← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قول ساعدة بن جؤية الهذلي: [البسيط] يوشونهن إذا ما آنسوا فزعًا ... تحت السنور بالأقدام والجذم يعني بالجذم: السياط, واحدها جذمة. ويروى: بالأعقاب, وهو جمع عقب الإنسان. ويوشونهن؛ أي يستخرجون ما عندهن من الجري. وقوله: ومرهفٍ سرت بين الموجتين به ... حتى ضربت وموج البحر يلتطم المرهف: سيف رقيق. وجعل نفسه سائرًا بين الموجتين؛ أي بين قرنين يخاف منهما الموت, واستعار للموت موجًا؛ وإنما هو للبحر وما جري مجراه من المياه الكثيرة كالفرات وغيره من الأنهار. قال أبو ذؤيب: [الطويل] فجاء بها ما شئت من لطمية ... يدوم الفرات فوقها ويموج وخطئ أبو ذؤيب في هذا البيت. وقيل: إن الدرة لا تكون في الفرات. وقيل: أراد باللطمية: الدرة التي تحمل في اللطيمة, وهي العير التي تحمل المسك. وقال قوم: أبو ذؤيب في جبال هذيل, ولم يكن ليخفى عليه أن الدر لا يكون في الفرات. وقيل: أراد أن حول الصدفة التي فيها الدرة ماءً كثيرًا كأنه الفرات إذا هاج. وقال قوم: الصدفة إذا شقت عن الدرة خرج منها ماء فذلك الذي أراد الهذلي. وقيل: إنما أراد ماء الدرة في نفسها وحسنها, وشبه ماء الدرة بماء الفرات. وقوله: فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم ادعى أن الخيل والليل وما ذكر بعدهما تعرفه, ومثل هذا قد يذكر في الشعر. والقرطاس: أعجمي معرب, وكسر القاف فيه أفصح اللغات لأن القرآن بها جاء. وقد حكي: قرطاس بضم القاف. قال الراجز: [الرجز]

стр. 1157

هل تعرف الدار بذات أوطاس ... رسومها مثل رسوم القرطاس يقال في الجمع: قراطس وقراطيس. قال جرير: [البسيط] بين المخيصف والعزاف منزلة ... كالوحي من عهد موسى في القراطيس وقال الراجز: [الرجز] قفي المطي في المحل الطامس ... كأنه ما خط في القراطس وكان لأيوب بن عبيد العنبري جمل يقال له: قرطاس - وأيوب أحد اللصوص, وقد أدرك أول خلافه بني العباس, واستشهد بعض أصحاب اللغة بشعره - فقال في جمله: [البسيط] قد مت من حب قرطاسٍ يفندني ... أهلي فوا كبدي من حب قرطاس محض النجار عتيق الجد تحسبه ... ظبيًا تقلب في قفرٍ من الناس وقالوا: قرطس في معنى قرطاس. والقلم مأخوذ من قلمت الظفر إذا قطعته, وهو فعل من القلم لأنه يقلم, كما قالواة لما هدم: هدم, ولما نقض من الجدر: نقض. وقوله: (١٨٩/أ) صحبت في الفلوات الوحش منفردًا ... حتى تعجب مني القور والأكم القور: جمع قارةٍ؛ فقيل: هي الأكمة السوداء شبهت بالقار المعروف. وقيل: بل كل أكمةٍ قارة لأنها تنقار من غيرها أي تنقطع. والقارة: قوم من العرب يوصفون بجودة الرمي؛ وهم من بني خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. وإنما قيل لهم قارة لأن قومهم أرادوا أن يفرقوهم لأمر حدث فقال قائل منهم: [الوافر] دعونا قارةً لا تفرقونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم

стр. 1158

وقالوا في المثل: «أنصف القارة من راماها»؛ أي هم قوم رماة فقد أنصفهم من حاربهم بما يعرفون. والأكم: جمع أكمةٍ, وتجمع أكم على آكام وإكام. وقيل لها: أكمة لا رتفاعها؛ ولذلك قيل اللحم الذي في أعلى الفخذين: مآكم. وقوله: ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍ ... لو أن أمركم من أمرنا أمم ما كان أخلقنا؛ أي أجدرنا. والأمم: أمر بين أمرين, لا قريب ولا بعيد. قال الراجز: [الرجز] تسألني برامتين شلجما ... لو أنها تطلب شيئًا أمما وقال آخر: [المنسرح] كوفية نازح محلتها ... لا أمم دارها ولا صقب وقوله: ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم يقول: أنا الثريا, وذان؛ يعني العيب والنقصان؛ أي هذان الشيب والهرم, والثريا آمنة منهما لأنها لا تشيب ولا تهرم. وقوله: ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم يعني بالغمام: سيف الدولة, وبصواعقه ما يلحقه من الأذية, شبهها بالصواعق. والصاعقة هي الراعدة التي يسمع لها صوت عظيم وربما كان معها برق يحرق. يقال: صاعقة وصاقعة. قال الراجز: [الرجز]

стр. 1159

يحكون بالهندية اللوامع ... تبوج البرق عن الصواقع والديم: جمع ديمةٍ, وهو مطر ليس بالشديد يدوم أيامًا, وأقل ما يكون يوم وليلة. وهو من ذوات الواو لأنه من: دام يدوم. وأنسواة بالياء فقالوا: ديم المطر, ولم يردوها إلى الواو. قال الراجز: [الرجز] هو الجواد بن الجواد بن سبل ... إن ديموا جاد وإن جادوا وبل وقالوا: كثيب مديم إذا سقته الديم. وقوله: أرى النوم تقتضيني كل مرحلةٍ ... لا تستقل بها الوخادة الرسم النوى هاهنا في معنى النية, وإنما قيل للبعد: نوى لأنه يكون في نية القوم أي ما ينوون. والمرحلة: ما بين المنزلين. يقول: أرى نيتي تقتضيني مراحل شدادًا لا تستقل - أي لا ترتفع - إذا همت بالنهوض. والوخادة: فعالة من الوخد, وهو ضرب من سير الخيل وعدوها, ويستعمل في الإبل والنعام. والرسم: جمع رسوم. والرسيم: ضرب من السير العجل. قال الراجز: [الرجز] ما لك من شيخك إلا عمله ... إلا رسيمه وإلا رمله وقوله: لئن تركن ضميرًا عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم ضمير: موضع يقوم من دمشق. قال عبيدالله بن قيس: [الخفيف] فضمير فالماطرون فحورا ... ن خلاء بسابس الأطلال وقوله:

стр. 1160

إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم هذه دعوى كغيرها, وإنما غرضه أن الرجل إذا فارق أناسًا وقد ظنوا أنه غير مفارقً لهم أسفوا له فكأنهم راحلون. وقوله: شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم الوصم: العيب. يقال: ما في العود وصم ولا فصم. فالوصم ما فيه من عقدة ونحوها, والفصم الأثر فيه نحو الشق. وقد يكون الانفصام انقطاعًا, وفي الكتاب العزيز: ﴿لا انفصام لها﴾. والتوصيم يزعمون أنه في معنى الكسل, وهو راجع إلى معنى الوصم. قال لبيد: [الرمل] وإذا حاولت أمرًا فارتحل ... ثم لا يثنيك توصيم الكسل وجاء في الحديث: «إن الإنسان إذا نام حتى يصبح أصبح موصمًا؛ أي به كسل». وقوله: وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم يقول: شرد البلاد مكان يعوزك فيه الصديق, وشر ما يقتنصه الإنسان - أي يصيده - قنص تشترك فيه البزاة الشهب والرخم؛ لأن البزاة تصيد, والرخم إنما يقع على الجيف, وكأنه جعل ما يصيبه في هذه البلاد من الرزق شيئًا لا خير فيه؛ لأن الرخم تقع عليه فتصيب منه كما تصيب البزاة. ويقال في جمع الرخمة: ﴿خم (١٨٩/ب) كما يقال في جمع الخشب:

стр. 1161

خشب, وفي جمع الأكمة: أكم. قال الشاعر: [الطويل] فإن ينج يدمى عارضاه فإننا ... تركنا بنيه للضباع وللرخم وقال آخر: [الطويل] وإني لأرجو أن تكون عوائدي ... ضباعًا ورخمًا حول جسمي عوافيا والرخم, في غير هذا الموضع: عطف الشاة على ولدها وإرضاعها إياه. قال الراجز: [الرجز] حاشكة الدرة بلهاء الرخم وقوله: بأي لفظٍ تقول الشعر زعنفة ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم الزعنفة: طرف الشيء والقطعة منه التي لا حاجة به إليها, وزعانف الأديم: أطرافه, وكلك ما تدلى من أطراف الثوب. ويقال لما قشر عن السمك: زعانف. والزعانف من القوم الذين يكونون في أطرافهم وليسوا من صميمهم, فإذا وقعت الحرب انضموا إلى معظم الناس. قال الشاعر: [الطويل] فأدن رباط الجون مني فإنه ... دنا الشر واحتل الجميع الزعانف وقوله: هذا عتابك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم المقة: أصلها الومقة فحذفت الواو التي هي فاء الفعل فقيل: مقة. ووزن مقةٍ: علة, وهذا الحذف مطرد في هذا الباب؛ يقولون: وزنت الشيء زنةً, ووعدت الرجل عدةً, فإذا جاء حرف الحلق فتحوا في بعض المواضع وكسروا؛ يقولون: في فلانٍ ضعة وضعة, وفي وجهه قحة وقحة, وفي الدابة طأة وطئة. وقافيتها من المتراكب.

