Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
ولو بدت لأتاهتهم فحجبها ... صون عقولهم من لحظها صانا
يقول: لو بدت هذه المرأة لأتاهت من ينظر إليها. وأتاهته من قولهم: تاه الرجل إذا تحير. يقال: تاه يتيه ويتوه فتيهه غيره وتوهه. وزعم أن الصون حجبها عن عيونهم فصان عقولهم من أن تذهب.
وقوله:
بالواخدات وحاديها وبي قمر ... يظل من وخدها في الخدر حشيانا
يكثر في كلام الناس: بي فلان وبأبي فلان. والمراد: المفدي بي فلان أو نحو ذلك. وقوله: قمر: خبر ابتداءٍ محذوفٍ, ولا يمتنع أن يكون المضر فعلًا لأنه قال: يفدى بالواخدات وحاديها قمر؛ فيكون قمر مرفوعًا لأنه لم يسم فاعله. وحشياناً؛ أي قد أصابه الربو.
وقوله:
أما الثياب فتعرى من محاسنه ... إذا نضاها ويكسى الحسن عريانا
يقول: هذا القمر إذا كانت عليه ثياب حسنت بذلك, فإذا نضاها عنه - أي نزعها - ذهب حسنها الذي أفادته منه. وإذا تعرى فهو مكسو بالحسن؛ أي لم يضره فقد ثيابه كما ضرها أن فقدته. ومن قال: يكسى بضم الياء فهو مصيب في ذلك لأنه قياس مطرد, ومن فتح الياء حلمه على قولهم: كسي يكسى, وذلك يفتقر إلى سماعٍ, وقد قالوا: كاسٍ أي ذو كسوةٍ. قال الحطيئة: [البسيط]
دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وقوله: كاسٍ يراد به ذو كسوة, كما يقولون: تامر أي ذو تمرٍ, ولابن أي ذو لبنٍ, وكأنهم يستعملون هذا البناء في اسم الفاعل ولا يكادون ينطقون منه بالفعل.
وقوله:
стр. 1367
يضمه المسك ضم المستهام به ... حتى يصير على الأعكان أعكانا
(٢٢٥/أ) ادعى أن المسك يضم هذا القمر ضم من هو به هائم, فهو لا يفارقه وإن غسله بالماء, ويجتمع لأنه يتطيب في كل يوم فيصير على الأعكان أعكاناً من كثرته.
وقوله:
تهدي البوارق أخلاف المياه لكم ... وللمحب من التذكار نيرانا
يقول: البوارق تفعل فعلًا متضاداً فتهدي إليكم اخلاف المياه؛ والأخلاف: جمع خلفٍ وهو طرف الضرع استعاره للسحاب؛ فهي مع أنها تهدي لكم المياه تهدي إلى المحب من تذكاركم نيرانًا.
وقوله:
إذا قدمت على الأهوال شيعني ... قلب إذا شئت أن يسلاكم خانا
يقول: أنا أقدم على الأهوال التي كأنها غائبة عني, فأسافر إليها كما يسافر الغائب إلى أهله. وشيعني؛ أي قواني فكان لي مشايعاً على ما أريد, ومن ذلك قولهم للشجاع: مشيع؛ أي كأنه قد قوي على الشجاعة بغيره, ومن ذلك قيل: شيعت النار؛ أي شددت وقودها. ويسلاكم في معنى يسلوكم. قال رؤبة: [الرجز]
لو أشرب السلوان ما سليت
وقوله:
لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعاً ... ولا أبيت على ما فات حسرانا
يقال: اشرأب إلى الشيء إذا تشوف إليه وظهرت فيه إرادته. وسيبويه يذهب إلى أن هذه الهمزة أصلية وهي تزاد في هذا الموضع كثيراً؛ كقولهم: اطمأن, وازبأر إذا تهيأ للقتال, اسمأل الظل إذا قصر, واشمأز من الشيء إذا تقبض منه. وكثرتها في هذه الأماكن
стр. 1368
تشهد لها بالزيادة؛ لا سيما والعرب إذا اضطرت هزمت: أفعأل, فقالت: احمأر واسوأد. قال الشاعر: [الكامل]
حش الولائد بالوقود جنوبها ... حتى اسوأد من الصلا صفحاتها
والاشتقاق يدل على أن اشرأب مأخوذمن شرب ويكون أصله: اشراب في وزن احمار, ثم همز كراهة التقاء الساكنين؛ كأنه أراد الشراب لأنه ظمآن فاشرأب إليه, ثم استعمل ذلك في غير الظمأ. قال ذو الرمة: [الطويل]
ذكرتك أنمرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح
وقوله:
ولا أسر بما غيري الحميد به ... ولو حملت إلي الدهر ملآنا
في هذا البيت عجائب منها: أنه نفى السرور عن نفسه ولو حمل إليه الدهر وهو مملوء بالخير, والدهر لا يحمل ولا يمكن ملؤه.
وقوله:
لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
قد عاب الصاحب بن عبادٍ ﵀ هذه اللفظة على أبي الطيب, وله محاسن معفية على هذه اللفظة وغيرها.
وبعران: جمع بعيرٍ, مثل: رغفانٍ ورغيفٍ. والبعير يقع على الذكر والأنثى, وشبهوه بقولهم: إنسان تقع على الرجل والمرأة؛ إلا أنهم قد قالوا: إنسانة ولم يقولوا: بعيرة للأنثى.
قال الشاعر: [الرجز]
إنسانة تسقيك من إنسانها ... خمرًا حلالًا مقلتاها عنبه
وحكى الأصمعي أنه سمع رجلًا يقول: صرعتني بعير لي؛ يعني ناقة, وينشد: [الكامل]
لا تشربي لبن البعير وعندنا ... حلب الزجاجة واكف المعصار
стр. 1369
وقوله:
فالعيس أعقل من قومٍ رأيتهم ... عما تراه من الإحسان عميانا
لما ذكر الإبل في البيت الأول شفعه بتفضيل العيس على قوم يراهم عما يفعله هذا الممدوح عميانًا لا يهتدون إليه. وأفعل إذا كان وصفاً فبابه أن يجمع على فعلٍ, مثل: أحمر وحمرٍ, وأصفر وصفرٍ, وأعمى وعميٍ, وبذلك جاء التنزيل لقوله تعالى: ﴿صم بكم عمي﴾. والذين قالوا عند الضرورة: ورق في جمع أورق, وحمر في جمع أحرم, لا يفعلون ذلك في معنى عميٍ؛ لأنهم يتركون المعتل على حاله لمكان العلة, والحرف الصحيح أحمل لها من العليل, وربما قالوا: أحمر وحمران, وأصفر وصفران فجمعوه على فعلانٍ. وقالوا: قوم فرعان يريدون جمع أفرع (٢٢٥/ب) وهو الكثير الشعر, قال الشاعر: [الوافر]
أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب
وقوله:
ذاك الجواد وإن قل الجواد له ... ذاك الشجاع وإن لم يرض أقرانا
يقول: ذاك الجواد؛ يصفه بهذه الصفة وهو أشرف من ذلك وأجل لأنه يرتفع أن يوصف بما يوصف به غيره, وهو الشجاع وليس في العالم من يرضاه قرنًا له في الحرب.
وقوله:
ذاك المعد الذي تقنو يداه لنا ... فلو أصيب بشيء منه عزانا
المعد: الذي جعل الأشياء عدةً للعافين, فهو يقنو المال ليعطيه من يسأله, فلو أصيب بشيء منه لعزى العافين به؛ لأنه لم يذهب منه, وإنما ذهب من أيديهم. وقوله: عزانا؛ أي صلح أن يعزينا, إلا أنه لم ينطق بعزائهم؛ وهذا مثل قولك إذا رأيت الرجل قد وقع في شدة: هلك فلان, وهو لم يهلك بعد؛ وإنما يريد أنه قارب الهلكة.
стр. 1370
وقوله:
خف الزمان على أطراف أنمله ... حتى توهمن للأزمان أزمانا
ادعى للمدوح أنه يجعل الزمان على أطراف أنامله ويكون خفيفًا عليهن حتى كأنهن أزمان للأزمان؛ وهذه مبالغة مسرفة لأن أقل جزءٍ من الزمن يشتمل على كل المدركات, وإذا احتوى عليه شيء فقد أتى بالمعجز من الأشياء.
وقوله:
وتسحب الحبر القينات رافلةً ... في جوده وتجر الخيل أرسانا
وصفه بالجودعلى كل الخلق وأن الحبر تجره القينات - أي الإماء - وإنما هو من عطاياه. وجعل الخيل تسحب أرسانها في ملكه؛ فيجوز أن يعني بذلك أنها تترك وشأنها فلا ترتبط فهي تسحب الأرسان لذلك. وهذا الوجه أبلغ من أن يصفها بطول الأرسان المانعة لها من التصرف.
