Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وقوله:
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم
يقول: هؤلاء القوم إذا طعن الغلام منهم نحور الكماة فقد بلغ مبالغ الرجال, وليس البلوغ عندهم إدراك الحلم؛ وإنما هو الطعن.
وقوله:
كأنما يولد الندى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم
يقول: كأن الندى توأم لكل مولود من هؤلاء القوم, فهم أجواد في أوائل الأعمار وأواخرها, لا يعذرهم الصغر في ترك الجود, وكذلك لا يمنعهم الهرم من الإعطاء, وكأن هذا مأخوذ من قول الآخر: [الطويل]
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب
فقوله: أخو الندى مثل قول الشاعر:
كأنما يولد الندى معهم
إلا أن أبا الطيب جاء بعبارةٍ مستحسنة لم يهتد إليها سواه.
وقوله:
إذا تولوا عداوةً كشفوا ... وإن تولوا صنيعةً كتموا
يقول: إذا عادوا فإنهم يجاهرون الأعداء ولا يطلبون منهم غرة في حال الغفلة, فإذا اصطنعوا صنيعةً, لم يفتخروا بها ويظهروها, وقد جاء الأمر بكتمام الصدقة في الكتاب الأشرف في قوله تعالى: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ , ومن الكلام القديم: «المنة تذهب الصنيعة» أي: إن الإنسان إذا فعل مكرمةً ثم امتن بها فقد أذهبها, ولكن من شأن العرب في القديم أن تفتخر بإكرام الضيف وسقي اللبن, وذلك معروف في أشعارهم ولم يكونوا يرون ذلك عيبًا, وقد عابته الأعاجم عليهم. ومما جاء فيه التعريض بذم
стр. 1227
من يفتخر بإكرام الضيف قول أمية بن أبي الصلت, ويقال: إن الشعر لأبي الصلت والد أمية يمدح سيف بن ذي يزن لما أخرج الحبشة من اليمن: [الطويل]
اشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقًا ... في رأس غمدان دارًامنك محلالا
والتط بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل الآن من برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا
هذا تعريض بذم من يفتخر بسقي اللبن وإكرام الضيف؛ لأن اللبن يصير بولًا والطعام يصير إلى ما يكنى عنه. وأنشد أبوزياد الكلابي (٢٠١/أ) بيتًا ذكر أنه لجدته وهو: [الطويل]
ألم تعلمي أن الطعام مصيره ... ليرخموه بغثاء خلف الأصارم
يرخمومة: أي: رخمة. وبغثاء أي يضرب لونها إلى الغبرة, والأصارم: جمع أصرامٍ, والأصرام: جمع صرمٍ وهو أبيات من بيوت الأعراب ليست بالكثيرة.
وقوله:
تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهم أنعموا وما علموا
يقول: هؤلاء القوم لا يعتدون بجميل فعلوه, حتى يظن من أسدوا إليه معروفًا أنهم لم يعلموا به. وهذا من أحسن ما قيل في كتمان المعروف.
стр. 1228
وقوله:
أو حلفوا بالغموس واجتهدوا ... فقولهم: خاب سائلي, القسم
الغموس: اليمين التي من كذب فيها غمسته في الإثم. وهذه منة عظيمة لأنهم جعلوا أعظم الأيمان عندهم أن يقولوا: خاب سائلي إن كان كذا أو فعلنا كذا. ونقيض هذا المذهب ما كان يفعله بعض البخلاء إذا أتاه السائل, يقول: إني قد آليت على إبلي أن لا يخرج منها شيء؛ وذلك عني زهير بقوله: [البسيط]
وإن أتاه خليل يوم مسألةٍ ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
أي: لم أحرم علي هبته باليمين. ويروى لقد بن مالك الأسدي: [الوافر]
فلا والله لا أولي عليها ... لتمنع سائلًا منها يمين
فإني لست منك ولست مني ... إذا ما طار من مالي الثمين
كأن امرأته قالت له: احلف على مالك أنك لا تخرج منه شيئًا؛ فأعلمها أنه لا يفعل, وأنها إذا أخذت ثمن ماله كما تأخذ المرأة من ميراث الزوج, فقد انقطع ما بينها وبينه.
وقوله:
لولاك لم أترك البحيرة والـ. ز. ـغور خصيب وماؤها شبم
عندهم أن الأجود: لولا أنت, وقد جاء في الشعر لولاك ولولاي, وكان محمد بنيزيد يرد ذلك؛ وقد أنشده سيبويه: [الطويل]
وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهو
стр. 1229
وأنشد الفراء: [الطويل]
أتطمع فينا من أراق دماءنا ... ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن
يقول: لولا أنت أيها الممدوح لم أترك في مشتاي البحيرة والغور دفيئًا, وماؤها شبم مع دفئها؛ أي بارد.
وقوله:
والموج مثل الفحول مزبدةً ... تهدر فيها وما بها قطم
شبه الموج بفحول الإبل وصوته إذا تلاطم بهديرها. والفحل إمنا يهدر إذا قطم أو غضب. والقطم: إرادة الفحل الضراب. والهدير يستعمل في الإبل والرعد والأسد, وكل صوت يوصف بغلظ. يقول: فالموج يهدر هدر الفحول ولم يصبه القطم.
وقوله:
والطير فوق الحباب تحسبها ... فرسان بلقٍ تخونها اللجم
الحباب: أكثر ما يقال فيه: إنه ما يظهر على الماء من النفاخات الصغار, وربما قالوا: الحباب معظم الماء, والمعنى متقارب؛ لأن الموج ومعظم الماء لا يعدم أن يكون فيه شيء صغير الصورة. شبه الموج ببلق الخيل لأن بعضه لون الماء وبعضه متغير, وقد ذكر ذلك المسب بن علس بقوله: [الكامل]
فكأن بلق الخيل في حجراته ... يرمي بهن دوالي الزراع
شبه الطير بفرسانٍ على خيلٍ بلقٍ, وهي الموج تخونها اللجم أي لا تقدر على ضبطها.
وقوله:
كأنها في نهارها قمر ... حف بها من جنانها ظلم
стр. 1230
شبه البحيرة بالقمر لبياض الماء. والجنان: جمع جنةٍ وهي الأرض التي قد سترها الشجر والنبت, وشبهها بالظلم لشدة خضرتها. والأخضر إذا اشتدت خضرته وصف بالسواد, ومن ذلك الآية, وهي قوله تعالى: ﴿مدهامتان﴾ في صفة جنتين وهما مفعالتان من الدهمة. وأكثر ما تستعمل الدهمة في الخيل, وقد وصف الليل بالأدهم, وربما وصفت الناقة بالدهماء. وقالوا: دخل فلان في دهماء الناس؛ أي في سوادهم. ويقال: إن سواد العراق قيل له ذلك لشدة خضرته, قال الراجز, وهو القطامي: [الرجز]
ياناق سيري عنقًا زورا ... وقلبي منسمك المغبرا
(٢٠١/ب) وبادري الليل إذا ما اخضرا
وقوله:
ناعمة الجسم لا عظام لها ... لها بنات وما لها رحم
يصف البحيرة ويلغز بها. وزعم أنها ناعمة الجسم لأنه شبه الماء به. ولما جعل لها جسمًا زعم أنها لا عظام لها يلغز بذلك؛ لأن الجسم لابد له من العظام. وذكر أن لها بناتٍ؛ يعني السمك؛ ونفى أن يكون لها رحم.
وقوله:
يبقر عنهن بطنها أبدًا ... ولا تشكى ولا يسيل دم
هذا اللفظ كله إلغاز عن البحيرة؛ لأنه جعل لها جسمًا بلا عظام, وبنات من غير رحم, وجعل بطنها يبقر عنهن لأن الصادة يأخذنها من الماء, وهي مع ذلك لا تشكى لا يسيل دمها, ومن شأن التي يبقر بطنها أن يسيل دمها. قال الشاعر: [الطويل]
بقرنا النساء التغلبيات عنوةً ... وما بقروةا منا بطون نساء
تركنا دماءً فوقهن جوازيًا ... فأف لها من نسوةٍ ودماء
وقوله:
فهي كماويةٍ مطوقةٍ ... جرد عنها غشاؤها الأدم
стр. 1231
الماوية: المرأة شبهت بالماء لصفائها. وقال الشاعر: [الطويل]
وهند لها ماوية في غلافها ... تطالعها في كل ممسى ومصبح
فإن أبصرت ما يعجب الطرف سرها ... وتأسف أن وافت بوجهٍ مقبح
في «وافت» ضمير يرجع إلى المرأة.
