← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

لكفيا ذلك, ولعلهما نطقا به على الصواب وغيره بعض الرواة. وقوله: من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤالٍ عن هلٍ بلم أخرج هل ولم من بابهما فجعلهما اسمين كدمٍ ويدٍ فحسن فيهما التنوين. يقول: من اقتضى بغير السيف حاجته أجاب كل سؤال يقال فيه: هل قضيت حاجتك؟ يقول: لم تقض. وينبغي أن يكون الشاعر قصد بالحاجة في هذا الموضع ما عظم من الأشياء والمطالب, فأما عادة الناس فيما هان من الأمور فإن حوائجهم مقضية بأهون السعي. وقوله: فلا زيارة إلا أن تزورهم ... أيدٍ نشأن مع المصقولة الخذم ذم القوم الذين كان تقرب إليهم, وزعم أنهم توهموه عاجزاً وأنه لا يزورهم إلا بقومٍ أيديهم قد نشأت مع السيوف. وقوله: صنا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللوم في الأيدي ولا الكزم الكزم: قصر اليد. يقول: صنا قوائم السيوف عن أيدي هؤلاء القوم لأن أيديهم لئيمة؛ فوصفها بالكزم مع اللؤم. وهذا المعنى قريب من قول جعفر بن علبة الحارثي: [الطويل] نقاسمهم أسيافنا شر قسمةٍ ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها وقال الحارثي: [الطويل] لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبلٍ ... ولي منه ما ضمت إلى الأنامل

стр. 1332

وقوله: هون على بصرٍ ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم هذا أمر بتهوين الدنيا على النفس وألا يحفل بها الإنسان لأن يقظانها كالحالم. وقوله: ما شق منظره؛ أي ما كان النظر إليه يشق على الإنسان, وقد ذكر ذلك في قوله: [البسيط] كلام أكثر من تلقى ومنظره ... مما يشق على الأسماع والحدق وقوله: ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم (٢١٨/ب) أمر من يطيعه بأن لا يشتكي ما يلقاه من الشدائد إلى أحدٍ من الناس؛ لأنه لا يأمن أن يكون المشكو إليه إذا علم بصاحب الشكية شامتاً به؛ أي إن الناس بعضهم أعداء لبعضٍ, فمن شكى حاله إليهم فمثله مثل جريح قد اجتمعت عليه طير لتأكل لحمه, فهو يشكو إلى من ليس عنده رحمة؛ لأن الغربان والرخم إنما تجتمع الجريح لتأكله. قال أبو زبيد الطائي يصف جريحًا اجتمعت عليه الطير: [المنسرح] تذب عنه كف بها رمق ... طيراً حكين الزوار للعرس عما قليلٍ علون جثته ... فهن من والغٍ ومنتهس وقوله: وكن على حذرٍ للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم أمر باتقاء العالم, وأن يحذر الإنسان من جميع المخلوقين ولا يغتر بضحكهم إليه؛ فإنه يصدر عن عداوةٍ وغش. وهذا نهي عن الركون إلى كل أحد؛ وقد يكون للرجل النصيح الذي يصدقه بكل الأمور, وإنما هذه الوصاة كغيره من إسراف الشعراء. وقوله: سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم

стр. 1333

زعم أن نفسه تلتذ بالشيء الذي يراه غيرها شدة وألما. وقد بين هذا في قوله: [الوافر] فإني استريح بذي وهذا ... وأتعب في الإناخة والمقام وقوله: وقت يضيع وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سالف الأمم زعم أن عمره ضائع لأنه لا ينال فيه ما يلتمس, وتمنى أن يكون عمره ذهب بين السالف من الأمم؛ لأنه يذهب إلى أنهم أفضل من الجيل الذي هو فيه. وقوله: أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم يقول: إن المتقدمين جاؤوا الزمن وهو شاب فسرهم وفعل معهم ما يريدون. وذكر أنه جاء وقد هرم الزمان فلم يحسن المعاملة معه. وقد بدأ حبيب بن أوس بذكر هرم الزمان بقوله: [البسيط] مجد رعى تلعات المجد وهو فتًى ... حتى أتى الدهر يمشي مشية الهرم والقافية من المتراكب. ومن أبيات أولها يذكرني فاتكاً حلمه ... وشيء من الند فيه اسمه الوزن من ثالث المتقارب والقافية من المتدارك. يقال: إن وكيلًا لأبي الطيب دخل عليه ومعه ند عليه اسم فاتك فقال هذه الأبيات. وأي فتى سلبتني المنو ... ن لم تدر ما ولدت أمه يحتمل البيت دخول الواو في قوله: ولم تدر وسقوطها منه. يقول: إن أمه ولدت مولوداً له شأن عظيم لم تعرف مقداره؛ وهذا ضد ما قال البكري ربيعة بن ضبيعة: [الرجز]

стр. 1334

قد علمت والدة ما ضمت ... ولففت في خرقٍ وشمت فهذا زعم أن أمه زعمت أنه ولد نجيب, وأنه سيكون له شأن عظيم. والشاعر ذكر أن الممدوح لم تدر أمه مقدار من ولدت منه, وليست هي بالمملوكة؛ لأنها ولدت أمرأً عظيماً لم تجر العادة بأن يولد مثله. وقوله: وإن منيته عنده ... لكالخمر سقيه كرمه ذكر الخمر, والغالب عليها التأنيث, لأن تأنيثها ليس بحقيقي. وقد ذكرها الأعشى في قوله: [الخفيف] وكأن الراح الذكي من الإسـ ... ـفنط ممزوجةً بماءٍ زلال فقال: الذكي, وإنما ذكرها على معنى الشراب. يقول: هذا الميت كان شجاعًا يقتل أعاديه وكأنه منية وأصل للمنون. فالحتف الذي سقيه كأنه خمر سقيها كرم, وهي من الكرم معتصرة, فكأنه لها والد وأصل. وقوله: فذاك الذي عبه ماؤه ... وذاك الذي ذاقه طعمه يقال: عب الماء عباً وعب فيه إذا جرعه جرعًا متتابعًا. قال الراجز: [الرجز] يكرع فيها فيعب عبا ... مجبياً في مائها منكبا يقول: هذا الهالك إنما شرب ماء نفسه, والذي ذاق إنما هو طعمه؛ لأنه كان يذيق عداته من الموت.

стр. 1335

وقوله: (٢١٩/أ) ومن ضاقت الأرض عن نفسه ... حرى أن يضيق بها جسمه من في هذا البيت مبتدأ. يقول: كانت نفس هذا المذكور عظيمةً تضيق بها الأرض الواسعة, وإذا كان الأمر كذلك فهو حرى - أي جديرًا - أن يضيق جسمه بنفسه فتخرج منه. ومن التي أولها أما في هذه الدنيا كريم ... تزول به عن القلب الهموم سأل: هل يوجد كريم في الأرض تزول به هموم القلب؟ وهذا استفهام قد صح مع المستفهم؛ لأنه لا يجاب عنه مما هو له مرض؛ لأن البلاد خلت من الأكرمين. ثم استفهم سائلًا عن مكانٍ يكون أهله لجارهم سارين, فقال: أما في هذه الدنيا مكان ... يسر بأهله الجار المقيم وقوله: تشابت البهائم والعبدى ... علينا والموالي والصميم يقول: تشابهت العبيد والبهائم, وإن كان العبيد إنساً والبهائم ليست كذلك؛ وإنمنا يريد أنهم تشابهوا في الأخلاق لا في الخلق. والموالي تستعمل في مواضع كثيرة, وهي مأخوذة من: ولي الشيء, فاستعملوا الموالي في بني العم والحلفاء والجيران والعبيد المملوكين والمعتقين. والأصل في الاشتقاق واحد؛ فيقال للمعتق لأنه ولي أمر عبده, ويقال للعبد المعتق: مولى؛ لأن مولاه ولي أمره, وفي الحديث: «الولاء للكبر»؛ أي لأكبر أولاد الرجل. والمعنى: أنه إذا أعتق عبداً وله ولاء فالولاء لولده الذي من صلبه. والصميم: الخالص من الشيء. وقوله:

стр. 1336

وما أدري: أذا داء حديث ... أصاب الناس أم داء قديم يقول: ما أدري أهكذا كان الناس في أول الزمن أم هو فساد حدث في العالم؟ والذي يوجبه المعقول أن آخر العالم كأوله؛ فيه الكريم والبخيل والشجاع والجبان, وغير ذلك من الأضداد المختلفة. وقوله: كأن الأسود اللابي فيهم ... غراب حوله رخم وبوم اللابي: منسوب إلى اللابة, وهي حرة يقال في جمعها: لاب ولوب. قال النابغة الذبياني: [البسيط] فإن وقيت بحمد الله وقعته ... فانجي فزار إلى الأطواد فاللوب وقال قيس بن الخطيم: [الطويل] ترى اللابة السوداء يحمر لونها ... ويشرق منها كل ريعٍ وفدفد وقوله: أخذت بمدحه فرأيت لهواً ... مقالي للأحيمق يا حليم أصل الحمق: الضعف والاسترخاء. يقال: حمقت السوق إذا كسدت, وانحمق الرجل إذا ضعف وسقط. قال الشاعر: [الكامل] يا كعب إن أخاك منحمق ... فاشدد إزار أخيك يا كعب والتصغير أصله للشخوص, مثل أن يقال في تصغير الحجر: حجير؛ فيدل ذلك على أنه ليس بكبير, ثم استعير ذلك لتقليل الشيء, وإن كان لا شخص له, مثل أن يقال لفلان: عليم؛ أي علم قليل, وربما صغروا الشيء وهم يريدون ضد ذلك. قال لبيد: [الطويل]

стр. 1337

وكل أناسٍ سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل فقيل: التصغير ها هنا في معنى التعظيم, ولو قيل: إنه صغر الدويهية لأنه أراد الموت؛ ولا شخص يرى له؛ لكان ذلك وجهاً. وجاءت أشياء مصغرةً لا مكبر لها, كقوله للفضة: لجين, وللفرس: كميت. وقوله: ولما أن هجوت رأيت عياً ... مقالي لابن آوى يا لئيم أراد أن من يقول لابن آوى: يا لئيم فإنه في كلامه هاذٍ؛ لأن ابن آوى قد علم صغر شأنه, وأنه يقتات الجيف, ويرضى بالحظ الخسيس؛ فالذام له غير صانعٍ شيئاً يحمد عليه. وآوى: اسم على أفعل فيجب أن لا ينصرف, فإن نكر صرف, فقيل: مررت بابن آوى وابن آوى آخر. وقوله: فهل من عاذرٍ في ذا وفي ذا ... فمدفوع إلى السقم السقيم يقول: هل من عاذرٍ يعذرني في مدحي هذا المذكور وهجوي إياه, فكان مدحه من القضاء الذي لا يقدر الإنسان على دفعه, وهجوه مثل الهذيان؛ إلا أنه حملني عليه إساءته إلي؛ وقد بين ذلك بقوله: إذا أتت الإساءة من وضيعٍ ... ولم ألم المسيء فمن ألوم وقافيتها من المتواتر, والوزن من الوافر. ومن أبيات أولها من أية الطرق يأتي مثلك الكرم ... أين المحاجم يا كافور والجلم (٢١٩/ب) الوزن من أول البسيط والقافية من المتراكب.

стр. 1338

والمحاجم: مأخوذة من الحجم وهو المص؛ يقال: حجم الصبي الثدي إذا مصه؛ وقد نطق بها قديماً. قال الأعشى: [الطويل] يزيد يغض الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه علي المحاجم والجلم معروف وهو من قولهم: جلمت الشعر والصوف إذا جززته. قال علقمة: [البسيط] والمال صوف قرارٍ يلعبون به ... على نقادته وافٍ ومجلوم والقرار: ضرب من الغنم صغير, والنقادة: ضرب من النقد, وهي ضرب من الغنم. وقوله: أغاية الدين أن تحفوا شواربكم ... يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم يقال: أحفيت الشارب إذا أخذت شعره كله. والشارب ها هنا ما ينبت عليه الشعر من الشفة. وقيل لها: شارب لأنها تشرب الماء. ويقال: طر شارب الغلام إذا بدا شعره. قال الشاعر: [البسيط] منا الذي هو ما إن طر شاربه ... والعانسون ومنا المراد والشيب وأما قول أبي ذؤيب: [الكامل] صخب الشوارب لا يزال كأنه ... عبد لآل أبي ربيعة مسبع فيقال: إنه أراد بالشوارب عروقًا في الحلق, وهي راجعة إلى معنى الشرب. ولو قيل للجحافل: شوارب لم يبعد ذلك؛ لأنها تشرب الماء ويمر بها نهيق الحمار.

стр. 1339

وقوله: ألا فتى يورد الهندي هامته ... كيما تزول شكوك الناس والتهم فتى ها هنا مرفوع لأن المعنى معنى أليس؛ أي: أما من فتى؟ وهو استفهام على معنى الإنكار, كأنه قال: أفقد فتى هذه صفته؛ أي هو مفقود. و «ألا» تدخل في الكلام على معنى الاستفهام, وعلى معنى التمني؛ فإذا كانت في معنى الاستفهام جاز أن تجعل في معنى لا النافية, إذا قلت: ألا مال لك, ويجوز أن تجعل بمعنى ليس فيرتفع ما بعدها. قال الشاعر: [البسيط] ألا طعان ولا فرسان حاديةً ... إلا تجشؤكم عند التنانير وإذا كانت في معنى التمني فقد زعم قوم أنها لا يجوز فيها إلا أن تنصب, وقيل: بل يجوز فيها الوجهان. وقوله: فإنه حجة يؤذي القلوب بها ... من دينه الدهر والتعطيل والقدم يقول: هذا المذكور حجة للدهرية؛ لأنهم يقولون بالقدم وينفون الحساب والعقاب؛ فزعم الشاعر أنهم يقولون: لو كان الأمر كما يزعم الشرعية لم يكن لهذا الشخص أمر في العالم ولا نهي. ومن أبيات أولها أجارك يا أسد الفراديس مكرم ... فتسكن نفسي أم مهان فمسلم الوزن من أول الطويل, والقافية من المتدارك. الفراديس بدمشق مشهورة, ولم يردها الشاعر في هذا الموضع, وإنما أراد الفراديس

стр. 1340

وهي قرية بناحية قنسرين, والأجم قريب منها وهي مظنة من الأسد. ويقال: إن أصل الفراديس يراد بها الأماكن الواسعة. وقيل: الفردوس: البستان, وقال بعض المفسرين: هو البستان الذي فيه عنب. وقوله: ورائي وقدامي عداة كثيرة ... أحاذر من لص ومنك ومنهم ويروى عن الأصمعي أنه كان يختار اللص بفتح اللام ذكر ذلك ابن دريد. وقال غير الأصمعي: يقال: لص ولص. ويقال: إن طيئاً تقول: لصت بالتاء وجمعه لصوت. وأنشد ابن السكيت: [الكامل] أتركن جرماً عيلًا أبناؤها ... وبني كنانة كاللصوت المرد وقوله: فهل لك في حلفي على ما أريده ... فإني بأسباب المعيشة أعلم إذًا لأتاك الرزق من كل وجهةٍ ... وأثريت مما تغنمين وأغنم أحسن أبو الطيب في هذه الأبيات كل الإحسان, وقد سبقه إلى معناها النجاشي الحارثي, وكان من أصحاب علي ﵇, وذكر ما ورده: [الطويل] وماءٍ تخال الطحلب الجون فوقه ... إذا ما أتاه وارد ثائر الغسل وجدت عليه الذيب يعوي كأنه ... خليع خلا من كل مالٍ ومن أهل فقلت له: يا ذئب هل لك في أخٍ ... يؤاخي بلا غرمٍ عليك ولا خذل فقال هداك الله إنك إنما ... دعوت لما لم يأته سبع قبلي فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل

стр. 1341

ومن أبيات أولها (٢٢٠/أ) قد صدق الورد في الذي زعما ... أنك صيرت نثره ديما الوزن من المنسرح الأول, والقافية من المتراكب. كان أبو الطيب في مجلس ثنر فيه الورد. وقوله: كأنما مائج الهواء به ... بحر حوى مثل مائه عنما قد مضى ذكر العنم, وذكره إياه يدل على أن الورد المنثور كان أحمر. والعرب إذا ذكرت الورد فإنما تريد به الزهر, فأما الورد المعروف بين العامة فإنه قليل التردد في أشعارهم. وقد رروا شعراً ينسبونه إلى مجنون بني عامر: [الطويل] أرى عهدها كالورد ليس بدائمٍ ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد وعهدي بها كالآس حسناً وبهجةً ... له نضرة تبقى إذا ما انقضى الورد ولا يمتنع أن يكون الورد في هذا الشعر معنيًا به الزهر كله؛ لأنه إنما يكون وقتاً ثم يزول. وقد ذكر أهل العلم باللغة أن الوردة البيضاء يقال لها: وتيرة, وأن الحمراء يقال لها: حوجمة. وقوله:

стр. 1342

ناثره الناثر السيوف دماً ... وكل قولٍ يقوله حكما يقول: ناثر هذا الورد هو الذي يجعل السيوف تنثر الدم, ونصب كل قولٍ لأنه عطفه على السيوف, ونصب حكماً على الحال؛ أي كل ما يقوله حكمة. وقوله: والخيل قد فصل الضياع بها ... والنعم السابغات والنقما عطف الخيل وما يعدها على ما تقدم, فزعم أنه ينثر الخيل والضياع المقطعة والنعم والنقم. والضياع: جمع ضيعةٍ في معنى القرية, وهي مساوية لفظ المصدر في قوله: ضاع الشيء ضيعةً, وفلان في ضيعةٍ؛ أي في حال مذمومة, ويجوز أن تكون هذه الكلمة اتسع فيها كما اتسع في غيرها فسميت ضيعةً؛ لأنها تزيل الضيعة عن الإنسان؛ أو لأنها يخشى عليها أن تضيع. وليس ذلك بأبعد من وصفهم الكلمة الواحدة على الضدين. وقوله: فليرنا الورد إن شكا يده ... أحسن من جود كفه سلما يقول للورد على معنى الأمر له: إن شكا يده أحسن منه. نصب بيرنا. والأشبه أن يكون بجوده, بفتح الجيم, ليتعدى المصدر من: جاد يجود إلى الكلم. والهاء في منه عائدة إلى الورد؛ فإن ضمت الجيم في جوده فهو يدل على معنى جاد؛ إلا أن الفتح أولى بالإعمال من الضم.

стр. 1343

حرف النون من القصيدة التي أولها نزور دياراً ما نحب لها مغنى ... ونسأل فيها غير ساكنها الإذنا الوزن من أول الطويل والقافية من المتواتر. نزور دياراً لا نحب مغنى من مغانيها, ونستأذن في زيارتها غير أهلها؛ يعني سيف الدولة. وقوله: نقود إليها الآخذات لنا المدى ... عليها الكماة المحسنون بها ظنا ونصفي الذي يكنى أبا الحسن الهوى ... ونرضي الذي يسمى الإله ولا يكنى حمل الشاعر هذا البيت على الحقيقة وجعل الممدوح له كنية, وإنما جرت العادة أن يكنى من له ولد أو يرجى أن يولد له. والله سبحانه جل عن جميع الأشياء, وقد كانوا في الجاهلية يزعمون أن آلهتهم من الأصنام بنات الله, تعالى عن الشبه والأوهام. وقال بعضهم في التلبية: لبيك لا شريك لك؛ إلا شريك هو لك, تملكه وما ملك, أبو بنات بفدك. وقال بعض شعراء الجاهلية: [الوافر] فما كثرت فائدتي بغنمٍ ... كفى ضد الفوائد ما يطيب ولا خالست رب البيت سراً ... أبو العزى لجارته رقيب وقوله: وأنا إذا ما الموت صرح في الوغى ... لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا قصدنا له قصد الحبيب لقاؤه ... إلينا وقلنا للسيوف هلمنا صرح: أي صار صريحاً خالصاً. وقوله: لبسنا إلى حاجتنا الضرب والطعنا؛ يقول: لا نلبس الدروع لأنا لا نحتمي بها, ونلبس الضرب والطعن؛ أي نتقي بها الأعداء كما

стр. 1344

يتقيها غيرنا بالدروع. والهاء في قوله: الحبيب لقاؤه عائدة على الموت. وقوله: هلمن: تستعمل هلم على وجهين: فمنهم من يقول للواحد والاثنين والجميع والمذكر والمؤنث على لفظ واحد: [هلم] , ومنهم من يقول للاثنين: هلما, وللجميع: هلموا, وللنسوة: هلممن. وكأن الشاعر قال: هلمن فأدخل النون الشديدة على قوله: هلموا, كما تقول للجماعة: اضربن يا قوم. وليس ذلك بمجمعٍ عليه. وخاطب السيوف خطاب من يعقل فقال: هلموا قبل إدخال النون, وذلك جائز لأنه يجعل السيوف كأنها تعقل. وقوله: وخيلٍ حشوناها الأسنة بعدما ... تكدسن من هنا علينا ومن هنا تكدسن: أي ركبن رؤوسهن في العدو. قالت الخنساء: [المتقارب] وخيلٍ تكدسن بالدارعيـ ... ـن تحت العجاجة يجمزن جمزا وقوله: من هنا علينا ومن هنا؛ أي من هذا الموضع وهذا الموضع؛ وعندهم أن هنا أقرب من هنا. قال ذو الرمة: [البسيط] هنا وهنا ومن هنا لهن بها ... إذا تخالفت الأصوات هينوم وقوله: ضربن إلينا بالسياط جهالةً ... فلما تعارفنا ضربن بها عنا يقول: حملوا علينا فضربوا جيادهم بالسياط, لأنهم بنا جاهلون, فلما تعارفنا ضربوا جيادهم بالسياط نافرين عنا كما ضربوهن إلينا وهم مقبلون. وقوله: تعد القرى والمس بنا الجيش لمسةً ... نبار إلى ما تشتهي يدك اليمنى خرج إلىم خاطبة سيف الدولة بالكاف بعدما خاطبه بالهاء وذلك سائغ كثير. يقول: تعد القرى؛ أي اتركها وعدها إلى غيرها, والمس بنا الجيش. صير الجيش كأنه في كفه؛

стр. 1345

وذلك تعظيم للممدوح؛ وجعل الجيش - وهو أحدهم - يبارون إلى الروم يده اليمنى؛ لأن الضرب والطعن إنما يكون باليمنى, والمباراة أن يفعل الرجل كما يفعل الآخر. وقوله: وإن كنت سيف الدولة العضب فيهم ... فدعنا نكن قبل الضراب القنا اللدنا يقول: إن كنت سيف الدولة العضب؛ والسيف هو الذي يعول عليه؛ فدعنا نكن قدامك, كما أن الرمح يطعن به قبل الضرب بالسيف؛ فاجعلنا كالقنا الذي يتقدمك. وقوله: فلولاك لم تجر الدماء ولا اللها ... ولم يك للدنيا ولا أهلها معنى اللها: جمع لهوةٍ وهي العطية, وأصل ذلك القبضة من الطعام التي تطرح في فم الرحى. كما يقول: لولا أنت يا سيف الدولة لم تجر دماء الأعداء ولا المواهب إلى المعتفين, ولم يك للدنيا والساكنين بها معنى يعرف. وقوله: وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى ... وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا يقول: إن الفتى قد يتخوف وهو آمن؛ إلا أن التخوف قد حصل معه وإن كان لا تلحق به نكبة. والأمن قد يكون في موضع تخوفٍ وهو يرى أنه في أمن؛ فإذا رأيى ذلك فكأنه لا تخوف عنده, ولا هو في مكان خوفٍ؛ وكأنه يقول: نحن وإن كنا في موضع المخافة فإنا نرى ذلك أمناً. ومن أبيات أولها ثياب كريمٍ ما يصون حسانها ... إن نشرت كان الهبات صوانها الوزن من ثاني الطويل. والصوان: الشيء الذي يصان به الثوب, وهو اسم من: صان يصون, ولو أنه مصدر جارٍ على الفعل لانقلبت الواو فيه ياءً كما يقال: قام قياماً وصام صياماً.