وقوله:
جزت بني الحسن الحسنى فإنهم ... في قومهم مثلهم في الغر عدنانا
كان هذا الممدوح ينتسب إلى الحسن بن علي ﵇. يقول: جزتهم الحسنى فإنهم أشراف في قومهم. والهاء في مثلهم راجعة على القوم. يخبر أنهم أشراف قومهم, وأن قومهم أشراف بني عدنان. واشتقاق عدنان من عدن بالمكان إذا أقام به.
وقوله:
ما شيد الله من مجد لسالفهم ... إلا ونحن نراه فيهم الآنا
ما شيد الله؛ أي ما رفع. يقول: ما رفع الله من مجدٍ لسالف هؤلاء القوم فبلغنا بالسماع إلا ونحن نشاهده عيانًا فيهما لآن. والآن: كلمة شاذة لأنها تبنى على الفتح, وفيها الألف واللام, والنحويون يقولون: الآن حد الزمانين. وبيت أبي صخر ينشد بالفتح: [الطويل]
كأنهما م الآن لم يتغيرا ... وقد مر بالدارين من بعدنا عصر
стр. 1371
وأحسن ما يقال في الآن: إنها ألف ولام دخلت على فعلٍ ماضٍ من قولك: آن الشيء يئين إذا حان. وكان المعنى معنى الذي, فحذفت لكثرة الاستعمال, وإذا قلت: الآن كان كذا وكذا, وقد جاء الاستغناء بالألف واللام عن الذي, وينشد للفرزدق: [البسيط]
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ... ولا البليغ ولا ذي الرأي والرشد
أراد: الذي ترضى. وكذلك قول الآخر: [الوافر]
بل القوم الرسول الله منهم ... هم أهل الحكومة من قصي
يريدون: الذي رسول الله منهم. وينشد هذا البيت: [الطويل]
ويستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن جحره ذي الشيحة اليتقصع
أي الذي يتقصع - وكان محمد بن يزيد ينكر هذه الأشياء - أي يدخل في قاصعائه وهي جحرة اليربوع, وكذلك قوله: [الطويل]
أيبغضه وأبغض العجم ناطقًا ... إلى ربه صوت الحمار اليجدع
يريد الذي يجدع؛ أي يقال له: جدع الله أنفه.
وقوله:
كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا
الخرصان: جمع خرصٍ وخرصٍ وهو ها هنا السنان, وقيل: هو النصف الأعلى منه. ويقال للرمح: خرص (٢٢٦/أ) وكأنهم يسمون بهذا الاسم كل عودٍ طويلٍ. ويقال لعيدان تكون مع مشتار العسل: أخراص. قال ساعدة بن جؤية: [الطويل]
стр. 1372
قليل تلاد المال إلا مسائباً ... وأخراصه يرجو بها ويقيمها
والمسائق: زقاق العسل واحدها مسأب. وقال الراجز في أن الرمح يقال له: خرص: [الرجز]
يعض منها الظلف الدويا ... عض الثقاف الخرص الملويا
ويروى: الخطيا. والظلف: أسافل خشب الرحل. والدوي: جمع دايةٍ؛ يقال ذلك لفقار الظهر, وربما استعمل في الصدر وعظامه.
يقول الشاعر: كأن ألسنهم لحدتها ومضائها في المقال جعلت على رماحهم أسنةً. وهذه مبالغة في وصف الأسنة, وهو أشبه من تشبيههم اللسان بالسيف لأن السنان أقرب منه إلى شبه اللسان إذ كان يقاربه في الصغر. وقد قال الوليد بن عبيد: [الكامل]
ما كان قلبك في سواد جوانحي ... فأكون ثم ولا لساني في يدي
وهذا المعنى مثل قول الآخر: [البسيط]
عني إليك فقد كلفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدارعين: قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أمسي وأصبح مشتاقاً إلى التلف
تعدو المنايا على قومٍ فأكرهها ... فكيف أغدو إليها عاري الكتف
ظننت أن نفاد المال غيرني ... وأن قلبي في جنبي أبي دلف
وقوله:
стр. 1373
كأنهم يردن الموت من ظمأٍ ... أو ينشقون من الخطي ريحانا
يقول: هؤلاء القوم كأنهم ظماء إلى الموت, فكأنه ماء, وينشقون الخطي كأنه ريحان. وكل نبتٍ طابت رائحته يقع عليه هذا الاسم؛ فيقال لورق الزرع الأخضر: ريحان لخضرته, وقد سموا رزق الله سبحانه ريحاناً, وكذلك فسروا قول النمر: [المتقارب]
سلام الإله وريحانه ... ورحمته وغيوث درر
وقد سمى بعض العرب الكمأة ريحاناً, قال الراجز: [الرجز]
يغنيك عن سوداء واعتجانها ... وكرك الطرف إلى تبانها
سوداء لو يوضع في ميزانها ... رطل حديدٍ مال من رجحانها
تلك من الدنيا ومن ريحانها
وقوله:
خلائق لو حواها الزنج لانقلبوا ... ظمي الشفاه جعاد الشعر غرانا
يقول: هؤلاء القوم لهم خلائق بيض لو حواها الزنج لتغيرت حالهم فصاروا ظمي الشفاه جمع: أظمى وظمياء, والظما في الشفة قلة لحمها, ويجوز أن يكون مع ذلك سمرة تستحسن؛ لأنهم يقولون للرمح: أسمر وأظمى إذا وصفوه بالسمرة وغلظ الشفة وكثرة لحمها. والزنج توصف بعظم الشفاه حتى تشبه شفاهم بمشافر الإبل. قال الفرزدق: [الطويل]
فلو كنت ضبياً عرفت قرابتي ... ولكن زنجياً غليظ المشافر
وقال أعرابي يخاطب أمةً له: [الرجز]
قد كنت حذرتك لقط العصفر ... بالليل حتى تصبحي وتبصري
стр. 1374
فإذا فعلت ما فعلت فاصبري ... إني زعيم لك أن تزحري
بوافر الجبهة عبل المشفر
وإن كانت الجعودة من صفات الزنج فإن الشاعر أراد أنهم يجمعون بين الصفتين؛ فتكون فيهم الصفة الزنجية والصفة التي للعرب البيض الوجوه. والغران: جمع أغر, وإنما يريد أنهم بيض الوجوه وجميع الأجساد. قال امرؤ القيس: [الطويل]
ثياب بني عوفٍ طهارى نقية ... وأوجههم بيض المسافر غران
وقوله:
وأنفس يلمعيات تحبهم ... لها اضطراراً ولو أقصوك شنآنا
وصف الأنفس باليلمعيات, يقال: رجل يلمعي وألمعي إذا كان يظن الشيء فيصح ظنه, وقد مضى فيما تقدم. يقول: لهم أنفس نفيسة وأخلاق تلزمك أن تحبهم, ولو أقصوك لبغضهم إياك. (٢٢٦/ب) ونصب شنآناً لأنه مفعول له ومن أجله, ويجوز أن يقال: هو منصوب على المصدر؛ لأن أقصوك يؤدي معنى شنؤك, ولا يمتنع أن يقال: هو نصب على التمييز. والشنئان ها هنا مصدر شنآن, وفعلان في المصادر قليل, وإنما حكوا فيه: لويت لياناً في معنى مطلت. قال ذو الرمة: [الطويل]
تطيلين لياناً وأنت ملية ... وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا
وذهب بعض الناس إلى أن أصله كسر اللام ففتح أوله لأجل الياء, والآية تقرأ على وجهين: ﴿ولا يجرمنكم شنئآن قوم﴾ و ﴿شنئان قوم﴾ , فالذين ينكرون فعلان في المصادر يقولون: شنآن في الآية وصف لرجل كأنه أراد رجل مبغض من قومٍ. ومما يدل على أن شنئان مصدر قولهم: الشنان في معنى الشنآن: ألقوا حركة الهمزة على النون وحذفوها,
стр. 1375
ومن ذلك قول الأحوص: [الطويل]
وما العيش إلا أن تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا
وقوله:
الواضحين أبواتٍ وأجبنةً ... ووالدتٍ وألباباً وأذهانا
وصفهم بالوضوح, ثم ذكر أشياء مفسراتٍ لما وضح من هؤلاء القوم, فقال: أبواتٍ وهي جمع أبوةٍ, وأجبنةً يعني جمع جبين الإنسان. والشعراء يقولون: فلان وضاح الجبين إذا وصفوه ببياض الوجه. قال الشاعر: [الوافر]
صبحنا من بني أسدٍ حلولًا ... بكل أشم وضاح الجبين
وأجبنة: جمع لا يكاد يسمع؛ إلا أنه على القياس مستمر كقولك: رغيف ورغف وأرغفة, وقد حكي: أجبن في جمع جبين وهو شاذ. والأذهان: جمع ذهن وهو فطنة الإنسان وذكاؤه, وربما استعمل الذهن في معنى القوة.
