ فارقوك, ولم أبك لأنهم قتلوني برحيلهم, وليس عند المقتول بكاء ولا غيره مما يفعله الأحياء. وألقى حركة الهمزة من أبك على ميم "لم" وحذفها.
وقوله:
إن الذين أقمت واحتملوا ... أيامهم لديارهم دول
هذا البيت يجوز أن يكون متصلًا بالكلام المحكي على الطلل ولا يمتنع أن يكون من خطاب الشاعر إياه. والبيت يحتمل ضم التاء من أقمت وفتحها.
стр. 1090
وقوله:
الحسن يرحل كلما رحلوا ... معهم وينزل حيثما نزلوا
في مقلتي رشأٍ تديرهما ... بدوية فتنت بها الحلل
تشكو المطاعم طول هجرتها ... وصدودها ومن الذي تصل
ما أسأرت في القعب من لبنٍ ... تركته وهو المسك والعسل
أسأرت: في معنى أبقت, ولم يزل الكلام يحتمل أن يكون حكايةً عن الطلل, وعن الشاعر حتى جاء هذا البيت وهو قوله:
قالت ألا تصحو
فعلم أنه من كلام الشاعر.
وقوله:
ملك إذا ما الرمح أدركه ... أود ذكرناه فيعتدل
الأود: الاعوجاج, وهذه دعوى مفرطة ولكن الشعراء يفعلون ذلك. يقول: هذا الملك قد عدل في رعاياه حتى إن الرمح إذا اتأذ, أي اعوج, ذكر له فاعتدل.
وقوله:
حتى أتى الدنيا ابن بجدتها ... فشكا إليه السهل والجبل
يقال: هو ابن بجدة الأمر والأرض إذا كان عالمًا بها وبما يشكل من الأمور. يقال: بجد في المكان إذا أقام به, لأن من أقام بالأرض علم كيف تكون أحوال أهلها, وكيف يجب أن يدبرها من وليها, فلما جاء هذا الممدوح إلى الدنيا وهي محتاجة إلى العدل شكا سهلها وجبلها إليه.
وقوله:
شكوى العليل إلى الكفيل به ... ألا تمر بجسمه العلل
يقول: شكا إليه السهل والجبل شكوى العليل إلى الكفيل به, والهاء في به راجعة إلى العليل. والكفيل الذي يكفل أي يضمن, والمضمون أن هذا العليل لا تمر العلل بجسمه.
стр. 1091
وقوله:
قالت, فلا كذبت, شجاعته ... أقدم فنفسك ما لها أجل
ادعى الشاعر أن شجاعة هذا الممدوح قالت له: أقدم فما لنفسك أجل تخشاه كآجال الناس.
وقوله:
عدد الوفود العامدين له ... دون السلاح الشكل والعقل
فلشكلهم في خيله عمل ... ولعقلهم في بخته شغل
الوفود تجيء معها بالشكل والعقل, فالشكل تعدها لخيله الموهوبة لهم, والعقل تريدها لإبله التي تصير إليهم.
وقوله:
تمسي على أيدي مواهبه ... هي أو بقيتها أو البدل
يقول: الذي تأخذه الوفود من خيله وإبله على ثلاثة أصنافٍ: فإما أن تكون موفورةً قد كان قبلها غيرها فهي تسلم إليهم, وإما أن تكون قد بقيت منها بقية فهم المحكمون فيها, أو قد وهبها كلها واستبدل غيرها فهم يأخذون البدل.
وقوله:
نشتاق من يده إلى سبلٍ ... شوقًا إليه ينبت الأسل
السبل: المطر. يقول: نشتاق من يده إلى مطرٍ ينبت الأسل, أي الرماح, شوقًا إلى يديه لأنه يطعن به الأعداء.
وقوله:
سبل تطول المكرمات به ... والمجد لا الحوذان والنفل
الحوذان والنفل ضربان من النبت. أي: جودهذا الممدوح تطول به المكارم, وليس هو كغيره من الأمطار ينبت به الحوذان والنفل وغيرهما من النبات.
وقوله:
وإلىحصى أرضٍ أقام بها ... بالناس من تقبيلها يلل
стр. 1092
يقول: ينبت الأسل (١٧٧/أ) شوقًا إلى يده وإلى حصى أرضٍ هو نازل بها يقبلها الناس حتى بهم يلل من تقبيلها. واليلل: انقلاب الأسنان إلى داخل. يقال: رجل أيل وامرأة يلاء. قال لبيد: [الرمل]
رقميات عليها ناهض ... تكلح الأروق منهم والأيل
وقوله:
إن لم تخالطه ضواحكهم ... فلمن تصان وتذخر القبل
يقول: الناس يشتاقون إلى تقبيل حصى هذه الأرض, وإن لم تخالط ضواحكهم, وهي ما ظهر من أسنان الإنسان إذا ضحك, هذا الحصى المذكور فلأي شيء تذخر القبل؟
وقوله:
وإذا الخميس أبى السجود له ... سجدت له فيه القنا الذبل
يقول: إذا لم يسجد له الخميس, وإنما أراد بالسجود انحناءهم لتقبيل الأرض, سجدت له فيه - أي في الخميس - القنا الذبل, أي خفضت للطعن فكأنها ساجدة.
وقوله:
وإذا القلوب أبت حكومته ... رضيت بحكم سيوفه القلل
يقول: إذا أبت قلوب الأعداء ما يحكم رضيت القلل بأن تصيبها سيوفه, والقلل أعالي الرؤوس.
وقوله:
أرضيت وهسوذان ما حكمت ... أم تستزيد, لأمك الهبل
وهسوذان: الخارجي الذي خرج على بني بويه, وفي حكمت ضمير عائد إلى سيوف الممدوح وقناه.
وقوله:
وردت بلادك غير مغمدةٍ ... وكأنها بين القنا شعل
يقول: وردت هذه السيوف بلادك يا أيها الخارجي وكأنها شعل بين الرماح.
стр. 1093
وقوله:
والقوم في أعيانهم خزر ... والخيل في أعيانها قبل
الأعيان: جمع عينٍ وهو جمع القلة, وأعين أكثر في الكلام, قال الشاعر: [الطويل]
ولكنما أغدو علي مفاضة ... دلاص كأعيان الجراد المنظم
وأنشد أبو زيد: [البسيط]
إما تري شمطًا في الرأس حل به ... من بعد أسود داجي اللون فينان
فقد أروع قلوب الغانيات به ... حتى يملن بأجيادٍ وأعيان
وقال آخر في الأعين: [الكامل]
ونظرن من خلل السجوف بأعينٍ ... مرضى مخالطها السقام صحاح
والخزر أن ينظر الإنسان بجانب عينه الذي يلي الأنف.
وقوله:
فأتوك ليس لمن أتوا قبل ... بهم وليس لمن نأوا خلل
قد تردد في شعره مثل قوله: ليس لمن أتوا قبل, والأحسن أن يكون الفعل موحدًا في خبر من إذا أمكن ذلك. تقول: جاءني من أكرمك؛ فيكون أحسن من قولك: من أكرموك. فأما قوله: فأتوك ليس لمن أتوا فما يمكن فيه توحيد الفعل إذ كان قد سبقه قولهم: أتوك. وقوله: ليس لمن نأوا قد يمكن فيه توحيد الفعل؛ إلا أنه لما جمع في النصف الأول آثر أن يقول: نأوا في النصف الثاني.
وقوله:
لم يدر من بالري أنهم ... فصلوا ولا يدري إذا قفلوا
يقول: أنصار هذا الملك كثير؛ فبعضهم يهزم أعداءه, وجماعة من أصحابه لم يعلموا بغزو الجيش ولا قفوله.
стр. 1094
وقوله:
فأتيت معتزمًا ولا أسد ... ومضيت منهزمًا ولا وعل
يقول: أتيت معتزمًا ولا أسد يعتزم كاعتزامك, ومضيت منهزمًا ولا وعل ينهزم كانهزامك.