стр. 1162

ومن أبيات أولها قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرةً في المنام الوزن من أول الخفيف. وكان بعض الناس قد وجه إلى سيف الدولة أبياتًا ذكر أنه رآها في النوم, وفيها شكية الفقر, فقال أبو الطيب هذه الأبيات. البدرة: اصطلح الناس على أنها عشرى آلاف درهم. وقيل: سميت بدرةً لتمامها من قولك: بدر القمر. وقيل: إنها سميت بدرة لأنها مقدار ما يملأ البدرة وهو جلد الفطيم, وجمعها: بدر على غير قياس. وقوله: كل آخائه كرام بني الدنـ ... ـيا ولكنه كريم الكرام آخاء: جمع أخٍ كما يقال: أب وآباء, وقلما يجمعونه هذا الجمع لأنهم استغنوا بقولهم: إخوة وإخوان. وأكثر ما يقال في واحد الآخاء: أخ. وقد حكوا: أخًا في وزن عصًا, وينشدون بيتًا قد كثر على ألسن الناس وهو: [الرجز] إن أخاها وأخا أخاها ... قد بلغا في المجد غايتاها وحكى الفراء: أخو في أخٍ بسكون الخاء, وأنشد: [الطويل] لأخوين كانا خير أخوين شيمةً ... وأسرعه في حاجةٍ لي أريدها وذكر ابن دريد أن ابن الكلبي حكى أخ بالتشديد, وجاء في شعر زهير بيت وهو قوله: [الوافر]

стр. 1163

وكفي عن أذى الجيران نفسي ... وحفظي الود للأخ المداني وقد روي هذا البيت لكعب بن زهير. فإن خففت الخاء فقد زعم أهل العلم بالشعر أنه زحاف لم يأت مثله عن العرب, وإن شددت الخاء على حكاية ابن الكلبي ففيه زحاف ليس بمنكر وقلما يخلو بيت في هذا الوزن منه. وقافيتها من المتواتر. ومن أبيات أولها المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم وزنها من أول البسيط. وقوله: ولاح برقك لي من عارضي ملكٍ ... ما يسقط الغيث إلا حين يبتسم العارضان: تثنية عارض, وهو الناب, والضرس الذي يليه. قال الراجز: [الرجز] عجيز عارضها منفل ... طعامها اللهنة أو أقل اللهنة: ما يعجل للضيف قبل استواء الطعام, وجمع العارض: عوارض. قال عنترة: [الكامل] وكأن فأرة تاجرٍ بقسيمةٍ ... سبقت عوارضها إليك من الفم وأن يروى: حين يبتسم أحسن من حيث يبتسم؛ لأن المعنى: إذا ابتسم سقط الغيث.

стр. 1164

وإذا رويت: حين يبتسم كان الإخبار عامًا؛ لأن الغيث لا يسقط في مكان إلا أن يبتسم هذا المعني. وإذا رويت: حيث يبتسم ففي الكلام تخصيص؛ أي لا يسقط الغيث إلا في الموضع الذي يبتسم فيه. ومذهب أبي الطيب المبالغة في هذه الأشياء. وقوله: يسمى الحسام وليست من مشابهةٍ ... وكيف يشتبه المخدوم والخدم (١٩٠/أ) و «ليست» فيها إضمار قبل الذكر لأنه أراد: وليست التسمية عن مشابهة. وقد مر ذكر ذلك, وأنهم يضمرون المصدر إذا دل الفعل عليه؛ كقولك: من فعل الخير كان أجمل به؛ أي كان فعله. يقول: إن سميت سيفًا فليس بينك وبين السيوف مشابهة؛ لأن الخدم لا تشابه المخدوم, والسيوف من خدمك. وقوله: تفرد العرب في الدنيا بمحتده ... وشارك العرب في إحسانه العجم يقال: عرب وعرب, وعجم وعجم. والمحتد: الأصل, وإنما أخذ من قولهم: حتد بالمكان إذا أقام به. يقول: انفردت العرب بمحتد هذا الممدوح وشاركتها في إحسانه العجم لأنه جوده عام لا يخص. وقوله: وأخلص الله للإسلام نصرته ... وإن تقلب في آلائه الأمم الآلاء: النعم, واحدها إلى وألى وإلي. وأما قول الأعشى: [المنسرح] أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحمًا ولا يخون إلى فيقال: إنه أراد بإلى: إلا؛ أي عهدًا, وتخفيف مثل هذا قليل, وقد جاء تخفيف حل في حشو البيت. قال الشاعر: [الوافر] إذا احتكم الصبا والشيب عندي ... فحكمت الشباب فما أبالي

стр. 1165

محل الشيب ما لم أجن أمرًا ... يكون سواه أتي حلٍ حلال وقافيتها من المتراكب. ومن التي أولها على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم الوزن من ثاني الطويل. يقول: إن الرجل تكون عزيمته على مقداره, وكذلك مكارمه؛ فإن كان كريمًا في نفسه فمكارمه على حسب ما هو عليه. وقوله: وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم الهاء في صغارها ترجع على العزائم أو المكارم, ويحتمل أن ترجع إلى الجميع. وقوله: يكلف سيف الدولة الجيش همه ... وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم أصل الخضرم في الماء. يقال: ماء خضرم؛ أي كثير, ورجل خضرم؛ أي كثير العطاء, وإذا وصف الجيش بذلك فإنما يراد به الكثرة. ويقال: إن العجاج لقي جريرًا, فقال جرير: أين تريد؟ فقال: اليمامة, فقال: تجد بها نبيذًا خضرمًا؛ أي كثيرًا. وقال الفرزدق: [الطويل] فإن حرامًا أن أسب مقاعسًا ... بآبائي الشم الكرام الخضارم وقوله: ويطلب عند الناس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدعيه الضراغم

стр. 1166

يقول: سيف الدولة يريد أن يكون الناس غيره مثله في الشجاعة, وذلك ما لا تدعيه الأسد؛ أي لا تدعي أنها مثله في الشجاعة. وقوله: تفدي أتم الطير عمرًا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم يعني بأتم الطير عمرًا: النسور. وبعض الناس يدعي أنه يعمر خمس مئة سنة, وبعضهم يقول: عمره ثمانون سنة, وهو أشبه. وقوله: نسور الملا بدل من قوله: أتم الطير. والملا: المتسع من الأرض, واستعمل الأحداث للنسور استعارةً من الإنس, والقشاعم: المسان, وأكثر ما يستعمل في النسور. وقوله: تفدي أتم الطير؛ لما كان أتم يقع على القليل والكثير حسن أن يقول: تفدي فيؤنث. وادعى أن النسور تقول لسلاحه: جلعنا الله فداك, ونحو ذلك؛ لأنها كفتها أمر المطاعم؛ إذ كان الممدوح يقتل بها الناس فتقع عليهم النسور. والنسر لا يقتنص وإنما يسقط على الجيف, وقد بين الشاعر الغرض في البيت الآتي فقال: وما ضرها خلق بغير مخالبٍ ... وقد خلقت أسيافه والقوائم يقول: ما ضرها أنها خلقت لا مخالب لها تقتنص, وقد خلقت أسياف الممدوح وقوائمها؛ فهو يكفيها أن تصطاد كغيرها من الجوارح. وقوله: هل الحدث الحمراء تعرف لونها ... وتعلم أي الساقيين الغمائم وصف الحدث بالحمراء؛ لأنه زعم أن الدم أريق عليها فاحمرت, فقال الشاعر: هل الحدث تعرف لونها وتعلم أي ساقييها الغمائم؟ فقد علم أنها لا تعلم, وذلك سائغ في الكلام, ثم شرح أمر الساقيين. وقوله (١٩٠/ب): سقتها الغمام الغر قبل نزوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجم

стр. 1167

يقول: سقاها الغمام الغر قبل نزول سيف الدولة عليها, فلما نزل بها سقاها دم القتل. وكنى بالجماجم عن المقتولين لأجل القافية. والغمام يحتمل أن ينعت بالغر وبالأغر؛ لأنه إن كان جمعًا فقد استعمل كاستعمال الآحاد, وقد مر ذكره. وقوله: وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم ادعى أن الحدث كان بها مثل الجنون, ويجوز أن يكون أهلها. فأما الحدث فمعلوم أنها لا تحس بخير ولا شر. والجثث: جمع جثةٍ, وأصل ذلك ما رئي من جسم الإنسان. وقيل: اجتث الشيء إذا أخذ كله فلم يبق منه شيء. والمعنى أنه استؤصلت جثته. والجث: شيء مرتفع من الأرض وليس بالعظيم. قال الشاعر: [الطويل] وأوفى على جث ولليل طرة ... على الأرض لم يكفف جوانبها الفجر وجعل جثث القتلى كالتمائم, لأنها أذهبت ما بالحدث من الجنون. والتمائم تعلق على من تخاف عليه عين, أو يظن أن به سفعةً من الجنون. وقوله: طريدة دهرٍ ساقها فرددتها ... على الدين بالخطي والدهر راغم جعل الحدث طريدةً للدهر طردها على الإسلام فردها الممدوح بالطعن إلى الدين, والدهر راغم. وهذه دعوى على الدهر, ولم يلحقه رغم قط, ولا أحس بما العالم فيه. وأصل الرغم: أن يلتصق الأنف بالرغام؛ أي التراب الدقيق. قال الأعشى: [الطويل] فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم وقوله: تفيت الليالي كل شيءٍ أخذنه ... وهن لما يأخذن منك غوارم

стр. 1168

يقول: الليالي إذا أخذن شيئًا أفاتته ولم يرجع إلى صاحبه لا هو ولا عوض منه. وهي إذا أخذت شيئًا منك غرمته. وبعض الناس يروي: أخذته, وهو أشد مبالغة من الرواية الأولى؛ لأنه جعل الممدوح إذا أخذ منها شيئًا لم تقدر على استرجاعه منه, وإذا أخذت منه شيئًا غرمته. وقوله: إذا كان ما تنويه فعلًا مضارعًا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم الجوازم: الحروف التي تجزم. وأصل الجزم: القطع. وسمى النحويون هذا الفن جزمًا لأنه يقطع الإعراب من الاسم, ومنه قولهم: حلف على يمينٍ جزمٍ؛ أي قطعها. وقول صخر الغي الهذلي: [المتقارب] فلما جزمت به قربةً ... تيممت أطرقةً أو خليفا أراد أنه جزمها فقطعها عن الحركة. ويقال: جزم فلان عن الأمر إذا هم به ثم رجع عنه, فكأنه قطع نفسه عما أراد. قال الشاعر: [الوافر] ولكني مضيت ولم أجزم ... وكان الصبر عادة أولينا ومعنى البيت أن الممدوح إذا كان ما ينويه فعلًا مضارعًا, وهو يصلح لأمرين: للحال والاستقبال, أمضاه هذا المذكور من قبل أن تقع عليه الجوازم؛ كأنه إذا جرى في نفسه أن يقتل عدوًا قتله قبل أن يقول قائل: لم يقلته؟ ! وقوله: وكيف ترجي الروم والروس هدمها ... وذا الطعن آساس لها ودعائم الآساس: جمع أس وهو أصل البناء. والدعائم: جمع دعامةٍ وهو ما يدعم به الشيء كيلا يقع. قال الشاعر: [الطويل] وما لمثابات العروس بقية ... إذا نزعت من تحتهن الدعائم

стр. 1169

وقوله: أتوك يجرون الحديد كأنهم ... أتوا بجيادٍ ما لهن قوائم أراد أنهم احترزوا لنفوسهم وخيلهم فلبسوا الحديد, وطرحوا التجافيف على الخيل حتى ما تبين قوائمها؛ لأنها مستورة؛ فكأنها لا قوائم لها. ولما كانت القائم هاهنا يراد بها قوائم الدواب, والقوائم في أول القصيدة يراد بها قوائم السيوف, لم يكن ذلك من الإيطاء. ومع هذا ففي القوائم الأولى ألف ولام, والآخرة ليس فيها علامة التعريف. واختلف أهل العلم في قولهم: الرجل ورجل في قصيدة واحدةٍ؛ فجعله بعضهم إيطاءً, ولم يره بعضهم عيبًا؛ ومن ذلك قول الراجز: [الرجز] يارب سلم سدوهن الليله ... وليلةً أخرى وكل ليله وقوله: إذا برقوا لم تعرف البيض منهم ... ثيابهم من مثلها والعمائم يقول: إذا برقوا بالسيوف لم تميز بينها وبين غيرها من شخوصهم؛ لأنها مواراة بالحديد؛ فثيابهم وعمائمهم من جنس سيوفهم, وهذا يشبه قول البحتري في صفة فرسٍ أشهب: [الكامل] تخفى الحجول إذا بلغن لبانه ... في أبيضٍ متألقٍ كالدملج وقوله: خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم يقول: هذا الجيش بشرق الأرض والغرب زحفه؛ أي قد سمع به في الشرق والغرب, وتحدث به أصناف الأمم, وفي أذن الجوزاء من لجبه (١٩١/أ) وأصواته زمازمن - جمع زمزمة - وهو صوت ليس برفيع ولا مفهوم عند السامع. يقول: فالجوزاء قد شعرت بهذا الجيش وبلغتها منه زمازم.

стр. 1170

وقوله: تجمع فيه كل لسنٍ وأمةٍ ... فما تفهم الحداث إلا التراجم يقال: لأبني فلانٍ لسن؛ أي لغة. يقول: في هذا الخميس أصناف العالم فكل منهم يحتاج إلى ترجمانٍ يفسر له ما يسمع. والحداث: الذي يتحدثون. قال الشاعر: [الطويل] أتيت مع الحداث ليلى فلم أبن ... وأخليت فاستعجمت عند خلائي ولفظ الحداث يدل على أنه جمع حادثٍ, ولم يقولوا: رجل حادث من الحديث؛ استغنوا عنه بقولهم: حدث وحدث, وجاء حداث على تقدير حادث. وقوله: فلله وقت ذوب الغش ناره ... فلم يبق إلا صارم أو ضبارم ذكر النار لأن تأنيثها غير حقيقي. والضبارم: الشديد من الأسد والناس. وإن كانت الميم في دلامصٍ وهرماسٍ زائدة فما يمتنع أن تكون أن تكون في ضبارمٍ كذلك, ويكون اشتقاقه من: ضبرت الشيء إذا جمعته, وتكون الميم زائدةً كزيادتها في زرقمٍ وخدلمٍ. وقوله: تقطع ما لا يقطع الدرع والقنا ... وفر من الفرسان من لا يصادم يقول: إن السيف الذي لا يقطع الدرع والدارع تقطع لأنه عجز وكهم, وفر من الفرسان من لا يقدر على المصادمة. وقوله: وقفت وما في الموت شك لواقفٍ ... كأنك في جفن الردى وهو نائم يقول: وقفت في وقت من وقف فيه فقد أيقن بموته؛ فكأنك في جفن الردى وهو نائم لا يحس بك.

