Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
فليت رجالًا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي, يابثين, لقوني
إذا ما رأوني طالعًا من ثنيةٍ ... يقولون من هذا وقد عرفوني
وقوله:
صدمتهم بخميسٍ أنت غرته ... وسمهريته في وجهه غمم
جعل الجيش كالفرس وجعل الممدوح له غرةً. والسمهرية - أي: الرماح - غممًا في وجهه. والغمم: شعر يغشى الوجه ومؤخر العنق. وبيت هدبة معروف: [الطويل]
فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا
وكأنه من قول الأول في صفة الجيش: [الوافر]
فلو أنا شهدناكم نصرنا ... بذي لجبٍ أزب من العوالي
وقوله:
والأعوجية ملء الطرق خلفهم ... والمشرفية ملء اليوم فوقهم
تقدير الكلام نصب ملء الطرق بإضمار فعلٍ كأنه قال: والأعوجية تردي, أو تركض في حال ملئها للطرق, والإضافة في ملء الطرق على نية الانفصال, كأنه قال: ملئًا للطرق؛ أي مالئةً, ونصب ملء اليوم على نحوٍ من هذا النصب.
وقوله:
إذا توافقت الضربات صاعدةً ... توافقت قلل في الجو تصطدم
стр. 1192
أراد الضربات فسكن الراء ضرورةً. يقول: إذا توافقت الضربات في حال الصعود قطعت الرؤوس فاصطدمت في الجو.
وقوله:
وأسلم ابن شمشقيقٍ أليته ... ألا انثنى فهو ينأى وهي تبتسم
يقول: أسلم المولي أليته؛ أي الحالف يمينه فهو ينأى بالهرب, وهي تبتسم؛ أي تهزأ به وتضحك.
وقوله:
لا يأمل النفس الأقصى لمهجته ... فيسرق النفس الأدنى ويغتنم
(١٩٥/أ) يقول: قد أيقن بالموت فهو لا يأمل النفس الأقصى, فقد جعل يغتنم الأنفاس ويكررها.
وقوله:
ترد عنه قنا الفرسان سابغة ... صوب الأسنة في أثنائها ديم
يقول: طعنا بالرماح طعنًا متتابعًا كتتابع المطر في الديم, إلا أن الدرع ردت عنه. ووصف الدرع بقوله:
تخط فيها العوالي ليس تنفذها ... كأن كل سنانٍ فوقها قلم
هذه مبالغة في صفة الدرع؛ لأنه جعل الأسنة إذا مرت بها فكأنها أقلام لا تؤثر فيها أثرًا.
وقوله:
ألهى الممالك عن فخرٍ قفلت به ... شرب المدامة والأوتار والنغم
مقلدًا فوق شكر الله ذا شطبٍ ... لا تستدام بأمضى منهما النعم
يقول: ألهى الممالك - أي أصحابها - عن نصرٍ قفلت به من غزوك اشتغالهم بالخمر وسماع الغناء, وهذا كقوله في الأخرى:
ليس من عنده تدار المنايا ... مثل من عنده تدار الشمول
والنغم من قوله: ما نغم بكلمةٍ؛ أي ما تكلم بها, ثم سمي الغناء نغمًا؛ وإنما يراد ما حسن من الأصوات. ونصب مقلدًا على الحال, وصيره متقلدًا لشكر الله تحت تقلده بالسيف. والشطب والشطب: طرائق في السيف.
стр. 1193
وقوله: لا تستدام بأمضى منهما النعم: شرح في هذا النصف مراده في النصف الأول, ولا يمكن أن يكون النصف الثاني صفةً لشكر الله وللشطب لأنهما مختلفان في الإعراب.
وقوله:
ألقت إليك دماء الروم طاعتها ... فلو دعوت بلا ضرب أجاب دم
يسابق القتل فيهم كل حادثةٍ ... فما يصيبهم موت ولا هرم
يقول: أطاعتك دماء الروم فلو دعوتها بغير السيوف لأجابتك؛ أي: لو قلت لها: هلمي أو انسفكي لفعلت ما تأمرها به من غير أن تسل سيفًا؛ فادعى أن القتل يسابق فيهم الحوادث, فما يمهل الشاب إلى الهرم, ولا يسمح للميت أن يموت بغير السيف.
وقوله:
نفت رقاد علي عن محاجرها ... نفس يفرح نفسًا غيرها الحلم
المحاجر: جمع محجرٍ وهو ما حول العين. فأما المحجر فهو ما يحجر من الأفعال. قال حميد بن ثور: [الكامل]
وهممت أن أخطو إليها محجرًا ... ولمثلها يخطى إليه المحجر
يقول: نفس هذا الممدوح عظيمة فلا تقتنع إلا بعظام المكارم, ونفس غيره دنية فهي تفرح بما تراه في الحلم وإن علمت أنه ليس بحق. ويحتمل معنى آخر وهو أن عليًا تنفي رقاده نفس شريفة, ونفس غيره ترضى بالنوم لأنه هدوء وراحة؛ وهذا أبلغ من المعنى الأول.
وقوله:
القائم الملك الهادي الذي شهدت ... قيامه وهداه العرب والعجم
أصل القيام أن يكون ضد القعود, ثم قالوا: قام الملك إذا صارت المملكة إليه, كما قال القائل: [الطويل]
إذا مات منا سيد قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول
وقوله:
стр. 1194
ابن المعفر في نجدٍ فهوارسها ... بسيفه وله كوفان والحرم
كان أبو الهيجاء والد سيف الدولة قد ولي الكوفة وحج بالناس وجرت له خطوب مع القرامطة. يقول: عفر في نجدٍ فوارسها؛ أي ألقاهم في العفر. وقد ذكر أبو الطيب هذا في قوله لسيف الدولة لما أوقع ببني كلاب:
بنو قتلى أبيك بأرض نجدٍ ... ومن أبقى وأبقته الحراب
وقافيتها من المتراكب.
ومن أبيات أولها
رأيتك توسع الشعراء نيلًا ... حديثهم المولد والقديما
وزنها من الوافر الأول.
وقوله:
فتعطي من بقى مالًا جسيمًا ... وتعطي من مضى شرفًا عظيما
يقال: إن سيف الدولة وجه شاعره إليه هذه الأبيات في رقعة وقرأها بقي بسكون الياء فأنكر ذلك فعرف (١٩٥/ب) أنه أراد اللغة الطائية لأنهم يقولون: بقا في معنى بقي, وباقاة في معنى باقيةٍ, وعلى ذلك أنشدوا البيت المنسوب إلى مروان بن الحكم: [الوافر]
وما الدنيا بباقاة لحي ... ولا حي على الدنيا بباق
стр. 1195
وقال زيد الخيل: [الطويل]
فلولا زهير أن يكدر نعمةً ... لقاذعت كعبًا ما بقيت وما بقى
وقوله:
سمعتك منشدًا بيتي زيادٍ ... نشيدًا مثل منشده كريما
فما أنكرت موضعه ولكن ... غبطت بذاك أعظمه الرميما
سمع أبو الطيب سيف الدولة ينشد بيتي النابغة الذبياني, واسم النابغة زياد, والبيتان: [الطويل]
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
تخيرن من أزمان يوم حليمةٍ ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
فقال هذه الأبيات. وقافيتها من المتواتر.
ومن التي أولها
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بين تلك المعالم
الوزن من ثاني الطويل.
وفي البيت معنى القسم لأن الإنسان يقول: أنا كافر إن كان كذا, وإذا حلف النصراني واليهودي فربما قالا: أنا حنيف مسلم إن كان كذا. والمعنى: أنه يريد: إن كنت وقت اللوائم علمت بما بي بين معالم الديار فأنا لائمي؛ وإنما يريد تبرؤه من اللوام وأن رأيه ليس كرأيهم.
стр. 1196
وقوله:
ولكنني مما ذهلت متيم ... كسالٍ وقلبي بائح مثل كاتم
يقول: ما علمت بما بي بين تلك المعالم, ولكنني مما ذهلت - أي مما تغير عقلي - ظللت كأنني سالٍ؛ وأنا متيم. وقلبي بائح مثل كاتم؛ أي: لم أدر بما كنت فيه. وشدهت قريبة من معنى ذهلت؛ إلا أن أكثر ما تستعمل الشده فيما لم يسم فاعله.