وقوله:
تعطي سلاحهم وراحهم ... ما لم تكن لتناله المقل
يقول: انهزمت وأعطيت سلاح هؤلاء القوم الذين هم عند عضد الدولة وراحهم, جمع راحة اليد, ما لم تكن لتناله المقل من بعده.
وقوله:
أسخى الملوك بنقل مملكةٍ ... من كاد عنه الرأس ينتقل
جعل وهسوذان ملكًا, وذكر أن أسخى الملوك بنقل مملكة من كاد عنه الرأس ينتقل؛ يعني وهسوذان.
وقوله (١٧٧/ب):
لولا الجهالة ما دلفت إلى ... قومٍ غرقت وإنما تفلوا
يقول: لولا جهالتك أيها الخارجي مادلفت إلى قوم. يقال: دلف الرجل يدلف دلفًا إذا مشى مشيًا متقاربًا مثل مشي الشيخ الكبير. ومشى الرجل في الحرب إذا أثقله السلاح, قال أوس بن حجر: [الطويل]
كهمك لا عهد الشباب يضلني ... ولا هرم ممن توجه دالف
يقول: دلفت إلى قومٍ غرقت؛ وإنما تفلوا عليك فغرقت في تفلتهم. وتفلوا أي بصقوا.
وقوله:
لا أقبلوا سرًا ولا ظفروا ... غدرًا ولا نصرتهم الغيل
يقول: لم يقبلوا إليك وهم يخفون أنفسهم ليختلوك بذلك, ولا نصروا عليك لغدرٍ
стр. 1095
بك؛ وإنما أخذوك ببأسهم وقوتهم ولم تعنهم عليك غيل الدهر؛ أي لم يلحقك موت ولا مرض فيصدك عن القتال.
وقوله:
لا يستحي أحد يقال له ... نضلوك آل بويه أو فضلوا
قدروا عفوا, وعدوا وفوا, سئلوا ... أغنوا, علوا أعلوا, ولوا عدلوا
يقال: استحيا الرجل واستحى وقد مر. ونضلوك أصله في النضال أي المراماة؛ يقال: ناضل فلان فلانًا إذا راماه, فإذا غلب واحد منهما الآخر قيل: نضله ينضله, وأصل النضال أن يتراميا لينظر أيهما أجود رميًا وأبعد سهمًا, ثم جعل النضال المراماة في الحرب, قال أبو حية النميري: [الطويل]
ألا رب يومٍ لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم
ثم أخرج النضال إلى المفاخرة وإن لم يكن ثم رماء, قال الشاعر: [البسيط]
قد ناضلوك فأبدوا من كنائنهم ... مجدًا تليدًا ونبلًا غير أنكاس
يقال: إنهم كانوا إذا جزوا ناصية فارس جعلها أحدهم في كنانته, فإذا فاخر أظهرها وقال: هذه ناصية فلان.
والمعنى أن الشاعر قال: لا يستحي أحد يقال له: نضلك آل بويه أو نضلوك, وهذا نحو قولهم في صدر الإسلام: ما استحيا فارس انهزم من عبد الله بن خازم السلمي أو من
стр. 1096
قطري بن الفجاءة المازني. والبيت الذي أوله: «قدروا» قلما يوجد مثله في الأشعار لأنه أخبر عن الممدوحين بعشرة أخبار في بيتٍ واحد, وهو الرابع من الكامل, ولو أنه الأول لجاز أن يجيء فيه اثنا عشر خبرًا من هذا الجنس.
وقوله:
فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غايةً نزلوا
ادعى أن هؤلاء القوم فوق ما يطلبون من المعالي؛ فإذا أرادوا غايةً لا يصل إليها سواهم نزلوا إليها من مراتبهم إذ كانت أشرف مما يلتمسون.
وقوله:
قطعت مكارمهم صوارمهم ... فإذا تعذر كاذب قبلوا
يقول: هؤلاء القوم كرام تصد مكارمهم سيوفهم أن تقتل أعاديهم, فإذا تعذر إليهم المذنبون قبلوا المعاذير, وإن علموا أنها ليست بالصادقة.
وقوله:
لا يشهرون على مخالفهم ... سيفًا يقوم مقامه العذل
يقول: هؤلاء القوم فيهم رفق وإحسان؛ فهم لا يشهرون سيفًا إذا كان القول يكفيهم أن يشهروه. وهذا المعنى قد سبق إليه المتقدمون, وقال بعض الملوك: إذا كفاني الكلام لم أرفع السوط, وإذا كفاني السوط لم أشهر السيف.
وقوله:
فأبو علي من به قهروا ... وأبو شجاعٍ من به كملوا
حلفت لذا بركات غرة ذا ... في المهد ألا فاتهم أمل
أبو علي هو: الحسن بن بويه والد عضد الدولة أبي شجاع. يقول: أبو علي الذي ظفرهم بالمملكة, وأبو شجاع كملت لهم به الإرادة. والقافية من المتراكب.
стр. 1097
ومن التي أولها
ما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول ما له وما لي
وزنها من سادس السريع على رأي الخليل, وهي رجز عند العرب.
والهاء في قوله: ما له يعني بها نفسه؛ أي ما أجدر الأيام (١٧٨/أ) والليالي أن تشتكيني فتقول: ما له وما لي.
وقوله:
لا أن يكون هكذا مقالي ... فتًى بنيران الحروب صال
قوله: لا أن يكون هكذا مقالي؛ أي إني أشتكي وهي جديرة أن تشكوني, وفتًى بنيران الحروب صالٍ يريد به نفسه؛ أي أنا فتى صالٍ بنيران الحروب.
وقوله:
منها شرابي وبها اغتسالي ... لا تخطر الفحشاء لي ببال
الهاء في منها راجعة إلى نيران الحروب, يقول: إذا كان الناس يشربون الماء ويغتسلون به؛ فشرابي من نيران الحروب واغتسالي منها, ولما ذكر الاغتسال جاء بذكر الفحشاء.
وقوله:
لو جذب الزراد من أذيالي ... مخيرًا لي صنعتي سربال
ما سمته سرد سوى سروال ... وكيف لا وإنما إدلالي
يقول: لو أن الزراد خيرني فقال: ما تريد أن أصنع لك من اللباس لم أسمه شيئًا سوى سروال من زردٍ؛ لأن لي درعًا ومغفرًا. والرواية: سرد بالإضافة إلى سوى, وتنوين سردٍ أحسن. وقوله: لو جذب الزراد من أذيالي, يعني لو جذب أذيالي لينظر ما مقدار الذي أحتاج إليه. ومن شأن الخياط أن يفعل ذلك.
وقوله:
بفارس المجروح والشمال
المجروح والشمال: فرسان لعضد الدولة.
стр. 1098
وقوله:
لما أصار القفص أمس الخالي ... وقتل الكرد عن القتال
حتى اتقت بالفر والإحفال
القفص: موضع في جبال فارس يكون فيه قوم, وهذا الكلام يدل على أن عضد الدولة أوقع بالمقيمين في هذا الموضع وجعله كأمس الذاهب, وهذا كلام قديم, ويروى لصخر ابن عمرو بن الشريد: [الكامل]
ولقد قتلتكم ثناء وموحدًا ... وتركت مرة مثل أمس الدابر
ويجوز أن يعني بالقفص أهل القفص فحذف المضاف, وقد مضى مثل ذلك. وقوله: وقتل الكرد عن القتال: عن هاهنا كأنها تؤدي معنى الباء الخافضة؛ كأنه قال: وقتل الكرد بالقتال, كما يقال: مرض فلان عن أكل كذا أو عن شربه؛ أي بأكله وشربه. ولا يجوز أن تكون عن هاهنا كقولك: طردهم عن المكان لأن الوجه الأول أبلغ.
وقوله:
وفي رقاق الأرض والرمال ... على دماء الأنس والأوصال
الرقاق من الأرض: أرض صلبة فيها رمل, قال لبيد: [الرمل]
ورقاقٍ عسبٍ ظلمانه ... كحزيق الحبشيين الزجل
الحزيق جمع حزيقةٍ وهي الجماعة من الناس وغيرهم. والزجل: جمع زجلة وهي الجماعة أيضًا.
