Полный текст (1 484 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقال الراجز:
يا أم سعد لم ولدت سعدا ... ولدت منه رجلًا سمعدا
أي: هو أحمق, وقيل: مجنون.
ومما يجري مجرى لم في الحذف قولهم: بم أخذت كذا, فإثبات الألف جائز في الضرورة, وإثباتها هو الأصل, قال الشاعر, ويقال: إنه لوضاح اليمن: [السريع]
يا أمة الواحد جودي أما ... إن تقتليني فبما أو لما
فالألف في بما تثبت للضرورة. وقوله لما يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون رد الألف الذاهبة, والآخر أنه أراد لم, بالحذف, وأثبت الألف للترنم.
ومن بيتين أولهما
تعرض لي السحاب وقد قفلنا ... فقلت إليك إن معي السحابا
(١٥/ب) الأحسن في ياء لي ومعي التحريك إذا لقيهما ساكن, وليس الإسكان بضرورةٍ, ولو كان الكلام منثورًا لكان الأحسن أن يقول: تعرض لي السحاب, وإن معي السحاب, وكذلك ياء الإضافة التي يجوز فيها التحريك والإسكان, إذا لقيها ساكن فالأحسن فيها التحريك, يقول الرجل: لي ابن, ولي ابنة, فيكون أحسن من حذف الياء لالتقاء الساكين.
وقوله:
فشم في القبة الملك المرجى ... فأمسك بعدما عزم انسكابا
стр. 107
الشيم: النظر إلى البرق. قال الأعشى: [البسيط]
فقلت للشرب فى درنا وقد ثملوا ... شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل
والقبة: عربية صحيحة واشتقاقها من قببت الشيء إذا جمعت أطرافه: وأكثر ما يستعملون عزمت وعزم مع حرف الخفض, أو مع أن والفعل, فيقولون: عزمت على الارتحال, وعزمت أن أرتحل واحد, ولا يكادون يقولون: عزمت الارتحال, إلا أن ذلك جائز؛ لأن العزم القطع والإمضاء.
ومن بيتين أولهما
الطيب بما غنيت عنه ... كفى بقرب الأمير طيبا
الوزن من سادس البسيط, والقافية من المتواتر.
الباء دخلت على الفاعل في قوله: كفى بقرب الأمير, فهي تدخل في هذا الموضع, وفي الابتداء والخبر. ومن دخولها على الابتداء, قول الشاعر: [المتقارب]
بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضر
ومن الأخبار التي دخلت عليها الباء قوله تعالى: ﴿جزاء سيئةٍ بمثلها﴾ , وكأن
стр. 108
دخول الباء في قوله: وكفى به دليل على التعجب. ودخلت الباء كما دخلت في قوله: أكرم ربه, إلا أنها في أكرم به لازمة, وحذفها مع كفى جائز, ومن هذا النحو قول النمر بن تولب: [الكامل]
ظهرت ندامته وهان بسخطه ... شيئًا على مربوعها وعذارها
كأنه قال أهون بسخطه.
وقوله:
يبني به ربنا المعالي ... كما بكم يغفر الذنوبا
سكن ياء المعالي للضرورة, وذلك كثير. وواحد المعالي: معلاة, وهي الفعل الذي يعلو به الإنسان. قال أعشى باهلة: [البسيط]
فإن يصبك عدو في مناوأةٍ ... فقد تكون لك المعلاة والظفر
ومن أبيات أولها
أيا ما أحيسنها مقلةً ... ولولا الملاحة لم أعجب
أفعل الذي للتعجب عند البصريين فعل, وينقض ذلك عليهم تصغيره, إلا أنهم يزعمون أنه لما لم يتصرف وصح في قولهم: ما أقوله, وما أبيعه, كما تصح الأسماء؛ صغرته العرب على جهة الغلط, والفراء يزعم أنه اسم, وتصغيره في الشعر قليل جدًا.
стр. 109
والمتأخرون من النحويين ينشدون بيتًا, ويظنون أنه قديم, وهو قول الشاعر:
[البسيط]
ياما أميلح غزلانًا عرضن لنا ... من هؤلياتئكن البان والسمر
والبيت لرجل يعرف بعلي بن محمد الغريبي كان يتفاصح في شعره, ويشبهه بأشعار العرب, ولا أدري أحضريًا كان أم بدويًا, وقد مدح علي بن عيسى الوزير.
وقوله:
إذا نظر الباز في عطفه ... كسته شعاعًا على المنكب
يقال: باز على مثال نار, وباز على مثال قاض, وبازئ بالهمز, كما يقال: خاطئ. وحكى قطرب: بازي بالتشديد.
وأصل العطف كل موضع يمكن عطفه من الإنسان, فيمكن أن يقال للعنق: عطف, وكذلك الإبط, والجنب, ومنه قوله تعالى: ﴿ثاني عطفه﴾ , والمنكب: رأس الكتف, واستعاره هاهنا للباز, وكذلك العطف.
стр. 110
ومن التي أولها
إنما بدر بن عمارٍ سحاب ... هطل فيه ثواب وعقاب
هذه الأبيات على مذهب الخليل مبنية على أصل الرمل, فلم يذكر الخليل مثلها فيما وضع, ولا يوجد مثلها في أشعار المتقدمين, وقد ذكروا أبياتًا لرجل من قريش قيلت في الإسلام, وهي على وزن هذه الأبيات, وهي:
إن ليلي طال والليل قصير ... طال حتى ما أرى الصبح ينير
ذكر أيامٍ غرتنا منكراتٍ ... حدثت فيها أمور وأمور
فالذي يأمر بالغي مطاع ... والذي يأمر بالرشد دحير
والبيت المصرع من أولها قد استعملت العرب مثله, وإنما الذي لم يوجد لها نظير ما كان غير مصرعٍ, وهو يزيد حرفين على ما جرت العادة باستعماله, كقوله:
إنما بدر عطايا ورزايا ... ومنايا وطعان وضراب
قوله يا في نصف البيت الأول زيادة على ما تستعمله العرب, وكذلك قوله:
بأبي ريحك لا نرجسنا ذا
стр. 111
لو حذف ذا لكان موازنًا لشعر العرب المستعمل ولكنه زادها ليكون به البيت على منهاج الأبيات التي قبله والنرجس أعجمي معرب (١٦/أ) وقد حكي بكسر النون. والفتح الوجه.
وقوله:
طاعن الفرسان في الأحداق شزرًا ... وعجاج الحرب للشمس نقاب
يقال: طعنه شزرًا؛ أي: عن اليمين والشمال, والعجاج: الغبار. يقال: عجاج وعجاجة. يقال: عجت العجاجة تعج, وينشد لرجلٍ من فهم بن عمرو بن عدوان, وقد روي للشنفرى: [الطويل]
فإني زعيم أن تعج عجاجة ... على ذي كساءٍ من سلامان أو برد
وقوله:
ليس بالمنكر أن برزت سبقًا ... غير مدفوعٍ عن السبق العراب
العراب: كأنه جمع عريب, ولم يرو أنهم قالوا: فرس عريب, ولكنهم جمعوه على هذا التقدير, كما قالوا: رجل حسان, ولم يعلم أنها قالوا: رجل حسين, وكان القياس أن يقولوه؛ لأن ماضيه حسن, فكان ينبغي أن يقال: حسن فهو حسين كما قالوا: كرم فهو كريم, وظرف فهو ظريف, وقد حكي حسين حكايةً شاذةً. وفعيل مطرد في هذا الباب.