وقوله:
وقفنا كأنا كل وجد قلوبنا ... تمكن من أذوادنا في القوائم
الأذواد: جمع ذودٍ, وقد استعمل الأذواد للإبل المركوبة وإنما يستعمل الذود للإبل الراعية, وهذا جائز على الاستعارة؛ لأن الأذواد يجوز أن تذلل فتصير عيرًا تحمل ميرةً, أو مطايا يسافر عليها الركبان. يقول: كأن وجد قلوبنا تمكن من قوائم مطايانا فهي لا تقدر على البراج.
وقوله:
ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت استشفي بلثم المناسم
يقول: دسنا بأخفاف المطي تراب هذه المعالم؛ فلازلت أستشتفي الله سبحانه بأن ألثم مناسم هذه المطي أرجو البرء والخلاص مما أنا فيه.
وقوله:
ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
يقول: هذه المعالم ديار اللواتي دارهن عزيزة, وتحفظ بالطولى من القنا لا بالتمائم؛ لأن بعض الناس يعلق على الأطفال التمائم خشية العين والجن فيما يزعمون. قال ابن ميادة أو غيره: [الطويل]
أحب بلاد الله ما بين منعجٍ ... إلي وبصرى أنيصوب سحابها
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
стр. 1197
وقوله:
حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهن النواعم
هذه مبالغة يخرج بها المعنى إلى الإحالة, ولو أن غانيةً ينقش الوشي في جسدها مثله لم يكن للرجال فيها غرض؛ لأنها خارجة عن حال الآدميات. وقد وصفت الشعراء في القديم النعمة ولم تبالغ هذه المبالغة. قال امرؤ القيس: [الطويل]
من الخفرات البيض لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا
وقال حسان: [الخفيف]
لو يدب الحولي من ولد الذ ... ر عليها لأندبتها الكلوم
والذر والنمل لهما قرص ليس للوشي.
وقوله:
ويبسمن عن غر تقلدن مثلها ... كأن التراقي وشحت بالمباسم
الغر: جمع أغر وغراء؛ وإنما عدل إلى الغر عن الدر لأن الدرة ربما كانت عظيمة فلان يحسن أن تشبه بها السن (١٩٦/أ) , وسكن ياء التراقي للضرورة وقد كرر مثل لك. وواحد التراقي: ترقوة, وقالوا في جمعها: ترائق قلبوها عن التراقي, وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]
هم زودنوني يوم قو حرارةً ... خلال الحشى تجول بين الترائق
وقوله:
فما لي وللدنيا طلابي نجومها ... ومسعاي منها في شدوق الأراقم
طلابي مبتدأ, ونجومها خبره, والمعنى: الذي أطلب نجومها فأقام المصدر مقام المفعول, فكأنه قال: مطلوبي نجومها, ولو نصب نجومها لجاز كما تقول: ضربي فلانًا, وهذا مثل قولهم: رأي عيني فلانًا يفعل كذا. قال الراجز: [الرجز]
стр. 1198
ورأي عيني الفتى أخاكا ... يعطي الجزيل فعليك ذاكا
فيكون المعنى مؤديًا قوله: رأت عيناي أخاك, ويجوز أن يكون خبر رأى مضمرًا؛ كأنه قال: رأي عيني كائن أو واقع, ويجوز أن يكون طلابي بدلًا من الياء في «لي» فينصب نجومها لا غير. يقول: ما لي وللدنيا أطلب فيها معالي الأمور ومسعاي في شدوق الأراقم؛ أي في مواضع الهلكة التي لا تؤدي إلى فائدة.
وقوله:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
قد وصفت الشعراء إفراط الحلم وأنه ليس بمحمود. قال الجعدي: [الطويل]
ولا خير في حلمٍ إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
وقال الأفوه: [الرمل]
يحلم الجاهل في السلم ولا ... يقر الحلم إذا ما القوم غاروا
ورثي الأحنف بن قيس وقد قاتل يومًا قتالًا شديدًا؛ فقيل: أين الحلم يا أبا بحر؟ فقال: عند الحبى؛ أي إن القوم إذا جلسوا في مجالسهم, وشدوا حباهم فذلك الوقت الذي يحمد فيه الحلم.
وقوله:
وأن ترد الماء الذي شطره دم ... فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحم
عطف قوله: وأن ترد الماء على قوله: أن تستعمل, وحث على ورد الماء الذي شطره دم؛ أي نصفه, وأشار بالزحام على الورد إذا لم يسق المزاحمون؛ وقد وصفت الشعراء أنفسها بمسامحة الشريب في الماء. قال الشاعر وذكر الإبل: [البسيط]
стр. 1199
ولا تسفه حول الماء عطشتها ... أحلامنا وشريب السوء يحتدم
أي يشتعل غيظه كما تشتعل النار. وكان الضعاف منهم والنساء اللواتي لا رجال لهن يرشون الساقي ليسقي لهن. قال الشاعر: [الطويل]
سيكفيك سقيًا رجل ظبيءٍ وعلبة ... تمطت بها مصلوبة لم تحارد
مصلوبة: أي ناقة سمتها صليب. وتحارد: أي يقل لبنها.
وقوله:
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى رمحه غير راحم
فليس بمرحومٍ إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثم
هذان البيتان فيهما حث على سفك الدم وقلة الرحمة, وأحسن القائل على الإحسان في قوله: [البسيط]
الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد
ويجوز أن يغفر للحطيئة بقوله: [البسيط]
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وقوله:
إذا صلت لم أترك مصالًا لفاتكٍ ... وإن قلت لم أترك مقالًا لعالم
وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
стр. 1200
ادعى أمرين عظيمين: أنه إذا صال لم يترك مصالًا لفاتكٍ من الناس, وإن قال لم يترك اللعالم مقالًا, ثم أتبع بقوله: وإلا فخانتني القوافي؛ أي إلا أكن كذلك فخانتني القوافي التي هي لي وافية. دعا على نفسه أن تخونه إن كان كذب فيما زعم
وقوله:
عن المقنتي بذل التلاد تلاده ... ومجتنب البخل اجتناب المحارم
المقنتي: المفتعل من اقتنى الشيء إذا جعله قنيةً وقنيةً, ونصب تلاده لأنه جعل الاقتناء مؤديًا تصيير الشيء فكأنه قال: إلى الجاعل بذل التلاد تلادًا له؛ أي يهب ماله التلاد ويجعل بذله تلادًا له.
وقوله:
تمنى أعاديه محل عفاته ... وتحسد كفيه ثقال الغمائم
يقول: عداة هذا الممدوح يتمنون محل عفاته؛ أي سؤاله؛ أي إنهم إذا حلوا محل العفاة أمنوا من بأسه وصار إليهم من العطاء ما لا يصل إليهم بالحرب, وهذا نحو من قوله: [الطويل]
ينام لديك الرسل أمنًا وغبطةً ... وأجفان رب الرسل ليس تنام
وادعى أن ثقال الغمائم تحسد كفيه, وإنما يدعي أن عطاءه أكثر من عطائها؛ فكأنها تحسده لعجزها عن ذلك, والحسد لا يكون في الغمائم.
وقوله: (١٩٦/ب)
وذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناجٍ ولا الوحش المثار بسالم
يصف جيشًا بالعظم؛ يقول: إذا طار ذو الجناح أمامه فليس بناجٍ لأن الرماة كثيرة في الجيش, وإن ثار وحش أدرك فأخذ.
وقوله:
تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم
يعني أن الجيش قد ارتفع غباره فالشمس لا تصل إليه إلا أن تدخله من بين ريش الطير التي تتبعه لتصيب من لحم القتلى.
وقوله:
стр. 1201
إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجةً ... تدور فوق البيض مثل الدراهم.
هذا نحو قوله في الأخرى: [الوافر]
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرًا تفر من البنان
وقوله:
ويخفى عليك الرعد والبرق فوقه ... من اللمع في حافاته والهماهم
هذا معنى غريب لأنه زعم أن السماء إذا رعدت أو برقت أخفى لمع هذا الجيش برقها وغلبت هماهمه رعدها. والهماهم: جمع همهمةٍ وهو صوت يرتدد في الصدر ولا يفهم.
