← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

يقول: كأن هؤلاء القوم علموا بالأشياء فكأنهم داروا في الدهر الأقدم قبل أن تولد شخوصهم, وكأن علمهم كان قبل كونه. وكان ها هنا في معنى حدث تكتفي باسمٍ واحد. وقوله: الخاطرين على أعدائهم أبداً ... من المحامد في أوقى من الجنن (٢٣٢/أ) الجنن: جمع جنة, وهي ما تتقى به الحرب من درعٍ وغيرها. والخاطرين: جمع خاطرٍ من قولهم: خطر الرجل في مشيته إذا ظهر فيها بعض الاختيال؛ وذلك مما يحمل الصديق على أن يتكلم في الإنسان. وهؤلاء القوم يمرون بأعدائهم وهم خاطرون؛ فلا يقدر عدو أن يعيبهم بكلمةٍ؛ فالمحامد لهم أوقى من الدروع والترسة وغيرها من العدد. وقوله: للناظرين إلى إقباله فرح ... يزيل ما بجباه القوم من غضن يقول: هذا الممدوح يفرح الناظرون إلى إقباله حتى تنبسط أبشارهم فيزول ما بجباههم من الغضن, وهو تكسر في الجلد. والإقبال ها هنا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من أقبل شخص الرجل ضد أدبر. و: من أقبل إذا أريد به إقبال السعود. وقوله: كأن مال ابن عبدالله مغترف ... من راحتيه بأرض الروم واليمن يقول: مال هذا الرجل مفرق على الناس فكأن البعيد منه قريب؛ فأهل اليمن ومن بأرض الروم كأنهم يغترفون ماله من راحتيه. وقوله: لم نفتقد بك من مزنٍ سوى لثقٍ ... ولا من البحر غير الريح والسفن المزن: جمع مزنةٍ, وهو من الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء, كقولك: برة وبر, ويقال: إن المزنة السحابة البيضاء, وربما قالوا: المزنة السحاب مرسلًا. ومن قال: المزن فسكن الزاي جاز له أن يضم الزاي كما يقال: شغل وشغل؛ لأن هذا الجمع يجري مجرى الواحد؛ فيجوز أن يقال في الجمع: مزن, مثل: ظلمة وظلم, ويقال للهلال: ابن مزنةٍ. قال ابن قميئة: [المتقارب]

стр. 1402

كأن ابن مزنته ماثلًا ... فسيط لدى الأفق من خنصر واللثق: ما يحدث عن المطر من طينٍ ليس بكثيرٍ. وقيل: لا يكون اللثق إلا مع سكون ريح. زعم أن الممدوح لا يفتقد معه من الغيث إلا لثقه, ولا من البحر إلا ريحه وسفنه. وقوله: ولا من الليث إلا قبح منظره ... ومن سواه سوى ما ليس بالحسن جمع في هذا البيت كل الأشياء المستحسنة, وادعى أنه لا يفتقد مع هذا الممدوح شيئًا يستحسن من جميع الأشياء. وقوله: منذ احتبيت بأنطاكية اعتدلت ... حتى كأن ذوي الأوتار في هدن الاحتباء: مصدر احتبى الرجل إذا شد حبوته, وقد مر ذكرها. يقول: منذ أقمت بأنطاكية اعتدلت؛ أي تعادل أمرها وتساوى في الخير؛ حتى كأن ذوي الأوتار - أي الحقود - في هدنٍ: جمع هدنةٍ وهي الموادعة والسكون. وقوله: ومذ مررت على أطوادها قرعت ... من السجود فلا نبت على القنن الأطواد: الجبال, وجبل أنطاكية يقال له: الأقرع. ادعى الشاعر أن هذا الرجل مذ مر بأجبال هذا البلد قرعت من السجود لله سبحانه؛ لأنها استعظمت ما شاهدته, فليس في رؤوسها نبت. والقنن: جمع قنةٍ وهو أعلى الجبل. قال الراجز: [الرجز] إن لنا لكنه ... سمعنه نظرنه كالريح حول القنه ... إلا تره تظنه

стр. 1403

وقوله: أخلت مواهبك الأسواق من صنعٍ ... أغنى نداك عن الأعمال والمهن الصنع: كل من يباشر صناعةً كالحديد والصياغة وجميع الأشياء. فادعى الشاعر أن مواهب الممدوح قد أغنت الصناع عن الصنائع وأن يخدم بعض الناس بعضاً. والمهن: جمع مهنةٍ وهي الخدمة, وقال بعض أهل العلم: المهنة (٢٣٢/ب) بفتح الميم أفصح, وأما المهن فجمع مهنةٍ بكسر الميم. وقوله: فمر وأوم تطع قدست من جبلٍ ... تبارك الله مجري الروح في حضن مر: أمر من أمر يأمر, وهو أحد الحروف التي جاءت شاذةً لأن الأصل أن يقال: أومر؛ فاستثقلوا ذلك فحذفوا الهمزة الأصلية والزائدة, وردوها مع الواو والفاء؛ فقالوا: قل وأمر بما شئت, وفي الكتاب العزيز: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ , وقالوا: خذ وكل فلم يردوا الهمزتين إذا اتصل بهما كلام. وقدست من جبل: أصل القدس الطهارة, وهذا اللفظ يحتمل أن يكون دعاءً زخبراً, ومذهب الشاعر أن يجعله إخباراً لأن الدعاء بالشيء إنما يكون قبل كونه, والإخبار يكون مع الوقوع والحضور. فقوله: قدست من جبلٍ إنما هو في معنى: قد كان ذلك. وإذا دخلت «قد» في الكلام الذي يحتمل أن يكون دعاءً وخبراً صيرته للخبر لا غير. وحضن: اسم جبل بنجد. ومن أمثالهم: «أنجد من رأى حضناً»؛ أي: من رأى هذا الجبل فقد حصل بنجدٍ, ويقال ذلك للرجل الذي قد بلغ حاجته, وإن كان ليس في بلاد نجد ولا قريباً من حضن. وقافيتها من المتراكب.