وقوله:
يا صائد الجحفل المرهوب جانبه ... إن الليوث تصيد الناس أحدانا
وصف الممدوح بأنه يصيد الجحفل؛ وإنما توصف الأسد بأنها تصيد الأحدان. قال الشاعر في صفة لبؤةٍ: [الطويل]
تصيد أحدان الرجال وإن تصب ... جماعتهم تفرح بذاك وتزدد
وقوله:
وواهباً كل وقتٍ وقت نائله ... وإنما يهب الوهاب أحيانا
زعم أنه ليس لجوده وقت محدود؛ بل يجود في كل الأوقات. والإنسان إنما يجود حيناً بعد حينٍ. وجاء في الكتاب العزيز تفضيل الشجرة المباركة التي تؤتي أكلها كل حينٍ
стр. 1376
بإذن ربها, والشجر ليس كذلك؛ إنما يؤتي أكله في بعض الأحيان.
وقوله:
أنت الذي سبك الأموال مكرمةً ... ثم اتخذت لها السؤال خزانا
يقول: إن الممدوح سبك الأموال مكارم, وهذا على معنى الاستعارة, ولما فعل بالأموال كذلك جعل خزانها السؤال. يقال: خزن الرجل ماله إذا حفظه, وخزن له الخازن إذا حفظ عليه, ثم استعيرت هذه الكلمة في صيانة اللسان. وجاء في الحديث: «رحم الله امرءاً خزن من لسانه». وقال امرؤ القيس: [الطويل]
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيءٍ سواه بخزان
وقيل للشيء الصغير من الآنية كالمكحلة وما جرى مجراها: مخزنة؛ فكسرت الميم لأنها تنتقل. وإذا كان الشيء كبيراً قيل لموضعه: المخزن والخزانة.
وقوله:
عليك منك إذا أخليت مرتقب ... لم تأت في السر ما لم تأت إعلانا
ومن الكلام القديم: «أفضل الناس من سره كعلانيته» , وقد وصف هذا الممدوح بهذه الصفة. ويقال: (٢٢٧/أ) أخلى الرجل إذا صادف موضعاً خالياً من الناس. قال الشاعر: [الطويل]
أتيت مع الحداث ليلى فلم أبن ... وأخليت فاستعجمت عند خلائي
والقافية من المتواتر.
стр. 1377
ومن التي أولها
الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
الوزن من أول الكامل.
الألسن: جمع لسانٍ إذا كان مؤنثًا, فإذا كان مذكرًا فجمعه ألسنة. أثبت في المصراع الأول أن الحب هو الذي يمنع الألسن من الكلام. ومنعه إياها يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون يبلغ بالمحب إلى حال لا يستطيع معها الكلام.
والآخر: أن المحب يجب عليه كتمان ما هو فيه؛ لأن ذلك أجمل بمن يحب, وهذا الوجه أشبه من الأول؛ لأن بقية البيت دال عليه وهو قوله: وألذ شكوى عاشقٍ ما يعلنه, فهو ضد لما يجب عليه أن يفعله وهو الكتمان.
وقوله:
بنا ولو حليتنا لم تدر ما ... ألواننا مما امتقعن تلونا
أقل قولهم: حليت الرجل إذا وصفت ما هو عليه من خلقةٍ, وذلك مأخوذ من حلي المرأة وحلية السرج ونحوهما؛ وإنما يرادبه التحسين, ثم كثرت الكلمة حتى قالوا: حليت الرجل إذا وصفت خلقته وإن لم تكن حسنةً. ويجوز أن تكون الكلمة مولدةً ليست بالقديمة. ويقال: امتقع لون الرجل وانتفع واهتفع والتمع وانتشف إذا تغير. ويقال: تلون الشيء إذا اختلفت ألوانه. وقوله: تلوناً يجوز أن يقال: هو منصوب على التفسير, وعلى المصدر, وعلى أنه مفعول له, ومن أجله, وأن يكون قولهم: جاء الرجل مشياً ينتصب فيه المشي على الحال جاز أن يقول ذلك في تلون.
وقوله:
وتوقدت أنفاسنا حتى لقد ... أشفقت تحترق العواذل بيننا
أراد: أشفقت أن تحترق وحذف أن. وأن وما بعدها في موضع نصبٍ؛ فإن جعل الكلام تاماً عند قوله: أشفقت جاز أن ينصب قوله: أن تحترق على معنى المفعول من أجله, وإن جعل الكلام غير تام بقوله: أشفقت؛ فالمعنى معنى: من, كأنه قال: أشفقت من أن تحترق.
стр. 1378
فلما حذف من وصل الفعل فعمل كما عمل بعد حذف الخافض في قوله: أمرتك الخير؛ أي أمرتك بالخير.
وقوله:
أفدي المودعة التي أتبعتها ... نظراً فرادى بين زفراتٍ ثنا
فرادى: أصله أن يكون جمع فريدٍ, وفي الكتاب العزيز: ﴿ولقد جئتمونا فرادى﴾. وفعالى إنما يكثر في جمع فعلان, مثل: سكران وسكارى, وغيران وغيارى. ويجوز أن يكونوا حملوا فريداً على أنه يحتمل أن يقال فيه: فردان أي منفرد, وإنما جاز أن يقول: نظراً فرادى؛ لأن النظر قد يتسع حتى يشتمل على نظراتٍ كثيرةٍ, فلذلك حسن أن يوصف بالجمع. فإذ قلت: جاءني فلان فرادى لم يحسن أن تصف واحداً بجمعٍ. وسكن فاء زفراتٍ والوجه فتحها, وقد تردد مثل ذلك في ديوانه كثيراً.
وأراد الثناء فقصر, وذلك جائز في حشو البيت وفي قافيته, وقصر الممدود في القافية أسهل؛ لأنها في موضع حذفٍ يجوز فيه ما لا يجوز في غيره.
وقوله:
أنكرت طارقة الحوادث مرةً ... ثم اعترفت بها فصارت ديدنا
(٢٢٧/ب) أكثر ما يستعمل الطروق بالليل, وقد حكي أنه يستعمل للنهار؛ إلا أن الليل أغلب عليه, وبذلك قالوا للنجم: طارق. وقال ابن أبي ربيعة: [الطويل]
وباتت قلوصي بالعراء ورحلها ... لطارق ليلٍ أو لمن جاء معور
ويدل على أن الطروق جائز أن يستعمل بالنهار أن اشتقاقه من الطريق؛ فيقال: طرق القوم أي جعلهم طريقًا له.
وقوله:
وقطعت في الدنيا الفلا وركائبي ... فيها ووقتي الضحى والموهنا
стр. 1379
يقول: قطعت الفلا أي جاوزتها, وقطعت ركائبي أي جعلتها أنضاء لا تقدر على السير. والضحى مؤنثة, وقالوا في تصغيرها: ضحي فلم يدخلوا الهاء لأنهم خشوا أن يلتبس بتصغير ضخوةٍ. والموهن: الطائفة من الليل.
وقوله:
فوقفت منها حيث أوقفني الندى ... وبلغت من بدر عمار المنى
يقال: وقف الرجل. واختلفوا في: وقفت الدابة, فأجاز قوم أوقفتها بالهمز, ولم يجز آخرون وأجمعوا على قولهم: وقفت الدابة. وسمي السوار إذا كان من ذبلٍ: وقفًا؛ لأنه يقف في موضعه. وحذف التنوين من عمارٍ, وذلك جائز, وقد مر مثله.
وقوله:
لأبي الحسين جدى يضيق وعاؤه ... عنه ولو كان الوعاء الأزمنا
الجدى: العطاء, والوعاء: ما يوعى فيه الشيء, وهذيل يهمزون الواو فيقولون: الإعاء.
قال الهذلي: [الوافر]
فلا والله لا ينجو نجائي ... غداة لقيتهم بعض الرجال
هواء مثل بعلك مستميت ... على ما في إعائك كالخيال
كان أبو عمر الجرمي يزعم أن قلب الواو همزةً في أول الاسم يؤخذ بالسماع, وكان أبو عثمان المازني يجعله قياساً مستمراً.
وقوله:
стр. 1380
وشجاعة أغناه عنها ذكرها ... ونهى الجبان حديثها أن يجبنا
يقول: قد صار الناس يهابون هذا الممدوح حتى قد غني عن الشجاعة لأنه لا يطمع في قتاله, وإذا سمع الجبان حديث شجاعته نهاه ذلك عن الجبن. وحكي: جبن الرجل وجبن, ولم يعرف جابن. وإن صح قولهم: جبن وجب أن يجيء اسم الفاعل على هذا النحو, كما قالوا: ضارب وداخل.