قال الراجز: [الرجز]
إنك لو شاهدتنا بالخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه
وأدركتنا ابالسيوف المسلمه ... لأهم نئيت خلفنا وهمهمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
وقوله:
وطعن غطاريفٍ كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصم
هذا معنى في نهاية اللطف والحسن, وقد سلمه من الكذب دخول التشبيه, ولولا ذلك لكان كذبًا. ولبعض شعراء المغرب الذين جاؤوا بعد أبي الطيب بيت يشاكل معناه هذا المعنى ولا تشبيه فيه فهو كذب محض, وذلك قوله: [الطويل]
وعلمتموه الضرب قبل فطامه ... ففي فمه ثدي وفي كفه نصل
[وقوله: ]
стр. 1202
حمته على الأعداء من كل جانبٍ ... سيوف بني طفج بن جف القماقم
طفج: اسم أعجمي, وقد استعملته الشعراء المحدثون بتشديد الجيم وتخفيفها, يقولون: طفج وطفج, وقد مضى القول في أن العرب تجترئ على تغيير الكلام الأعجمي, وليس في العربية «الطغج» فيكون اشتقاقه موافقًا لطغج. فأما جف فأعجمي إلا أنه وافق من كلام العرب ما اشتق من الجيم والفاء المشددة نحو: جف يجف ونحوه.
وقوله:
هم المحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منه كرهم في المكارم
الكر: رجوع بعد انصراف, فيقال للرجل إذا لقي القوم في الحرب ولم يكن لقيهم قبل ذلك: حمل عليهم, فإذا انصرف ثم رجع قيل: كر, ولذلك قال امرؤ القيس: [الطويل]
مكر مفر مقبلٍ مدبرٍ معًا ... كجلمود صخرٍ حطه السيل من عل
وقال عامر بن الطفيل: [الطويل]
أكر عليهم دعلجًا ولبانه ... إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمما
استحسن الشاعر كرهم في الحرب وفضل عليه في الحسن كرهم في المكارم.
وقوله:
حييون إلا أنهم في نزالهم ... أقل حياءً من شغار الصوارم
هذا لفظ يستحسن في صناعة النظم وليس له صحة في الحقيقة؛ وإنما يقال: هذا أفعل من هذا إذا فضل أحد الشيئين على الآخر, وفي كل واحد منهما شيء من تلك الفضيلة, فإذا قلت: زيد أكرم من عمرو فقد فضلت زيدًا ولم تخل عمرًا من الكرم. وقوله: أقل حياءً قد حكم على أن في السيوف حياءً إلا أنه قليل, والسيف لا يوصف بهذه الصفة إلا أنه سائغ في الشعر.
وقوله:
سرى النوم عني في سراي إلى الذي ... صنائعه تسري إلى كل نائم
стр. 1203
يقول: إن النوم سرى عني لأني سهرت في سراي إلى هذا الممدوح الذي صنائعه سارية إلى كل نائم.
وقوله:
وفارقت شر الأرض أهلًا وتربةً ... بها علوي جده غير هاشم
الأجود أن تكون الهاء في بها راجعةً إلى تربةٍ, وتكون الجملة في موضع نعتٍ لها. وقوله: بها علوي أقر له بالعلوية, ثم نفاه عن هاشمٍ أن هذا المذكور ينتسب إلى علي بدعواه, وليس هو من ولده. وهاشم بن عبد مناف واسمه عمرو, يقال إنه سمي هاشمًا لأن قومه أصابهم جدب فهشم لهم الثريد. وأصل الهشم أن يكون في الشيء اليابس مثل قولهم: هشم الشجرة؛ إلا أن الشاعر استعمله في الثريد, وهذا الشعر ينسب إلى عبدالله بن الزبعرى, وهو: [الكامل]
كانت قريش بيضةً فتفلقت ... فالمخ خالصه لعبد مناف
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
وقوله:
بلى الله حساد الأمير بحلمه ... وأجلسه منهم مكان العمائم
هذا البيت إن لم يوصل بما بعده احتمل أن يكون إخبارًا أو دعاءً؛ وكونه إخبارًا أبلغ في المدح؛ لأنه يخبر بشيء قد وقع وكان. (١٩٧/أ) والدعاء بالشيء يدل على أنه لم يكن بعد, ومما يدل على أنه دعاء مجيء الفاء في قوله:
فإن لهم في سرعة الموت راحةً ... وإن لهم في العيش حز الغلاصم
стр. 1204
ولو أنه بالواو لكان ذلك دليلًا على أن في البيت دعوةً على الأعداء. وحز الغلاصم عبارة عن الموت؛ لأن الغلصمة إذا حزت فلا حياة. ويقال إن الفرزدق سمع بعض الشعراء ينشد: [الطويل]
وما بين من لم يعط سمعًا وطاعةً ... وبين تميمٍ غير حز الغلاصم
فقال له: لتتركنه لي أو لتتركن عرضك, فقال: خذه لا بارك الله لك فيه. وهذا البيت موجود في شعر الفرزدق, وسبحان من يعلم حقائق الأمور.
وقوله:
كأنك ما جاودت من بان جوده ... عليك ولا قاتلت من لم تقاوم
يقول: إذا هم الإنسان بأمر ولم يفعله فكأنه لم يهمم به, وإذا اجتهد في طلب شيءٍ ولم يدركه فكأنه ما طلبه. وهذا البيت مخاطبة لسامعٍ غير الممدوح. يقول: كأنك يا إنسان إذا جاودت غيرك فغلبك في الجود لم تجاوده, وإذا قاتلت من لم تقاومه فكأنك لم تقاتله. وقافيتها من المتدارك.
ومن بيتين أولهما
أعن إذني تهب الريح رهوًا ... ويسري كلما شئت الغمام
وزنهما من الوافر الأول.
الرهو: الساكن؛ يقال: هبت الريح هبوبًا رهوًا, ومشت المراة مشيًا رهوًا؛ أي على رسل. وفي الكتاب العزيز: ﴿واترك البحر رهوًا﴾ قيل: ساكنًا, وقيل: مفترقًا, وحكي: رها الرجل ما بين رجليه إذا فرقهما, وقال القطامي: [البسيط]
стр. 1205
يمشين رهوًا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل
وهذا من الشاعر استفهام على معنى الإنكار, كما تقول للرجل إذا أنكرت عليه جلوسه في موضع: أأنت هاهنا جالس؛ أي لا يحق لك أن تجلس. وإنما أراد أن الريح لا تهب عن إذنه, وأن الغمام لا يسري كما أراد, وكأن هذا المعنى مبني على مدح جليس أو رئيسٍ حضر عنده ففعل معه أفعالًا تشبه هبوب الريح رهوًا, وسرى الغمام كلما شاء؛ ويدلك على ذلك مجيئه في البيت الثاني بقوله:
ولكن الغمام له طباع ... تبجسه بها وكذا الكرام
التبجس: تفتح الغمام بالمطر كأنه قال: ما الريح هابة عن إذني رهوًا ولا الغمام ساريًا كلما شئت, ولكن المذكور قد فعل معي أفعالًا أوهمتني الذي وصفت. وقافيتهما من المتواتر.
ومن بيتين أولهما
حييت من قسمٍ وأفدي المقسما ... أمسى الأنام له مجلا معظما
وزنهما من الكامل الأول.
والمعنى: أن رجلًا أقسم عليه ليشربن الخمر, والهاء في «له» يجوز أن تكون عائدة على المقسم, فإذا كانت كذلك فقوله: أمسى الأنام له مجلا معظماً: جملة في موضع الحال من المقسم, وإن عادت على القسم فالجملة في موضع خفضٍ وهي صفة لقسمٍ.
وقوله:
وإذا طلبت رضى الأمير لشربها ... وشربتها فلقد تركت الأحرما
الهاء في شربها عائدة على الخمر ولم يجر لها ذكر؛ لأن الغرض معلوم عند السامع. وزعم أن الخمر محرمة, وأن خلاف الآمر له بشربها حرام, فإذا أرضاه بشربه الخمر فقد ترك الشيء الذي هو أحرم من الراح؛ يعني خلاف الآمر بالشرب. وقافيتهما من المتدارك.
стр. 1206
ومن بيتين أولهما
غير مستنكرٍ لك الإقدام ... فلمن ذا الحديث والإعلام
وزنهما من الخفيف الأول.
يقول: إن إقدامك غير مستنكر, وقد علمه الناس كعلمك فحديثك عنه لا حاجة لنا فيه لأنا قد علمناه.