стр. 1404

ومن أبيات أولها إذا ما الكأس أرعشت اليدين ... صحوت فلم تحل بيني وبيني الوزن من أول الوافر. وأرعشت: أي جعلت بها ارتعاشاً وهو الاضطراب. صحوت: أي لم أسكر إذا شربت الخمر؛ لأنها لم تزل عقلي ولم تضعف جسمي. وهذا البيت إذا لم ينشد ما بعده احتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قد شرب ولم تغيره الخمر. والآخر: أن يكون لم يشرب راحاً في هذا الأوان. وما بعد هذا البيت يدل على أنه لم يشرب راحاً. والقافية من المتواتر. ومن أبيات أولها قضاعة تعلم أني الفتى الـ ... ـذي ادخرت لصروف الزمان الوزن من أول المتقارب. وقوله: ومجدي يدل بني خندفٍ ... على أن كل كريمٍ يمان خندف: امرأة الياس بن مضر, وهي ليلى ابنة حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة. ويقال: إنه أغير على إبل الياس وله بنون ثلاثة: عمرو, وعامر, وآخر يلقب قمعة. فذهب عمرو في أمر الإبل فأدركها فسمي مدركة, وأقام يطبخ قدراً فسمي طابخة, وانقمع الآخر في بيته فسمي قمعة. وخرجت خندف من بيتها لتنظر ما يكون من حال إبلهم فرآها زوجها فقال: مالك تخندفين وقد أدركت الإبل.

стр. 1405

والخندفة: الذهاب والمجيء. وقيل: هو السرعة, وقيل: الخندفة استدارة في المشي, وهو من مشي النساء. ويقال: يمانٍ في الرفع والخفض, ورأيت يمانياً في النصب, وهو أحد الحروف التي جاءت بتخفيف الياء في النسب. يقال: تهامٍ ويمانٍ, وقد جاء بتشديد يمانٍ في الشعر. قال أبو زيدٍ الطائي: [الخفيف] ترهب السوط في اليدين وتنجو ... كاليماني طار عنه العفاء وقال آخر: [الطويل] وتصبح في أفناء أوس بن مالكٍ ... كأنك جار لليماني تبع وقوله: يرى حده غامضات القلوب ... إذا كنت في هبوةٍ لا أراني الهاء في حده ترجع إلى السيف؛ يعني أنه يضرب به حتى يبلغ غامضات القلوب؛ فكأن السيف يراها إذا كان حامله في هبوةٍ؛ أي غبرةٍ لا يرى فيها نفسه. والقافية من المتواتر. (٢٣٣/أ) ... ومن بيتين أولهما كتمت حبك حتى منك تكرمةً ... ثم استوى فيك إسراري وإعلاني الوزن من ثاني البسيط. يقول: إنه كتم حبه حتى عن محبوبه, ثم غلبه الأمر فاستوى إسراره وإعلانه. وقوله: كأنه زاد حتى فاض عن جسدي ... فصار سقمي به في جسم كتماني الهاء فثي كأنه عائدة على الحب, فصار السقم الذي كان بي في جسم كتماني؛ أي إن كتماني ذاب وضعف, حتى صار يشبهني في السقم, وأنا أخفى عن الناظر. والقافية من المتواتر.

стр. 1406

ومن التي أولها بم التعلل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن الوزن من أول البسيط. قوله: أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه من نفسه الزمن جرى في هذا البيت على عادته من المبالغة, وجعل الزمان كأنه عاقل يريد لنفسه الخير. وذهب أبو الفتح ابن جني ﵀ إلى معنى حسنٍ, ويجوز أن يكون الشاعر لم يذهب إليه, وذلك أنه ذهب إلى أن الزمان كالذي يعقل, فيختار أن يكون كلها ربيعاً؛ لأنه زمان طيب يظهر فيه من الزهر والرياض والريا الأرجة ما لا يظهر في غيره من الأزمنة. وقوله: لا تلق دهرك إلا غير مكترثٍ ... ما دام يصحب فيه روحك البدن اكثرت: افتعل من قولهم: كرثه الأمر إذا شق عليه. قال رجل من قريش: [الكامل] منع الرقاد فما ينام الحارث ... سقم ألم به وهم كارث وجاء في شعر الصنوبري: شهر كريث بالثاء في معنى كريتٍ؛ فيقال إنه صحفه, ويجوز أن يكون ذهب إلى أن كريثاً في معنى كارثٍ؛ كما قالوا: عالم وعليم, وراحم ورحيم, فزعم أن الشهر شديد شاق عليه. وقوله: تحملوا حملتكم كل ناجيةٍ ... فكل بين علي اليوم مؤتمن كأنه دعا لنفسه بأن يتحملوا عنه وتحملهم النواجي من الإبل؛ أي السراع, وهذا ضد ما ذكره في قوله: [الكامل]

стр. 1407

ليت الذي خلق النوى جعل الحصى ... لخفافهن مفاصلي وعظامي وذكر أن البين مؤتمن عليه, لأنه سالٍ لا يلحقه من البين ضرر, ثم شرح ما ادعاه في هذا البيت بقوله: ما في هوادجكم من مهجتي عوض ... إن مت شوقاً ولا فيها لها ثمن يقول: سلوت عنكم كأن هوادجكم ليس لي فيها عوض من نفسي وإن هلكت شوقاً, وليس في الهوداج ثمن لها. والهودج كلمة قد تكلمت بها العرب قديماً؛ ويجوز أن يكون اشتقاقها من الهدجان والهداج وهو مشي متقارب الخطو. قال الشاعر: [الوافر] ويأخذه الهداج إذا هداه ... وليد الحي في يده الرداء فكأنهم أرادوا بالهودج أنه إذا حمل على البعير وركبت فيه المرأة ثقلت عليه فهدج تحتها. وقوله: قد كان شاهد دفني قبل قولهم ... جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا هذا البيت فيه تهزؤ بالناعين له. يقول: زعموا أني دفنت ثم ماتوا قبلي. وقوله: دفنوا إنما يريد أنهم قالوا ذلك لأن المعنى يصح على هذا التأويل, وإذا قال الرجل: قتل فلان ثم علم أنه حي جاز أن يقال له: لم قتلته؛ أي لم قلت ذلك اللفظ. وقوله: (٢٣٣/ب) رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدر على مرعاكم اللبن قالوا: يدر ويدر إذا غزر وكثر, وهذا مثل ضربه بدر اللبن؛ وإنما جعله كناية عن الخير؛ أي مرعاكم لا يدر عليه اللبن؛ أي: إذا أصيب منكم خير لم تكن له عاقبة تحمد. وقوله: جزاء كل قريبٍ منكم ملل ... وحظ كل محب منكم ضغن أي: إذا قرب الإنسان منكم مللتموه, وتجازون محبكم بأن تضطغنوا عليه. والضغن والضغن واحد.

