Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
ومن أبيات أولها
إلى أي حينٍ أنت في زي محرم ... وحتى متى في شقوةٍ وإلى كم
الوزن من الطويل الثاني.
يخاطب نفسه وكأنه يخاطب سواه, والشعراء يفعلون ذلك كثيرًا. قال الشاعر: [الكامل]
صرمت حبالك في الخليط المشئم
وإنما يعني حبال نفسه ومودته. وكذلك في قول أبي ذؤيب: (٢١٢/ب) [الطويل]
أبالبين من أسماء حدثك الذي ... جرت بيننا لما استقلت ركابها؟
فقال: حدثك وإنما يريد نفسه. ووصف الشاعر نفسه بأنه في زي محرمٍ؛ فدل ذلك على أنه مفتقر إلى الناس. وقال: وحتى متى في شقوةٍ وإلى كم, فدل على أنه في عيشٍ غير حميد. وكسر ميم كم لأنها وقعت في القافية, وإذا وقع فيها المجزوم والموقوف أو كانت القوافي مخفوضةً كسر آخر الكلمة, كما قال امرؤ القيس: [الطويل]
ألم تر أني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب
وقوله:
وإلا تمت تحت السيوف مكرمًا ... تمت وتقاسي الذل غير مكرم
يقول لنفسه: إن لم تموتي كريمةً بين السيوف, وإلا مت ذليلةً غير المكرمة, وهذا يشبه قوله: [الخفيف]
عش عزيزًا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
والقافية من المتدارك.
стр. 1297
ومن التي أولها
كفي أراني ويك لومك ألوما ... هم أقام على فؤادٍ أنجما
الوزن من الكامل الأول.
النصف الأول يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مستغنيًا بنفسه, يقول: كفي لومك فإني أراني ألوم منك, أي ألومك أكثر من لومك إياي. وويك: كلمة لم يصرف منها فعل. وأصحاب اللغة يزعمون أن معناها التنبيه على الشيء كأنهم يريدون: «ألم تر» , وفي الكتاب العزيز: ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾؛ فذهب الخليل فيما يروون إلى أنه قال: وي على معنى التعجب, ثم قال: «كأنه لا يفلح الكافرون»؛ وهذا مخالف مذهب من يقول: ويك بلا أن, وقد جاءت مع أن المخففة ويك في قول الشاعر: [الخفيف]
ويك أن من يكن له نشب يحـ ... ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر
فإذا جعلت وي كلمةً والكاف للخطاب وجب أن تفتح إذا خوطب بها المذكر, وأن تكسر إذا أريد بها التأنيث.
والوجه الآخر من الوجهين الجائزين في النصف الأول أن يكون متعلقًا بالنصف الثاني, ويكون هم مرفوعًا بقوله: أراني, كأنه قال: أراني لومك ألوم هم أقام على فؤادٍ أنجم. في أنجم ضمير يعود على الفؤاد؛ أي ذهب به كما يذهب السحاب المنجم؛ فيكون قوله: ألوما أي أحق باللائمة مني, وإذا حمل على القول الأول فهم مرفوع بابتداءٍ مضمرٍ أو فعلٍ أو خبر مقدم؛ كأنه قال: هذا هم, وأصابني هم, أو بي هم.
وقوله:
وخفوق قلبٍ لو رأيت لهيبه ... ياجنتي لظننت فيه جهنما
стр. 1298
جعل المرأة كالجنة, وهي مأخوذة من قولهم: جن الأرض الشجر والنبت إذا ستراها, ويقال للبستان جنة لأن الشجر يغطيه, وقد جاء في الحديث: «أن امرأة الرجل جنته» وإنما تراد المرأة الصالحة, فأما المذمومة فهي غل قمل. قال جران العود, وذكر النساء: [الطويل]
ولسن بأسواءٍ فمنهن روضة ... تحف الرياض نبتها ما يصوح
ومنهن غل مقمل لا يفكه ... من القوم إلا الشحشحان الصمحمح
الشحشحان: الذي يدوم على الشيء, والصمحمح: الصلب الشديد. وجهنم: اشتقاقها من الجهامة وهي غلظ الوجه وكراهته. وقالوا: فلان جهم المحيا إذا كان كريه الوجه, فالنون على هذا زائدة. وقيل: الجهنام: البئر البعيدة القعر, فشبهت جهنم بها لبعد غورها. وقالوا: أحمر جهنام؛ أي شديد الحمرة فكأنهم أرادوا أن نارها حمراء. وكان بعض الشعراء في الجاهلية يزعم أن له شيطانًا يقول الشعر على لسانه يسمى جهنام. قال الأعشى: [الطويل]
دعوت خليلي مسحلًا ودعوا له ... جهنام بعدًا للغوي المذمم
وقوله:
يا وجه داهية الذي لولاك ما ... أكل الضنى جسدي ورض الأعظما
стр. 1299
جعل اسم المرأة داهيةً, وأغلب الظن أنه اسم وضعه مشتق من الدهاء؛ أي إنها قد دهته, وهذا أشبه من أن تكون مسماةً بهذا الاسم, لأنه لم تجر عادته بذلك. وقال: لولاك, وقد مضى القول: إن الصواب: لولا أنت.
وقوله:
إن كان أغناها السلو فإنني ... أمسيت من كبدي ومنها معدما
ادعى أن الحب قد أذهب كبده على مذاهب الشعراء, وإنما يذكرون ذلك في التشبيب, يطلبون به الرحمة من قلوب الأحباب؛ فيدعون للكبد الذوب والشيب, وقد علموا أن ذلك كذب وافتراء.
وقوله: (٢١٣/أ)
غصن على نقوى فلاةٍ نابت ... شمس النهار تقل ليلًا مظلما
النقوان: تثنية نقاً وهو الكثيب من الرمل. ويقال: نقيان بالياء, وبالواو أكثر. ويحتمل أن يكونوا قالوا له: نقاً لأن المطر يصيبه فينقيه كما ينقي الثوب الغسل, ويكون هذا من باب قولهم للمنفوض: نفض, وللمنقوض: نقض.
شبه وركي المذكورة بنقوي رملٍ وقوامها بغصنٍ, وقد رددت الشعراء ذلك حتى ملته الأسماع. وجعلها كشمس النهار وشعرها كالليل المظلم, وقد كثر هذا الكلام في الشعر القديم. قال بعض المتقدمين: [الكامل]
بيضاء تسحب من قيامٍ فرعها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم
فكأنها فيه نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم
وقوله:
كصفات أوحدنا أبي الفضل التي ... بهرت فأنطق واصفيه وأفحما
стр. 1300
يقول: بهرت صفات هذا الممدوح فأنطق الواصفين فوصفوه حتى فحموا؛ أي انقطع كلامهم. يقال: بكى الصبي حتى فحم؛ أي: عجز عن البكاء. وقالوا: أفحم الشاعر إذا تعذر عليه قول الشعر. ويجب أن يكون هذا اللفظ أخذ من الفحم المعروف؛ لأنهم يريدون أن الخاطر إذا كان كالنار الموقدة فانقطع إلى أن صار كالفحم. قال الهذلي: [الطويل]
أصخر بن عبدالله إن كنت شاعرًا ... فإنك لا تهدي القوافي لمفحم
وقوله:
يا أيها الملك المصفى جوهرًا ... من ذات ذي الملكوت أسمى من سما
جعل الممدوح خالصًا من جوهر من عز عن الجواهر والأعراض, وخلقها بالإرادة؛ فهذه مجاوزة إلى غير الفعل المحمود؛ فالقائل لها مذموم؛ وإن رضي الممدوح بذلك, فقد أقدم على أمرٍ يستعظم.
والملكوت: فعلوت من الملك, والتاء في ذات أصلها هاء ولكنها استعملت مضافةً؛ وهذه الهاء إذا اتصلت بالمضاف منعها ذلك من الوقف؛ لأن الناطق جرت عادته أن يصل المضاف بالمضاف إليه فشبهها المتكلمون بالتاء الأصلية؛ فقالوا: الصفات الذاتية. والنحويون يرون أن الصواب في النسب إلى الذات: ذووية, ولا يمتنع أن تشبه هذه التاء بالتاء الأصلية, كما قالوا: تمسكن المسكين؛ قأثبتوا الميم في الفعل الماضي كما يثبتون الميم الأصلية لكثرة ما لزمت الميم المسكين.