стр. 1171

وقوله: تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ... ووجهك وضاح وثغرك باسم الأبطال: جمع بطلٍ وهو الذي يبطل قرنه؛ أي لا يجعل له فعلًا. وكلمى: جمع كليم وهو الذي به كلم أي جرح, وهزيمة في معنى مهزومةٍ. وأنت في حال هذه الشدة تبتسم ووجهك وضاح لم يتغير. وقوله: ضممت جناحيهم على القلب ضمةً ... تموت الخوافي تحتها والقوادم يعني بالجناحين: ميمنة العسكر وميسرته؛ ولما جعل للجيش جناحين استعار له قوادم وخوافي. وقال بعض الناس: الجناح عشرون ريشةً: أربع قوادم, وأربع مناكب, وأربع أباهر, وأربع خواف, وأربع كلى. وقال قوم: ما ظهر من الريش فهو قوادم, وما استتر فهو كله خوافٍ. والمراد: أنك ضممت جناحيهم على القلب فمات من في الميمنة والميسرة, وهما الجناحان. وقوله: حقرت الردينيات حتى طرحتها ... وحتى كأن السيف للرمح شاتم الناس في الشام والعراق يروون هذه البيت: شاتم, وله وجه؛ أي كأن السيف لم يرض فعل الرمح فهو يشتمه, ولو رويت: للسيف شائم؛ لكان للبيت معنى ألطف في نقد الشعر؛ لأنهم يقولون: شام السيف؛ إذا أغمده. فكأنه يقول: لما جاء السيف كان كأنه قد شام الرمح. وليس من عادة الرماح أن تشام, ولكنه لما عطل الرمح كان كأنه قد شامه. وقوله: تدوس بك الخيل الوكور على الذرى ... وقد كثرت حول الوكور المطاعم يريد أن الخيل صعدت به في الجبال حتى أتت وكور الطير كالصقور والعقبان, وقد كثرت المطاعم هنالك فهي لا تفتقر إلى طلبها. وذري الجبال: أعاليها. وقوله: تطن فراخ الفتخ أنك زرتها ... بأماتها وهي العتاق الصلادم

стр. 1172

فراخ الفتخ؛ أي العقبان. أنك زرتها بأماتها؛ أي بالعقبان. والأمات تستعمل لغير الإنس, والأمهات بالهاء تستعمل في بني آدم. وقد جاءت الأمهات في البهائم. قال الشاعر: [السريع] قوال معروفٍ وفعاله ... عقار مثنى أمهات الرباع ووزن أمات: فعلات, ووزن أمهات: فعلهات, وقد أظهروا الهاء في الواحد. وقد أنشدوا رجزًا نسبوه إلى قصي بن كلاب جد النبي ﷺ : [الرجز] إني لدى الحرب رخي اللبب ... معترم الصولة عالي النسب عند تناديهم بهالٍ وهب ... أمهتي خندف والياس أبي والعتاق: الخيل الكرام, يقال: عتقت الفرس إذا تقدمت وسبقت. والصلادم: الصلاب. إذا قيل إن الميم زائدة في «شدقم» لأنه من سعة الشدق؛ لم يمتنع أن تكون الميم في صلدام زائدةً؛ لأنه من الصلد, وهو الصلب. ووزن صلادم على هذا: فعالم, وإذا كانت الميم أصلية فوزنه (١٩١/ب) فعالل. وقوله: إذا زلفت مشيتها ببطونها ... كما تتمشي في الصعيد الأراقم يقول: قد أصعدت الخيل في الجبال التي ليس لها عادة بصعودها فحوافرها تزلق عنها, فإذا زلفت مشيتها ببطونها, كما تتمشى الأراقم في الصعيد؛ أي التراب. وفي الكتاب العزيز: ﴿والله خلق كل دابة من ماءٍ فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين

стр. 1173

ومنهم من يمشي على أربع﴾؛ فادعى الشاعر للمدوح أنه يمشي ذوات الأربع مشية الذي يمشي على بطنه, وهذا من المبالغة المفرطة. وقوله: أينكر ريح الليث حتى يذوقه ... وقد عرفت ريح الليوث البهائم يقول: ألم يشم هذا الدمستق رائحة الليث فيعلم أنه إن وقف فرسه فقلة فطنته تمنعه من أن يهرب حتى يذوقه الليث؛ فعند ذلك يفر. والبهائم إذا وجدت رائحة الأسد فرت منه. وقوله: وقد فجعته بابنه وابن صهره ... وبالصهر حملات الأمير الغواشم أشبه الأشياء أن تكون الفاجعة له الخيل لتقدم ذكرها قبل هذا البيت. والصهر يستعمل في تزوج الرجل والمرأة, والحمو إنما يستعمل عند بعضهم للمرأة؛ يقال: هو حموها وحماها وحمها. قال الشاعر: [الطويل] ألا أصبحت أسماء حجرًا محرما ... وأصبحت من أدنى حموتها حما وأما النحويون المتقدمون ففي كتبهم: حموك وأبوك, بفتح الكاف, فكأن فتحها في الكتب المتقدمة يجيز أن يقال: هذا حمو الرجل وحماته. وسكن ميم حملات والأحسن فتحها, وقد فعل ذلك في مواضع هو وغيره من الشعراء. وقوله: مضى يشكر الأصحاب في وفته الظبى ... لما شغلتها هامهم والمعاصم ما وشغلتها في معنى المصدر كأنه قال: الدمستق يشكر أصحابه لما فات الظبى أن تقع به, لأنها شغلتهم عند فوقعت في هام الأصحاب ومعاصمهم. والمعصم يستعمل للرجل والمرأة, وهو ما فوق الزند من الذراع؛ وكأنه مأخوذ من عصم يعصم؛ أي منع. وأصل ذلك

стр. 1174

أن يستعمل للمرأة لأن معصمها يعصم سوارها عن أن يخرج من يدها. وقوله: ويفهم صوت المشرفية فيهم ... على أن أصوات السيوف أعاجم يقول: الدمستق يفهم صوت المشرفية في قتل أصحابه, ويعلم إذا سمع صليلها أنهم مقتولون؛ فقد فهم معنى الصليل على أن السيوف أعاجم, وادعى الشاعر أنه يسمع صوتها على بعد, وهو نحو من قوله مهلهل: [الوافر] فلولا الريح أسمع أهل فلجٍ ... صليل البيض تقرع بالذكور وقوله: يسير بما أعطاك لا من جهالةٍ ... ولكن مغنومًا نجا منك غانم هذا مبني على قول العرب في المثل: «السلامة إحدى الغنيمتين». ويقال: إن أول من قاله بسطام بن قيس, وذلك أنه غزا غزاة فهزم, فلما رجع ولقيه من كان غائبًا عنه, قال: «السلامة إحدى الغنيمتين». وقوله: ولست مليكًا هازمًا لنظيره ... ولكنك التوحيد للشرك هازم تشرف عدنان به لا ربيعة ... وتفتخر الدنيا به لا العواصم يقول: لست مليكًا هزم مثله, ولكنك التوحيد هزم الشرك, وليس بينهما قياس في الفضل. والهاء في قوله: تشرف عدنان به عائدة على مليك, ولو أمكنه أن يكون موضع الهاء الكاف, لكان ذلك أوجب, ولكن الوزن لم يسمح بذلك.

стр. 1175

وقوله: وإني لتعدوني عطاياك في الوغا ... فلا أنا مذموم ولا أنت نادم على كل طيارٍ إليها برجله ... إذا وقعت في مسمعيه الغماغم يقول: إني لتحملني على الخيل فتعدو بي في الوغا وهي من عطاياك؛ فلا أنا مذموم في الحرب لأني لست بجبان, ولا أنت نادم على إعطائك أياي السوابق؛ لأنك تعلم أنني شجاع أعملها في طاعتك. وجعل الفرس يطير برجله كما يطير الطائر بجناحه, وقد سبقت العرب إلى تشبيه الفرس بالطائر. قال الراجز: [الرجز] كأن تحتي طائرا بادي الضرم ... لأاحت له حمامة غير أمم والغمائم: جمع غمغمةٍ وهو صوت لا يفهم. قال المسيب بن علس: [الكامل] كغماغم الثيران بينهم ... ضرب تغمض دونه الحدق وقال امرؤ القيس: [الطويل] فظل لثيران الصريم غماغم ... يداعسها بالسمهري المعلب (١٩٢/أ) وقوله: ألا أيها السيف الذي لست مغمدًا ... ولا فيك مرتاب ولا منك عاصم كان أبو الطيب يختار أن يخاطب الممدوح بالتاء إذا جاء به بعد الذي ونحوها, وقد جاء في هذا البيت بكافٍ في موضعين, فالهاء فيهما أحسن عند أهل العلم, وكون الضمير في ليس نائبًا عن التاء أحسن من قوله: لست, وقد كان يمكنه أن يقول: ألا أيها السيف الذي ليس مغمدًا ... ولا فيه مرتاب ولا منه عاصم ثم يخاطبه بالكاف في البيت الثاني؛ فلم يفعل ذلك, وهو قادر عليه. وقافية هذه القصيدة من المتدارك.