стр. 1408

وقوله: وتغضبون على من نال رفدكم ... حتى يعاقبه التنغيص والمنن أي: حتى يكون في عاقبته تنغيص بالمنن على أخذه. ويجوز أن يكون يعاقبه من تعاقب الراكبين على الدابة. يريد أن رفدكم والتنغيص لا يجتمعان فيسهل أحدهما الآخر؛ ولكن التنغيص يجيء ولا رفد معه. وقوله: فغادر الهجر ما بيني وبينكم ... يهماء تكذب فيها العين والأذن اليهماء: الأرض التي لا يهتدى لها؛ كأنه يخبر الذين يخاطبهم أنه قد بعد عن بلادهم, فصار بينه وبينهم يهماء تكذب فيها العين والأذن لأنها بعيدة الأرجاء, والعين لا تتبين فيها الشخص على حقيقته, وكذلك الأذن ليس سمعها في هذه المقفرة بالصحيح. وقوله: تحبو الرواسم من بعد الرسيم بها ... وتسأل الأرض عن أخفافها الثفن يقال: حبا البعير حبواً إذا عجز عن القيام فحبا وهو بارك. قال الراجز: [الرجز] يا حكم الوارث عن عبدالملك ... هلكت إن لم تحب حبو المعتنك يقال: اعتنك البعير إذا وقع في عانكٍ من الرمل, وهو رمل كثير يصعب المشي فيه. والرواسم: نوق تسير الرسيم, وهو ضرب من السير سريع. قال حميد بن ثور: [الطويل] أرسما: أي حملا البعيرين على الرسيم. يريد أن النوق حبت في هذه الأرض لأنها

стр. 1409

عجزت عن السير. والثفن: جمع ثفنةٍ وهو ما يصيب الأرض من البعير إذا برك. يقول: قد ذهبت أخفاف هذه الإبل لطول السفر؛ فثفناتها تقول للأرض: ما فعلت أخفافي؟ أي إن ثفناتها قد باشرت الأرض لأنها تحبو للضعف. وقوله: سهرت بعد رحيلي وحشةً لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن أصل قولهم: استمر مريري أن يقال في الحبل الذي يفتل. والمرير: جمع مريرة وهي القوة من قوى الحبل. قال توبة بن الحمير: [الطويل] لعلك يا تيساً نزا في مريرةٍ ... معذب ليلى أن تراني أزورها فالإنسان يقول: استمر مريري أي استقام أمري. وارعوى الوسن؛ أي رجع النعاس إلى عيني. وقوله: وإن بليت بود مثل ودكم ... فإنني بفراقٍ مثله قمن يقول: بليت بقوم ليس ودهم بالصحيح, وهو مثل: ودكم خؤون؛ فإني بفراقٍ مثل هذا الفراق جدير. ولو رويت: بفراقٍ مثله بنصبها لكان ذلك وجهًا قويا, وتكون الهاء راجعة إلى الود. يقال: فلان قمن وقمين بهذا الأمر, ويثنى هذا اللفظ ويجمع. فإذا قيل: قمن بفتح الميم لم تدخله التثنية ولا الجمع. قال الشاعر: [البسيط] من كان يسأل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن وقوله:

стр. 1410

أبلى الأجلة مهري عند غيركم ... وبدل العذر بالفسطاط والرسن المهر: كلمة تقع على ولد الفرس منوقت نتاجه إلى أن يركب, وبعد الركوب. قال الشاعر: [الكامل] يقذفن بالمهرات والأمهار يريد أن الخيل تلقي أولادها في شدة الحرب والسير. وقال زيد الخيل (٢٣٤/أ) وذكر فرساً أخذ منه: [الرمل] عودوا مهري كما عودته ... دلج الليل وإيطاء القتيل لا تذيلوه فإني لم أكن ... يا بني الصيداء مهري بالمذيل والعذر: جمع عذار الفرس. وقال: بدل العذر ولو أمكنه المجيء بالتاء لكان أحسن. والأجلة: جمع جلالٍ وهو ما يجلل به الفرس. وقوله: عند الهمام أبي المسك الذي غرقت ... في جوده مضر الحمراء واليمن مضر: يقال إنه اشتق من اللبن الماضر وهو الحامض. ويقال: مضر مأخوذ من الشيء المضر وهو الشيء الحسن الرائق. ويقال: دنيا خضرة مضرة. وإنما قيل لمضر: الحمراء؛ لأن أباهم قسم ميراثه على أولاده: فأعطى مضر قبةً حمراء كانت له, وأعطى ربيعة فرساً, وأعطى إياداً شيئاً من بناءٍ كان يملكه. وإياد الشيء: ما حوله, ويقال للحائط: إياد. وقوله: وإن تأخر عني بعض موعده ... فما تأخر آمالي ولا تهن تهن: من الوهن وهو الضعف, يقال: وهن يهن, ووهن يوهن. فالوهن بسكون الهاء مصدر