وقوله:
نور تظاهر فيك لاهوتيةً ... فتكاد تعلم علم ما لن تعلما
نصب لاهوتيةً على التمييز, ولا يمتنع أن يكون نصبها على الحال, وإن كان النور مذكرًا؛ لأنه يمكن أن تقول: قد تصور فلان رحمةً. ويجوز أن تنصب لاهوتيةً لأنها مفعولة له أي من أجله. وبعض الناس يروي: لاهوتيه بالإضافة إلى الهاء الراجعة على النور.
والناس يقولون: اللاهوت فيزيدون التاء, كما يقولون: الناسوت إذا أرادوا به الإنسان أو
стр. 1301
الإنسانية؛ وكذلك قولهم: طاغوت. والنحويون يذهبون إلى أن الطاغوت أصله: طيغوت أو طغووت؛ فقلبت عين الفعل ألفاً. وأقيس من هذا القول أن يكون طاغوت على فاعولٍ لأنهم قد حكوا: طغيت وطغوت؛ فكأنه في الأصل: طاغو فقلبت الواو الآخرة تاءً كما قلبت في تخمةٍ وهي من الوخامة, وتراثٍ وهو من ورث.
وقوله:
ويهم فيك إذا نطقت فصاحةً ... من كل عضوٍ منك أن يتكلما
في يهم ضمير يعود على النور, ويجوز أن تكون فصاحة منصوبةٍ على التمييز, وأن تكون مفعولًا لنطقت ومفعولًا له. يقول: يهم هذا النور أن يتكلم من كل عضوٍ فيك, ولا يقتصر على اللسان دون الأعضاء كلها.
وقوله:
أنا مبصر وأظن أني نائم ... من كان يحلم بالإله فأحلما
قال: أنا مبصر؛ أي أرى الشيء على حقيقته, وكأني في نوم, والنائم ليس بصره بثابتٍ. وتم الكلام في النصف الأول, ثم فسر الغرض بقوله: من كان يحلم بالإله فأحلما. من ها هنا: استفهام, ونصب أحلم لأنه جواب؛ وهذا كما تقول: من أمكنه أنيطلع إلى النجوم فأطلع إليها؛ أي إن ذلك أمر لا يستطاع.
وقوله:
كبر العيان علي حتى إنه ... صار اليقين من العيان توهما
قال: كبر بضم الباء في معنى عظم, وكبر بكسر الباء في معنى أسن. يقول: نظرت إلى شيء ولم أر مثله, ولم تجر العادة أن يصل إليه الإنسان؛ فاستعظمت ذلك حتى ظننت يقيني توهمًا.
وقوله: (٢١٣/ب)
حتى يقول الناس ماذا عاقلًا ... ويقول بيت المال ماذا مسلما
عظم الممدوح تعظيمًا يجب معه أن لا يكون خاطبه بقوله حتى يقول الناس: ماذا عاقلًا؛ وإنما تبع في ذلك الحكمي في قوله: [مجزوء الرمل]
стр. 1302
جاد بالأموال حتى ... قيل ما هذا صحيح
ويجوز أن يكون أبو الطيب ظن أن القائل أراد: ما هذا صحيح العقل, ولعله لم يرد ذلك وإنما أراد: ما هذا الفعل صحيح. وقافيتها من المتدارك.
ومن التي أولها
فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير ميمم
وزنها من الطويل الثالث.
وفراق مرفوع لأنه خبر مبتدأٍ محذوف؛ أي هذا فارق, ويجوز أن تضمر له فعلًا كأنه قال: وقع فراق وحدث فراق. ويقال: يممت وأممت ويممت الرجل وأممته. قال الشاعر: [الوافر]
فلم أجبن ولم أنكل ولكن ... يممت بها أبا عمرو بن عمرو
الهاء في بها راجعة إلى الطعن, ولم يجر لها ذكر ولكن الغرض قد بان في قوله: [الوافر]
تركت الرمح يبرق في صلاه ... كأن صلاته خرطوم نسر
وقوله:
وما منزل اللذات عندي بمنزلٍ ... إذا لم أبجل عنده وأكرم
أبجدل في معنى أعظم ويعرف موضعي. يقال: رجل بجيل وبجال إذا كان ضخمًا سيدًا. وهذا الشعر يروى لزهير بن جناب الكلبي: [مجزوء الكامل]
стр. 1303
أبني إن أهلك فإني ... قد بنيت لكم بنيه
وتركتكم أبناء سا ... داتٍ زنادكم وريه
من كل ما نال امرؤ ... قد نلته إلا التحيه
يعني: الملك, ويروى: من كل ما نال الفتى
والموت أجمل بامرئٍ ... فليهلكن وبه بقيه
من أن يرى الشيخ البجا ... ل يقاد يهدى بالعشيه
وقوله:
سجية نفسٍ ما تزال مليحةً ... من الضيم مرميًا بها كل مخرم
سجية: مرفوعة لأنها خبر ابتداءٍ محذوفٍ كأنه وصف حال نفسه, ثم قال: هذه سجية نفسٍ, فلو نصبها لجاز, ويكون نصبها بإضمار فعل, كأنه قال: اعتدت سجية نفسٍ.
ويجوز أن ينصبها لأنها تكون بدلًا من مصدرٍ محذوفٍ, كأنه قال: مرميًا بها كل مخرمٍ رميًا سجيةً. والسجية مأخوذة من قولهم: سجا البحر والليل إذا سكنا؛ كأنهم يريدون بها الغريزة التي يسكن إليها الإنسان ويسجو. ومليحة من قولهم: ألاح من الشيء إذا أشفق منه. قال جميل بن معمر: [المنسرح]
غير بغضٍ له ولا سأمٍ ... غير أني ألحت من ملله
والمخرم: الطريق في الجبل والمصعد فيه.
стр. 1304
وقوله:
رحلت فكم باكٍ بأجفان شادنٍ ... علي وكم باكٍ بأجفان ضيغم
عرض في هذا البيت بسيف الدولة لأنه جعله أحد الضياغم التي تبكي عليه, ثم قال:
وما ربه القرط المليح مكانه ... بأجزع من رب الحسام المصمم
يقول: وما المرأة الباكية علي ذات القرط بأجزع من صاحب السيف. وكان أبو الطيب ترك أهله بحلب لما انصرف.
وقوله:
فلو كان ما بي من حبيبٍ مقنعٍ ... عذرت ولكن من حبيبٍ معمم
هذا تصريح بالعتب على سيف الدولة. يقول: لو أن ما بي من حبيبٍ صاحب مقنعةٍ لعذرته, ولكنه من حبيب معممٍ, والمعمم ها هنا ضد المقنع, ويستعمل المعمم في معنى المسود, ويحسن استعماله في هذا الموضع لأنه يصير موضوعًا موضع المعمم ضد المقنع, والمراد به السيد.
وقوله:
وأحلم عن خلي وأعلم أنه ... متى أجزه حلمًا على الجهل يندم
وصف أنه يحلم عن الخل لعلمه أنه متى يجزه يجهله حلمًا يندم على ما فرط منه, وهذه صفة خل جميل الطريقة. وفي الناس من إذا حلم عنه الصديق زاد في الطمع والأذية. وهذا كله تعريض بسيف الدولة.
وقوله:
وإن بذل الإنسان لي جود عابسٍ ... جزيت بجود التارك المتبسم
يقول: لا آخذ الصلة من الإنسان حتى يكون معها بشر وبشاشة, وإن بذل عطيةً من هو عابس جزيته عن جوده بجود, وهو تركي عطيته مع تبسمٍ مني. يريد أني أزيد على ما فعل لأنه بذل جودًا بعبوسٍ وجزيته جودًا بتبسمٍ.
стр. 1305
وقوله: (٢١٤/أ)
وأهوى من الفتيان كل سميدعٍ ... نجيبٍ كصدر السمهري المقوم
السميدع: يختلف في العبارة عنه؛ يقال: هو السيد الكريم, ويقال: هو السيد الشجاع. ورووا عن المنتجع بن نبهان الكلابي أنه قال: السميدع: السيد الموطأ الأكناف. وقوله: الموطأ الأكناف يدل على أنه وصفه بالحلم.
وقوله:
خطت تحته العيس الفلاة وخالطت ... به الخيل كبات الخميس العرموم
يقول: أحب من الفتيان من قد ركب العيس وقطع الفلوات, وهومع ذلك قد شاهد الحروب وكبات الخميس؛ أي حملاته في الحرب. يقال: كان ذلك في كبة القوم أي في حملتهم.