وقوله:
قد علمنا من قبل أنك من لا ... يمنع الليل همه والغمام
يقول: شهر في الناس أنك لا يمنعك مما هممت به ليل ولا غمام يسح. وقافيتهما من المتواتر.
ومن التي أولها
لا افتخار إلا لمن لا يضام ... مدركٍ أو محاربٍ لا ينام
الوزن من الخفيف الأول.
قوله:
ليس عزمًا ما مرض المرء فيه ... ليس همًا ما عاق عنه الظلام
استعملوا العزم في الأمور بمعنى القطع فقالوا: عزمت الشيء وعزمت عليه, وقد عزم الأمر نفسه إذا وقع كأنه قطع, غير الوقوع. قال النابغة: [البسيط]
حياك ود فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما
أي: قد قطع عما أردت. وقال آخر: [الوافر]
عزمت على إقامة ذي صباحٍ ... لأمرٍ ما يسود من يسود
стр. 1207
وفي الكتاب العزيز: ﴿فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم﴾ (١٩٧/ب) يقول: ليس عزمًا أمر يمرض فيه العازم. والتمريض في الأمر: التقصير فيه, وهو مأخوذ من مرض الإنسان لأن المرض يضعفه. ويقال: ريح مريضة أي ضعيفة.
وقوله: ليس همًا ما عاق عنه الظلام؛ أي إن الظلام إذا عاق الهام عما يهم به فليس همه بهم, وإنما الهم ما يحمل الإنسان على ركوب الأهوال. والهم هاهنا: الهمة.
وقوله:
واحتمال الأذى ورؤية جانيـ ... ـه غذاء تضوى به الأجسام
يقال: ضوى الجسم ضوًى إذا صغر. وفي كلامهم القديم: «استغربوا لا تضووا». يقول: تزوجوا الغرائب من النساء لئلا تضوى أولادكم, أي تصغر جسومهم. قال ذو الرمة: [الطويل]
أخوها أباها والضوى لا يمسها ... وساق أبيها أمها عقرت عقرا
يصف النار. يريد أن أباها وأمها من شجرة واحدةٍ - يعني الزندين اللذين يقدح بهما - أي متقاربة الأبوين وليس يمسها ضوى؛ لذلك قال الراجز: [الرجز]
أنذر من كان صغير الهم ... في الناس تزويج بنات العم
ليس بناجٍ من ضوى وسقم ... يومًا وإن أطعمته لا ينمي
يقول: رؤية من يشق عليك النظر إليه غذاء يضوي الجسم, وشأن الأغذية أن تربي الأجسام.
وقوله:
ذل من يغبط الذليل بعيشٍ ... رب عيشٍ أخف منه الحمام
стр. 1208
قوله: ذل من يغبط الذيل: يحتمل أن يكون إخبارًا أو دعاءً. وقوله: رب عيشٍ أخف منه الحمام: رب تدل على القلة, والعيش الذي أخف منه الحمام كثير جدًا؛ إلا أنه - على ثقله - لا يختار فراقه من هو فيه.
وقوله:
كل حلمٍ أتى بغير اقتدارٍ ... حجة لاجيء إليها اللئام
يقول: ليس حلم الإنسان مما يحمد عليه إلا أن يكون حلم عن مقدرة, وإلا فحلمه ذل, وإنما يحتج بذلك لئام الناس.
وقوله:
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرحٍ بميتٍ إيلام
يقول: من يهن فالهوان عليه سهل؛ مثال ذلك أن الرجل الهين يهون عليه أن يستخدم في عمل التراب وغيره. ثم ذكر أن الميت قد فارق الحياة وصار من أهون الأشياء, فهو لا يحس بالجرح ولا غيره من الحوادث.
وقوله:
واقفًا تحت أخمصي قدر نفسي ... واقفًا تحت أخمصي الأنام
وصف نفسه بالرفعة والعلو, وأنه مع ذلك واقف تحت أخمصي قدر نفسه وأن الأنام وقوف تحت أخمصيه.
وقوله:
أقرارًا ألذ فوق شرارٍ ... ومرامًا أبقي وظلمي يرام
يقول: كيف أقر وتحتي شرار يحرق, وكيف أبقي مرامًا وغيري يريد ظلمي؟ .
وقوله:
دون أن يشرف الحجاز ونجد ... والعراقان بالقنا والشام
الشام: أصله الهمز, وهو في هذه القافية لا يجوز همزه, قال الراجحز في همزه: [الرجز]
لا تقربن الشأم إن الشأما ... كان لدراء العراق وخما
стр. 1209
وإنما همزة لأنه مأخوذ من اليد الشؤمى أي الشمال, وذلك أن الرجل إذا وقف بمكة ونحوها واستقبل مطلع الشمس كان الشام عن شماله واليمن عن يمينه. وقالوا في النسب: رجل شآمٍ؛ فحذفوا الياء وكسروا الميم في الرفع والخفض, وقالوا في النصب: رأيت شآميًا, ويجوز في النسب إليه: شأمي على وزن فعلي, وشامي بغير همز إلا أن الياء مشددة. فأما قول الناس: الشآم على مثال الشغام؛ فذلك ردئ جداً, وقد استعمله حبيب بن أوس والوليد بن عبيد, وقد جاء في بعض الشعر القديم. قال رجل من طيئ: [الطويل]
أتتنا قريش قضها بقضيضها ... وأهل الشآم والحجاز توجف
أي كل ما تقدر عليه.
وقوله:
شرق الجو بالغبار إذا سا ... ر علي بن أحمد القمقام
هذا الكلام متعلق بما قبله. يقول: أأبقي مرامًا وظلمي يرام دون أن يشرق الحجاز ونجد؟ ! أي إني يجب علي أن أجر الجيوش ومعهم القنا حتى يشرق به الحجاز ونجد وغيرها من البلاد مثل شرق الجو بالغبار إذا سار هذا الممدوح.
وقوله:
الأديب المهذب الأصيد الضر ... ب الذكي الجعد السري الهمام
(١٩٨/أ) يقال: رجل ضرب إذا كان خفيف اللحم. قال طرفة: [الطويل]
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد
والجعد: يجوز أن يعني جعودة الشعر؛ لأنه إن أراد به جعودة الجسم فهو ضد الضرب؛ لأن الجعل ضد السبط.
وقوله:
يتداوى من كثرة المال بالإقـ ... ـلال جودًا كأن مالًا سقام
стр. 1210
يتداوى: يتفاعل من الدواء, والهمزة في الدواء مقلوبة عن ياء لأنهم يقولون: داويت المريض. والهمزة في الدواء أصلية لأن أصله دواء وجمعه أدواء. زعم أن الممدوح يتداوى بفرط جوده من كثرة المال بالإقلال حتى كأن المال سقم.
وقوله:
حسن في عيون أعدائه أقـ ... ـبح من ضيفه رأته السوام
حسن: متعلق بالبيت الأول, والمعنى يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون وصفه بالحسن وهو في عيون أعدائه أقبح من ضيفه في عيون سوامه - أي إبله - لأنه ينحرها له, والعرب تصف ذعر الإبل من النحر وتدعي أنها تكره نزوله. قال الشاعر وذكر ضيفًا: [الطويل]
حبيب إلى كلب الكريم مناخه ... بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر
وقال أعشى باهلة, ووصف فزع الإبل ممن يعقرها: [البسيط]
وتفزع الإبل منه حين تبصره ... حتى تقطع في أعناقها الجرر
وهذا المعنى نحو من قوله في الأخرى: [الطويل]
فما شعروا حتى رأوها مغيرةً ... قباحًا وأما خلقها فجميل
والآخر من المعنيين: أن أعداءه يرونه حسن الصورة قبيح الفعل؛ فهم في هذا الوجه يرونه حسنًا قبيحًا, وفي الوجه الأول يرونه قبيحًا لا غير.
وقوله:
لو حمى سيدًا من الموت حامٍ ... لحماك الإجلال والإعظام
وعوارٍ لوامع دينها الحـ ... ـل ولكن زيها الإحرام
يقول: لو حمى سيدًا من الموت شيء لحمتك جلالتك وعزك. وعوارٍ لوامع هي سيوف
стр. 1211
تسل دينها الحل؛ أي إنها لا تقتل إلا من يجب قتله, ولكن زيها زي المحرم لأنها تقر في الغمود, فهي عارية.