وقوله:
نيطت حمائله بعاتق محربٍ ... ما كر قط وهل يكر وما انثنى
الحمائل: ما يقع على عاتق الرجل من نجاد السيف, سميت بذلك لأن متقلد السيف يحملها. ويجوز أن تكون سميت حمائل لأنها تحمل السيف, أو لأن السيف يحملها. قال الشاعر: [الطويل]
غالم إذا أبصرت عاتق ثوبه ... رأيت عليه شاهدًا للحمائل
والمحرب: مفعل من الحرب. وقوله: ما كر قط: نفى عنه ذلك لأن الكر إنما يكون بعد الانصراف. يقول: إذا لقي الأعداء لم ينثن عنهم حتى يأتي عليهم بقتلٍ أو هزيمة.
وقوله:
فكأنه والطعن من قدامه ... متخوف من خلفه أن يطعنا
هذا المعنى قد سبق إليه الطائي في قوله: [البسيط]
كأن لدن القنى (الفتى) يقفوك منهزمًا ... إذا تيممت أطراف القنا اللدن
وقوله:
نفت التوهم عنه حدة ذهنه ... فقضى على غيب الأمور تيقنا
يقول: هذا الرجل لا يتوهم كتوهم الناس؛ لأن التوهم إنما يكون في قلة الفطنة؛ ولو اقتصر على النصف الأول لجاز أن يكون ذلك؛ إذ كان التوهم قد يقع في شيءٍ شوهد وعلمت حقيقته ثم حدث الشك فيه. وجاء أبو الطيب في النصف الثاني بما لا يقدر عليه
стр. 1381
الإنسان, وهو قوله: فقضى على غيب الأمور تيقنا
وقوله: (٢٢٨/أ)
يتفزع الجبار من بغتاته ... فيظل في خلواته متكفنا
البغتات: جمع بغتةٍ. يقال: إذا فاجأه, والجبار: العظيم الشأن المتكبر.
يزعم أنه يتكفن لأنه لا يأمن الموت أن يأتيه من قبل الرجل المدوح. ومما هو ضدهذا الغرض قول مسلم بن الوليد: [البسيط]
تراه في الأمن في درعٍ مضاعفةٍ ... لا يأمن الدهر أن يؤتى على عجل
وقوله:
أمضى إرادته فسوف له قد ... واستقرب الأقصى فثم له هنا
سوف: تقع على الفعل المستقبل فتقول: سوف يفعل وسوف أفعل. ويقال: رجل مسوف إذا وعد الشيء ولم ينجز له كأنه يقال له: سوف يكون كذا. وقد: أكثر ما تدخل على الفعل الماضي فلذلك ذكرها مع سوف, وإذا دخلت قد على الفعل المضارع دلت على معنى رب, كما قال القطامي: (البسيط)
قد يدرك المتأنى بعد حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
وقال قوم: ليست تدل في الفعل المستقبل على رب؛ لأن المتأني قد يدرك مآربه كثيرًا, وكذلك المستعجل يتعذر عليه ما يلتمس, ومنه قول البعيث: [الطويل]
стр. 1382
قد ينعش الله الفتى بعد عثرةٍ ... وقد يجمع الله الشتيت من الشمل
أراد: الشمل. والله سبحانه يكثر نعشه للناس وجمعه للشمل الشتيت. وثم: كلمة تقع على ما بعد من المواضع, وهنا: تقع على ما قرب.
وقوله:
يجد الحديد على بضاضة جلده ... ثوبًا أخف من الحرير وألينا
يقول: هذا الممدوح إذا لبس الدرع فهو أخف عليه من الحرير وألين منه. والبضاضة: رقة الجلد ونعمته مع بياضٍ. وقال قوم: بل يقال للأسود: بض إذا كان ناعم الجسد. وقيل: إنما يقال رجل بض أي كأن الماء يبض من جسده لسمنه ونعمته, أخذ من: بض الحجر بالماء إذا خرج قليلًا قليلًا. قال أبو زبيد: [الكامل]
يا عثم أدركني فإن ركيتي ... صلدت فأعيت أن تبض بمائها
صلدت أي: صلبت.
وقوله:
وأمر من فقد الأحبة عنده ... فقد السيوف الفاقدات الأجفنا
في البيت تقديم وتأخير. وأمر: مرفوع لأن خبر ابتداءٍ, والتقدير: وفقد السيوف الفاقدات الأجفنا أمر عنده من فقد الأحبة؛ يصفه بإلف الحرب وأنه يؤثر السيوف على أحبابه من الإنس. وقد ادعى أبو الطيب هذا لنفسه في قوله: [البسيط]
لولا العلى لم تجب بي ما أجوب بها ... وجناء حرف ولا جرداء قيدود
وكان أطيب من سيفي مضاجعةً ... أشباه رونقه الغيد الأماليد
وقوله:
لا يستكن الرعب بين ضلوعه ... يومًا ولا الإحسان ألا يحسنا
يستكن: أي يستتر, وكل ما خفي فقد استكن. قال زهير: [الطويل]
стр. 1383
وكان طوى كشحًا على مستكنةٍ ... فلا هو أبداها ولم يتقدم
فقيل: المستكنة الحاجة التي عزم عليها, وهذا الوجه هو الصحيح. وقيل: المستكنة قرحة تنبت في الجنب؛ فيجوز أن يكون شبه الحقد الذثي معه بالقرحة التي تؤدي إلى الهلاك. يقول: لا يدخل الرعب جسد هذا المذكور, وكذلك الإحسان لا يستكن في نيته لأنه يظهره فيغنيه عن الإخفاء.
وقوله:
مستنبط من علمه ما في غدٍ ... فكأن ما سيكون فيه دونا
استنبط الشيء إذا استخرجه. يقال: استنبط الماء إذا أخرجه من البئر بالحفر, وكذلك أنبطه, ويقال للماء المستخرج: نبط. يقول: يستنبط من علمه ما يكون في غدٍ فكأن ما لم يكن بعد قد دون فيه؛ أي في علمه. ودون: مشتق من الديوان الذي تثبت فيه الأشياء, وليس بعربي, وقد تكلموا به قديمًا. قال الراجز (٢٢٨/ب): [الرجز]
إن لسلمى عندنا ديوانا ... أخز فلانًا وابنه فلانا
وقال آخر: [الوافر]
عداني أن أزورك أم عمرو ... دياوين تشقق بالمداد
وقوله:
تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثل الذي الأفلاك فيه والدنا
الهاء في إدراكه راجعة إلى علم الممدوح. يقول: تتقاصر الأفهام عن إدراكه مثل تقاصرها عن علم ما الأفلاك فيه. والدنا: جمع دنيا, وكذلك تجمع الفعلى إذا كانت أنثى الأفعل. تقول: الأصغر والأكبر مثلما تقول في التأنيث: الصغرى والكبرى, وإذا جمعت قلت: الصغر, وكذلك: الكبرى والكبر.
стр. 1384
وقوله:
من ليس من قتلاه من طلقائه ... من ليس ممن دان ممن حينا
النصف الأول مكتفٍ. والطلقاء: جمع طليق, وهو الأسير الذي يطلق من القد, أو يكون الإنسان قادرًا على عقوبته فلا يفعل به إلاخيرًا. وكان المسلمون يسمون الذين أقاموا بعد فتح مكة: الطلقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه أطلقهم لما قفل.
وقوله:
لما قفلت من السواحل نحونا ... قفلت إليها وحشة من عندنا
يقال للجيش إذا رجع إلى أوطانه: قفل, وكذلك للغائب إذا آب إلى أهله. يقول: لما قفلت من السواحل كانت عندنا وحشة لك فرحلت إلى حيث كانت.
وقوله:
أرج الطريق فما مررت بموضعٍ ... إلا أقام به الشذى مستوطنا
أرج: أي طابت رائحته, أي إذا مررت بموضع صارت له ريا ذكية. والشذى: رائحة العود الذي يتبخر به. مستوطنًا: أي قد جعله وطنه.
وقوله:
سلكت تماثيل القباب الجن من ... شوقٍ بها فأدرن فيك الأعينا
التماثيل: جمع تمثالٍ, وهذا المثال للأسماء دون المصادر, يقال في واحد التماثيل: تمثال, قال امرؤ القيس: [الطويل]
ألا رب يومٍ قد لهوت وليلةٍ ... بآنسةٍ كأنها خط تمثال
وقال عبدة بن الطبيب: [البسيط]
فيه الدجاج وفيه الأسد مخدرةً ... من كل شيء يرى فيه تماثيل
وقال قوم: قد جاء مصدران على تفعالٍ, وهما: التلقاء والتبيان. يقول: سلكت الجن تماثيل القباب إليك, وإنما فعلت ذلك لأن عادتها جرت بأن لا تظهر للإنس.