وقوله:
ولا عفة في سيفه وسنانه ... ولكنها في الكف والفرج والفم
نفى عن هذا الموصوف عفة السنان والسيف؛ لأنه وصفه بقتل الأعداء, وذكر أنه عفيف الطرق؛ أي لا ينظر إلى ما يكره النظر إليه, فهو عفيف الطرف والفرج والفم.
وعفة الفم تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون يمسك لسانه عن الغيبة.
والآخر: أن يريد: كرم مأكله وأنه لا يصيب مالًا إلا من وجهه.
وقوله:
فدى لأبي المسك الكرام فإنها ... سوابق خيلٍ يهتدين بأدهم
الهاء في إنها عائدة على الكرام, ويجوز أن يكون الذي حمله على ذلك أنه شبههم بالسوابق, وقال: يهتدين فجعل الضمير عائدًا عليها, ولو قال: إنهم سوابق خيلٍ يهتدون لكان حسنًا.
وقوله:
أغر بمجدٍ قد شخصن وراءه ... إلى خلقٍ رحبٍ وخلقٍ مطهم
شبه كافورًا بجوادٍ أدهم وجعله أغر بمجد. وزعم أن السوابق قد شخصن وراءه إلى خلقٍ رحبٍ وخلقٍ مطهم. والتطهيم حسن الخلق. ويقولون: المطهم من الخيل الذي يحسن كل عضوٍ منه.
стр. 1306
وقوله:
يضيق على من رآه العذر أن يرى ... ضعيف المساعي أو قليل التكرم
يقول: من رأى كافورًا ضاق عذره في أن يكون ضعيفًا في المساعي؛ يريد جمع مسعاةٍ, وهي السعي في الكرم؛ لأن السعي يستعمل في مواضع كثيرة. وأصل السعي: المشي, فربما كان بطيئًا وربما كان سريعًا. وقالوا: سعى فلان إلى السلطان؛ يريدون المشي إليه بما يضر الناس, وكانوا يسمون الذين يبعثهم السلطان لأخذ الصدقة من العرب: سعاةً, لأنهم يمشون في ذلك. وأصل السعي: المشي. وقالوا: سعى فلان على قومه إذا كان يجتهد في مصالحهم؛ فيجوز أن يكون ماشيًا ويجوز أن يكون راكبًا. قال زهير: [الطويل]
سعى بينهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يبلغوا ولم يلاموا ولم يألوا
وقال أبو قيس بن الأسلت: [السريع]
أسعى على جل بني مالكٍ ... كل امرئٍ في قومه ساع
أي يسعى في مصالحهم. فأما قول الراجز: [الرجز]
يا أيها الساعي على غير قدم ... تعلمن أن الدواة والقلم
يفنى ويبقى ما كتبت في الغنم
стр. 1307
فإنه يريد أن ساعيًا بعثه السلطان فكتب عليه في عدة الغنم أكثر مما له.
وقوله:
ومن مثل كافورٍ إذا الخيل أحجمت ... وكان قليلًا من يقول لها اقدمي
يقال في زجر الفرس: اقدم بفتح الدال, والألف ألف وصلٍ, وأقدم بفتح الهمزة وكسر الدال مأخوذًا من قولهم: أقدم يقدم. وبيت عنترة ينشد على وجهين: [الكامل]
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر اقدم
ويروى: عنتر اقدم.
وقوله:
شديد ثبات الطرف والنقع واصل ... إلى لهوات الفارس المتلثم
يقول: هذا الممدوح شديد ثبات الطرف إذا وصل النقع - أي: الغبار - إلى فم الفارس الملثم, وإنما يصل إليه لأنه قد كلح لكراهة المت, كما قال عنترة: [الكامل]
إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وهذا نحو من قوله في الأخرى: [الطويل]
بصير وما بين الشاعين مظلم
وقوله:
ويومًا يغيظ الحاسدين وحالةً ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم
الشقاء عند قومٍ ممدود, وقصره ضرورة وهمزته منقلبة عن واوٍ, وأصله شقاو؛ فلما وقعت الواو طرفًا وقبلها ألف قلبت (٢١٤/ب) همزةً. وقال قوم: الشقاء يمد ويقصر.
قال عمرو ابن كلثوم: [الوافر]
ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعةٍ إلا جنينا
وبيت ابن أبي ربيعة ينشد ممدودًا: [المتقارب]
стр. 1308
لمما شقائي تعلقتكم ... وقد كان لي عنكم مقصد
وقال آخر: [البسيط]
صبت عليه ولم تنصب عن كثبٍ ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب
وقوله:
فلو لم تكن في مصر ما سرت نحوها ... بقلب المشوق المستهام المتيم
يقال إن مصر - هذه البلدة - منسوبة إلى رجل يقال له: مصراييم من ولد سام بن نوح فهي تعرف ولا تصرف, والناس يسمون كل بلد آهلٍ مصرًا, والمصر: الحاجز بين الشيئين.
قال أمية بن أبي الصلت: [البسيط]
وجعل الشمس مصرًا لاخفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا
وقوله:
ولا نبحت خيلي كلاب قبائلٍ ... كأن بها في الليل حملات ديلم
سكن ميم حملات والأجود فتحها, وقد فعل هذا في مواضع كثيرة, وأراد بالديلم هذا الجيل المعروف, فأما قول عنترة: [الكامل]
زوراء تنفر عن حياض الديلم
فيقال: إنه أراد الأعداء؛ ويجوز مثل ذلك؛ لأن العرب كانت معادية لغيرها من العجم فكأنه جعل الأعادي كلهم ديلمًا. وقيل الديلم: الكثير من الإبل, وأنشد في عجز بيتٍ: [الرجز]
стр. 1309
يعطي الهنيدات والديلما
فأما قول رؤبة: [الرجز]
في ذي قدامى مرجحن ديلمه
فيجوز أن يعني به هذا الفن من العجم, وأن يعني الأعداء كلهم. وإذا قيل: إن الديلم الكثير من الإبل جاز أن يحمل قول عنترة عليه.
وقوله:
ولا اتبعت آثارنا عين قائفٍ ... فلم تر إلا حافرًا فوق منسم
القائف: الذي يقوف القوم؛ ؛ أي يتبع آثارهم. قال الشاعر: [الطويل]
كذبت عليك لا تزال تقوفني ... كما قاف آثار الطريدة قائف
وكأن يقوف مقلوب عن قفا يقفو. وقوله: فلم تر إلا حافرًا؛ يريد: أثر حافرٍ فوق أثر منسم فحذف, وكانت العرب تركب الإبل وتجنب إليها الخيل, فلذلك قدم الحافر على المنسم. قال الشاعر: [الطويل]
فألا وألا يا امرأ القيس بعدما ... خصفن بأخفاف المطى الحوافرا
فكأنه قلب الكلام وأراد: خصفن أخفاف المطي بالحوافر.
وقوله:
وسمنا بها البيداء حتى تغمرت ... من النيل واستذرت بظل المقطم
стр. 1310
الهاء في بها عائدة على الإبل والخيل؛ أي أثرن في البيداء آثارًا كأنها وسوم. وفي تغمرت ضمير يعود على الإبل والخيل. والتغمر شرب دون الري. واستذرت؛ أي كانت في الذرى, يقال: استذرى بفلان إذا حل بذاره أي فنائه, وإنما أراد بالاستذراء: الاستظلال. والمقطم: بل بمصر معروف.
وقوله:
وأبلج يعصي باختصاصي مشيره ... عصيت بقصديه مشيري ولومي
أبلج: معطوف على المقطم, ويعني به كافورًا كأنه قال: استذرت بظل المقطم وظل أبلج. والأبلج: المفترق الحاجبين, ويقال: الفرق بينهما بلجة, ومن أمثالهم: «الحق أبلج والباطل لجلج». قال الراجز: [الرجز]
إن ابتسامًا بالنقي الأبلج ... ونظرًا في الحاجب المزجج
مئينة من الفعال الأسمج
والهاء في مشيره عائدة على كافور. مئينة أي مظنة من كذا, وجدير به؛ وإنما يعرض بوزيره أبي الفضل ابن الفرات. وقوله: بقصديه يريد بقصدي إياه, وهذا موضع يحتمل منفصل الضمير ومتصله, والمنفصل أحسن, ولكن الوزن منع من ذلك.