وقوله:
كتبت في صحائف المجد بسم ... ثم قيس وبعد قيس السلام
جعل الباء هاهنا مع اسم بمنزلة الكلمة الواحدة الثلاثية نحو رجلٍ وجذعٍ, ولعل هذه الكلمة ما استعملت على هذه السجية إلا في البيت, لأنه جعل الباء مع اسم بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ وأدخل عليها التنوين.
ولو أنها: بسم الله لحسن أن تحكى على ما هي عليه, فيقال: كتبت في صحائف المجد بسم الله, فأما قول القائل: [الخفيف]
أن لوًا وإنليتًا عناء
فليس من هذا الجنس لأنه أخرج «لو» من بابها وجعلها كلمةً معربةً, ولا من نحو قولهم: مررت ببرق نحره؛ لأن الجمل إذا سمي بها فهي محكية في النصب والرفع والخفض.
وقوله:
إنما مرة بن عوف بن سعدٍ ... جمرات لا تشتهيها النعام
قد شاع بين العامة أن النعام يلتهم الجمر, فحمل أبو الطيب كلامه على ذلك, وقال: مرة ابن عوف بن سعد جمرات لا تشتهيها النعام؛ أي هي جمرات عظيمة.
وفي العرب قبائل تعرف بالجمرات, وإنما سميت بذلك لشدة بأسها. روي عن أبي عبيدة أن جمرات العرب ثلاث: الحارث بن كعب, وبنو عبسٍ, وبنو نمير. وقال مرة أخرى:
стр. 1212
ضبة بن أد, فقيل له: إنك قلت: نمير؛ فقال: ضبة بن أد أشبه من نميرٍ. وقال: طفئت جمرتان وبقيت جمرة. طفئت جمرة بني عبس لحالفتهم بني عامر يوم جبلة, وطفئت جمرة الحارث بن كعب لمحالفتهم بني نهدٍ. وقيل: طفئت جمرة بني نمير, قال: ومن أطفأها؟ قيل: بغا؛ فضحك.
وقوله:
ليلها صبحها من النار والإصـ ... ـباح ليل من الدخان تمام
ليلها صبحها من النار: يعني أنهم يوقدون النيران بالليل لقرى الضيفان؛ فالليل قد صار كأنه صبح لزوال الظلام. والعرب تفتخر بإيقاد النار, ويخصون بذلك المواضع العالية؛ لأن النار إذا كانت بالموضع المرتفع كان ذلك أشهر لها. قال الأنصاري: [الوافر]
وترفع باليفاع الليل ناري ... تشب إذا يحس لها خبوت
وقال حاتم: [الطويل]
ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزلٍ - إذا أوقدت - لا بضرام
وقوله: الإصباح ليل من الدخان تمام يحتمل وجهين:
أحدهما: أنهم يوقدون النار بالنهار؛ إلا أنه يخفى ضوؤها لأن قراهم لا ينقطع في ليل ونهار؛ فدخان النار يستر ضياء الشمس.
والآخر: أنهم يغيرون في النهار ويحاربون فيزول نور النهار لأجل الغبار. وقد جعل أبو الطيب الغبار دخانًا في قوله: [الطويل]
وما كان إلا النار في كل موضعٍ ... يثير غبارًا في مكان دخان
стр. 1213
وقوله:
ونفوس إذا انبرت لقتالٍ ... نفدت قبل ينفد الإقدام
زعم أن نفوسهم لا تفرق من الموت, وأنها إذا انبرت لقتال أنفدتها الحرب واإقدامها لم ينفد.
وقوله:
وقلوب موطنات على الروع ... كأن اقتحامها استسلام
الاقتحام: الدخول على الشيء (١٩٨/ب) والتهجم عليه؛ يقال: قحم فلان نفسه في الهلكة. كأن اقتحامها استسلام: يجب أن يكون الاستسلام هاهنا الطلب للسلم, كما يقال: استخرج فلان المال أي طلب خروجه, واستنقذ فلانًا من الأمر إذا طلب استنقاذه. والعامة يقولون: استسلم فلان إذا سلم أمره إلى الله, ولم يجد حيلةً إلى الخلاص, وهذا المعنى لا يحتمله هذا البيت.
وقوله:
قائدو كل شطبةٍ وحصانٍ ... قد براها الإسراج والإلجام
الشطبة: الفرس السبطة العظام القليلة اللحم. قال عبد يغوث الحارث: [الطويل]
ولو شئت نجتني من الموت شطبة ... ترى خلفها الجرد العتاق متاليا
ويقال: غلام شطب إذا وصف بخفة اللحم. قال الراجز: [الرجز]
ترى مع القوم الغلام الشطبا ... إذا أحس وجعًا أو كربا
دنا فما يزداد إلا قربا
ومن هذا المعنى قيل لقطع السنام المستطيلة: شطائب.
стр. 1214
وقوله:
يتعثرن بالرؤوس كما مر ... بتاءات نطقه التمتام
يقول: هذه الجياد يتعثرن برؤوس القتلى فمنعهن ذلك من العدو منعًا غير شديد, وإنما هو كتردد التمتام في التاء إذا حاول بها النطق. ونحو قولهم: تمتام قولهم للذي يتردد بالفاء: فأفاء. قال الشاعر: [الطويل]
يقولون فأفاء فلا تنكحنه ... ولست بفأفاءٍ ولا بجبان
وقوله:
طال غشيانك الكرائه حتى ... قال فيك الذي أقول الحسام
الكرائه: جمع كريهةٍ, وهو ما يكره من لقاء الحروب: فعيلة في معنى مفعولة. وادعى أن الحسام يقول للممدوح كما يقول له الشاعر.
وقوله:
وكفتك الصفائح الناس حتى ... قد كفتك الصفائح الأقلام
الصفائح: جمع صفيحة, وهي السيف العريض الصفح, وإذا عرض الحجر أو غيره من الحديد فهو صفيحة. قال الشاعر: [الكامل]
إن الذي بين الصفائح والصفا ... في أرض مرو على الطريق الرائح
وصفحة الوجه: عرضه, والمراد به الخد. يقول: كفتك السيوف أمور الناس وعظمت
стр. 1215
هيبتك فأغنتك أقلامك عن سيوفك. واختار الصفائح دون غيرها من أسماء السيوف, نحو: القواضب والبواتر والقواطع؛ لأنه أراد أن يجيء بضد الأقلام إذ كانت لا عرض لها وإنما هي دقاق.
وقوله:
وكفتك التجارب الفكر حتى ... قد كفاك التجارب الإلهام
يقول: كفاك التجارب أن تفكر لأنك قد عرفت الأشياء, فإذا ورد عليك مشكل لم تحتج أن تفكر فيه؛ لأنك تقيسه على سواه. ثم ارتقت بك الفطنة إلى أن صار الله سبحانه يلهمك فعل الخير, والتحرج من الخطوب.
والإلهام: مأخوذ من قولهم: لهم الإنسان الشيء إذا بلعه, والله جلت عظمته كأنه يلقي التوفيق بصدره.
وقوله:
فارس يشتري برازك للفخـ ... ـر بقتلٍ معجلٍ لا يلام
يقول: برازك فخر عظيم يفتخر به مبارزك, فالذي يشتريه بالقتل لا يلام فيما صنع؛ لأنه يبني له مجدًا باقيًا, والعرب تفتخر بأنهم يقتلون. قال زهير: [الطويل]
وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديمًا من مناياهم القتل
وقوله:
نائل منك نظرةً ساقه الفقـ ... ـر عليه لفقره إنعام
يقول: إن الرجل إذا كان فقيرًا فجاء يطلب نائلك فنال نظرةً إليك, فذاك إنعام لفقره عليه.
وقوله:
قد لعمري أقصرت عنك وللوفـ ... ـد ازدحام وللعطايا ازدحام
خفت إن صرت في يمينك أن يأ ... خذني في هباتك الأقوام
هذا معنى لم يعلم أن أبا الطيب سبق إليه؛ لأنه احتج لتأخره عنه بطلاب الأعطية يزدحمون لديه؛ لأنه خشي أن يؤخذ في الهبات, وهذه مبالغة لم يأت بمثلها سواه.
стр. 1216
وقوله:
ومن الرشد لم أزرك على القر ... ب على البعد يعرف الإلمام
هذا الكلام فيه تقديم وتأخير, وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد: ولم أزرك من رشدي على القرب؛ أي (١٩٩/أ) إني أرشدت إلى تأخير الزياة؛ لأن الزائر على البعد يجب له من الحق ما لا يجب للزائر مع قرب الدار.