وقوله: غير مدفوعٍ, الأجود لو أن الكلام منثور أن يقال: غير مدفوعةٍ؛ لأن «العراب» في تقدير مبتدأ, وغير مدفوع خبر مقدم. فلو قال قائل: العراب غير مدفوع عن السبق لم يكن ذلك بوجه الكلام إلا أن يحمل على قول الراجز:
مثل الفراخ نتفت حواصله
стр. 112
حمل الفراخ على الجنس. ومن أجاز «قائم زيد» على أن يكون قائم قد سد مسد المبتدأ.
وزيد مرفوع بفعله, حسن على مذهبه أن يكون قوله غير مدفوع قد سد مسد الابتداء, و «العراب» مرفوعة لأنها اسم ما لم يسم فاعله, فكأنه قال: لا يدفع عن السبق العراب.
ومن التى أولها
ألم تر أيها الملك المرجى ... عجائب ما رأيت من السحاب
قوله:
تشكى الأرض غيبته إليه ... وترشق ماءه رشف الرضاب
الرشف: شرب قليل, فإما أن يكون الشارب يتعمد تقليل الشرب, وإما أن يكون المشروب قليلًا؛ ولذلك قالوا: رشف الرضاب؛ لأن الريق لا يوصف بالكثرة, وقالوا في المثل: «العب أروى والرشيف أشرب»؛ أي أن الإبل إذا أخذت الماء قليلًا قليلًا كان ذلك أكثر لشربها, وإذا عبت عبا رويت سريعًا. ويقال للمطر: رضاب, ويوم راضب إذا كان ذا مطر, ويجب أن يكون ذلك في الأصل لمطر غير شديد.
وقوله: وأوهم أن في الشطرنج همي ... وفيك تأملي ولك انتصابي
الشطرنج: كلمة معربة, وليس في كلام العرب شيء على هذا المثال, وقد استعملوها في صدر الإسلام, وأعربوها كما يعربون العربي, وأدخلوا عليها الألف واللام, ولو صغرت لكان القياس أن يقال: شطيرج وشطيريج, وتحذف النون؛ لأنها من حروف الزوائد, وهي ساكنة, ولو جمعت لقيل: شطارج وشطاريج, وكان القائل مخيرًا في التعويض بالياء وتركه, فأما من يقول: شطارٍ فقوله ضعيف؛ لأنهم إذا قالوا: فرازق في جمع فرزدقٍ فحذفوا الدال؛ لأنها تشبه التاء, والتاء من الحروف الزوائد, فحذف النون هاهنا واجب.
стр. 113
ومن الأبيات التي أولها
ياذا المعاني ومعدن الأدب ... سيدنا وابن سادة العرب
الأدب الذي كانت تعرفه العرب هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم, مثل ترك السفه, وبذل الموجود, وحسن اللقاء. قال الغنوي: [البسيط]
لا يمنع الناس مني ما أردت ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
كأنه أنكر على نفسه أن يعطيه الناس ولا يعطيهم. واصطلح الناس بعد الإسلام بمدةٍ طويلةٍ على أن يسموا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب أديبًا, ويسمون هذه العلوم الأدب, وذلك كلام مولد؛ لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام, وقال بعض الناس: يقال: جاء بالأدب؛ أي: العجب, فيذهب إلى أن قولهم أديب؛ أي: رجل يعجب منه لفضله.
وقوله: سيدنا وابن سادة العرب؛ كل شيء غلب أشياء من جنسه فهو سيد لها؛ فلذلك قيل للعير: سيد العانة؛ لأنه يقهرها ويغلبها على ما يريد. وقالوا في صفة الناقة: هي تسود المطايا؛ لأنها تغلبها في السير, وأنشد أبو زيدٍ لزهير بن مسعودٍ الضبي:
تسود مطايا القوم ليلة خمسها ... إذا ما المطايا بالنجاد تبارت
стр. 114
وسادة ليس في الحقيقة جمع سيدٍ, وإنما هو جمع سائد؛ كما يقال: ذادة وذائد, وقادة وقائد, ويجب أن يكون اشتقاق السيد من قولهم: ساد الرجل القوم؛ أي طالهم بسواده؛ أي: شخصه, ثم كثر ذلك حتى صارت السيادة بالفعل لا بالشخص.
ومن التي أولها
بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا
جرت العادة بأن يقولوا: بأبي فلان وهم يريدون أنه مفدي به, ورفع الشموس وما جرى مجراها يقع على وجهين: أحدهما أن تكون مبتدأ كأنه قال: الشموس بأبي مفديات, والآخر أن يكون الخبر قوله (١٦/ب) الشموس, ويكون المبتدأ محذوفًا كأنه قال: المفديات هي الشموس, ويجوز وجه ثالث, وهو أن تكون الشموس مرفوعةً؛ لأنها اسم ما لم يسم فاعله كأنه قال: تفدى بأبي الشموس, ويجوز أن ينصب على معنى قوله: أفدي بأبي الشموس, ومثل هذا قوله: بنفسي فلان, إذا أرادوا معنى الفداء. والجانحات المائلات, يقال: جنحت الشمس للغروب, وجنحت النجوم إذا مالت للمغيب. قال عبد الله بن عنمة الضبي: [الوافر]
نقسم نهبه فينا وندعو ... أبا الصهباء إن جنح الأصيل
أراد إذا مالت شمس الأصيل. والجلابب: أراد الجلابيب, فحذف الياء, والجلابيب القمص, وربما قيل: الأردية, وحذف هذه الياء مثل قول الراجز: [الرجز]
وغير سفعٍ مثلٍ يحامم
стр. 115
أراد يحاميم, وأجازوا في الميم الأولى الإخفاء, وهو شيء يشبه الادغام, وليس به, لأن الادغام هاهنا يكسر, وليس الإخفاء بكسر؛ لأن الحرف المخفي باقي الحركة, وكذلك يجوز في الجلابب كما جاز في اليحامم
وقوله:
المنهبات عيوننا وقلوبنا ... وجناتهن الناهبات الناهبا
الوجنة: عظم الخد وما عليه من اللحم, وحكى يعقوب بن السكيت فتح الواو, وهو الوجه, وضمها وكسرها. فمن ضم الواو جاز أن يهمز فيقول: أجنة, كما تقول في وجوهٍ أجوه. ومن كسر الواو ومن رأيه أن الواو المكسورة إذا كانت في أول الاسم جاز همزه جوازًا مطردًا فإنه يقول: إجنة, وهذا رأي المازني, وكان الجرمي يذهب إلى أنه مسموع, وقد قالوا: وشاح وإشاح, ووعاء وإعاء, قال الهذلي: [الوافر]
هواء مثل بعلك مستميت ... على ما في إعائك كالخيال
وقوله:
حاولن تفديتي وخفن مراقبًا ... فوضعن أيديهن فوق ترائبا
الترائب: مجال القلادة, وهي عظام الصدر, واحدها تريبة.
