← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

هذا المعنى قد استوفاه النابغة في مدحه غسان وقد مر ذكره. يقول: لهذا الممدوح عسكرًا خيلٍ وطيرٍ؛ أي تتبع عسكره الطير لتأكل من القتلى, وهي تأكل اللحم وتدع الجماجم لأنها عظام. وقوله: أجلتها من كل طاغٍ ثيابه ... وموطئها من كل باغٍ ملاغمه يقول: ثياب أعدائه تصير أجلةً لخيله وموطئها من الطغاة ملاغمهم. والملاغم ما حول الفم والأنف. يقال: تلغم فلان بالطيب إذا وضعه في ذلك الموضع. قال أبو حية النميري: [الطويل] ولكنه والله ما طل مسلمًا ... كغر الثنايا واضحات الملاغم وقوله: فقد مل ضوء الصبح مما تغيره ... ومل سواد الليل مما تزاحمه أراد: تغير فيه. وأكثر ما تكون الغارة في الصبح؛ ولذلك قالوا في كلامهم: يا صباحاه, لأن الغارة تجيئهم في ذلك الوقت, فإن استعاروا الغارة لليل فإنما ذلك نادر, وإنما قيل لها غارة من قولهم: أغار إذا عدا عدوًا شديدًا. قال عبيد الله بن قيس الرقيات في صفة الخيل: [الخفيف] بدلت بالشعير والقت والمـ ... ـحض ومسح الغلام تحت الجلال غارة الليل والنهار فما تصـ ... ـبح إلا معدةً للقتال وقوله: ومل القنا مما تدق صدوره ... ومل حديد الهند مما تلاطمه هذه كلها استعارات تستحسن في الشعر ولا حقيقة لها في الأصل, لأن الصبح لا يمل الغارة والليل لا يمل سراها فيه, ولا حس للرماح فتمل حطمها في الطعان, وحديد الهند غير عالمٍ بالضراب.

стр. 1122

وقوله: سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه شبه العقبان بسحابٍ يظل العسكر. ويزحف تحتها سحاب يعني سيف الدولة. إذا استسقت يعني العقبان؛ وإنما يعني استسقاء الدم. سقتها صوارمه؛ أي يقتل بها الأعداء فتشرب دماءها العقبان. وقوله: سلكت صروف الدهر حتى لقيته ... على ظهر عزمٍ مؤيداتٍ قوائمه مؤيداتٍ في معنى مؤيداتٍ أي قويات. والأيد: القوة, وكأنهم قالوا: آد الرجل إذا قوي؛ فلما عدوه بالهمزة - كما قالوا: قام وأقمته - اجتمعت همزتان فرأوا تصحيح الياء أخف من الإتيان بالهمزتين, وقرأ بعضهم: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ولذلك قالوا: فلان مؤيد؛ أي قوي. قال المثقب العبدي: [السريع] ينبي تجاليدي وأقتادها ... ناوٍ كرأس الفدن المؤيد وقوله: مهالك لم تصحب بها الذئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه البيت يحتمل وجهين: أحدهما: أن الذئب إذا سلك بها فارقته نفسه, وكذلك الغراب إذا طار فيها لم تحمله قوادمه فيهلك. والآخر: أن يكون الذئب لا يقدر أن يصل إليها فهو لم يسلكها قط, وكذلك الغراب لم يطر في هذه الأرض فتخونه القوادم, وهذا كقول الأفوه: [السريع] لا يذعر البهمة سرحانها ... ولا رواياها حياض الأنيس

стр. 1123

أي ليس فيها بهمة يذعرها السرحان. وقوله: فأبصرت بدرًا لا يرى البدر مثله ... وخاطبت بحرًا لا يرى العبر عائمه أي إذا طلع القمر المبدر لم يكن تحته مثل هذا الممدوح, واستعار الرؤية للقمر, ولو رويت: لا يرى البدر مثله على أن يجعل مثله فاعله لكان المعنى صحيحًا. والعبر: شاطئ البحر الذي يعبر إليه, وكذلك شاطئ النهر, والعائم: السابح. وقوله (١٨٣/أ): غضبت له لما رأيت صفاته ... بلا واصفٍ والشعر تهذي طماطمه الطماطم: جمع طمطم وهو الذي لا يفهم كلامه. قال عنترة: [الكامل] تأوي له حزق النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم يقول: غضبت للممدوح لما رأيت الشعراء مقصرين في المدح فجئت ليعلم مكاني في المديح. وقوله: على عاتق الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السماوات قائمه العاتق: موضع النجاد على كتف الرجل. قال دريد بن الصمة: [الوافر] أعاذل إنما أفنى شبابي ... ركوبي في الصريخ إلى المنادي مع الفتيان حتى سل جسمي ... وأقرح عاتقي حمل النجاد

стр. 1124

والعاتق: يذكر ويؤنث, والتذكير أغلب عليه. قال الشاعر: [السريع] لا صلح بيني فاعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقي سيفي وما دمنا بنجدٍ وما ... قرقر قمر الواد بالشاهق ويروى: الملك الأغر بفتح الميم وضمها, فإذا فتحت الميم فالمراد الخليفة صاحب الملك, وإذا ضمت فالمراد المملكة, والمعنيان متقاربان. وقوله: ويستكبرون الدهر والدهر دونه ... ويستعظمون الموت والموت خادمه هذه مبالغة لا يجوز أن يكون من يقولها صادقًا, لأنه ادعى له أنه أكبر من الدهر, وزعم أن الموت خادمه؛ والموت إنما هو خادم لرب العالم تباركت عزته, ولو كان الموت خادمه كما ذكر لامتنع من أن يموت. وقوله: وإن الذي سمى عليًا لمنصف ... وإن الذي سماه سيفًا لظالمه وما كل سيفٍ يقطع الهام حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه رضي له أن يكون اسمه عليًا لأنه من العلو مشتق. وقد وصف الله سبحانه وبهذا الوصف. وذكر أن من سماه سيفًا ظالم له لأنه إنسي يقدر على أشياء لا يقدر عليها الحديد وما جرى مجراه؛ إذ كانت الجوامد لا توصف بحس ولا معقولٍ؛ وإنما هي شخوص مرئية ليس عندها نطق ولا سواه. واللزبات: جمع لزبة وهي الشدة التي تدوم, وسكن الزاي من اللزبات والفتح أجود, وقد مضت أشباه لذلك. وقافيتها من المتدارك.

стр. 1125

ومن التي أولها أين أزعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربى وأنت الغمام الوزن من أول الخفيف. الهمام نعت للملك. وأي: مناداة, وهذا صفة لها. والهمام نعت لهذا. وإذا قالوا: يا أيهذا لم يكن لهم بد من أن يجيئوا باسم فيه ألف ولام يكون نعتًا كما قال ذو الرمة: [الطويل] ألا أيهذا المنزل الدارس الذي ... كأنك لم يعهد بك الحي عاهد وقوله: نحن نبت الربى: إنما جاء بالربى لإقامة الوزن, ولو أمكنه أن يقول: نحن النبت وأنت الغمام لكان ذلك أعم. ويجوز أن يقال: إنما خص الربى لأن النبت عليها أحسن منه في الوهد. والربى: جمع ربوة, وفيها لغات: ربوة وربوة وربوة, وقد أبان الطائي عن هذا المعنى فقال: [الخفيف] غير أن الربى إلى سبل الأنـ ... ـواء أدنى والحظ حظ الوهاد ومعلوم أن حظ الوهد في المطر أكثر من حظ الربوة لأن ما يصيبها من القطر ينزل إلى الوهد, والوهود يتربص فيها الماء وليست الربى كذلك. وقوله: نحن من ضايق الزمان له فيـ ... ـك وخانته قربك الأيام نصب قربك لأنه مفعول ثانٍ, ولا يجوز نصبه على الظرف لأنه يصير ذمًا

стр. 1126

للممدوح, وإقرارًا بأن الزمان خانهم في حال اقترابهم منه, فكأنما خان هاهنا مثلها في قول الأعشى: [المتقارب] وما إن أرى الدهر في صرفه ... يغادر من شارخٍ أو يفن أذال أذينة عن ملكه ... وأخرج من حصنه ذا يزن وخان النعيم أبا مالكٍ ... وأي امرئٍ صالحٍ لم يخن وقوله (١٨٣/ب): في سبيل العلى قتالك والسلـ ... ـم وهذا المقام والإجذام يقول: كل فعالك في سبيل المكارم العالية, فإن قاتلت أو سالمت فأنت في طلاب العلياء. والإجذام: سرعة السير, وهو مأخوذ من الجذم أي القطع السريع. ويقال: رجل مجذام إذا وصف بذلك. قال أبو دواد: [الخفيف] غير ريبٍ بني كنانة مني ... إن أفارق فإنني مجذام وقال الربيع بن زيادٍ العبسي: [المتقارب] حرق قيس علي البلا ... د حتى إذا استعرت أجذما أي قطع ما بيننا قطعًا سريعًا.