стр. 1411

وهن بفتحها, والوهن بفتح الهاء مصدر وهن بكسرها. يقول: آمالي قوية في إكرامه لي. وقوله: هو الوفي ولكني ذكرت له ... مودةً فهو يبلوها ويمتحن يقال: فلان يمتحن فلاناً إذا كان يختبر ما عنده ويستخرجه, ومنه قوله تعالى: ﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾. والقافية من المتراكب. ومن أبيات أولها صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا الوزن من الخفيف الأول. قوله: وكأنا لم نرض فينا بريب الدهـ ... ـر حتى أعانه من أعانا كلما أنبت الزمان قناةً ... ركب المرء في القناة سنانا هذا البيتان من أحسن ما قيل في إقامة الحجة على العالم وأن طباعه الشر. يقول: كأنا لم نرض بما يفعله الزمان, وإنما فعل الزمان منسوب إلى القضاء والزمان لاي فعل شيئاً, وإنما يفعل فيه. وكذلك يقال: هذا يوم سعيد, واليوم لا يحس بسعدٍ ولا نحسٍ وإنما يحس من يشتمل عليه اليوم. وأنكر القائل ما يفعله الأنيس؛ لأن الزمان إذا نبتت فيه قناة - إنما ينبتها بالطبع ولا يشعر لأي شيء تصلح - تكلف بنو آدم أن يتخذوا سناناً لتلك القناة يتوصلون به إلى هلاك النفوس. وقوله: ومراد النفوس أصغر من ... أن نتعادى فيه وأن نتفانى يقول: إنما يحصلون من دنياهم على الشيء التافه, فالذي يطلبون أصغر من أن يقع التفاني عليه, وأن تشب له العداوات المؤدية إلى الحروب.

стр. 1412

وقد جمع هذا القائل ثلاث جملٍ في بيت يشتمل على آدابٍ ثلاثةٍ لو تأدب بها الناس لكانت المنفعة بها عظيمةً, ولكن الذاكر لها لم يأخذ بها فكيف يأخذ بها سواه؟ ! وذلك قوله: ذكر الفتى عمره الثاني وقد وهب لأبي الطيب طول عمرٍ منع منه كثير من أهل الحكم. ثم قال: وحاجته ما قاته وقد يوجد خلق كثير عنده ما يقوته من المال لسنين كثيرةٍ لا يجوز أن يعيشها مثله, وهو شديد الحرص بين الرغبة في الازدياد, وقال بعد ذلك: وفضول العيش أشغال أي إن الإنسان إذا وصل إلى ما يكفيه ففضول عيشه أشغال يشغل بها نفسه وإنه عنها لغني. وقوله: غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحاتٍ ولا يلاقي الهوانا ذكر أن النفوس يصغر مرادها عن إقامة الحرب وعظيم الكلف, ثم استثنى استثناءً كالاعتذار بطلبه ما لا يحتاج إليه, وزعم أن الذي يحمله على ذلك أنفته من الهوان؛ لأن لقاء المنية أخف من لقائه. وقوله: ولو أن الحياة تبقى لحي ... لعددنا أضلنا الشجعانا يقول: لو أن الجبان يسلم من الحمام والشجاع يلقاه لكانت الشجاعة من الضلال. ثم أتبع هذا البيت بما هو له بيان فقال: (٢٣٤/ب) وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا حث بهذا البيت على الشجاعة ونهى عن الجبن؛ وإنما يكون الإنسان كما خلق؛ فإن جعل شجاعاً لم يكن موصوفاً بالجبن, وإن خلق جباناً فليس له إلى الشجاعة سبيل. وقد قال الأول: [البسيط] لقد علمت فلا أنهاك عن خلقٍ ... ألا يكون امرؤ إلا كما خلقا

стр. 1413

وقوله: كل ما لم يكن من الصعب في الأنـ ... ـفس سهل فيها إذا هو كانا هذا البيت حث على الصبر عند المصيبة, والعامة يقولون: الصبر ينزل مع البلية, وقد قال أوس بن حجرٍ يأمر نفسه بالصبر إذا وقع ما تكره من الأمور: [المنسرح] أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا وقافيتها من المتاتر. ومن التي أولها عدوك مذموم بكل لسان ... ولو كان من أعدائك القمران الوزن من ثالث الطويل] يقول: عدوك يذمه الناس, ولو كان القمران من أعدائك لكانا بين البشر مذمومين, وأراد بالقمرين: الشمس والقمر فغلب اسم القمر لأنه مذكر. وقيل في قول الفرزدق: [الطويل] أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع أراد إبراهيم ومحمداً ﵉ فضرب لهما المثل بالشمس والقمر. وقوله: ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان يقول: لله سر لا يشعر به المخلوقون, وهو فيما ظهر من علاك؛ وكأن في هذا البيت تعريضًا لأن المخاطب قد أعطي ما ليس له بمستحق. وجعل كلام العداة كالهذيان ليس له تأثير. وقوله: رأت كل من ينوي لك الغدر يبتلى ... بغدر حياةٍ أو بغدر زمان فرق بين غدر الحياة وغدر الزمان, وإنما حمله على ذلك إقامة الوزن. والزمان غدره على