وقوله:
يشينها جريها على بلدٍ ... تشينه الأدعياء والقزم
يشينها: يعني البحيرة. والأدعياء: جمع دعي؛ يعني الذي ينتسب إلى القوم وليس منهم. والقزم: تستعمل في الصغار الأجسام, ثم استعملوه في ضؤولة الحسب وقلة الخير.
قال الشاعر: [الطويل]
تساق من المعزى مهور نسائهم ... وفي قزم المعزى لهن مهور
قزم المعزى: صغارها. وقالوا: حسب قزم؛ أي حقير لا خير فيه. قال الراجز: [الرجز]
في الحسب العادي غير الأقزم
وقوله:
وقد توالى العهاد منه لكم ... وجادت المطرة التي تسم
العهاد: أمطار بعضها في إثر بعض, وهي العهود أيضًا. قال الشاعر: [الوافر]
أمير جاد بالمعروف حتى ... كأن الأرض جللها العهاد
وقال آخر: [الخفيف]
стр. 1232
أصلتي تسمو العيون إليه ... مستنير كالبدر عام العهود
وتسم: من المطر الوسمي وهو أول المطر. وتزعم أصحاب الأنواء أن له خمسة أنجم, وهي: العرقوة السفلى - يعنون عرقوة الدلو من النجوم - والرشاء والشرطان والبطين والثريا.
وقافيتها من المتراكب.
ومن التي أولها
ملام النوى في ظلمها غاية الظلم ... لعل بها مثل الذي بي من السقم
الوزن من أول الطويل.
يقول: ملام النوى في ظلمها ظلم, وقد صدق في هذا القول لأن النوى لا حس لها فتوصف بنصفةٍ ولا ظلم. ثم استشهد على براءة النوى من الظلم بقوله: لعل بها مثل الذي بي من السقم وهذا ظن كاذب, وقد علم قائل البيت أن النوى لا تسقم ولا يصيبها داء, ولكن جاء به على مذهب الشعراء لأن الشعر بني على قيل المحال.
وقوله:
فلو لم تغر لم تزو عني لقاءكم ... ولو لم تردكم لم تكن فيكم خصمي
هذا البيت تقوية لما ظنه في البيت الأول؛ لأنه قال: لعل بها, فكان كالشاك, ثم أقام الأدلة على أن ظنه صحيح, فقال: لو لم تغر - من الغيرة؛ يعني النوى - لم تزو عني لقاءكم؛ أي لم تصرفه.
وقوله:
أمنعمة بالعودة الظبية التي ... بغير ولي كان نائلها الوسمي
الظبية: يجوز أن تكون في نبية المبتدأ؛ كأنه قال: الظبية منعمة كما تقول: أقائم فلان فتدخل الهمزة على قائمٍ. والمعنى: أفلان قائم. ويجوز أن تكون الظبية مرتفعة بفعلها لأن منعمةً معتمدة على الهمزة؛ ولولا ذلك لم يجز أن تكون إلا خبرًا مقدمًا على رأي سيبويه.
стр. 1233
ويجوز أن ترفع الظبية بفعلها إذا لم يكن ثم استفهام, وتكون الظبية سادةً م سد الخبر, وتكون منعمة ابتداءً.
وقوله:
ونكهتها والمندلي وقرقف ... معتقة صهباء في الريح والطعم
(٢٠٢/أ) المندل والمندلي: العود الذي يتبخر به, قال الشاعر: [الطويل]
إذا جلست نادى بما في ثيابها ... ذكي الشذا والمندلي المطير
يقال: إن الشذي رائحة المسك, قال الشاعر: [الهزج]
لمن نار بأعلى التلـ ... ـل من غمدان ما تخبو
إذا ما خمدت وهنًا ... علاها المندل الرطب
وقالوا: مندل ومندلي كما قالوا: رجل أحمر وأحمري. والقرقف: من صفات الخمر, وقيل: إنما سميت قرقفًا لأنها تقرقف؛ أي ترعد. وقالوا: ديك قراقف؛ أي يحرك رأسه إذا صاح. قال الشاعر: [الطويل]
لعمري لئن أصبحت في دار تولبٍ ... يغنيك بالأسحار ديك قراقف
وقوله:
يحاذرني حتفي كأني حتفه ... وتنكزني الأفعى فيقتلها سمي
الأفعى: اسم يقع على الذكر والأنثى مثل الأرنب. فإذا أرادوا الذكر قالوا: أفعوان. وقد أنث الأفعى في هذا البيت, وذكره القائل في قوله: [المديد]
стр. 1234
مطرق يرشح موتًا كما أطـ ... ـرق أفعى ينفث الموت صل
والنكز: يقال إنه لدغ الحية بأنفها, والنشط: لدغها بفيها.
وقوله:
طوال الردينيات يقصفها دمي ... وبيض السريجيات يقطعها لحمي
السريجيات: سيوف تنسب إلى قينٍ يقال له: سريج, ويقال: إنه من بني أسد, قال الشاعر: [الوافر]
وأسياف تنخلها سريج ... لها في هامهم أثر شنيع
وقوله:
برتني السرى بري المدى فرددنني ... أخف على المركوب من نفسي جرمي
جعل السرى جمع سريةٍ؛ وقلما تفرد فلذلك قال: رددنني. والجرم: الجسم؛ ثم استعملوا الجرم في معنى الصوت واللون لأن الألوان تتصل بالأجرام؛ فجعل اللون جرمًا؛ وكذلك الصوت يخرج من الجرم؛ إلا أن الغالب على هذه الكلمة أن الجرم هو الجسم. وجرمي: مرفوع بمعنى أخاف. والفعل لا يتصرف منه, فلو رفع أخف لكان وجهًا, ويجعل خبرًا لقوله: جرمي. وإذا نصبت أخف فهو على الحال لأن رد أصلها أن تتعدى إلى مفعول واحد, تقول: رددت الرسول إلى القوم, ورددت الثوب إلى صاحبه. وإذا جعلت: رددنني في معنى جعلنني جاز أن تكون أخف مفعولًا ثانيًا.
وقوله: أخف على المركوب من نفسي جرمي: مبالغة في صفة النحول لم يعبر عنها المتقدمون بهذه العبارة؛ إلا أن يكون الشاعر لم يسر شعره فيعرف.
وقوله:
وأبصر من زرقاء جو لأنني ... إذا نظرت عيناي شاواهما علمي
стр. 1235
جو: اسم اليمامة, قال الشاعر: [البسيط]
فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم ... وهدموا عالي البنيان فاتضعا
وكان بجو امرأة يقال لها: عنز زرقاء توصف بحدة البصر, وهي التي ذكرها النابغة في قوله: [البسيط]
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
فكملت مائة فيها حمامتنا ... وأسرعت حسبةً في ذلك العدد
فحسبوه فألفوه كما زعمت ... تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد
ويقال: إنها نظرت إلى سرب قطًا فقالت هذه المقالة.
ويقال: إن ملكًا من حمير يقال له: حسان غزا اليمامة فنظرت هذه المرأة فأبصرت الجيش على مسافةٍ بعيدة, فقالت: لقد جاءكم الشجر أو غزتكم حمير, وقالت لهم: إني أرى رجلًا يأكل كتفًا أو يخصف نعلًا؛ فكذبوها فيما قالته. وقد وصف ذلك الأعشى في قوله: [البسيط]
ما نظرت ذات أشفارٍ كنظرتها ... إنسان عينٍ وموقًا لم يكن قمعا
قالت أرى رجلًا في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفًا أيةً صنعا
فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي السم والسلعا
وفي هذه المرأة يقول القائل: [الرمل]
стр. 1236
شر يوميها وأرداه لها ... ركبت عنز بحدجٍ جملا
لا ت رى خارجةً من بيتها ... وتراهن إليها رسلا
جمع رسول, ويروى: رسلًا, أي بعضهن في إثر بعض.
وقال القائل مدعيًا: أنا أبصر من زرقاء جو؛ لأنها شكت لما نظرت, فقالت: أرى رجلًا يأكل كتفًا أو يخصف نعلًا؛ فزعم الشاعم أن عينيه يشاويهما علمه؛ أي يسابقهما, وفضل نفسه في النظر على زرقاء اليمامة. والشأو: الطلق, يقال: جرى شأواً أو شأوين؛ أي طلقًا أو طلقين, والقياس يوجب أن يقول: شآهما في وزن: رآهما (٢٠٢/ب) لأنه بنى فاعل من الشأو, ولكنه أنس بالواو كما أنست العرب بايلاء في الديار فقالوا: تدير القوم؛ وإنما الدار من ذوات الواو. وقد أنكر أبو الفتح بن جني هذا الحرف, وما جاء به الشاعر غير مستنكرٍ؛ لأن القلب في كلامهم كثير لاسيما مع الهمزة والألف إذا اجتمعا في فعلٍ. يقولون: ساءني وسآني, وراءني, ورآني, قال الشاعر: [الوافر]
لقد لاقت قريظة ما سآها ... وحل بدارها ذل ذليل
وقال آخر فجمع بين اللغتين: [الكامل]
بان الحمول فما شأونك نقرةً ... ولقد أراك تشاء بالأظعان
قال في أول البيت: شأونك وفي آخره: تشاء, ولو جاء به على اللفظ الأول لوجب أن يقول: تشأى؛ فكأن الشاعر قال: شاواهما علمي, فقلب شأوت إلى شاوى, وهي من ذوات الواو, وخفف الهمزة التي هي آخر الفعل.