стр. 1127

وقوله: ليت أنا إذا ارتحلت لك الخـ ... ـيل وأنا إذا نزلت الخيام تمنى أن يكون غير مفارقٍ له في المسير والمقام. وقد عاب بعض الناس هذا القول على أبي الطيب, وقالوا: الخيام تكون متعالية عمن فيها ولذلك قال: [الوافر] لقد نسبوا الخيام إلى علاء ... أبيت قبوله كل الإباء وما سلمت فوقك للثريا ... ولمسلمت فوقك للسماء وحجة أبي الطيب في هذا واضحة لأن الخيمة غنما هي خادمة لمن يحل فيها وتصد عنه حر الشمس وغيره من المؤذيات. وقوله: كل عيش ما لم تطبه حمام ... كل شمس ما لم تكنها ظلام يقيمون الهاء مقام خبر كان, وهو بإياها أشبه. وقد قال أبو الأسود الدؤلي: [الطويل] دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيًا لمكانها فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها وقالوا: تكونها في معنى تكون فيها. قال الشاعر: [الكامل] لما رأى برقًا يضيء وميضه ... منازل من أسماء كانت تكونها أي تكون فيها. وقوله: أزل الوحشة التي عندنا يا ... من به يأنس الخميس اللهام اللهام: الجيش الذي كأنه يلتهم الأشياء أي يبتلعها, وكذلك قولهم: فرس لهم ولهموم, أي كأن جريه يبتلع الأرض. قال رؤبة: [الرجز]

стр. 1128

كالحوت لا يشبعه ما يلهمه ... يصبح عطشان وفي البحر فمه وقوله: والذي يضرب الكتائب حتى ... تتلاقى الفهاق والأقدام الفهاق: جمع فهقةٍ وهي خرزة العنق المتصلة بالظهر, وإنما قيل لها: فهقة لأنها تفهق موضعها أي تملؤه. قال الراجز: [الرجز] لا ذنب للبائس إلا في الورق ... وتضرب الفهقة حتى تندلق تندلق: أي تخرج من موضعها. وقوله: وكفاحًا تكع عنه الأعادي ... وارتياحًا تحار منه الأنام يقال: كع الرجل يكع إذا عجز عن الشيء, وكسر الكاف في يكع أكثر, وقد حكي فتحها. وقال قوم: يقال: كع وكاع وكاء بمعنى واحد. وقوله: إما هيبة المؤمل سيف الدو ... لة الملك في القلوب حسام فكثير من الشجاع التوقي ... وكثير من البليغ السلام المعنى: أن هيبة هذا الملك عظيمة؛ فإذا توقى الشجاع صولته فذلك منه مستكثر, وإذا قال له البليغ: السلام عليك, أو نحو ذلك, فقد عظم ما فعل لأن هيبته توجب ألا ينطق أحد بين يديه. وذهب قوم إلى أن المراد أن الشجاع يكثر التوقي منه لأنه يشاهد من الهيبة ما يحمله على ذلك, والبليغ يسلم تسليمًا بعد تسليم فيكثر السلام لأنه لا يقدر على غيره, والمعنى الأول أشبه. وقافيتها من المتواتر.

стр. 1129

ومن أبيات أولها أنا منك بين فضائلٍ ومكارم ... ومن ارتياحك في غمامٍ دائم الوزن من أول الكامل. قوله: ومن احتقارك كل ما تحبو به ... فيما ألاحظه بعيني حالم يقول: أنت عظيم القدر تحتقر (١٨٤/أ) الأشياء المستعظمة, فإذا رأيت كثرة مواهبك ظننت أني في نوم لأن العادة لم تجر بذلك في اليقظة, وهذا قريب من قوله: [المتقارب] أحلمًا نرى أم زمانًا جديدا وقوله: إن الخليفة لم يسلمك سيفها ... حتى بلاك فكنت عين الصارم الهاء في قوله: سيفها راجعة إلى الدولة, وإذا كان المخاطب عالمًا بالغرض فالمضمر كأنه مظهر كقوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾؛ وكقول النابغة: [الوافر] فأقبلهن بطن الأتم شعثًا ... يصن المشي كالحدإ التؤام فأقبلهن: يعني الخيل, ولم يتقدم لهن ذكر. وقوله: وإذا انتضاك على العدى في معركٍ ... هلكوا وضاقت كفه بالقائم يقول: شأنك عظيم, فإذا انتضاك الخليفة لأمرٍ لم تسع كفه قائمك فيذرك تفعل الأشياء, وأنت بها منفرد. وقافيتها من المتدارك.

стр. 1130

ومن التي أولها إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيحٍ قال شعرًا متيم الوزن من ثاني الطويل. والمعنى: أن الشعراء جرت عادتهم أن يقدموا النسيب في أول القصيدة في المدح والهجاء والافتخار, وإنما ذلك سنة يستعملها أصحاب النظام. والمتيم: المستعبد, ومنه قالوا: تيم الله أي عبده. وقوله: فجاز له حتى على الشمس حكمه ... وبان له حتى على البدر ميسم هذا مبالغة, وكأنها تستحسنها الشعراء, وكان يجب على الممدوح أن ينكرها لأنه مخلوق يوصف بصفة الخالق؛ تعالى الله عن قول المبطلين؛ فجاز له حكمه حتى على الشمس, وبان له ميسم حتى على البدر. وقوله: ضروب وما بين الحسامين ضيق ... بصير وما بين الشجاعين مظلم يقول: هذا الممدوح يضرب إذا دنا القرن من القرن, وقد قرب كل واحد منهما من صاحبه, فالمكان بينهما ضيق. وقوله: بصير وما بين الشجاعين مظلم: إذا ستر الغبار نور الشمس فأظلم ما بين الشجاعين فبصره ثابت لم يمنعه إظلام الوقت من صحة النظر. ويجوز أن يكون قوله: وما بين الشجاعين مظلم؛ أي كل واحد منهما قد وقع في أمر عظيمٍ, ومن شأن الناس أن يقولوا: أظلمت الدنيا بيني وبين فلانٍ, إذا كلمه بكلام يشق عليه, وإنما لم يكن ثم ظلام مرتفع ولا غيره. وقوله:

стр. 1131

تباري نجوم القذف في كل ليلةٍ ... نجوم له منهن ورد وأدهم يعني بنجوم القذف النجوم التي يقال إنها رجوم للشياطين؛ وإنما يعني أن خيله سريعة بسرعة النجوم وليست ألوانها كألوانها, لأن الخيل منها الورد ومنها الأدهم, وغير ذلك. وقوله: يطأن من الأبطال من لا حملنه ... ومن قصد المران ما لا يقوم يعني بمن لا حملنه: من لم يحملنه, وقد تردد مثل هذا في شعره. والقصد: الكسر من القنا والعصي. ويقال: عامل مقصود؛ أي مكسور. قال: [الخفيف] فدعا دعوة المخنق والتلـ ... ـبيب منه في عاملٍ مقصود والمران: أصول الرماح, ثم سميت الرماح مرانًا. وقوله: فهن مع السيدان في البر عسل ... وهن مع النينان في الماء عوم السيدان: جمع سيدٍ, وهذه اللفظة مما تساوت فيه التثنية والجمع, وعسل: جمع عاسل؛ يقال: ذئب عاسل وعسال, والاسم العسل. قال الراجز: [الرجز] والله لولا وجع بالعرقوب ... لكنت أبقى عسلًا من الذيب وقال الفرزدق: [الطويل] وأطلس عسالٍ وما كان صاحبًا ... دعوت لناري موهنًا فأتاني والنينان: جمع نون وهي السمكة. قال الأعشى: [الخفيف] محقبًا زكرةً وخبز رقاقٍ ... وحباقًا وقطعةً من نون