стр. 1099
وقوله:
منفرد المهر عن الرعال ... من عظم الهمة لا الملال
قيل إن عضد الدولة كان يتقدم أمام الجيش وحده ولا يكون معه أحد, وكذلك حكي عن نقفور دمستق الروم أنه كان يفعل.
وحدث قوم من الصوفية أنهم كانوا في بلاد فارس, وأنهم أصبحوا يومًا وهم أولو كلالٍ, فناموا في الشمس. قال المحدث عنهم كلامًا معناه أنهم أيقظهم فارس قد وقف عليهم, فسألهم عن حالهم, فأخبروه ثم تلاحق به العسكر وإذا هو عضد الدولة؛ فأمر لهم بشيء من المال فعرضه عليهم الخازن فلم يقبلوه, وكان قد رآهم بسوء حالٍ. قال المحدث: فلما رددنا المال رأيناه وهو يبكي.
وقوله:
ما يتحركن سوى انسلال ... فهن يضربن على التصهال
ما يتحركن يعني الخيل, وهذا الكلام عائد إلى الرعال وهي جمع رعيلٍ, والرعيل من الخيل: جماعة عليها فرسان, وقد يجوز أن تكون لا فوارس عليها إلا أنها في هذا الموضع لها فرسان, وجعلهن لا يتحركن لفط الهيبة, وإذا صهلن ضربن ليمسكن فلا يسمع لهن صهيل, هذا من قول الطائي: [الكامل]
فالمشي همس والنداء إشارة ... خوف انتقامك والحديث سرار
وقوله:
كل عليلٍ فوقها مختال ... يمسك فاه خشية السعال
من مطلع الشمس إلى الزوال
كل عليل يعني مريضًا فوق هذه الخيل, وهو من المختالين الذين تلحقهم (١٧٨/ب) الخيلاء لعظم قدرهم عند نفوسهم؛ يمسك فاه خشية أن يسعل لفرط الهيبة.
وقوله:
فلم يئل ما طار غير آل ... فما عدا فانغل في الأدغال
стр. 1100
فلم يئل أي لم ينج, وغير آلٍ غير مقصرٍ, وما عدا من العدو, وانغل في الشيء إذا دخل فيه, قال ذو الرمة: [الوافر]
تريك بياض سنتها ووجهًا ... كقرن الشمس أفتق ثم زالا
أصاب خصاصةً فبدا كليلاً ... كلا وانغل سائره انغلالا
الخصاصة: الفرجة. وقوله: كلا أي مثل قولك: لا, وهذا كقول الآخر في صفة أرض: [الطويل]
يكون نزول القوم فيها كلا ولا ... غشاشًا ولا يدنون رحلًا إلى رحل
والأدغال جمع دغلٍ وهو شجر ملتف.
وقوله:
وما احتمى بالماء والدحال ... من الحرام اللحم والحلال
الدحال: جمع دحلٍ وهو موضع يضيق رأسه ويتسع أسفله, وربما نبت في أسفله شيء من الشجر. ويوصف القبر بانه كالبئر الدحول؛ يريدون التي فيها موضع يضيق ثم يتسع, قال الشاعر: [الطويل]
فإن الذي تبكين قد حال دونه ... تراب وزوراء المقام دحول
وقوله: من الحرام اللحم والحلال؛ يعني بالحرام اللحم: الخنزير والدب وما جرى مجراهما, وبالحلال: الظبي والوعل.
وقوله:
سقيًا لدشت الأرزن الطوال
الدشت: الأرض الواسعة, وربما قيلت بالسين, وهي أعجمية, وقد تكلمت بها العرب, قال الأعشى: [المنسرح]
قد علمت فارس وحمير والـ ... أعراب بالدشت أيهم نزلا
стр. 1101
والأرزن شجر واحدته الأرزنة, وأنشد ابن السكيت: [البسيط]
إني وعيشك لا أقضي الغريم وإن ... طال المطال وما رقت له كبدي
إلا عصا أرزنٍ طارت برايتها ... تنتوء ضربتها بالكف والعضد
وأنشد ابن الأعرابي: [الرجز]
لو أن عودًا سمهريًا من قنا ... ومن جياد الأرزنات أرزنا
لاقى الذي لاقيته تفننا ... ومن تطاوحه الليالي عننا
والدهر والأيام يصبح قدونا
وقوله:
بين المروج الفيح والأغيال ... مجاور الخنزير للريبال
الفيح: جمع أفيح, والأغيال: جمع غيلٍ وهو شجر ملتف وقد مر ذكره. والخنزير يقال إنه ليس بعربي, وقال قوم: النون فيه زائدة وهو من قولهم: بعينه خزر, وقال قوم: بل هو مأخوذ من الخنزرة وهي فأس تكسر بها الحجارة سمي بذلك لغلظه وشدته.
وقوله:
داني الخنانيص في الأشبال ... مشترف الدب على الغزال
الخنانيص: أولاد الخنازير, الواحد خنوص. والخنص غير معروف في كلامهم. أي إن الأسد مجاورة فيه للخنازير, والدب في موضع مشرفٍ فهو يطل على الغزال لأنه في موضع سهل.
وقوله:
فقيدت الأيل في الحبال ... طوع وهوق الخيل والرجال
أهل اللغة يروون في الواحد: أيل وإيل, وقد ذكره هاهنا على أنه جمع, ويجوز أن
стр. 1102
يكون أبو الطيب وجده في بعض المواضع, ويجوز أن تكون الأيل جمع إيلٍ من قولهم: آل الشيء إلى كذا إذا صار إليه, ويعني بالأيل ما نجا من الوحوش؛ أي إن الناجي منها قد قيد في حبلٍ. والوهوق جمع وهقٍ, وهو شيء يكون مع الفوارس في الحرب؛ فربما ألقاه الفارس في عنق الآخر فكان ذلك سبب قتله أو أسره.
وقوله:
تسير سير النعم الأرسال ... معتمةً بيبس الأجذال
النعم: يراد به ما يملكه الناس من الإبل, فإذا قيل: الأنعام دخل فيه الظأن والمعز.
ويجيء في الشعر مذكرًا ولا يمنتع تأنيثه, قال خفاف بن ندبة: [السريع]
قد أشهد الغارة مبثوثةً ... تهوي هوي النعم الوارد
أراد أن الأوعال قد كثر صيدها فهي كثيرة كالنعم الذي بعضه في آثار بعضٍ, وكل شيء تتابع من الحيوان فهو أرسال كالجراد والقطا وغيرهما, قال امرؤ القيس: [السريع]
فيهن أرسال كرجل الدبا ... أو كقطا كاظمة الناهل
وقوله: بيبس الأجذال يعني قرون الوعول. واليبس ما يبس من الشجر؛ ولو رويت: اليبس جمع يابس لكان ذلك وجهًا. والأجذال: جمع جذلٍ وهو وتد غليظ, ويقال لأصل الشجرة: جذل.
فأما الحديث الذي جاء فيه: «أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب» ربما في هذا زادوا الكلام: وحجيرها المؤوم. يعني (١٧٩/أ) بالجذيل تصغير جذلٍ, وهو وتد ينصب في مراح الإبل لتحتك به الفصال الجربى, فلذلك قال المحكك, قال الهذلي: [الطويل]
على أنها قالت رأيت خويلدًا ... تغير حتى صار أسود كالجذل
стр. 1103
وعذيقها المرجب يعني تصغير عذقٍ بفتح العين وهي النخلة. والمرجب الذي يبنى تحته مثل الدكان إذا كثر حمله مخافة أن يميل, وقد مر. وحجيرها المؤوم؛ أي المدور الصلب. وقرون الوعول توصف بالعظم, ويقال: وعل ناخس إذا وصل قرنه إلى عجزه فنخسه.