стр. 1385
وقوله:
طربت مراكبنا فخلنا أنها ... لولا حياء عاقها رقصت بنا
المراكب: جمع مركبٍ وهو الذي يوضع على ظهر الدابة لتركب, ويجوز أن تسمى الدابة مركبًا, وكون المركب في معنى السرج أبلغ في هذا الموضع؛ لأن الدابة حيوان فهي أقرب إلى الرقص من الذي يركب فيه.
وقوله:
عقدت سنابكها عليها عثيرًا ... لو تبتغي عنقًا عليه أمكنا
العثير: الغبار. يقول: هذه الخيل قد أثارت غبارًا انعقد؛ فلو ابتغت العنق عليه لأمكنها ذلك, وهذا نحو من قوله: [الوافر]
عجاج تعثر العقبان فيه ... كأن الجو وعث أو خبار
وقوله:
فعجبت حتى ما عجبت من الظبى ... ورأيت حتى ما رأيت من السنا
يقول: عجبت حتى لم يبق لي عجب إلا رأيته, ورأيت السنا حتى منعني نوره من الإبصار فلم أره.
وقوله:
فطن الفؤاد لما أتيت على النوى ... ولما تركت مخافةً أن تفطنا
يقول: إن أراك عسكرًا في عسكرٍ؛ أي كأنك وحدك جماعة كثيرة. ووصفه بالفطنة, وزعم أنه يفطن لما يفعله الشاعر, ولما لم يفعله مخافة أن يعلم به. يقول: إن كنت أتيت شيئًا وأنت غائب فأنت عالم به.
(٢٢٩/أ) فكأنه يقول: لم أزل أثني عليك في غيبتك وحضورك وأنت عالم بذلك. وقوله: ولما تركت مخافةً أن تفطنا؛ كأنه أراد ذم قومٍ فترك ذمهم لأنه خشي أن يفطن بذلك الممدوح فيكرهه.
وقوله:
أشحى فراقك لي عليه عقوبةً ... ليس الذي قاسيت منه هينا
стр. 1386
الهاء في عليه عائدة على ما ذكره مخافة أن يفطن الممدوح؛ أي فراقك أمسى كالعقوبة على ما تركته. والهاء في منه عائدة على الفراق.
والمقاساة: الممارسة للشيء بمشقة وصعوبة, وهي من قولهم: فلان قاسي القلب؛ إذا كان غليظًا لا رحمة له.
وقوله:
فاغفر فدى لك واحبني من بعدها ... لتخصني بعطيةٍ منها أنا
إذا رويت: فدى فالمعنى فدى لك أنا, وأنا فدى لك. ويروى: فاغفر ذنوبي - وهو أبين - واحبني من بعدها. إذا رويت: ذنوبي, فالهاء عائدة على الذنوب, وإذا رويت: فدى لك, فالهاء عائدة على الجناية والزلة, ويجوز أن تعود إلى العقوبة التي في البيت المتقدم. وقوله: لتخصني بعطيةٍ منها أنا؛ أي إذا غفرت ذنوبي فكأنك قد وهبت لي نفسي لأنك لم تقتلني.
وقوله:
وانه المشير عليك في بضلةٍ ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا
الزنا: يمد ويقصر, وهو في الكتاب العزيز مقصور, وإذا مد جاز أن يكون من: زانى الرجل المرأة زناءً. قال الشاعر: [الطويل]
أبا حاضرٍ من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا
ويقال: مشورة ومشورة, فالمشورة, مثل: المثوبة في الوزن والمعونة وعينها معتلة, فإذا قيل: المشورة فهي اسم غير جارٍ على الفعل؛ فلذلك صحت الواو. والضلة: الفعلة من الضلال الذي هو ضد الهدى.
وقوله:
وإذا الفتى طرح الكلام معرضًا ... في مجلسٍ أخذ الكلام اللذعنا
يقال: إن اللذعن الكلام البين الذي ليس فيه مواراة, وهذه الكلمة في كتاب العين لم
стр. 1387
تأت في شعرٍ فصيح قديمٍ إلا أن تكون شاذة. وقالوا: أراد باللذعن؛ أي: الذي عنا فسكن ذال الذي وحذف الياء.
وقوله:
ومكائد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى
المكائد: جمع مكيدةٍ من قولهم: كاد الرجل غيره إذا أراد شرًا يخفيه, وتسمى الحرب: كيدًا. يقول: من أراد كيدًا يبرئ من الذنوب وقع فيما كاد. قال الراجز: [الرجز]
إني حفرت حفرةً أخفيها ... حفرة سوءٍ فوقعت فيها
وتهدد الذين كادوه, وزعم أن عداوة الشعراء بئس ما اقتناه الإنسان؛ وقد سبق غيره إلى مثل هذا المعنى وهو ابن الرومي, فقال: [الكامل]
لا تقبلن الشعر ثم تعقه ... وتنام والشعراء غير نيام
فجناية الجاني عليهم تنقضي ... وعقابهم باقٍ على الأيام
وقوله:
لعنت مقارنة اللئيم فإنها ... ضيف يجر من الندامة ضيفنا
الضيفن: ضيف الضيف, فإذا أخذ من الضيافة فوزنه فعلن والنون زائدة. قال الشاعر: [الطويل]
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن ... فأودى بما تقري الضيوف الضيافن
وقال قوم: الضيفن مشتق من الضفن وهو الأحمق الثقيل الكثير اللحم. وقال قوم: الضفن ضيف الضيفن, وإذا قيل: إن الضيفن مشتق من الضفن فوزنه فيعلن؛ فيقال للمرأة: ضفنة. قال جرير: [الكامل]
стр. 1388
تلقى الضفنة من بنات مجاشعٍ ... ولها إذا انحل الإزار حران
يقول: مقارنة اللئيم ضيف يجر من الندم ضيفنًا.
وقوله:
أمسى الذي أمسى بربك كافرًا ... من غيرنا معنا بفضلك مؤمنا
(٢٢٩/ب) المؤمن: المصدق. والمعنى أن أصحاب الشرائع المخالفة للإسلام, والذين يرون رأي الدهرية كلهم يجمعون معنا على التصديق بفضلك, وهم يخالفوننا في الدين, وبعضهم كفار. والكافر مشتق من: كفر الشيء إذا غطاه.
وقوله:
خلت البلاد من الغزالة ليها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا
قد مر ذكر الغزالة, وأعاض في معنى عوض. والصواب عند النحويين إذا اجتمع الضميران: ضمير المخاطب وضمير الغائب فالواجب أن يقدم ضمير المخاطب, فكان الأجود أن يقول: عاضكها الله. وفي كتاب سيبويه هذا البيت: [الطويل]
وقد جعلت نفسي تهم بضغمةٍ ... كضمهماها يقصم العظم نابها
الضغمة: العضة, ومنها اشتقاق الضيغم, وهو الأسد. ويروى: كضغمكما, فإذا رويت بالكاف فقد جمع بين ضمير المخاطب وضمير الغائب, وإذا رويت: كضغمهماها فالضميران الغائبان والضمير المؤنث عائد على قوله: نفسي. والأحسن في مثل هذه المواضع أن يكون الضمير منفصلًا, وهو: إياه وإياها. وحدث من يوثق به أن أبا الطيب قال:
خلت البلاد من النبي محمدٍ
ثم غير البيت بقوله: الغزالة ليلها. والقافية من المتدارك.
стр. 1389
ومن أبيات أولها
يا بدر إنك والحديث شجون ... من لم يكن لمثاله تكوين
الوزن من الكامل الثاني.
وقوله: الحديث شجون أي يتصل بعضه ببعضٍ, وقد مضى ذكره. ومدحه بأن لم يكن مثله. والمثال والمثل في معنى واحد.
وقوله:
لعظمت حتى لو تكون أمانةً ... ما كان مؤتمنًا بها جبرين
قد أنكر الصاحب ابن عباد عليه قوله: جبرين, وزعم أنها كلمة مستنكرة. واللام والنون متقاربتان فلذلك جاءت بهما العرب في القافية على سبيل الغلط وهو الذي يسمى: الإكفاء. قال الراجز: [الرجز]
بنات وطاء على خد الليل ... لا يشتكين عملًا ما أنقين
ما دام مخ في سلامى أو عين ... لأم من لم يتخذهن الويل
ويقال: أصيلال وأصيلان لآخر النهار. وأبنت الميت وأبلته إذا رثيته. قال الشاعر: [الوافر]
بني إذا هلكت فأبلوني ... فإني قد كفيتكم السبابا
وقالوا: إسماعين في معنى إسماعيل, وأنشد الفراء: [الرجز]
يقول أهل السوق لما جينا ... هذا ورب بيت إسماعينا
стр. 1390
ومن أبيات أولها
أبلى الهوى أسفًا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
الوزن من أول البسيط, والقافية من المتراكب.