والإلمام: زيارة ليست بالدائمة, والمثل السائر: «زر غبا تزدد حبا». والإلمام بالشيء أن يفعل فعلًا غير المتصل. قال الراجز: [الرجز]
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبدٍ لك لا ألما
وقوله:
ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام
يقول: بطء سيبك عني خير؛ لأن السحاب إذا كثر ماؤه بطؤ مسيره, وإذا أراق ماءه وصف بسرعة السير. قال النابغة: [الوافر]
وأصبح في مداهن بارداتٍ ... بمنطلق الجنوب مع الجهام
وقوله:
قل فكم من جواهرٍ بنظامٍ ... ودها أنها بفيك كلام
ادعى أن الجواهر المنظومة تود أنها كلام في فم الممدوح. وهذا المذهب يستحسن في رأي الشعراء, وقد علم أنه لا يكون؛ لأن الجواهر غير وادةٍ شيئًا من الأشياء.
стр. 1217
وقوله:
هابك الليل والنهار فلو تنـ ... ـهاهما لم تجز بك الأيام
يرحم الله أبا الطيب فقد اجتهد بقيل الباطل ورضي على ذلك بعطاءٍ زهيد؛ ولو أن هذا البيت في صفة الله - عز سلطانه - لجاز أن ينال به رضوان الله.
وقوله:
لم لا تحذر العواقب في غيـ ... ـر الدنايا أو ما عليك حرام
يقول: أنت لا تحذر العواقب إلا في أمر دني تهاب أن تفعله. وقوله: أو ما عليك حرام؛ فإذا رفع عليك حرام فحرام خبر هو المحذوفة, ولو كانت القافية مخفوضةً لجاز أن يخفض حرام وتجعل «ما» نكرةً, ويكون التقدير: في غير الدنايا أو شيءٍ عليك حرام. وإذا رفع حرام جاز أن تكون «ما» معرفةً ونكرةً.
وقوله:
إن بعضًا من القريض هذاء ... ليس شيئًا وبعضه أحكام
منه ما تجلب البراعة والفضـ ... ـل ومنه ما يجلب البرسام
القريض: الشعر, أخذ من قرض الشيء؛ أي: قطعه؛ كأن الإنسان يقرضه من فكره أو من كلامه. وقد ميز الأغلب الراجز الرجز من القريض: [الرجز]
أرجزًا تريد أم قريضا ... أم هكذا بينهما تعريضا
كليهما أجد مستفيضا
وقال قوم: إنما قيل للشعر قريض تشبيهًا بجرة البعير؛ لأنه يخرجها من جوفه, ومن أمثالهم: «حال الجريض دون القريض». ويقال: إن أول من قال ذلك عبيد بن الأبرص
стр. 1218
لأن بعض ملوك الحيرة - ويزعمون أنه عمرو بن هند - كان له يومان: يوم بؤسٍ ويوم أنعمٍ؛ فإذا كان يوم بؤسه فلقيه رجل قتله, وإذا كان يوم أنعمه فلقيه رجل أنعم عليه, فلقيه عبيد في يوم بؤسه فقال له أنشدني قولك: [مخلع البسيط]
أقفر من أهله ملحوب
فقال عبيد: «حال الجريض دون القريض»؛ يعني الغصص. وقيل: كان لبعض العرب ولد يحب قول الشعر وينهاه أبوه عنه, فمرض ولده وأشرف على الموت, فجاءه أبوه وقال له: إني كنت أنهاك عن الشعر وقد أذنت لك فيه؛ فقال الغلام: «حال الجريض دون القريض».
وقد وصف طرفة حال عمرو بن هند فيما كان يفعل فقال: [الوافر]
ليت لنا مكان المرء عمرو ... رغوثًا حول قبتنا تخور
من الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنة درور
قسمت الدهر والأيام فينا ... كذاك الحكم يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نطير
من كسر تاء البائسات نصبها على الترحم؛ كأنه قال: ارحم البائسات, ونحو ذلك. والبراعة تستعمل في الكلام, وفي الشجاعة, يقال: إن فلانًا بارع. قال الراجز: [الرجز]
أين دريد وهو ذو براعه ... تعدو به سلهبة سراعه
ويقال: برسام وبلسام وجرسام. وقال امرؤ القيس: [الكامل]
стр. 1219
وكأن شاربها أصاب لسانه ... خبل مخالطه من البرسام
وقافيتها من المتواتر.
ومن أبيات أولها
ما نقلت في مشيئةٍ قدما ... ولا اشتكت من دوارها ألما
الوزن من أول المنسرح.
والأبيات في صفة لعبةٍ. والمشيئة من قولهم: شئت الشيء أشاؤه إذا أردته, وهو من قولهم: كان هذا الأمر بمشيئة الله أي بإرادته. وكان القياس أن يقال: المشاءة لأن الفعل: (١٩٩/ب) شئت أشاء فكان حق المصدر أن يجيء على مفعلةٍ, مثل قولهم: هبت الشيء مهابةً, وعبته معابةً. فإذا كانت المشيئة مصدرًا فهي شاذة عن القياس, وإن كانت في معنى مفعولة فقياسها مستمر؛ لأنك تقول: شئت الحاجة فهي مشيوءة, ثم تحذف فتقول: مشيئة كما تقول: بعت البضاعة فهي مبيعة, والأصل: مبيوعة. والمحذوف من المشيئة والمبيعة: الواو على رأي الخليل وسيبويه, والياء على رأي أبي الحسن سعيد بن مسعدة. ومعنى البيت: أن هذه اللعبة بيست تشاء والياء على رأي أبي الحسن سعيد بن مسعدة. ومعنى اليت: أن هذه اللعبة ليست تشاء شيئًا فهي تنقل قدمها فيه, ولا اشتكت ألمًا من ثكرة دوارٍ لأنها لا تحس؛ وإنما يديرها سواها.
وقوله:
ولا تلمها على تواقعها ... أطربها أن رأتك مبتسما
هذا البيت مناقض للبيت الأول لأنه وصفها بأنها لا تشاء ولا تحس بألم, ثم جعلها في الأخير تطرب لابتسام الممدوح؛ وليس ذلك بعيب في صناعة الشعر؛ لأنه مبني على قول الكذب والمحال. والقافية من المتراكب.
стр. 1220
ومن التي أولها
أحق عافٍ بدمعك الهمم ... أحدث شيء عهدًا بها القدم
الوزن من المنسرح. وعافٍ في البيت من قولهم: عفا الربع إذا اندرس, وكذلك عفا غيره. يقول: أحق عافٍ أن تبكي عليه همم الكرام؛ لأنها عفت كما تعفو الربوع؛ فهي أحق بدمعك من كل العافيات. وجعل القدم أحدث الأشياء عهدًا بالهمم؛ أي إن دروسها قديم؛ فلا همم في الأرض, وقد شرح ذلك فيما بعد هذا البيت فقال:
وإنما الناس بالملوك وما ... تفلح عرب ملوكها عجم
أصل الفلاح: البقاء, ثم صار الناس يستعملونه في كل خيرٍ فيجعلون سعة الرزق فلاحًا, وكذلك قضاء الحاجة, وإذا رام الرجل أمرًا ولم يبلغه قالوا: ما أفلح. ومراد الشاعر: أن ملوك القوم ينبغي أن يكونوا مثلهم ومن خيارهم, وعلى ذلك مضى أكثر اللموك. وإنما كثر في الإسلام أن تكون الملوك من غير العرب فأنكر ذلك القائل هذا البيت.
