Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
ويجوز أن يكون جمع خيالةٍ. وقال آخر: [الوافر]
ألا طرقت خيالة أم كرزٍ ... وأصحابي بعيهم من تباله
وقوله: بعدن المغض تطعم: الأحسن فيه أن يكون معناه معنى الاستفهام, كأن الخيال قال: أتطعم الغمض بعدنا؟ ! وقد يحتمل أن يكون معناه معنى الاستفهام, كأن الخيال قال: أتطعم الغمض بعدنا؟ ! وقد يحتمل أن يكون على معنى الخبر كما تقول للرجل إذا رأيته يفعل فعلًا لا ينبغي أن يفعله: جلست في موضع كذا؛ أي قد جلست في موضع لا ينبغي أن تجلس فيه. وقوله: سلام: من لفظ الخيال. يقول: لولا أن الخيال بخيل بما نريد وإن معه خوفًا من هجرانه لقلت: أبو حفص المسلم علينا من عظم فرحي بذلك.
وقوله:
محب الندى الصابي إلى بذل ماله ... صباءً كما يصبو المحب المتيم
يقول: أبو حفص يصبو إلى بذل ماله كما يصبو المحب المتيم إلى من يحب. يقال: صبا يصبو صبوًا وصبى بكسر الساد والقصر, وصباءً بفتحها والمد.
وقوله:
يجل عن التشبيه لا الكف لجة ... ولا هو ضرغام ولا الرأي مخذم
يقول: هذا الممدوح يجل عن التشبيه بالأشياء؛ لا كفه لجة؛ أي كفه أعظم جودًا.
والأسد وهو الضرغام يحتقر عنده, ولأنه أمضى من السيف المخذم؛ أي القاطع؛ فمن شبهه بهذه الأشياء فقد ظلمه.
وقولهك
ولا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
يقال: أبرمت الأمر إذا أحكمته. وأصل ذلك من فتل الحبل. وبعض الناس يعيب عليه حالل, لأنه أظهر التضعيف, وتلك ضرورة, ولو وضع مكانها ناقضًا لسلم من الضرورة. ويجوز أن يكون الشاعر فعل ذلك لينكر عليه فيعلمهم أنه عالم بالضرورات. فأما قول ابن أم صاحب: [البسيط]
стр. 1262
مهلًا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوامٍ وإن ضننوا
فإنه احتاج إلى إظهار التضعيف لأنه أراد أن يقابل الجود بالضن, وكذلك قول زهير: [الكامل]
لم يلقها إلا بشكة باسلٍ ... يخشى الحواث حازمٍ مستعدد
وقوله:
ولا يرمح الأذيال من جبريةٍ ... ولا يخدم الدنيا وإياه تخدم
أصل الرمح في الخيل, يقال: رمحه الفرس إذا ضربه برجله, ثم استعارواة ذلك في غير الخيل؛ فقالوا للمرأة التي تسحب أذيالها: هي ترمح ذيلها, وكذلك يقولون للرجل المتكبر إذا سحب ذيله.
وقوله:
ولا يشتهي يبقى وتفنى هباته ... ولا تسلم الأعداء منه ويسلم
قد كثر في شعر أبي الطيب حذف «أن» في مواضع إثباتها فيها أحسن كقوله: ولا يشتهي يبقى, أراد: أن يبقى, وقوله: وقبل يرى من جوده, أي: قبل أن يرى, وقوله: ويمنعها الحياء تميسا؛ أي: أن تميس, وغير ذلك. والمجيء بها أحسن وأقوى للفظ.
يقول: هذا الممدوح لا يشتهي أن يسلم ويسلم أعداؤه؛ ولكن يريد أن يسلم في نفسه ويهلك جميع أعدائه.
وقوله:
وأغرب من عنقاء في الطير شكله ... وأعوز من مسترفدٍ منه يحرم
قد مضى ذكر العنقاء في أول الكتاب. يقول: شكله مفقود كما فقدت عنقاء مغرب. وأعوز من مسترفدٍ حرمه لأنه لا يحرم أحدًا استرفده؛ أي أعطاه الرفد أي العطية.
وقوله:
стр. 1263
سني العطايا لو رأى نوم عينه ... من اللؤم آلى أنها لا تهوم
أصل التهويم: النوم القليل؛ وكأنهم يريدون به أخذ النوم في هامة الإنسان لأنه يبدأ برأسه, ثم ينتشر في سائر الجسد.
وقوله:
ولو قال: هاتوا درهمًا لم أجد به ... على سائل أعيا على الناس درهم
يقال: هاتى الرجل يهاتي إذا قال لغيره: هات. وتقول للرجلين: هاتيا, وللجماعة: هاتوا, وللمرأة: هاتي, وللمرأتين: هاتيا, كما تقول للرجلين (٢٠٧/أ) وللجميع: هاتين.
وقوله:
ولو ضر مرءًا قبله ما يسره ... لأثر فيه بأسه والتكرم
يقال: امرؤ فتضم الراء في الرفع, ورأيت امرءًا فتفتح, ومررت بامرئٍ فتكسر. فإذا جاءت الألف واللام ألزموا الراء سكونًا فقالوا: هذا المرء, ورأيت المرء, ومررت بالمرء. منهم من يشدد الراء فيقول: هذا المر, ورأيت المر, ومررت بالمر؛ وربما قالوا: رأيت مرءاً. وينشد لبعض اللصوص: [الطويل]
ولست أرى مرءاً تطول حياته ... فتبقي له الأيام خالًا ولا عما
وقوله:
يروي بكالفرصاد في كل غارةٍ ... يتامى من الأغماد بيضًا ويوتم
الفرصاد: التوت, قال الشاعر: [البسيط]
التارك القرن مصفرًا أنامله ... كأن أثوابه علت بفرصاد
стр. 1264
وربما سموا الخمر فرصادًا على التشبيه. وقوله: بكالفرصاد أي بمثله, والكاف تدخل عليها حروف الخفض, قال الأخطل: [الطويل]
قليلو غرار النوم حتى يخلصوا ... على كالقطا الجوني أفزعه الزجر
والمعنى: أنه جعل الأغماد كالآباء للسيوف, وزعم أن الممدوح يموتها بطول السل ويوتم أولاد الأعداء.
وقوله:
إلى اليوم ما حط الفداء سروجه ... مذ الغزو سارٍ مسرج الخيل ملجم
يعني بالفداء ما كان يجري بين الروم والمسلمين من المفاداة بالأسرى. هذا المصدر ممدود لا يجوز قصره. فإذا جعل اسمًا فقد حكي: فدي لك وفدى لك. وفداء لك يا فلان بالكسر والتنوين, وهي كلمة شاذة. وذكر أبو جعفر أحمد بن عبيد أن فداءً إذا كانت موفوعة برافعه لم يجز فيها الكسر؛ يعني مثل قول النابغة: [البسيط]
مهلًا فداءٍ لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مالٍ ومن ولد
والبصريون ينشدون هذا البيت بالكسر. يقول: هذا الممدوح ما حط الفداء سروجه؛ بل هو على حاله في الغزو مسرج ملجم.
стр. 1265
وقوله:
ومن عاتقٍ نصرانةٍ برزت له ... أسيلة خد عن قليلٍ سيلطم
يقال: خد أسيل بين الإسالة والأسل؛ وإنما يراد سهولته, ومن ذلك قيل للرماح: أسل.
والأسل أيضًا: نبت تعمل منه الحصر.
وقوله:
أجدك ما تنفك عانٍ تفكه ... عم بن سليمان ومالًا تقسم
أجدك بمعنى: أجد منك, وهو استفهام كالمعلوم عند المستفهم. ونصب أجدك على المصدر أو فعلٍ مضمرٍ, وينبغي أن يكون عانٍ مرفوعًا بالابتداء, ولولا وزن البيت لكان نصب عانٍ أوجه, ويكون التقدير: ما تنفك عانيًا. ويقوي نصبه أنه نصب مالًا. وقوله: عم بن سليمان؛ أراد: عمر فرخم على رأي أهل الكوفه, والبصريون لا يرون ترخيم الثلاثي الذي أوسطه متحرك.
وقوله:
مكافيك من أوليت دين رسوله ... يدًا لا تؤدي شكرها اليد والفم
مكافيك أصله الهمز؛ يقال: كافأت فلانًا على فعله, وفلان كفؤ لفلان أي هو نظير له. وتخفيف الهمزة جائز, وبعض النحويين يرده إلى السماع, وحمله على القياس أوجه؛ لأنك إذا وقفت على «كافأ» سكنت الهمزة وقبلها فتحة فجعلت ألفًا. وكذلك إذا وقف على المضارع قيل: يكافئ فسكن آخر الفعل وقبل الهمزة ضمة فجاز أن تجعل ياءً. وكذلك إذا قلت في اسم الفاعل: مكافئ سكنت آخر الكلمة فاتجه تخفيف الهمز.