وقوله:
قد اخترتك الأملاك فاختر لهم بنا ... حديثًا وقد حكمت رأيك فاحكم
أراد: قد اخترتك من الأملاك, وفي الكتاب العزيز: ﴿واختار موسى قومه سبعين﴾ أي: من قومه. قال الفرزدق: [الطويل]
منا الذي اختير الرجال سماحةً ... وجودًا إذا هب الرياح الزعازع
стр. 1311
أراد: اختير من الرجال. وقوله: فاختر لهم بنا حديثًا؛ أي اجعل حديثهم بنا حسنًا, وفي هذا الكلام تخويف من الهجو, وقوى ذلك بقوله: وقد حكمت رأيك فاحكم
أي: احكم لنفسك بما تختار.
وقوله:
وقد وصل المهر الذي فوق فخذه ... من اسمك ما في كل عنقٍ ومعصم
كان أنفذ إليه مهرًا موسوم الفخذ باسم كافورٍ, وادعى الشاعر أن اسم كافور موسوم به كل عنق ومعصم.
وقوله: (٢١٥/أ)
لك الحيوان الراكب الخيل كله ... وإن كان بالنيران غير موسم
الحيوان عند الخليل أصله حييان, فقلبت الياء الثانية واواً. وقال قوم: بل الواو فيه أصلية؛ كأنهم يذهبون إلى أن أصل الحياة حيوة, ويحتجون بأن بعض العرب يشيرون إلى ضمة الياء إذا قالوا: الحياة, ولذلك كتبت في المصحف بالواو. وقافيتها من المتدارك.
ومن التي أولها
ملومكما يجل عن الملام ... ووقع فعاله فوق الكلام
الوزن من الوافر الأول. يقال: جل الأمر إذا عظم, وجل الشيء إذا قل, ومنه: جلت الهاجن عن الولد وهي التي توطأ وهي صغيرة, وربما حملت قبل أوان الحمل. ووقع فعاله فوق الكلام؛ يريد أنه إذا قال قولًا أتبعه بالفعل من غير تلبث وليس كمن يمطل إذا وعد أنه يفعل.
وقوله:
ذراني والفلاة بلا دليلٍ ... ووجهي والهجير بلا لثام
فإني أستريح بذي وهذا ... وأتعب بالإناخة والمقام
стр. 1312
يقول: لصاحبيه: ذراني وجوب الفلاة, ولا دليل معي فإني عارف بالمسالك, واتركا وجهي يعاني الهجير, ولا لثام عليه, فإني أستريح بالفلاة, وهذا, أي: الهجير. وادعى في هذا البيت ما يشهد العقل أن الأمر بخلافه, وذلك مستحسن في رأي الشعراء.
وقوله:
عيون رواحلي إن حرن عيني ... وكل بغام رازحةٍ بغامي
الناس يروون: حرت بالتاء, والنون أشبه؛ لأنه وصف نفسه فيما تقدم أنه لا يحتاج إلى دليل فوجب أن يقول: إن حارت رواحلي فعيني نائبة عن عيونها؛ لأنها تهديها السبيل. وكل بغام رازحةٍ بغامي؛ البغام أكثر ما يستعمل في الظباء, وربما استعمل في النوق. والناقة تحمد إذا تركت بغامي؛ البغام أكثر ما يستعمل في الظباء, وربما استعمل في النوق. والناقة تحمد إذا تركت البغام. قال الأعشى: [المتقارب]
كتوم البغام إذا هجرت ... وكانت بقية ذودٍ كتم
والرازحة التي تعجز عن القيام لضعفها وهزالها. يقول: عيني تنوب عن عيون رواحلي, وشكيتي الدهر تنوب عن بغامها في الهواجر؛ لأن بغامها في الهواجر إنما يكون عن التعب والأين. ومن روى: حرت بالتاء فله معنى صحيح إلا أنه ينافي قوله: ذراني والفلاة بلا دليل. ويكون المعنى إذا رويت حرت بالتاء معنى الدعاء والقسم, كما يقول الرجل للآخر: إن عبدك وإن فعلت كذا وكذا؛ كأنه يقول: إن فعلت كذا فأنا عبد لك؛ فينوب ذلك عن قوله: أقسم لا كان ما ذكرت, أو جعلني الله عبدك إن أجبتك إلى ما تريد, فيكون هذا القول في مذهب الدعاء, ويكون المراد بقوله: وكل بغام رازحةٍ بغامي؛ أي: إن حرت فكل بغام النوق التي تشكو الأين بغامي؛ أي إني لا أشكو. فكأنه أقام ذلك مقام اليمين أو مقام الدعاء على نفسه.
وقوله:
فقد أرد المياه بغير هادٍ ... سوى عدي لها برق الغمام
ذكر ابن الأعرابي في «النوادر» أن العرب كانوا إذا لاح البرق عدوا سبعين برقةً, فإذا كملت السبعون وثقوا بأنه برق ماطر فرحلوا يطلبون موقع الغيث. وأنشد غير ابن الأعرابي: [الطويل]
стр. 1313
سقى الله جيرانًا حمدت جوارهم ... كرامًا إذا عدوا وفوق كرام
يعدون برق المزن في كل مهمه ... فما رزقهم إلا بروق غمام
وقوله:
ولا أمسي لأهل البخل ضيفًا ... وليس قرى سوى مخ النعام
يقال: إن النعام لا مخ له, فكأنه قال: وليس قرى إلا قرى معدومًا لا يوجد. وينشدون في أن النعام لا مخ له قول الهذلي: [الوافر]
كأن ملاءتي على هجف ... يعن مع العشية للرئال
على حث البراءة زمخري الـ ... ـسواعد ظل في شريٍ طوال
على حث البراءة؛ أي سريعٍ عندما يبريه من السفر, والزمخري: الأجوف, والسواعد: مجاري المخ.
وقوله:
ولما صار ود الناس خباً ... جزيت على ابتسامٍ بابتسام
يقول: لما صار ود الناس غير صادقٍ صرت كأحدهم أفعل بهم كما يفعلون بي, فإذا تبسموا لي تبسمت لهم.
وقوله: (٢١٥/ب)
فصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
يقول: لما جربت الناس وعلمت أن الوفاء فيهم معدوم صرت أشك فيمن أصطفيه؛ لعلمي أنه كغير من الناس, وهذا مناسب قوله: [الوافر]
خليلك أنت لا من قلت خلي ... وإن كثر التجمل والكلام
وقوله:
يحب العاقلون على التصافي ... وحب الجاهلين على الوسام
стр. 1314
الوسام: الحسن مثل الوسامة. يقول: ذوو العقول يحب بعضهم بعضًا على معنى الإخلاص في الصفاء؛ فيحب العاقل صديقه وإن كان قبيح المنظر, والجاهل يحب الوسيم وإن كان ليس له بواد ولا صفي. وفي هذا البيت شبه من قوله: [الطويل]
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
وقوله:
أرى الأجداد تغلبها كثيرًا ... على الأولاد أخلاق اللئام
يقول: الزمان يحدث في العالم أخلاقًا لئيمة فطال ما كان الجد كريماً, وكان ولد ولده غير حميدٍ. وقال: الأجداد لأن الجد أجدر بتغير ولد الولد من الأب بابنه, على أن الآباء لا تكون أبناؤهم على طرائقهم إلا في الأول, فطال ما رأيت العالم وابنه جهول, والسخي وابنه بخيل, والموصوف بالشجاعة يوصف ولده بالجبن.
وقوله:
ولست بقانعٍ من كل فضلٍ ... بأن أعزى إلى جد همام
يقول: إن رضي قوم بشرف آبائهم وأقاربهم؛ فإني لا أقنع من الفضل بأن أعتزي إلى جد ذي همة. والمعنى بين.
وقوله:
عجبت لمن له قد وحد ... وينبو نبوة القضم الكهام
يقول: عجبت لمن له جسم حسن وقوام, وله جد مع ذلك؛ أي قوة, وهو ينبو نبوة السيف القضم, وهو الذي في حده فلول. قال الشاعر: [البسيط]
ما عبت مني ما رمحي بذي أودٍ ... يوم الطعان ولا سيفي به قضم
والكهام: الكليل من السيوف, ويقال: كهام وكهيم. وقال الفرزدق يخاطب ناقته: [الوافر]
علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي
стр. 1315
نقض جرير هذه القصيدة فقال في قصيدته: [الوافر]
تلفت إنها تحت ابن قينٍ ... حليف الكير والفاس الكهام
فوصف الفأس بالكهام.
وقوله:
ومن يجد الطريق إلى المعالي ... فلا يذر المطي بلا سنام
من في هذا البيت معطوفة على من في البيت الأول. يقول: إني لأعجب ممن يجد طريقًا إلى مالي الأمور فلا يطلبها حتى يذهب أسنمة الإبل. ونحو من هذا يتردد في الأشعار القديمة.