стр. 1132

وقيل: إن سيبويه عاب على بشار قوله: النينان في بعض شعره, وفي كتاب سيبويه أن النون تجمع على نينان, وهذا تناقض في الحكاية. وقوله (١٨٤/ب): وهن مع الغزلان في الواد كمن ... وهن مع العقبان في النيق حوم كثر الوادي في كلامهم حتي حذفوا منه الياء والأجود إثباتها مع الألف واللام؛ كما قال سحيم: [الطويل] ألا أيها الوادي الذي ضم سيله ... إلينا نوى الحسناء بوركت واديا وأما قولهم: [الرجز] إنك لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضب يعدو بالواد فإنمنا حذفوا الياء للقافية. والكشى: جمع كشيةٍ, وهي شحمة تستطيل في بطن الضب. ومن كلامهم الموزون: [الرجز] عندي دواء الهدبد ... كشية ضب بكبد الهدبد: العشى في العين. وقوله: إذا جلب الناس الوشيج فإنه ... بهن وفي لباتهن يحطم الوشيج: أصول الرماح, والوشيج أيضًا: نبت. قال كثير: [الطويل]

стр. 1133

أحبك ما دامت بنجدٍ وشيجة ... وما خلدت أبلى به وتعار وما سال وادٍ في تهامة طيب ... به قلب عادية وكرار الكرار: جمع كر, وهو الغدير. وقوله: أجار على الأيام حتى ظننته ... تطالبه بالرد عاد وجرهم يقول: هذا الممدوح أجار على الأيام من تريد إهلاكه حتى ظننت عادًا وجرهمًا - وهما من العرب العاربة تطالبه - بالرد, وهذا افتراء من القول, والله سبحانه غفور رحيم. وقوله: ضلالًا لهذي الريح ماذا تريده ... وهديًا لهذا السيل ماذا يؤمم نصب ضلالًا على المصدر كأنه قال: أقول: أضلت الريح ضلالًا؛ أي أي شيء تريده. وإنما بنى هذا المعنى على قول الناس: هو يباري الريح جودًا إذا وصفوه بالكرم؛ أي إنها إن هبت تباريك فقك ضلت؛ كأنه دعا عليها بالضلال. وقال: هديًا لهذا السيل؛ كأنه دعا له بالاهتداء؛ كأنه قال: أقول: هديًا لهذا السيل؛ أي هداه الله ماذا يؤمم؛ أي ماذا يقصد. وقوله: ألم يسأل الوبل الذي رام ثنينا ... فيخبره عنك الحديد المثلم كأنه أنكر على الوبل ما هو فيه وجعله قد أراد ثنيهم عما يريدون, فقال: ألم يسأل هذا الوبل الحديد المثلم عنك, فيخبره أنه لم يقدر على ردك, فكيف يقدر المطر على رد من لم يقتدر الحديد على رده؛ لأنه لما أراد ذلك تثلم.

стр. 1134

وقوله: ولما تلقاك السحاب بصوبه ... تلقاه أعلى منه كعبًا وأكرم يقال: فلان أعلى كعبًا من فلان, وأصل ذلك في الآدميين, وأول ما استعمل ذلك في المتصارعين؛ لأن كعب الغالب منهما يكون أعلى من كعب المغلوب, ثم استعمل هذا اللفظ في كون الإنسان أرفع من صاحبه وإن لم يكن ثم صراع. وأنشد أبو زيد: [الطويل] أبا قطري لا تصارع فإنني ... أرى غيرك الأعلى وإياك أسفلا أراك إذا صارعت قرنًا سبقته ... إلى الأرض واستسعت للذل أولا وقوله: حواليه بحر للتجافيف مائج ... يسير به طود من الخيل أيهم يقال: جبل أيهم لا يهتدى للطلوع فيه, وأرض يهماء لا يهتدى للسير فيها. والأيهمان لهما تفسيرا؛ يقول أصحاب الرواية: الأيهمان في البادية: السيل والفحل الهائج, وفي الحاضرة: السيل والحريق. وقوله: وكل فتى للحرب فوق جبينه ... من الضرب سطر بالأسنة معجم يقول: الضربة كأنها سطر في الجبين, وكأن آثار الأسنة في هذا السطر نقط فيه من قولهم: عجمت الكتاب إذا نقطته. وقوله: يمد يديه في المفاضة ضيغم ... وعينيه من تحت التريكة أرقم المفاضة: الدرع الواسعة, والتريكة: البيضة من الحديد, وهي التركة أيضًا, وإنما شبهت ببيضة النعام. قال لبيد: (١٨٥/أ) [الرمل] فخمةً ذفراء ترتى بالعرى ... قردمانيًا وتركًا كالبصل

стр. 1135

وقوله: كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسلاح المسمم يريد أن في الجيش راياتٍ مختلفات الشكول, وكذلك الشعار الذي فيه مختلف؛ لأنه يدعي أن فيه قبائل بعضهم يقول: يا ل عقيل, ومنهم من يقول: يا ل تميم, وغيرها. وهذا يشابه قوله: [الوافر] تناكر تحته لولا الشعار والمسمم: يجوز أن يكون من السم, ويجوز أن يكون من: سممت الشيء إذا أصلحته. وقوله: وأدبها طول القتال فطرفه ... يشير إليها من بعيدٍ فتفهم يقول: هذه الخيل قد أدبها طول القتال فهي تفهم ما يريد الممدوح إذا أشار إليها بطرفه فكلها يعقل. وقد تزجر الخيل بأصوات وتحث على السرعة بأشياء تعرفها كقولهم: أجد وهجد وهاب وهلا وهقط. قال الراجز: [الرجز] لما سمعت قولهم هقط ... أيقنت أن فارسًا محتطي ومن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] أخفضه بالنقر لما علوته ... وأرفع طرفي في فضاءٍ عريض والنقر: صويت يقوله الفارس إذا ركب الفرس, وقد يستعمل النقر في الإبل, وقد فسر

стр. 1136

أبو الطيب هذا البيت بالذي بعده وهو قوله: تجاوبه فعلًا وما تسمع الوحى ... ويسمعها لحظًا وما يتكلم الوحى هاهنا: الصوت, وكأنه يعني به ما خفي من الأصوات, لأن الوحى يستعمل في مواضع كثيرة؛ فيقال: وحى الله وأوحى إذا ألهم, ووحى الكاتب إذا كتب. وأوحى الرجل إلى صاحبه إذا أسر إليه أو أومأ. وقيل: موت وحي أي سريع؛ أي يكون في مدة قصيرة كأنها إيماء. وقالوا: الوحى في معنى العجلة؛ فقيل: إن الملك يوصف بوحى لسرعة أمره, وعلى ذلك فسروا قول الشاعر: [الكامل] وعلمت أني إن علقت بحبله ... وصلت يداي إلى وحى لم يصقع وقوله: تجانف عن ذات اليمين كأنها ... ترق لميافارقين وترحم تجانف: أي تمايل عن ذات اليمين؛ أي من الناحية التي من جانب أيمانها؛ لأن ميافارقين كانت في ذات اليمين. وترق من قولهم: رق الرجل لولده أو غيره إذا أشفق عليه. وقد ذكرت ميافارقين في الشعر القديم, وإنما يجب أن يكون ذلك بعد الإسلام. قال الشاعر: [الطويل] فإن يك في كيل اليمامة عسرة ... فما كيل ميافارقين بأعسرا وإنما زعم الشاعر أن الخيل تجانف عن ميافارقين لأن فيها قبر أم سيف الدولة. وحدث رجل كان يتعصب لأبي الطيب, وله كتاب في ذكر محاسنه, أن سيف الدولة قال له بميافارقين: من عنيت بقولك: ولما عرضت الجيش كان بهاؤه ... على الفارس المرخي الذؤابة منهم فقال أبو الطيب: عنيت نفسي, فقال له سيف الدولة: وإلا فعليك لعنة الله.