стр. 1176

ومن التي أولها أراع كذا كل الأنام همام ... وسح له رسل الملوك غمام الوزن من ثالث الطويل. والسح أصله في: سح الغيم المطر إذا صبه صبًا كبيرًا. فزعم أن غمامًا قد سح الرسل من عند الملوك الراغبين في صلح الممدوح. وأكثر ما يستعملون السح في الماء والدمع وما جرى مجراهما من المائعات. وقالوا: سح التمر من الجراب إذا صبه صبًا متتابعًا. قال الشاعر: [الوافر] وربة غارةٍ أوضعت فيه ا ... كسح الهاجري جريم تمر وقوله: تنام لديك الرسل أمنًا وغبطةً ... وأجفان رب الرسل ليس تنام الأحسن في «ليس» هاهنا أن تكون في معنى «ما» لتخلو من الضمير؛ لأنه إذا جعلها فعلًا كان الأحسن أن يقول: ليست تنام, وقد تقدم له نحو من هذا. وقوله: حذارًا لمعروري الجياد فجاءةً ... إلى الطعن قبلًا ما لهن لجام وصفه بأنه يعروري الجياد؛ أي: يركبها أعراءً. وقد بالغ في مدحه مبالغةً وجب أن ينزهه معها عن اعريراء الجياد إذ كان ذلك لا مفخر فيه لمثله. وقال: ما لهن لجام فوحد في موضع الجمع. وقد وصفت العرب إعجال الحروب إياها عن إلجام الخيل. قال الشاعر: [المتقارب] غداة مررن بآل الربا ... ب تعجل بالركض أن تلجما وبعضهم يفتخر بإلجام الفرس قبل إسراجه؛ لأنه إذا وضع اللجام في رأسه أمكنه أن يعررويه بغير سرج. وقال بعض الشعراء: [المتقارب]

стр. 1177

إذا قيل أي فتى تعلمون ... بصعلوك فهرٍ ومحتاجها ومن يعجل الخيل يوم الوغى ... بإلجامها قبل إسراجها أشارت نساء بني غالبٍ ... إليك به قبل أزوجها وقوله: تعطف فيه والأعنى شعرها ... وتضرب فيه والسياط كلام لما ذكر أنه يعروري الجياد ذكر أن الخيل تعطف والأعنى شعرها, وإنما أراد أن يقوله: والأعنة أعرافها فلم يستقم له الوزن. وقوله: وتضرب به والسياط كلام نحو من قوله: فطرفه يشير إليها من بعيدٍ فتفهم وقوله: فإن كنت لا تعطي الذمام طواعةً ... فعوذ الأعادي بالكريم ذمام الطواعة في معنى الطواعية. والمصادر يشترك فيها هذان البناءان: الفعالة والفعالية, مثل: الطواعة والطواعية, والطماعة والطماعية, والرفاهة والرفاهية. قال الشاعر: [الطويل] أما والذي مسحت أر كان بيته ... طماعيةً أن يغفر الذنب غافره يقول: إن كنت لا تعطيهم ذمامك وأنت مقيم؛ فكأنك قد أعطيتهم إياه لأن العوذ بالكريم ذمام. وقوله: أذا الحرب قد أتعبتها فاله ساعةً ... ليغمد نصل أو يحل حزام أذا الحرب؛ أي: يا ذا الحرب. وذو: كناية عن صاحب الشيء ومالكه, ونحو ذلك؛ يقال: فلان ذو مالٍ وذو جاهٍ. وقوله: فاله ساعةً, وهو من لهيت عن الشيء إذا تركته, وليس من اللهو. ليغمد نصل لأني قد حطمت السيوف وأفنيتها في قتال العدو, وقد طال إتعابك

стр. 1178

الخيل وإعمالك إياها في الحروب, فأرحها سعةً لتحل عنها لحزم. والعرب تجعل الحزام وشده كالمثل في الجد؛ فيقولون: شد حزامه لكذا, وحيزمه وحيازيمه. والحزيم: الموضع الذي يحزم. وقيل للضروع: الحيازيم؛ لأن الراكب يحزمها في بعض الأوقات. قال ذو الرمة: [البسيط] تعتاده زفرات من تذكرها ... تكاد ترفض منهن الحيازيم وأما قول امرئ القيس: [الكامل] خفض إليك من الوعيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي أي: إني لا أحفل بمن يوعدني إذ كنت كثير اللقاء للأعداء؛ فهذا وجه. ويحتمل وجهًا آخر, وهو أن يريد أن حزامه أبدًا مشدود فهو لا يشده لأنه لا يزال متأهبًا للحرب. وقوله: (١٩٢/ب) فإن طال أعمار الرماح بهدنةٍ ... فإن الذي يعمرن عندك عام يقول: إن طالت أعمار الرماح عندك لهدنةٍ تقع بينك وبين العدو - والهدنة من الهدون, وهو السكون - فإن الذي تعمر الأرماح عام لا غير؛ لأنك لا ترى المهادنة أكثر من السنة الواحدة. وجعل للرماح أعمارًا وهي المدة التي تسلم فيها من الحطم والانكسار. وقوله: متى عاود الجالون عاودت أرضهم ... وفيها رقاب للسيوف وهام يقال: جلا القوم عن منازلهم, جلا إذا خرجوا. وقال قوم: جلوا إذا خرجوا وهم كارهون, وجلوا إذا خرجوا منها وهم مختارون. يقول: إذا عاود الجالون بلادهم عاودتها, وقد نشأت فيها رقاب وهام؛ لأنهم جلو بأطفالٍ وعاودوا والطفل قد ارتفع عن الطفولية, وقد بين الشعر الغرض بقوله:

стр. 1179

وربوا لك الأطفال حتى تصيبها ... وقد كعبت بنت وشب غلام يقال: كعبت الجارية تكعب إذا ظهر ثديها, وكان مثل الكعب, والجارية كاعب وكعاب, ويقال: كعبت فهي مكعب؛ أي: كانوا أطفالًا ليس فهم ما خدم؛ فجئتهم وقد صلحوا للخدمة. وقافيتها من المتواتر. ومن أبيات أولها أيا راميًا يصمي فؤاد مرامه ... تربي عداه ريشها لسهامه وزنها من ثاني الطويل. قوله: تربي عداه ريشها لسهامه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكونوا يربون الريش فإذا تكامل رماه الممدوح بسهامه. وإنما يعني أن الطائر يكون فرخًا فلا يكمل حتى يتم ريشه. فالممدوح يرميه وقد صلح أن يصاد. والآخر: أن يكون المراد أن الأعداء يربون ريشهم ليأخذه فيربش به سهامه فيكون ما فعلوه قوةً له. والعرب تكني بالريش عن حسن الحال. يقال: راش فلان فلانًا كأنه جعل له ريشًا ينهض به, وقد مر ذكر ذلك. وقوله: وما مطرتنيه من البيض والقنا ... وروم العبدى هاطلات غمامه العبدى: اسم للعبيد, وقد حكي مده. وينشده: [الطويل] تركت العبدي ينقرون عجانها ... كأن غرابًا فوق أنفك واقع والعبد يجمع في القلة على أعبد وجمعه في الأكثر: عبدان, فأما عبيد فهو اسم للجمع, مثل: كليب في جمع كلب. وفي التنزيل: ﴿وعبد الطاغوت﴾ كأنه اسم على فعل, كما يقال: رجل يقظ وحذر. فأما قول أوس بن حجر: [الكامل]

стр. 1180

أبني لبينى لستم بيدٍ ... إلا يدًا لها عضد أبني لبيني إن أمكم ... أمة وإن أباكم عبد فإن بعض العرب يقول في الوقف: هذا عبد؛ فيوقع حركة الضمة على الباء, والشعراء تفعل ذلك في غير الوقف ضرورةً. وقوله: ويجعل ما خولته من نواله ... جزاءً لما خولته من كلامه ادعى أن الممدوح خوله الكلام الذي يمدحه به, فلما مدحه بالكلام الذي وهبه له جازاه عنه بأن خوله نوالًا من غير الكلام. يقال: خولت الرجل كذا إذا ملكته إياه. والقافية من المتدارك. ومن التي أولها عقبى اليمين على عقبى الوغا ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم الوزن من أول البسيط. المثل القديم: اليمين حنث أو مندمة, وكأن مراد الشاعر أن عقبى يمين الحانث على عقبى الوغا - أي ما تعقبه الحرب - ندم؛ لأنه لا يدري ما يكون. فكأنه يشير بترك الحلف لأن فعل الإنسان ما يريد لا يفتقر إلى يمينٍ؛ فإذا حلف أنه يفعل فإنه لا يعلم بأي شيء يجري القضاء.