قوله:
روح تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
يقال للعود الدقيق الذي يتخلل به الإنسان: خلال, وجمعه اخلة, وإنما قيل له ذلك لأنه يتخلل ما بين الأسنان؛ أي يدخل في الخلل الذي بينها. ويقولون: خل الخباء بالعود إذا أدخله فيه. قال الشاعر: [الوافر]
سمعن بيومه فظللن نوحًا ... قيامًا ما يخل لهن عود
ومن التي أولها
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
الوزن من أول البسيط.
إذا قيل: هذا أفضل من فلانٍ فجاءت «من» بعد «أفعل» لم يثن, ولم يجمع, ولم يؤنث, فإذا حف حرف الخفض قيل: هذا أفضل القوم, ويجوز حينئذ أن يجمع فيقال: هؤلاء أفاضل الناس. وإذا (٢٣٠/أ) قلت: هذا الأفضل فقلما تدخل عليه التثنية, والقياس يوجب دخولها عليه.
والناس: أصلهم أناس؛ فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال, وإنما يحذفون الهمزة إذا جاءت الألف واللام كقوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ , وغير ذلك من تردد هذه
стр. 1391
الكلمة في الكتاب العزيز. ووزن أناسٍ: فعال, ووزن ناسٍ: عال لأن الهمزة فاء الفعل, قال القطامي: [البسيط]
والناس من يلق خيرًا قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
وقوله:
وإنما نحن في جيلٍ سواسيةٍ ... شر على الحر من سقمٍ على بدن
يقال: قوم سواسية؛ أي مستوون في الضعة. وحكي: سواسوة. ومن أمثالهم: «سواسية كأسنان الحمار» , وقال الشاعر: [الطويل]
سواسية سود الوجوه كأنما ... بطونهم من كثرة الزاد أوطب
وقال آخر: [الطويل]
لهم مجلس سود الوجوه أذلة ... سواسية أحرارها وعبيدها
وقوله:
حولي بكل مكانٍ منهم خلق ... تخطي إذا جئت في استفهامها بمن خفف همزة تخطئ, وقد فعل ذلك في غير موضع. والمعنى يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون تخطئ فيه ضمير عائد على الخلق. يريد أنهم إذا قيل للرجل منهم: من أنت؟ لم يهتد للبيان في الجواب بل يخطئ فيه, وهذه مبالغة في الصفة بالجهل.
والآخر: أن يكون المعنى: تخطئ أيها الرجل إذا قلت لبعضهم: من أنت؟ لأن من إنما تكون لمن يعقل, وهذه الخلق ليست لها عقول.
стр. 1392
وقوله:
لا أقتري بلدًا إلا على غررٍ ... ولا أمر بخلقٍ غير مضطغن
أقتري من قروت الشيء إذا تتبعته على غررٍ؛ أي إني أغرر بنفسي في المسير بين هؤلاء العالم.
والمضطعن: المفتعل من الضغن, وهذه الطاء تاء في الأصل. وقد مضى القول في أن تاء الافتعال وما تصرف منه إذا وقعت بعد طاءٍ أو ظاءٍ أو ضادٍ قلبت طاءً؛ فلو صغر مضطغن لقيل مضيغن.
وقوله:
ولا أعاشر من أملاكهم أحدًا ... إلا أحق بضرب الرأس من وثن
الوثن: الصنم, وهو معروف؛ يقال إنه من: وثن بالمكان إذا أقام به.
وقوله:
إني لأعذرهم مما أعنفهم ... حتى أعنف نفسي فيهم وأني
أني من قولهم: ونى الرجل يني إذا قصر في الأمر, والرجل وانٍ. قال الشاعر: [الطويل]
أناةً وحلمًا وانتظاراً بهم غداً ... فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
يقال: ونى يني ونياً. وزعم قوم أن الونا يمد ويقصر, وهو مقصور في قول امرئ القيس: [الطويل]
مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن غباراً بالكديد المركل
وقوله:
ومدقعين بسبروتٍ صحبتهم ... عارين من حللٍ كاسين من درن
المدقعون: جمع مدقع وهو الذي قد افتقر حتى لحق بالدقع وهو التراب, ونحوه قولهم للفقير: مرمل أي قد افتقر حتى لصق بالرمل كأنه ينام عليه من غير وطاءٍ. والسبروت: الأرض المقفرة التي لا شيء بها. قال الأعشى: [الطويل]
стр. 1393
سباريت أمراتاً قطعت بجسرةٍ ... إذا الجبس أعيا أن يروم المسالكا
سباريت: جمع سبروت, ويقال للفقير: سبروت, وقيل لأعرابي: ما السبروت فقال: كأنا الغداة. ويقال: ما له سبروت أي ما له شيء. قال الراجز: [الرجز]
يا بنت شيخٍ ما له سبروت
وقوله: عارين من حلل, أي لا لباس عليهم. والحلة عندهم ثوبان. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه اشترى حلة ذي جدنٍ بثلثمائة دينارٍ فلبسها ساعةً ثم خلعها على أسامة بن زيد, وقال: «خشيت أن تفتنني». ويقال في جمع الحلة: حلل وحلال, كما يقال: جلة وجلل (٢٣٠/ب) وجلال لقوصرة التمر. قال ذو الرمة: [الوافر]
نعوضه المئين مكملاتٍ ... مع البيض الكواعب والحلالا
والدرن: الوسخ. يريد أن هؤلاء القوم لا ثياب عليهم وهم كاسون من الدرن. قال أبو الأخزر الحماني: [الرجز]
يعبق داري الإناب الأدكن ... منه بجلدٍ طيبٍ لم يدرن
الإناب: المسك, وقيل: هو ضرب من الطيب.
وقوله:
стр. 1394
خراب باديةٍ غرثى بطونهم ... مكن الضباب لهم زاد بلا ثمن
الخراب: جمع خاربٍ, وأصله الذي يسرق الإبل خاصة, ثم قيل لكل لص: خارب. قال الشاعر: [الرجز]
والخارب اللص يحب الخاربا ... وتلك قربى مثل أن تناسبا
أن تشبه الضرائب الضرائبا
وقال آخر: [الرجز]
إن بها أكتل أو رزاما ... خويربين ينقفان الهاما
لم يدعا لمسلمٍ طعاما
ومكن الضباب: بيضها؛ يقال: ضبة مكون إذا كان في بطنها بيض. وفي حديث أبي وائل شقيق بن سلمة: «ضبة أحب إلي من دجاجةٍ سمينة».
وقوله:
يستخبرون فلا أعطيهم خبري ... وما يطيش لهم سهم من الظنن
يقول: إذا سألوني عن خبري كتمته لأني أريد حاجةً لا ينبغي لي أن أظهرها. ومن
стр. 1395
كلام النبوة: «استعينوا على أموركم بالكتمام». وذكر أن هؤلاء القوم لهم ظنون صحيحة, فإذا رموا بسهام ظنونهم أصابوا.
وقوله:
وخلةٍ في جليسٍ أتقية بها ... كيما يرى أننا مثلان في الوهن
يقال: وهن ووهن أي ضعف, والخلة: الخصلة تكون المحمودة وتكون المذمومة, وهي هاهنا الذميمة.
والمعنى: أنه إذا رأى رجلًا فيه عيب أراه أن ذلك العيب فيه يتقرب إليه بذلك. وهذا يتفق كثيرًا للناس؛ ومنه أن الرجل العالم بالكلام والإعراب إذا جالس العامة لم يعرب في كلامه مخافة أن ينكروا عليه ذلك, وهو مثل قد سار في العامة: «إن زربت أرضاً إهلها كلهم عور فغمض عينك الواحدة».
وقوله:
وكلمة في طريقٍ خفت أعربها ... فيهتدى لي فلم أقدر على اللحن
يقال: كلمة وكلمة؛ إلا أن فتح الكاف وكسر اللام هي اللغة الفصيحة. ويقال: كلمة بكسر الكاف وسكون اللام وهو مجانس لقولهم: كتف في: كتفٍ, وكبد في: كبدٍ. وأراد: خفت أن أعربها فحذف أن, وقد أكثر من ذلك في ديوانه.
ووصف الشاعر نفسه بالفصاحة, وزعم أنه لا يقدر أن ينقل طبعه عن الإصابة, وأنه ربما احتاج إلى إخفاء نفسه بترك الإعراب في كلامه فلم يقدر على ذلك.
واللحن الذي هو خطأ في الإعراب: المعروف فيه سكون الحاء, واللحن بفتحها: الفطنة. والكوفيون يرون أن الحرف الثلاثي إذا كان ساكن الأوسط, وهو مع سكونه حرف من حروف الحلق؛ جاز فيه السكون والفتح, ويجعلون ذلك مطرداً.