стр. 1346

وقوله: ترينا صناع الروم فيها ملوكها ... وتجلو علينا نفسها وقيانها يقال: امرأة صناع, ولا يقال ذلك للرجل, ولكن يقال له: صنع. يقول: هذه الثياب وليتها صناع من نساء الروم صورت ملوكها في هذه الثياب فرأيناها وجلت علينا نفسها. والأحسن في الهاء أن تكون راجعةً على الصناع (٢٢١/أ) , ويجوز أن تكون عائدةً على الملوك, وتكون نفسها في موضع نفوسها كما قال: [الوافر] كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فإن زمانكم زمن خميص ويقوي عودة الهاء إلى الملوك عطف القيان على النفس, ولا يمتنع أن تكون الهاء للصناع وتكون الهاء في قيانها راجعةً إلى الملوك؛ لأن السامع قد علم أن الصناع لا يكون لها قيان. والمراد بالقيان ها هنا المغنيات. وقوله: ولم يكفها تصويرها الخيل وحدها ... فصورت الأشياء إلا زمانها بالغ في صفة الصناع, وذكر أنها لم تكتف بصنعة الخيل وحدها بل صورت أشياء كثيرة. وقد حكم على أنها صورت الأشياء كلها, وهذا من السرف في القول, واستثنى الزمان؛ لأنها لم تقدر أن تصوره. وقد صور بعض الناس شهور السنة فصور سباط في صورة شيخ يجر رجل عنزٍ ميتة, وصور أيار في صورة حاصدٍ في يده منجل؛ وليس هذا تصويرًا للزمان وإنما هو تشبيه للشهور ببني آدم, فأما الزمان فلا صورة له تدرك. وقوله: وما ادخرتها قدرةً في مصورٍ ... سوى أنها ما أنطقت حيوانها في ادخرتها ضمير يرجع إلى الصناع, والهاء في ادخرتها راجعة إلى الصورة. وقوله: قدرةً في مصور؛ أي لم تقدر هذه الصناع على شيء إلا فعلته في هذه الصورة. والمعنى:

стр. 1347

ما ادخرت عنها شيئًا تصل إليه إلا أنها لم تقدر أن تنطق حيوانها. والأشبه أن تكون الواو في مصورٍ مكسورةً لأنها إذا فتحت كان المصور كأن فيه قدرةً؛ وكون القدرة للمصور أشبه. وفي أنطقت ضمير يعود إلى الصناع فهذا يشد القول في أن الواو مكسورة. وقوله: وسمراء يستغوي الفوارس قدها ... ويذكرنا كراتها وطعانها سمراء معطوفة على قوله: ثياب كريمٍ, وكأن التقدير: هذه ثياب كريم. يقول: هذه القناة يستغوي قدها الفوارس؛ أي يدعوهم إلى الطعن, وإن لم يكونوا في وقت طعانٍ, فذلك استغواؤها لهم, كأنهم تذكرهم الطعن والكر. ومن أمثالهم السائرة: «ذكرتني الطعن وكنت ناسياً». ويقال: إن أصل ذلك أن صخر بن عمرو بن الشريد لقي يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي فقال له يزيد: ألق الرمح؛ فقال له صخر: أو معي رمح! ذكرتني الطعن وكنت ناسياً. وقوله: ردينية تمت وكاد نباتها ... يركب فيها زجها وسنانها هذا وصف للقناة ما جاء به غيره فيما يعلم؛ لأنه جعل نبتها كأنه قد ركب فيها سناناً وزجًا. وقوله: وأم عتيقٍ خاله دون عمه ... رأى خلقها من أعجبته فعانها أم عتيق: عطف على ما تقدم من النكرات المرفوعات بالمبتدأ. والعتيق: الجواد من الخيل, ويقال: إنما سمي عتيقًا من قولهم: عتق الشيء إذا تقدم؛ كأنه يسبقها فيكون أمامها؛ يعني الخيل. وزعم أن هذا المهر خاله دون عمه, فكأنه قد وصفه بالهجنة من شهادته له بالعتق. وأم هذا العتيق كأنها نظر إليها رجل أعجبته فأصابها بالعين. يقال: عان الرجل غيره يعينه فهو معين وميعون. قال الشاعر: [الكامل]

стр. 1348

نبئت قومك يحسبونك سيداً ... وإخال أنك سيدمعيون وقوله: إذا سايرته باينته وبانها ... وشانته في عين البصير وزانها يقول: إذا سايرته لم يلتبس خلقها بخلقه لأنها قد باينته, وكذلك قد بانها هو؛ أي بعد عنها في الشبه؛ يقال: بان الرجل عن غيره وبانه. قال الراجز: [الرجز] كأن عيني وقد بانوني ... غربان في منحاة منجنون وشانته في عين البصير يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد البصير بأمر الخيل دون غيره, والآخر: أن يعني من أبصرها ولم يكن له علم لأن بصره قد كفاه. وقوله: فأين التي لا تأمن الخيل شرها ... وشري ولا تعطي سواي أمانها وأين التي لا ترجع الرمح خائباً ... إذا خفضت يسرى يدي عنانها (٢٢١/ب) يصف نفسه بالشجاعة, ويقول للمدوح: أين الفرس التي لا تأمن شرها الخيل ولا شري معها؟ وزعم أنها يرهبها كل أحدٍ غيره لأنه فارسها, وكرر السؤال بأين, وذكر فرساً لا ترجع الرمح خائباً؛ وإنما يصف بذلك نفسه؛ أي إذا ركبتها طعنت الفوارس. وقوله: وما لي ثناء لا أراك مكانه ... فهل لك نعمى لا تراني مكانها هذا عتب ممض. يقول: قد أعطيتك أفضل ثنائي ورأيتك أهلًا له, فما ينبغي أن يكون لك إنعام لا تراني له مستحقًا. وقافيتها من المتدارك.

стр. 1349

ومن التي أولها حجب ذا البحر بحار دونه ... يذمها الناس ويحمدونه الوزن من مشطور الرجز, وهو رابعه, وهذا الضرب من الشعر يسمى ذا الوجهين؛ لأنه إذا وقفت هاؤه فهو حسن, وإن جئت به مطلقاً فكذلك. ويقال: إن سيف الدولة رأى في المنام أن حيةً قد تطوقت على داره, فعظم عليه ذلك, فقال له بعض المفسرين: الحية في النوم ماء, فأمر بحفرٍ يحفر بين داره وبين قويق حتى أدار الماء حول الدار. وكان في حمص رجل ضرير من أهل العلم يفسر المنامات, وقد لقيته أنا في زمان الطفولية, فدخل على سيف الدولة فسأله عن المنام فقال له كلاماً معناه: أن الروم تحتوي على دارك؛ فأمر به فدفع وأخرج بعنف. وقضى الله سبحانه أن الروم خرجوا ففتحوا حلب واستولوا على دار سيف الدولة, فذكر معبر المنام أنه دخل على سيف الدولة بعدما كان من أمر الروم فقال له: ما كان من أمر ذلك المنام الملعن. وقوله: يا ماء هل حسدتنا معينه ... أم اشتهيت أن ترى قرينه يقال: حسدت الرجل على كذا وحسدته إياه, وفي الكتاب العزيز: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾. وقال الشاعر في حذف حرف الخفض مع الحسد: [الوافر] ونارٍ قدرفعت بعيد وهنٍ ... بدارٍ لا أريد بها مقاما سوى ترحيل راحلةٍ وعينٍ ... أكالئها مخافة أن تناما أتوا ناري فقلت: منون أنتم ... فقالوا: الجن قلت: عموا ظلاما وقلت: إلى الطعام, فقال منهم ... زعيم: نحسد الإنس الطعاما

стр. 1350

أي: على الطعام. يقول للماء: أحسدتنا على قرب سيف الدولة أم اشتهيت أن ترى قريناً له. وقوله: أم انتجعت للغنى يمينه ... أم زرته مكثراً قطينه يقول للماء: أم انتجعت يمينه؟ وأصل الانتجاع الطلب للكلأ والرعي, ثم صار طلب كل خير نجعةً. أم أردت يا ماء أن تكثر قطينه أي حشمه. قال الشاعر: [الطويل] نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها وقوله: أم جئته مخندقاً حصونه ... إن الجياد والقنا يكفينه يقول: أجئته يا ماء لتجري في خندق داره فتكون لها كالمخندق, وليس بمحتاج إلى ذلك, إن الجياد والقنا يكفينه. وقوله: يا رب لج جعلت سفينه ... وعازب الروض توفت عونه ذكر له حديث عبوره في قباقبٍ في الغزاة التي غرق فيها خليفة بن جندي العقيلي, وكان سيف الدولة قد ولاه شيزر. والعازب من الأرض هو البعيد الذي لم يوطأ, والعون يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون جمع عانةٍ وهي الجماعة من آتن الوحش, يقال: عانة وعون, كما يقال: ساحة وسوح.