стр. 1181

وقوله: وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم إذا كان الرجل عند صاحبه في صورة صادق فقال له: لأفعلن كذا؛ فقد غني عن اليمين؛ وإنما يحتاج إلى الحلف إذا ظن المحلوف له أنه غير صادقٍ فيما زعم. وقوله: آلى الفتى ابن شمشقيقٍ فأحثنه ... فتى من الضرب ينسى عنده الكلم قوله: الفتى في صفة ابن شمشقيق كأنه هزؤ؛ أي: إنه ليس كذلك, وإنما جاء بذكره في أول البيت لأنه (١٩٣/أ) ذكر فتى في آخره, وهو يريد الممدوح أيضًا؛ فقد يقول القائل إذا ذكر عنده البخيل: ذلك الرجل الكريم, والسامع يعلم أنه يريد غير ذلك. يقول: آلى ابن شمشقيق فأحنثه فتى ينسى عنده الكلم من الضرب بالسيوف. والهاء في «عنده» راجعة على فتى الذي هو في آخر البيت. وقوله: وفاعل ما اشتهى يغنيه عن حلفٍ ... على الفعال حضور الفعل والكرم وفاعل: نسق على فتى ينسى عنده الكلم, وفاعل ما اشتهى من الأمور, والوصفان للمدوح كما يقال: جاءني رجل حر ثقة وصادق. والمعنى بذلك واحد؛ أي هذا الرجل قد جمع هذه الأوصاف. وقوله: يغنيه عن حلفٍ: الهاء راجعة إلى فاعل؛ أي يغنيه أن يحلف؛ لأن الإنسان إنما يقسم على الشيء قبل أن يفعله, مثل أن يقول: والله لأقومن؛ اليمين وقعت قبل القيام. وقوله: كل السيوف إذا طال الضراب بها ... يمسها غير سيف الدولة السأم ادعى أن السيوف تسأم إذا طالت المضاربة بها, وإنما يريد أنها تثلم وتحطم؛ فلو أنها تسأم لشكت ذلك, والشعراء يقدمون على ادعاء الأشياء المستحيلة, وهذا نحو قوله: فقد مل ضوء الصبح مما تغيره ... ومل سواد الليل مما تزاحمه وإنما أراد أنها تكثر الغارة في الصبح والسرى في الليل إكثارًا يمل مثله من يحس, وأما الصبح والظلام فما يشعران بما يكون فيهما من أفعال الآدميين.

стр. 1182

وقوله: لو كلت الخيل حتى ما تحمله ... تحملته إلى أعدائه الهمم يقول: لو أن الخيل كلت حتى لم تستطع حمله إلى الأعداء لحملته إليهم الهمم, ولسي هذا المعنى مستحيلًا استحالة غيره؛ لأن كثيرًا من الناس يقصد عدوه وليس بالراكب, وقد كانت جماعة من العرب تغير على أرجلها كالشنفرى وتأبط شرًا والسليك بن السلكة. وقوله: أين البطاريق والحلف الذي حلفوا ... بمفرق الملك والزعم الذي زعموا يقول: أين البطاريق وأيمانهم التي حلفوها بمفرق ملكهم؛ فلم يفوا بشيء منها؟ وهذه الأبيات شرح للبيت الأول. وقوله: ولى صوارمه إكذاب قولهم ... فهن ألسنة أفواهها القمم في ولى ضمير يرجع إلى الممدوح, وجعل السيوف كالألسنة نطقت بإكذاب الأيمان, وجعل القمم لها أفواهما. والقمة: أعلى الرأس. والمعنى: أن السيوف لما وقعت في الرؤوس كانت كالألسنة نطقت بإكذاب الحالفين. وقوله: الراجع الخيل محفاة مقودة ... من كل مثل وبار أهلها إرم الراجع الخيل: يعني به الممدوح؛ قد أحفاها السير فهي تقود ليزول عنها ذلك. و «وبار»: موضع كان مسكونًا ثم خلا من أهله, والعرب تضرب به المثل في البعد. وإرم هو: أبو عاد بن إرم سام بن نوح. والمثل يضرب بإرم في الفناء. قال الراجز: [الرجز] من يلقني يود كما أودت إرم

стр. 1183

أي: خيل هذا الممدوح ترجع عن البلد الذي غزاه وهو مثل وابر خالٍ وأهله مثل إرم هالكون. وقال الأعشى: [مخلع البسيط] إن لقيمًا وإن قيلًا ... وإن لقمان حيث ساروا لم يتركوا بعدهم عريبًا ... فحدثت إثرهم نزار ومر دهر على وبار ... فهلكت جهرة وبار وقوله: كتل بطريقٍ المغرور ساكنها ... بأن دارك قنسرون والأجم شبه البلد الذي يغزوه بوبار, وأهله بإرم, ثم ذكر الموضع المغزو؛ وإنما هو موضع مثل به غيره. والهاء في ساكنها راجعة إلى تل بطريق, وأنثها على معنى البلدة والمدينة, ولو ذكر الضمير جاز. وقنسرون قد وافقت من العربية قوله: رجل قنسري أي مسن كبير. قال الراجز: [الرجز] أطربًا وأنت قنسري ... والدهر بالإنسان دواري ويجوز أن يكون قنسرون في الرفع بواوٍ وفي النصب والخفض بياءٍ, ويجوز أن تقر الياء على حالها في الوجوه الثلاثة (١٩٣/ب) وتضم النون في حال الرفع, وتفتح في حال

стр. 1184

النصب والخفض. والأجم: شجر ملتف تكون فيه الأسد. وقوله: وظنهم أنك المصباح في حلبٍ ... إذا قصدت سواها عادها الظلم يقول: ظنت الأعداء أنك مثل المصباح في حلب ومتى فارقتها أظلمت بلادها. ولم يكن الأمر كما ظنوه, ولست كالمصباح الذي يضيء موضعًا واحدًا, وإنما أنت كالشمس تعم كل بلدٍ بالضياء. وقد بين الغرض بقوله: والشمس يعنون إلا أنهم جهلوا ... والموت يدعون إلا أنهم وهموا وقوله: فلم تتم سروج فتح ناظرها ... إلا وجيشك في جفنيه مزدحم استعار لسروج ناظرًا وجعل له جفنين؛ وإنما يصف الممدوح بأنه أنجدهم إنجاذًا سريعًا؛ فكأن سروج لم تفتح ناظرها إلا وجيشك مزدحم في جفنيه. وقوله: والنقع يأخذ حرانًا وبقعتها ... والشمس تسفر أحيانًا وتلتثم يقال: بقعة وبقعة وهي الموضع الواسع من الأرض. ويقال: ذهب فلان فما يدرى أين بقع؛ أي في أي بقعة من الأرض وقع. ويقال: سفرت المرأة خمارها إذا أزالته عن وجهها, واستعار ذلك للشمس, وجعل الغبار كاللثام. قال توبة بن الحمير: [الطويل] وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها وقوله: سحب تمر بحصن الران ممسكة ... وما بها البخل لولا أنها نقم

стр. 1185

شبه خيله وغبارها بالسحب فهي تمر بحصن الران ممسكة, وليس إمساكها من بخل, ولكنها نقم؛ فهي لا تمطر إلا في أرض العدو. وقوله: جيش كأنك في أرضٍ تطاوله ... فالأرض لا أمم والجيش لا أمم يقول: كأنك في أرض تطاوله وهي واسعة جدًا, وعدد الجيش كثير فكلاهما غير أمم. والأمم: الشيء بين الشيئين, يقال: دار بني فلان أمم؛ أي: بين القريب والبعيد. قال الشاعر: [الهزج] أطرقته أسماء أم حلما ... أم لم تكن من رحالنا أمما وقوله: إذا مضى علم منها بدا علم ... وإن مضى علم منه بدا علم العلم من الأرض مثل الجبل, والعلم: علم الجيش معروف, وكلاهما من العلامة لأنه مؤد إلى العلم بالشيء. ولو قال: وإن بدا عالم منه بدا علم لكان أحسن في حكم الشعر, ولعل أبا الطيب كذلك قال لأن تكرير العلم في البيت كثير, وقوله في صفة الجيش: وإن بدا عالم يقلل تردد العلم, ويدل على كثرة الجيش. وقوله: وشزبٍ أحمت الشعرى شكائمها ... ووسمتها على آنافها الحكم الشعرى: نجم يطلع في شدة الحر, وتنسب العرب إليها ذلك؛ فيقولون: يوم من أيام الشعرى. قال الشنفرى: [الطويل] ويومٍ من الشعرى يذوب لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ وقوله: يذوب لعابه كقول الراجز: [الرجز] وذاب للشمس لعاب فنزل ... وقام ميزان النهار فاعتدل