وقوله:
ويسمن عن بردٍ خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا
стр. 116
شبهوا الثغر بالبرد, ثم حذفوا التشبيه, ومثل ذلك في الكلام كثير. قال النابغة: [الكامل]
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ ... بردًا أسف لثاته بالإثمد
وقوله: خشيت أذيبه حذف أن, ومثله كثير, وحذفها إذا كانت وما بعدها في موضع المفعول أحسن من حذفها إذا كانت هي وما يليها في معنى الفاعل؛ فقولك: أريد أقوم أحسن من قولك: آن لزيدٍ يقوم؛ لأن المفعول فضلةٌ, والفاعل لا يجوز تركه كما يجوز ترك المفعول, ومما حذفت فيه أن وهو في موضع رفع قول ذي الرمة: [الوافر]
لحق لمن أبو موسى أبوه ... يوفقه الذي رفع الجبالا
أراد: أن يوفقه.
وقوله:
يا حبذا المتحملون وحبذا ... وادٍ لثمت به الغزالة كاعبًا
حب وذا عندهم كالشيء الواحد, وقال بعضهم: هي سادة مسد الابتداء, ولم يقولوا: حب ذه. وكان القياس أن يقولوه إذا جاؤوا بالمؤنث, فقالوا: حبذا هند, وذا هاهنا واقع على الشيء, وذا مرفوع بحب, والاسم الثاني بدل من ذا, فربما كان معرفةً وربما كان نكرةً؛ فقوله: المتحملون بدل معرفة من معرفة, وقوله حبذا وادٍ بدل نكرة من معرفة, وتأول حبذا على هذا الوجه أحسن من تأولها على أنها سادة مسد المبتدأ.
والغزالة: ارتفاع الضحى, ثم كثر حتى سموا الشمس غزالة, وهي في هذا البيت الشمس بعينها. قال ذو الرمة: [الوافر]
فأشرفت الغزالة رأس حوضى ... أراقبهم فما أغني قبالًا
стр. 117
والكاعب: التي قد كعب ثديها فصار مثل الكعب, يقال: كعبت تكعب وتكعب وكعبت تكعيبًا.
وقوله:
كيف الرجاء من الخطوب تخلصًا ... من بعد إذ أنشبن في مخالبا
يجوز أن تقع في هذا الموضع أن وما وإذ, والاستعمال في إذ أقل منه في الأخريين, وفي الكتاب العزيز: ﴿بعد إذ نجانا الله منها﴾. واستعار المخالب للخطوب؛ لأنه جعلها كالأسود.
وقوله:
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقيًا مطرت علي مصائبا
أراد أظمأتني فخفف الهمزة, وإنما يحمل ذلك على أن يقال: أظمأ في الوقف فتسكن الهمزة, فإذا سكنت وقبلها فتحة جاز أن تجعل ألفًا, كما فعلوا ذلك في رأسٍ وبأسٍ, فإذا صارت إلى ذلك حذفت مع تاء التأنيث, ومنهم من يرى ذلك مطردًا, ومنهم من يجعله مسموعًا, ومنه قول ابن أبي ربيعة: [الطويل]
فقالت وقد لانت وأفرخ روعها ... كلاك بحفظٍ ربك المتكبر
يريد: كلأك, وحكي مصايب ومصاوب, ولا يجوز همزه؛ لأن الياء فيه أصلية, وإن كانت منقلبة من الواو, وهو جارٍ مجرى معايش.
وقوله:
وحبيت من خوص الركاب بأسودٍ ... من دارشٍ فغدوت أمشي راكبا
стр. 118
الدارش: كلمة معربة وهو الأديم المحبب, وإنما يعني خفا أو شمشكًا, وخوص الركاب: التي قد غارت عيونها. والركاب: الإبل خاصةً. يقول: جعل حظي من خوص الركاب هذا الحذاء الذي أمشي به, وقد كرر أبو الطيب هذا (١٧/أ) المعنى في النعل كما قال: [المنسرح]
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها
وقد سبق الناس إلى هذا المعنى ومنه قول القائل:
................... ... إليك امتطينا الأرحبي الملسنا
يعني نعلًا ملسنةً.
وقوله:
يستصغر الخطر الكبير لوفده ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
إذا رويت الخطر, بكسر الطاء, فهو على حذف الياء من الخطير. يقال: شيء خطير؛ أي: له قيمة عظيمة, وقل ما يحذف منه الياء, وإذا رويت الخطر فهو يؤدي معنى الخطير إلا أنه في الكلام. وقوله ليس تكفي, الأحسن أن تكون ليس في معنى لا, فلا يكون فيها ضمير؛ لأنه إذا جعلها التي تحتاج إلى اسمٍ وخبرٍ لزمه أن يكون فيها ضمير يرجع إلى دجلة؛ فيكون قد ذكر المؤنث, فكأنه قال: الشمس ليس طالعةً. ولو كان الكلام منثورًا لوجب أن يقال: ليست تكفي شاربًا.
وقوله:
سل عن شجاعته وزره مسالمًا ... وحذار ثم حذار منه محاربا
حذار: كلمة مبنية على الكسر, وهي في معنى الأمر, وتكون متعدية وغير متعديةٍ؛ كما تقول: حذرت وأحذر, فلا تذكر مفعولًا, ويجوز أن تقول احذر من كذا, فتعدي الحذر بحرف الخفض, واحذر كذا, فتسقط الخافض, وكذلك تقول: حذار وحذار من فلان,
стр. 119
وحذار فلانًا.
وقوله:
إن تلقه لا تلق إلا جحفلًا ... أو قسطلًا أو طاعنًا أو ضاربا
الجحفل: العسكر العظيم, وقال قوم: لا يقال له جحفل حتى يكون فيه دواب ذوات جحافل؛ لأن الجحفلة لذوات الحافر مثل الشفة للإنسان, وقد اتسعوا في هذه الكلمة, قالوا: رجحل جحفل إذا كان عظيم الشأن, ومنه قول أوس بن حجرٍ: [الطويل]
عبيد لذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبدًا سيد الأمر جحفلا
وربما استعملوا الجحفلة للإنسان إذا وصفوه بالغلظ كأنهم يشبهونه بالبهائم. قال الشاعر: [الوافر]
وقلصت الجحافل فاستقلت ... فويق لثاتها والقوم روق
وقال النابغة الذبياني: [الوافر]
ألا من مبلغ عني لبيدًا ... أبا الدرداء جحفلة الأتان
أي: أنه عظيم الشفة كأن شفته جحفلة أتانٍ. ونحو من هذا قول الفرزدق: [الطويل]
تركنا جريرًا وهو في السوق حابس ... عطية هل يلقى به من يبادله
فقالوا له رد الحمار فإنه ... أبوك لئيم رأسه وجحافله
والقسطل: الغبار.
стр. 120
وقوله:
وإذا نظرت إلى الجبال رأيتها ... فوق السهول عواسلًا وقواضبا
العواسل: جمع عاسل, والعسلان اضطراب في وسط الرمح وطرفيه, توصف به الرماح والذئاب, قال ساعدة بن جوية يصف الرمح: [الكامل]
لذ بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
وقال الهلالي في صفة الذئب: [الطويل]
ترى جانبيه يعسلان كلاهما ... كما اهتز عود الاسم المتتابع
وقوله:
وعجاجةً ترك الحديد سوادها ... زنجًا تبسم أو قذالًا شائبًا
شبه العجاجة بالزنج, وجعل الحديد فيها كالتبسم؛ لأن الأسنان بيض فهي تضاهي ما أبيض من الحديد في هذه الكتيبة. والقذال: مؤخر الرأس, وقيل: هو ما بين النقرة إلى الأذن, وقيل: هو حيث يحجم الحجام. وهذه أقوال متقاربة, يقال: قذلة الحاجم قذلًا إذا حجمه في ذلك الموضع, وقال ابن قيس الرقيات: [الخفيف]
стр. 121
إن تريني تغير اللون مني ... وعلا الشيب مفرقي وقذالي
ويقال في الجمع القليل: أقذلة, والكثير: قذل.