وقوله:
ولدن تحت أثقل الأحمال ... قد منعتهن من التفالي
يقول: هذه الوعول عليها من قرونها ثقل, وهي مولودة معها, وإنما تثقلها في حال الكبر. وقد منعتهن من التفالي؛ أي بعضها لا يفلي بعضًا, لأن قرونها تمنعها من ذلك.
والحمر الوحشية يتفالين, قال ذو الرمة, وذكر حمير وحشٍ: [الطويل]
وظلت بملقى واجفٍ جزع المعى ... قيامًا تفالى مصلخما أميرها
المصلخم: المتكبر, ويعني بأميرها عير الآتن.
وقوله:
لا تشرك الأجسام في الهزال
يعني أن قرونها إذا قل عليها المرعى فهزلت لم تشكرها في الهزال؛ بل هي باقية على ما كانت عليه.
وقوله:
إذا تلفتن إلى الأظلال ... أرينهن أشنع الأمثال
يعني يتلفتن: الوعول. يقول: إذا تلفت إلى أظلالهن رأين خلقًا ليست بالحسنة, وأرينهن: يعني الأظلال.
كأنما خلقن للإذلال ... زيادةً في سبة الجهال
في خلقن ضمير يعود إلى القرون. يقول: كأنهن خلقن ليذللن الأوعال بثقلهن, وهن مع ذلك زيادة في سبة الجهال؛ لأن العامة يقولون: فلان قران وقرنان وأقرن, يريدون بذلك سبًا قبيحًا.
стр. 1104
وقوله:
والعضو ليس نافعًا في حال ... لسائر الجسم من الخبل
يقول: العضو إذا لم ينتفع به سائر الجسم فهو معدود من الخبال؛ أي يخبل الشخص الذي هو فيه. والخبال يوصف به الفاسد والمضطرب والمتغير العقل وغير ذلك من الأشياء المشاكلة هذه الأجناس. والعضو مبتدأ وخبره: من الخبال. والمعنى: أن اليد والرجل إذا لم ينتفع بها سائر الجسد فهي خبال له أي فساد. وبعض الناس يقول: إن قولهم: سائر كذا ينبغي أن يكون قد تقدمه شيء منه مثلما تقول: جاءني أخوك دون سائر أهلك, فالأخ بعض الأهل, قال الشنفرى: [الطويل]
إذا حملت رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري
لما كان رأسه بعض جسده جاز أن يكون سائر بعده, ولا يحسن أن يقال أكلت اللحم دون سائر العنب, وإنما حملهم على هذا القول أنهم يرون سائر الشيء بناءً على فاعلٍ من السؤر أي البقية. يقال: أسأر في الإناء إذا ترك فيه شيئًا قليلًا, وهذا القول يضعف لأن سؤر الشيء بقيته اليسيرة, وسائر يستعمل في الشيء الكثير, قال الشاعر: [الطويل]
وما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
المرء واحد. وقوله: سائر الناس يدخل فيه خلق كثير؛ وكأن هذا الوجه يدفع أن يكون سائر من السؤر, وإنما يجب أن يكون من قولهم: سار الشيء في غيره إذا انتشر فيه. يقول: سار النوم في جسده إذ سكن كل أعضائه, وسار الحديث في الناس إذا انتشر فيهم, ويقوي هذا المذهب أن سائرًا قد جاء وليس قبله شيء من جنسه, قال الراجز: [الرجز]
لو أن من يزجر بالحمام ... يقوم يوم وردها مقامي
إذا أضل سائر الأحلام
стр. 1105
وقوله:
فأوفت الفدر من الأوعال ... مرتديات بقسي الضال
أوفت أي علت وارتفعت. يقال: أوفى على الشيء إذا أشرف عليه من معالٍ, قال الشاعر: [البسيط]
أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب إنك وراد فما وردا
والفدر: الأوعال المسان, قال الراعي النميري: [الكامل]
وكأنما انتطحت على أثباجها ... فدر تشابه قد تممن وعولا
وقوله: مرتيداتٍ بقسي الضال؛ أي قرونهن على رؤوسهن كالأردية, وقد انحنين على أصلابهن فكأنهن قسي الضال, والضال: ضرب من الشجر وهو السدر (١٧٩/ب) البري, وما نبت على الأنهار منه فهو العبري, قال ذو الرمة: [الوافر]
قطعت إذا تخوفت العواطي ... ضروب السدر عبريًا وضالا
وقوله:
نواخس الأطراف للأكفال ... يكدن ينفذن من الآطال
يعني أن قرونها تنخس أكفالها بأطرافها ويكدن أن ينفذن من الآطال, جمع إطلٍ, وهو الخاصرة.
وقوله:
لها لحى سود بلا سبال ... يصلحن للإضحاك لا الإجلال
يقول: لهذه الوعول لحى يصلحن أن يضحك بهن, ولا يصلحن للإجلال من قولك: أجللت الرجل إذا أكرمته.
стр. 1106
وقوله:
كل أثيثٍ نبتها متفال ... لم تغذ بالمسك ولا الغوالي
يقول: لحاهن أثيثات النبت فكلها متفال؛ أي ليست رائحته بطيبة. والتفل ضد العطر. وامرأة متفال ضد معطار, قال امرؤ القيس: [الطويل]
إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها ... ومالت عليها هونةً غير متفال
والغوالي: كل ما غلا من الطيب من غلاء السعر؛ فأما خصومة الناس هذا الضرب من الطيب بالغالية, فيقال: إن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵇ دخل على معاوية فشم منه رائحةً طيبة فسأله عنها, فوصفها له, فقال معاوية: هذه غالية. والأشبه أن تكون الغالية كل شيء غالٍ من الطيب, وقيل: إن فاطمة ﵍ قالت لما مات النبي ﷺ : [الكامل]
ماذا على من مس تربة أحمدٍ ... ألا يمس مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام صرن لياليا
وقوله:
ترضى من الأدهان بالأبوال ... ومن ذكي الطيب بالدمال
يقول: إنها لا تدهن إلا أن يصيبها شيء من بولها فتقيمه مقام الدهن. والدمال نحو الزبل.
وقوله:
لو سرحت في عارضي محتال ... لعدها من شبكات المال
يقول: هذه اللحية لو سرحت في عارضي رجلٍ محتالٍ لعدها شبكةً يصطاد بها أموال الناس؛ لأنهم إذا نظروا إلى كبر لحيته ظنوا أن فيه خيرًا.
وقوله:
شبيهة الإدبار بالإقبال ... لا توثر الوجه على القذال
فاختلفت في وابلي نبال
стр. 1107
يريد أنها تنبت في قفاه كما تنبت في وجهه, فإذا أقبل فله لحية, وإذا أدبر فكذلك. يقول: رميت هذه الوعول بوبلين من نبال. وأصل الوابل في المطر, وهو الشديد الوقع, والنبال: جمع نبلٍ. وقال قوم: لا يقال للواحدة نبلة, وقال غيرهم: بل يقال: نبلة ونبلة, والقياس يوجب أن يقال: نبلة.
وقوله:
من أسفل الطود ومن معال ... قد أودعتها عتل الرجال
في كل كبدٍ كبدي نصال
دل على الوابلين من أين مجيئهما بقوله: من أسفل الطود ومن معال. والعتل: القسي الفارسية, وهذا البيت يروى لأمية بن أبي الصلت: [البسيط]
يرمون عن عتلٍ كأنها غبط ... وزمخرٍ يعجل الرامين إعجالا
ويروى: المرمي إعجالًا, والغبط: جمع غبيطٍ وهو مركب من مراكب النساء. يريد أن قسيهم منقوشة لأنهم كانوا ينقشون غبيط المرأة, والزمخر: سهام قصبية. والرجال: جمع راجل مثل: شاهد وشهادٍ, قال الشاعر: [الطويل]
أشد على رجال سعدٍ ونائل ... ومن يدعي الداعي إذا هو نددا
والهاء في أودعتها راجعة إلى الأوعال؛ يريد أن الرماة قد جعلت في كبد كل وعلٍ كبدي نصال, وكبد النصل ما غلظ منه.