стр. 1186

وهما شعريان: الشعرى العبور, وهي أضوأهما, والشعرى الغميصاء, وهي أقل منها صوءًا, ويقال: غميضاء بالضاد. ومن أحاديث الأعراب أن الشعريين أختا سهيل. الشعرى العبور قد عبرت المجرة فهي تراه, وقد استعبرت من البكاء. والغميصاء لم تعبر المجرة فقد أغمصها بكاؤها؛ أي: جعل فيها غمصًا, وهو مثل الرمص. وإذا شبهت المرأة بالشعرى فإنما تعنى بها الشعرى العبور لأنها ذات الضياء والنور. قال الشاعر: [الوافر] ألا قالت بهيشة ما لنفرٍ ... أراه غيرت منه الدهور وأنت كذاك قد غيرت بعدي ... وكنت كأنك الشعرى العبور والشكائم: جمع شكيمة, وهي حديدة اللجام. ويقال: فلان ذو شكيمة؛ أي: ذو شدةٍ. قال عمرو بن شأسٍ الأسدي: [الطويل] وإن عرارًا إن يكن ذا شكيمةٍ ... تقاسينها منه فلا أملك الشيم والحكم: جمع حكمةٍ, وهو ما يكون على أنف الفرس. يقول: قد جعلت الحكم في آنافها وسومًا. (١٩٤/أ) وقوله: حتى وردن بسمنينٍ بحيرتها ... تنش بالماء في أشداقها اللجم يريد أن لجمها قد حميت فصارت كالجمر؛ فإذا أصابها الماء سمع لها نشيش؛ وهذا كما قال لبيد يصف ما صبه في حوض: [الرمل]

стр. 1187

فهرقنا لهما في داثرٍ ... لضواحيه نشيش بالبلل وقوله: وأصبحت بقرى هنزيط جائلةً ... ترعى الظبى في خضيبٍ نبته اللمم في ترعى ضمير يعود إلى الخيل, ويعني بالخصيب: الشعر. وقوله: فما تركن بها خلدًا له بصر ... تحت التراب ولا بازًا له قدم يقول: ما تركن بهذه الناحية خلدًا - أي رجلًا - قد دخل في مغازة, كما يدخل الخلد في الأرض؛ إلا أن هذا الخلد يبصر وهو يشابه الخلد في اختفائه, ويخالفه في نظره. ولا بازًا له قدم؛ أي ولا بازًا - يعني رجلًا مثل الباز - يكون في أعالي الجبال؛ إلا أنه له قدم مثل أقدام الناس. يقول: يهرب فيقف حيث يقف البازي, إلا أنه ذو قدمٍ. وفي الباز لغة قد مضى ذكرها. وقوله: ولا هزبرًا له من درعه لبد ... ولا مهاةً لها من شبهها حشم يعني بالهزبر: رجلًا مثل الأسد, ودرعه كاللبد عليه. واللبد: الشعر الذي يكون على كتفي الأسد. ويعني بالمهاة: امرأة جميلة شبهها بالبقرة الوحشية, وهي المهاة. وقد أكثرت الشعراء من ذلك. قال زهير: [الوافر] تنازعت المها شبهًا ودر الـ ... ـبحور وشاكلت فيها الظباء فأما ما فويق الجيد منها ... فمن أدماء مرتعفها الخلاء وأما المقلتان فمن مهاةٍ ... وللدر الملاحة والصفاء والمهاة التي ذكرها هي بنت رئيس, فلها حشم من جنسها. وحشم الإنسان, أصله: الذين يغضب لهم إذا لحقهم ضيم, ثم سمي الخدم حشمًا. ويقال: حشمت الرجل

стр. 1188

واحتشمته إذا أغضبته. قال الشاعر: [الوافر] لعمرك إن قرص أبى خبيبٍ ... بطيء النضج محشوم الأكيل وكان الأصمعي ينكر قول الناس: فلان يحتشم؛ أي يستحي, وغيره من العلماء يجيز ذلك. وقوله: ترمي على شفرات الباترات بهم ... مكامن الأرض والغيظان والأكم شفرات: جمع شفرةٍ, وهي حد السيف. وشفير كل شيء آخره, ومنه شفر العين. ويقولون: لإلان على شفير أمر؛ أي: في آخره قد أشرف على غيره. ومنه قوله: شفر العطية إذا أقلها. وادعى الشاعر أن هؤلاء القوم المغرورين ترميهم على شفرات السيوف المكامن - وهي جمع مكمنٍ؛ أي الموضع الذي يستتر فيه الإنسان - وكذلك تفعل بهم الغيطان والأكم. [و] لما كانت هذه المواضع لا تمنعهم زعم أنها كالرامية لهم إلى السيوف. وقوله: وجاوزوا أرسناسًا معصمين به ... وكيف يعصمهم ما ليس بنعصم أرسناس: اسم نهر, أو موضع فيه نهر, والمعصم بالشيء: المتمسك به. قال طفيل الغنوي: [الطويل] إذا ما غدا لم يسقط الرعب رمحه ... ولم يشهد الهيجا بألون معصم يقول: أرادوا أن يعتصموا بأرسناس وهو لا يعصم نفسه فكيف يعصم سواه؟ ! . وقوله: تجعفل الموج عن لبات خيلهم ... كما تجفل تحت الغارة النعم كان سيف الدولة قد عبر إلى الروم ماءً على الخيل سبحت بالفرسان فيه؛ فأراد أن الموج يتجفل عن لبات الخيل؛ فكأنه النعم إذا أغير عليه فجعل يتجفل.

стр. 1189

وقوله: عبرت تقدمهم فيه وفي بلدٍ ... سكانه رمم مسكونها حمم يعني أن هذا البلد قد قتلت أهله فعظامهم رمم؛ أي بالية. وواحد الرمم: رمة. وقد أحرقت ديارهم فهذه الرمم في مثل الحمم وهو الفحم. قال طرفة: [المديد] أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه وقوله: وفي أكفهم النار التي عبدت ... قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم يعني بالنار: السيوف؛ لأنها معروفة قبل أن تعبد المجوس النار, وجعلها معبودةً لأنها تهاب ويغلب بها على الممالك, فيذل بها الأعزاء, فكأنها أرباب معبودة؛ وإنما يعني أصحاب السيوف فجعل الخبر عنها, وذلك كثير يسمون الشيء باسم ما قاربه ويصفونه بصفته. وقوله: (١٩٤/ب) قاسمتها تل بطريقٍ فكان لها ... أبطالها ولك الأطفال والحرم قاسمتها؛ يعني السيوف, فكان لها أبطالها؛ أي قتلهم بها, فكأنها قاسمتك تل بطريقٍ, فكان لها الأبطال, ولك الحرم والأطفال لأنك سبيتهم. وقوله: تلقى بهم زبد التيار مقربةً ... على جحافلها من نضحه رثم التيار: الموج, وزبده من زبد الماء, والمقربة: الخيل التي جرت عادتها بأن تقرب عند البيوت, وقد مضى ذكرها. والرثم: بياض جحفلة الفرس السفلى, وقد استعمل ذلك في الظباء. قال عنترة: [الكامل] وكأنما التفتت بجيد جدايةٍ ... رشأٍ من الغزلان حر أرثم

стр. 1190

وقوله: دهم فوارسها ركاب أبطنها ... مكدودة وبقومٍ لا بها الألم ابتدأ الشاعر بصفة خيلٍ من الخيل المعروفة, ولم يزل مستمرًا على ذلك إلى قوله: دهم فوارسها, ثم دل ذلك على أنه يريد السفن لأنه وصفها بالدهم؛ يعني أنها مطلية بقارٍ, وجعل فوارسها ركاب أبطنها فدل ذلك على أنه يريد السفن لا غير؛ لأن فرسان الخيل إنما يركبون ظهورها, وزعم أنها مكدودة, وهي لا تحس بذلك كما تحس الخيل. وقوله: وبقومٍ لا بها الألم؛ أي إنما يألم الذين يمارسونها حتى تسير في الماء, وقد يجوز أن يكون في هذه الغزاة سبحت به الخيل في الماء, وأن يكون ركب السفن؛ وذلك في غزاةٍ واحدةٍ. وقوله: من الجياد التي كدت العدو بها ... وما لها خلق منها ولا شيم يعني: السفن جعلها جيادًا؛ لأنهم ركبوها كما يركبون الخيل, ثم ذكر أنها ليس لها شبه من الخيل في الخلق ولا الشيم. والشيم: جمع شيمةٍ, وهو ماي ظهر من خلق الإنسان, مأخوذة من قولك: شمت السيف إذا سللته. وقوله: نتاج رأيك في وقتٍ على عجلٍ ... كلفظ حرفٍ وعاه سامع فهم استعار النتاج للرأي؛ وإنما هو للحوامل كالناقة والفرس وغيرهما. يقول: إذا افتقر إلى رأيك جاء موفقًا مصيبًا مع عجلةٍ كلفظ الحرف الذي يعيه سامع فهم, فإذا سئل عنه أجاب من غير تلبثٍ. وقوله: وقد تمنوا غداة الدرب في لجبٍ ... أن يبصروك فلما أبصروك عموا يقول: تمنوا لقاءك وقالوا: إن نظرنا إليه بلغنا منه ما نريد وحلفوا على ذلك بمفرق ملكهم, فلما أبصروك عجزوا عنك؛ فكأنهم عموا عن قصدك. وفي هذا المعنى شبه من قول جميل: [الطويل]