стр. 1414

ضربين: أحدهما: هلاك النفوس, والآخر: هلاك المال وزوال الدول وموت الأعزاء. وغدر الحياة داخل في غدره. وقوله: برغم شبيبٍ فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان شبيب العقيلي كان من قوم يعرفون بالمستأمنة استأمنوا إلى سيف الدولة, وكانوا قبله مع القرامطة. وولي شبيب معرة النعمان دهراً طويلًا, ثم سار إلى مصر, ورأى أن يخرج على كافورٍ, واجتمعت إليه طائفة, وهجم بها دمشق ومعه عسكر. واختلف الناس في حديثه؛ فقيل: إن امرأةً ألقت عليه رحى يدٍ فصرعته, فلما صرع انصرف العسكر منهزماً. وقال من يدعي الخبرة بأمره: إنه كان قد حدث به صرع من شرب الخمر, وإنه عرض له في تلك الساعة فلم يدر أصحابه ما شأنه فانصرفوا وتركوه. وكان كافور قد أعد عسكراً ليجهزه إليه فكفي بالإقبال مؤونته. وفي هذا البيت معنى حسن لطيف, وذلك أن الشاعر قال: كأن رقاب الناس قالت لسيفه: رفيقك من قيس عيلان وأنت منسوب إلى اليمن, فأفسدت بين شبيبٍ وبين السيف؛ لأن عادة من ينسب إلى قيس عيلان أن يتعصب على اليمن. وقوله: وما كان إلا النار في كل موضعٍ ... تثير غباراً في مكان دخان شبهه بالنار التي تحرق, وإنما أراد أنه كان يوقد نار الحرب فكأن غبارها دخان نارٍ. وقوله: فنال حياةً يشتهيها عدوه ... وموتاً يشهي الموت كل جبان (٢٣٥/أ) أي إنه مات موتةً وحيةً ولم يمت حتف أنفه فيعاني العلل والأمراض.

стр. 1415

وقوله: نفى وقع أطراف الرماح برمحه ... ولم يخشن وقع النجم والدبران أي كان شبيب يقاتل أمثاله من الناس. والنجم هاهنا يعني به الثريا دون غيرها, ويدل على ذلك ذكره الدبران معها. والعرب تتشاءم بالدبران لأنه يدبر الثريا, واسمه كأنه مشتق من الإدبار. قال عنترة: [الكامل] يا دار ماوية بالسهب ... بنيت على خطبٍ من الخطب بنيت على سعد السعود ولم ... تبن على الدبران والقلب وإنما قالت العرب للدبران: حادي النجم لأنهم يزعمون أنه خطب الثريا ليتزوجها؛ فطلبت منه مهراً فذهب فجاءها بنجوم تسمى القلاص ودفعها إلى الثريا فكرهته هربت منه. وقد ذكرت العرب ذلك, قال بعض الشعراء: [البسيط] أما ابن طوقٍ فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها وقوله: وقد قتل الأقران حتى قتلته ... بأضعف قرنٍ في أعز مكان حكى الشريف أبو إبراهيم محمد بن أحمد العلوي نضر الله وجهه: أنه كان بحضرة كافور, وأبو الطيب ينشد هذه القصيدة, فقال أبو الطيب: بأضعف قرنٍ في أذل مكان فقال كافور وهو يتكلم كلام الخدم: لا والله إلا بأشد قرنٍ في أعز مكان. فروى الناس: بأضعف قرنٍ, وجعلوا مكان أذل: أعز. وقوله: ودى ما جنى قبل المبيت بنفسه ... ولم يده بالجامل العكنان ودى من قولهم: ودى القتيل يديه إذا حمل ديته؛ أي ودى شبيب ما جناه بنفسه, ولم

стр. 1416

يده بالجامل, وهو جمع جملٍ على غير قياسٍ. ويقال: إبل عكنان وعكنان بسكون الكاف وتحريكها؛ أي كثير. قال الراجز: [الرجز] إن ابنة القيسي سامت مهرا ... وعكناناً بازلًا وبكرا وقوله: أتمسك ما أوليته يد عاقلٍ ... وتمسك في كفرانه بعنان هذا استفهام على معنى الإنكار. والتقدير أنه يقول: أحسنت إليه إحساناً أمسكته يده, وكان لا ينبغي أن يمسك في كفران ما صنع معه بعنانٍ. يقال: أمسك الشيء وأمسك به, وقد بين الغرض في قوله: ثنى يده الإحسان حتى كأنها - وقد قبضت - كانت بغير بنان يقول: ملأت يده بالإحسان حتى ثناها إلى ورائها, فكأنها لما قبضت ما وهبت لم يكن لها بنان تطبقه على الموهوب فأرسلته. وقوله: وعند من اليوم الوفاء لصاحب؟ ... شبيب وأوفى من ترى أخوان قوله: وعند من اليوم الوفاء استفهام يدل على النفي؛ أي لم يبق في الناس وافٍ لمن يصحبه. وابتدأ في النصف الثاني: بشبيبٍ وجعل أوفى من ترى عطفاً عليه؛ والخبر قوله: أخوان؛ أي شبيب في الغدر وأوفى العالم سواء. وقوله: فما لك تختار القسي وإنما ... عن السعد يرمي دونك الثقلان يقول: ما لك تخير القسي لترمي عنها الأعداء وعن السعد يرمي الثقلان دونك؟ يعني بالثقلين: الجن والإنس. وجاء في الحديث أنه صلى الله عليه قال: «أخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي». فالثقلان في الحديث تثنية ثقلٍ من قولهم: حط فلان ثقله؛ أي متاعه الذي يحمله؛ فأراد صلى الله عليه أن كتاب الله وعترته ثقلاه الذي يهمه حفظهما.

стр. 1417

وقوله: وما لك تعنى بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان (٢٣٥/ب) يقول: لم تعن بالقنا والأسنة وجدك - أي حظك - يطعن أعداءك بغير سنان؟ وأنكر عليه حمل السيف, وهو غني عنه لما يسعده من حدثان الدهر, فقال: ولم تحمل السيف الطويل نجاده ... وأنت غني عنه بالحدثان وقوله: أرد لي جميلًا جدت أو لم تجد به ... فإنك ما أحببت في أتاني يقول: الأقدار جارية بحكمك فإذا أردت شيئاً كان, وإذا نويت أن تعطيني شيئاً وصل إلي؛ وإن لم تجد به؛ لأن الأقضية تجري بمحبتك. وقوله: لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء عن الدوران الناس يرفعون الفلك ولا بأس برفعه لأنه مؤد معنى قولك: لو الفلك الدوار مبغض أنت سعيه, لعوقه شيء منعه أن يدور. وكان ابن جني ﵀ يختار النصب وهو مذهب النحويين, وليس الرفع بخطأ. ويجوز أن يضمر للفلك فعل ما لم يسم فاعله ويفسره ما بعده. والقافية من المتواتر. ومن أبيات أولها لو كان ذا الآكل أزوادنا ... ضيفاً لأوليناه إحسانا الوزن من ثالث السريع. الأزواد جمع زاد, ومنه اشتقاق المزود, فأما المزادة التي يكون فيها الماء فيجب أن يكون اشتقاقها من زاد يزيد؛ ويدل على ذلك قولهم في الجمع: مزايد, ولو أنها من ذوات الواو لوجب أن يقال: مزاود كما قالوا: مخافة ومخاوف. قال الشاعر: [الطويل] مزايد خرقاء اليدين مسيفةٍ ... أخب بهن الساقيات وأحفدا أي حملا سيرهما على الحفد وهو السرعة, ومسيفةٍ؛ أي قد أفسدت الخرز. والقافية من المتواتر.