وقوله:
وزارك بي دون الملوك تحرج ... إذا عن بحر لم يجر لي التيمم
أصل التيمم: القصد, يقال: تيممت الرجل وتأممته. ومنه اشتقاق التيمم في الصلاة, وهذا أمر حدث في الإسلام, وإنما يجوز التيمم إذا فقد الماء. فقال الشاعر: أنت أيها الممدوح بحر, وغير من الملوك مثل قاصده مثل من فقد الماء فتطهر بالتراب, وأنت بحر قد عن لي - أي عرض - فلا يجوز أن أقصد ملكًا غيرك. وقافيتها من المتدارك.
стр. 1266
ومن التي أولها
ألا لا أري الأحداث حمدًا ولا ذما ... فما بطشها جهلًا ولا كفها حلما
(٢٠٧/ب) الوزن من الطويل الأول.
وأري في البيت بمعنى: أعلم, وهي تستعمل كثيرًا على هذا الوجه. وأصل الرؤية في العين, ثم استعملت في العلم والاعتقاد والمشورة, ونحو ذلك. يقول: المسلم يرى أن الصلاة فرض أي يعتقد, وفلان يرى أن تفعل أي يشير عليك. والمعنى: لا أرى الأحداث أني أحمدها ولا أذمها لأنها إذا حدث فيها شر فلا علم لها بالجناية, وإن اتفق خير فليست بالمحمودة عليه لأنها لم ترده ولم تكن السبب في فعله.
وقوله:
إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى ... يعود كما أبدى ويكري كما أرمى
يقال: بدأ الشيء, بالهمز, وهي اللغة الجيدة. ويقال: أبدى في معنى بدأ وهي قليلة. ويقال: أكرى الشيء إذا نقص وأكري إذا زاد. وقد ذكرت هذه الكلمة في الأضداد, وكري الزاد إذا نقص, وأكرى الرجل إذا نقص زاده. قال الشاعر: [الوافر]
كذي زاد متي لا يكر منه ... فليس وراءه ثقة بزاد
وأرمى على الشيء إذا زاد عليه, والاسم منه الرماء. وفي الحديث: «إني أخاف عليكم الرما» أي الربا. والمعنى: أن الفتي كان معدومًا لا يعلم له شخص ولا يعرف له اسم وإلى مثل ذلك يعود.
стр. 1267
وقوله:
بكيت عليها خيفةً في حياتها ... وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
يقول: كنت أعلم أني لا بد لي من فراقها فكنت أبكي عليها, والفراق لم يكن.
وكانت هي من إشفاقها علي كأنها ثاكلة, وهذا نحو من قوله: [الخفيف]
من رآها بعينها شاقه القطا ... ن فيها كما تشوق الحمول
وقوله:
ولو قتل الهجر المحبين كلهم ... مضى بلد باقٍ أجدت له صرما
ادعى أن البلد الذي كانت فيه محب لها لما كانت عليه من الطاهرة وفعل الخير. وهذه الدعوى باطلة, ولكنها تجوز في أحكام الشعر.
وقوله:
منافعها ما ضر في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن تجوع وأن تظما
يقول: هذه المرأة كانت ترى أنها تنتفع بنفع غيرها وإن كان نفعها إياه يضرها. والمراد: أنها كانت تطعم المساكين وتجوع وتظمأ وظمؤها في نفسها ري؛ وكأن هذا مأخوذ من قوله تعالي: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.
وقوله:
أتاها كتابي بعد يأسٍ وترحةٍ ... فماتت سرورًا بي فمت بها هما
الترحة: الحزن, قال الشاعر: [الطويل]
وما فرحة إلا ستعقب ترحةً ... ولا عامر إلا قريبًا سيخرب
والأطباء يقولون: إن السرور إذا زاد جاز أن يقتل.
وقوله:
تعجب من خطي ولفظي كأنها ... ترى بحروف السطر أغربةً عصما
العصم: جمع أعصم, ويقال للغراب إذا كانت فيه ريشة بيضاء: أعصم. وأصل العصمة
стр. 1268
في الوعول والخيل وهو أن يكون في قوائمها بياض. وقد قيل: إن الغراب الأعصم الذي رجله بيضاء. وقال النمر بن تولب في الأعصم الذي هو الوعل: [المتقارب]
ولو أن من يومه ناجيًا ... لكان هو الصدع الأعصما
وقال أبو خراشٍ الهذلي: [الطويل]
تراه قريبًا يحسر الطرف دونه ... وإن كان طودًا فوقه فرق العصم
وقوله:
وتلثمه حتى أصار مداده ... محاجر عينيها وأنيابها سحما
يذكر أن هذه النسيبة لثمت كتابه؛ أي قبلته. ويقال: صار الشيء إلى كذا وكذا, وأصاره غيره. والمعنى أنها لم تزل تلثم السطور وتضعها على عينيها حتى اسودت أنيابها ومحاجرها. والسحم: السود, الذكر أسحم, والأنثى سحماء. يقال: أسحم بين السحمة والسحم. والسحم - في غير هذا الموضع - ضرب من النبت, قال النابغة: [الكامل]
إن العريمة مانع أرماحنا ... ما كان من سحمٍ بها وصفار
الصفار: يبيس البهمى.
وقوله:
رقا دمعها الجاري وجفت جفونها ... وفارق حبي قلبها بعدما أدمى
(٢٠٨/أ) أصل رقأ الهمز. يقال: رقأ الدم رقوءًا, وكذلك رقأ الدمع. قال الشاعر: [الطويل]
بكى دوبل لا أرقأ الله دمعه ... ألا إنما يبكي من الذل دوبل
стр. 1269
يقول: رقأ دمع هذه المرأة لأنها كانت تبكي من فراقي في أيام الحياة, فلما أصابها الموت رقأ الدمع وجفت منها الجفون, وفارق قلبها حبي بعدما أدماه.
وقوله:
ولم يسلها إلا المنايا وإنما ... أشد من السقم الذي أذهب السقما
المعنى: أنهما لم تسل حتى سلتها المنية, والذي يذهب السقم أشد منه؛ إلا أن الموت؛ وإن كان شديدًا؛ فإنه يؤدي إلى الراحة بمشيئة الله, وفي هذا المعنى طرف من قوله: [الكامل]
وشكيتي فقد السقام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء
فهذا يشابه قوله:
أشد من السقم الذي أذهب السقما
وقوله:
طلبت لها حظا ففاتت وفاتني ... وقد رضيت بي لو رضيت لها قسما
يقول: سافرت عنها لأفيد مالًا يكون لهاحظًا وسعةً ففاتت هي وفات الحظ, وكانت راضيةً بي لو أني رضيت لها بذلك.
وقوله:
فأصبحت أستسقي الغمام لقبرها ... وقد كنت أستسقي الوغا والقنا الصما
يقول: أصبحت أقول: سقي قبرها الغمام لا أقدر على غير ذلك, وقد كنت قبل موتها استسقي الوغا, أي الحرب, والقنا الصم لأصل إلى مالٍ أنفعها به.
وقوله:
هبيني أخذت الثار فيك من العدى ... فكيف بأخذ الثار فيك من الحمى
يقول: لو قتلك عدو لجاز أن أطلب بثأرك, فكيف أقدر على أن آخذ ثأرك من الحنى القاتلة لك.
وقوله: فوا أسفا ألا أكب مقبلًا ... لرأسك والصدر اللذي ملئا حزما
يقال: أكب على الشيء إذا خفض رأسه وظهره إليه, وكب الشيء لوجهه إذا ألقاه
стр. 1270
عليه, ومنه قولهم: فلان يكب الإبل, أي يضرب عراقيبها فيكبها على وجوهها. قال الشاعر: [الطويل]
ولا عيب فينا غير أن حدايدًا ... نكب بها صهب العشار البهازر
أي الضخام من النوق. وقوله: اللذي حذف النون من اللذين, وقد مر ذكر ذلك.
وقوله:
تغرب لا مستعظمًا غير نفسه ... ولا قابلًا إلا لخالقه حكما
ولا سالكًا إلا فؤاد عجاجةٍ ... ولا واجدًا إلا لمكرمةٍ طعما
زعم أنه تغرب لا يستعظم شيئًا غير نفسه, ونصب مستعظمًا على الحال. وذكر أنه لا يقبل حكمًا إلا للخالق تعالت كلمته, واستعار للعجاجة فؤادًا كما يستعير الشعراء بعض الأشياء لبعض. وادعى أنه لا يستعذب شيئًا ولا يجد له طعمًا إلا أن يكون مكرمةً.