والبصريون يردونه إلى السماع.
стр. 1396
وقوله:
كم مخلصٍ وعلاً في خوض مهلكةً ... وقتلةٍ قرنت بالذم في الجبن
يقول: كم خلاصٍ كان سببه خوض مهلكةٍ. إذا فتحت الميم فهي اسم لموضع الهلاك؛ فإذا ضمت الميم فهي الهلك بعينه. يقول: إن الإنسان إذا صبر على الشدائد جاز أن يصل إلى ما يؤثر وهو محمود, والجبان طال ما قتل وذم فجمع له جنسان من الشر: قتله وذمه.
وقوله:
لا يعجبن مضيماً حسن بزته ... وهل يروق دفيناً جودة الكفن (٢٣١/أ)
المضم الذي يقع به الضيم وهو الظلم والإذلال. يقول: لا يعجبن من هو ذليل حسن بزته - والبزة يراد بها ما يلبس من الثياب - فهو مثل الميت الذي دفن, والميت لا يروقه؛ أي لا يعجبه؛ حسن الكفن.
وقوله:
مدحت قوماً وإن عشنا نظمت لهم ... قصائداً من إناث الخيل والحصن
أظهر الندم على مدح رجالٍ, وزعم أنه إن عاش نظم لهم قصائد من الخيل؛ أي إنه يجمعها كما يجمع القصائد من الكلام. والحصن: جمع حصانٍ وهو الذكر من الخيل.
وقوله:
تحت العجاج قوافيها مضمرةً ... إذا تنوشدن لم يدخلن في أذن
لما شبه الخيل بالقصائد أتبع ذلك بما يشبهه من الكلام فجعل لها قوافي, والهاء والألف في قوافيها ترجع إلى القصائد. وزعم أنهن إذا تنوشدن لم يدخلن في أذنٍ؛ فكأنه ألغز تناشد الضالة عن تناشد الشعر. يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها, وأنشدتها إذا عرفتها. وقولهم: أنشدت الشعر مأخوذ من قولهم: أنشدت الضالة؛ لأن المنشد له يعزوه إلى قائلة, فكأنه الضالة يردها عليه. يقال: نشد الراعي الناقة نشيداً, وأنشد الرجل الشعر نشيدًا أيضًا.
قال الشاعر: [الوافر]
وأنا نعم أحلاس القوافي ... إذا استعر التنافر والنشيد
стр. 1397
وقال بعد يغوث الحارثي: [الطويل]
نشيد الرعاء المصدرين المتاليا
يقول: هذه الخيل ليست كالقصائد إذا تنوشدت تدخل في الآذان.
وقوله:
فلا أحارب مدفوعاً على حذرٍ ... ولا أصالح مغروراً على دخن
يقول: لا أمتنع من عدوي بحذارٍ, ولا أصالح, وفي قلبي حقد. والدخن ما يجده الرجل في قلبه من العداوة. وفي الحديث المأثور: «هدنة على دخنٍ وجماعة على أقذاء». وأصل الدخن تغير اللون, وأن يكون يضرب إلى لون الدخان, وإنما يعني تغير القلب بالعداوة.
وقوله:
مخيم الجمع بالبيداء يصهره ... حر الهواجر في صم عن الفتن
المخيم: المقيم, وأصل ذلك من نصب الخيام. ويجوز نصب مخيمٍ ورفعه؛ الرفع على إضمار المبتدأ والنصب على الحال. ويصهره؛ أي يذيبه, والصهارة ما أذيب من الشحم. قال الراجز: [الرجز]
لا تعدمن ضيفنا والحاره ... من القدير ومن الصهاره
ويقال: فتنة صماء إذا وصفت بالشدة.
وقوله:
ألقى الكرام الأولى بادوا مكارمهم ... على الخصيبي عند الفرض والسنن
стр. 1398
فهن في الحجر منه كلما عرضت ... له اليتامة بدا بالمجد والمنن
يقول: اعتمد الكرام الذين ذهبوا في حفظ المكارم على الخصيبي؛ فجعلوا أمرها إليه فهن في حجره يكفلهن كما يكفل أيتام الناس, وإذا عرضت اليتامى له ليحسن إليه بدأ بالمجد والمنن. خفف همزة بدأ للضرورة.
يقول: هذا الحاكم يرى المكارم عنده كالأيتام فيبدأ بالإحسان إليها قبل إحسانه إلى بني آدم.
وقوله:
غض الشباب بعيد فجر ليلته ... مجانب العين للفحشاء والوسن
يريد أنه شاب وهو مع ذلك ناسك يبعد فجر ليلته لأنه يتهجد ويقوم للصلاة فيطول عليه الليل؛ لأن الراقد لا يحس بأن الليل طويل.
وقوله:
شرابه النشح لا للري يطلبه ... وطعمه لقوام الجسم لا السمن
النشح أن يشرب الإنسان دون الري. قال ذو الرمة: [البسيط]
وقد نشحن فلا ري ولا هيم
وصفه بقلة الشرب والطعام؛ لأن العرب تذم ملء البطن من المأكول. قال عروة بن الورد: [الطويل] (٢٣١/ب)
أقسم جسمي في جسومٍ كثيرةٍ ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
يعني أنه يقتنع بالشيء القليل ويقسم قوته بين من هو أحود إليه منه؛ ولو أكله لزاد في جسمه ولكنه يفرقه؛ وكأنه يجعل ما نقص من لحم جسم نفسه زيادةً في جسوم المحتاجين.
وقال أبو خراش الهذلي: [الطويل]
أرد شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غير من عيالك بالطعم
стр. 1399
وأغتبق الماء القراح فأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
وقوله:
القائل الصدق فيه ما يضر به ... والواحد الحالتين السر والعلن
يقول: هذا الرجل يقول الصدق وإن كان مضرًا به, لا يمنعه خوف الضرر من قول الحق, وسره كعلنه, وذلك نهاية في وصف الإنسان؛ ونحو من ذلك قول القائل: [الطويل]
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
أي إنه أسر الإحسان إلي وأظهره لي.
وقوله:
الفاصل الحكم عي الأولون به ... ومظهر الحق للساهلي على الذهن
عي الأولون أي عيوا؛ يقال: عيي الرجل بيائين, وعي على الادغام. يقول: هذا الحاكم يهتدي من فصل الأحكام إلى ما عجز عنه الأولون, والساهي: الذي به غفلة لا يدري كيف يناظر خصمه. والذهن: الفطن الجيد اللب.
وقوله:
أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
يقول: أفعاله نسب تدل على أن أصله كريم فلو لم ينتسب إلى الخصيب لعلمنا أنه ولده؛ كما أنا إذا رأينا الغصن من الشجرة أخبرنا ذلك عن عرقها الذي هو متوارٍ في الأرض.
وقوله:
العارض الهتن ابن العارض الهتن ... ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
يقال: هتن الغيم وهتل إذا جاء بالمطر, والعارض: السحاب الذي يعرض, وفي الكتاب
стр. 1400
العزيز: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ , وبعض الناس يعيب هذا البيت على أبي الطيب فينبغي أن يقال له ما قال أبو عبادة: [البسيط]
إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقولي كيف أعتذر
وهذا البيت قلما يوجد مثله لأنه وصف الممدوح بوصفين, ثم وصف ثلاثةً من آبائه بمثل ما وصفه به؛ وقلما يتفق مثل هذا النظام؛ وهو يشابه قوله: [الطويل]
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد
وقوله:
قد صيرت أول الدنيا وآخرها ... آباؤه من مغار العلم في قرن
يقول: آباؤه قد أغارت حبلًا في العلم قرنت به أول الدنيا وآخرها فجعلها معلومة الأمور. والقرن: الحبل الذي يقرن به البعير إلى غيره, وكل ما قرن به شيئان فهو قرن. قال الشاعر: [الطويل]
فلو عند غسان السليطي عرست ... رغا قرن منها وكاس عقير
يعني بالقرن: البعير المقرون بالحبل. وقال جرير: [البسيط]
وقطعوا من حبال الوصل أقرانا
أي حبالًا كثيرةً.
وقوله:
كأنهم ولدوا من قبل أن ولدوا ... وكان فهمهم أيام لم يكن
стр. 1401
يقول: كأن هؤلاء القوم علموا بالأشياء فكأنهم داروا في الدهر الأقدم قبل أن تولد شخوصهم, وكأن علمهم كان قبل كونه. وكان ها هنا في معنى حدث تكتفي باسمٍ واحد.