стр. 1418

ومن أبيات أولها جزى عرباً أمست ببلبيس ربها ... بمسعاتها تقرر بذاك عيونها الوزن من ثاني الطويل. الناس يقولون في اسم هذا الموضع: أبو البيس. ويجوز أن يكون الشاعر هون على نفسه في هذه الكلمة, وإن كانت بلبيس فهي كلمة أعجمية لأن البلبسة ليست في كلام العرب المعروف. وإن كان أصلها: أبو البيس فإن الشعراء قد اجترؤوا على حذف الهمزة من الأب؛ فقالوا: يا با فلانٍ, ويا با جعادة. قال الشاعر: [الطويل] فقلت له: يا با جعادة إن تمت ... تمت سيئ الأفعال لا تتقبل وقال آخر: [الطويل] أتاني كلام عن نصيبٍ يقوله ... وما خلت با سلام أنك عائبي يريد: يا أبا سلام. وقوله: كراكر من قيس بن عيلان ساهراً ... جفون ظباها للعلى وجفونها كراكر: أي جماعات كثيرة. قال الشاعر: [الطويل] فلما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في جموعٍ كراكر تخزعت: أي تفرقت وتقطعت.

стр. 1419

وقوله: وخص بها عبدالعزيز بن يوسفٍ ... فما هو إلا غيثها ومعينها يقال: إن المعين: الماء الذي يجري على وجه الأرض. والقافية من المتدارك. ومن التي أولها مغاني الشعب طيباً في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان الوزن من أول الوافر. المغاني: جمع مغنى, وهو المنزل, واحدها مغنى. يقال: غني القوم بمكان كذا إذا أقاموا فيه. قال حسان: [الخفيف] ذاك مغنى من آل جفنة في الدهـ ... ـر وحق تعاقب الأزمان والرواية التي في أيدي الشاميين ينصبون (٢٣٦/أ) فيها طيباً, ويجب أن يكون نصبه بإضمار فعل كأنه قال: تزيد طيباً أو تطيب طيباً؛ كما تقول: فلان سيراً؛ أي يسير سيراً. والبغداديون ينشدون طيباً بالرفع ويزعمون أن النصب غير جائز, وإنما فروا من أن ينصبوه على التمييز وليس ثم فعل يحمل عليه. وإذا كان العامل في التمييز فعلًا أجاز بعض النحويين تقدمه كقول الشاعر: [الطويل] أتهجر ليلى للفراق حبيبها ... وما كان نفساً بالفراق تطيب ووجه رفع الطيب أنه يجعل المغاني مبتدأً وطيباً خبرها؛ فيكون المعنى: مغاني الشعب طيب في المغاني كلها كما أن الربيع طيب في الزمان. والشعب: الطريق في الجبل. وقوله:

стр. 1420

ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان ذهب بعض الناس إلى أن اليد في هذا البيت: النعمة, وإنما أراد: أن العرب تخالف العجم في خلقها ولفظها, لأن وجوههم بينة من وجوه العرب, ولحاهم صهب وشقر. وكان مرو أبي الطيب بالكرد وأيديهم لا تشبه أيدي العرب لأنها غلاظ جعدة. وقوله: ملاعب جنةٍ لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان أراد أن أهلها كأنهم جن, ولم يرد أن الجن تلعب فيها؛ لأن المكان يوصف بذلك إذا كان خالياً. وقد وصف الشاعر هذا الموضع وصف آهل أي كثير الأهل. وفي البيت مبالغة عظيمة لأنه مشهور في الناس أن سليمان كان يعرف منطق الطير؛ فقال: لو سار في هذه البلاد سليمان لاحتاج إلى ترجمان. والتاء في ترجمان تفتح وتضم, والضم أقيس لأن فعللان بفتح الفاء وزن معدوم. وقوله: طبت فرساننا والخيل حتى ... خشيت وغن كرمن من الحران في طبت ضمير يعود على المغاني, يقال: طباه الشيء يطبيه ويطبوه إذا دعاه إليه بحسنه. ويقال: طبا الكلب العظم ونحوه إذا دعاه إلى عرقه. قال الشاعر: [الطويل] جليلة ضاحي الجسم ليست بغثةٍ ... ولا دفنسٍ يطبي الكلاب خمارها وقال كثير: [الطويل] له نعل لا يطبي الكلب ريحها ... وإن وضعت بين المجالس شمت حرك عن نعل. والمعنى: أن هذه المغاني دعت فرساننا والخيل المركوبة إلى المقام لما شاهدته من طيب الموضع؛ فخشيت وإن كانت خيلنا كريمةً أن يدركها حران فلا تسير.