وقوله:
يقولون لي: ما أنت؟ في كل بلدةٍ ... وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى
«ما» تقع على الصفات للآدميين كأنهم إذا قالوا له: ما أنت, فالمراد أي شيء أنت؟ فيقول: كريم, أو كاتب, أو شاعر, أو نحو ذلك. وما تبتغي؟ أي أي شرفٍ تروم؟ ثم ابتدأ الكلام فقال: الذي أبتغي جل أن يسمى, أي عظم أن يذكر.
وقوله:
كأن بنيهم عالمون بأنني ... جلوب إليهم معادنه اليتما
الهاء والميم من بينهم راجعة إلى الذين يقولون له: ما أنت في كل بلدة؛ يزعم أنهم يبغضونه كأن بنيهم قد علموا أنه سيوتمهم بقتل آبائهم.
وقوله:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجد والفهما
يقول: لا أستطيع أن أجمع بين الفهم والثروة التي يؤديني إليها الجد؛ أي الحظ, إذ كان أهل الفضل قد يكونون فقراء, وقلما رئي ملك عالم أو عالم ملك. وقد ضرب البحتري المثل
стр. 1271
بفقر الأنبياء صلى الله عليهم, ولهم الفضل الأعظم, فقال: [الكامل]
فقر كفقر الأنبياء وغربة ... وصبابة ليس البلاد بواحد
في الكتاب العزيز: ﴿ووجدك عائلًا فأغنى﴾ أي فقيرًا. وفي قصة موسى ﵇: ﴿إني لما أنزلت إلي من خيرٍ فقير﴾.
وقوله:
ولكنني مستنصر بذبابه ... ومرتكب في كل حال به الغشما
الهاء في ذبابه راجعة إلى السيف؛ ولم يتقدم له ذكر؛ إلا أنه (٢٠٨/ب) معلوم عند السامع, وإنما قيل لطرف السيف: ذباب لأنه يذب به الأعداء؛ أي يطردون, وإنما يكون ذلك من قبل أن تقع الملاحمة؛ فإذا كان ذلك فالمضاربة بصدور السيوف.
وقيل: إنما قيل له: ذباب لأنه له حدة تزيد على حد السيف, فشبه بذباب العين وهو إنسانها أي أفضل ما فيها. وقيل: إنما قيل له: ذباب من قولهم: بقي عليه ذباب من دينٍ؛ أي شيء قليل منه؛ فكأن هذا الشيء طرف من السيف قليل.
وقوله:
وجاعله يوم اللقاء تحيتي ... وإلا فلست السيد البطل القرما
أصل التحية أن تكون «تفعلةً» من الحياة, فيجوز أن يريد أن أجعله حياتي في الحرب - وقد مضى الكلام على التحية, ونقلها من حالٍ إلى حال - فيجوز أن يعني أنه يحيي بالسيف نفسه كما يحييها بالشيء الطيب الرائحة. ويحتمل أن يكون أراد: إني أجعله كالتحية لمن أقابل كما قال القائل: [الوافر]
تحية بينهم ضرب وجيع
стр. 1272
وقوله:
إذا فل عزمي عن هدى خوف بعده ... فأبعد شيءٍ ممكن لم يجد عزما
يقول: إذا فل عزمي خوفي بعد المطلوب - وأبعد مما أطلب إذا بعد ممكن؛ أي قريب - لم يجد عزمًا في طلبه. وقوله: ممكن يدل على أن الميم في «مكان» أصليه, والأشبه بمكان أن يكون مفعلًا من الكون.
وقوله:
وإني لمن قوم كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
كان أبو الطيب له مذهب في أن يحمل الضمير على المعنى, كقوله في هذا البيت: كأن نفوسنا, ولو قال: كأن نفوسهم لرجع الضمير إلى قوم. وإذا قال: كأن نفوسنا فلم يرجع إلى قومٍ ضمير, وقد تردد نحو من هذا شعره, كقوله: [الكامل]
قوم تفرست المنايا فيكم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام
ولو قال: فيهم ولهم لكان ذلك أقرب إلى فهم السامع, وكأنه أراد بهذا القول: أنا نؤثر القتل لأن نفوسنا تأنف من سكناها العظم واللحم. والقافية من المتواتر.
ومن بيتين أولهما
إذا ما شربت الخمر صرفًا مهنأً ... شربنا الذي من مثله شرب الكرم
وزنهما من الطويل الأول.
يقول: إذا شربت الخمر شربنا الماء الذي شرب منه الكرم.
وأص الكرم: شجر العنب, والكرم شجر آخر تتخذ منه نصب السكاكين, وقد ذكره أبو حنيفة الدينوي في كتاب «النبات». وقافيتهما من المتواتر.
стр. 1273
ومن أبيات أولها
إذا غامرت في شرفٍ مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
وزنها من الوافر الأول.
وغامرت: أي دخلت في الغمرات وهي الشدائد. وأصل المغامرة أن تكون من اثنين فما زاد. والمعنى: أن طعم الموت في الأمر الهين كطعمه في الأمر الأعظم, وقد بين ذلك بقوله:
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ ... كطعم الموت في أمرٍ عظيم
ستبكي شجوها فرسي ومهري ... صفائح دمعها ماء الجسوم
يقال: إنه ذهبت له فرس ومهر في أنطاكية, وذلك في أيام مدح العشائر بالشينية. وقد يجوز أن يكون ما قيل, ولا يمتنع أن يريد أنه يحمل فرسه ومهره على الإقدام حتى يصيبهما القتل فتكون الصفائح باكيةً عليهما.
وقوله:
قربن النار ثم نشأن فيها ... كما نشأ العذارى في النعيم
قربن: استعاره من قرب الإبل؛ أي سار حديد هذه السيوف إلى النار - كما أن الإبل تسير إلى القرب - ثم نشأت في النار فأداها ذلك إلى حسن منظرٍ ومضاءٍ فكأنهن عذارى نشأن في نعيم.
وقوله:
ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم
يقول: الناس يفهمون ما دق من الكلام على مقدار علومهم وقرائحهم. والقرائح: جمع قريحة وهي خالص الطبع, وأخذت من قريحة البئر, وهو أول ما يخرج من مائها. ويقال: فلان في قرح عمره أي في أوله, ومن هذا قيل: ماء قراح؛ أي لا يخالطه غيره. وقافيتها من المتواتر.
стр. 1274
ومن بيتين أولهما
وأخٍ لنا بعث الطلاق أليةً ... لأعللن بهذه الخرطوم
(٢٠٩/أ) وزنهما من ثاني الكامل, وقافيتهما من المتواتر.
ومن التي أولها
لهوى القلوب سريرة لا تعلم ... عرضًا نظرت وخلت أني أسلم
عرضًا: يحتمل نصبه وجهين: أحدهما: أن يكون المراد: نظرت نظرةً عرضًا, والآخر: أن يكون عرض مفعولًا؛ أي ظننت عرضًا من أعراض الدنيا.
وقوله:
يا أخت معتنق الفوارس في الوغا ... لأخوك ثم رق منك وأرحم
وصف أخا المرأة بالشجاعة, وذكر أنه على قتله الناس أرق من أخته قلبًا وأكثر منها رحمةً.
وقوله:
يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أن المجوس تصيب فيما تحكم
هذا نحو من قول الآخر: [الخفيف]
بأبي من إذا رآها أبوها ... قال بالغيب: ليت أنا مجوس
أي: أبوها ليس مجوسيًا, وهي يتمنى أن يكون متمجسًا لأنهم يجيزون نكاح الأخوات والبنات. وذهب بعض الناس إلى أن هذين البيتين كالتعريض بابن كيغلغ, وليس الأمر كذلك.