стр. 1237
وقوله:
كأني دحوت الأرض من خبرتي بها ... كأني بنى الأسكندر السد من عزمي
دحوت الأرض أي بسطتها, ومنه: أدحي النعام؛ لأنها تدحو المكان بأرجلها أي توسعه وتبسطه, ومنه بنو دحي من الأنصار.
و: كأني بنى الأسكندر السد من عزمي: هو نقيض النصف الأول, وذلك مستحسن في صناعة النظم لأنه زعم أنه كالذي دحا الأرض من خبرته بها. والدحو: البسط وخفض المرتفع, وهو ضد البناء الذي ذكره في النصف الثاني. وادعى أن الأسكندر كأنه بنى السد من عزمه لشدته.
والأسكندر: اسم أعجمي, ولم يأت على وزنه في كلام العرب إلا أنه وافق في الزنة قولهم: احرنجم وبابه, إلا أنهمزة الأسكندر مفتوحة وهمزة احرنجم مكسورة. ولو كسر كاسر همة الأسكندر لكان ذلكمستمرًا؛ لأنهم إذا أخرجوا الكلمة من كلام العجم إلى اللفظ العربي اجتهدوا في أن تكون موافقةً للعربية في الوزن. مثال ذلك أنهم يقولون لاسم الموضع: زبطرة فيفتحون الزاي إذا تركوا الكلمة على الأصل, فإذا أرادوا أن يشبهوها بالعربية كسروا الزاي لتصير في وزن: سبطرةٍ وهي الطويلة, وليس في كلام العرب مثل: دمقسٍ بفتح الدال, وكل ما جاء في كلامهم على هذا الوزن فهو مكسور الأول.
ويجوز أن يقال: كأني وكأنني, والأصل إثبات النون, وكذلك في إنني؛ وإنما تحذف لاجتماع النونات. ولو أن الكلام منثور لكان مجيئه بالواو في قوله: كأني بنى الأسكندر أحسن لأنه جاء بجملة بعد جملة, ولم يعطف أحدهما على الأخرى, فكأنه قال: أخوك حاضر أبوك غائب, فجاء بجملتين ليس بينهما حرف عطف, ومجيئه بالواو أحسن.
وقوله:
لألقى ابن إسحق الذي دق فهمه ... فأبدع حتى جل عن دقة الفهم
إسحاق: كلمة أعجمية لم تنصرف للتعريف والعجمة, وقد وافقت من العربية مصدر قولهم: أسحقه الله إسحاقًا. ولو سمي رجل بإسحاق والمراد المصدر لوجب أن يصرف. كما أنه لو سمي بيعقوب, والمراد ذكر الحجل لوجب أن يصرف؛ لأن اليعقوب
стр. 1238
إذا أريد به الطائر عربي, وإنما وافق لفظ الأعجمي. وقوله: فأبدع حتى جل عن دقة الفهم, هـ من قول الأول: [المديد]
حدث ما نابنا مصمئل ... جل حتى دق فيه الأجل
وقوله:
يمين بني قحطن رأس قضاعةٍ ... وعرنينها بدر النجوم بني فهم
جعله يمينهم لأن اليمين أفضل من الشمال, وهي التي يباشر بها الضرب والطعن وغيرهما من الأعمال؛ ولذلك قالوا في مدح الرجل: كلتا يديه يمين؛ أي هو يعمل بهما فشماله كأنها يمين. قال الشاعرة: [الوافر]
فإن على السماوة من عقيلٍ ... فتى كلتا يديه له يمين
ولما جعل الشاعر الممدوح يمينًا لم يرض له بذلك حتى جعله رأسًا, وكلاهما من أعضاء الجسد, وفي ذلك صنعة: جاء بعضو مع عضوٍ. وقضاعة: اختلف الناس في اشتقاقه, قيل: هو من قولهم: انقضع من قومه إذا انقطع منهم. وقيل: قضاعة: دابة تسكن الماء. وبنو فهمٍ من تنوخ. وفي قيس عيلان بنو فهمٍ وهم حي تأبط شرًا.
وقوله:
إذا بيت الأعداء كان استماعهم ... صرير العوالي قبل قعقعة اللجم
بيت الأعداء؛ أي طرقهم بياتًا وهم نائمون, وصرير العوالي: صوتها, وكأن الصرير صوت دقيق (١٠٣/أ) [وكأن أصوات اللجم] قعقعة. وأكثر ما يستعمل في الحديد: الصلصلة, فإذا كانوا قد وصفوا الحلي بالقعقعة فالحديد أولى به من ذلك. قال النابغة: [الطويل]
يسهد من نوم العشاء سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
стр. 1239
وقوله:
مذل الأعزاء المعز وإن يؤن ... به يتمهم فالموتم الجابر اليتم
ذكر أنه يعز ويذل. وقوله: يؤن من قولهم: آن الشيء يئين إذا حان, وهو مثل قولهم: أنى يأني, وإحدى الكلمتين مقلوبة عن الأخرى. واليتم: أصله الانفراد, وأكثر ما يستعمل في موت الأب إذا كان للآدميين, وإذا كان في البهائم فاليتم موت الأم. وإنما يريد هاهنا أنه يقتل الآباء؛ وإن قتلهم وأيتم أولادهم فإنه يجبر الأيتام الذي هو أيتمهم. وأضاف اليتم هاهنا على معنى قوله: يتم أولادهم فحذف المضاف. وقال الشاعر: [مجزوء الكامل]
كوماء يسمو فوقها ... مثل اليتيم من الأرانب
يعني بالأرانب: جمع أرنبٍ وهو الموضع المرتفع من الأرض, واليتيم: المنفرد؛ وإنما يصف ناقةً بعظم السنام.
وقوله:
وإن تمس داءً في القلوب قناته ... فممسكها منه الشفاء من العدم
يقول: إن تك قناته داءً في القلوب؛ أي يطعنها بها - ويجوز أن يعني أنها تهاب قناته فهيبتها داء في القلوب - فإن ممسكها يشفي من العدم.
وقوله: ممسكها يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون يعني بالممسك الرجل كما تقول: لك من فلان صديق؛ أي هو صديقك.
والآخر: أن يكون المعني بالممسك هو اليد من الرجل لأن الأعطية إليها تنسب؛ فيكون التقدير: العضو الذي أمسك القناة من هذا الرجل هو مذهب العدم عن الناس.
وقوله:
مقلد طاغي الشفرتين محكم ... على الهام إلا أنه جائر الحكم
стр. 1240
يريد أن سيفه قد ظغت شفرتاه في قتل الناس, وكل شيء زاد فزيادته مؤدية إلى هلكه فهو طاغٍ. وفي التنزيل: ﴿إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية﴾. وادعى أن سيفه محكم على الهام, وهو مع ذلك جائر في الحكومة, وإنما ينبغي أن يحكم المنصف, وهذا لفظ يحتمله الشعر, ولا حكم للسيف وإنما هو لمن يضرب به.
وقوله:
تحرج من حقن الدماء كأنه ... يرى قتل نفسٍ ترك رأسٍ علم جسم
في «تحرج» ضمير يرجع إلى السيف, وجاء بكأنما بعد ذلك فخفف بالتشبيه ما أفرط فيه من الكذب؛ لأنه التشبيه لم يحكم بوقوعه.
وقوله:
وجدنا ابن إسحق الحسين كحده ... على كثرة القتلى بريئًا من الإثم
الهاء في «حده» راجعة إلى السيف, وذكر أن الممدوح لا يقتل أحدًا إلا باستحقاق, فهو برريء من الإثم, كما أن سيفه لا ذنب له.