وقوله:
في رتبةٍ حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه علي الحاجبا
حذف التنوين في قوله: علي الحاجبا, وإثباته أحسن, وقد جاء مثله كثيرًا, وقرأ بعضهم: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد﴾ , بحذف التنوين من أحدٍ, وقال الراجز:
لقد أكون بالأمير برا ... وبالقناة مدعسًا مكرا
إذا غطيف السلمي فرا
وهذا البيت ينشد على حذف التنوين.
كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء
أراد: عن خدامٍ العقيلة العذراء, ومنهم من ينشد:
وتبدي عن خدامٍ عقيلة عذراء
وحذف التنوين في قوله: «أحد الله» أحسن من حذفه في هذه المواضع؛ لأن التنوين إذا ثبت في أحد وجب أن يحرك الالتقاء الساكنين, وقبل أحد الهاء التي في اسم الله سبحانه, فلو جيء بالتنوين لاجتمعت خمس متحركات, وذلك ثقيل جدًا.
стр. 122
وقوله:
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبا
أي: مضيئًا. يقال: ثقبت النار ثقوبًا, والذي يطرح عليها لتقد يقال له: الثقوب. قال الشاعر, ويقال: إنه لأبي الأسود الدؤلي: (١٧/ب) [الطويل]
أشاد به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب
وقيل: حسب ثاقب: استعاروه من النار والنجم, يريدون أن الآباء فيه مشهورون. قال قيس ابن الخطيم: [الطويل]
ويوم بعاثٍ أسلمتنا سيوفنا ... إلى نسبٍ في جذم غسان ثاقب
والنجم الثاقب: قيل: المضيء, وقيل: المرتفع.
وقوله:
كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... يغشى البلاد مشارقًا ومغاربا
كبد السماء: وسطها, وكذلك وسط كل شيء, وقالوا: رجل أكبد إذا كان عظيم الوسط. وإنما أصل ذلك أن تكون كبده عظيمة, وقالوا: صخرة كبداء؛ أي: عظيمة, وأصل ذلك فيما له كبد. وقالوا: بلغ كبيدات السماء. قال الشاعر: [الطويل]
وأي أناسٍ لا أبحت بغارةٍ ... يساوي كبيدات السماء عمودها
يعني بعمودها غبارها.
وقوله:
شادوا مناقبهم وشدت مناقبًا ... وجدت مناقبهم بهن مثالبا
يقال: شاد البناء وشيده, وقال بعض الناس: هما واحد, إلا أن شيد للتكثير. وقيل: شاده إذا طلاه بالشيد وهو الجص, وشيده إذا رفعه, والأشبه أن يكون الأصل واحدًا, وأن يكون المراد أنه عمل بالشيد وقد استعملته العرب قديمًا. قال الشماخ: [البسيط]
стр. 123
لا تسحبني وإن كنت امرأً غمرًا ... كحية الماء بين الطي والشيد
وقوله:
تدبير ذي حنكٍ يفكر في غدٍ ... وهجوم غر لا يخاف عواقبا
الحنك: جمع حنكة. يقال: رجل ذو حنكةٍ إذا كان قد أسن وجرب, ويقولون: قد حنكته التجارب؛ أي: قد ذاق شدائد الزمان, وبلغت حنكه فعرف حلوها ومرها. واحتنك الرجل إذا صار كذلك.
وقوله:
خذ بن ثناي عليك ما أسطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا
كان ابن سعدٍ راوية أبي الطيب يحكي عنه حكايةً, معناها أنه قال: ليس في شعري قصر ممدود إلا في هذا الموضع, يعني قوله: خذ من ثناي, وإنما كان يذكر ذلك؛ لأنه كان يحكي أنه رأى القصيدة «الكافية» التي في عضد الدولة, وبخط أبي الفتح بن جني, وقد ضبط قوله: وقد فارقت دارك واصطفاكا وقد كسر الطاء كأنه أراد: واصطفاءك. وليس هذا بحجةٍ على ابن جني؛ لأن أبا الطيب يجوز أن يكون قصر الممدود, بعد أنقال ذلك القول. والثناء أكثر ما يستعمل في الخير, وحكى ابن الأعرابي أنه يستعمل في الشر, وأنشد: [الكامل]
أثني علي بما علمت فإنني ... أثني عليك بمثل ريح الجورب
وقوله:
فلقد دهشت لما فعلت ودونه ... ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
أصل الملك ملاك, ويدل على ذلك قولهم: الملائكة, ووزنه: مفعل, فإذا حذفت الهمزة
стр. 124
فقد ذهبت العين فوزنه مفل, وعندهم أنه مأخوذ من الألوكة وهي الرسالة فكأنه مقلوب؛ لأنه كان ينبغي أن يقال مالك فأخرت الهمزة, وربما جاء في أشعار المحدثين: الأملاك يريدون به جمع ملكٍ؛ وذلك غلط, إنما جمع ملكٍ ملائك وملائكة.
ومن التي أولها
دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا ... لأهله وشفى أنى ولا كربا
أنى: في معنى من أين. وفي الكتاب العزيز: ﴿أنى لك هذا﴾؛ أي: من أين لك, وقال بعضهم: إنها تؤدي معنى كيف. وقد جازت بها العرب كما جازت بغيرها من حروف الجزاء. قال لبيد: [الطويل]
فأصبحت أنى تأتها تشتجر بها ... كلا مركبيها تحت رحلك شاجر
ويروى: تلتبس بها.
وكرب في معنى دنا, قال الشاعر: [الكامل]
أجبيل إن أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
стр. 125
وهذا البيت الذي لأبي الطيب فيه الذي يسمى الإكذاب؛ لأنه ادعى أن الدمع قضى ما يجب للربع, وشفى نفسه من الوجد, ثم زعم أنه لم يفعل ذلك. ومن الإكذاب قول زهير: [البسيط]
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم
وقوله:
عجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا ... من العقول وما رد الذي ذهبا
عجنا: أي: عطفنا العيس, وفي (أذهب) ضمير راجع إلى الربع.
وقوله:
سقيته عبراتٍ ظنها مطرًا ... سوائلًا من جفونٍ ظنها سحبا
العبرة: تردد البكاء في العين, كأنه مأخوذ من قولهم: عبرت الطريق, ثم اشتقوا من العبرة العبر والعبر فاستعملوها في معنى الثكل؛ لأنه يؤدي إلى البكاء.
وقالوا: أمه عابر؛ أي: ثاكل.
والجفن يجمع شفر العين وهدبها.
وقوله:
هام الفؤاد بأعرابيةٍ سكنت ... بيتًا من القلب لم تمدد له طنبا
(١٨/ب) قياس أصحاب العربية يوجب أنك إذا نسبت إلى جمعٍ على أفعالٍ رددته إلى الواحد, وكذلك شرطهم في كل الجموع, إلا أن أشياء تجيء شاذة, وإنما هي في الجمع الذي يشبه الآحاد مثل رماح؛ لأنه يشبه حمارًا في الوزن, وفعال أشبه بالآحاد من أفعالٍ؛ لأنه من
стр. 126
أبنية الواحد, وأفعال من أبنية الجمع, على أنهم قد وصفوا به الواحد فقالوا حبل أرمام, وقدر أعشار.