وقوله:
فهن يهوين من القلال ... مقلوبة الأظلاف والأرقال
يهوين, يعني الوعول, أي يرمين فيتساقطن ولا ينحدرن كعادتهن في الانحدار؛ بل تنقلب أظلافهن وإرقالهن؛ لأنهن كن يقمن على الأظلاف ويرقلن بها فسقطن على غير هذه السجية.
стр. 1108
وقوله:
يرقلن في الجو على المحال ... في طرقٍ سريعة الإيصال
يريد أنهن يسقطن من (١٨٠/أ) أعلى الجبل فيسقطن على ظهورهن. والمحال: جمع محالةٍ وهي فقارة الظهر. وقوله: في طرق سريعة الإيصال؛ أي إن الساقط من أعلى الجبل يصل إلى الأرض سريعًا, وإذا انحدر لنفسه أبطأ في النزول.
وقوله:
ينمن فيها نيمة الكسال ... على القفي أعجل العجال
أخبر أنهن ينمن, ولا نوم هنالك, وإنما يشبهن النائم لأنهن يهوين علي جنوبهن كما أن النائم يضطجع. والكسال: جمع كسلان مثل: عطشان وعطاش, ويقال: ما أحسن نيمته أي ضجعته للنوم. يقول: ينزلن على قفيهن تارة وعلى جنوبهن أخرى فنيمتهن نيمة الكسال, وهن على عجلة مفرطة.
وقوله:
فوحش نجدٍ منه في بلبال ... يخفن في سلمى وفي قبال
البلبال ما يجدن في قلوبهن من الفزع, والظاهر في أن سلمى أحد جبلي طيئ, ويجوز أن يكون سلمى هاهنا موضعًا آخر. وقبل جبل بنجد.
وقوله:
نوافر الضباب والأورال ... والخاضبات الربد والرئال
والظبي والخنساء والذيال
نصب نوافر على الحال ورفعها أحسن؛ لأنه قال: فوحش نجدٍ فيجعل نوافر كالخبر. والأورال: جمع ورلٍ. ويزعم الناس أن التمساح يبيض ويخرج بعض ما في بيضه إلى البر؛ فيقال له: الورل, وجمعه أورال. والخاضبات: النعام إذا رعت الربيع فخضبت سوقها بالصوم, وقيل: الخاضبات التي ترعى اليساريع فتحمر قوادمها, قال النابغة الذبياني: [البسيط]
كالخاضيات من الربد الظنابيب
الظنابيب: جمع ظنبوب وهو عظم الوظيف. والرئال: أولاد النعام.
стр. 1109
وقوله:
يسمعن من أخباره الأزوال ... ما يبعث الخرس على السؤال
الأزوال: جمع زول وهو العجب, قال حاتم: [الطويل]
عطاؤكم زول ويرزأ مالكم ... فإني بكم ولا محالة ساخر
وقوله:
فحولها والعوذ والمتالي ... تود لو يتحفها بوال
المتالي: جمع متليةٍ وهي التي خلفها ولدها. زعم أن الوحش تود أن يتحفها الممدوح بوالٍ.
وقوله:
يركبها بالخطم والرحال ... يؤمنها من هذه الأهوال
الخطم: جمع خطام, وهو ما تخطم به الدابة. والرحال: جمع رحلٍ. يقول: الوحش في هذه المواضع النائية تود له أتحفها هذا الملك بوالٍ يستخدمها كغيرها من الدواب؛ لتأمن من الأهوال التي لقيتها الوحش في الدشت.
وقوله:
ويخمس العشب ولا تبالي ... وماء كل مسبلٍ هطال
يقول: كيف لهذه الوحش أن يكون عليها والٍ يؤمنها من الصيد فيخمس عليها العشب والماء الذي ترد, كما كانت الخلفاء تبعث السعادة فتأخذ الزكاة من أموال البادية.
وقوله:
لو شئت صدت الأسد بالثعالي ... أو شئت غرقت العدي بالآل
ادعى له ما لا يقدر عليه؛ وإنما قالت العرب: الثعالي والأراني تريد الثعالب والأرانب في ضرورة الشعر فأبدلت الياء من الباء, قال الشاعر: [البسيط]
لها أشارير من لحمٍ تتمره ... من الثعالي ووخز من أرانيها
стр. 1110
وقوله:
ولو جعلت موضع الإلال ... لآلئًا قتلت باللآلي
الإلال: جمع ألةٍ وهي الحربة, والناس إذا قالوا: حربة فإنهم يعنون النصل وما تحته. والأجود أن يكون الشاعر أراد هاهنا بالإلال: النصال. يقول: لو مددت إليهم اللآلئ مكان النصال لقتلتهم بها.
وقوله:
لم يبق إلاطرد السعالي ... في الظلم الغائبة الهلال
على ظهر الإبل الأبال
كانت العرب تزعم أن السعالي من الجن ويسمونهن الغيلان, وقد مر ذكرهن, والإبل الأبال التي قد اجتزأت بالربيع عن الماء, وكذلك يقال للوحشية, قال الهذلي: [الطويل]
به أبلت شهري ربيع كليهما ... فقد بان فيها نسؤها واقترارها
نسؤها: ابتداء (١٨٠/ب) سمنها, واقترارها فيما قال بعضهم: بولها على أفخذها. ويجوز أن يكون من أنها أقامت بقرارٍ من الأرض. والصواب أن يقال: إبل أو أبل وأبل.
وقوله: أبال ضرورة.
قال العجاج: [الرجز]
وردته قبل قطاه الأرسال ... وقبل فراط الذياب العسال
كان ينبغي أن يقول: العواسل أو العسل فجاء به على فعالٍ, وإنما يجيء ذلك لمن يعقل, كقولهم: غائب وغياب, وعاذل وعذال. وقافيتها من المتواتر.
* * *
стр. 1111
حرف الميم
من القصيدة التي أولها
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وزنها من ثاني الطويل.
يقال: طسم الربع وطمس إذا درس. وقوله: بأن تسعدا متعلق بقوله: وفاؤكما؛ إلا أنه فصل بينه وبين الكلام الأول بقوله: كالربع أشجاه طاسمه. وينبغي أن يكون أضمر قوله: وفاؤكما بعد تمام النصف الأول ليكون الموصول متعلقًا بالصلة. وذكر أبو الفتح ابن جني ﵀ أنه ذكر لأبي الطيب هذا الفصل بين وفاؤكما وبين الباء فأنشده قول الأعشي: [الكامل]
لسنا كمن جعلت إيادٍ دارها ... تكريت تمنع حبها أن يحصدا
أراد: كمن جعلت تكريت دارها, وقدم إيادًا فوضعها في غير موضعها, وهم يقدمون ويؤخرون إذا كان المعنى مفهومًا عند السامع. وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
أتجزع أن نفسًا أتاها حمامها ... فهلا التي عن بين جنبيك تدفع
أراد: فهلا تدفع عن التي بين جنبيك. وقوله: والدمع أشفاه ساجمه: الشعراء وغيرهم يقولون: إن البكاء يجلو بعض الهم عن المكروب والمحزون. قال الفرزدق: [الطويل]
стр. 1112
ألم تر أني يوم جو سويقةٍ ... بكيت فنادتني هنيدة ماليا
فقلت لها إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن ألا تلاقيا
وقال ذو الرمة: [الطويل]
لعل انحدار الدمع يعقب راحةً ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل
وفي حكاية معناها أن بعض المتقدمين قال: ما أصابني هم قط إلا خلوت بنفسي فبكيت فاسترحت.
وشبه وفاء صاحبيه بالربع أشجى ما يكون إذا درس, وكأنه لامهما على أنهما لم يسعداه. وبعض الناس يذهب إلى أنه أراد بقوله: وفاؤكما مخاطبةً لعينيه, وكلامه يدل على غير ذلك, والمراد أنه بكى ولم يبك صاحباه, ولو بكيا معه لكان ذلك زائدًا في بكائه.