وقوله:
مع الحزم حتى لو تعمد تركه ... لألحقه تضييعه الحزم بالحزم
أصل الحزم: شد الشيء كالثياب ونحوها إذا أرادوا أن يحفظوها. يقال: حزم الشيء, فهو محزوم, ثم استعمل ذلك في جودة الرأي وترك التفريط. يقال: لإلان حازم إذا كان يحكم أموره ولا يغفل عن فعلٍ يجلب إليه صلاحًا, والمصدر من الحازم: الحزامة والحزومة. قال الشاعر: [المتقارب]
وأن الحزامة أن تصرفوا ... لحي سوانا صدور الأسل
وأصل الحزم: التعدي؛ إلا أنه لما نقل إلى الرجل بطل تعديه. يقول: هذا الممدوح لا يفارقه الحزم فلو ضيعه لصيره ذلك إليه. قال الشاعر: [الطويل]
دعوت أبا أروى إلى الرأي كي يرى ... برأيٍ أصيلٍ أو يعود إلى حلم
стр. 1241
وداعٍ دعاه البغي والحين كاسمه ... وللحين أحداث تصد عن الحزم
وقوله:
وأرهب حتى لو تأمل درعه ... جرت جزعًا من غير نارٍ ولا فحم
هذا سرف في الصفة؛ يقول: لو نظر إلى درعه وهي حديد لذابت, والمعروف في الفحم تحريك الحاء, قال الراجز: [الرجز]
جاؤوا بزوريهم وجئنا بالأصم ... شيخٍ لنا معاودٍ ضرب البهم
وقاتلوا لو ينفخون في فحم
(٢٠٣/ب) يعني بزوريهم: تثنية زورٍ, وهو شيء كانت العرب تفعله في الجاهلية يجيئون بالصنم الذي يعبدونه أو شيء ينصبونه, ثم يقولون: لا نفر حتى يفر هذا المنصوب.
وقوله: لو ينفخون في فحم, أي: وقاتلوا لو ينتفعون بالقتال؛ وإنما مثلهم مثل من ينفخ في حطبٍ لا تأخذ فيه النار. وقال النابغة الذبياني في صفة الثور الوحشي: [البسيط]
مقابل الريح روقيه وصفحته ... كالهبرقي تنحى ينفخ الفحما
الهبرقي: الصائغ والحداد. وتنحى: أي اعتمد, ويروى: تشحى من شحا فاه إذا فتحه.
وقوله:
وجاد فلولا جوده غير شاربٍ ... لقيل كريم هيجته ابنة الكرم
جاد: فيه ضمير يعود إلى الممدوح, وغير شاربٍ: منصوب على الحال, وقدجرت عادة العرب أن تصف من سكر بالجود وتوهم الباطل. قال عنترة: [الكامل]
стр. 1242
فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وقال المنخل اليشكري: [مجزوء الكامل]
فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير
أي: أظني أني ملك فأجود بما أملك.
وقوله:
أطعناك طوع الدهر يابن ابن يوسف ... بشهوتنا والحاسدو لك بالرغم
حذف النون من قوله: الحاسدون لما استقبلتها اللام لأنهم يتوهمون الإضافة في هذا الموضع؛ كأنه قال: والحاسدوك. فكذلك قالوا: لا خفي له لأنهم توهموا سقوط اللام, وقدحذفوا نون الجميع وإن لم يكن ثم لام الإضافة. ويروى بيت ينسب إلى عبيدٍ الأسدي, وهو قوله: [الرمل]
ولقد يغني بها جيرانك الـ ... ـممسكو منها بأسباب الوصال
وقوله:
دعيت بتفريظيك في كل مجلسٍ ... وظن الذي يدعو ثنائي عليك اسمي
التقريظ: الثناء على الرجل بالجميل, وهو مأخوذ من: قرظت الأديم إذا دبغته بالقرظ لتطيب رائحته, واستعمل ذلك في معنى الثناء على الإنسان؛ لأن الثناء عليه يحسن ذكره ويطيب رائحته. وقد قالوا: فلان يقارظ فلانًا؛ أي كل واحد منهما يثني على صاحبه. قال الراجز: [الرجز]
أهوج إلا أنه يماظظ ... لا يرتجي خيرًا ولا يقارظ
стр. 1243
وقال: تقريظيك, فلو أنه في غير الشعر لكان الأحسن أن يقول: تقريظي إياك.
وقوله:
إذا ما ضربت القرن ثم أجزتني ... فكل ذهبًا لي مرةً منه بالكلم
يقول: ضربتك واسعة فإذا أردت أن تجيزني فأعطني مقدارما تسع من الذهب؛ وقد عرفت بالثناء عليك حتى كأنه صار اسمًا لي. ويحتمل أن يكون أراد: إني أمدحك بالشعر فيقول الناس: هذا شاعر الأمير, فقد اشتق لي اسم من مدحك.
وقوله:
فكم قائل لو كان ذا الشخص نفسه ... لكان قراه ممكن العسكر الدهم
يقول: كما قائلٍ لو كان هذا الشخص - يعني شخص الممدوح - عظيمًا كعظم نفسه لكان قراه - أي ظهره - مكمنًا للعسكر الدهم؛ أي العسكر العظيم.
وقوله:
وقائلةٍ - والأرض أعني - تعجبًا ... علي امرؤ يمشي بوقري من الحلم
إن جعل «قائلةً» معطوفةً على قائلٍ فالمعنى: وكم قائلةٍ؛ فيكون قد جعل الأرض هاهنا مبعضةً كأنه جعل أرض الشام تقول ذلك, وأرض العراق, وأرض الحجاز وغيرهن. وإن جعل الواو في قوله: وقائلة بمعنى رب وجب أن يعني الأرض كلها. والوقر: الثقل. وقافية هذه القصيدة من المتواتر.
ومن التي أولها
فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام
الوزن من الوافر.
وقوله: فؤاد خبر كلامٍ محذوفٍ, أو يكون مبتدأً محذف الخبر. ويجوز أن يعني نفسه, ويحتمل أن يعني كل من له فؤاد؛ فإذا عنى نفسه فكأنه قال: لي فؤاد, أو فؤاد بين جنبي, أو نحو ذلك. فإذا عنى كل فؤادٍ من الناس فالمعنى: لكل أحدٍ, أو فؤاد لكل إنسان.
стр. 1244
والعموم في هذا أحسن من الخصوص لأن أعمار أهل هذا العصر إذا قيست إلى القدم بطول الآباد فإنها كالشيء الحقير المتناهي في القصر.
وقوله:
ودهر ناسه ناس صغار ... وإن كانت لهم جثث ضخام
(٢٠٤/أ) واحد الضخام: ضخم, وأصل الضخامة أن تستعمل في الجسم, ثم استعير ذلك في الخلق والحسب. قال كثير: [الطويل]
منعمة لم يغذها بؤس عيشةٍ ... وفي الحسب الضخم الرفيع نجارها
وقال الراجز: [الرجز]
ضخم يحب الخلق الأضخما
وقوله:
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام
زعم أنه ليس من هذا العالم لكونه فيهم, وإنما مثله مثل الذهب معدنه في الرغام وليس هو منه. والمعدن من قولهم: عدن بالمكان إذا أقام به, ومنها اشتقاق جنات عدنٍ, أي إقامةٍ, ومن هذا سمي الرجل: عدنان.
وقوله:
أرانب غير أنهم ملوك ... مفتحة عيونهم نيام
الأرانب تنام وعيناها مفتحتان. وشبه الناس بالأرانب لأن عيونهم مفتحة, وكأنهم مع ذلك نيام, ولم يرد النوم الذي هو ضد اليقظة, وإنما أراد أنهم بله لا يفطنون لما هم فيه. والعرب تمدح بقلة النوم وتذم إذا ألف الرجل ذلك. قال الطرماح: [الطويل]
стр. 1245
وليس أخو الحاجات من بات نائمًا ... ولكن أخوها من يبيت على رجل
وقال الراعي: [الطويل]
كفاني عرفان الكرى وكفيته ... كلوء النجوم والنعاس يعانقه
فبات يريه عرسه وبناته ... وبت أريه النجم أين مخافقه
وقال عروة بن الوردفي ذم النوم: [الطويل]
ينام عشاءً ثم يصبح ناعسًا ... يحت الحصى عن جنبه المتعفر
وقوله:
بأجسامٍ يحر القتل فيها ... وما أقرانها إلا الطعام
أصل الحر في حرارة الشمس والنار, ثم استعير ذلك في غيرهما. يقال: حر اليوم يحر ويحر إذا اشتد حره. يقول: القتل كثير في هذه الأجسام؛ وما أقرانها - يريد: جمع القرن في الحرب - إلا الطعام؛ أي إنهم يأكلون فيكون ذلك سبب موتهم. ويروى عن ابن مسعود أنه قال: «أصل كل دغاء البردة» أي التخمة. وقال بعض المتقدمين: يموت آلاف رجالٍ بالشبع قبل أن يموت رجل من الجوع. وتشبيهه الموت بالقتل مثل قوله في الأخرى: [الطويل]
إذا ما تبينت الزمان وصرفه ... تيقنت أن الموت ضرب من القتل
وقوله:
стр. 1246
وخيلٍ ما يخر لها طعين ... كأن قنا فوارسها ثمام
إن أراد بعض الخيل فهو صادق في ذلك؛ إلا أن كثيرًا من الملوك تجري خيلهم في الميادين وتلعب فرسانها بالرماح المدة الطويلة ولا يكون هناك قتل ولا جرح؛ فكأن قناهم ثمام؛ وهو نبت ضعيف تغطي به الأسقية, وتظلل به الخيام المتخذة من الشجر. قال جميل بن معمر: [الخفيف]
وصريعًامن الثمام تراءى ... دارجات المدب في خلله
فإن أراد أن الخيل كلها لا يخر لها طعين فذلك محال تدل المشاهدة على غيره؛ لأن سكان العمد من البادية لا يعمدون أن تصرع برماحهم القتلى في كل أوانٍ.