ولما كانوا قد فرقوا بين العرب والأعراب, فجعلوا العرب اسمًا جامعًا يقع على الحاضرة والبادية, والأعراب اسمًا مخصوصًا به أهل البدو, نسبوا إليه على لفظه؛ لأنه صار كالاسم لهم. ومن نحو هذا قولهم: رجل أنصاري؛ لأن الأنصار جعل كالاسم للأوس والخزرج, قال الراجز: [الرجز]
قد لفها الليل بعصلبيً ... مهاجرٍ ليس بأعرابي
كأنهم يجعلون من دخل إلى الأمصار من أهل البادية مهاجرًا, ومن ذلك قول الطائي, وهو إياس بن عبد الله: [الطويل]
سمونا إلى جمع الحروري بعدما ... تناذره أعرابه والمهاجر
وقوله:
بيضاء تطمع فيما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوبًا إذا طلبا
الحلة عندهم ثوبان, لا يقال لها حلة إلا وهي كذلك, وجمعها: حلل وحلال, وقيل لبعض الأعراب: ما تشتهي؟ ! فقال: خضلة ونعلان وحلة. يعني بالخضلة المرأة. وقال
стр. 127
ذو الرمة: [الوافر]
يعوضه الألوف موفراتٍ ... مع البيض الكواعب والحلالا
يريد جمع حلةٍ.
وقوله:
كأنها الشمس يعيي كف قابضه ... شعاعها ويراه الطرف مقتربا
حسن تقديم ضمير الشعاع قبل ذكره؛ لأنه اتصل بمخفوضٍ قد أضيف إليه مفعول, كما يقال: أخذ ثوب غلامه الأمير, فيحسن تقديم الهاء التي هي عائدة على الأمير لأجل ما ذكر.
وإذا اتصل الضمير بالفاعل قبح تقديمه على المفعول, فلا يحسن أن يقال: خان غلامه الأمير إلا في ضرورة الشعر, كما قال: [الطويل]
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وهذا المعنى مأخوذ من قول الأول: [الطويل]
فقلت لأصحابي هي الشمس ضوؤها ... قريب ولكن في تناولها بعد
وشعاع الشمس: ما ينتشر من ضوئها, واشتقاقه مثل اشتقاق الشعاع؛ أي: المفترق, ويقال: أشعت الشمس إذا انتشر ضوؤها. وبيت قيس بن الخطيم ينشد بالضم والفتح: [الطويل]
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
إذا فتحت الشين فمعناه المفترق من الدم, وإذا ضم أوله فالمراد شعاع الشمس.
стр. 128
وقوله:
مرت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا
شبهها بالشادن من الوحش, وهو ولد البقرة والظبية إذا قوي واشتد. يقال: شادن وشادل, فتبدل اللام من النون, ويقال: وحشية مشدن: إذا شدن ولدها, قال الراجز:
[الرجز]
يا دار عفراء ودار البخدن ... بك المها من مطفلٍ ومشدن
البخدن: يقال: هي العظيمة الساقين والأعضاد. والصحيح أنه اسم امرأةٍ.
ويقال: جانس الشيء الشيء إذا جمعه وإياه الجنس, والأجناس تتسع وتضيق, فيقال جانس الرجل الفرس؛ لأن كليهما يقع عليه اسم الحيوان. فإذا قالوا: جانس فلان فلانًا أرادوا أنه من جنسه, إما في النسب, وإما في الخلق, وإما في الخلق, ولو قيل: جانست التمرة الدرة لكان ذلك صحيحًا؛ لأن كلتيهما قد جمعتهما الجسمية.
وقوله:
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا
الشرى: الشجر الملتف, وقيل: أشراء الحرم؛ أي: نواحيه, وقيل: طرقه. وشرى الفرات: ما يقرب منه. قال القطامي: [الكامل]
لعن الكواعب بعد يوم لقينني ... بشرى الفرات وليلةٍ بالجوسق
стр. 129
وقوله:
بياض وجه يريك الشمس حالكةً ... ودر لفظٍ يريك الدر مشخلبا
يقال: مشخلب ومخشلب على القلب, ولم ينقل عن العرب مثل هذا البناء, ومن كلامهم الذي يوجد في بعض نسخ كتاب العين: يا مخشلبة, يا ذي الجلبة, تزوج حرملة, عجوزًا أرملة.
وقوله:
وسيف عزمٍ ترد السيف هبته ... رطب الغرار من التامور منخضبا
هبة السيف: اهتزازه, وغراره: حده, ويقال: هو ما بين حده وعيره, والتامور: دم القلب, وقال أوس بن حجر: [الكامل]
نبئت أن بني سحيمٍ أدخلوا ... أبياتهم تامور نفس المنذر
وقال امرؤ القيس في هبة السيف: [الطويل]
وأبيض كالمخراق بليت حده ... وهبته في السوق والقصرات
القصرات: أصول الأعناق.
فإن كان أبو الطيب قال: منخضبًا, وعدل عن مختضبٍ, فإنه أراد أن يجعل الفعل للمدوح.
وإذا قال: خضبت السيف فانخضب فالفاعل هو الخاضب, وإذا قيل: اختضب السيف فكأن الفعل قد جعل له, وانفعل (١٨/ب) وافتعل يشتركان في المطاوعة إلا أن الانفعال متحقق بها أكثر من تحقق الافتعال.
стр. 130
وقوله:
توقه فمتى ما شئت تبلوه ... فكن معاديه أو كن له نشبا
كان أبو الطيب ينظر في نحو الكوفيين فربما استعمل ما يجده جائزًا في مذهبهم, ونصبه تبلوه جائز على رأيهم بإضمار أن, كأنه قال: فمتى ما شئت أن تبلوه, فكأنه جمع بين ضرورتين؛ لأنه حذف أن في الموضع الذي ينبغي أن تثبت فيه, ونصب بها مع الحذف.
والبصريون إذا حذفوا أن في مثل هذه المواضع رفعوا الفعل, وكذلك ينشدون قول طرفة: [الطويل]
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فسيبويه يختار الرفع, والكوفيون يجيزون النصب. وحكى المازني عن علي ابن قطرب عن أبيه أنه سمع العرب تنصب أحضر في هذا البيت, وبعض الناس يروي:
ألا أيها اللاحي أن أحضر الوغى
فأما قول عامر بن الطفيل: [الطويل]
فلم أر مثلها خباسة واجد ... ونهنهت نفسي بعدما كدت أفعله
стр. 131
فكلام سيبويه يدل على أنه نصب أفعله بإضمار أن؛ لأنه شبهه بقول الشاعر: [الطويل]
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غرابها
فخفض ناعبًا لأن الباء من عادتها أن تدخل في خبر ليس فكأنه قال: ليسوا بمصلحين ولا ناعبٍ, وشبه كاد بذلك لأن أن تدخل على الفعل بعدها؛ وذلك عنده ضرورة, وهو الأصل عند الفراء, كما قال الراجز: [الرجز]
قد كان من طول البلى أن يمصحا
فالشاعر في البيت الذي قافيته أفعله قد جمع بين ضرورتين, كأنه أدخل أن ودخولها عنده ضرورة, ثم نصب, وتلك ضرورة ثابتة؛ لأن عوامل الأفعال لا تضمر.