стр. 1351

والآخر: أن يكون جمع عوانٍ وهي التي قد حملت بطنين أو ثلاثة, وقولهم في صفة حمار الوحش: إنه لمتل عونٍ يفسر على هذين الوجهين. وقوله: توفت عونه من الوفاة التي هي موت؛ أي صادت وحش هذا الروض فكانت سبب هلاكها. وقوله: وذي جنونٍ أذهبت جنونه ... وشرب كأسٍ أكثرت رنينه (٢٢٢/أ) قوله: وذي جنون؛ يعني رجلًا كأنه مجنون من كبره ونخوته؛ لا أنه مجنون في الحقيقة. وشرب كأسٍ جعلتهم يرنون كما يرن النساء. وقوله: وأبدلت غناءه أنينه ... وضيغمٍ أولجها عرينه يريد أنه أوقع بشرب الكأس فأصابتهم جراح يئنون منها فكان أنينهم بدل غنائهم. وعرين الأسد حيث يأوي من الغابة. وعرين كل شيء: فناؤه وما قرب منه, وفي الحديث: «يموت في عرين الكعبة رجل عليه ثلثا عذاب هذه الأمة». وقوله: وملك أوطأها جبينه ... يقودها مسهداً جفونه مباشرًا بنفسه شؤونه ... مشرفاً بطعنه طعينه نصب مسهداً على الحال, وعدى مسهدًا إلى الجفون ونصبها لأنها مفعولة. وذكر أنه لا يعتمد على غيره في الحرب, وأنه يباشرها بنفسه, وإذا طعن فارساً شرف بطعنه. وقوله: عفيف ما في ثوبه مأمونه ... أبيض ما في تاجه ميمونه نصب عفيفاً على الحال وهو نكرة, وإن كان مضافاً إضافةً تنتهي إلى الهاء في ثوبه.

стр. 1352

والهاء معرفة, وكأن التقدير: عفيف الجسم الذي هو في ثوبه, وهو مؤد معنى قولك: عفيفاً جسمه. وقوله: بحر يكون كل بحرٍ نونه ... شمس تمنى الشمس أن تكونه النون: السمكة. قال الشاعر: [البسيط] يا أم إني أكلت النون بعدكم ... فكيف لي بطعامٍ هاضمٍ نوني جعل البحر كالنون في جود الممدوح, والشمس تمنى أن تكونه, وهذا الماء يحتمل أن يكون في موضعها إياه؛ وقد مر في شعره مواضع من هذا الجنس تحتمل الضمير المتصل والمنفصل. وقوله: إن تدع يا سيف لتستعينه ... يجبك قبل أن تتم سينه هذا مبالغة مفرطة لأن السين حرف واحد. وقد اختلف الناس في الحرف المتحرك؛ فقبل: الحركة قبله, وقيل: معه, وقيل: بعده, وأقل ما يخبر به الإنسان عن مراده حرف متحرك بعده ساكن. والقافية من المتدارك إذا نطق بالواو بعد الهاء, وإذا وقف على الهاء فهي من المتواتر. ومن التي أولها الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني وزنها من الكامل الثاني. يقال: شجيع وشجاع وشجعان وشجعان وشجعة وشجعة. والشجاعة في الناس: الجرأة على الحرب وغيرها من الشدائد؛ فإذا قيل: ناقة شجعاء فإنما يراد به الجرأة على السير, وقد قيل: إن الشجعاء: الطويلة, والاشتقاق يدل على القول الأول. وفضل الرأي على

стр. 1353

الشجاعة؛ لأنه أصل يتفرع منه كل المحمودات, وجعل الشجاعة ثانية له. وقوله: فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مرةٍ ... بلغت من العلياء كل مكان يعني بالنفس المرة: الشديدة التي لا تقبل الضيم, وكأن المر مأخوذ من اشتداد الكراهة فيه, كما أن المرة هي الشديدة من قوى الحبل؛ يقال: أمر الشيء فهو ممر, وهي اللغة العالية. ويقال: فلا يحلي ولا يمر؛ أي ليس عنده خير ولا شر؛ فهو لا يأتي بحلاوة ولا مرارة. قال الشاعر: [الطويل] أمر على أفواه من ضاق طعمه ... مطاعمنا يمزجن صاباً وعلقما وقوله: لولا العقول لكان أدنى ضيغمٍ ... أدنى إلى شرفٍ من الإنسان أدنى في هذا البيت على معنيين: أما الكلمة الأولى فهي مأخوذة من الدناءة, وهي ضد الشرف, وأصله الهمز. وأما الكلمة الثانية فهي من الدنو الذي هو ضد البعد. يقول: لولا العقول لكان أقل الأسد بأساً أقرب إلى الشرف من الإنسان لأنه أجرأ منه. وقوله: لولا سمي سيوفه ومضاؤه ... لما سللن لكن كالأجفان يقول: لولا سيف الدولة ومضاؤه في الحروب لكانت نصال سيوفه مثل أجفانها لا يسفك بها دم ولا تهاب. والمعروفة في جفن السيف أنه مفتوح الجيم وقد حكي بالكسر. وقوله: (٢٢٢/ب) وسعى فقصر عن مداه في العلى ... أهل الزمان وأهل كل زمان قال: أهل الزمان يعني الذي فيه سيف الدولة. واقتنع لعلم السامع, ولولا أن الوزن ضاق لكان الواجب أن يبينه؛ لأنه إذا قال: أهل الزمان فهو لفظ يقع على الأزمنة كلها.

стр. 1354

وقوله: تخذوا المجالس في البيوت وعنده ... أن السروج مجالس الفتيان تخذوا في معنى: اتخذوا, والضمير عائد على أهل الزمان الذين ذكرهم. يقول: اتخذ الناس المجالس في البيوت, وعند هذا الممدوح أن السروج مجالس القوم الفضلاء. والفتيان: واحدهم فتى, وأصل ذلك أن يقال للشاب المقتبل, ثم خصوا به من فيه شجاعة أو جود, كما يقولون: فلان إنسان إذا وصفوه بالخير والفضل. والمعنى أنه إنسان يفضل غيره, وكذلك قولهم: فلان رجل؛ يريدون أنه أفضل الرجال. ونحو من هذا قول طرفة: [الطويل] إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد وقد علم أن الفتيان كثير؛ وإنما المراد: من فتى فيه شجاعة وبأس. وقوله: قاد الجياد إلى الطعان ولم يقد ... إلا إلى العادات والأوطان كل ابن سابقةٍ يغير بحسنه ... في قلب صاحبه على الأحزان يقول: قاد الممدوح الجياد كما جرت عادته بذلك. ثم قال: كل ابن سابقةٍ؛ ووصعه بحسن المنظر, وزعم أنه إذا رآه من يملكه فرح به وذهب الحزن من قلبه, فكأن الفرس أغار على الحزن وذهب به. وقوله: إن خليت ربطت بآداب الوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان هذا مثل قوله: [الطويل] وأدبها طول القتال فطرفه ... يشير إليها من بعيد فتفهم واضطرته القافية إلى الأرسان, ولو وصفها بالغناء عن اللجم لكان ذلك أبلغ في صفتها بالأدب.

стр. 1355

وقوله: في جحفلٍ ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان معنى هذا البيت مفهوم؛ يريد أن الغبار منع عيونها من أن تبصر فهي تسمع الأصوات بآذانها وتفعل ما يقتضيه الصوت فكأنها تبصر بهن. وذهب بعض المتكلمين في شعر أبي الطيب إلى أن الغبار وقع على عيون الخيل فثقلت أجفانها حتى صارت كالآذان. وهذا ليس بشيء. وقوله: فكأن أرجلها بتربة منبجٍ ... يطرحن أيديها بحصن الران يصفها بالسرعة وسعة الخطو؛ فكأن أرجلها تطرح أيديها على مسافة بعيدة. وقوله: حتى عبرن بأرسناس سوابحاً ... ينشرن فيه عمائم الفرسان أرسناس: نهر, ويجوز أن يكون موضعاً فيه ماء. وكان سيف الدولة عبر بأرسناس بين شجر ملتف في طريق ضيق؛ فحدث من شهد ذلك الموضع أنه رأى عمامة أبي الطيب وقد علقت في شجرة, ولم يمكنه التوقف لأن وراءه فرساناً؛ فجعل يسير والعمامة تنتشر إلى آخرها. وقوله: يقمصن في مثل المدى من باردٍ ... يذر الفحول وهن كالخصيان يقمصن: يعني الخيل. والقمص أن يرفع يديه ورجلاه على الأرض, أو يرفع رجليه ويداه غير مرفوعتين. والماء البارد إذا سبح فيه السابح من بني آدم تقلص صفنه, وهو الجلد الذي يجمع البيضتين, وإن كان فرساً تقلص قنبه. وقوله: والماء بين عجاجتين مخلص ... تتفرقان به وتلتقيان يعني أن الماء قد صار في جانبيه عجاجتان, وكأنه يخلص بينهما؛ لأنه ليس يشاكلهما في اللون ولا الخلقة (٢٢٣/أ) فتارة تفترق العجاجتان وتارة تلتقيان.