стр. 1137

وقوله: ولو زحمتها بالمناكب زحمةً ... درت أي سورينا الضعيف المهدم الهاء في زحمتها عائدة على ميافارقين. يقول: لو زحمت الخيل بمناكبها ميافارقين درت أي سورينا - في درت ضمير يعود على ميافارقين - يقول: لو زحمتها خيلنا لهدمت سورها؛ لأنها أشد منها بأسًا, وهذا يشبه صفة الجيش بأنه كالجبال لما قال: تساوت به الأقطار حتى كأنه ... يجمع أشتات الجبال وينظم وقوله: على كل طاوٍ تحت طاوٍ كأنه ... من الدم يسقى أو من اللحم يطعم يقول: الفرسان كلهم طاوٍ؛ من قولهم: طوى الرجل إذا لم يأكل شيئًا. على كل طاوٍ؛ أي على كل فرسٍ لم يرع ولا علق عليه عليق. يقال: هو طاوٍ بين الطوى بفتح الطاء, وحكاه سيبويه بالكسر وأجراه مجري السمن والشبع, وأنشد بيت عنترة: [الكامل] ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل والمراد أن هذه الخيل وفرسانها كأنها تسقى من دماء القتلى وتطعم من لحومها. وذهب قوم إلى أنها كالتي تأكل من لحوم أنفسها وتشرب من دمائها. ولا يحتمل هذا (١٨٥/ب) القول غرض الشاعر؛ لأن صفتها بأنها كالآكلة لحوم الأعداء والشاربة من دمائهم أبلغ في المديح, وأما القول الآخر فيحسن إذا كان في صفة إبلٍ مسافرةٍ لا يقصد بها الحرب كما قال الراجز: [الرجز] وبلدةٍ باتت على حزومها ... شاكية الأكوار من لزومها كأنها ترتع في لحومها أي كانت إبلًا سمينة فطال سيرها, فهي لا تجد مرعى, فهي تصبر ولحومها تنقص وكأنها تأكل من سمنها القديم. وقوله:

стр. 1138

لها في الوغى زي الفوارس فوقها ... فكل حصان دارع متلثم يقول: هؤلاء الفوارس قد لبسوا الحديد ليدفعوا به سلاح الأعداء, وصانوا خيلهم بما يقدرون عليه, وكأن كل حصانٍ دارع؛ أي عليه درع. والخيل لا توصف بلبس الدروع وإنما تصان بالتجافيف؛ فجعلها كالدروع في هذا الموضع لأنها السبب إلى الصيانة. واعتذر الشاعر بعد هذا البيت للفوارس باحترازهم من الموت فقال: وما ذاك بخلًا بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم قوله: وما ذاك إشارة إلى الفعل الذي فعله الفرسان من التحرز, وما فعلوه خوفًا من الموت ولكن صدم الشر بمثله أحزم. وقوله: أتحسب بيص الهند أصلك أصلها ... وأنك منها؟ ساء ما تتوهم يستفهم سيف الدولة وهو عالم بما يريد؛ يقول: إن ظنت سيوف الهند أن أصلك أصلها فقد توهمت توهمًا فاسدًا؛ لأنك أجل من أن تكون منها. وقد ادعى بعد ذلك دعوى تستحسن في الشعر؛ وهي كذب لا محالة؛ لأنه قال: إذا نحن سميناك خلنا سيوفنا ... من التيه في أغمادها تتبسم وقوله: ولم نر ملكًا قط يدعى بدونه ... فيرضى ولكن يجهلون وتحلم الهاء في دونه عائدة على سيف الدولة, واستعمل دون هاهنا كاستعمال الأسماء, وإنما هي ظرف - والتقدير: بشيءٍ دونه - وإنما يستعملون في موضع الاسم إذا لم تكن مضافةً كقول القائل: [المتقارب] إذا ما علا المرء رام العلا ... ويقنع بالدون من كان دونا وقوله: أخذت على الأرواح كل ثنيةٍ ... من العيش تعطي من تشاء وتحرم فلا موت إلا من سنانك يتقى ... ولا رزق إلا من يمينك يقسم

стр. 1139

هذه مبالغة يجب على سامعها أن يستغفر الله ويعوذ به منها. والثنية: المطلع في الجبل. زعم أن هذا الممدوح أخذ على الأرواح كل الطريق فهو يعطي من شاء أن يعطيه ويحرم من أراد أن يحرمه. وزعم أن الموت - على اختلاف أصنافه - إنما يجيء من سنانه, وأن الرزق يقسم من يمينه. وإن ذلك لهو الافتراء المبين. وقافيتها من المتدارك. ومن التي أولها ذكر الصبا ومرابع الآرام ... جلبت حمامي قبل وقت حمامي الوزن من ثاني الكامل. قوله: وكأن كل سحابةٍ وقفت بها ... تبكي بعيني عروة بن حزام خص عروة لأنه موصوف بالصبابة وشدة الشوق, وهذا البيت كالناظر إلى قول الطائي: [الطويل] كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبًا فما ترقا لهن مدامع وقوله: قد كنت تهزأ بالفراق مجانةً ... وتجر ذيلي شرةٍ وعرام قال في أول القصيدة: جلبت حمامي, ثم لم يزل يخبر عن نفسه حتى قال: قد كنت

стр. 1140

تهزأ بالفراق؛ فترك الإخبار بالياء وخرج إلى المخاطبة؛ وإنما يخاطب نفسه, وذلك معروف في الشعر وغيره. والناس يستعملون المجانة في معنى الهزء بالشيء والتهاون به. يقولون: فلان ماجن إذا كان مسرفًا في اللهو والقول لما لم يكن. وأما أهل العلم فيقولون: مجن إذا مرن على الشيء. يقول لنفسه: قد كنت تجر ذيلي شرةٍ وعرام؛ أي في أول أمرك؛ ثم انتقلت عن ذلك إلى سواه. وقوله: ليت الذي خلق النوى جعل الحصى ... لخافهن مفاصلي وعظامي (١٨٦/أ) الهاء في خافهن عائدة إلى الركاب. والخف يستعمل للإبل, ويستعار للنعام, ويقال للجمل المسن: خف. قال الراجز: [الرجز] أعطيت عمرًا بعد بكرٍ خفا ... والدلو قد تسمع كي تخفا يقال: أسمعت الدلو إذا شددت أسفلها لتخفز يقول: ليت الذي خلق النوى - أي البعد - جعل مفاصلي وعظامي تطؤها الركاب كوطئها الحصى, وهذه أمنية غير صادقٍ فيها الزاعم. وقوله: لو كن يوم جرين كن كصبرنا ... عند الرحيل لكن غير سجام يقول: دموعنا غزيرة وكثيرة فلو كان كصبرنا يوم الرحيل لكن قائلا لا يجرين. وقوله: لم يتركوا لي صاحبًا إلا الأسى ... وذميل دعلبةٍ كفحل نعام يقال: ناقة ذعلب وذعلبة إذا كانت سريعة. قال النابغة: [الطويل] ذكرت سعادًا فاعترتني صبابة ... وتحتي مثل الفحل وجناء ذعلب ويعني بفحل النعام: الظليم, والناقة تشبه بالنعامة, وبالثور الوحشي, والبقرة الوحشية, وحمار الوحش.