стр. 1421

يقال: حران وحران. والكسر أعلى. وربما نقل الحران من الخيل إلى بني آدم. وكان حبيب بن المهلب يلقلب بالحرون لأنه كان يثبت في الحرب فلا ينهزم. وقوله: غدونا تنفض الأغصان فيه ... على أعرافها مثل الجمان يقول: هذه الشجر يسقط عليها ندى الليل فهي تنفض على أعراف الخيل شيئاً كأنه الجمان. وفي هذا البيت شبه من بيت ذي الرمة, وهو قوله: [الطويل] وحف كأن الندى والشمس ماتعة ... إذا توقد في حافاته التوم أي: اللؤلؤ. وقوله: وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيراً تفر من البنان يقول: هذا شجر كثير الورق ملتف؛ فضوء الشمس يدخل من خلله فيكون على الثياب كأنه الدنانير؛ إلا أنه يفر من البنان, والدنانير ليست كذلك؛ أي إذا قربت بناني إليه زال من موضعه. وهذا معنى لم يسبق إليه فيما يظهر. وقوله: (٢٣٦/ب) لها ثمر تشير إليك منه ... بأشربةٍ وقفن بلا أوان جمع شراباً على أشربة, وقد جمعه حسان على أشربات فجاء بجمع الجمع, فقال: [الوافر] إذا ما الأشربات ذكرن يوماً ... فهن لطيب الراح الفداء يقول: هذه الثمار كانها أشربة قائمة بأنفسها لا أواني لها تضبطها. والأواني: جمع

стр. 1422

آنية. والآنية: جمع إناء. وفي هذا البيت نظر إلى قول أبي عبادة: [الكامل] يخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء وقوله: وأمواه يصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني الصليل: يستعمل في صوت الشيء اليابس كالحديد والحصى ونحو ذلك. وزعم الشاعر أن هذه الأمواه حسنة, فحصاها يصل فيها كما يصل حلي الغانية عليها. وفي هذا البيت صفة للأمواه ولحصاها؛ لأنه جعل حصاها كالحلي وجعلها كالغانيات من النساء. وقوله: ولو كانت دمشق ثنى عناني ... لبيق الثرد صيني الجفان يقول: لو كانت هذه المواضع دمشق لثناني عنها من أنا له قاصد. وقد دل هذا اللفظ على أنه فضل دمشق على هذه المواطن. وقوله: لبيق الثرد من قولهم: لبقت الثريد إذا نعمته وأحكمت القيام عليه. قال الشاعر: [الوافر] إذا ما الخبز تأدمه بلحمٍ ... فذاك - أمانة الله - الثريد وقال المقنع الكندي: [الطويل] ومن جفنةٍ لا يغلق الباب دونها ... مكللةٍ لحماً مدفقةٍ ثردا ووصف الممدوح بأنه صيني الجفان؛ لأن الآنية التي تجلب من الصين لها فضيلة على غيرها من آنية البلاد. وقوله: يلنجوجي ما رفعت لضيفٍ ... به النيران ندي الدخان

стр. 1423

اليلنجوج: العود الذي يتبخر به وهو أعجمي معرب, وفيه لغات: يلنجوج, وألنجوج, ويلنجج, وألنجج. قال النمر بن تولب: [البسيط] كأن ريح خزاماها وحنوتها ... بالليل ريح يلنجوجٍ وأهضام موضع «ما» رفع بإضافة يلنجوج إليه, ولم يتعرف اليلنجوج بالإضافة لأن المعنى: لثناني لبيق ثرده, صيني جفانه, يلنجوجي ما رفعت لضيفٍ به النيران, ندي دخانه. وقوله: يحل به على قلبٍ شجاعٍ ... ويرحل منه عن قلبٍ جبان يقول: هذا الملك إذا نزلت بمحله الوفود والأضياف وجدت منه من يبتهج بنزولها, فقلبه موصوف بالشجاعة لأنه يؤثر إضافة الوفود؛ فإذا حان رحيلهم كره ذلك فكأن قلبه يجبن منه. وقوله: منازل لم يزل منها خيال ... يشيعني إلى النوبندجان يقول: هذه المنازل لما شاهدت من حسنها لا أزال أرى خيالها في النوم, فكأنه شيعني إلى النوبندجان. وقوله: إذا غنى الحمام الورق فيها ... أجابته أغاني القيان يقول: هذه المنازل إذا غنى حمامها أجابته قيانها بغناءٍ. وقد تكون القينة أعجميةً فيطرب صوتها السامع وهو لا يعلم ما تقول, وقد بين ذلك بقوله: ومن بالشعب أحوج من حمامٍ ... إذا غنى وناح إلى البيان يقول: الحمام إذا غنى فإنما ينسب إلى الفرح, وإذا وصف بأنه ينوح فإنما ينسب إلى الأسف. وهو على أنه لا يفهم ما يريد أقل حاجةً إلى البيان من أهل الشعب. وهذا تناهٍ في وصفهم بالعجمة. وقوله: (٢٣٧/أ) وقد يتقارب الوصفان جداً ... وموصوفاهما متباعدان

стр. 1424

المعنى: أن الجمامة يقال لها مغنية وكذلك القينة من بني آدم, والوصفان متقاربان, والحمامة بعيدة من القينة في الخلق والخلق. وقوله: يقول بشعب بوانٍ حصاني: ... أعن هذا يسار إلى الطعان أبوكم آدم سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان ادعى أن حصانه أنكر عليه مفارقة شعب بوانٍ, وأنه قال: أتسير عن هذا الموضع إلىم كان تطاعن فيه الفرسان؟ وذكر له عصيان آدم ﵇, وأن بنيه ورثوا عنه المعصية وفراق الجنة, وأنت أيها الشاعر قد فارقت من هذا الشعب جنةً؛ فزعم أنه قال له: فقلت إذا رأيت أبا شجاعٍ ... سلوت عن العباد وذا المكان فإن الناس والدنيا طريق ... إلى من ما له في الأرض ثان ادعى أن العالم ودنياهم طريق إلى هذا الممدوح, وقد بالغ فلم يترك ما يقدر عليه الفم إلا نطق به. وقوله: له علمت نفسي القول فيهم ... كتعليم الطراد بلا سنان زعم أنه مدح المتقدمين من الرؤساء ليتعلم القول في هذا الملك, كما أن الذي يريد تعلم الطعن تكون قناته لا سنان فيها؛ لأنه يخشى أن يصيب بسنانها إنساناً. وقوله: بعضد الدولة امتنعت وعزت ... وليس لغير ذي عضدٍ يدان في عضد الدولة لغات: عضد على مثال سبعٍ, وعضد: بكسر الضاد على وزن حذرٍ, وعضد: بسكون الضاد وفتح العين على وزن سعدٍ, وعضد: بضم أوله وسكون الضاد على مثال جندٍ, وعضد: بضم الحرفين الأولين مثل: عنقٍ. يقول: بعضد الدولة امتنعت, ومن ليس له عضد فلا يدي له. وفي هذا الكلام إشارة إلى الملوك غير عضد الدولة لأنهم دونه في الرتبة؛ وقد بين ذلك بقوله: ولا قبض على البيض المواضي ... ولا حظ من السمر اللدان