стр. 1356

وقوله: ركض الأمير وكاللجين حبابه ... وثنى الأعنة وهو كالعقيان فتل الحبال من الغدائر فوقه ... وبنى السفين له من الصلبان يقول: ركض الأمير خيله وحباب الماء كالجين؛ أي الفضة, وعاد والدم قد غيره فصار كالعقيان؛ أي: الذهب. وادعى أن الأمير أمر بأن تضفر الحبال من شعر من قتل وأن تبنى السفين من الصلبان. وهذا أمر لم يكن قط, والله العالم. وقوله: وحشاه عاديةً بغير قوائمٍ ... عقم البطون حوالك الألوان يعني أنه حشاه سفناً وهي العادية بغير قوائم؛ شبهها بالخيل العادية, من العدو. والعقم: جمع عقيم وهي التي لا تحمل. لما شبه السفن بالخيل؛ وكأن لها قوائم ومن عاداتها أن تنتج؛ بين أنه أراد السفائن فذكر أنها لا قوائم لها, والخيل لها قوائم. ولما كانت الخيل تنتج المهار ذكر أن هذه عقملا تلد. وقوله: حوالك الألوان؛ أي قد طليت بالقار فهي سود. وقوله: تأتي بما سبت الخيول كأنها ... تحت الحسان مرابض الغزلان في «تأتي» ضمير يرجع على السفن, وجعلها تأتي بما سبته الخيول, فكأنها مرابض الغزلان؛ لأن سبايا العدو كأنها ظباء. وقوله: بحر تعود أن يذم لأهله ... من دهره وطوارق الحدثان فتركته وإذا أذم من الورى ... راعاك واستثنى بني حمدان شبه هذا الماء بالبحر. والعرب تعبر عن الماء إذا كثر بالبحر أملحاً كان أم عذباً, وربما قالوا: أبحر الماء إذا ظهرت فيه ملوحة, وضرب نصيب ذلك مثلًا بتغير من يهواه عليه, قال: [الطويل] وقد أبحرت تلك المياه فزادني ... إلى كلفي أن أبحر البارد العذب

стр. 1357

يقول: هذا البحر كانت عادته أن يذم لأهله من الدهر وطوارق الحدثان فتركته إذا أذم, خاف من الغدر فراعاك واستثنى قومك؛ كأنه قال: أذم لكم إلا من آل حمدان. وقوله: المخفرين بكل أبيض صارمٍ ... ذمم الدروع على ذوي التيجان المخفرين من قولهم: أخفر الرجل غيره إذا نقض عهده؛ فوصف بني حمدان بأنهم يخفرون ذمم الدروع لأنه جعل الدرع المعطية لابسها الذمام, وسيوف هؤلاء تخفر ذممها إذا لبسها ذوو التيجان. وقوله: متصعلكين على كثافة ملكهم ... متواضعين على عظيم الشان يقول: هؤلاء القوم ملوك, وهم في الحروب يتشبهون بالصعاليك لأنهم يباشرونها بأنفسهم. والصعلكة تستعمل في قلة المال وقلة اللحم. قال أبو دواد الإيادي في صفة الخيل: [الخفيف] قد تصعلكن في الربيع وقد قلـ ... لص جلد الفرائص الأقدام وذكر الشاعر أنهم يتواضعون على عظم شأنهم. والتواضع يحمد عليه من محله مرتفع. وقوله: يتقيلون ظلال كل مطهمٍ ... أجل الظليم وربقة السرحان لما وصفهم بالتصعلك عرض بأن الملوك يتقيلون عند الهاجرة في القصور والمنازل الباردة, وأن هؤلاء القوم يتقيلون؛ أي يكونون وقت الهاجرة في ظلال الخيل. يقال: قال وتقيل إذا أقام في الهاجرة فلم يبرح مكانه, فإن شرب في ذلك الوقت سمي الشراب قيلًا. وقيل: تقيل الشارب إذا شرب القيل, وفي الكلام المحكي عن أم تأبط شراً في صفة ابنها لما هلك:

стр. 1358

وابناه .. ليس بزميل ... شروبٍ للقيل وقوله: خضعت لمنصلك المناصل عنوةً ... وأذل دينك سائر الأديان يقول: خضعت سيوف الملوك لسيفك وأذل دينك أديان الأمم. والدين يستعمل في مواضع فيكون الملك, ويكون الطاعة, والعادة والفعل. ومن أمثالهم: «كما تدين تدان». أي كما تفعل يفعل بك, وفي هذا الكلام - على اختصاره - مأدبة عظيمة وأمر للإنسان ألا يفعل شرًا البتة. وكان بعض ملوك العرب إذا سمع بامرأةٍ جميلةٍ (٢٢٣/ب) أخذها غصبًا؛ فأخذ ابنةً ليزيد بن الصعق الكلابي, ويزيد غائب, فقدم على الملك وهو متبد في الصحراء, فقال بحيث يسمعه: [الكامل] يا أيها الملك المقيت أما ترى ... ليلًا وصبحاً كيف يختلفان هل تستطيع الشمس أن تؤتى بها ... ليلًا فهل لك بالنهار يدان فاعلم يقيناً أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان فروي أن الملك أجابه فقال: [الكامل] إن التي تبلت فؤادك خطة ... مفروضة في الناس يابن كلاب فاذهب لحاجتك التي طالبتها ... والحق بأهلك في جنوب أراب ويقال: إن هذه الأبيات ما أنشدها ملك قط إلا تعظ.

стр. 1359

وقوله: وعلى الدروب وفي الرجوع غضاضة ... والسير ممتنع من الإمكان والطرق ضيقة المسالك بالقنا ... والكفر مجتمع على الإيمان نظروا إلى زبر الحديد كأنما ... يصعدن بين مناكب العقبان قوله: وعلى الدروب ابتداء كلام لم يتم إلا بقوله: نظروا ... إلى آخر البيت, وليس في شعر أبي الطيب من هذا الجنس شيء؛ لأنه علق أول كلمةٍ في البيت بآخر كلمة في البيت الثالث. وزبر الحديد: قطعه. شبه الدارعين بزبر الحديد, وشبه خيلهم بالعقبان, وكأنها تحمل الزبر على المناكب. وقوله: وفوارسٍ يحمي الحمام نفوسها ... فكأنها ليست من الحيوان هذا البيت من قول الطائي: [البسيط] يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا إلا أن الشاعر أسرف في المبالغة فجعل الحمام يحيي أنفسهم, فكأنها ليست حيوانًا؛ أي كأنهم كانوا أمواتاً أو جماداً فجعلهم الحمام أحياءً. وقوله: مازلت تضربهم دراكاً في الذرى ... ضرباً كأن السيف فيه اثنان يريد: أنك سيف ومعك سيف. وقوله: خص الجماجم والوجوه كأنما ... جاءت إليك جسومهم بأمان في خص ضمير عائد على ضربٍ. يقول: تضربهم ضربًا يخص وجوههم ورؤوسهم,

стр. 1360

فكأن جسومهم أخذت أماناً منك. وترك في هذا البيت المبالغة لأن رسوب السيف في الضريبة محمود, وقد قال في موضع آخر: [المتقارب] إذا ما ضربت به هامةً ... براها وغناك في الكامل وقوله: فرموا بما يرمون عنه وأدبروا ... يطؤون كل حنيةٍ مرنان يقول: رموا قسيهم وهي التي يرمون عنها, وهذه صفة رجالة الأرمن. والحنية: القوس, والمرنان: التي يسمع لها صوت عند الرمي. وقوله: يغشاهم مطر السحاب مفصلًا ... بمهندٍ ومثقفٍ وسنان يصف أنهم مطروا وهم منهزمون, فهم يضربون بالسيوف ويطعنون بالرماح. وقوله: حرموا الذي أملوا وأدرك منهم ... آماله من عاد بالحرمان يقال: أمل الرجل يأمل فهو آمل. والمعنى أن هؤلاء القوم حرم أكثرهم ما أمل, وأدرك ما يؤمله منهم رجل عاد وقد حرم الغنم؛ وهذا يشبه قول العرب: السلامة إحدى الغنيمتين. وقوله: هبهات عاق عن العواد قواضب ... كثر القتيل بها وقل العاني العواد: مصدر عاود الرجل أهله يعاودهم عواداً إذا آب إليهم. قال القتال الكلابي: [الوافر] ولما أن رأيت بني حصينٍ ... به خيف إلى الجارات باد