وقوله:
خليلك أنت لا من قلت خلي ... وإن كثر التجمل والكلام
يقول: خليلك أيها الرجل نفسك لا غيرك من الناس, فاحذر أن تغتر بخليل. والخليل: مأخوذ من الخلة وهي المودة. يقال: فلان خليلك وخلتك, وبين الرجلين خلال أي مخالة. قال الشاعر: [المتقارب]
ألا أبلغا خلتي جابرًا ... بأن خليلك لم يقتل
وإن تجمل بالكلام متجمل فلا تغتر بما ظهر فإن الناس لا تصفو المودة منهم لصديق.
وقولهك
ولو حيز الحفاظ بغير عقلٍ ... تجنب عنق صيقله الحسام
هذاا لبيت متصل بما قبله. يقول: الناس لا عقول لهم, وإنما يؤدي إلى حفظ المودة عقل الإنسان, ولو جاء الحفاظ عن ذي عقلٍ لوجب أن يتجنب السيف عنق من صقله. وابن آدم كالسيف لا عقل له صحيح فكيف يعتمد جميل الأفعال.
وقوله:
стр. 1247
وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام
يقول: الدنيا لا عقل لها وكذلك أهلها, وشبه الشيء ينجذب إليه؛ فأبناؤها يشابهونها فيما يفعلون من الكذب وقلة الإنصاف. والطغام: جمع طغامةٍ, وهو الجاهل الذي لا يعرف شيئًا. وفي حكاية ذكرها ابن السكيت معناها أن رجلًا ممن كان يتردد إلى أبي مهدية الأعرابي سافر, فلما قدم قال له أبو مهدية: كيف مال الناس, أو نحو ذلك, فقال الرجل: وما المال, فقال له أبو مهدية: يا طغامة لقد أحفيتني بالمسألة وأنت لا تدري ما المال. فلزمت الطغامة ذلك الرجل, وقال فيه بعض النحويين: [الكامل]
من كان يعجبه الطغامة كلها ... فعليه ميمونًا أبا الضحاك
(٢٠٤/ب) رجلًا تجمعت الطغامة كلها ... فيه وحالفها براك براك
ولم يصرفوا من الطغام فعلًا.
وقوله:
ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام
يقول: الدنيا ترفع قومًا لا يستحقون أن يرتفعوا وتحط من يجب أن يكون مرفوعًا, ولو لم يعل إلا من له مقدار في نفسه لكان الجيش أولى بالعلو من القتام الذي ترفعه حوافر الخيل.
وقوله:
ولو لم يرع إلا مستحق ... لرتبته أسامهم المسام
يقول: لو لم يل أمور الناس إلا مستحق لذلك لوجب أن يكون بعض الرعاة مرعيًا. وإنما هذا المثل لبني آدم. يريد: أن الرجل منهم يلي الجماعة الكثيرة فيهم من هو أحق منه بالولاية, وجعل المسيم مثلًا لمن له رعية من الناس, وجعل رعاياه كأنها مسام. يقال: سام المال في الأرض إذا ذهب فيها, وأسامة غيره إذا خلاه وإياها.
стр. 1248
وقوله:
إذا كان الشباب السكر والشيـ ... ـب هما فالحياة هي الحمام
يقول: إذا كان الشاب كالسكر لا يصحبه معقول الإنسان, وكان الشاب إذا جرب وعقل جاءه الشيب فاهتم لذلك؛ فالحياة هي الحما؛ أي الموت خير منها. وقد قال القائل: [الوافر]
إذا احتاج الكريم إلى لئيمٍ ... ففي موت الكريم له حياة
وقوله:
وما كل بمعذورٍ ببخلٍ ... ولا كل على بخلٍ يلام
يريد أن المكثر أخا اليسار يلام على بخله, وأن المقتر إذا بخل فلا لوم عليه. وهذا المعنى كأنه مستخرج من قول الحكمي: [الطويل]
كفى حزنًا أن الجواد مقتر ... عليه ولا معروف عند بخيل
وقوله:
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام
عرض بذم جيرانه ولام نفسه على الإقامة بينهم؛ إذ كانوا لا يجودون بشيء وهو مفتقر إلى جود الكرام؛ فوجب أن لا يكونمثله مقيمًا بين أمثالهم, وقد بين الغرض في البيت الآتي من بعد.
وقوله:
بأرضٍ ما اشتهيت رأيت فيها ... فليس يفوتها إلا كرام
وصف الأرض وأنها كثيرة الخير تصلح للإثامة ولكن لا كرام فيها.
وقوله:
بها الجيلان من فخرٍ وصخرٍ ... أنافا: ذا المغيث وذا اللكام
الهاء في «بها» تعود إلى الأرض. جعل المغيث - وهو الممدوح - جبلًا من فخر مجاورًا
стр. 1249
في هذه البلدة جبلًا من صخر وهو اللكام. وبعد هذا البيت ما يخرج به المغيث من جملة المذمومين لأنه قال:
وليست من مواطنه ولكن ... يمر بها كما مر الغمام
نفى عن هذه الأرض أن تكون من مواطن الممدوح, وجعله يمر بها كما يمر الغمام فيصيب من نفعه؛ فميزه بهذا البيت من المقيمين بالأرض المذمومة التي ليس يفوتها إلا الكرام.
وقوله:
سقى الله ابن منجبةٍ سقاني ... بدر ما لراضعه فطام
أصل الدر: اللبن, وكأنه سمي بالمصدر من قولهم: در الشيء يدر إذا غزر. وقالوا: لله دره؛ أي: لله اللبن الذي أرضع به؛ يقولون ذلك للرجل إذا عجبوا من فضله. وهم يجيئون بهذه اللام للتعجب. يقولون: لله در فلان أي: كأن الله سبحانه فضل اللبن الذي سقي به على غيره, وربما قالوا: لله در الرجل, وهم يذمونه, فاستعملوه في الشيء وضده. قال ابن قيس الرقيات: [الخفيف]
إن لله در قومٍ يريدو ... نك بالنقص والشقاء شقاء
إن في معنى نعم, فهذا ذم للقوم.
وقال آخر: [مجزوء الكامل]
كم شامت بي إذ هلكـ ... ـت وقائل لله دره
فأما قول مالك بن الريب: [الطويل]
فلله دري يوم أترك طائعًا ... بني بأعلى الرقمتين وماليا
стр. 1250
فيجوز أن يكون عجب من نفسه حين ترك بنيه وماله, ويكون كاللائم نفسه على ما صنع. ويحتمل أن يكون أراد أنه فعل فعلًا جميلًا فحمد نفسه عليه لأنه ذكر في هذه القصيدة أنه غازٍ, فقال: [الطويل]
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى ... وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
وقول القائل: بدر ما لراضعه فطام: كناية عن جودٍ متصل ليس له فناء ولا انقضاء, وليس هو كالرضاع الذي يفطم منه الصبي, بل هو دائم للأبد.
وقوله:
فقد خفي الزمان بها علينا ... كسلك الدر يخفيه النظام
قوله بها: الهاء راجعة إلى عطاياه, وادعى أنها قد انتظمت الزمان, فغطته كتغطية الدر ما نظم فيه من السلوك.
وقوله:
تلذ له المروة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام
المروة: أصلها الهمز, وهي مأخوذة من المرء, كما أن الرجولية مأخوذة من الرجل. ومن عادة الناس أن يقولوا: لإلان رجل يصفونه بالفضل على غيره, والرجال كثير, ومثل هذا يتردد في الكلام والشعر.