стр. 1191

فليت رجالًا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي, يابثين, لقوني إذا ما رأوني طالعًا من ثنيةٍ ... يقولون من هذا وقد عرفوني وقوله: صدمتهم بخميسٍ أنت غرته ... وسمهريته في وجهه غمم جعل الجيش كالفرس وجعل الممدوح له غرةً. والسمهرية - أي: الرماح - غممًا في وجهه. والغمم: شعر يغشى الوجه ومؤخر العنق. وبيت هدبة معروف: [الطويل] فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا وكأنه من قول الأول في صفة الجيش: [الوافر] فلو أنا شهدناكم نصرنا ... بذي لجبٍ أزب من العوالي وقوله: والأعوجية ملء الطرق خلفهم ... والمشرفية ملء اليوم فوقهم تقدير الكلام نصب ملء الطرق بإضمار فعلٍ كأنه قال: والأعوجية تردي, أو تركض في حال ملئها للطرق, والإضافة في ملء الطرق على نية الانفصال, كأنه قال: ملئًا للطرق؛ أي مالئةً, ونصب ملء اليوم على نحوٍ من هذا النصب. وقوله: إذا توافقت الضربات صاعدةً ... توافقت قلل في الجو تصطدم

стр. 1192

أراد الضربات فسكن الراء ضرورةً. يقول: إذا توافقت الضربات في حال الصعود قطعت الرؤوس فاصطدمت في الجو. وقوله: وأسلم ابن شمشقيقٍ أليته ... ألا انثنى فهو ينأى وهي تبتسم يقول: أسلم المولي أليته؛ أي الحالف يمينه فهو ينأى بالهرب, وهي تبتسم؛ أي تهزأ به وتضحك. وقوله: لا يأمل النفس الأقصى لمهجته ... فيسرق النفس الأدنى ويغتنم (١٩٥/أ) يقول: قد أيقن بالموت فهو لا يأمل النفس الأقصى, فقد جعل يغتنم الأنفاس ويكررها. وقوله: ترد عنه قنا الفرسان سابغة ... صوب الأسنة في أثنائها ديم يقول: طعنا بالرماح طعنًا متتابعًا كتتابع المطر في الديم, إلا أن الدرع ردت عنه. ووصف الدرع بقوله: تخط فيها العوالي ليس تنفذها ... كأن كل سنانٍ فوقها قلم هذه مبالغة في صفة الدرع؛ لأنه جعل الأسنة إذا مرت بها فكأنها أقلام لا تؤثر فيها أثرًا. وقوله: ألهى الممالك عن فخرٍ قفلت به ... شرب المدامة والأوتار والنغم مقلدًا فوق شكر الله ذا شطبٍ ... لا تستدام بأمضى منهما النعم يقول: ألهى الممالك - أي أصحابها - عن نصرٍ قفلت به من غزوك اشتغالهم بالخمر وسماع الغناء, وهذا كقوله في الأخرى: ليس من عنده تدار المنايا ... مثل من عنده تدار الشمول والنغم من قوله: ما نغم بكلمةٍ؛ أي ما تكلم بها, ثم سمي الغناء نغمًا؛ وإنما يراد ما حسن من الأصوات. ونصب مقلدًا على الحال, وصيره متقلدًا لشكر الله تحت تقلده بالسيف. والشطب والشطب: طرائق في السيف.

стр. 1193

وقوله: لا تستدام بأمضى منهما النعم: شرح في هذا النصف مراده في النصف الأول, ولا يمكن أن يكون النصف الثاني صفةً لشكر الله وللشطب لأنهما مختلفان في الإعراب. وقوله: ألقت إليك دماء الروم طاعتها ... فلو دعوت بلا ضرب أجاب دم يسابق القتل فيهم كل حادثةٍ ... فما يصيبهم موت ولا هرم يقول: أطاعتك دماء الروم فلو دعوتها بغير السيوف لأجابتك؛ أي: لو قلت لها: هلمي أو انسفكي لفعلت ما تأمرها به من غير أن تسل سيفًا؛ فادعى أن القتل يسابق فيهم الحوادث, فما يمهل الشاب إلى الهرم, ولا يسمح للميت أن يموت بغير السيف. وقوله: نفت رقاد علي عن محاجرها ... نفس يفرح نفسًا غيرها الحلم المحاجر: جمع محجرٍ وهو ما حول العين. فأما المحجر فهو ما يحجر من الأفعال. قال حميد بن ثور: [الكامل] وهممت أن أخطو إليها محجرًا ... ولمثلها يخطى إليه المحجر يقول: نفس هذا الممدوح عظيمة فلا تقتنع إلا بعظام المكارم, ونفس غيره دنية فهي تفرح بما تراه في الحلم وإن علمت أنه ليس بحق. ويحتمل معنى آخر وهو أن عليًا تنفي رقاده نفس شريفة, ونفس غيره ترضى بالنوم لأنه هدوء وراحة؛ وهذا أبلغ من المعنى الأول. وقوله: القائم الملك الهادي الذي شهدت ... قيامه وهداه العرب والعجم أصل القيام أن يكون ضد القعود, ثم قالوا: قام الملك إذا صارت المملكة إليه, كما قال القائل: [الطويل] إذا مات منا سيد قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول وقوله:

стр. 1194

ابن المعفر في نجدٍ فهوارسها ... بسيفه وله كوفان والحرم كان أبو الهيجاء والد سيف الدولة قد ولي الكوفة وحج بالناس وجرت له خطوب مع القرامطة. يقول: عفر في نجدٍ فوارسها؛ أي ألقاهم في العفر. وقد ذكر أبو الطيب هذا في قوله لسيف الدولة لما أوقع ببني كلاب: بنو قتلى أبيك بأرض نجدٍ ... ومن أبقى وأبقته الحراب وقافيتها من المتراكب. ومن أبيات أولها رأيتك توسع الشعراء نيلًا ... حديثهم المولد والقديما وزنها من الوافر الأول. وقوله: فتعطي من بقى مالًا جسيمًا ... وتعطي من مضى شرفًا عظيما يقال: إن سيف الدولة وجه شاعره إليه هذه الأبيات في رقعة وقرأها بقي بسكون الياء فأنكر ذلك فعرف (١٩٥/ب) أنه أراد اللغة الطائية لأنهم يقولون: بقا في معنى بقي, وباقاة في معنى باقيةٍ, وعلى ذلك أنشدوا البيت المنسوب إلى مروان بن الحكم: [الوافر] وما الدنيا بباقاة لحي ... ولا حي على الدنيا بباق

стр. 1195

وقال زيد الخيل: [الطويل] فلولا زهير أن يكدر نعمةً ... لقاذعت كعبًا ما بقيت وما بقى وقوله: سمعتك منشدًا بيتي زيادٍ ... نشيدًا مثل منشده كريما فما أنكرت موضعه ولكن ... غبطت بذاك أعظمه الرميما سمع أبو الطيب سيف الدولة ينشد بيتي النابغة الذبياني, واسم النابغة زياد, والبيتان: [الطويل] ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب تخيرن من أزمان يوم حليمةٍ ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب فقال هذه الأبيات. وقافيتها من المتواتر. ومن التي أولها أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بين تلك المعالم الوزن من ثاني الطويل. وفي البيت معنى القسم لأن الإنسان يقول: أنا كافر إن كان كذا, وإذا حلف النصراني واليهودي فربما قالا: أنا حنيف مسلم إن كان كذا. والمعنى: أنه يريد: إن كنت وقت اللوائم علمت بما بي بين معالم الديار فأنا لائمي؛ وإنما يريد تبرؤه من اللوام وأن رأيه ليس كرأيهم.
следующие страницы →