وقوله:
стр. 1275
راعتك راعية البياض بعارضي ... ولو انها الأولى لراع الأسحم
يقول: راعتك الشعرة البيضاء في عارضي, ولو أنها أول ما يظهر في العذار من الشعر, وكان الأمرد تخرج لحيته وهي بيضاء ثم تسود إذا طعن في السن لكان السواد يروعها كما يروعك البياض. وإنما السبب في كراهة الشيب أن إذا ظهر علم أن الإنسان قد أنفد سنين كثيرةً وأن شبابه قد ذهب. والأشبه بمعنى الشعر أن يقال: رائعة فتكون فاعلةً من الروع أي الفزع, والناس يروونها: راعية البياض, ويقولون: بدت راعية الشيب في رأسه؛ أي أول شعرة؛ يريدون أنها مخالفة لون الشعر فكأنها راعية بيضاء في معزٍ سودٍ. وفي نوادر ابن الأعرابي: [البسيط]
أهلًا براعيةٍ للحلم داعيةٍ ... تنعى الشباب وتنهانا عن الغزل
أما الشباب فقد وفاك عقبته ... وعقبة الشيب تستوفى مع الأجل
وقوله:
لو كان يمكنني سفرت عن الصبى ... فالشيب من قبل الأوان تلثم
يقول: عجل على الشيب, وعمري يوجب أن يكون شعري أسود؛ فلو كنت أقدر لسفرت عن الصبى؛ أي كشفت الشيب عنه لأنه ظلمني وجاءني في غير أوانه, فلو سفرت وكان ذلك في قدرتي لعلم أني حديث السن؛ لأن الشيب قبل الأوان كاللثام يستر الشباب. وقد ذكرت الشعراء ظهور المشيب من قبل أن يطول العمر, وهذا الشعر ينسب إلى ابن المعتز: [الطويل]
وقائلةٍ غط المشيب بخضبه ... فقلت لها: هيهات لم يأن ذا الوقت
سأتركه حتى يرى الناس ظلمه ... وأخضبه من بعد خمسين إن عشت
ويروى له أيضًا: [الخفيف]
شعرات في الرأس بيض ودعج ... حل رأسي جيشان روم وزنج
стр. 1276
طار عن لمتى غراب شبابي ... وعلاها من بعده شاه مرج
أيها الشيب لم حللت برأسي ... إنما لي عشر وعشر وبنج
وقد ذكرت الشعراء أن الشباب كالغراب, وأنه يطير عن الرأس, قال المرقش: [الطويل]
هل يرجعن لي لمتي إن خضبتها ... إلى عهدها قبل المشيب خضابها
رأت لائحات الشيب فوق خطيطةٍ ... إذا مطرت لا يستكن صؤابها
فإن يمس قد بان الشباب فقد ترى ... به لمتي ما طار عنها غرابها
وقال آخر وقد ذكر لمته: [المتقارب]
وكان الغراب بها واقعًا ... فطيره الشيب عنها فطارا
فلا يبعد الله ذاك الغراب ... وإن كان لا هو إلا ادكارا
وقال شاعر سيف الدولة, وهو النامي المصيصي, واسمه أحمد بن محمد, وكنيته أبو العباس: [الطويل]
كأن برأسي عسكرين تحاربا ... فقد كثر استئمان جند إلى جند
стр. 1277
وهذا مأخوذ من قول ابن المعتز:
حل برأسي جيشان روم وزنج
وقوله:
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققًا يميت ولا سوادًا يعصم
اليقف: الأبيض. يقال: يقق ويقق. يقول: قد جربت الحادثات ورأيتها فما علمت أن الشيب يعجل الموت, ولا رأيت شيئًا يعصم من الهلاك. وهذا نهي للإنسان عن كراهة الشيب؛ إذ كان هو والشباب مثلين.
وقوله:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
يقول: ذو العقل يتفكر فيما هو فيه؛ ويعلم أنه إلى زوال؛ فلا يزال في هم يشقيه. وأخو الجهل يكون في شقاوةٍ وهو يحسب أنه في نعيم. ويقال: إن الزنج أقل الناس همومًا. وقد ردد أبو الطيب هذا المعنى في شعره كقوله: [الكامل]
تصفو الحياة لجاهلٍ أو غافلٍ ... عما مضى فيها وما يتوقع
وكذلك قوله: [الوافر]
أشد الغم عندي في سرورٍ ... تيقن عنه صاحبه انتقالا
وقوله:
والناس قد نبذواة الحفاظ فمطلق ... ينسى الذي يولي وعافٍ يندم
(٢٠٩/ب) الناس منذ كانوا على الحال التي هم عليها اليوم فيهم الكريم والبخيل؛ إذا أطلق منهم مطلق جاز أن يشكر وجاز أن يكفر, وكذلك صاحب المنة ربما ندم على فعل جميلٍ. ويقال: إن معقر بن حمارٍ البارق مر على سنان بن أبي حارثة في يوم
стр. 1278
جبلة ومضى يلتمس ثوابه فلم يعطه ما يرضيه, فقال معقر: [الطويل]
متى ما تكن عند امرئٍ لك نعمة ... فلا تطلبنها الدهر بعد سنان
أتيناه للنعمى فكان ثوابه ... قلوص ووطبا حازرٍ مذقان
الحازر: اللبن الحامض.
وقوله:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
هذا حث على القتل, وهو نحو من قوله: [الطويل]
وأن ترد الماء الذي شطره دم ... فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحم
والدم: اسم ناقص قد ذهبت منه الياء, وقالوا في التثنية: دميان, وقالوا في الجمع: دماء, وأصله دماي, فلما وقعت الياء طرفًا وقبلها ألف قلبت همزة. وحكى أبو زيد: دمًا في وزن رحى فكان يذهب إلى أن الدم في قول القائل: [الطويل]
ولكن على أقدامنا يقطر الدما
стр. 1279
فاعل يقطر, وكان غيره ينشد: تقطر بالتاء, ويجعل الألف في آخر البيت للترنم, وهي في رأي أبي زيد أصلية.
وقوله:
يؤذي القليل من اللئام بطبعه ... من لا يقل كما يقل ويلؤم
يقول: يؤذي القليل من اللئام بطبعه اللئيم من ليس هو قليلًا كقلة المؤذي. ويلؤم: المضارع من لؤم يلؤم. وهو معطوف على قوله: يقل. ويقال: لئيم على الأصل, ووزنه فعيل, كما يقال: كرم فهو كريم. وقالوا: رجل ليم, كما قالوا: لئيم. قال عبيدالله بن قيس الرقيات: [الكامل]
وإذا حبوت الليم منك صنيعةً ... كتم الصنيعة لؤمه فلواكها
يريد: فلواك إياها, فاستعمل المضمر المتصل مكان المنفصل. يريد: لواكها من لي الدين أي مطله. والذين قالوا: الليم هم الذين قالوا: الروس في جمع راس؛ فيجوز أن يكون المحذوف الهمزة من اللئيم؛ لأنهم يجترئون على حذف ما همز. ويجوز أن يكونوا لما خففوا الهمزة أشبهت الساكن فحذفوها, وتركوا ياء فعيل. ويحتمل قولهم: روس أن يكونوا حذفوا الهمزة من رؤوس وأقروا الواو, ويجوز أن يكون المحذوف الواو, والهمزة باقية لأنهم قد جمعوا فعلًا على فعلٍ, كما قالوا: فرس ورد وخيل ورد, وسقف البيت وسقف.
وقال الشاعر في روس: [المديد]
إنما هند كشمسٍ تبدت ... يوم عيدٍ فوق روس الجبال
وقوله:
والظلم في خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
يقول: الظلم في الطباع المخلوقة, وكل من صدق نفسه علم أنه لا يظلم؛ إلا أن الظلم يتفاضل؛ فمنه ما يوبق, ومنه ما يجوز أن يغفر؛ وليس كل من ظلم دينارًا كمن ظلم بدرة. والظلم يجتنب لأشياء؛ فمن الناس من يترك الظلم مخافة الله , ومنهم من يتجنب
стр. 1280
الظلم لأنه لا يقدر عليه, وكلاهما ترك الظلم لعلةٍ, ومنهم الذي يجتنب الظلم بالحياء ومخافة ذكر القبيح.
وقوله:
أقم المسالح فوق شفر سكينةٍ ... إن المني بحلقتيها خضرم
المسالح: جمع مسلحةٍ, وهي الموضع الذي يجعل السلطان به من يأخذ له المكوس, ولا بد أن يكون مع القوم سلاح؛ فهو مفعلة من السلاح. والمني: الأجود فيه التشديد, وكانت بنو يربوع بن حنظلة تعير, ويذكر أنهم يشربون المني. قال الراجز: [الرجز]
إن بني يربوع أرباب الشوي ... قوم يلتون السويق بالمني
من يشرب المني يحبل بصبي
ويقال: إن أصل ذلك أن رجلًا من ضبة يقال له: أبو سواج نزل في بني يربوع, وكانت معه امرأة, فاخلتف إليها صرد بن عمرو - وهو عم مالك بن نويرة - فاطلع الضبي على ذلك, وأمر عبدين أن يتراوحا أمةً بالجماع ويجعلا المني في قعب, فلما فعلا ذلك ملأ القعب لينًا ودس على صرد من يغره بذلك؛ فتمت عليه الحيلة فشربه؛ فنعت - أي رفعت - العرب عليه ذلك, فقال محرز بن المكعبر الضبي: [الطويل]
لقد كان في سقي المني أخاكم ... من العار ما ينهى صحيحًا وأعورا
فلو أن ما في بطنه بين نسوةٍ ... حبلن ولو كن القواعد عقرا
وقال الأخطل يخاطب جريرًا: [الوافر]
تعيب الخمر وهي شراب كسرى ... ويشرب قومك العجب العجيبا
مني العبد عبد أبي سواجٍ ... أحق من المدامة أن تعيبا
стр. 1281
وقوله:
وارفق بنفسك إن خلقك ناقص ... واستر أباك فإن أصلك مظلم
(٢١٠/أ) ادعى أن حسب هذا المهجو مظلم, وقد سبق إلى هذا اللفظ لأن خفاف بن ندبة السلمي كانت أمه سوداء, وهو من غربان العرب, فقال: [المتقارب]
كلانا يسوده قومه ... على ذلك الحسب المظلم
وإنما أراد سواد اللون, وقد ادعى السؤدد مع إظلام الحسب. وإنما أراد الشاعر أن يهجو الرجل بكثرة مخازيه ويزعم أنها سود كالليل.