وأشجاه هاهنا اسم فيه معنى التفضيل كقولك: هذا الربع أشجى من غيره.
وقوله:
وما أنا إلا عاشق, كل عاشقٍ ... أعق خليله الصفيين لائمه
تم الكلام عند قوله: وما أنا إلا عاشق, ولو استقام له إدخال الواو على قوله: كل عاشق لكان ذلك أبين؛ لأن السامع ربما ظن أن قوله: كل عاشق متعلق بعاشقٍ الأول. وإنما يقولون: فلان كريم كل الكريم؛ فيجيئون بالألف واللام ولا يحذفونهما في هذا الموضع؛ لأن القائل إذا قال: ما فلان إلا كريم كل كريم جاز أن يكون قوله: كل كريم ابتداء كلام ثانٍ, فأراد بيان ذلك بدخول الألف واللام. وقوله: أعق خليله دليل على أنه أراد الصاحبين لا العينين.
وأعقهما: أي أشدهما عقوقًا.
وقوله:
وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
стр. 1113
يقال: تزيا فلان بكذا, وهو مأخوذ من الزي وهو حسن اللباس. قال الراجز: [الرجز]
ما أنا في البصرة بالبصري ... ولا شبيه زيهم بزيي
وكان أبو الفتح بن جني ﵀ يومئ إلى أن القياس يوجب: يتزوا لأنه يأخذ الزي من زويت الشيء إذا أملته إلى نفسك أو إلى غيرك. وزوى الرجل ما بين عينيه إذا أمال بعضه إلى بعض. والعرب إذا أظهرت التاء في كلمةٍ وأصلها من ذوات الواو, فربما جاؤوا بالياء لأنهم يستأنسون باللفظ المسموع كما قالو: تديرت المكان حملوه على لفظ الدار, وأصل الدار الواو لأنهم يقولون في جمع الدار: أدور. ولما قالوا: الزي فجاؤوا بياء مشددةٍ - وقالوا: زوى وجهه عني زيًا إذا قبضه آثروا - (١٨١/أ) أن يقولوا: تزيا بكذا. وأنشد ابن الأعرابي: [المتقارب]
أتيت خثيمًا ولم آته ... أريد نداه ولا طالبا
فلما رآني زوى وجهه ... ونكت عن حاجبٍ حاجبا
فلا برح الزي من وجهه ... ولا زال رائده جادبا
وقوله:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه
بليت معناه الدعاء, يقول: إن لم أقف بهذه الأطلال فبليت بلاءها. ووصف نفسه بطول الوقوف, وشبه وقوفها بوقوف شحيح ضاع خاتمه فهو يطلبه وينظر إلى الأرض لعله يظهر له, وقد جاء نحو من هذا في وصف الإبل. قال الراجز: [الرجز]
إذا قطعن علمًا بدا علم ... يبحثن بحثًا كمضلات الخدم
حتى توافين بنا إلى حكم
стр. 1114
الخدم: الخلاخيل. ولا يجوز إلا كسر التاء في قوله: خاتمه إذا كان في القافية, لأنه إن فتح التاء صار في القصيدة عيب وهو السناد, وكان أبو الطيب يختار فتح التاء في قوله:
وأنكر خاتماي الخنصرا
وقوله:
كئيبًا توقاني العواذل في الهوى ... كما يتوقى ريض الخيل حازمه
نصب كئيبًا على الحال كأنه قال: إن لم أقف كئيبًا. وريض الخيل هو الذي لم تكمل رياضته, وهم يذكرون الريض في الأضداد, وكأن الريض الذي قد ريض فهو غني عن الرياضة, ويقال: ريض للذي هو محتاج إليها. قال الراعي: [الكامل]
وكان ريضها إذا ياسرتها ... كانت معاودة الرحيل ذلولا
فأما قول الآخر: [الطويل]
وجدت أباها رائضيها وأمها ... فأعطيت فيها الحكم حتى حويتها
فإنه وصف هذه الناقة بأنها ذلول من نوقٍ ذللٍ وكأنها ورثت ذلك عن أبيها وأمها فلم تحتج إلى رائض يروضها. والمعنى: أني توقاني العواذل كما يتوقى ريض الخيل - أي الذي لم تكمل رياضته - من يريد أن يشد حزامه لأنه لا يأمن منه أن يضربه بيدٍ أو برجل].
وقوله:
قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانيةٍ والمتلف الشيء غارمه
الأولى رفع بفعلها. ومهجتي نصب لأن الغرامة واقعة عليها. والمراد: قفي يا محبوبة
стр. 1115
لتغرم اللحظة الأولى الذي لحظتك مهجتي؛ أي خالص نفسي؛ أي تغرمها بلحظةٍ ثانيةٍ, وذلك أنه أراد أن اللحظة الأولى أتلفت مهجته فوجب عليها الغرم, فإن لحظ ثانيةً - حيي من الحياة - فتكون اللحظة الأولى قد غرمت المهجة باللحظة الثانية, ثم ذكر الحجة الموجبةً له أن يطالب بالوقفة, فقال: والمتلف الشيء غارمه, وهي حكومة بحق.
وقوله:
سقاك وحيانا بك الله إنمنا ... على العيس نور والخدور كمائمه
دعا لها بالسقيا, ثم دعا لنفسه بأن تكون تحيةً له بعد سقياها, وجعل اللواتي في الخدور كالنور. والخدور مثل كمائم الزهر واحدتها كمامة, وهي التي تكون فيها لزهرة قبل أن تتفتح.
وقوله:
وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمرٍ ما واجد لك عادمه
ما في أول البيت في معنى: أي شيء يحوج الأظعان اللواتي حولك إلى قمر ليس الذي يجدك بعادم له؛ أي إنك قد قمت مقامه في الضياء.
وقوله:
إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب بها معيي المطي ورازمه
الرازم من الإبل الذي إذا سقط إلى الأرض لم يقدر على القيام؛ فأما قول الراجز: [الرجز]
أيا بني عبد مناة الرزام ... أنتم حماة وأبوكم حام
لا تسلموني لا يحل إسلام
فرزام هاهنا: جمع رازم من قولهم: أسد رازم إذا جثم على الفريسة. وأثاب في معنى أعطى ثوابًا. يقول: إذا نظرت إليك الإبل المعيية جعلت ثواب ذلك أن تنهض وتسير. وقد
стр. 1116
فسر بعض الناس أثاب هاهنا بمعنى ثاب؛ أي رجعت إليه قوته؛ ولكن المعروف في هذا: ثاب بغير همزة لأنهم يقولون: ثاب الماء إلى البئر أي رجع, وثاب الرجل إلى قومه (١٨١/ب) إذا رجع إليهم, وقلما يقولون أثاب في هذا المعنى.
وقوله:
تحول رماح الخط دون سبائه ... وتسبى له من كل حي كرائمه
يقول: هذا الحبيب عزيز لا تصل رماح الخط إلى سبائه, وتسبى له الكرائم من الأحياء فتكون له خدمًا.
وقوله:
ويضحي غبار الخيل أدنى ستوره ... وآخرها نشر الكباء الملازمه
يقول: غبار الخيل أدنى ستوره إلينا لأن بيننا وبينه ستورًا كثيرة, أقربها إلينا الغبار, وآخرها - وهو أقربها إليه - نشر الكباء أي رائحته. والكباء: العود الذي يتبخر به. والملازمه: نعت لنشر.
وقوله:
وما استغربت عيني فراقًا رأيته ... ولا علمتني غير ما القلب عالمه
أراد أنه عالم بالأشياء مجرب فما يستغرب شيئًا يشاهده. وهذه دعوى غير صحيحة ولكنها تستحسن فيما عند الشعراء.
وقوله:
فلا يتهمني الكاشحون فإنني ... رعيت الردى حتى حلت لي علاقمه
يقول: لا يتهمني الأعداء فيما أقول, ويظنون أني أتزيد, فإن رعيت الردى؛ أي جعلته لي مرعى؛ حتى استحليت علقمه؛ أي ألفته فكأنه ليس بمر.