قال الراجز: [الرجز]
أعملها الركبان في موماتها ... فأنضب الإدلاج أسنماتها
وقال آخر: [الوافر]
وهدمنا صوامع شيدتها ... لها حبب مخالطها نجيل
يعني بالصوامع: أسنمة الإبل, والحبب: جمع حبةٍ وهي بذور الصحراء, والنجيل: ضرب من الحمض.
وقوله:
ولم أر في عيوب الناس شيئًا ... كنقص القادرين على التمام
عاب على الناس عجزهم عن إدراك المكارم, وليس ذلك إلى المخلوقين؛ وإنما هو إلى الله تعالى؛ وليس في العالم أحد إلا وهو يؤثر أن يكون ذا فضل, وربما رزق موضعًا في الجاه وطال ما حرم فكان من العوام.
وقوله:
أقمت بأرض مصر فلا ورائي ... تخب بي الركاب ولا أمامي
стр. 1316
يقول: أقمت بمصر لا أتوجه إلى أمامي ولا أرجع إلى ما خلفي, فهذا بيت لا كذب فيه, ثم قال:
فملني الفراش وكان جنبي ... يمل لقاءه في كل عام
هذا دعوى لا تصح لأحدٍ من الناس, واستعار الملل للفراش لأن اضطجاعه كثر عليه فكان كأنه قد مله. ويقال: إن الإنسان لا يقيم ثلاثة أيام بغير شيء من النوم, وإن كان قليلًا نزراً, وادعاء الشعراء كلها داخلة في قوله تعالى: ﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾.
وقوله:
وزائرتي كأن بها حياءً ... فليس تزور إلا في الظلام
يقول: بزائرتي -[أي] حماه الطارقة (٢١٦/أ) له بالليل - يقول: كأن بها حياءً فهي تخاف أن تزور بالنهار.
وقوله:
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي
المطارف: جمع مطرفٍ ومطرفٍ وهو الذي في طرفيه علمان. والحشايا: جمع حشيةٍ وهو ما حشي مما يتفرش. وجعل عنترة السرج حشيةً على معنى التشبيه؛ أي إني لا فراش لي إلا سرج فرسي, فقال: [الكامل]
وحشيتي سرج على عبل الشوى ... نهدٍ تعاوره الكماة مكلم
يقول: بذلت لهذه الزائرة المطارف والحشايا لتحل بها دون جسمي فعافتها. والعيافة إنما تستعمل في الطعام والشراب. قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل]
فسافت وما عافت وما صد شربها ... عن الري مطروق من الماء أكدر
وادعى أنه بذل لها أشياء كأنها مخاطبة لمن يعقل وهذه من الدعوى المستحيلة. يقول: إنها اختارت المبيت في عظامي على المبيت في أشياء مرتفعة مما يفترش أو يلتحف.
стр. 1317
وقوله:
يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام
يروى: نفسي بسكون الفاء, أي إنها زاحمتني في جسمي فضاق أن يسعها ويسع نفسي, فأوسعته بأنواع السقام؛ يعني أنها أقلت لحمه؛ فوسعت جلده. وإن رويت: نفسي بفتح الفاء فالمعنى صحيح؛ لأن نفس المحموم يكثر ويتصل, فكأن الجسد قد ضاق عنه.
وقوله:
إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام
يقول: إذا فارقتني عرقت, وجعل العرق كغسلٍ تفعله حماه. ثم قال: كأنا عاكفان على حرامٍ. العكوف: اللزوم للشيء, والغسل قد يكون من الحلال والحرام, وخص الحرام ها هنا لأن جعلها زائرة وليست بالزوجة ولا الجارية له, وإنما هي غريبة زارته.
وقوله:
كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعةٍ سجام
يقول: تجيء هذه الزائرة فتقيم عندي الليل, فإذا الصبح أسفر خلت أنه طردها فتجري مدامعها. وقد جرت عادة الشعراء بذم الصبح لأنه يؤذن بفراق المحبوب, وقد حمد أبو الطيب الظلام فدل حمده إياه على ذم الصبح, قال: [الطويل]
وكم لظلام الليل عندك من يدٍ ... تخبر أن المانوية تكذب
وقال ردى الأعداء تسري عليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب
وقال الوليد بن عبيد: [الطويل]
فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفي غزالٍ بت ليلي أغازله
وكم من يد لليل عندي برة ... وللصبح من خطب تخاف غوائله
وقوله:
أراقب وقتها من غير شوقٍ ... مراقبة المشوق المستهام
стр. 1318
ويصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام
من شأن المحموم أن يراقب الوقت الذي تجيئه فيه الحمى فكأنه مشوق إليها؛ وإنما هو كاره للقائها. ووعدها صادق ليست تخلفه ولا تكذب فيه, وإذا ألقاك الصدق في الكرب العظام فهو شر من الكذب. وقد ذكرت العرب الحمى المنتابة, وشكا بعضهم أن أهله يقصرون في خدمته ويسأمونه. قال الراجز: [الرجز]
قد سئمتني طلتي وجارتي ... والبنت ملتني لما زارت
كأنها ما أخذت أثارتي ... تختار ما أودعه غرارتي
لا سعدت إن أنجذت أو غارت ... وليتها إلى القبور سارت
وقوله:
أبنت الدهر عندي كل بنتٍ ... فكيف وصلت أنت من الزحام
جعل الحمى بنتًا للدهر لأنها تحدث فيه فكأنها ولد له, ثم قال: عندي كل بنت, يعني كل بنتٍ للدهر؛ يريد أن شدائده متكاثرة لديه فكيف وصلت هذه من الزحام.
وقوله:
جرحت مجرحًا لم يبق فيه ... مكان للسيوف ولا السهام
يقول: ما بقي في موضع لسيفٍ أو سهمٍ؛ فما بقي في مكان لجرح يحدث, وفي هذا البيت شبه من قوله: [الوافر]
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاءٍ من نبال
ومن قول البحتري: [الوافر]
وهل يزداد من قتلٍ قتيل
وقوله:
ألا يا ليت شعر يدي أتمسي ... تصرف في عنانٍ أو زمام
стр. 1319
وهل أرمي هواي براقصاتٍ ... مجلاة المقاود باللغام
قال: يا ليت شعر يدي؛ أي علمها, واليد لا تشعر وإنما يعني نفسه, وهذا سائغ في كل الكلام. يقول: هل تصرف يدي في عنان فرسٍ أو زمام ناقة؟ وهل أرمي هواي؛ أي الأمر الذي أهواه؛ براقصاتٍ يعني نوقًا تسير الرقص؟ (٢١٦/ب) وهو ضرب من السير نحو الجمز. قال حسان: [الكامل]
بزجاجةٍ رقصت بما في قعرها ... رقص القلوص براكبٍ مستعجل
ويقال: رقص ورقص. وقوله: مجلاة المقاود باللغام: يعني أن لغام العيس أبيض فكأنه الفضة حلثيت به المقاود. قال ذو الرمة: [الطويل]
نفخن اللغام الهيبان كأنه ... جنى عشرٍ تنفيه أشداقها الهدل
يقال: إن العشر يكون في جناه شيء أبيض كأنه القطن فلذلك شبه به لغام الإبل. وقال جران العود: [الطويل]
وحتى بدا جون اللغام كأنه ... بألحي المطايا والخراطيم كرسف
الكرسف: القطن. وقول ذي الرمة: الهيبان؛ أي إنه أجوف؛ شبهه بالجبان الذي لا فؤاد له.
وقوله:
فربتما شفيت غليل صدري ... بسيرٍ أو قناةٍ أو حسام
وضاقت خطة فخلصت منها ... خلاص الخمر من نسج الفدام
الفدام: شيء يجعل على فم الإبريق الذي يكون فيه الخمر, وهو الفدام أيضًا. قال علقمة: [البسيط]
كأن إبريقهم ظبي برابته ... مقلد بسبا الكتان مفدوم
стр. 1320
وقال امرؤ القيس: [الكامل]
أيام فوها كلما نبهتها ... كالمسك بات وظل في الفدام
وربما قالوا للفدام: مصفاة الخمر, وهي التي أراد الشاعر في هذا البيت.