стр. 1141

وقوله: أنت الغريبة في زمانٍ أهله ... ولدت مكارمها لغير تمام الغريبة: يعني الدرة الغريبة في زمانٍ ولدت مكارم أهله لغير تمامٍ. واستعار الولادة هاهنا للمكارم؛ وإنما أراد تشبيهها بالأولاد الذين يولدون من قبل أن تتم شهور الحمل؛ قال الشاعر: [الكامل] أعجلن مجهضةً لستة أشهرٍ ... وحذين من بعد النعال نعالا وقال الراجز يصف نوقًا ألقين أولادهن: [الرجز] يتركن بالمهامه الأفعال ... كل جنين خلق السربال حي الشهيق ميت الأوصال والناقة تلد لسنةٍ؛ فإذا زادت على ذلك حمدت الزيادة وقيل هي منضجة. قال الشاعر يصف جملًا: [الوافر] هو ابن منضجات كن قدمًا ... يزدن على العديد قراب شهر ولم يك بابن كاسفة الضواحي ... كأن غرورها أعشار قدر قوله: كاسفة الضواحي؛ يعني أن لونها يضرب إلى السواد. والورق من الإبل يصفونها

стр. 1142

بالبطء في السير. يقول: هذا الجمل من ناقةٍ كريمةٍ ليست ورقاء ولا رمكاء. وغرورها: جمع غر, وهو أثر التكسر في جلدها. وقوله: صغرت كل كبيرةٍ وكبرت عن ... لكأنه وعددت سن غلام يقول: إنه صغر كل كبيرة لأن الناس إذا نظروا إلى أفعاله استصغروا ما يفعله غيره. وقوله: وكبرت عن لكأنه يشبه قوله: [الطويل] أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي أراد أنه يكبر عن التشبيه وأن يقول القائل: كأنه الأسد وكأنه السحاب ونحو ذلك. وأدخل لام الابتداء على كأن, وذلك قليل جدًا, والقياس يمنع منه لأنه الكاف أول كلامٍ. وقولهم: كأن زيدًا عمرو مؤدٍ معنى قولك: كزيدٍ عمرو؛ فجاز دخول اللام على الكاف كما جاز دخولها في قولك: لفلان أفضل من فلانٍ. ثم ختم البيت بقوله: وعددت سن غلام؛ أي إنك شاب مع فعلك هذه الأفعال العظام. وقوله: ورفلت في حلل الثناء وإنما ... عدم الثناء نهاية الإعدام استعار الحلل للثناء, وجعل الممدوح يرفل فيهن؛ وإنما يرفل الإنسان في ثيابه إذا طالت عليه. وسموا حصاة القسم التي يقسم عليها الماء في السفر: رافلةً؛ لأن الماء يغمرها, فكأنها ترفل فيه. وقالوا: رفل بنو فلانٍ فلانًا إذا سودوه؛ يريدون أنهم عظموه فطول ثيابه فهو يرفل فيها. قال ذو الرمة: [الطويل] إذا نحن رفلنا امرأً ساد قومه ... وإن لم يكن من قبل ذلك يذكر وقوله:

стр. 1143

عيب عليك ترى بسيفٍ في الوغى ... ما يصنع الصمصام بالصمصام قد تردد في شعر أبي الطيب حذفان في مواضع الإثبات كقوله: عيب عليك ترى وإنما الكلام: أن ترى, وقد مر ذكر ذلك. والصمصام: السيف القاطع. والذين يقولون: إن أصل رقرق: رقق, وأصل تجفجف الورق: تجفف؛ يذهبون إلى أن أصل الصمصام مأخوذ من صمم السيف إذا قطع ولم يصب مفصلًا, وكان الأصل عندهم: صمم فجعلت إحدى الميمات صادًا كما قالوا: ترقرق الدمع, والأصل ترقق. يقول: (١٨٦/ب) أنت سيف فما تصنع بسيفٍ مثلك؟ وأحسن من هذا المعنى قوله في الأخرى: [البسيط] انظر إذا اجتمع السيفان في رهجٍ ... إلى اختلافهما في الخلق والعمل وقوله: ملك زهت بمكانه أيامه ... حتى افتخرن به على الأيام قال: زهت وهو يريد زهيت؛ وقد حكي: زها الرجل إذا ظهر فيه زهو, والقياس لا يمنع ذلك, وإذا وجد لزهت وجه فهو أحسن من زهت على ما لم يسم فاعله, وهي لغة طائية توجد كثيرًا في شعر طيئ وغيرهم. قال الشاعر: [الطويل] ألا من رأى قومي كأن رجالهم ... نخيل أتاها عاضد فأمالها أدفن قتلاها وآسو جراحها ... وأعلم ألا بد مما منى لها أي مني لها. وهذا الشعر ينشد على لغة طيئ لما لم يسم فاعله, وذلك قوله: [الطويل] فما وجدوا عصم بن عمروٍ بجبأٍ ... ولا ناظرًا سطر المقات إذا لقى يريد: لقي. ولكنه أشغى أصم مثقف ... يكرر إن نادى ويصمت إن دعى الأشغى: المختلف الأسنان, والمثقف: الطويل في انحناء. وهو أصم لا يسمع فيظن أن الناس مثله, وإذا قال: يا فلان كرر النداء, وإذا دعي صمت لأنه لم يسمع.

стр. 1144

وقوله: مهلًا ألا لله ما صنع القنا ... في عمرو حاب وضبة الأغتام حاب: أراد حابس فرخم في غير النداء. وبعض النحويين يجيز أن يرخم المنادى الذي يحمل على قولهم: يا حار في الشعر, ولايجيز الترخيم على قول من قال: يا حار, وبيت جرير ينشد على وجهين, وهو قوله: [الوافر] ألا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت منك شاسعةً أماما وهذا ترخيم في غير النداء على مذهب من قال: يا حار, وكان محمد بن يزيد ينشد: [الوافر] وما عهد كعهدي يا أماما واختلفوا في قول ابن أحمر: [الوافر] أبو حنشٍ يؤرثنا وطلق ... وعباد وآونةً أثالا أراد: أثالة, وادعى من رفع هذا القول أن أسماء الرجال إنما جاء فيها أثال بغير هاء, وقبل هذا البيت: [الوافر] أرى ذا شيبةٍ منهم كريمًا ... وآخر مثل صدر السيف نالا ثم ذكر رجالًا فارقهم أو ماتوا فسماهم, وهم: أبو حنشٍ وطلق وعباد وأثالة. وأصحاب القول الآخر يزعمون أن قوله: أثالا معطوف على الألف والنون في قوله: يؤرقنا, واختلفوا في قول الآخر: [البسيط] أودى ابن جلهم عباد بصرمته ... إن ابن جلهم أمسى حية الوادي

стр. 1145

فذهب قوم إلى أنه أراد جلهمة فرخم في غير النداء على مذهب من قال: يا حار. وقال قوم: جلهم اسم أمه, ولم يصرفها للتأنيث. والأشبه بمذهب العرب أن يكون الترخيم على قول من قال: يا حار جائزًا في غير النداء لاسيما مع هاء التأنيث لأنهم يستجيزون حذفها كثيرًا؛ فأما قول زهير: [الطويل] خذوا حذركم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرحم بالغيب تذكر فلا شك أنه أراد عكرمة بن خصفة بن الياس بن مضر فحذف الهاء, ويجوز أن يكون جعله اسم قبيلة فلم يصرفه. والأغتام: كلمة يوصف بها الأغبياء الجهال, وهو مأخوذ من قولهم: يوم غتمٍ إذا كان يوم حر شديد. قال الراجز: [الرجز] حرقها الحمض بأرض فل ... وغتم نجمٍ غير مستقل فما يكاد نيبه يولي وقوله: وذراع كل أبي فلانٍ كنيةً ... حالت فصاحبها أبو الأيتام يقول: تركت في هذه الأرض ناسًا مقتلين كأنهم أحجار, وفيها نجوم بيضٍ في سماء قتامٍ. وذراع كل أبي فلان؛ أي قتل من كان يكنى فصارت كنيته أبا الأيتام. ونصب كنيةً على الحال, ويجوز أن تنصب بإضمار أعني. وقوله: وكساك ثوب مهابة من عنده ... وأراك وجه شقيقك القمقام يقال لابن الرجل: شقيقه لأن نسبه شق من نسبه. والقمقام: أصله في البحر يراد به كثرة الماء, ثم قيل للرجل السخي العظيم الشأن: قمقام. وقوله: (١٨٧/أ) فلقد رمى بلد العدو بنفسه ... في روق أرعن كالغطم لهام

стр. 1146

في روق أرعن؛ أي في أوله, والغطم: البحر الكثير الماء, ولم يصرفوا منه الفعل. وقوله: قوم تفرست المنايا فيكم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام قوم: جمع قائم كما قيل: راكب وركب, وأصل ذلك في الرجال, لأنهم الذين يقومون في الأمور دون النساء. وقامة الرجل: أعوانه الذي يقومون معه في الأمر. قال الراجز: [الرجز] وقامتي ربيعة بن كعب ... حسبك ما عندهم وحسبي فأما القامة في غير هذا الموضع فهي البكرة وآلتها. قال الراجز: [الرجز] ألا فتًى يعيرني عمامه ... أحرق كفي رشأ القامه وقال زهير في أن القوم الرجال دون النساء: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري ... قوم آل حصنٍ أم نساء ولو صغرت قومًا لقلت: قويم كما تقول: ركب وركيب. قال الراجز: [الرجز] بنيته بنيةً من ماليا ... أخشى رجيلًا أو ركيبًا عاديا ومن قال في تصغير ركبٍ: ركيبون جاز أن يقول في تصغير قومٍ: قويمون, وقالوا في الجمع: أقوام, وجمعوا الجمع فقالوا: أقاوم وأقاويم. قال الشاعر: [الطويل] فإن يعذر القلب العشية في الصبا ... فؤادك لا يعذرك فيه الأقاوم ويروى: الأقايم. وقافيتها من المتواتر.