وقوله:
مشب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيه وبانيه هادمه
يقول: الذي أشب من يبكي الشباب؛ أي الذي جعله شابًا؛ هو الذي يشيبه فكيف توقيه, والذي بناه هو الذي هدمه. والهاء في توقيه راجعة إلى الذي يبكي الشباب, والهاء في بانيه كذلك. ويجوز أن تكون راجعةً إلى الشباب نفسه, وحال الهاء في قوله: هادمه كحالها في بانيه.
стр. 1117
وقوله:
وتكملة العيش الصبى وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه
جعل العيش أربعة أقسام: الصبى وما يعقبه من الزمان الذي هو قريب منه. وغائب لون العارضين يجوز أن يعني سوادهما مرةً وبياضهما أخرى, وكذلك القادم من لونهما يحتمل وجهين: أن الغائب والقادم كلاهما غاب, وكلاهما قدم؛ ألا ترى أن لون الشعر الذي ينبت في وجه الأمرد يكون غائبًا عنه دهرًا ثم يقدم بعد ذلك. والبياض جار مجرى السواد لأن المشيب يقدم بعد غيبةٍ.
وقوله:
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
ذكر في هذا البيت أن الشيب لم يخضب لأنه قبيح, ولكن سواد الشعر أحسن. والشيب الذي أوجب الخضاب أن الإنسان إذا شاب علم أنه طاعن في السن فزهد فيه, لأن الشيب يطمع الشاب في الشيخ. وجاء في بعض الحديث: «عليكم بالخضاب فإنه زينة لنسائكم وهيبة لعدوكم»؛ أي يظنون أنكم شباب. والخضاب قديم.
وسئل بعض الصحابة عن النبي ﷺ : هل كان يخضب؟ فقال: لم يكن به من الشيب ما يخضب. وروي أن عليًا ﵇ خضب مرة ثم لم يعد إلى ذلك. وفي حديث يحكى عن عبيد الله بن الحر الجعفي أنه دخل على الحسين ﵇ فرأى لحيته كأنها جناح غرابٍ فقال: أشباب ما أرى يا ابن بنت رسول الله, فقال: يابن الحر عجل علي الشيب. قال ابن الحر: فعلمت أنه خضاب. ويقال إن عبد المطلب بن هاشم نزل ببعض الملوك وهو أشيب فأمر الملك بخضابه, فقال عبد المطلب بن هاشم: [الكامل]
لو دام لي هذا الشباب رضيته ... وكان بديلًا من شبابٍ قد انصرم
أنست إليه والحياة حبيبة ... فلابد من موتٍ, نتيلة, أو هرم
стр. 1118
نتيلة: امرأة من النمر بن قاسط كانت عند عبد المطلب فولدت له العباس وضرارًا, وإياها عنى البحتري بقول: [الكامل]
نمرية ولدت لكم أسد الشرى ... والنمر - بعد - ووائل أخوان
وقوله (١٨٢/أ):
وأحسن من ماء الشبيبة كله ... حيا بارقٍ في فازةٍ أنا شائمه
الفازة: الخيمة, والحياء: المطر العام, وكأنه جعل سيف الدولة حيا بارقٍ.
وقوله:
عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوحٍ لم تغن حمائمه
يريد أن في الخيمة تصاوير وفيها رياض لم ينسجها السحاب, وإنما صنعها الآدميون, وقد صورت فيها أغصان دوحٍ. والدوح شجر عظام, ومن شأن الأغصان أن يغني بها الحمام. وهذا الدوح لم تغن حمائمه لأنها لا يمكنها أن تقف عليه إذ كان ليس بدوحٍ في الحقيقة. يقال: استداحت الشجرة الصغيرة إذا عظمت. قال الشاعر: [الطويل]
عريفجة الحسل استداحت بأرضنا ... فيا لعباد الله للأشر المردي
هذا مثل قولهم: «إن البغاث بأرضنا يستنسر»؛ أي إن الحقير عندنا يتعظم. والبغاث: ما لا يصيد من الطير.
وقوله:
ترى حيوان البر مصطلحًا بها ... يحارب ضد ضده ويسالمه
يقول: هذه الخيمة قد اصطلح في تصاويرها حيوان البر, فكأن بعضه لا يريب بعضًا, فالأسد لا يروع الشاة ولا غيرها من الفرائس. والنصف الثاني من البيت شرح للأول لأنه قال: يحارب ضد ضده, وهذه صفة حيوان البر, ثم قال: ويسالمه؛ أي هذا الحيوان الذي في الخيمة يسالم بعضه بعضًا لا يروعه.
стр. 1119
وقوله:
إذا ضربته الريح ماج كأنه ... تجول مذاكيه وتدأى ضراغمه
يقول: إذا ضربت هذا الحيوان الريح ماج فكأنه تجول مذاكيه أي خيله المسان. وتدأى ضراغمه أي تختل. أداه ودآه إذا ختله, فمضارع أدا: يأدو, ومضارع دأى: يدأى, ومن أمثالهم: «الذئب يأدو للغزال يختله» , وبعض الناس يروي: يذأى بالذال معجمة, يأخذه من: ذأى الفرس إذا عدا, والوجه الأول هو الصواب.
وقوله:
وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة ... لأبلج لا تيجان إلا عمائمه
كان ملك الروم مصورًا في الخيمة وقد صور معه سيف الدولة, وقد اعتمد المصور أن يذلل الرومي لصورة سيف الدولة. ومن كلامهم القديم: «العمائم تيجان العرب والسيوف أرديتها والحبى جدرانها».
وقوله:
تقبل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمه وبراجمه
البراجم: عقد الأصابع الأواخر وهي التي تليها الأشاجع, وقيل: هي عروق ظاهر الكف, وقيل: بل هي عظامها, ويقال: إن البرجمة غلظ الكلام. والبراجم أحياء من تميم, ومن أمثالهم: «إن الشقي وافد البراجم»؛ وذلك أن عمرو بن هند اللخمي لما قتل أخوه أسعد, وكان مسترضعًا في بني دارم, آلى أن يقتل منهم مئةً؛ فلما قتلهم يوم أوارة بقي واحد لم يقتله ولم يجد دارميًا يتم به المئة. واجتاز بهم رجل من البراجم فاشتم رائحة القتار فظن أن ثم طعامًا فجاء يلتمس ذلك, فلما جاء سئل عن نسبه فذكر أنه من البراجم؛ وهم من تميم؛ فيقال: إن عمرو بن هند, أو غيره قال: إن الشقي وافد البراجم وأمر بطرحه في النار.
стр. 1120
وقوله:
قيامًا لمن يشفي من الداء كيه ... ومن بين أذني كل قرمٍ مواسمه
قيامًا نصب على الحال من الملوك. وقوله: يشفي من الداء كيه مثلًا لما يعلم من الأمور وليس ثم كي. يريد أنه إذا خرج خارجي أو اختلت ناحية من الأرض أزال ما بها؛ إما بالسيف وإما بالرأي. وقد استعملت العرب ذلك في القديم وكنوا بالكي عن الأمر العظيم, ولا كي هنالك. قال جرير: [الوافر]
وأشفي من تخلج كل جن ... وأكوي الناظرين من الخنان
وقال آخر: [الكامل]
أرجأته عني فأبصر قصده ... وكويته فوق النواظر من عل
والقرم: أصله الفحل من الإبل ثم استعمل للإنس. والمواسم: جمع ميسم وهو الذي يوسم به (١٨٢/ب) النعم. قال المتلمس: [الطويل]
ولو غير إخواني أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وقوله:
قبائعها تحت المرافق هيبةً ... وأنفذ مما في الجفون عزائمه
أراد بالقبائع: قبائع السيوف, وحذف المضاف إليه لأنه أراد قبائع سيوف الملوك.