وقوله:
الخاطرين على أعدائهم أبداً ... من المحامد في أوقى من الجنن
(٢٣٢/أ) الجنن: جمع جنة, وهي ما تتقى به الحرب من درعٍ وغيرها. والخاطرين: جمع خاطرٍ من قولهم: خطر الرجل في مشيته إذا ظهر فيها بعض الاختيال؛ وذلك مما يحمل الصديق على أن يتكلم في الإنسان. وهؤلاء القوم يمرون بأعدائهم وهم خاطرون؛ فلا يقدر عدو أن يعيبهم بكلمةٍ؛ فالمحامد لهم أوقى من الدروع والترسة وغيرها من العدد.
وقوله:
للناظرين إلى إقباله فرح ... يزيل ما بجباه القوم من غضن
يقول: هذا الممدوح يفرح الناظرون إلى إقباله حتى تنبسط أبشارهم فيزول ما بجباههم من الغضن, وهو تكسر في الجلد. والإقبال ها هنا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من أقبل شخص الرجل ضد أدبر.
و: من أقبل إذا أريد به إقبال السعود.
وقوله:
كأن مال ابن عبدالله مغترف ... من راحتيه بأرض الروم واليمن
يقول: مال هذا الرجل مفرق على الناس فكأن البعيد منه قريب؛ فأهل اليمن ومن بأرض الروم كأنهم يغترفون ماله من راحتيه.
وقوله:
لم نفتقد بك من مزنٍ سوى لثقٍ ... ولا من البحر غير الريح والسفن
المزن: جمع مزنةٍ, وهو من الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء, كقولك: برة وبر, ويقال: إن المزنة السحابة البيضاء, وربما قالوا: المزنة السحاب مرسلًا. ومن قال: المزن فسكن الزاي جاز له أن يضم الزاي كما يقال: شغل وشغل؛ لأن هذا الجمع يجري مجرى الواحد؛ فيجوز أن يقال في الجمع: مزن, مثل: ظلمة وظلم, ويقال للهلال: ابن مزنةٍ. قال ابن قميئة: [المتقارب]
стр. 1402
كأن ابن مزنته ماثلًا ... فسيط لدى الأفق من خنصر
واللثق: ما يحدث عن المطر من طينٍ ليس بكثيرٍ. وقيل: لا يكون اللثق إلا مع سكون ريح. زعم أن الممدوح لا يفتقد معه من الغيث إلا لثقه, ولا من البحر إلا ريحه وسفنه.
وقوله:
ولا من الليث إلا قبح منظره ... ومن سواه سوى ما ليس بالحسن
جمع في هذا البيت كل الأشياء المستحسنة, وادعى أنه لا يفتقد مع هذا الممدوح شيئًا يستحسن من جميع الأشياء.
وقوله:
منذ احتبيت بأنطاكية اعتدلت ... حتى كأن ذوي الأوتار في هدن
الاحتباء: مصدر احتبى الرجل إذا شد حبوته, وقد مر ذكرها. يقول: منذ أقمت بأنطاكية اعتدلت؛ أي تعادل أمرها وتساوى في الخير؛ حتى كأن ذوي الأوتار - أي الحقود - في هدنٍ: جمع هدنةٍ وهي الموادعة والسكون.
وقوله:
ومذ مررت على أطوادها قرعت ... من السجود فلا نبت على القنن
الأطواد: الجبال, وجبل أنطاكية يقال له: الأقرع. ادعى الشاعر أن هذا الرجل مذ مر بأجبال هذا البلد قرعت من السجود لله سبحانه؛ لأنها استعظمت ما شاهدته, فليس في رؤوسها نبت. والقنن: جمع قنةٍ وهو أعلى الجبل. قال الراجز: [الرجز]
إن لنا لكنه ... سمعنه نظرنه
كالريح حول القنه ... إلا تره تظنه
стр. 1403
وقوله:
أخلت مواهبك الأسواق من صنعٍ ... أغنى نداك عن الأعمال والمهن
الصنع: كل من يباشر صناعةً كالحديد والصياغة وجميع الأشياء. فادعى الشاعر أن مواهب الممدوح قد أغنت الصناع عن الصنائع وأن يخدم بعض الناس بعضاً. والمهن: جمع مهنةٍ وهي الخدمة, وقال بعض أهل العلم: المهنة (٢٣٢/ب) بفتح الميم أفصح, وأما المهن فجمع مهنةٍ بكسر الميم.
وقوله:
فمر وأوم تطع قدست من جبلٍ ... تبارك الله مجري الروح في حضن
مر: أمر من أمر يأمر, وهو أحد الحروف التي جاءت شاذةً لأن الأصل أن يقال: أومر؛ فاستثقلوا ذلك فحذفوا الهمزة الأصلية والزائدة, وردوها مع الواو والفاء؛ فقالوا: قل وأمر بما شئت, وفي الكتاب العزيز: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ , وقالوا: خذ وكل فلم يردوا الهمزتين إذا اتصل بهما كلام.
وقدست من جبل: أصل القدس الطهارة, وهذا اللفظ يحتمل أن يكون دعاءً زخبراً, ومذهب الشاعر أن يجعله إخباراً لأن الدعاء بالشيء إنما يكون قبل كونه, والإخبار يكون مع الوقوع والحضور. فقوله: قدست من جبلٍ إنما هو في معنى: قد كان ذلك. وإذا دخلت «قد» في الكلام الذي يحتمل أن يكون دعاءً وخبراً صيرته للخبر لا غير.
وحضن: اسم جبل بنجد. ومن أمثالهم: «أنجد من رأى حضناً»؛ أي: من رأى هذا الجبل فقد حصل بنجدٍ, ويقال ذلك للرجل الذي قد بلغ حاجته, وإن كان ليس في بلاد نجد ولا قريباً من حضن. وقافيتها من المتراكب.
стр. 1404
ومن أبيات أولها
إذا ما الكأس أرعشت اليدين ... صحوت فلم تحل بيني وبيني
الوزن من أول الوافر.
وأرعشت: أي جعلت بها ارتعاشاً وهو الاضطراب. صحوت: أي لم أسكر إذا شربت الخمر؛ لأنها لم تزل عقلي ولم تضعف جسمي. وهذا البيت إذا لم ينشد ما بعده احتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قد شرب ولم تغيره الخمر.
والآخر: أن يكون لم يشرب راحاً في هذا الأوان.
وما بعد هذا البيت يدل على أنه لم يشرب راحاً. والقافية من المتواتر.
ومن أبيات أولها
قضاعة تعلم أني الفتى الـ ... ـذي ادخرت لصروف الزمان
الوزن من أول المتقارب.
وقوله:
ومجدي يدل بني خندفٍ ... على أن كل كريمٍ يمان
خندف: امرأة الياس بن مضر, وهي ليلى ابنة حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة. ويقال: إنه أغير على إبل الياس وله بنون ثلاثة: عمرو, وعامر, وآخر يلقب قمعة. فذهب عمرو في أمر الإبل فأدركها فسمي مدركة, وأقام يطبخ قدراً فسمي طابخة, وانقمع الآخر في بيته فسمي قمعة. وخرجت خندف من بيتها لتنظر ما يكون من حال إبلهم فرآها زوجها فقال: مالك تخندفين وقد أدركت الإبل.
стр. 1405
والخندفة: الذهاب والمجيء. وقيل: هو السرعة, وقيل: الخندفة استدارة في المشي, وهو من مشي النساء.
ويقال: يمانٍ في الرفع والخفض, ورأيت يمانياً في النصب, وهو أحد الحروف التي جاءت بتخفيف الياء في النسب. يقال: تهامٍ ويمانٍ, وقد جاء بتشديد يمانٍ في الشعر. قال أبو زيدٍ الطائي: [الخفيف]
ترهب السوط في اليدين وتنجو ... كاليماني طار عنه العفاء
وقال آخر: [الطويل]
وتصبح في أفناء أوس بن مالكٍ ... كأنك جار لليماني تبع
وقوله:
يرى حده غامضات القلوب ... إذا كنت في هبوةٍ لا أراني
الهاء في حده ترجع إلى السيف؛ يعني أنه يضرب به حتى يبلغ غامضات القلوب؛ فكأن السيف يراها إذا كان حامله في هبوةٍ؛ أي غبرةٍ لا يرى فيها نفسه. والقافية من المتواتر.
(٢٣٣/أ) ... ومن بيتين أولهما
كتمت حبك حتى منك تكرمةً ... ثم استوى فيك إسراري وإعلاني
الوزن من ثاني البسيط.
يقول: إنه كتم حبه حتى عن محبوبه, ثم غلبه الأمر فاستوى إسراره وإعلانه.
وقوله:
كأنه زاد حتى فاض عن جسدي ... فصار سقمي به في جسم كتماني
الهاء فثي كأنه عائدة على الحب, فصار السقم الذي كان بي في جسم كتماني؛ أي إن كتماني ذاب وضعف, حتى صار يشبهني في السقم, وأنا أخفى عن الناظر. والقافية من المتواتر.
следующие страницы →