стр. 1147

ومن التي أولها واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم الوزن من البسيط الأول. والهاء في قلباه يجوز فيها الضم والكسر؛ فمن كسر فلالتقاء الساكنين, ومن ضم فلأنه شبهها بهاء عصاه ورحاه. وبعض النحويين يري أن ترك الياء في هذا الموضع روي لأنها تحذف في قولك: يا غلام, وإذا أضيف الغلام إلى غيره لم تحذف منه كقولك: يا غلام غلامي, ويا عبد عبدي. وقد حكى سعيد بن مسعده أن بعرض العرب يقول: جاءني غلام فيحذف الياء في غير النداء؛ فإذا أخذ بغير هذا القول فحذف الياء من قوله: واحر قلباه سائغ يسير. وكذلك من عاب إثبات الياء في الوصل وزعم أنها إنما تثبت في الوقف فقد جاء خلاف ما زعم في الشعر. أنشد يعقوب بن السكيت: [الرجز] يا مرحبًا بحمار عفراء ... إذا أتى قربنه لما شاء من الحشيش والشعير والماء وقال آخر: [الرجز] يا مرحباه بحمار الناجيه ... إذا أتى قربته للسانيه وقال آخر: [الرجز] يارب يا رباه إياك أسل ... عفراء يارباه من قبل الأجل وقال آخر: [الوافر] يارب يا رباه إياك أسل ... عفراء يارباه من قبل الأجل وقال آخر: [الوافر] إليك أتوب يا رباه مما ... جنيت فقد تظاهرت الذنوب

стр. 1148

والمعنى أن الشاعر يقول: وا حر قلبي, والذي أوجب حره أن قلب عدوي شبم. والشبم: البارد, ووصف الموت بالشبم لأنه برد. قال الشاعر: [المتقارب] وقد شبهوا العير أفراسنا ... فقد وجدوا سيرها ذا شبم أي: ذا برد؛ أي: ظنوا أن أفراسنا عير تحمل طعامًا وميرةً, فإن ميرها شبم أي موت بارد. ويجوز أن يعني بالشبم أن الحديد بارد وهو يؤدي إلى الموت. قال الشاعر: [البسيط] ولوا سارعًا لدى الطرفا تشدخهم ... زرق الأسنة في أطرافها شبم وقد استعمل لفظ الشبم في غير معنى البرد؛ فقيل لدفيفٍ أو عودٍ يجعل في فم العناق أو الجدي ليمنعه من الرضاع: شبام. قال عدي بن زيد العبادي: [الخفيف] ليس شيء على المنون بباق ... غير وجه المهيمن الخلاق ليس للمرء عصمة من رزايا الدهـ ... ـر تغني عنه شبام عناق وقالوا في بعض الأمثال: «تفرق من صوت الغراب وتقدم على الأسد المشبم» , وهو الذي في فمه شبام. والشبامان: خيطان في البرقع تشدهما المرأة إلى قفاها. وقوله: ومن بجسمي وحالي عنده سقم؛ أي: جسمي سقيم عنده لكثرة الهموم, وحالي سقيمة أيضًا؛ أي إني قليل ذات اليد. وقوله: مالي أكتم حبًا قد برى جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأمم

стр. 1149

أكتم: أكثر الكتمان, ومن شأن المحب أن يكتم ما به. يقول: حبي سيف الدولة قد برى جسمي وأنا كاتم له, وغيري يدعي حبه, ويظهر ما يضمر سواه. وقوله: (١٨٧/ب) إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم الغرة: يراد بها الوجه, ويكنى بذلك عن سائر الجسد؛ لأن القائل إذا قال: أحب غرة فلان فليس يريد أنه يحب وجهه دون يده وغيرها من الأعضاء؛ وإنما دل بذكر الغرة على أنه يحب الشخص بأسره. وقوله: يجمعنا يحتمل وجهين: أحدهما: إن كان يجمعنا من آفاق البلاد المتباعدة حب لغرته فليت أنا نقتسم بره كما نقتسم حبه. والآخر: أن يريد إن كان يجمعني وغيري, أي أكون أنا وهو محبين لسيف الدولة؛ فليت حظي منه بمقدار حظي من المحبة, وهذا كما تقول: أنا وفلان تجمع بيننا الكنية أو التجارة؛ أي كلانا من أهلها. وقوله: قد زرته وسيوف الهند مغمدة ... وقد نظرت إليه والسيوف دم أي: قد زرته في أيام السلم وأيام الحرب. وقوله: والسيوف دم كلام يستعمل مثله الناس كثيرًا؛ فيقولون: صار السيف دمًا, إذا خضب بالدم, وكذلك الثوب ونحوه. ومعلوم أنهم لم يريدوا أن عنصر السيف صار من الدماء. وقوله: فوت العدو الذي يممته ظفر ... في طيه أسف في طيه نعم في طيه أسف: الهاء في طيه عائدة إلى الظفر؛ أي: إن فوته إياك إنما وقع به لخوفه منك؛ لأنه هاب لقاءك فهرب. وإنما يعني أن سيف الدولة أسف لذلك. وقوله: في طيه نعم: الهاء في الطي الثاني ترجع إلى الأسف, وقد شرح ذلك الشاعر في البيت الذي يليه بقوله: قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا تصنع البهم

стр. 1150

البهم: جمع بهمةٍ. يقال: فارس بهمة إذا كان لا يدرى كيف يؤتى له. فإذا قالوا: فارس بهمةٍ - بالإضافة - فالمراد أنه فارس يلقى بهمةً؛ أي فارسًا مثله؛ أي فارسًا يعد لأمرٍ مبهمٍ يعجز كشفه. ومن ذلك قول الشاعر: [الكامل] غدر ابن جرموزٍ بفارس بهمةٍ ... عند اللقاء وكان غير معرد وقوله: ألزمت نفسك شيئًا ليس يلزمها ... ألا يواريهم أرض ولا علم يقول للمدوح: ألزمت نفسك غير لازم لها لأنك أردت ألا تواريهم أرض ولا علم, أي جبل. والأقضية جرت بغير ذلك. تواريهم: أي تسترهم. وقوله: عليك هزمهم في كل معتركٍ ... وما عليك بهم عار إذا انهزموا أصل الهزم: كسر الشيء. يقال: صارت في الحجر هزمة إذا ضرب بمعول فصار فيه أثر منخض. ويقال: في الأديم هزول؛ أي مواضع قد أخلقت فالماء يخرج من خلالها. ويقال: تهزم البيض من الحديد إذا ضرب بالسيوف فتكسر. قال جرير: [الطويل] ويوم أبي قابوس لم تعطه المنى ... ولكن ضربنا الهام حتى تهزما وقال المرقش الأصغر: [مجزوء البسيط] تبكي على الدهر, والدهر الذي ... أبكاك, فالعين كالشن الهزيم يقول: عليك هزم الأعداء في كل المواطن, وإذا انهزموا فلا عار عليك, وترك اتباعهم أجمل لأنه كالعفو عنهم. وقوله:

стр. 1151

أما ترى ظفرًا حلوًا سوى ظفرٍ ... تصافحت فيه بيض الهند واللمم تصافحت: أي تلاقت بالصفاح. وصفحة الشيء: جانبه إذا عرض, يقال: صافح الرجل الآخر إذا وضع يده في يده, ومن ذلك قيل للحجارة العراض: صفاح. قال البرج بن مسهرٍ الطائي: [الوافر] نطوف ما نطوف ثم نأوي ... ذوو الأموال منا والعديم إلى حفرٍ أسافلهن جوف ... وأعلاهن صفاح مقيم يقول: لا يستحلى الظفر إلا أن تضرب الرؤوس بالسيوف. وقوله: يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم زعم أنه أعدل الناس إلا في معاملته إياه. وهذه شكوي مفرطة لأنه قال في موضع آخر [الطويل]: وما يوجع الحرمان من كف حارمٍ ... كما يوجع الحرمان من كف رازق فإذا كان عادلًا في الناس كلهم إلا في معاملته فقد وصفه بأقبح الجور. ووصف الممدوح بثلاثة أوصافٍ مختلفةٍ, فقوله: فيك الخصام؛ أي أنت الشيء الذي يختصم فيه. وأنت الخصم, وهو غير مختصمٍ فيه. وأنت الحكم, وليس الحكم بأحد الخصمين ولا بالشيء الذي وقه فيه الخصام؛ يقال: رجل خصم فيستعمل للواحد (١٨٨/أ) والاثنين والجميع, وفي الكتاب العزيز: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ , فالخصم هاهنا جماعة. وقال زهير في جمع خصم على خصوم: [الوافر] لعمر أبيك ما هرم بن سلمى ... بملحي إذا اللؤماء ليموا ولا ساهي الفؤاد ولا عيي اللـ ... ـسان إذا تشاجرت الخصوم

стр. 1152

وقوله: أعيذها نظراتٍ منك صادقةً ... أن تحسب اشحم فيمن شحمه ورم الأجود أني كون في «تحسب» ضمير عائد على النظرات, ولا يمتنع أن يكون المضمر هو الممدوح؛ كأنه قال: أعيذ نظراتك من أن تحسب - أيها الملك - الورم شحمًا. وهذا لفظ يجوز أن يكون لم يسبق إليه الشاعر, والمعنى حسن, وليس على قدر معناه. والشحم والورم متضادان؛ لأن الشحم يحدث عن الصحة, والورم يحدث عن المرض, فيقال: ورم أنف الرجل إذا أنف الشيء وكرهه, كأنما حدث لأنفه ورم. وقوله: ومن انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم هذا البيت ممض لمن قيل فيه لأنه يقول له: لك ناظران لا تبصر بهما؛ فجعله وهو بصير كبعض العميان. وقوله: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم حمل «الذي» على المعنى ولم يحملها على اللفظ؛ لأن «الذي» يطلب راجعًا إليها, وما رجع إليها الضمير. ولو كان الكلام منثورًا لكان وجه الكلام أن يقول: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبه وأسمعت كلماته من به صمم, وقد جاء في الشعر مثل هذا كثيرًا. قال الراجز: [الرجز] أنا الذي فررت يوم الحره ... والحر لا يفر إلا مره وإنما وجه الكلام أن يقول: أنا الذي فر يوم الحرة, و «الذي» لم يعد إليها ضمير. وقال آخر: [الرجز] يا مر يا بن واقعٍ يا أنتا ... أنت الذي طلقت عام جعتا

стр. 1153

وإنما وجه الكلام أن يقول: أنت الذي طلق عام جاع. وقال مهلهل: [الكامل] وأنا الذي قتلت بكرًا بالقنا ... وتركت تغلب غير ذات سنام وإنما وجه الكلام: وأنا الذي قتل بكرًا وترك تغلب. وقوله للممدوح: أنا الذي ينظر إلى أدبى الأعمى أفلا تنظر إليه وأنت في حكم البصير؟ وأسمعت كلماتي الأصم وأنت سميع أفلا تفهم ما أقول. وقوله: أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويختصم نصب ملء جفوني على تقدير قوله: أنام نومًا ملء جفوني موضوع موضع المصدر؛ وهذا كقولهم: قعد القرفصاء؛ أي قعد القعدة التي هي كذلك. والهاء في شواردها عائدة إلى كلماته. ويحتمل أن يكون أراد بالكلمات جمع كلمةٍ التي هي لفظة واحدة, وهذا أشد في المبالغة من سواه. ويجوز أن يعني بالكلمات القصائد؛ لأنهم يسمون القصيدة كلمة. والقصائد توصف بالشرود؛ أي تسير في الأرض كسير النعام الشارد وغيره. قال القطامي: [البسيط] مالي أرى الناس مزورًا فحولهم ... عني إذا سمعوا صوتي وإنشادي إلا أخي بني الجوال يوعدني ... ماذا يقول ابن جوالٍ بإيعادي وطالما ذب عني سير شرد ... يصبحن فوق لسان الراكب الغادي يعني الأبيات والقصائد, وذلك مما تصفه الشعراء. قال المسيب بن علس: [الكامل] فلأهدين مع الرياح قصيدةً ... مني مغلغلةً إلى القعقاع ترد المياه فلا تزال غريبةً ... في القوم بين تمثلٍ وسماع وجراها: جرى كلمة على فعلى, مأخوذة من قولك: جره يجره؛ أي كان سببه؛ كما

стр. 1154

تقول في الكلام: أصابني تعب جر فلان إلى ذلك؛ أي بجره, ومن أجل جره؛ أي يسهر القوم لأجل هذه الشوارد ويختصمون, وأنا نائم لا أشعر بذلك. وقوله: وجاهلٍ مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم الواو في معنى رب, ومده؛ أي جذبه وجره, وفي الكتاب العزيز: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾. يقول: رب جاهلٍ غره مني ضحكي. يقال: ضحك, وضحك, وضحك, وضحك, وقد مضى القول في ذلك, وأن حروف الحلق إذا كانت ثاني فعل من الأسماء أو فعلٍ من الأفعال جازت فيها هذه الوجوه الأربعة. وقيل للطلع: ضحك كأن النخل يضحك عنه, وشبهوا به العسل الأبيض. قال الهذلي: [الطويل] فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله ... هو الضحك إلا أنه عمل النخل ويد فراسة؛ أي تدق الأعناق. وأصل الفرس: دق العنق, ثم صار كل قتل فرسًا. قال الهذلي: (١٨٨/ب) [البسيط] يا مي لا يعجز الأيام ذو لبدٍ ... من الضراغم رزام وفراس الرزام: الذي يجثم على فريسته. وقوله: إذا رأيت نيوب الليث بارزةً ... فلا تظنن أن الليث مبتسم يقول لسيف الدولة: إذا الليث أبرز نيوبه فليس ذلك تبسمًا منه؛ وإنما هو إرادة للصولة, وهذا نقيض ما زعمه الفرزدق في وصف الذئب لما رفع ناره, فجاءه يلتمس عنده الخير, فقال وذكر الذئب: [الطويل]

стр. 1155

فلما دنا قلت ادن دونك إنني ... وإياك في زادي لمشتركان وبت أقد الزاد بيني وبينه ... على ضوء نارٍ مرةً ودخان وقلت له لما تكشر ضاحكًا ... وقائم سيفي من يدي بمكان تعش فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما ... أخيين كانا أرضعا بلبان ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى ... رماك بسهمٍ أو شباة سنان وقال المرقش في نحو من ذلك: [الطويل] ولما أضأنا النار عند شوائنا ... عرانا عليها أطلس اللون بائس نبذت إليه فلذةً من شوائنا ... حياءً وما فحشي على من أجالس فآض بها جذلان ينفض رأسه ... كما آض بالنهب الكمي المخالس وقوله: ومهجةٍ مهجتي من هم صاحبها ... أدركتها بجوادٍ ظهره حرم يقول: ورب مهجةٍ مهجتي من هم صاحبها أي هو يؤثرأن يقتلني - أدركتها - أي بلغت ما أريد منها - بجوادٍ ظهره حرم؛ أي إذا ركبته فكأنني في حرمٍ لا يصل إلى أحد بسوء. وقوله: رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم يريد أن رجليه كل واحدةٍ منهما مثل الأخرى في العدو, وكذلك يداه, ويجوز أن يريد أنهما تقعان معًا. وفعله؛ يعني الجواد؛ ما تريد كف راكبه وقدمه؛ أي هو جواد مؤدب, فإذا قصر عنانه قصر في الجري, وإذا أرخي له في العنان بذل ما يريده الراكب من الجري, وكذلك إن حرك الفارس قدمه عليه ليمتري حضره فإنه يسمح بما يرضيه. ونحو من هذا المعني