وقوله:
بكل أرضٍ وطئتها أمم ... ترعى بعبدٍ كأنها غنم
يريد أن ملوك بني العباس وغيرهم صاروا يولون المدائن عبيدهم؛ فيكونون رومًا وتركًا وغير ذلك, ويتفق أن يكون المولى أعجمي اللسان, وكانت الولاة في صدر الإسلام إنما تولي العرب. وقوله: لإي كل أرض وطئتها أمم واليهم عبد, فكأنهم غنم مرعية, وعادتهم أن يرعوا الإبل والغم. وقد بين الشاعر هذا الغرض في غير هذا الموضع فقال: [البسيط]
سادات كل أناسٍ من سراتهم ... وسادة المسلمين الأعبد القزم
وقوله:
يستخشن الخز حين يلمسه ... وكان يبرى بظفره القلم
يقول: هذا العبد كان شقيًا يمارس شدةً من العيش؛ ثم تنعم؛ فصار إذا لمس الخز زعم أنه خشن, وكان من قبل ولايته يطول أظفاره حتى يصح أن تبرى بها الأقلام. وهذه دعوى
стр. 1221
مستحيلة ما بري بظفر ابن آدم قلم قط, ولكنها مبالغة يستحسنها أصحاب النظم؛ أي صارت أظفاره كالمدي في الحدة. وجاء في الحديث النهي عن التذكية بالظفر, ولم يرد بها ظفر الإنسان, وإنما أراد النهي عن إراقمة دم الذبيح بمخلب أسد ونحوه, لأن مخالب الأسد تسمى أظفارًا. قال زهير: [الطويل]
لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذفٍ ... له لبد أظفاره لم تقلم
وقوله:
يهابه أبسأ الرجال به ... وتتقي حد سيفه البهم
وصف الشاعر نفسه وزعم أنه رجل مشهور كالعلم, وأنه يطأ بقدمه هامات التاس, ثم قال: يهابه. والهاء في: يهابه راجعة على اسمٍ يعني به الشاعر نفسه, وهو قوله: امرؤ علم. وأبسأ الرجال به؛ أي آنسهم, يقال: بسئت بالرجل وبسأت؛ أي أنست. قال الشاعر يصف كثرة عقره للإبل: [الطويل]
فقد بسأت بالحاجلات إفالها ... وسيف كريمٍ لا يزال يصوعها
أي: يفرقهاز
وقوله: (٢٠٠/أ)
كفاني الذم أنني رجل ... أكرم مالٍ ملكته الكرم
جعل الكرم مالًا, وهذا كقولك: لا مال لفلان إلا المكارم؛ أي إنه قد أقامها مقام المال. ومثل هذا كثير في كلامهم, وهو من جنس قولهم: تحيته الضرب وعتابه السيف.
وقوله:
يجني الغنى للئام لو عقلوا ... ما ليس يجني عليهم العدم
يقول: اللئيم إذا لم يكن له مال لم يلمه أحد, فإذا غني وكثر ماله علقت به اللائمة؛ لأن الناس يرومون منه أن يجود, فقد جنى عليه اليسار جنايةً لم يجنها الإعدام.
стр. 1222
وقوله:
هم لأموالهم ولسن لهم ... والعار يبقى والجرح يلتئم
يقول: اللئام لأموالهم إذ كانوا يخدمونها ويثمرونها فكأنهم عبيد لها, وكأن الأموال لسن لهم إذ كانت توفر فتصير إلى سواهم فربما أصابها الحادث وهم أحياء. وأحسن أحوالهم أن تصير أموالهم إلى الورثة, ومن الكلام المشهور: بشر مال اللئيم بحادثٍ أو وارثٍ, وربما سر الوارث بموت الموروث؛ كما قال الشاعر في صفة الميت الذي يرث ماله من يسر به: [البسيط]
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الدار مسرور
وقوله:
من طلب المجد فليكن كعليـ ... ـي يهب الألف وهو يبتسم
بعض أهل العلم يكره أن يتم نصف البيت والكلمة لم تتم؛ وليس ذلك بمكروه ولاسيما
في الأوزان الخفاف كقول لبيد: [المنسرح]
وهاجها منطق الدجاج مع الصـ ... ـبح وصوت الناقوس إذ ضربا
وقوله:
ويطعن الخيل كل نافذةٍ ... ليس لها من وحائها ألم
لم توصف الطعنة قط بوحاءٍ أسرع من هذا الوصف؛ لأنه زعم أن الطعين لا يحس بألم الطعنة لأنها تقتله من قبل أن يصل إليه الألم. وقد قال الأول في صفة السيف:
ترى ضرباته أبدًا خظايا ... إلى أن يستبين له قتل
стр. 1223
وهذه صفة لا يكون أشد منها في المبالغة.
وقوله:
ويعرف الأمر قبل موقعه ... فما له بعد فعله ندم
إذا حمل هذا البيت على صفة الظن فهو كقول أوس بن حجر: [المنسرح]
الألمعي الذي يظن لك الظنـ ... ـن كأن قد رأى وقد سمعا
يقول: هذا الممدوح لا يندم لأنه لا يفرط في الأمور, وإنما يندم من ضيع حزمه في وقت المنفعة به, وقد أقرت الشعراء بالعجز عن إدراك المعرفة والندم على ما يفوت. قال الشاعر: [الطويل]
لو أن صدور الأمر يبدون للفتى ... كأعقابه لم تلفه يتندم
وقال آخر: [الطويل]
تبين أعقاب الأمور إذا أتت ... وتقبل أشباهًا عليك صدورها
وقد شرح هذا الغرض من قال: [الطويل]
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا ... ندمت على التفريط في زمن البذر
وقوله:
يرعيك سمعًا فيه استماع إلى الد ... اع وفيه عن الخنا صمم
في النخسة حذف اياء من الداعي, وحذفها لا يحتاج إليه؛ إنما تحذف إذا كان ثباتها إخلالًا بالوزن كقول الأعشى: [الكامل]
стр. 1224
وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه ... ويصرن أعداءً بعيد وداد
وكقول الآخر: [الوافر]
فطرت بمنصلي في يعملاتٍ ... دوامي الأيد يخبطن السريحا
أراد: الأيدي.
وقوله: يرعيك سمعًا: يجعل سمعه راعيًا لك, وأراد بالداعي من يدعوه إلىنصرٍ أو فعل مكرمةٍ من عطاء ونحوه؛ أي هو يسمع دعوات من يدعوه إلى الفعل الأجمل. وإذا قبلت الكلمة المخنية فكأنه أصم. والخنا ما يكره من الكلام, وقد جعل لبيد شدائد الدهر خنى, فقال: [الرمل]
قال هجدنا فقد طال السرى ... وقدرنا إن خنا الدهر غفل
وفي هذا البيت زيادة ساكن ينكره الطبع وموقعه التنوين من قوله: استماع, وهو عند الخليل أصل, وعند سعيد بن مسعدة فرع, وقد مر مثله.
وقوله:
يريك من خلقه غرائبه ... في مجده كيف تخلق النسم
يقول: هذا الممدوح من ابتداعه غرائب المكارم, وأنه يريك في نفسه ما يدلك على قدرة الله تعالى, وأنه (٢٠٠/ب) يخلق النسم بمشيئة الله. والنسم: جمع نسمةٍ, وهي النفس؛ وإنما قيل لها: نسمة لأن النفس يتصل خروجه منها, وهو مشبه بالنسيم؛ أي ما ضعف من الرياح. وقد سموا مجرى النفس: مطرد النسيم. قال الشاعر في صفة الفرس: [الكامل]
وكأن مطرد النسم إذا جرى ... يوم الرهان خليتا زنبور
стр. 1225
وقوله:
ملت إلى من يكاد بينكما ... إن كنتما السائلين ينقسم
قد أغرب الشاعر في تصييره المسؤول ينقسم بين السائلين؛ على أنه مأخوذ من قول الآخر: [الطويل]
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
إلا أن قسمة النفس بين السائلين أشد تعذرًا من دفعها إلى الواحد؛ لأن القسمة لها حظ من الزمن, وتركها أروح لمن يقسم.
وقوله:
بنو العفرنى محطة الأسد الأ ... سد ولكن رماحها الأجم
العفرنى: الليث, والنون والألف فيه زائدتان, وإنما قيل له: العفرنى لأنه يعفر الفريسة؛ أي يلقيها في العفر وهو التراب. لإترك الشاعر ذكر الممدوح وخرج إلى مدح بني أبيه وقومه. ومحطة: اسم رجل ينسب إليه بنو الفصيص الذين مدحهم أبو الطيب, منهم: علي بن إبراهيم, والحسين بن إسحاق. والأسد وصف لمحطة. والأسد خبر لقوله: بنو. يقول: بنو محطةٍ أسد ولكن أجمها الذي تأوي إليه هو الرماح. وقد سبقت الشعراء إلى هذا الغرض فقال حبيب بن أوس: [البسيط]
أسد العرين إذا ما الروع صبحها ... أو صبحته ولكن غابها الأسل
وقال الوليد بن عبيد: [الكامل]
جيش إذا ركز القنا في عرضه ... أيقنت أن الغاب غاب أسود
стр. 1226
وقوله:
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم
يقول: هؤلاء القوم إذا طعن الغلام منهم نحور الكماة فقد بلغ مبالغ الرجال, وليس البلوغ عندهم إدراك الحلم؛ وإنما هو الطعن.