وقوله: مروءة, من قولهم: فلان امرؤ على معنى التفضيل, كما يقولون: إنسان إذا وصفوه بالفضل, وقد علم أن أمثاله في الشخص كثير, ومن هذا النحو قول الهذلي: (٢٠٥/أ) [الطويل]
لعمر أبي الطير المربة بالضحى ... على خالدٍ أن قد وقعن على لحم
стр. 1251
أراد: على لحم له شأن ليس لغيره من اللحوم. وروي أن يهوديًا رأى علي بن أبي طالب ﵇ يشتري جهاز عروس فسأله: بمن تزوج, فقال: بفاطمة ابنة محمد ﵉ فقال اليهودي: لقد تزوجت بامرأةٍ؛ أي: بامرأة لها شأن عظيم.
وقوله:
تعلقها هوى قيسٍ لليلى ... وواصلها فليس به سقام
يقول: هذا الممدوح يحب المعالي حبًا شديدًا كحب قيسٍ لليلى. وقيس هذا هو الذي يزعم الناس أنه المجنون وينسبون إليه أشعارًا كثيرة, وهو قيس بن الملوح, وقيل: الملوح, وقد اختلفوا في شأنه حتى قال بعض الناس: إن أخباره موضوعة وإنه لم يكن قط. وهذا ادعاء ليس بصحيح لأن ذكره أسير مما زعموا وقد تناقلت أشعاره الرواة.
وقوله:
يروع ركانةً ويذوب ظرفًا .. فما ندري أشيخ أم غلام
الظرف: يستعمله الناس في حسن الهيئة وحسن الوجه. ويقال: إن الظريف هو البليغ اللسان, وفي بعض الحديث: «إذا كان اللص ظريفًا لم يقطع» أي: إذا كان له لسان وخاطر لم تعوزه حجة يخلص بها من القطع.
وقيل: الظريف: الحاذق بالشيء, وقيل: الظريف الذي كأنه ظرف للفضل, والظرف هو الإناء.
وحكى النحويون: ظروف في جمع ظريف, وذكروا أنه اسم للجمع. وذكر السكري أن بعض الناس يروي قول أبي ذؤيب: [الطويل]
وإن غلامًا نيل في عهد كاهلٍ ... لظرف كريم الوالدين صريح
فيقول مكان لظرف: لظرف. فإن صحت هذه الرواية فظرف واحد ظروف إذا وصف به القوم وليس باسمٍ للجمع.
стр. 1252
وقوله:
وقبض نواله شرف وعز ... وقبض نوال بعض القوم ذام
الذام: العيب, ومن أمثالهم: «لكل حسناء ذام» , و «لا تعدم الحسناء ذامًا» , قال أبو داد الإيادي: [الخفيف]
في نظامٍ ما كنت فيهم فلا يغـ ... ررك شيء لكل حسناء ذام
ويقال: ذان بالنون. وفي قصيدة قيس بن الخطيم التي أولها: [المتقارب]
أجد بعمرة غنيانها ... فتهجر أم شأننا شانها:
رددنا الكتيبة مفلولةً ... بها أفنها وبها ذانها
وبعض الناس يروي هذا البيت في أبيات رويها باء ويروي: ذابها في مكان ذانها.
وقوله:
أقامت في الرقاب له أيادٍ ... هي الأطواق والناس الحمام
يقول القائل: قلده طوق الحمامة إذا وصل به أمرًا مشهورًا؛ إما من خيرٍ وإما من شر. وقال شاعر في عهد النبي صلى الله عليه يخاطب أبا سفيان بن حرب, وكان باع دارًا بمكة لأحد بني جحش إخوة زينب ابنة جحش: [مجزوء الكامل]
стр. 1253
دار ابن أختك بعتها ... تنفي بها عنك الغرامه
اذهب بها اذهب بها ... طوقتها طوق الحمامه
وقال المسيب بن علس: [الطويل]
وقلدها طوق الحمامة عامرًا ... وسفيان إذ كان الجيااد لهم نفل
وقوله:
إذا عد الكرام فتلك عجل ... كما الأنواء حين تعدع عام
يقول: إذا عد الكرام فعجل تجمعها, كما أن الأنواء التي هي منسوبة إلى النجوم ثمانية وعشرون بعدة منازل القمر, وهي أربعة عشر شامية, وأربعة عشر يمانية:
فالشامية: الشرطان, والبطين, والثريا, والدبران, والهقعة, والهنعة, والذراع, والنثرة, والطرف, والجبهة, والزبرة, والصرفة, والعواء, والسماك.
واليمانية: الغفر, والزبانى, والإكليل, والقلب, والشولة, والنعائم, والبلدة, وسعد بلع, وسعد الذابح, وسعد السعود وسعد الأخبية, وفرغ الدلو المقدم, وفرغ الدلو المؤخر, والرشاء.
فهذه النجوم اليمانية, ولكل نجم منها ثلاثة عشر يومًا من السنة إلا الجبهة؛ فإن لها أربعة عشر يومًا.
وقوله: (٢٠٥/ب)
تقي جبهاتهتم ما في ذراهم ... إذا بشفارها حمي اللطام
يقول: هؤلاء القوم - أي بنو عجلٍ - يقون بجبهاتهم ما في ذراهم؛ أي في فنائهم؛ إذ كان اللطام بشفار السيف. يصفهم بالشجاعة وأنهم يبلون نفوسهم في المكارم فلا يسمحون لعدهم بما حموه.
وقوله:
стр. 1254
ولو يممتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا
تجدوا: أي تطلب جداهم, وهذه تناهٍ في صفة الجود, وقد سبقه إليه حبيب بن أوس في قوله: [الطويل]
ولو قصرت أمواله عن سماحه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد في قسمة العمر حيلةً ... وجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير كفرٍ بربه ... وواساهم من صومه وصلاته
وقوله:
قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام
قوله: أنت أنت يقول: أنت الرجل المشهر المعروف. وتقول للرجل: فلان هو هو؛ أي هو الذي عرف وشهر فضله, ومن ذلك قول أبي خراش: [الطويل]
رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
أي: هم القوم الذين كنت أخافهم وأتقيهم. ولما شهد له بالفضل قال: وأنت من هؤلاء القوم الذين هم بنو عجلٍ, ومنهم جدك المسمى ببشرٍ. وذهب بعض الناس إلى أن الكلام فيه تقديم وتأخير كأنه قال: أنت وأنت منهم, وهذا تعسف لا يحتاج إليه.
стр. 1255
وقوله:
لمن مال تمزقه العطايا ... ويشرك في رغائبه الأنام
ولا ندعوك صاحبه فترضى ... لأن بصحبةٍ يجب الذمام
قال: لمن مال تمزقه العطايا فاستفهم, وعلمه ثابت بأنه مال الممدوح. ثم قال: ولا ندعوك صاحبه فترضى؛ لأنه لو صاحبك لوجب له ذمام عليك, وإنما يمر بك مرور مجتازٍ لا تلبث له لديك. وقوله: لأن بصحبةٍ يجب الذمام: يجب أن يكون في «أن» ضمير كأنه قال: لأنه بصحبةٍ, وتكون الهاء عائدةً على الأمر والشأن, وإن لم يجعل في «أن» ضمير؛ فكأنه أولى أن قوله: يجب, وأن لا تلي الفعل إلا وفيها ضمير.
وقوله:
تحايده كأنك سامري ... تصافحه يد فيها جذام
السمرة لهم مذهب معروف, وأنهم إذا مسلهم غيرهم بيده أو لاصقهم؛ فلهم بركة فيها ماء إذا ماسهم سواهم طرحوا أنفسهم فيفها بثيابهم يرون أن ذلك طهارة لهم, وحديثهم في الكتاب الكريم. والسامري هو الذي زين لهم اتخاذ العجل فضرب به الشاعر المثل, وجعل الممدوح لا يقرب من المال وينفر منه, كما ينفر السامري من مصافحة يدٍ بها جذام, هذه نهاية في صفة النفار من المال.
وقوله:
إذا ما العالمون عروك قالوا: ... أفدنا أيها الحبر الإمام
عروك: من عرا الرجل غيره إذا أتاه لزيارة أو حاجة. وجعل العلماء إذا جاؤوا هذا الممدوح سألوه أن يفيدهم. والحبر: العالم, يقال بفتح الحاء وكسرها, وبعض الناس يختار الكسر وبعضهم يختار الفتح, واشتقاقه من تحبير الشيء أي تحسينه, ومنه اشتقاق الحبرة من الثياب. وكان معاوية إذا قدم عليه قوم من أهل المدينة قال: هل معكم من حبرات قيسٍ شيء؛ يعني شعر قيس بن الخطيم. ويروون أن عبد الرحمن بن حسان دخل على أبيه وهو
стр. 1256
صبي فقال: يا أبه لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرةٍ - يعني زنبورًا -. فعلم حسان أنه سيقول الشعر لما سمع منه هذه المقالة. وقافيتها من المتواتر.