стр. 1156

قول ساعدة بن جؤية الهذلي: [البسيط] يوشونهن إذا ما آنسوا فزعًا ... تحت السنور بالأقدام والجذم يعني بالجذم: السياط, واحدها جذمة. ويروى: بالأعقاب, وهو جمع عقب الإنسان. ويوشونهن؛ أي يستخرجون ما عندهن من الجري. وقوله: ومرهفٍ سرت بين الموجتين به ... حتى ضربت وموج البحر يلتطم المرهف: سيف رقيق. وجعل نفسه سائرًا بين الموجتين؛ أي بين قرنين يخاف منهما الموت, واستعار للموت موجًا؛ وإنما هو للبحر وما جري مجراه من المياه الكثيرة كالفرات وغيره من الأنهار. قال أبو ذؤيب: [الطويل] فجاء بها ما شئت من لطمية ... يدوم الفرات فوقها ويموج وخطئ أبو ذؤيب في هذا البيت. وقيل: إن الدرة لا تكون في الفرات. وقيل: أراد باللطمية: الدرة التي تحمل في اللطيمة, وهي العير التي تحمل المسك. وقال قوم: أبو ذؤيب في جبال هذيل, ولم يكن ليخفى عليه أن الدر لا يكون في الفرات. وقيل: أراد أن حول الصدفة التي فيها الدرة ماءً كثيرًا كأنه الفرات إذا هاج. وقال قوم: الصدفة إذا شقت عن الدرة خرج منها ماء فذلك الذي أراد الهذلي. وقيل: إنما أراد ماء الدرة في نفسها وحسنها, وشبه ماء الدرة بماء الفرات. وقوله: فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم ادعى أن الخيل والليل وما ذكر بعدهما تعرفه, ومثل هذا قد يذكر في الشعر. والقرطاس: أعجمي معرب, وكسر القاف فيه أفصح اللغات لأن القرآن بها جاء. وقد حكي: قرطاس بضم القاف. قال الراجز: [الرجز]

стр. 1157

هل تعرف الدار بذات أوطاس ... رسومها مثل رسوم القرطاس يقال في الجمع: قراطس وقراطيس. قال جرير: [البسيط] بين المخيصف والعزاف منزلة ... كالوحي من عهد موسى في القراطيس وقال الراجز: [الرجز] قفي المطي في المحل الطامس ... كأنه ما خط في القراطس وكان لأيوب بن عبيد العنبري جمل يقال له: قرطاس - وأيوب أحد اللصوص, وقد أدرك أول خلافه بني العباس, واستشهد بعض أصحاب اللغة بشعره - فقال في جمله: [البسيط] قد مت من حب قرطاسٍ يفندني ... أهلي فوا كبدي من حب قرطاس محض النجار عتيق الجد تحسبه ... ظبيًا تقلب في قفرٍ من الناس وقالوا: قرطس في معنى قرطاس. والقلم مأخوذ من قلمت الظفر إذا قطعته, وهو فعل من القلم لأنه يقلم, كما قالواة لما هدم: هدم, ولما نقض من الجدر: نقض. وقوله: (١٨٩/أ) صحبت في الفلوات الوحش منفردًا ... حتى تعجب مني القور والأكم القور: جمع قارةٍ؛ فقيل: هي الأكمة السوداء شبهت بالقار المعروف. وقيل: بل كل أكمةٍ قارة لأنها تنقار من غيرها أي تنقطع. والقارة: قوم من العرب يوصفون بجودة الرمي؛ وهم من بني خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. وإنما قيل لهم قارة لأن قومهم أرادوا أن يفرقوهم لأمر حدث فقال قائل منهم: [الوافر] دعونا قارةً لا تفرقونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم

стр. 1158

وقالوا في المثل: «أنصف القارة من راماها»؛ أي هم قوم رماة فقد أنصفهم من حاربهم بما يعرفون. والأكم: جمع أكمةٍ, وتجمع أكم على آكام وإكام. وقيل لها: أكمة لا رتفاعها؛ ولذلك قيل اللحم الذي في أعلى الفخذين: مآكم. وقوله: ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍ ... لو أن أمركم من أمرنا أمم ما كان أخلقنا؛ أي أجدرنا. والأمم: أمر بين أمرين, لا قريب ولا بعيد. قال الراجز: [الرجز] تسألني برامتين شلجما ... لو أنها تطلب شيئًا أمما وقال آخر: [المنسرح] كوفية نازح محلتها ... لا أمم دارها ولا صقب وقوله: ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم يقول: أنا الثريا, وذان؛ يعني العيب والنقصان؛ أي هذان الشيب والهرم, والثريا آمنة منهما لأنها لا تشيب ولا تهرم. وقوله: ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم يعني بالغمام: سيف الدولة, وبصواعقه ما يلحقه من الأذية, شبهها بالصواعق. والصاعقة هي الراعدة التي يسمع لها صوت عظيم وربما كان معها برق يحرق. يقال: صاعقة وصاقعة. قال الراجز: [الرجز]

стр. 1159

يحكون بالهندية اللوامع ... تبوج البرق عن الصواقع والديم: جمع ديمةٍ, وهو مطر ليس بالشديد يدوم أيامًا, وأقل ما يكون يوم وليلة. وهو من ذوات الواو لأنه من: دام يدوم. وأنسواة بالياء فقالوا: ديم المطر, ولم يردوها إلى الواو. قال الراجز: [الرجز] هو الجواد بن الجواد بن سبل ... إن ديموا جاد وإن جادوا وبل وقالوا: كثيب مديم إذا سقته الديم. وقوله: أرى النوم تقتضيني كل مرحلةٍ ... لا تستقل بها الوخادة الرسم النوى هاهنا في معنى النية, وإنما قيل للبعد: نوى لأنه يكون في نية القوم أي ما ينوون. والمرحلة: ما بين المنزلين. يقول: أرى نيتي تقتضيني مراحل شدادًا لا تستقل - أي لا ترتفع - إذا همت بالنهوض. والوخادة: فعالة من الوخد, وهو ضرب من سير الخيل وعدوها, ويستعمل في الإبل والنعام. والرسم: جمع رسوم. والرسيم: ضرب من السير العجل. قال الراجز: [الرجز] ما لك من شيخك إلا عمله ... إلا رسيمه وإلا رمله وقوله: لئن تركن ضميرًا عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم ضمير: موضع يقوم من دمشق. قال عبيدالله بن قيس: [الخفيف] فضمير فالماطرون فحورا ... ن خلاء بسابس الأطلال وقوله:

стр. 1160

إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم هذه دعوى كغيرها, وإنما غرضه أن الرجل إذا فارق أناسًا وقد ظنوا أنه غير مفارقً لهم أسفوا له فكأنهم راحلون. وقوله: شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم الوصم: العيب. يقال: ما في العود وصم ولا فصم. فالوصم ما فيه من عقدة ونحوها, والفصم الأثر فيه نحو الشق. وقد يكون الانفصام انقطاعًا, وفي الكتاب العزيز: ﴿لا انفصام لها﴾. والتوصيم يزعمون أنه في معنى الكسل, وهو راجع إلى معنى الوصم. قال لبيد: [الرمل] وإذا حاولت أمرًا فارتحل ... ثم لا يثنيك توصيم الكسل وجاء في الحديث: «إن الإنسان إذا نام حتى يصبح أصبح موصمًا؛ أي به كسل». وقوله: وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم يقول: شرد البلاد مكان يعوزك فيه الصديق, وشر ما يقتنصه الإنسان - أي يصيده - قنص تشترك فيه البزاة الشهب والرخم؛ لأن البزاة تصيد, والرخم إنما يقع على الجيف, وكأنه جعل ما يصيبه في هذه البلاد من الرزق شيئًا لا خير فيه؛ لأن الرخم تقع عليه فتصيب منه كما تصيب البزاة. ويقال في جمع الرخمة: ﴿خم (١٨٩/ب) كما يقال في جمع الخشب:
следующие страницы →