وقوله:
له عسكرًا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى ... به عسكرا لم تبق إلا جماجمه
стр. 1121
هذا المعنى قد استوفاه النابغة في مدحه غسان وقد مر ذكره. يقول: لهذا الممدوح عسكرًا خيلٍ وطيرٍ؛ أي تتبع عسكره الطير لتأكل من القتلى, وهي تأكل اللحم وتدع الجماجم لأنها عظام.
وقوله:
أجلتها من كل طاغٍ ثيابه ... وموطئها من كل باغٍ ملاغمه
يقول: ثياب أعدائه تصير أجلةً لخيله وموطئها من الطغاة ملاغمهم. والملاغم ما حول الفم والأنف. يقال: تلغم فلان بالطيب إذا وضعه في ذلك الموضع. قال أبو حية النميري: [الطويل]
ولكنه والله ما طل مسلمًا ... كغر الثنايا واضحات الملاغم
وقوله:
فقد مل ضوء الصبح مما تغيره ... ومل سواد الليل مما تزاحمه
أراد: تغير فيه. وأكثر ما تكون الغارة في الصبح؛ ولذلك قالوا في كلامهم: يا صباحاه, لأن الغارة تجيئهم في ذلك الوقت, فإن استعاروا الغارة لليل فإنما ذلك نادر, وإنما قيل لها غارة من قولهم: أغار إذا عدا عدوًا شديدًا. قال عبيد الله بن قيس الرقيات في صفة الخيل: [الخفيف]
بدلت بالشعير والقت والمـ ... ـحض ومسح الغلام تحت الجلال
غارة الليل والنهار فما تصـ ... ـبح إلا معدةً للقتال
وقوله:
ومل القنا مما تدق صدوره ... ومل حديد الهند مما تلاطمه
هذه كلها استعارات تستحسن في الشعر ولا حقيقة لها في الأصل, لأن الصبح لا يمل الغارة والليل لا يمل سراها فيه, ولا حس للرماح فتمل حطمها في الطعان, وحديد الهند غير عالمٍ بالضراب.
стр. 1122
وقوله:
سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
شبه العقبان بسحابٍ يظل العسكر. ويزحف تحتها سحاب يعني سيف الدولة. إذا استسقت يعني العقبان؛ وإنما يعني استسقاء الدم. سقتها صوارمه؛ أي يقتل بها الأعداء فتشرب دماءها العقبان.
وقوله:
سلكت صروف الدهر حتى لقيته ... على ظهر عزمٍ مؤيداتٍ قوائمه
مؤيداتٍ في معنى مؤيداتٍ أي قويات. والأيد: القوة, وكأنهم قالوا: آد الرجل إذا قوي؛ فلما عدوه بالهمزة - كما قالوا: قام وأقمته - اجتمعت همزتان فرأوا تصحيح الياء أخف من الإتيان بالهمزتين, وقرأ بعضهم: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ولذلك قالوا: فلان مؤيد؛ أي قوي. قال المثقب العبدي: [السريع]
ينبي تجاليدي وأقتادها ... ناوٍ كرأس الفدن المؤيد
وقوله:
مهالك لم تصحب بها الذئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه
البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الذئب إذا سلك بها فارقته نفسه, وكذلك الغراب إذا طار فيها لم تحمله قوادمه فيهلك.
والآخر: أن يكون الذئب لا يقدر أن يصل إليها فهو لم يسلكها قط, وكذلك الغراب لم يطر في هذه الأرض فتخونه القوادم, وهذا كقول الأفوه: [السريع]
لا يذعر البهمة سرحانها ... ولا رواياها حياض الأنيس
стр. 1123
أي ليس فيها بهمة يذعرها السرحان.
وقوله:
فأبصرت بدرًا لا يرى البدر مثله ... وخاطبت بحرًا لا يرى العبر عائمه
أي إذا طلع القمر المبدر لم يكن تحته مثل هذا الممدوح, واستعار الرؤية للقمر, ولو رويت: لا يرى البدر مثله على أن يجعل مثله فاعله لكان المعنى صحيحًا. والعبر: شاطئ البحر الذي يعبر إليه, وكذلك شاطئ النهر, والعائم: السابح.
وقوله (١٨٣/أ):
غضبت له لما رأيت صفاته ... بلا واصفٍ والشعر تهذي طماطمه
الطماطم: جمع طمطم وهو الذي لا يفهم كلامه. قال عنترة: [الكامل]
تأوي له حزق النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم
يقول: غضبت للممدوح لما رأيت الشعراء مقصرين في المدح فجئت ليعلم مكاني في المديح.
وقوله:
على عاتق الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السماوات قائمه
العاتق: موضع النجاد على كتف الرجل. قال دريد بن الصمة: [الوافر]
أعاذل إنما أفنى شبابي ... ركوبي في الصريخ إلى المنادي
مع الفتيان حتى سل جسمي ... وأقرح عاتقي حمل النجاد
стр. 1124
والعاتق: يذكر ويؤنث, والتذكير أغلب عليه. قال الشاعر: [السريع]
لا صلح بيني فاعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقي
سيفي وما دمنا بنجدٍ وما ... قرقر قمر الواد بالشاهق
ويروى: الملك الأغر بفتح الميم وضمها, فإذا فتحت الميم فالمراد الخليفة صاحب الملك, وإذا ضمت فالمراد المملكة, والمعنيان متقاربان.
وقوله:
ويستكبرون الدهر والدهر دونه ... ويستعظمون الموت والموت خادمه
هذه مبالغة لا يجوز أن يكون من يقولها صادقًا, لأنه ادعى له أنه أكبر من الدهر, وزعم أن الموت خادمه؛ والموت إنما هو خادم لرب العالم تباركت عزته, ولو كان الموت خادمه كما ذكر لامتنع من أن يموت.
وقوله:
وإن الذي سمى عليًا لمنصف ... وإن الذي سماه سيفًا لظالمه
وما كل سيفٍ يقطع الهام حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه
رضي له أن يكون اسمه عليًا لأنه من العلو مشتق. وقد وصف الله سبحانه وبهذا الوصف. وذكر أن من سماه سيفًا ظالم له لأنه إنسي يقدر على أشياء لا يقدر عليها الحديد وما جرى مجراه؛ إذ كانت الجوامد لا توصف بحس ولا معقولٍ؛ وإنما هي شخوص مرئية ليس عندها نطق ولا سواه. واللزبات: جمع لزبة وهي الشدة التي تدوم, وسكن الزاي من اللزبات والفتح أجود, وقد مضت أشباه لذلك. وقافيتها من المتدارك.
стр. 1125
ومن التي أولها
أين أزعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربى وأنت الغمام
الوزن من أول الخفيف.
الهمام نعت للملك. وأي: مناداة, وهذا صفة لها. والهمام نعت لهذا. وإذا قالوا: يا أيهذا لم يكن لهم بد من أن يجيئوا باسم فيه ألف ولام يكون نعتًا كما قال ذو الرمة: [الطويل]
ألا أيهذا المنزل الدارس الذي ... كأنك لم يعهد بك الحي عاهد
وقوله: نحن نبت الربى: إنما جاء بالربى لإقامة الوزن, ولو أمكنه أن يقول: نحن النبت وأنت الغمام لكان ذلك أعم. ويجوز أن يقال: إنما خص الربى لأن النبت عليها أحسن منه في الوهد.
والربى: جمع ربوة, وفيها لغات: ربوة وربوة وربوة, وقد أبان الطائي عن هذا المعنى فقال: [الخفيف]
غير أن الربى إلى سبل الأنـ ... ـواء أدنى والحظ حظ الوهاد
ومعلوم أن حظ الوهد في المطر أكثر من حظ الربوة لأن ما يصيبها من القطر ينزل إلى الوهد, والوهود يتربص فيها الماء وليست الربى كذلك.
وقوله:
نحن من ضايق الزمان له فيـ ... ـك وخانته قربك الأيام
نصب قربك لأنه مفعول ثانٍ, ولا يجوز نصبه على الظرف لأنه يصير ذمًا
следующие страницы →