وقوله:
واحذر مناوأة الرجال فإنما ... تقوى على كمر العبيد وتقدم
المناوأة من قولهم: ناء بالشيء إذا نهض به وهي المعاداة؛ يريد أن كل واحد من العدوين ينهض لقتال صاحبه.
وقوله:
ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهم
الارعواء: الرجوع إلى الشيء. يقال: قد ارعوى فلان إلى الدين أي قد رجع إليه. وحكي عن أبي بكر الخياط النحوي, وكان - فيما قيل - يعرف مذهب البصريين والكوفيين, أنه قال: أقمت عشر سنين أسأل عن وزن ارعوى فلم أجد من يعرفه. وأصله عند النحويين: ارعو في وزن احمر, وأصل احمر. احمرر؛ فكأنهم [لما] لم يأت في كلامهم واوان مجتمعتان فروا إلى أن يجعلوا الواو الثانية في ارعو ألفًا فيقولون: ارعوى. ولو قيل: ابنوا من الغزو مثل افعل؛ لوجب أن يقال: اغزوى, والأصل: اغذو كما تقدم في ارعو.
стр. 1282
وكذلك لو قيل: ابن من قضيت مثل افعل؛ لوجب أن تقول: اقضيا فتقلب الياء الآخرة ألفًا, ولا يجوز أن تحمله على قولك: قد حي فلان بالمكان أي حيي به. وقد عي بالمكان أي عيي به. قال عبيد بن الأبرص: [مجزوء الكامل]
عيوا بأمرهم كما ... عيت بييضتها الحمامه
جعلت لها عودينمن ... نشمٍ وآخر من ثمامه
وإنما جاء في هذا الباب هاتان اللفظتان وكلاهما على فعل بكسر العين, ولم يأت شيء على فعل فيشبه به اقضى وارعو. قال يزيد بن الحكم الكلابي: [الطويل]
جمعت وفحشًا غيبةً ونميمةً ... ثلاث خالٍ لست عنها بمرعو
وقد جاء في هذه القصيدة اسمان يجريان مجرى مرعوٍ, وهما: محجوٍ: في معنى متقبضٍ مجتمعٍ, ومدحوٍ: مأخوذ من الدحو, وهو البسط في قولهم: دحا الله الأرض؛ أي بسطها, قال: [الطويل]
ويدحو بك الداحي إلى كل سوأةٍ ... فيا شر مدحو ويا شر مدحو
أفحشًا وخبًا واختناءً عن الندى ... كأنك أجحى صخرةٍ فر مجحو
ويروى: محجو, والمعنى واحد. والاختناء: الاستحياء والانقماع, وأجحى صخرةٍ؛ أي ملتجئ إليها قريب منها. وفيها موضع ثالث: [الطويل]
جداك عن المولى ونصرك غائب ... وأنت له بالضر والغي مجدو
من الجدوى.
стр. 1283
وقوله:
والذل يظهر في الذليل مودةً ... وأود منه - لمن يود - الأرقم
يقول: إذا أذللت الذليل أظهر لك مودةً لأنه يفزع منك. وضرب المودة مثلًا في المودة بالأرقم, والعرب تضرب بالحية المثل في الظلم؛ فيقولون: «هو أظلم من حيةٍ» , ويزعمون أن ظلمها أنها تجديء إلى حجر غيرها فتنحجر فيه. قال الراجز: [الرجز]
كأنما وجهك ظل من حجر ... وأنت كالأفعى التي لا تحتفر
تجيء جحر غيرها فتنجحر
فهذا الذي يذكرون في ظلم الحية. ولها مظالم كثيرة؛ لأنها تلدغ فتقتل من ليس بينها وبينه ذحل. قال المرار الفقعسي: [الطويل]
لعمرك إني لو أخاصم حيةً ... إلى فقعسٍ ما أنصفتني فقعس
وقوله:
ولمن أقمت على الهوان ببابه ... تدنو فيوجأ أخدعاك وتنهم
يقال: وجأه بالحديدة إذا ضربه بها, وكذلك وجأ الوتد بالحجر, ومنه الوجاء للتيس والكبش, وهو أن تشد بيضتاه حتى تندرا؛ وقيل: بل ترض بين حجرين. والأخدعان في العنق معروفان, ويقال: فلان شديد الأخدع إذا وصف بالقوة, ويقال: استقام أخدع فلانٍ ولان أخدعه إذا ذل بعد عز. قال الشاعر: [الكامل]
قد كنت أشوس في المقامة سادرًا ... فنظرت قصدي حين لان الأخدع
وقال الفرزذق: [الطويل]
стр. 1284
وكنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه حتى تستقيم الأخادع
وتنهم: أي: تزجر, يقال: نهمت العنس إذا زجرتها. قال الراجز: [الرجز]
ألا أنمهماها إنها مناهيم ... وإنها مناجد متاهيم
وإنما ينهمها القوم الهيم
وقوله:
ولربما أطر القناة بفارسٍ ... وثنى فقومها بآخر منهم
يقال: أطر العود إذا حناه, وأطرت الرجل على ما كره إذا عطفته عليه. وفي الحديث: «حتى تأخذوا على يد الظالم وتأطروه على الحق أطراً». قال خفاف بن ندبة: [الطويل] (٢١٠/ب)
أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافًا إنني أنا ذلكا
وقال آخر: [المنسرح]
ولوا وأرماحنا حقائبهم ... نكرهها فيهم وتنأطر
وقافيتها من المتدارك.
стр. 1285
ومن التي أولها
ضيف ألم برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلًا منه باللمم
الوزن من أول البسيط.
يعني بالضيف: الشيب. واشتقاق الضيف من قولهم: ضاف يضيف إذا مال كأنه يميل إلى من يضيفه. ويقال: ضاف السهم عن الغرض, وصاف: إذا مال. قال أبو زبيدٍ الطائي: [الخفيف]
كل يومٍ ترميك منها بسهمٍ ... فمصيب أو ضاف غير بعيد
وقد استعملت العرب الضيف في الشيب. قال الشاعر: [البسيط]
ألقى عصاه وأرخى من عمامته ... وقال: ضيف, فقلت: الشيب؟ قال: أجل
وقوله: والسيف أحسن فعلًا منه باللمم, هو ناظر إلى قول البحتري: [الطويل]
وددت بياض السيف يوم لقينني ... مكان بياض الشيب حل بمفرقي
وقوله:
ابعد بعدت بياضًا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم
أسود في هذا البيت لا يراد به أشد سواداً؛ لأن النحويين يزعمون أن الألوان لا تستعمل في هذا الموضع ولا في التعجب إلا بأشد ونحوها, ويقولون: هذا أشد حمرةً من الشقيق, ولا يقولون: هذا أحمر من الشقيق, وكذلك يقولون في التعجب: ما أشد سواده, ولا يقولون: ما أسوده. ولم يجعله أشد سوادًا من الظلم؛ وإنما أراد أنه بعضها كما تقول: فلان مسود من الليل؛ أي كأنه منه. وقد أنشدوا بيتًا شاذًا, وهو قول الراجز: [الرجز]
جارية في درعها الفضفاض ... أبيض من أخت بني إباض
стр. 1286
وقد يتوجه لهذا البيت أن يكون على غير ما ذهبوا إليه, ويكون قوله: في درعها الفضفاض أبيض؛ أي في درعها جسد مبيض من أخت بني إباض؛ فيكون أبيض وصفًا بالبياض, وتكون «من» ها هنا كما تقول للرجل: لك من فلانٍ صديق. وكذلك البيت المنسوب إلى طرفة: [البسيط]
إذا الرجال شتوا واشتد أكلهم ... فأنت أبيضهم سربال طباخ
يريد: أنت مبيضهم؛ أي ثوبك أبيض, ولا يريدون أن ثوبه أشد بياضًا من ثيابهم, وإنما هو كما تقول: هذا كريم من بني فلان, أي: أنت كريم, وأنت منهم. ونحو هذه الأبيات في أن أفعل لا يراد به التفضل قول القائل: [الطويل]
وأعنق من أولاد ذروة لم أجئ ... بإعطائه عارًا ولا أنا نادم
لم يرد أنه أطول عنقًا من أولاد ذروة, وإنما أراد أنه طويل العنق, وأنه من أولاها.