وقوله:
كأنما يولد الندى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم
يقول: كأن الندى توأم لكل مولود من هؤلاء القوم, فهم أجواد في أوائل الأعمار وأواخرها, لا يعذرهم الصغر في ترك الجود, وكذلك لا يمنعهم الهرم من الإعطاء, وكأن هذا مأخوذ من قول الآخر: [الطويل]
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب
فقوله: أخو الندى مثل قول الشاعر:
كأنما يولد الندى معهم
إلا أن أبا الطيب جاء بعبارةٍ مستحسنة لم يهتد إليها سواه.
وقوله:
إذا تولوا عداوةً كشفوا ... وإن تولوا صنيعةً كتموا
يقول: إذا عادوا فإنهم يجاهرون الأعداء ولا يطلبون منهم غرة في حال الغفلة, فإذا اصطنعوا صنيعةً, لم يفتخروا بها ويظهروها, وقد جاء الأمر بكتمام الصدقة في الكتاب الأشرف في قوله تعالى: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ , ومن الكلام القديم: «المنة تذهب الصنيعة» أي: إن الإنسان إذا فعل مكرمةً ثم امتن بها فقد أذهبها, ولكن من شأن العرب في القديم أن تفتخر بإكرام الضيف وسقي اللبن, وذلك معروف في أشعارهم ولم يكونوا يرون ذلك عيبًا, وقد عابته الأعاجم عليهم. ومما جاء فيه التعريض بذم
стр. 1227
من يفتخر بإكرام الضيف قول أمية بن أبي الصلت, ويقال: إن الشعر لأبي الصلت والد أمية يمدح سيف بن ذي يزن لما أخرج الحبشة من اليمن: [الطويل]
اشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقًا ... في رأس غمدان دارًامنك محلالا
والتط بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل الآن من برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا
هذا تعريض بذم من يفتخر بسقي اللبن وإكرام الضيف؛ لأن اللبن يصير بولًا والطعام يصير إلى ما يكنى عنه. وأنشد أبوزياد الكلابي (٢٠١/أ) بيتًا ذكر أنه لجدته وهو: [الطويل]
ألم تعلمي أن الطعام مصيره ... ليرخموه بغثاء خلف الأصارم
يرخمومة: أي: رخمة. وبغثاء أي يضرب لونها إلى الغبرة, والأصارم: جمع أصرامٍ, والأصرام: جمع صرمٍ وهو أبيات من بيوت الأعراب ليست بالكثيرة.
وقوله:
تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهم أنعموا وما علموا
يقول: هؤلاء القوم لا يعتدون بجميل فعلوه, حتى يظن من أسدوا إليه معروفًا أنهم لم يعلموا به. وهذا من أحسن ما قيل في كتمان المعروف.
стр. 1228
وقوله:
أو حلفوا بالغموس واجتهدوا ... فقولهم: خاب سائلي, القسم
الغموس: اليمين التي من كذب فيها غمسته في الإثم. وهذه منة عظيمة لأنهم جعلوا أعظم الأيمان عندهم أن يقولوا: خاب سائلي إن كان كذا أو فعلنا كذا. ونقيض هذا المذهب ما كان يفعله بعض البخلاء إذا أتاه السائل, يقول: إني قد آليت على إبلي أن لا يخرج منها شيء؛ وذلك عني زهير بقوله: [البسيط]
وإن أتاه خليل يوم مسألةٍ ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
أي: لم أحرم علي هبته باليمين. ويروى لقد بن مالك الأسدي: [الوافر]
فلا والله لا أولي عليها ... لتمنع سائلًا منها يمين
فإني لست منك ولست مني ... إذا ما طار من مالي الثمين
كأن امرأته قالت له: احلف على مالك أنك لا تخرج منه شيئًا؛ فأعلمها أنه لا يفعل, وأنها إذا أخذت ثمن ماله كما تأخذ المرأة من ميراث الزوج, فقد انقطع ما بينها وبينه.
وقوله:
لولاك لم أترك البحيرة والـ. ز. ـغور خصيب وماؤها شبم
عندهم أن الأجود: لولا أنت, وقد جاء في الشعر لولاك ولولاي, وكان محمد بنيزيد يرد ذلك؛ وقد أنشده سيبويه: [الطويل]
وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهو
стр. 1229
وأنشد الفراء: [الطويل]
أتطمع فينا من أراق دماءنا ... ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن
يقول: لولا أنت أيها الممدوح لم أترك في مشتاي البحيرة والغور دفيئًا, وماؤها شبم مع دفئها؛ أي بارد.
وقوله:
والموج مثل الفحول مزبدةً ... تهدر فيها وما بها قطم
شبه الموج بفحول الإبل وصوته إذا تلاطم بهديرها. والفحل إمنا يهدر إذا قطم أو غضب. والقطم: إرادة الفحل الضراب. والهدير يستعمل في الإبل والرعد والأسد, وكل صوت يوصف بغلظ. يقول: فالموج يهدر هدر الفحول ولم يصبه القطم.
وقوله:
والطير فوق الحباب تحسبها ... فرسان بلقٍ تخونها اللجم
الحباب: أكثر ما يقال فيه: إنه ما يظهر على الماء من النفاخات الصغار, وربما قالوا: الحباب معظم الماء, والمعنى متقارب؛ لأن الموج ومعظم الماء لا يعدم أن يكون فيه شيء صغير الصورة. شبه الموج ببلق الخيل لأن بعضه لون الماء وبعضه متغير, وقد ذكر ذلك المسب بن علس بقوله: [الكامل]
فكأن بلق الخيل في حجراته ... يرمي بهن دوالي الزراع
شبه الطير بفرسانٍ على خيلٍ بلقٍ, وهي الموج تخونها اللجم أي لا تقدر على ضبطها.
وقوله:
كأنها في نهارها قمر ... حف بها من جنانها ظلم
стр. 1230
شبه البحيرة بالقمر لبياض الماء. والجنان: جمع جنةٍ وهي الأرض التي قد سترها الشجر والنبت, وشبهها بالظلم لشدة خضرتها. والأخضر إذا اشتدت خضرته وصف بالسواد, ومن ذلك الآية, وهي قوله تعالى: ﴿مدهامتان﴾ في صفة جنتين وهما مفعالتان من الدهمة. وأكثر ما تستعمل الدهمة في الخيل, وقد وصف الليل بالأدهم, وربما وصفت الناقة بالدهماء. وقالوا: دخل فلان في دهماء الناس؛ أي في سوادهم. ويقال: إن سواد العراق قيل له ذلك لشدة خضرته, قال الراجز, وهو القطامي: [الرجز]
ياناق سيري عنقًا زورا ... وقلبي منسمك المغبرا
(٢٠١/ب) وبادري الليل إذا ما اخضرا
وقوله:
ناعمة الجسم لا عظام لها ... لها بنات وما لها رحم
يصف البحيرة ويلغز بها. وزعم أنها ناعمة الجسم لأنه شبه الماء به. ولما جعل لها جسمًا زعم أنها لا عظام لها يلغز بذلك؛ لأن الجسم لابد له من العظام. وذكر أن لها بناتٍ؛ يعني السمك؛ ونفى أن يكون لها رحم.
وقوله:
يبقر عنهن بطنها أبدًا ... ولا تشكى ولا يسيل دم
هذا اللفظ كله إلغاز عن البحيرة؛ لأنه جعل لها جسمًا بلا عظام, وبنات من غير رحم, وجعل بطنها يبقر عنهن لأن الصادة يأخذنها من الماء, وهي مع ذلك لا تشكى لا يسيل دمها, ومن شأن التي يبقر بطنها أن يسيل دمها. قال الشاعر: [الطويل]
بقرنا النساء التغلبيات عنوةً ... وما بقروةا منا بطون نساء
تركنا دماءً فوقهن جوازيًا ... فأف لها من نسوةٍ ودماء
وقوله:
فهي كماويةٍ مطوقةٍ ... جرد عنها غشاؤها الأدم
следующие страницы →