وقوله:
يقول لي الطبيب أكلت شيئًا؟ ... وداؤك في شرابك والطعام
وما في طبه أني جواد ... أضر بجسمه طول الجمام
من شأن الأطباء أن يقولوا للعليل أن تجتنب ما يضرك من الأطعمة, فربما أطاعهم وربما خالفهم, ويجوز أن يكون أبو الطيب اتفق له شيء من ذلك, وهو القائل: [الوافر]
بأجسادٍ يحر القتل فيها ... وما أقرانها إلا الطعام
وربما كان الإنسان أكولًا فحث نفس على الطعام. قال الراجز: [الرجز]
إن الطعام يهضم الطعاما ... فابلع - هديت - لقمًا عظاما
وقال صاحب قصيدة الهر: [المنسرح]
كم أكلةٍ داخلت حشى شرهٍ ... فأخرجت روحه من الجسد
وقال ابن المعتز في علةٍ اعتلها: [المتقارب]
إذا ما رأيت امرءاً مطلقاً ... له الأكل تخنقني العبره
стр. 1321
وربما كان بعض الأعلاء لا يصبر عن الطعام. وتروى أبيات لكشاجم: [البسيط]
قلت: اطعموني, فقالوا: من مزورةٍ ... فقلت: زور وليس الزور من وطري
هاتوا أطايب عجلٍ فائق سمناً ... كالفيل خلقاً وإن عدوه في البقر
وسكبجوها ووفوها توابلها ... وزعفروها وصونوها عن الغمر
وقربوها على بيضاء صافيةٍ ... كأنما خرطت من دارة القمر
فمن نجا فدفاع الله أخره ... ومن مضى فإلى الفردوس أو سقر
فيضر به ذلك. وقال بعض العرب: [الطويل]
يقولون: لا تأكل وتلك بلية ... ألا كل ذي طعمٍ عليك وخيم
لئن لبن المعزى بماء مويسلٍ ... بغاني سقماً إنني لسقيم
والجمام: أن يترك الفرس لا يركب.
стр. 1322
وقوله:
فأمسك لا يطال له فيرعى ... ولا هو في العليق ولا اللجام
يقول: أمسكت بالعلة ومنعت من المأكل وغيره, فكنت كالجواد أمسك فلا يمكن من المرعى, ولا يعلق عليه شعير ولا يلجم للركوب. وظاهر هذا الكلام متعلق بالعلة, ويجوز أن يعني به كافورًا ومنعه إياه مما طلب ومن الانصراف.
وقوله:
تمتع من سهادٍ أو رقادٍ ... ولا تأمل كرًى تحت الرجام
الرجام: جمع رجمٍ وهو القبر. قال الشاعر: [البسيط]
أمست أمية معمورًا بها الرجم ... لقى صعيدٍ عليها الترب مرتكم
يقول لنفسه وأميره: تمتع من سهادك أو من رقادك فإنهما زائلان, ثم ذكر ثالثًا فقال:
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
يعني الموت؛ ولو لم يقل أبو الطيب غير هذه القصيدة لكان من أشعر الناس. والقافية من المتواتر.
ومن التي أولها
حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراها علىخف ولا قدم
الوزن من أول البسيط.
نساري النجم: تفاعله من سريت الليل؛ أي نحن نسري بخيلٍ وإبلٍ, وربما سعينا بالأقدام. والنجم ليس يجري بخف ولا قدمٍ فلا يجد ألماً كما نجد.
وقوله: (٢١٧/أ)
стр. 1323
ولا يحس بأجفانٍ يحس بها ... فقد الرقاد غريب بات لم ينم
أتبع البيت بقوله: ولا يحس بأجفانٍ يحس بها الغريب فقد النوم, فنحن إذا ساريناه نظلم أنفسنا بذلك؛ لأنا نباري ما لا طاقة لنا به.
وقوله:
تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم
وكان حالهما في الحكم واحدةً ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم
قوله: تسود الشمس منا بيض أوجهنا نحو من قوله: [الخفيف]
صحبتنا على الفلاة فتاة ... عادة اللون عندها التبديل
زعم أن الشمس تسود الوجوه البيض, وتترك بيض العذر واللمم بيضاً لا تغيرهن عن حال الشيب, وهذا معنى لم يسبق إليه, وقد استوفاه وجاء به في نهاية الشرف؛ إلا أن حال الوجوه - في الحقيقة - ليس كحالة اللمم؛ لأن الوجوه فيها ماء ورطوبة تنال منهما الشمس, والشعر ليس في شيء من ذلك.
وقوله:
ونترك الماء لا ينفك من سفرٍ ... ما سار في الغيم منه سار في الأدم
يقول: نرد الغدران التي ملأها السحاب فنجعل ماءها في المزاد؛ فالماء معنا مسافر؛ فتارةً يسير في الغيم, وتارة يسير في الأدم, أي ما معهم من المزاد والأداوى, وهذا معنى مستغرب. وقد كانت العرب تكابد الشدة من فقد الماء في السفر؛ لأن السموم يأتي على ما في المزاد من الماء. قال الشاعر: [البسيط]
ما أنس لا أنس إعمالي بمهلكةٍ ... والشمس توقد جمرًا دائم الضرم
لما فزعنا إلى ما في مزايدنا ... والهوف قد شربت مستودع الأدم
الهوف: ريح حارة تأتي من قبل اليمن, وكانوا لخوفهم من ذلك يظمئون الإبل ويوردونها الماء مرةً بعد مرة ويركبون بها المفاوز؛ فإذا عدموا الماء بقروا بطونها فشربوا ما يجدون فيها. قال زيد الخيل: [الوافر]
стр. 1324
يصول بكل أبيض مشرفي ... على اللاتي بقى فيهن ماء
عشية يؤثر الغرباء فينا ... فلا هم ظامئون ولا رواء
وقوله:
طردت من مصر أيديها بأرجلها ... حتى مرقن بنا من جوش والعلم
سكن ياء أيديها ضرورة. ووصف أنه حثها في السير فكأنه طرد أيديها بأرجلها. وجوش والعلم جبلان, ومرقن بنا؛ أي خرجن كما يمرق السهم من الرمية. وطرد الأيدي بالأرجل قد جاء في شعر غيره. وفي شعر ابن المعتز: [البسيط]
ويدها تقتضي ورجلها طارده
وقوله:
تبري لهن نعام الدو مسرجةً ... تعارض الجدل المرخام باللجم
تبري لهن: أي تعارضهن, والهاء والنون راجعة على العين, وشبه الخيل بنعام الدو. والعرب تشبه الخيل والإبل بالنعام, والدو: كل موضع خال. والجدل: جمع جديل, وهو حبل مضفور من أدم. وذكر أن الخيل تعارض الإبل؛ وإنما جرت عادة العرب أن يصفوا ركوب الإبل وأنهم قد جنبوا الخيل وراءها, وقد ذكره أبو الطيب في قوله: [الطويل]
ولا اتبعت آثارنا عين قائفٍ ... فلم تر إلا حافرًا فوق منسم
وقوله:
في غلمةٍ أخطروا أرواحهم ورضوا ... بما لقين رضى الأيسار بالزلم
غلمة: جمع غلامٍ في القلة. والكثير: الغلمان. وقوله: أخطروا أرواحهم؛ أي جعلوها
стр. 1325
كالخطر, والخطر - ها هنا - هو الشيء الذي يضعه المتراهنان والمتراهنون بينهم ليأخذه الغالب منهم.
يقول: أخطروا أرواحهم ورضين بذلك. والأيسار: جمع يسيرٍ وهم القوم الذين يدخلون في الميسر. والزلم بفتح الزاي وضمها: اسم للقدح الذي يتقامر به أخائبًا كان أم فائزاً, وقد تقدم ذكر الأيسار, والفعل: يسر الرجل ييسر يسرًا فهو ياسر فهذا اسم الفاعل. وقالوا للرجل: يسر كأنه مسمى بمصدر, وقد يجيء في المصادر فعل وفعل كثيرًا. قالوا: عذل وعذل, وطرد وطرد, وشحط وشحط؛ فيجوز أن يكونوا قالوا: يسروا يسيراً ويسراً؛ وخصوا الرجل بتحريك السين إذا وصفوه بذلك ليفرقوا بينه وبين المصدر. قال الشاعر: [الكامل]
نعم المعاشر هم ألاك إذا ... هز المخالع أقدح اليسر
وقال الأعشى في الياسر: [السريع]
المطعمو الضيف إذا ما شتوا ... والجاعلو القوت على الياسر
وقوله: (٢١٧/ب)
تبدو لنا كلما ألقوا عمائمهم ... عمائم خلقت سوداً بلا لثم
هذا البيت في وصف الغلمة الذين ذكرهم. يقول: مرد لم تنبت لحاهم, وشعور رؤوسهم وافرة, ولو لفوا عمائمهم كانت شعورهم كأنها العمائم السود, ولو كانوا أصحاب لحى لكان الشعر قد صار لهم كاللثم؛ أي جمع لثامٍ.