وقوله:
بحب قاتلتي والشيب تغذيتي ... هواي طفلًا وشيبي بالغ الحلم
تم الكلام عند قوله: تغذيتي, ثم فسر النصف الأول بالنصف الثاني, فقال: هواي طفلًا. جعل هواي دالًا على الفعل كأنه قال: هويت طفلًا, ونصب طفلًا على الحال. وقوله: وشيبي بالغ الحلم؛ أي شبت حين بلغت الحلم, والنصب في: بالغ الحلم كالنصب في: هويت طفلًا على الحال.
وقوله:
تنفست عن وفاءٍ غير منصدعٍ ... يوم الرحيل وشعبٍ غير ملتئم
أصل الانصداع: الانشقاق. يقول: وفاء هذه المذكورة لم يحدث فيه عيب. قال الشاعر: [الطويل]
стр. 1287
ونحن كصدع العس إن يعط شاعبًا ... يذره وفيه عيبه متشاخس
أي متباين مختلف. والعرب تضرب المثل بصدع الزجاجة فإنه لا يلتئم. قال الشاعر: [الكامل]
وأمانة المري حيث لقيته ... مثل الزجاجة صدعها لا يجبر
الشعب ها هنا: القبيلة العظيمة؛ أي افتراق قومي وقومها. ويجوز أن لا يعني بالشعب قبيلة. والشعب يستعمل في معنى الجمع, ومعنى التفرقة, وقد مر ذكر ذلك. يقول: تنفست عن وفاءٍ لا صدع فيه, وشعبٍ - أي فراق - لا يلتئم, وهذا الوجه أشبه من الأول.
وقوله:
قبلتها ودموعي مزج أدمعها ... وقبلتني على خوفٍ فماً لفم
قد ذقت ماء حياةٍ من مقبلها ... لو صاب ترباً لأحيا سالف الأمم
نصب «فماً» بفعل مضمرٍ أو اسم فاعل يقوم مقام الفعل؛ كأنه قال: جعلت فمها إلى فمي, أو جاعلةً فمها إلى فمي. وقوله: فماً موضوع موضع الحال, وكذلك قولهم: كلمته فاه إلى في؛ أي جاعلًا فاه إلى (٢١١/أ) في؛ فقوله: فاه في موضع حال, وأما قول الشاعر: [الطويل]
تحسب هواس وأيقن أنني ... بها مفتدٍ من صاحبٍ لا أساوره
فقلت له فاها لفيك فإنها ... قلوص امرئٍ قاريك ما أنت حاذره
ويروى: من قاصدٍ. فقوله: فاها لفيك منصوب بفعل مضمر كأنه قال: تلق فاها إلى
стр. 1288
فيك؛ يعني الداهية, أو ضربةً, أو طعنةً, استعار لها فماً. وهواس: يعني أسدًا يطلب شيئًا بالليل, وتحسب أي تظنن من حسبت الشيء. والبيت الذي بعد هذا لم يقل في معناه مثله لأنه جعل الريق فيه ماء حياةٍ لو أصاب الترب لأحيا من سلف من الأمم, وهذا قول يجب أن يستغفر الله سبحانه عند استماعه فكيف باختلاقه وتقوله.
وقوله:
ترنو إلى بعين الظبي مجهشةً ... وتمسح الطل فوق الورد بالعنم
يقال: أجهش إذا تهيأ للبكاء, أو ظهر فيه فزع من شيء. قال لبيد: [البسيط]
جاءت تشكى إلي النفس مجهشةً ... وقد حملتك سبعاً بعد سبعينا
وشبه الشاعر الدمع بالطل, والخد بالورد, والبنان مخضوبًا بالعنم.
قال بعض العلماء: العنم قضبان حمر تنبت في جوف السمرة, وقد رأيتها بمكة.
وقال قوم: العنم دود أحمر يكون في الرمل, ويجوز أن يكون شبه بالعنم الذي هو نبت؛ وقد زعم قوم أن العنم هو الخروب. قال الراجز: [الرجز]
لقد أرتك اليد أم علقمه ... كأنما الإصبع منها عنمه
ومما يدل على أن العنم نبت قول النابغة: [الكامل]
بمخضبٍ عبلٍ كأن بنانه ... عنم على أغصانه لم يعقد
ويروى: يكاد من اللطافة يعقد.
وقوله:
أبديت مثل الذي أبديت من جزعٍ ... ولم تجني الذي أجننت من ألم
إذًا لبزك ثوب الحسن أصغره ... وصرت مثلي في ثوبين من سقم
стр. 1289
وصفها بصحة الوفاء في أول الأبيات, ثم نقض ذلك بقوله: إنما أبدت مثل ما أبداه من الجزع ولم تخف كما أخفاه من الألم, ولو أن وفاءها غير المنصدع لأجنت الألم كما أجنه. ثم قال: لو أنك أجننت كما أجن لبزك ثوب الحسن أصغر ذلك وصرت مثلي في ثوبين من سقمٍ. وإنما ذكر الثوب لإقامة الوزن.
وقوله:
ولا أظن بنات الدهر تتركني ... حتى تسد عليها طرقها هممي
بنات الدهر: شدائده, ويسستعملون البنوة والأخوة لمن فعل شيئًا أو عرف به؛ فيقولون: هو ابن سفرٍ إذا كان معتادًا للأسفار, وهو أخو معروف إذا كان يسديه إلى الناس, وكذلك يقولون: هو أبو الأضياف إذا كان يقريهم؛ فداعى الشاعر لنفسه ما لا يقدر عليه إنسي لأنه تسد هممه طرق الحدثان.
وقوله:
أرى أناسًا ومحصولي على غنمٍ ... وذكر جدٍ ومحصولي علم الكلم
المحصول ها هنا: المصدر الذي نقل من اسم المفعول, كما قالوا: ليس له معقول: أي عقل, وليس له مجلود: أي جلد. والمحصول - ها هنا - ما حصل له. يقول: أرى أناسًا وإذا ميزت أمورهم فإنما هم مثل الغنم, وأسمع ذكر جودٍ وإنما أحصل على الكلم دون الفعل.
وقوله:
ورب مالٍ فقيرًا من مروته ... لم يثر منها كما أثرى من العدم
يقول: أرى أناسًا وأرى رب مالٍ أي صاحبه. والهاء في مروته عائدة على رب مالٍ فقيرٍ, وأرى- ها هنا - يجوز أن يكون من رؤية العين ورؤية القلب. يقول: إذا كان رب المال لا مروة له, فقد أثرى من العدم. والإثراء: كثرة المال, وهو نحو من قوله: [المنسرح]
يجني الغنى للئام لو عقلوا ... ما ليس يجني عليهم العدم
وقوله:
سيصحب النصل مني مثل مضربه ... وينجلي خبري عن صمة الصمم
يعني بالنصل: السيف, أي إني مثل مضربه أي حده. ويستعملون في السيف. النصل,
стр. 1290
والمنصل بضم الصاد وفتحها, ولم يستعملوا في السنان إلا النصل, وكذلك في نصل السهم. قال عنترة: [الكامل]
إني امرؤ من خير عبسٍ منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
والصمة: الشدة, وربما قيل للأسد: صمة؛ فكأنه يقول: ينجلى خبري عن شدة الشدائد وأسد الأسد.
وقوله:
لقد تصبرت حتى لات مصطبرٍ ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم
(٢١١/ب) لات عندهم أنها «لا» أوصلت بها التاء, ويكون بعدها اسم مضمر, وقله تعالى: ﴿ولات حين مناصٍ﴾ يكون على هذا القول منصوبًا بلات. ويقال: إن بعضهم قرأ: ﴿لات حين مناصٍ﴾ بالرفع, وربما زادوا التاء في بعض المواضع كما قال القائل: [الكامل]
العاطفون تحين ما من عاطفٍ ... والمفضلون يداً إذا ما أنعموا
وقال آخر: [الخفيف]
نولي قبل بين داري جمانا ... وصليه كما زعمت تلانا
ويجوز أن يكون الشاعر أضمر «حين» في قوله: لات حين مصطبر, ولا حين مقتحم, لما كان الحين يستعمل في هذا الموضع كثيرًا جاز أن يحذف ويكون مقدرًا في المراد, كما حذفوا «لا» في القسم لعلم السامع أنها في المعنى ثابتة.