ومن أبيات أولها
أبا عبد الإله معاذ إني ... خفي عنك في الهيجا مقامي
الوزن من الوافر الأول.
ومعاذ: مرفوع على البدل من أبي عبدالله, ولو كان معطوفًا عطف البيان لوجب أن ينصب فينون؛ لأنهم جعلوا عطف البيان جاريًا مجرى الصفة. وقولهم: الإله: الأصل في قولهم: الله سبحانه, وكان الأصل: الإله فألقوا حركة الهمزة على لام التعريف فاجتمعت لامانك الأولى منهما مكسورة فأدغمت في الثانية, وهذا الوجه يوجب ألا تفتح اللام من قولهم: الله تعالت عظمته في حال النصب والرفع, وإنما يحسن كسرها مع كسر الهاء. وقد ذهب قوم إلى أن الألف في قولهم: الله منقلبة عن ياء, وأهل العلم يكرهون الكلام في اشتقاق هذا الاسم.
فأما الشمس فكانوا (٢٠٠٦/أ) في الجاهلية يسمونها إلاهةً معرفةً, وينشد: [الوافر]
رحلناها من اللعباء ظهرًا ... فأعجلنا إلاهةً معرفةً, وينشد: [الوافر]
رحلناها من اللعباء ظهرًا ... فأعجلنا إلاهة أن تغيبا
وقرأ بعضهم: ﴿ويذرك وإلاهتك﴾ , وزعموا أن فرعون كان يعبد الشمس.
وقوله:
ذكرت جسيم ما طلبي وأنا ... نخاطر فيه بالمهج الجسام
«ما» تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون زائدةً كزيادتها في قول الشاعر: [الطويل]
فإن أمس ما شيخًا كبيرًا فظالما ... عمرت ولكن لا أرى العمر ينفع
стр. 1257
والآخر: أن تكون اسمًا في معنى الذي أو في معنى نكرة, وتكون هو بعدها مضمرةً. وإذا كان نكرة فمعناها: جسيم شيء هوطلبي. والجسيم: أصله ما شغل الأماكن, ثم قالوا لكن أمرٍ عظيم: جسيم وإن لم يكن له شخص.
وقوله:
وما بلغت مشيتها الليالي ... ولا سارت وفي يدها زمامي
يقول: ما بلغت الليالي ما شاءته في. يقال: شاء الرجل الشيء يشاؤه إذا أراده, وأشاءه إليه غيره إذا ألجأه, وفي كلام بعض الأعراب: إن الذي أشاءني إليكم كذا وكذا؛ أي ألجأني وأحوجني, فأما قول ثعلبة بن صعيرٍ: [الكامل]
ومغيرةٍ سوم الجراد وزعتها ... عند الصباح بشيئانٍ ضامر
يعني بالشيئان: فرسًا, كأنه قلب شأي يشأي؛ أي سبق فقال: شاء. ويجب أن يكون المضارع: شاء يشوء, وبنى الكلمة على فيعلانٍ؛ كقولهم: تيجان وهيبان. والأصل: شيؤان فادغم, وقلب الواو إلى الياء, كما قالوا: ميت وهو من المت. والقافية من المتواتر.
ومن التي أولها
نرى عظمًا بالصد والبين أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم
стр. 1258
الوزن من الطويل الثاني.
قوله:
ومن لبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم
يقول: لبي مع غيري فيكف تكون حالي؛ أي إنها غير جميلةٍ. وقوله: ومن سره في جفنه كيف يكتم؛ أي: إن الأسرار إنما تكتم في القلوب لا في الأجفان. وقد جرت عادة الناس بأن يقولوا: عين فلان تبين عما في صدره, وتردد ذلك في الشعر, قال الشاعر: [الطويل]
تخبر من لاقيت أنك ناصح ... وعينك تبدي أن صدرك لي دو
ويضاف إلى هذا المعنى أن المحب يجري دمعه فيبين سره لرائيه.
وقوله:
ظلوم كمتنيها لصب كخصرها ... ضعيف القوى من فعلها يتظلم
المتنان: تثنية متن وهو أسفل الظهر. يقال: متنان ومتنتان. قال أبو دواد الإيادي: [الهزج]
ومتنان خظاتان ... كزحلوقٍ من الهضب
خظاتان أي كثيرتا اللحم, وقال امرؤ القيس: [المتقارب]
لها متنتان خظاتا, كما ... أكب على ساعديه النمر
يقول: هذه المرأة ثقيلة الأراداف؛ فمتناها يضربان خصرها. وشبه المرأة في ظلمها بظلم
стр. 1259
متنيها لصب كخصرها. ثم وصف نفسه بأنه ضعيف القوة يتظلم مما يفعل به. يقال: تظلم الرجل إذا اشتكى الظلم, وتظلم إذا ظلم, قال الجعدي: [الطويل]
وما يشعر الرمح الأصم كعوبه ... بفروة رأس الأبلخ المتظلم
يعني بالأبلخ: المتكبر, ومن روى: فروة رأسه أراد جلده؛ ومن روى: ثروى رهطه أراد كثرتهم. وهذه اللام التي في قوله: لصب إذا تقدمها فعل قبح مجيئها بعده في مثل قولك: ظلمت لفلانٍ. فإن تقدمت اللام على الفعل لم يقبح ذلك؛ تقول: لفلانٍ أعطيت درهمًا, وكذلك إن جئت باللام بعد فاعلٍ أو فعولٍ. فقولك: هو ظالم لعمرو وظلوم لزيد؛ أحسن من قولك: ظلم لعمروٍ؛ لأن الفعل عادته أن يتعدى بغير معد.
وقوله:
فلو كان قلبي دارها كان خليًا ... ولكن جيش الشوق فيه عرموم
يقول: لو كان قلبي دار هذه الموصوفة لكان خاليًا لأنها قد رحلت عنه, ولكنه؛ يعني أن قلبه مملوء بالشوق؛ ففيه منه جيش عرموم؛ أي عظيم.
وقوله:
أثاف بها ما بالفؤاد من الصلا ... ورسم كجسمي ناحل متهدم
أثافٍ: جمع أثفيةٍ, وهي من قولهم: أثف الرجل غيره إذا تبعه, وقيل للواحدة: أثفية؛ لأنها تتبع صاحبتها. والبصريون يحكون تخفيف الياء في الأثافي, والكوفيون يروون التشديد, وعلى الوجهين أنشدوا قول زهير: [الطويل]
أثافي سفعًافي معرس مرجل
والصلا: أثر الناس في الأثافي وغيرها, ولما شبه صلا الأثافي بصلا فؤاده زعم أن جسمه مثل الرسم الذي قد نحل وتهدم.
وقوله:
стр. 1260
بلتت بها ردني والغيم مسعدي ... وعبرته صرف وفي عبرتي دم
الردنان: تثنية ردنٍ, وهو أصل الكم. قالت عمرة أخت ذي الكلب الهذلية: [البسيط]
المخرج الكاعب الحسناء مذعنةً ... في السبي ينفخ من أردانها الطيب
والعبرة: تردد الدمع, وقيل للثكل: عبر, وللثاكل: عابر. والصرف: الخالص, وأصل ذلك في الخمر إذا لم تمزج, وكذلك خمر مصروفة, قال المتنخل الهذلي: [السريع]
إن يمس نشوان بمصروفةٍ ... منها بنيءٍ أو على مرجل
وقوله: (٢٠٦/ب)
بنفسي الخيال الزائري بعد هجعةٍ ... وقولته لي: بعدنا الغمض تطعم
سلام فلولا البخل والخوف عنده ... لقلت أبو حفصٍ علينا المسلم
يقال: خيال وخيالة, فأما قول زهير: [الوافر]
تطالعنا خيالات لسلمى ... كما يتطلع الدين الغريم
يجوز أن يكون جمع خيالٍ بالتذكير كما يقال: سجل وسجلات, وحمام وحمامات.
стр. 1261
ويجوز أن يكون جمع خيالةٍ. وقال آخر: [الوافر]
ألا طرقت خيالة أم كرزٍ ... وأصحابي بعيهم من تباله
وقوله: بعدن المغض تطعم: الأحسن فيه أن يكون معناه معنى الاستفهام, كأن الخيال قال: أتطعم الغمض بعدنا؟ ! وقد يحتمل أن يكون معناه معنى الاستفهام, كأن الخيال قال: أتطعم الغمض بعدنا؟ ! وقد يحتمل أن يكون على معنى الخبر كما تقول للرجل إذا رأيته يفعل فعلًا لا ينبغي أن يفعله: جلست في موضع كذا؛ أي قد جلست في موضع لا ينبغي أن تجلس فيه. وقوله: سلام: من لفظ الخيال. يقول: لولا أن الخيال بخيل بما نريد وإن معه خوفًا من هجرانه لقلت: أبو حفص المسلم علينا من عظم فرحي بذلك.