وذهب قوم إلى أن بيت عامر بن الطفيل على إرادة النون الخفيفة, كأنه أراد بعدما كدت
стр. 132
أفعلنه. وفي هذا المذهب أيضًا ضرورتان؛ لأنه أدخل النون في موضعٍ لم تجر عادتها أن تدخل فيها, ثم حذفها بعد ذلك, وحذفها من الضرورات.
وقال قوم: بيت عامر بن الطفيل على لغة لخمٍ؛ لأنهم يحذفون الألف التي تلحق بعد هاء التأنيث في مثل قولك: أخافها, وأضربها, فإذا فعلوا ذلك نقلوا حركة الهاء إلى ما قبلها, وينشد هذا البيت: [الوافر]
فإني قد رأيت بدار قومي ... نوائب كنت في لخمٍ أخافه
يريد أخافها. وقال الراجز: [الرجز]
ليس لواحدٍ على نعمه ... ألا ولا اثنين ولا أهمه
أي: أهمها.
وقوله:
وتغبط الأرض منها حيث حل به ... وتحسد الخيل منها أيها ركبا
بعض الناس يفرق بين الغبط والحسد فيقول: قد غبطت الرجل إذا أردت أن يكون لك مثل ما له, ولا يكون لك غرض في زوال نعمته.
وحسدته إذا أردت أن تنال مثل نعمته, وأن يزيلها الله عنه.
وفي بعض الحديث: أنه قيل له: هل يضر الغبط؟ فقال: «كما يضر العضاه الخبط»؛ أي أن العضاه لا تحس بخبط الورق, كأنه سهل أمره. وقال لبيد: [المنسرح]
стр. 133
كل بني حرةٍ مصيرهم ... قل وإن أكثرت من العدد
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يومًا يصيروا للبؤس والنكد
وقوله:
وكلما لقي الدينار صاحبه ... في ملكه افترقا من قبل يصطحبا
الدينار معرب تعريبًا قديمًا, وجاء في الشعر الفصيح, واشتقوا منه الفعل, فقالوا: ثوب مدنر؛ إذا كان فيه نقش كهيئة الدنانير, وقالوا: رجل مدنر ومدنر؛ أي: ذو دنانير.
وقوله: من قبل يصطحبا مشابه قوله: «فمتى ما شئت تبلوه» , جمع فيه بين ضرورتين: حذف أن وإعمالها, وذلك مفقود في الشعر الفصيح.
وقوله:
مال كأن غراب البين يرقبه ... فكلما قيل هذا مجتدٍ نعبا
حسنت إضافة الغراب إلى البين؛ لأن في كلامهم أشياء يقال لها: الغراب, منها رأس الورك. قال الراجز: [الرجز]
يا عجبًا للعجب العجاب ... خمسة غربانٍ على غراب
стр. 134
يريد خمسة غربان من الطير على رأس ورك بعيرٍ أو ناقةٍ, ويقال لحد الفأس غراب, قال النابغة: [الطويل]
أكب على فأسٍ يحد غرابها ... مذكرةٍ من المعاول باتره
وزعم قوم أن ذؤابة الجارية يقال لها غراب, وأنشدوا: [البسيط]
وشعشعت للغراب الخمر واتخذت ... ثوب الأمير الذي في حكمه قعدا
يزعمون أن المرأة من العرب (١٩/أ) كانت إذا هلك زوجها فحلقت ذؤائبها وغسلتها بالخمر علم أنها لا رغبة لها في الأزواج. وغراب البين يقع على الأسود والأبقع, وهذا البيت يروى لعبيد بن الأبرص والنابغة: [الكامل]
زعم البوارح أن رحلتنا غدًا ... وبذاك خبرنا الغراب الأسود
وقال عنترة: [الكامل]
ذهب الذين فراقهم أتوقع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع
وقوله:
بحر عجائبه لم تبق في سمرٍ ... ولا عجائب بحر بعدها عجبا
السمر: ظل القمر, ومن كلامهم: لا أكلمك السمر والقمر؛ أي: طول الدهر, وقيل للقوم الذي يتحدثون في القمر سمار, وقد سمروا يسمرون, ثم كثر ذلك حتى سمي الحديث بالليل سمرًا, وإن لم يكن في القمر, ويقولون: كما في السامر؛ أي: في الرهط الذين يتحدثون في ذلك الوقت. وجعل ابن أحمر السمر وقتًا, فقال: [الكامل]
من دونهم إن جئتهم سمرًا ... عزف القيان ومجلس عبر
أي: كثير الأهل. وقولهم: سمرًا, أي: في وقت السمر.
стр. 135
وقوله:
مبرقعي خيلهم بالبيض متخذي ... هام الكماة على أرماحهم عذبا
يريد أنهم يمدون أيديهم بالسيوف للضرب فتصير أمام وجوه الخيل وكأنها لها براقع, ويمكن أن يريد أنهم يضربون أعداءهم بالسيوف فيمنعونهم من النظر إلى وجوه خيلهم, فكأنهم قد ستروها بالبراقع.
والكماة: جمع كمي, وهو الذي قد كمى نفسه بالسلاح؛ أي: قد سترها, وقيل: الكمي: الذي يستر شجاعته, والكماة: جمع كامٍ في الحقيقة, ولكنهم استغنوا عنه بكمي.
وقال كثير: [الطويل]
وإني لأكمي الناس ما أنا مضمر ... مخافة أن يثرى بذلك كاشح
يثرى, أي: يفرح. وقالوا في جمع الكميك أكماء, كما قالوا: يتيم وأيتام, وأنشد أبو زيد: [الطويل]
تركت ابنتيك للمغيرة والقنا ... شوارع والأكماء تشرق بالدم
وقوله: متخذي هام الكماة: يريد ذوائب هام الكماة, وقد يجوز أن يجعل الهامة كالذؤابة, وعذبة الرمح: ما يشد في طرفه.
وقوله:
إن المنية لو لاقتهم وقفت ... خرقا تتهم الإقدام والهربا
الخرق في الناس وغيرهم: أن يتحير الإنسان أو الظبي أو الطائر فلا يدري ما يصنع, قالوا للتي لا تحسن العمل: خرقاء, وقالوا في المثل: «خرقاء وجدت صوفًا, وخرقاء وجدت
стр. 136
ثلةً» , ووصفوا الريح بالخرقاء؛ لأنها تقوض البيوت, وتزيل الحظائر, ونحو ذلك. وفسروا قول علقمة على وجهين: [البسيط]
هيق كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم
فقيل: أراد بالخرقاء امرأةً, وقيل: ريحًا.
وقوله:
محامد نزفت شعري ليملأها ... فآل ما امتلأت منه ولا نضبا
يقال: نزفت ما في البئر إذا استقصيت أخذه. وآل: أي رجع. وكان أبو الفتح بن جني ﵀ يتأول هذا البيت على معنى إذا اعتقده وجب أن يروي: وما نضبا. ويفسر الغرض بأن الشاعر أراد بقوله: ما امتلأت منه الذي امتلأت, وأنه وصف شعره بأنه لم ينضب, وفي هذا طعن على الممدوح؛ لأنه وصف المحامد بالامتلاء من الشعر. وإذا روي: ولا نضبا, فالمعنى أن محامده لم تمتلئ, وأن شعره لم ينضب, فهو مدح للمحامد وللشعر, وإذا رويت: وما نضبا, فهو يؤدي المعنى الذي تؤديه لا, ولكنه أشبه بها من ما.