وقوله:
стр. 1291
لأتركن وجوه الخيل ساهمةً ... والحرب أقوم من ساقٍ على قدم
الساهمة: المتغيرة الوجوه وذلك مع قلة اللحم. والعرب تستعير الساق للحرب, وكذلك القيام, فيقولون: قامت الحرب على ساق. وقال سعد بن مالك بن ضبيعة؛ ووصف الحرب: [مجزوء الكامل]
كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح
وإنما يريدون أن أمرها قد اشتد وعظم, كما أن الإنسان إنما يكشف عن ساقه إذا هم بحرب أو فرار. قال دريد بن الصمة: [الطويل]
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... بعيد من الآفات طلاع أنجد
ويقال: كشفت السنة عن ساقها: إذا اشتد جدبه وقل المطر فيها. قال الراجز: [الرجز]
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها
والموت في عنقي وفي أعناقها ... في سنةٍ قد كشفت عن ساقها
حمراء تنفي اللحم عن عراقها
وقوله:
قد كلمتها العوالي فهي كالحة ... كأنما الصاب مذرور على اللجم
كلحت؛ أي فتحت أفواهها لألمها من الجراح, كأن الصاب ذر على لجمها, فهي تكره أن تطبق أفواهها. وقال الراجز في صفة فرس: [الرجز]
إذا علاه الزبد اقشعرا ... كأنما ألعق شيئًا مرا
وقوله:
стр. 1292
بكل منصلتٍ ما زال منتظري ... حتى أدلت له من دولة الخدم
الانصلات: ذهب سريع, وإنما يشبه الرجل المنصلت بالسيف إذا سل من الغمد, فيقال: سيف إصليت وأصلته صاحبه. قال الراجز: [الرجز]
فانصلتت تعجب لانصلاتها ... كأنما أعناق سامياتها
قسي نبعٍ رد من سياتها
والخدم في هذا البيت يعني بهم الخصيان, وهذه الكلمة إنما كثرت في الإسلام لأن الخصيان كثروا في دور الملوك. وإذا سمعت الخدم في شعر قديم فإنما يراد به قوم يخدمون ولا يذهب به إلى غير ذلك. وهذا البيت ينشد على وجهين: [البسيط]
مخدمون كرام في مجالسهم ... وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم
فخدم: جمع خادمة وهو جمع شاذ, وخدم: جمع خدوم وهو جمع مطرد.
وقوله:
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلةً ... ويستحل دم الحجاج في الحرم
شيخ: وصف لمنصلت, أي هو مسن. وصفه بأنه مرتد عن الإسلام؛ ولا يحفل للصلوات المفترضة ويزعم أنها نافلة. والنافلة إذا كانت عطيةً فهو شيء يتفضل به المعطي ليس بواجب عليه. والنافلة من الصلاة هي ما ليس بفريضةٍ. وذكر أن هذا المنصلت يستحل دم الحجاج في الحرم, وهذه نهاية في الصفة بقلة الدين؛ لأن العرب في الجاهلية كانت تعظيم الحرم ولا ترى أن تروع من التجأ إليه.
وقوله:
وكلما نطحت تحت العجاج به ... أسد الكتائب رامته ولم يرم
стр. 1293
يستعمل النطح في الحرب لأنهم يشبهون الرئيس بالكبش وكذلك الشجاع. قال الراجز: [الرجز]
الليل داجٍ والكباش تنتطح ... ومن نجا برأسه فقد ربح
ويقال: إن هذا الرجز قيل في ليلة من ليالي صفين. ولما جعلوا البطل مثل الكبش جعلوا الرماح قرونًا للخيل. يقال: خيل جم لا رماح معها, وفارس أجم لا رمح معه. وقوله: رامته ولم يرم, يقول: إن الأسد أسد العجاج تروم هذا المنصلت؛ أي قتله, وهو لا يريم موقفه؛ ألا يبرح منه.
وقوله:
تنسي البلاد بروق الجو بارقتي ... وتكتفي بالدم الجاري من الديم
يقول: سيوفي تكفي البلاد بروق الجو؛ أي تغنيها عن المطر, ويغنيها الدم المسفوك عن الديم.
وقوله:
ردي حياض الردى حوباء واتركي ... حياض خوف الردى للشاء والنعم
الحوباء: النفس, ويجوز أن يكون قيل لها: حوباء لأنها تكتسي الحوب أي الإثم, ويجوز أن يكون من التحوب؛ أي (٢١٢/أ) التوجع والتحزن. قال الشاعر: [الطويل]
فذوقوا كما ذقنا غداة محجرٍ ... من الغيظ في أكبادنا والتحوب
وإذا رويت: حوباء بالضم فهو يريد: يا حوباء, فذلك عند النحويين ضرورة؛ لأنهم يرون حذف حرف النداء من اسم يمكن أن يكون وصفًا لمبهم, وهو كل اسم كانت فيه الألف واللام كالنفس والرجل, لا يحسن عندهم أن يقال: حوباء أطيعي الله؛ لأنه يمكن أن تقول: يا أيتها الحوباء. ويذهبون إلى أن قول العرب: أصبح ليل, وافتد مخنوق,
стр. 1294
كلام جرى مجرى المثل. والأمثال يجوز فيها ما لا يجوز في الشعر. قال بشر بن أبي خازم: [الوافر]
فبات يقول أصبح ليل حتى ... تجلى عن صريمته الظلام
ومما جاء في الشعر كالضرورة قول العجاج: [الرجز]
جاري لا تستنكري عذيري ... سيري وإشفاقي على بعيري
وإذا رويت حوباء بالكسر فلا ضرورة في البيت, لأن المعنى: يا حوباء كما تقول: يا غلام, فالمعنى معنى الإضافة.
ومعنى البيت أنه يأمر نفسه بورود حياض الردى وتركه الحياض المورودة, ويحتمل أن يعني بالندى: الأعطية, وأضاف إليها الماء لأنه محسوب من العطاء.
ومن روى: واتركي حياض خوف الردى؛ فإنه يريد: لا ينبغي للإنس الذين يأنفون من الدنيات أن يتخوفوا ورد الحمام وإنما يحلوه الشاء والنعم. ويحتمل أن يكون أراد الناس الذين يشبهون الأنعام في الذلة, وهو أشبه من أن يريد الشاء والنعم المعروف.
والشاء: الأغلب عليه أن يكون من ذوات الهاء لأنهم قالوا في الجمع: شياه, وفي الواحدة: شويهة. وقد ذهب قوم إلى أن الهمزة أصلية, وأنهم قالوا: شوي فلزموا تخفيف الهمز. وذهب قوم إلى أن الهمزة في شاءٍ منقلبة من ياءٍ كأنها مأخوذة من: شويت اللحم؛ فيكون الأصل على هذا: شوي؛ فقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها, ثم جعلت الياء همزة لأنها طرف وقبلها ألف, كما قالوا: سقاء وأصله: سقاي, وهذا قول يضعف لأن العين واللام لا تعتلان ولاسيما إذا كانتا متواليتين.
وقوله:
أيملك الملك والأسياف ظامئة ... والطير جائعة لحم على وضم
لحم يرتفع بقوله: أيملك, وإنما يعني به ملوك عصره؛ أي إنهم ليس فيهم ما يدفع عن
стр. 1295
أنفسهم. وإذا وصف الشيء بالإباحة وصف بهذه الصفة. وفي الحديث: «إن النساء لحم على وضمٍ إلا ما ذب عنه». والوضم هو الذي يوضع عليه اللحم. قال الشاعر: [الرجز]
وتركتنا لحمًا على وضم ... لو كنت تستبقي من اللحم
يقول الشاعر: أيملك الملك قوم أذلاء كاللحم على الوضم؛ وأسيافنا ظامئة إلى دمائهم والطير جائعة؟ يريد أن يشبعها منهم.
وقوله:
من لو رآني ماء مات من ظمأٍ ... ولو مثلت له في النوم لم ينم
قوله: من بدل من لحم على وضمٍ. يقول: كيف أترك الملك لمن لو رآني ماءً لهاب أن يشرب مني؟ وهذا الوصف إنما يحدث بمن عضه الكلب الكلب لأنه يتصور في الماء ما يمنعه من الشرب. قال الشاعر: [الطويل]
أقام زمانًا يكره الماء صاديًا ... وينفر منه وهو أزرق صاف
فإن عضه كلب فأودى بنفسه ... فكم ركن عز قد أصيب نياف
ويقال: مثل الشيء إذا ظهر, ومثل إذا عاب. يقول: لو رآني المتملك في هذا الدهر في النوم لامتنع من أن ينام.
وقوله:
ميعاد كل رقيق الشفرتين غدًا ... ومن عصى من ملوك العرب والعجم
فإن أجابوا فما قصدي بها لهم ... وإن تولوا فما أرضى لها بهم
يقول: قيامي قد دنا وقته فميعاد السيف غدًا أي سله. يقول: نضرب بالسيوف من عصى من الملوك عربهم وعجمهم, فإن أطاعوا فما أقصدهم بها؛ بل أقصد إلى غير مطيع, وإن لم يدخلوا في الطاعة, فما أرضى بهم؛ أي أقتلهم؛ فلا أرضى بذلك حتى أقتل غيرهم. وقافيتها من المتراكب.
стр. 1296
ومن أبيات أولها
إلى أي حينٍ أنت في زي محرم ... وحتى متى في شقوةٍ وإلى كم
الوزن من الطويل الثاني.