وقوله:
بيض العوارض طعانون من لحقوا ... من الفوارس شلالون للنعم
شلالون: من الشل وهو الطرد, ووصفهم ببيض العوارض لأن خدودهم ليس فيها شعر.
стр. 1326
وقوله:
قد بلغوا بقناهم فوق طاقته ... وليس يبلغ ما فيهم من الهمم
يريد أنهم قد حطموا قناهم فكلفوه ما لا يطيق ولم يبلغ هممهم؛ لأنهم لم يرضوا لأنفسهم بما أتوه, بل يرومون ما هو أعظم.
وقوله:
في الجاهلية إلا أن أنفسهم ... من طيبهن به في الأشهر الحرم
يقول: هؤلاء الغلمة كأنهم في الجاهلية, إلا أن أنفسهم من طيبها بالقنا كأنها في الأشهر الحرم؛ لأنها آمنة بالرماح. والهاء في به راجعة إلى القنا, والتذكير أشبه من التأنيث, والوجهان جائزان. ويقال: طابت نفسه بالشيء طيباً, ويزعمون أن قول الناس: فعل ذلك بطيبة نفسه خطأ, وإنما الصواب بطيب نفسه. وكانت العرب في الجاهلية تعظم الأشهر الحرم ولا تسفك فيها الدم, وهي ثلاثة سرد وواحد فرد؛ فالسرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم, والفرد رجب.
وقوله:
ناشوا الرماح وكانت غير ناطقةٍ ... فعلموها صياح الطير في البهم
يقول: ناشوا الرماح؛ أي تناولوها, ولو كانت لا تنطق - يعني بالنطق الصوت لا الكلام - فعلموها صياح الطير لما طعنوا بها فسمع لها صوت فجعله لها كالنطق. قال الشاعر: [المنسرح]
تصيح فيهم سمر الرماح كما ... صاح دجاج المدينة السحرا
وقال آخر: [الطويل]
تصيح الردينيات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصبحت جوعا
قيل: أراد ببنات الماء طيراً من طير الماء واحدها ابن ماءٍ. قال ذو الرمة: [الطويل]
стр. 1327
وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماءٍ محلق
وقيل: أراد ببنات الماء: الضفادع.
وقوله:
تخدي الركاب بنا بيضاً مشافرها ... خضراً فراسنها في الرغل والينم
الخديان: ضرب من السير؛ يقال: خدى البعير يخدي خدياً وخدياناً. يقول: نمنع العيس من الرعي لأنا في السير مجدون؛ فمشافرها بيض لأنها لا ترعى النبت, وفراسنها خضر لأنها تطأ مكاناً خصيباً فقد اخضرت لوطئها الرغل والينم؛ فالرغل ضرب من الحمض, والينم نبت يحمد للغنم. والفراسن: جمع فرسنٍ وهو أسفل الخف, والنحويون يزعمون أن النون فيه زائدة وأنه من الفرس. والفرس: دق العنق في الأصل؛ فإذا أخذا بهذا القول حمل على أنهم يصفون الإبل بأنها تطأ الأفاعي فتفرسها؛ أي: تدق أعناقها. قال الشاعر: [الطويل]
فجاءت كسن الظبي لم ير مثلها ... سناء قتيلٍ أو حلوبة جائع
تقطع أعناق التنوط في الضحى ... وتفرس في الظلماء أفعى الأجارع
التنوط والتنوط: طائر يقال إنه يدلي له عشاً من الشجرة. وجاءت كسن الظبي؛ أي هي أثناء؛ لأن الظبي إذا أثنى بقي كذلك. وقوله: سناء قتيل؛ أي إنها سيقت في ديته فدلت على شرفه, والسناء من الشرف ممدود. وتقطع أعناق التنوط: يريد أنها ترعى الشجر الذي هو فيه فربما وقعت عنقه في أفواهها فقطعته.
وقوله:
مكعومةً بسياط القوم نضربها ... عن منبت العشب نبغي منبت الكرم
стр. 1328
مكعومةً من الكعام, وهو شيء يوضع في فم البعير لئلا يعض. يقول: الركبان يضربونها بالسياط ليستخرجوا ما عندها من السير؛ فكأنهم قد كعموها بالسياط؛ أي جعلوا في أفواهها الكعم. ويقال: مكعوم وكعيم. قال الشاعر وذكر حمار وحشٍ: [الطويل]
يسوف بأنفيه الرياض كأنه ... من البدن عن رعي النبات كعيم
يعني بأنفيه: منخريه.
وقوله:
وأين منبته من بعد منبته ... أبي شجاعٍ قريع العرب والعجم
أكثر الرواية كسر باء المنبت في الموضعين وفتح الميم, وبعض الناس يروي: وأين منبته من بعد منبته (٢١٨/أ) , وهي في صناعة الشعر أبلغ لأن تغيير اللفظ أحسن من تكريره.
وقريع القوم: خيراهم, وأصل ذلك في الإبل؛ يقال: هذا فحل قريع إذا حمدوه, ويقولون: قريع في المذموم؛ فإذا حمدوه, وكأنهم أرادوا أنه يقرع الإبل ويختار لذلك؛ لأنه فحل كريم. وقيل: قارع وقريع, كما قالوا: عالم وعليم, وإذا ذموا القريع أرادوا في معنى مقروعٍ؛ أي يقرع أنفه لئلا يضرب في الإبل.
وقوله:
من لا تشابهه الأحياء في شيمٍ ... أمسى تشابهه الأموات في الرمم
يقول: كان هذا المذكور يخالف الأحياء في الشيم والمكارم, فصار مشابهًا للأموات في أن أعظامه صارت رمماً.
وقوله:
ما زلت أضحك إبلي كلما نظرت ... إلى من اختصبت أخفافها بدم
هذا البيت ذم لمن سار إليه غير فاتك. يقول: مازلت أضحك الإبل تعجباً من أني وإياها
стр. 1329
سرنا إلى من لا يجب أن نسير إليه, ويشهد بذلك ما بعد البيت من الأبيات؛ وكأن ضحك الإبل هزؤ بالمقصود. ولو كان البيت في صفة فاتكٍ لكان في نهاية المدح. يقول: ما زلت أضحك إبلي من الفرح إذا علمت أنها اختضبت خفافها بالدم إلى هذا المفقود المثل.
وقوله:
أسيرها بين أصنامٍ أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفة الصنم
يقول: هم يشبهون الأصنام في الجهل والغباوة؛ إلا أن الصنم عفيف لا تخشى منه أذية ولا تعد إلى قبيح.
وقوله:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
قطع ألف الوصل في أول النصف الثاني, وقد ذكر ذلك سيبويه في الضرورات - وليس بضرورةٍ منكرةٍ - وأنشد: [السريع]
لا نسب اليوم ولا حرمةً ... اتسع الخرق على الراقع
ويحسن مجيء ذلك في النصف الثاني أن تكون حكايةً عن فاتك كما قال الأعشى: [البسيط]
إذ سامه خطتي خسفٍ فقال له ... أعرض علي كذا أسمعهما حاري
وفي الأبيات: [البسيط]
فشك غير طويلٍ ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري
стр. 1330
وبيت أبي الطيب مثل هذين البيتين لأنه حكاية عن قائل. وقطع ألف الوصل له أربع مراتب:
الأولى: أن يكون في أول البيت وذلك لا ضرورة فيه كقول القطامي: [البسيط]
الضاربين عميراً عن بيوتهم ... بالتل يوم عمير ظالم عاد
والرتبة الثانية: أن يكون في أول النصف الثاني وقد تقدم ذكره.
والثالث: أن يكون بعد حرف ساكن فذلك ضرورة بينة كقول جميل فيما رووه: [الطويل]
ألا لا أرى الإثنين أحسن شيمةً ... على حدثان الدهر مني ومن جمل
وقال قيس بن الخطيم: [الطويل]
إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... بنشرٍ وتكثير الوشاة قمين
والرتبة الرابعة, وهي أقبح الضرورات, أن تكون ألف الوصل بعد حرفٍ متحركٍ, كقول الراجز: [الرجز]
يا نفس صبراً كل حي لاق ... وكل إثنين إلى افتراق
ولا عذر لهذا الراجز, ولقيس بن الخطيم, في قطع هذه الألف؛ لأنهما لو قالا: خلين
стр. 1331
لكفيا ذلك, ولعلهما نطقا به على الصواب وغيره بعض الرواة.