وقوله:
لما أقمت بأنطاكية اختلفت ... إلي بالخبر الركبان في حلبا
أنطاكية: بلد قديم, وقد ذكرته العرب في أشعارها, وقيل: إنهم كانوا يقولون لمن جاء من الشام, ولما جلب من متاعه: أنطاكي, ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
علون بأنطاكيةٍ فوق عقمةٍ ... كجرمة نخلٍ أو كجنة يثرب
стр. 137
أي بثيابٍ أنطاكية, وقيل: إنها سميت أنطاكية؛ لأن الذي بناها يقال له: أنطيخنوس الملك, ولا شك أن لفظها قد عرب بعض التعريب, ولو أنها عربية لوجب أن تكون من النطك, ولم يذكر أحد ذلك من الثقات.
وقوله:
وإن عمرت جعلت الحرب والدةً ... والسمهري أخًا والمشرفي أبا
المشرفي: السيف نسب إلى المشارف, وهي مواضع كانت تشرف على بلاد العرب.
وقوله:
قح يكاد صهيل الجرد يقذفه ... من سرجه مرحًا بالعز أو طربا
(١٩/ب) يقال: أعرابي قح إذا كان لم يدخل الأمصار, ولم يخالط الحضر, وكأنهم يعنون بالقح الخاص. قال الراجز:
يا رب خالٍ لك عبدٍ قح ... مقدمٍ أعفاجه ملح
يمشي كمشي الكلبة المجح
المجح: التي قد أثقلها الحمل.
ومن التي أولها
ضروب الناس عشاق ضروبًا ... فأعذرهم أشفهم حبيبا
стр. 138
الوزن من الوافر, والقافية من المتواتر.
ضروبًا منصوبة بوقوع الفعل عليها, وهو العشق؛ أي: فنون الناس يعشقون فنونًا, فهذا الوجه الذي لا ينبغي أن يعدل عنه, وقد يمكن أن يقال: هي منصوبة على الحال, كأنه قال: الناس عشاق مختلفين في عشقه.
وقوله: أعذرهم لا يجب أن يكون مأخوذًا من قولك عذرت الرجل, فهو معذور؛ لأنه إذا حمل على ذلك كان أفعل الذي للتفضيل قد بني من فعل ما لم يسم فاعله, وذلك ممتنع, ولكنه مأخوذ من قولهم: عذر الرجل وأعذر إذا أتى بعذر يقال عذر من نفسه, وأعذر إذا بين عذره أو فعل فعلًا يعذر به من أساء إليه. يقال: عذر من نفسه وأعذر إذا بين عذره.
وأشفهم: أي أفضلهم مأخوذ من الشف, وهو الفضل والربح. قال الشاعر: [الطويل]
فلا أعرفن ذا الشف يطلب شفه ... ليستاد منكم بالأديم المسلم
والشف عندهم من الأضداد, يكون في معنى الزيادة ومعنى النقص.
وقوله:
تظل الطير منها في حديثٍ ... ترد به الصراصر والنعيبا
الطير: جمع طائر, مثل: راكبٍ وركبٍ, وصاحبٍ وصحبٍ, وإنما استعمال الطير للواحد؛ وذلك قليل رديء, قال الشاعر: [الوافر]
فلا يحزنك من زمنٍ تولى ... تذكره ولا طير أرنا
стр. 139
ولما قالوا للواحد: طير, قالوا في الجمع: طيور, كما قالوا: شيخ وشيوخ, وعيب وعيوب. قال الشاعر: [الوافر]
بطيرٍ من طيور الغش يأوي ... صدورهم فعشش ثم باضا
والصراصر: جمع صرصرةٍ, قال: صرصر البازي والصقر إذا صاح, والنعيب مخصوص به الغربان, يريد أن الجوارح والغربان من الطير التي تقع على الجيف المقتولة يجري بينها حديث لما هي فيه من الخضب والرغد فتكثر الصراصر والنعيب كأنه جعل ذلك حديثًا.
وقوله:
وقد لبست دماؤهم عليهم ... حدادًا لم تشق لها جيوبا
الحداد: يراد به الثوب الذي يلبسه الحزين, وجعل الطير لوقوعها على هؤلاء القتلى وأكلها لحومهم قد اختضبت بدمائهم, فكأنها لابسة حدادًا لم تشق جيوبه؛ لأن الدم قد عم جميع شخوصها, فليس منها شيء بالظاهر, وذلك ضد ما يجب إذ كانت مسرورةً بقتلهم, والحداد إنما يلبسه الحزين. وادعى أن دماءهم سود, والدم قد يكون أحمر وأسود.
قال الشاعر: [الكامل]
فكسا منا سمها النجيع الأسود
ويجوز في تشق فتح القاف وضمها وكسرها, والفتح أجود الوجوه.
وقوله:
فمرت غير نافرةٍ عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا
التريب: جمع تريبةٍ, وهو جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء, كما قالواة: هامة وهام, وجمجمة وجمجم قال رؤبة: [الرجز]
وهو إذا النطح تفأى جمجمه
стр. 140
جمع جمجمةً على جمجمٍ, وتريب في جمع تريبةٍ قليل في الاستعمال, ولعل أبا الطيب جمعه قياسًا أو سمعه في بعض الشواذ.
وقوله:
يقدمها وقد خضبت شواها ... فتى ترمي الحروب به الحروبا
الشوى: القوائم هاهنا؛ فلذلك أنثها, ولو أنه في غير الشعر لكان قوله: خضب شواها أحسن؛ لأن الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء يجوز تذكيره وتأنيثه, إلا أن بعضه يؤلف فيه التذكير, ومنه ما تجري العادة فيه بالتأنيث, وواحد الشوى شواة, ويقال للجلد كله شوى وشواة, وبيت الأعشى ينشد على وجهين: [مجزوء الكامل]
قالت قتيلة ماله ... قد جللت شيبًا شواته؟
ويروى سراته. ومعنى سراته: أعلاه, ومعنى شواته: جلدة رأسه, فأما قول أبي ذؤيب: [الطويل]
إذا هي قامت تقشعر شواتها ... ويشرق بين الليت منها إلى الصقل
فيقال: إنه أراد بالشواة الجلد أجمع, وإنما قالوا للرامي: أشوى إذا أخطأ؛ لأنهم أرادوا أنه أصاب الشوى؛ أي: القوائم, وليست موضع مقتلٍ, ثم كثر ذلك حتى قالوا: أشوى الرامي, إذا لم يصب مقتلًا ولا غيره.
(٢٠/ا) ويقول القائل للرزء إذا أصابه: هذا شوى؛ أي: يهون علي. قال الهذلي: [الطويل]
стр. 141
وكنت إذا ما الدهر أحدث نكبةً ... أقول شوى ما لم يصبن صميمي
وإن رويت خضبت شواها, بفتح الخاء, كان أحسن في حكم النظم, وسلم البيت من تأنيث الشوى, ويجعل الخضب للجياد, كما جعل الطعن لها في بعض المواضع:
وقوله:
........................ ... ترمي الحروب به الحروبا
أي: يخرج من حرب إلى حرب.