يخاطب نفسه وكأنه يخاطب سواه, والشعراء يفعلون ذلك كثيرًا. قال الشاعر: [الكامل]
صرمت حبالك في الخليط المشئم
وإنما يعني حبال نفسه ومودته. وكذلك في قول أبي ذؤيب: (٢١٢/ب) [الطويل]
أبالبين من أسماء حدثك الذي ... جرت بيننا لما استقلت ركابها؟
فقال: حدثك وإنما يريد نفسه. ووصف الشاعر نفسه بأنه في زي محرمٍ؛ فدل ذلك على أنه مفتقر إلى الناس. وقال: وحتى متى في شقوةٍ وإلى كم, فدل على أنه في عيشٍ غير حميد. وكسر ميم كم لأنها وقعت في القافية, وإذا وقع فيها المجزوم والموقوف أو كانت القوافي مخفوضةً كسر آخر الكلمة, كما قال امرؤ القيس: [الطويل]
ألم تر أني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب
وقوله:
وإلا تمت تحت السيوف مكرمًا ... تمت وتقاسي الذل غير مكرم
يقول لنفسه: إن لم تموتي كريمةً بين السيوف, وإلا مت ذليلةً غير المكرمة, وهذا يشبه قوله: [الخفيف]
عش عزيزًا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
والقافية من المتدارك.
стр. 1297
ومن التي أولها
كفي أراني ويك لومك ألوما ... هم أقام على فؤادٍ أنجما
الوزن من الكامل الأول.
النصف الأول يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مستغنيًا بنفسه, يقول: كفي لومك فإني أراني ألوم منك, أي ألومك أكثر من لومك إياي. وويك: كلمة لم يصرف منها فعل. وأصحاب اللغة يزعمون أن معناها التنبيه على الشيء كأنهم يريدون: «ألم تر» , وفي الكتاب العزيز: ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾؛ فذهب الخليل فيما يروون إلى أنه قال: وي على معنى التعجب, ثم قال: «كأنه لا يفلح الكافرون»؛ وهذا مخالف مذهب من يقول: ويك بلا أن, وقد جاءت مع أن المخففة ويك في قول الشاعر: [الخفيف]
ويك أن من يكن له نشب يحـ ... ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر
فإذا جعلت وي كلمةً والكاف للخطاب وجب أن تفتح إذا خوطب بها المذكر, وأن تكسر إذا أريد بها التأنيث.
والوجه الآخر من الوجهين الجائزين في النصف الأول أن يكون متعلقًا بالنصف الثاني, ويكون هم مرفوعًا بقوله: أراني, كأنه قال: أراني لومك ألوم هم أقام على فؤادٍ أنجم. في أنجم ضمير يعود على الفؤاد؛ أي ذهب به كما يذهب السحاب المنجم؛ فيكون قوله: ألوما أي أحق باللائمة مني, وإذا حمل على القول الأول فهم مرفوع بابتداءٍ مضمرٍ أو فعلٍ أو خبر مقدم؛ كأنه قال: هذا هم, وأصابني هم, أو بي هم.
وقوله:
وخفوق قلبٍ لو رأيت لهيبه ... ياجنتي لظننت فيه جهنما
стр. 1298
جعل المرأة كالجنة, وهي مأخوذة من قولهم: جن الأرض الشجر والنبت إذا ستراها, ويقال للبستان جنة لأن الشجر يغطيه, وقد جاء في الحديث: «أن امرأة الرجل جنته» وإنما تراد المرأة الصالحة, فأما المذمومة فهي غل قمل. قال جران العود, وذكر النساء: [الطويل]
ولسن بأسواءٍ فمنهن روضة ... تحف الرياض نبتها ما يصوح
ومنهن غل مقمل لا يفكه ... من القوم إلا الشحشحان الصمحمح
الشحشحان: الذي يدوم على الشيء, والصمحمح: الصلب الشديد. وجهنم: اشتقاقها من الجهامة وهي غلظ الوجه وكراهته. وقالوا: فلان جهم المحيا إذا كان كريه الوجه, فالنون على هذا زائدة. وقيل: الجهنام: البئر البعيدة القعر, فشبهت جهنم بها لبعد غورها. وقالوا: أحمر جهنام؛ أي شديد الحمرة فكأنهم أرادوا أن نارها حمراء. وكان بعض الشعراء في الجاهلية يزعم أن له شيطانًا يقول الشعر على لسانه يسمى جهنام. قال الأعشى: [الطويل]
دعوت خليلي مسحلًا ودعوا له ... جهنام بعدًا للغوي المذمم
وقوله:
يا وجه داهية الذي لولاك ما ... أكل الضنى جسدي ورض الأعظما
стр. 1299
جعل اسم المرأة داهيةً, وأغلب الظن أنه اسم وضعه مشتق من الدهاء؛ أي إنها قد دهته, وهذا أشبه من أن تكون مسماةً بهذا الاسم, لأنه لم تجر عادته بذلك. وقال: لولاك, وقد مضى القول: إن الصواب: لولا أنت.
وقوله:
إن كان أغناها السلو فإنني ... أمسيت من كبدي ومنها معدما
ادعى أن الحب قد أذهب كبده على مذاهب الشعراء, وإنما يذكرون ذلك في التشبيب, يطلبون به الرحمة من قلوب الأحباب؛ فيدعون للكبد الذوب والشيب, وقد علموا أن ذلك كذب وافتراء.
وقوله: (٢١٣/أ)
غصن على نقوى فلاةٍ نابت ... شمس النهار تقل ليلًا مظلما
النقوان: تثنية نقاً وهو الكثيب من الرمل. ويقال: نقيان بالياء, وبالواو أكثر. ويحتمل أن يكونوا قالوا له: نقاً لأن المطر يصيبه فينقيه كما ينقي الثوب الغسل, ويكون هذا من باب قولهم للمنفوض: نفض, وللمنقوض: نقض.
شبه وركي المذكورة بنقوي رملٍ وقوامها بغصنٍ, وقد رددت الشعراء ذلك حتى ملته الأسماع. وجعلها كشمس النهار وشعرها كالليل المظلم, وقد كثر هذا الكلام في الشعر القديم. قال بعض المتقدمين: [الكامل]
بيضاء تسحب من قيامٍ فرعها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم
فكأنها فيه نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم
وقوله:
كصفات أوحدنا أبي الفضل التي ... بهرت فأنطق واصفيه وأفحما
стр. 1300
يقول: بهرت صفات هذا الممدوح فأنطق الواصفين فوصفوه حتى فحموا؛ أي انقطع كلامهم. يقال: بكى الصبي حتى فحم؛ أي: عجز عن البكاء. وقالوا: أفحم الشاعر إذا تعذر عليه قول الشعر. ويجب أن يكون هذا اللفظ أخذ من الفحم المعروف؛ لأنهم يريدون أن الخاطر إذا كان كالنار الموقدة فانقطع إلى أن صار كالفحم. قال الهذلي: [الطويل]
أصخر بن عبدالله إن كنت شاعرًا ... فإنك لا تهدي القوافي لمفحم
وقوله:
يا أيها الملك المصفى جوهرًا ... من ذات ذي الملكوت أسمى من سما
جعل الممدوح خالصًا من جوهر من عز عن الجواهر والأعراض, وخلقها بالإرادة؛ فهذه مجاوزة إلى غير الفعل المحمود؛ فالقائل لها مذموم؛ وإن رضي الممدوح بذلك, فقد أقدم على أمرٍ يستعظم.
والملكوت: فعلوت من الملك, والتاء في ذات أصلها هاء ولكنها استعملت مضافةً؛ وهذه الهاء إذا اتصلت بالمضاف منعها ذلك من الوقف؛ لأن الناطق جرت عادته أن يصل المضاف بالمضاف إليه فشبهها المتكلمون بالتاء الأصلية؛ فقالوا: الصفات الذاتية. والنحويون يرون أن الصواب في النسب إلى الذات: ذووية, ولا يمتنع أن تشبه هذه التاء بالتاء الأصلية, كما قالوا: تمسكن المسكين؛ قأثبتوا الميم في الفعل الماضي كما يثبتون الميم الأصلية لكثرة ما لزمت الميم المسكين.
وقوله:
نور تظاهر فيك لاهوتيةً ... فتكاد تعلم علم ما لن تعلما
نصب لاهوتيةً على التمييز, ولا يمتنع أن يكون نصبها على الحال, وإن كان النور مذكرًا؛ لأنه يمكن أن تقول: قد تصور فلان رحمةً. ويجوز أن تنصب لاهوتيةً لأنها مفعولة له أي من أجله. وبعض الناس يروي: لاهوتيه بالإضافة إلى الهاء الراجعة على النور.
والناس يقولون: اللاهوت فيزيدون التاء, كما يقولون: الناسوت إذا أرادوا به الإنسان أو
следующие страницы →