стр. 1361

خلعت عذارها وبرئت منها ... كما خلع العذار عن الجواد وقلت لها: عليك بني حصينٍ ... فما بيني وبينك من عواد والخيف: اختلاف الشيء؛ يريد أنها خالفتني إليهم من قولهم: روضة خيفاء إذا كان فيها نبت ناضر ويابس. والعاني: الأسير. وقوله: ومهذب أمر المنايا فيهم ... فأطعنه في طاعة الرحمن (٢٢٤/أ) مهذب: نسق على قواضب, والرحمن والرحيم مشتقان من الرحمة, وكأن الرحمن أعظم مبالغةً من الرحيم, والرحيم ألطف وأرفق. وجاء في الحديث شيء معناه أن الله سبحانه قال: «أنا الرحمن, وهذه الرحم لا يصلها أحد إلا وصلته». واشتقاق الرحم من الرحمة أيضاً لأنه يحث الإنسان على الرحمة. وقوله: قد سودت شجر الجبال شعورهم ... فكأن فيه مسفة الغربان يقول: قطعن رؤوس هؤلاء المنهزمين وشعورهم وافية؛ فقد سودت أشجار الجبال لأنها كثيرة, فكأن في الشجر مسفة الغربان. يقال: أسف الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه, وكذلك أسف السحاب إذا دنا من الأرض. قال الشاعر: [البسيط] دانٍ مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح

стр. 1362

وقوله: وجرى على الورق النجيع القاني ... فكأنه النارنج في الأغصان القاني: الأحمر, وأصله الهمز. يقال: قنأت الأنامل إذا احمرت من خضابٍ أو غيره, وقنأ الرجل لحيته إذا خضبها بالحمرة. قال مزردبن ضرار أخو الشماخ: [الطويل] يقنئه ماء اليرناء تحته ... تسيل كأطراف الثغامة ناحل اليرناء: الحناء. يريد أن رؤوسهم قد خضبها الدم فكأنها نارنج. والنارنج لم يذكر في شعر العرب كما ذكر غيره من الفواكه, ووزنه وزن ليس هو للعرب, كأنه: فافعل, ولم يستعمل النرج. وقد قالوا: النيرج للريح التي تقشر التراب. ويقال: إن الحديدة التي يداس بها الزرع يقال لها: النورج, فإن أخذ النارنج من النرج فوزنه: فافعل كما تقدم, أو: فانعل إذاجعلت النون الثانية زائدةً, فإذا أخذ من الرنج فوزنه: نافعل. وقوله: إن السيوف مع الذين قلوبهم ... كقلوبهن إذا التقى الجمعان تلقى الحسام على جراءة حده ... مثل الجبان بكف كل جبان مع في قوله: مع الذين تدل على معنى النصرة والمعونة, كما يقال: الله معنا؛ أي معين وناصر؛ وليست في معنى الصحبة لأنها لو كانت كذلك لم يكن لها نفع؛ وإنما أراد أن السيوف تنصر الذين قلوبهم كقلوبها؛ استعار للسيوف قلوباً؛ وإنما يريد المضاء والقطع. وقد شرح هذا البيت بالذي بعده لأنه قال: إن الحسام على جراءة حده فهو مثله ليس له غناء ولا نفع. وقوله: رفعت بك العرب العماد وصيرت ... قمم الملوك مواقد النيران القمم: جمع قمةٍ, وهي أعلى الرأس, وقد قيل هذا المعنى في بعض الشعر. قال بعضهم: [الطويل]

стр. 1363

تسائل عن بعلٍ لها ليس آيباً ... ونحن وضعنا رأسه تحت مرجل وكلام أبي الطيب أشرف من هذا الكلام. وقوله: أنساب فخرهم إليك وإنما ... أنساب أصلهم إلى عدنان العرب: اسم جامع يقع على عدنان وقحطان, فإن كان الشاعر أراد الخصوص فذلك جائز, وإن أراد العموم فقد زعم أن قضاعة من معد. وحدث الثقة أن أبا الطيب كان ينكر ذلك ويجعل قضاعة ولد مالك بن حمير. يقول: العرب ينتسب فخرها إليك وإن كانوا ينسبون في الأصل إلى عدنان. وقافيتها من المتواتر. ومن أبيات أولها ما أنا والخمر وبطيخة ... سوداء في قشر من الخيزران يشغلني عنها وعن غيرها ... توطيني النفس ليوم الطعان وكل نجلاء لها صائك ... يخضب ما بين يدي والسنان الوزن من أول السريع, والقافية من المترادف. (٢٢٤/ب) كان أبو الطيب دخل إلى أبي العشائر فحياه ببطيخةٍ من ند وعنبر في غشاء خيزران عليها قلادة لؤلؤ, فقال: أي شيءٍ شبه هذه؟ فقال هذه الأبيات. الخيزران: كلمة أصلها أعجمي, ويقال: إن الخيزران من أصول الرماح, وقيل: هي عروق تكون في الأرض, والعرب تجعل الغصن خيزرانةً. قال الشاعر وذكر حمامةً: [الطويل] هتوفاً دعت أخرى على خيزرانةٍ ... يكاد يدنيها من الأرض لينها

стр. 1364

وفي حكاية ذكرها ابن قتيبة في تعبير الرؤيا معناها أن سائلًا سأله عن المجنه فلم يعرف؛ فرأى في النوم قائلًا يقول له: هو الخيزران, فأنشده: [الراجز] هدية لطيفة ظريفة في طبق مجنه فسمع ابن قتيبة بعد ذلك منشدًا ينشد: [البسيط] في كفه جنهي ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم قال ابن قتيبة: قد كنت أعرف هذا البيت إلا أني كنت أرويه: في كفه خيزران. ويقال: وطأ نفسه على كذا إذا أمرها بها وأذلها له. وإن عطف كل على توطيني رفعها, وإن عطفها على الطعان فهي مخفوضة. والصائك: الدم لأنه يبقى له أثر كأثر الطيب. ومن بيتين أولهما زال النهار ونور منك يوهمنا ... أن لم يزل ولجنح الليل إجنان فإن يكن طلب البستان يمسكنا ... فرح فكل مكانٍ منك بستان الوزن من ثاني البسيط والقافية من المتواتر. يقال: جن الليل وأجن, وهو جنونه وجنانه؛ أي ظلمته. قال دريد بن الصمة: [الطويل]

стр. 1365

فلولا جنون الليل أدرك ركضنا ... بذي الرمث والأرطى عياض بن ناشب والبستان فارسي, وقد تكلمت به العرب. قال الراجز: [الرجر] فهن مثل الأمهات يلخين ... يطعمن أحياناً وحيناً يسقين كأنها من ثمر البساتين ... العنباء المتنقى والتين ومن التي أولها قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألف في ذا القلب أحزانا وزنها من ثاني البسيط. أراد: أن تدمى فحذف. وقد فعل هذا في مواضع كثيرة. وإذا أضمرت أن فهي والفعل في موضع مفعولٍ ثان لقوله: علم منا البين. يقول: لما بان أحبابنا علم نأيهم أجفاننا أن تتباين فلا تلتقي للرقاد. وقوله:

стр. 1366

ولو بدت لأتاهتهم فحجبها ... صون عقولهم من لحظها صانا يقول: لو بدت هذه المرأة لأتاهت من ينظر إليها. وأتاهته من قولهم: تاه الرجل إذا تحير. يقال: تاه يتيه ويتوه فتيهه غيره وتوهه. وزعم أن الصون حجبها عن عيونهم فصان عقولهم من أن تذهب. وقوله: بالواخدات وحاديها وبي قمر ... يظل من وخدها في الخدر حشيانا يكثر في كلام الناس: بي فلان وبأبي فلان. والمراد: المفدي بي فلان أو نحو ذلك. وقوله: قمر: خبر ابتداءٍ محذوفٍ, ولا يمتنع أن يكون المضر فعلًا لأنه قال: يفدى بالواخدات وحاديها قمر؛ فيكون قمر مرفوعًا لأنه لم يسم فاعله. وحشياناً؛ أي قد أصابه الربو. وقوله: أما الثياب فتعرى من محاسنه ... إذا نضاها ويكسى الحسن عريانا يقول: هذا القمر إذا كانت عليه ثياب حسنت بذلك, فإذا نضاها عنه - أي نزعها - ذهب حسنها الذي أفادته منه. وإذا تعرى فهو مكسو بالحسن؛ أي لم يضره فقد ثيابه كما ضرها أن فقدته. ومن قال: يكسى بضم الياء فهو مصيب في ذلك لأنه قياس مطرد, ومن فتح الياء حلمه على قولهم: كسي يكسى, وذلك يفتقر إلى سماعٍ, وقد قالوا: كاسٍ أي ذو كسوةٍ. قال الحطيئة: [البسيط] دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي وقوله: كاسٍ يراد به ذو كسوة, كما يقولون: تامر أي ذو تمرٍ, ولابن أي ذو لبنٍ, وكأنهم يستعملون هذا البناء في اسم الفاعل ولا يكادون ينطقون منه بالفعل. وقوله:

стр. 1367

يضمه المسك ضم المستهام به ... حتى يصير على الأعكان أعكانا (٢٢٥/أ) ادعى أن المسك يضم هذا القمر ضم من هو به هائم, فهو لا يفارقه وإن غسله بالماء, ويجتمع لأنه يتطيب في كل يوم فيصير على الأعكان أعكاناً من كثرته. وقوله: تهدي البوارق أخلاف المياه لكم ... وللمحب من التذكار نيرانا يقول: البوارق تفعل فعلًا متضاداً فتهدي إليكم اخلاف المياه؛ والأخلاف: جمع خلفٍ وهو طرف الضرع استعاره للسحاب؛ فهي مع أنها تهدي لكم المياه تهدي إلى المحب من تذكاركم نيرانًا. وقوله: إذا قدمت على الأهوال شيعني ... قلب إذا شئت أن يسلاكم خانا يقول: أنا أقدم على الأهوال التي كأنها غائبة عني, فأسافر إليها كما يسافر الغائب إلى أهله. وشيعني؛ أي قواني فكان لي مشايعاً على ما أريد, ومن ذلك قولهم للشجاع: مشيع؛ أي كأنه قد قوي على الشجاعة بغيره, ومن ذلك قيل: شيعت النار؛ أي شددت وقودها. ويسلاكم في معنى يسلوكم. قال رؤبة: [الرجز] لو أشرب السلوان ما سليت وقوله: لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعاً ... ولا أبيت على ما فات حسرانا يقال: اشرأب إلى الشيء إذا تشوف إليه وظهرت فيه إرادته. وسيبويه يذهب إلى أن هذه الهمزة أصلية وهي تزاد في هذا الموضع كثيراً؛ كقولهم: اطمأن, وازبأر إذا تهيأ للقتال, اسمأل الظل إذا قصر, واشمأز من الشيء إذا تقبض منه. وكثرتها في هذه الأماكن

стр. 1368

تشهد لها بالزيادة؛ لا سيما والعرب إذا اضطرت هزمت: أفعأل, فقالت: احمأر واسوأد. قال الشاعر: [الكامل] حش الولائد بالوقود جنوبها ... حتى اسوأد من الصلا صفحاتها والاشتقاق يدل على أن اشرأب مأخوذمن شرب ويكون أصله: اشراب في وزن احمار, ثم همز كراهة التقاء الساكنين؛ كأنه أراد الشراب لأنه ظمآن فاشرأب إليه, ثم استعمل ذلك في غير الظمأ. قال ذو الرمة: [الطويل] ذكرتك أنمرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح وقوله: ولا أسر بما غيري الحميد به ... ولو حملت إلي الدهر ملآنا في هذا البيت عجائب منها: أنه نفى السرور عن نفسه ولو حمل إليه الدهر وهو مملوء بالخير, والدهر لا يحمل ولا يمكن ملؤه. وقوله: لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا قد عاب الصاحب بن عبادٍ ﵀ هذه اللفظة على أبي الطيب, وله محاسن معفية على هذه اللفظة وغيرها. وبعران: جمع بعيرٍ, مثل: رغفانٍ ورغيفٍ. والبعير يقع على الذكر والأنثى, وشبهوه بقولهم: إنسان تقع على الرجل والمرأة؛ إلا أنهم قد قالوا: إنسانة ولم يقولوا: بعيرة للأنثى. قال الشاعر: [الرجز] إنسانة تسقيك من إنسانها ... خمرًا حلالًا مقلتاها عنبه وحكى الأصمعي أنه سمع رجلًا يقول: صرعتني بعير لي؛ يعني ناقة, وينشد: [الكامل] لا تشربي لبن البعير وعندنا ... حلب الزجاجة واكف المعصار

стр. 1369

وقوله: فالعيس أعقل من قومٍ رأيتهم ... عما تراه من الإحسان عميانا لما ذكر الإبل في البيت الأول شفعه بتفضيل العيس على قوم يراهم عما يفعله هذا الممدوح عميانًا لا يهتدون إليه. وأفعل إذا كان وصفاً فبابه أن يجمع على فعلٍ, مثل: أحمر وحمرٍ, وأصفر وصفرٍ, وأعمى وعميٍ, وبذلك جاء التنزيل لقوله تعالى: ﴿صم بكم عمي﴾. والذين قالوا عند الضرورة: ورق في جمع أورق, وحمر في جمع أحرم, لا يفعلون ذلك في معنى عميٍ؛ لأنهم يتركون المعتل على حاله لمكان العلة, والحرف الصحيح أحمل لها من العليل, وربما قالوا: أحمر وحمران, وأصفر وصفران فجمعوه على فعلانٍ. وقالوا: قوم فرعان يريدون جمع أفرع (٢٢٥/ب) وهو الكثير الشعر, قال الشاعر: [الوافر] أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب وقوله: ذاك الجواد وإن قل الجواد له ... ذاك الشجاع وإن لم يرض أقرانا يقول: ذاك الجواد؛ يصفه بهذه الصفة وهو أشرف من ذلك وأجل لأنه يرتفع أن يوصف بما يوصف به غيره, وهو الشجاع وليس في العالم من يرضاه قرنًا له في الحرب. وقوله: ذاك المعد الذي تقنو يداه لنا ... فلو أصيب بشيء منه عزانا المعد: الذي جعل الأشياء عدةً للعافين, فهو يقنو المال ليعطيه من يسأله, فلو أصيب بشيء منه لعزى العافين به؛ لأنه لم يذهب منه, وإنما ذهب من أيديهم. وقوله: عزانا؛ أي صلح أن يعزينا, إلا أنه لم ينطق بعزائهم؛ وهذا مثل قولك إذا رأيت الرجل قد وقع في شدة: هلك فلان, وهو لم يهلك بعد؛ وإنما يريد أنه قارب الهلكة.

стр. 1370

وقوله: خف الزمان على أطراف أنمله ... حتى توهمن للأزمان أزمانا ادعى للمدوح أنه يجعل الزمان على أطراف أنامله ويكون خفيفًا عليهن حتى كأنهن أزمان للأزمان؛ وهذه مبالغة مسرفة لأن أقل جزءٍ من الزمن يشتمل على كل المدركات, وإذا احتوى عليه شيء فقد أتى بالمعجز من الأشياء. وقوله: وتسحب الحبر القينات رافلةً ... في جوده وتجر الخيل أرسانا وصفه بالجودعلى كل الخلق وأن الحبر تجره القينات - أي الإماء - وإنما هو من عطاياه. وجعل الخيل تسحب أرسانها في ملكه؛ فيجوز أن يعني بذلك أنها تترك وشأنها فلا ترتبط فهي تسحب الأرسان لذلك. وهذا الوجه أبلغ من أن يصفها بطول الأرسان المانعة لها من التصرف. وقوله: جزت بني الحسن الحسنى فإنهم ... في قومهم مثلهم في الغر عدنانا كان هذا الممدوح ينتسب إلى الحسن بن علي ﵇. يقول: جزتهم الحسنى فإنهم أشراف في قومهم. والهاء في مثلهم راجعة على القوم. يخبر أنهم أشراف قومهم, وأن قومهم أشراف بني عدنان. واشتقاق عدنان من عدن بالمكان إذا أقام به. وقوله: ما شيد الله من مجد لسالفهم ... إلا ونحن نراه فيهم الآنا ما شيد الله؛ أي ما رفع. يقول: ما رفع الله من مجدٍ لسالف هؤلاء القوم فبلغنا بالسماع إلا ونحن نشاهده عيانًا فيهما لآن. والآن: كلمة شاذة لأنها تبنى على الفتح, وفيها الألف واللام, والنحويون يقولون: الآن حد الزمانين. وبيت أبي صخر ينشد بالفتح: [الطويل] كأنهما م الآن لم يتغيرا ... وقد مر بالدارين من بعدنا عصر
следующие страницы →