وقوله:
من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤالٍ عن هلٍ بلم
أخرج هل ولم من بابهما فجعلهما اسمين كدمٍ ويدٍ فحسن فيهما التنوين. يقول: من اقتضى بغير السيف حاجته أجاب كل سؤال يقال فيه: هل قضيت حاجتك؟ يقول: لم تقض. وينبغي أن يكون الشاعر قصد بالحاجة في هذا الموضع ما عظم من الأشياء والمطالب, فأما عادة الناس فيما هان من الأمور فإن حوائجهم مقضية بأهون السعي.
وقوله:
فلا زيارة إلا أن تزورهم ... أيدٍ نشأن مع المصقولة الخذم
ذم القوم الذين كان تقرب إليهم, وزعم أنهم توهموه عاجزاً وأنه لا يزورهم إلا بقومٍ أيديهم قد نشأت مع السيوف.
وقوله:
صنا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللوم في الأيدي ولا الكزم
الكزم: قصر اليد. يقول: صنا قوائم السيوف عن أيدي هؤلاء القوم لأن أيديهم لئيمة؛ فوصفها بالكزم مع اللؤم. وهذا المعنى قريب من قول جعفر بن علبة الحارثي: [الطويل]
نقاسمهم أسيافنا شر قسمةٍ ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وقال الحارثي: [الطويل]
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبلٍ ... ولي منه ما ضمت إلى الأنامل
стр. 1332
وقوله:
هون على بصرٍ ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم
هذا أمر بتهوين الدنيا على النفس وألا يحفل بها الإنسان لأن يقظانها كالحالم. وقوله: ما شق منظره؛ أي ما كان النظر إليه يشق على الإنسان, وقد ذكر ذلك في قوله: [البسيط]
كلام أكثر من تلقى ومنظره ... مما يشق على الأسماع والحدق
وقوله:
ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
(٢١٨/ب) أمر من يطيعه بأن لا يشتكي ما يلقاه من الشدائد إلى أحدٍ من الناس؛ لأنه لا يأمن أن يكون المشكو إليه إذا علم بصاحب الشكية شامتاً به؛ أي إن الناس بعضهم أعداء لبعضٍ, فمن شكى حاله إليهم فمثله مثل جريح قد اجتمعت عليه طير لتأكل لحمه, فهو يشكو إلى من ليس عنده رحمة؛ لأن الغربان والرخم إنما تجتمع الجريح لتأكله. قال أبو زبيد الطائي يصف جريحًا اجتمعت عليه الطير: [المنسرح]
تذب عنه كف بها رمق ... طيراً حكين الزوار للعرس
عما قليلٍ علون جثته ... فهن من والغٍ ومنتهس
وقوله:
وكن على حذرٍ للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم
أمر باتقاء العالم, وأن يحذر الإنسان من جميع المخلوقين ولا يغتر بضحكهم إليه؛ فإنه يصدر عن عداوةٍ وغش. وهذا نهي عن الركون إلى كل أحد؛ وقد يكون للرجل النصيح الذي يصدقه بكل الأمور, وإنما هذه الوصاة كغيره من إسراف الشعراء.
وقوله:
سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم
стр. 1333
زعم أن نفسه تلتذ بالشيء الذي يراه غيرها شدة وألما. وقد بين هذا في قوله: [الوافر]
فإني استريح بذي وهذا ... وأتعب في الإناخة والمقام
وقوله:
وقت يضيع وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سالف الأمم
زعم أن عمره ضائع لأنه لا ينال فيه ما يلتمس, وتمنى أن يكون عمره ذهب بين السالف من الأمم؛ لأنه يذهب إلى أنهم أفضل من الجيل الذي هو فيه.
وقوله:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
يقول: إن المتقدمين جاؤوا الزمن وهو شاب فسرهم وفعل معهم ما يريدون. وذكر أنه جاء وقد هرم الزمان فلم يحسن المعاملة معه. وقد بدأ حبيب بن أوس بذكر هرم الزمان بقوله: [البسيط]
مجد رعى تلعات المجد وهو فتًى ... حتى أتى الدهر يمشي مشية الهرم
والقافية من المتراكب.
ومن أبيات أولها
يذكرني فاتكاً حلمه ... وشيء من الند فيه اسمه
الوزن من ثالث المتقارب والقافية من المتدارك.
يقال: إن وكيلًا لأبي الطيب دخل عليه ومعه ند عليه اسم فاتك فقال هذه الأبيات.
وأي فتى سلبتني المنو ... ن لم تدر ما ولدت أمه
يحتمل البيت دخول الواو في قوله: ولم تدر وسقوطها منه. يقول: إن أمه ولدت مولوداً له شأن عظيم لم تعرف مقداره؛ وهذا ضد ما قال البكري ربيعة بن ضبيعة: [الرجز]
стр. 1334
قد علمت والدة ما ضمت ... ولففت في خرقٍ وشمت
فهذا زعم أن أمه زعمت أنه ولد نجيب, وأنه سيكون له شأن عظيم. والشاعر ذكر أن الممدوح لم تدر أمه مقدار من ولدت منه, وليست هي بالمملوكة؛ لأنها ولدت أمرأً عظيماً لم تجر العادة بأن يولد مثله.
وقوله:
وإن منيته عنده ... لكالخمر سقيه كرمه
ذكر الخمر, والغالب عليها التأنيث, لأن تأنيثها ليس بحقيقي. وقد ذكرها الأعشى في قوله: [الخفيف]
وكأن الراح الذكي من الإسـ ... ـفنط ممزوجةً بماءٍ زلال
فقال: الذكي, وإنما ذكرها على معنى الشراب. يقول: هذا الميت كان شجاعًا يقتل أعاديه وكأنه منية وأصل للمنون. فالحتف الذي سقيه كأنه خمر سقيها كرم, وهي من الكرم معتصرة, فكأنه لها والد وأصل.
وقوله:
فذاك الذي عبه ماؤه ... وذاك الذي ذاقه طعمه
يقال: عب الماء عباً وعب فيه إذا جرعه جرعًا متتابعًا. قال الراجز: [الرجز]
يكرع فيها فيعب عبا ... مجبياً في مائها منكبا
يقول: هذا الهالك إنما شرب ماء نفسه, والذي ذاق إنما هو طعمه؛ لأنه كان يذيق عداته من الموت.
стр. 1335
وقوله: (٢١٩/أ)
ومن ضاقت الأرض عن نفسه ... حرى أن يضيق بها جسمه
من في هذا البيت مبتدأ. يقول: كانت نفس هذا المذكور عظيمةً تضيق بها الأرض الواسعة, وإذا كان الأمر كذلك فهو حرى - أي جديرًا - أن يضيق جسمه بنفسه فتخرج منه.
ومن التي أولها
أما في هذه الدنيا كريم ... تزول به عن القلب الهموم
سأل: هل يوجد كريم في الأرض تزول به هموم القلب؟ وهذا استفهام قد صح مع المستفهم؛ لأنه لا يجاب عنه مما هو له مرض؛ لأن البلاد خلت من الأكرمين. ثم استفهم سائلًا عن مكانٍ يكون أهله لجارهم سارين, فقال:
أما في هذه الدنيا مكان ... يسر بأهله الجار المقيم
وقوله:
تشابت البهائم والعبدى ... علينا والموالي والصميم
يقول: تشابهت العبيد والبهائم, وإن كان العبيد إنساً والبهائم ليست كذلك؛ وإنمنا يريد أنهم تشابهوا في الأخلاق لا في الخلق. والموالي تستعمل في مواضع كثيرة, وهي مأخوذة من: ولي الشيء, فاستعملوا الموالي في بني العم والحلفاء والجيران والعبيد المملوكين والمعتقين. والأصل في الاشتقاق واحد؛ فيقال للمعتق لأنه ولي أمر عبده, ويقال للعبد المعتق: مولى؛ لأن مولاه ولي أمره, وفي الحديث: «الولاء للكبر»؛ أي لأكبر أولاد الرجل. والمعنى: أنه إذا أعتق عبداً وله ولاء فالولاء لولده الذي من صلبه.
والصميم: الخالص من الشيء.
وقوله:
следующие страницы →