وقوله:
محب الندى الصابي إلى بذل ماله ... صباءً كما يصبو المحب المتيم
يقول: أبو حفص يصبو إلى بذل ماله كما يصبو المحب المتيم إلى من يحب. يقال: صبا يصبو صبوًا وصبى بكسر الساد والقصر, وصباءً بفتحها والمد.
وقوله:
يجل عن التشبيه لا الكف لجة ... ولا هو ضرغام ولا الرأي مخذم
يقول: هذا الممدوح يجل عن التشبيه بالأشياء؛ لا كفه لجة؛ أي كفه أعظم جودًا.
والأسد وهو الضرغام يحتقر عنده, ولأنه أمضى من السيف المخذم؛ أي القاطع؛ فمن شبهه بهذه الأشياء فقد ظلمه.
وقولهك
ولا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
يقال: أبرمت الأمر إذا أحكمته. وأصل ذلك من فتل الحبل. وبعض الناس يعيب عليه حالل, لأنه أظهر التضعيف, وتلك ضرورة, ولو وضع مكانها ناقضًا لسلم من الضرورة. ويجوز أن يكون الشاعر فعل ذلك لينكر عليه فيعلمهم أنه عالم بالضرورات. فأما قول ابن أم صاحب: [البسيط]
стр. 1262
مهلًا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوامٍ وإن ضننوا
فإنه احتاج إلى إظهار التضعيف لأنه أراد أن يقابل الجود بالضن, وكذلك قول زهير: [الكامل]
لم يلقها إلا بشكة باسلٍ ... يخشى الحواث حازمٍ مستعدد
وقوله:
ولا يرمح الأذيال من جبريةٍ ... ولا يخدم الدنيا وإياه تخدم
أصل الرمح في الخيل, يقال: رمحه الفرس إذا ضربه برجله, ثم استعارواة ذلك في غير الخيل؛ فقالوا للمرأة التي تسحب أذيالها: هي ترمح ذيلها, وكذلك يقولون للرجل المتكبر إذا سحب ذيله.
وقوله:
ولا يشتهي يبقى وتفنى هباته ... ولا تسلم الأعداء منه ويسلم
قد كثر في شعر أبي الطيب حذف «أن» في مواضع إثباتها فيها أحسن كقوله: ولا يشتهي يبقى, أراد: أن يبقى, وقوله: وقبل يرى من جوده, أي: قبل أن يرى, وقوله: ويمنعها الحياء تميسا؛ أي: أن تميس, وغير ذلك. والمجيء بها أحسن وأقوى للفظ.
يقول: هذا الممدوح لا يشتهي أن يسلم ويسلم أعداؤه؛ ولكن يريد أن يسلم في نفسه ويهلك جميع أعدائه.
وقوله:
وأغرب من عنقاء في الطير شكله ... وأعوز من مسترفدٍ منه يحرم
قد مضى ذكر العنقاء في أول الكتاب. يقول: شكله مفقود كما فقدت عنقاء مغرب. وأعوز من مسترفدٍ حرمه لأنه لا يحرم أحدًا استرفده؛ أي أعطاه الرفد أي العطية.
وقوله:
стр. 1263
سني العطايا لو رأى نوم عينه ... من اللؤم آلى أنها لا تهوم
أصل التهويم: النوم القليل؛ وكأنهم يريدون به أخذ النوم في هامة الإنسان لأنه يبدأ برأسه, ثم ينتشر في سائر الجسد.
وقوله:
ولو قال: هاتوا درهمًا لم أجد به ... على سائل أعيا على الناس درهم
يقال: هاتى الرجل يهاتي إذا قال لغيره: هات. وتقول للرجلين: هاتيا, وللجماعة: هاتوا, وللمرأة: هاتي, وللمرأتين: هاتيا, كما تقول للرجلين (٢٠٧/أ) وللجميع: هاتين.
وقوله:
ولو ضر مرءًا قبله ما يسره ... لأثر فيه بأسه والتكرم
يقال: امرؤ فتضم الراء في الرفع, ورأيت امرءًا فتفتح, ومررت بامرئٍ فتكسر. فإذا جاءت الألف واللام ألزموا الراء سكونًا فقالوا: هذا المرء, ورأيت المرء, ومررت بالمرء. منهم من يشدد الراء فيقول: هذا المر, ورأيت المر, ومررت بالمر؛ وربما قالوا: رأيت مرءاً. وينشد لبعض اللصوص: [الطويل]
ولست أرى مرءاً تطول حياته ... فتبقي له الأيام خالًا ولا عما
وقوله:
يروي بكالفرصاد في كل غارةٍ ... يتامى من الأغماد بيضًا ويوتم
الفرصاد: التوت, قال الشاعر: [البسيط]
التارك القرن مصفرًا أنامله ... كأن أثوابه علت بفرصاد
стр. 1264
وربما سموا الخمر فرصادًا على التشبيه. وقوله: بكالفرصاد أي بمثله, والكاف تدخل عليها حروف الخفض, قال الأخطل: [الطويل]
قليلو غرار النوم حتى يخلصوا ... على كالقطا الجوني أفزعه الزجر
والمعنى: أنه جعل الأغماد كالآباء للسيوف, وزعم أن الممدوح يموتها بطول السل ويوتم أولاد الأعداء.
وقوله:
إلى اليوم ما حط الفداء سروجه ... مذ الغزو سارٍ مسرج الخيل ملجم
يعني بالفداء ما كان يجري بين الروم والمسلمين من المفاداة بالأسرى. هذا المصدر ممدود لا يجوز قصره. فإذا جعل اسمًا فقد حكي: فدي لك وفدى لك. وفداء لك يا فلان بالكسر والتنوين, وهي كلمة شاذة. وذكر أبو جعفر أحمد بن عبيد أن فداءً إذا كانت موفوعة برافعه لم يجز فيها الكسر؛ يعني مثل قول النابغة: [البسيط]
مهلًا فداءٍ لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مالٍ ومن ولد
والبصريون ينشدون هذا البيت بالكسر. يقول: هذا الممدوح ما حط الفداء سروجه؛ بل هو على حاله في الغزو مسرج ملجم.
стр. 1265
وقوله:
ومن عاتقٍ نصرانةٍ برزت له ... أسيلة خد عن قليلٍ سيلطم
يقال: خد أسيل بين الإسالة والأسل؛ وإنما يراد سهولته, ومن ذلك قيل للرماح: أسل.
والأسل أيضًا: نبت تعمل منه الحصر.
وقوله:
أجدك ما تنفك عانٍ تفكه ... عم بن سليمان ومالًا تقسم
أجدك بمعنى: أجد منك, وهو استفهام كالمعلوم عند المستفهم. ونصب أجدك على المصدر أو فعلٍ مضمرٍ, وينبغي أن يكون عانٍ مرفوعًا بالابتداء, ولولا وزن البيت لكان نصب عانٍ أوجه, ويكون التقدير: ما تنفك عانيًا. ويقوي نصبه أنه نصب مالًا. وقوله: عم بن سليمان؛ أراد: عمر فرخم على رأي أهل الكوفه, والبصريون لا يرون ترخيم الثلاثي الذي أوسطه متحرك.
وقوله:
مكافيك من أوليت دين رسوله ... يدًا لا تؤدي شكرها اليد والفم
مكافيك أصله الهمز؛ يقال: كافأت فلانًا على فعله, وفلان كفؤ لفلان أي هو نظير له. وتخفيف الهمزة جائز, وبعض النحويين يرده إلى السماع, وحمله على القياس أوجه؛ لأنك إذا وقفت على «كافأ» سكنت الهمزة وقبلها فتحة فجعلت ألفًا. وكذلك إذا وقف على المضارع قيل: يكافئ فسكن آخر الفعل وقبل الهمزة ضمة فجاز أن تجعل ياءً. وكذلك إذا قلت في اسم الفاعل: مكافئ سكنت آخر الكلمة فاتجه تخفيف الهمز.
وقوله:
وزارك بي دون الملوك تحرج ... إذا عن بحر لم يجر لي التيمم
أصل التيمم: القصد, يقال: تيممت الرجل وتأممته. ومنه اشتقاق التيمم في الصلاة, وهذا أمر حدث في الإسلام, وإنما يجوز التيمم إذا فقد الماء. فقال الشاعر: أنت أيها الممدوح بحر, وغير من الملوك مثل قاصده مثل من فقد الماء فتطهر بالتراب, وأنت بحر قد عن لي - أي عرض - فلا يجوز أن أقصد ملكًا غيرك. وقافيتها من المتدارك.
следующие страницы →