وقوله:
شديد الخنزوانة لا يبالي ... أصاب إذا تنمر أم أصيبا
الخنزوانة: الكبر. وقوله: تنمر؛ أي: تغير وجهه للغضب, وأصل ذلك أنه يصير مثل النمر ظاهر الشر, فإذا وصفوا القوم بالتغير عن المودة قالوا: لبسوا لنا جلود النمر. وفي كلام يروي عن عبد الملك بن مروان في وصيته لابنه الوليد: «زر واتزر والبس جلد نمر» , زر من الزئير؛ أي: تنكر لأعدائك, قال قيس بن الخطيم: [الوافر]
متى تلقوا رجال الأوس تلقوا ... نيوب أساودٍ وجلود نمر
ومن روى: أم أصيبا, فلابد له أن يعتقد حذف ألف الاستفهام, كما قال الشاعر: [الطويل]
فوالله ما أدري وإن كنت داريًا ... بسبعٍ رميت القوم أم بثمان
стр. 142
أراد: أبسبعٍ. ومن روى: أو أصيبا فيجوز أن لا يذهب إلى الاستفهام, ويجعل الماضي واقعًا موقع الحال, كأنه يقول: لا أبالي في حال إصابته عدوه, ولا في حال إصابة عدوه إياه.
وقوله:
كأن الفجر حب مستزار ... يراعي من دجنته رقيبا
الفجر: أول الصبح, وهما فجران: الفجر المستدق, وهو المستطيل الذي يقال له: ذنب السرحان, والفجر المستطير, وهو المعترض الذي يجب معه إمساك الصائم عن الأكل والشرب والجماع, وروي عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿والفجر * وليالٍ عشر﴾ , أنه يريد بالفجر المحرم؛ لأنه أول السنة, وإنما حسن ذلك؛ لأنه جاء مع عشر ذي الحجة. ودجنة الليل: ظلمته, وربما قالوا: الدجنة: ظلمة مع غيمٍ, كأنه مشتق من الدجن, ولم يقولوا: دجن الليل, وقالوا: دجنت السماء وأدجنت؛ إذا لبسها الغيم
وقوله:
كأن نجومه حلي عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا
الجبوب: الأرض. وربما قالوا: الأرض الصلبة. وقال قوم: الجبوب الطين اليابس.
والذي يوجبه الاشتقاق أن يكون الجبوب الأرض كلها, لا يخص صلبها بذلك دون سهلها.
وأصل الجب القطع, فيجوز أن تكون الأرض سميت جبوبًا؛ لأنها مجبوبة في معنى مفعولةٍ, كما قالوا لما يركب: ركوب, ولما يحلب: حلوب, ويكون المراد أنها تقطع بالسير أو
стр. 143
تحفر فيها الآبار, وتقطع صخورها للبناء, ويحتمل أن تكون سميت جبوبًا؛ لأنها تجب الناس بدفنهم فيها؛ أي: تقطعهم من الأحياء, وقد زعموا أنه يقال: جبهم إذا سبقهم, فيجوز أن يراد أنه سبقت الناس الذين هم فيها؛ لأنها خلقت قبلهم.
وحذيت: من الحذاء, والمعنى أن الليل قد عم الأرض, فكأنها حذاء لقوائمه.
وقوله:
كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا
الجو: ما بين السماء والأرض. قال ذو الرمة: [البسيط]
وظل للأعيس المزجي نواهضه ... في نفنف الجو تصويب وتصعيد
ويقال للوادي: جو. والشحوب: تغير اللون من سفرٍ أو تعبٍ, وربما سمي الهزال شحوبًا, قال الشاعر: [الطويل]
فقلت لها ليس الشحوب على الفتى ... بعارٍ ولا خير الرجال سمينها
وقوله:
عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نقيبا
الحدثان: ما يحدث من خطوب الدهر, فيقال للحرب: حدثان, وكذلك للموت, قال صخر بن عمرو بن الشريد: [الطويل]
وما كنت أخشى أن أكون جنازةً ... عليك ومن يغتر بالحدثان
فهذا اسم جامع لما يحدث من الأمور, وقال عمرو بن معد يكرب فخص الحرب: [مجزوء الكامل]
стр. 144
أعددت للحدثان سا ... بغةً وعداء علندى
فهذا يريد الحرب, وأنشد أبو عمرو الشيباني بيتًا فيه ذكر الحدثان, وقيل: إن المراد به الفأس, والبيت: [الوافر]
وجونًا يزلق الحدثان عنه ... إذا أجراؤه نحطوا أجابا
جعل الفأس حدثانًا؛ لأنها تحدث كسرًا فيما يضرب بها.
ونقيب القوم: الذي يعرف أسماءهم.
وقوله:
وترتع دون نبت الأرض فينا ... فما فارقتها إلا جديبا
(٢٠/ب) لما جعل الخطوب مطايا زعم أنها لا تذل لمن ركبها, وفي هذا مدح لنفسه؛ لأنه ادعى ركوبها, وأن ذلك لا يبغيه أحد, وجعلها ترتع في ركبانها دون النبت, والرتوع: هو تردد الراعية في المرعى, فجعلها تفنيهم وتؤثر فيهما كما تؤثر الماشية في النبات, فقد تركته جديبًا مثل المكان المرعي.
стр. 145
وقوله:
إذا نكبت كنائنه استبنا ... بأنصلها لأنصلها ندوبا
الكنائن: جمع كنانة, وهي التي تكن بها السهام؛ أي: تستر. ومن أمثالهم: «قيل الرماء تملأ الكنائن»؛ أي: قبل كون الأمر يستعد له. ويقال: نكبت الكنانة إذا فرغت ما فيها من السهام, وكذلك نكبت ما في الوعاء من زاد ونحوه.
والندوب: جمع ندبٍ, وهو الأثر.
وفي هذا البيت إفراط وادعاء لما لا يجوز أن يكون, كأنه يرمي السهم ثم يتبعه بالآخر فيصيب فوق السهم الذي قبله, وينحدر السهم الثاني حتى يبلغ إلى نصل السهم الأول فيؤثر فيه, والشعراء تستحسن هذه المبالغة, وهي مستحيلة.
وقوله:
يريك النزع بين القوس منه ... وبين رمية الهدف اللهيبا
الهدف: ما ينصبه الرماة ليتعمدوه إذا كانوا متعلمين للرمي أو متناضلين, لينظروا أيهم أكثر إصابةً, وإنما يجعلون في الهدف شيئًا يقصدونه بالرمي؛ لأن الهدف يكون مشرفًا مرتفعًا.
ويقال لما أشرف من الرمل: هدف. ومن ذلك: أخذ هدف الرمي, وقالوا للرجل العظيم الشخص مع فخامةٍ وقلة مضاءٍ: هدف؛ كأنهم شبهوه بهدف الرمل. قال أبو ذؤيب:
إذا الهدف المعزاب صوب رأسه ... وأعجبه ضفو من الثلة الخطل
وقوله:
فآجر الإله على عليلٍ ... بعثت إلى المسيح به طبيبا
يقال: أجره الله وآجره؛ أي: أثابه. والمسيح يقال: إنه سمي بذلك؛ لأنه ولد ممسوحًا بالدهن, وقيل: لأنه كان إذا مسح عليلًا برأ, فهو على هذا فعيل في معنى فاعلٍ, وقيل سمي مسيحًا؛ لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يسيح فيها, وقيل: سمي بذلك؛ لأن الناس كانوا
следующие страницы →