стр. 1425

جعل من لا عضد له بلا يدٍ, وإذا لم تكن له يد فليس يقدر أن يقبض على سيفٍ ماضٍ, ولا حظ له في حمل الرماح. وقد دخل في هذا سيف الدولة وغيره. دعته بمفزع الأعضاء منها ... ليوم الحرب بكرٍ أو عوان دعته: يعني الدولة, وجعل العضد مفزع الأعضاء الذي تستعين به على ما تروم من طعنٍ أو ضربٍ أو رميٍ. يقول: دعته بمفزع الأعضاء منها؛ أي من الدولة؛ ليوم الحرب التي لم يقاتل فيها بعد والتي قد شبت مرةً بعد مرة. وقوله: أروض الناس من تربٍ وخوفٍ ... وأرض أبي شجاعٍ من أمان جمع أرضاً على أروضٍ, وذلك نادر في المسموع, وهو القياس فيما كان على فعلٍ, مثل: سرجٍ وسروجٍ, وشرجٍ وشروج. والذي جاء على ذلك أكثر من أن يحصى؛ إلا أن أروضاً شاذ. وقوله: تذم على اللصوص لكل تجرٍ ... وتضمن للصوارم كل جان يقول: أرض أبي شجاع من أمانٍ فهي تذم لأموال التجار وتضمن للصوارم الجناة. وقال تذم على اللصوص كم يقال: قد أجار علي فلان, أي أجار مني, ومن في هذا الموضع أشبه من على, وكلاهما يرجع إلى معنى واحد. وقوله: إذا طلبت ودائعهم ثقاتٍ ... دفعن إلى المحاني والرعان (٢٣٧/ب) الهاء والميم في ودائعهم عائدة إلى التجر. يقول: إذا طلب أصحاب الودائع ثقاتٍ؛ استعار الطلب للودائع لأن المعنى مفهوم. والمحاني: جمع محنيةٍ وهي منعطف الوادي. والرعان: جمع رعنٍ وهو أنف يتقدم من الجبل. يقول: التجر يطرحون أمتعتهم في محاني الأودية ورؤوس الجبال لأنهم لا يخشون عليها لصاً, وهي ثقات تؤدي إليهم ما استودعوه. وهذا معنى غريب يجوز أن يكون لم يسبق إليه. وقوله: فباتت فوقهن بلا صحابٍ ... تصيح بمن يمر: أما تراني

стр. 1426

ادعى للمحاني والرعان أنها تصيح بالمار: أما تراني, فتأخذ لك مما عندي شيئاً, فلا يجترئ أحد على أخذ ما فيهن. وقوله: رقاه كل أبيض مشرفي ... لكل أصم صل أفعوان الرقى: جمع رقيةٍ. يقول: إنه قد أقام السيوف مقام رقى يرقي بهن الأعداء. والناس يقولون: فلان يرقي الحيات؛ يزعمون أنه يتكلم عندها بشيء فتخرج. وفي الناس من يدعى له أنه يرقي اللديغ فينجو من اللدغة بأمر الله سبحانه. ويقال: حية أصم إذا كان لا يجيب الرقاة؛ فشبه أهل العصيان بالصم من الحيات. والصل: الذكر منها, وكذلك الأفعوان. وقوله: وما يرقي نداه من لهاه ... ولا المال الكريم من الهوان يقول: هذا الملك يرقي بالسيوف من عصاه فيبلغ ما يريد منه. وهو لا يرقي نداه - أي جوده - من لهاه؛ أي من عطاياه. جعل نداه كأنه عاصٍ لأن عطاياه تهلك المال. وقوله: حمى أطراف فارس شمري ... يحض على التباقي في التفاني يقال: رجل شمري وشمري إذا كان مشمراً في الأمور, نهاضاً فيها؛ وإنما هو مأخوذ من شمر الرجل ثوبه إذا رفعه, أو شمر كمه ليضرب بسيفٍ أو نحوه. ويحض أي يحث, ويجب أن يكون يحض على التباقي بالتفاني بالباء؛ أي إنه يحض على ترك الناس القتل بالقتل, وفي الكتاب العزيز: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ , وهذا اللفظ مشير إلى اللفظ الأول. ومن الكلام القديم: «القتل أنفى للقتل». وإن رويت: في التفاني فله معنى يؤدي إلى المعنى الآخر, ويحتمل أن يريد أنه يحض على التباقي في الدار التي فيها التفاني؛ إما من تفاني الناس بالقتل, وإما من تفانيهم بالموت. وقوله:

стр. 1427

بضربٍ هاج أطراب المنايا ... سوى ضرب المثالث والمثاني جعل صليل السيوف في الحرب يهيج أطراب المنايا فاستعار لها الطرب, وهو ها هنا: الخفة من الفرح. زعم أنها تبتهج بالقتل. وهذا الضرب ليس كضرب مثالث العود ومثانيه؛ لأن ذلك وضع لغير ما وضع له سواه. وقوله: كأن دم الجماجكم في العناصي ... كسا البلدان ريش الحيقطان العناصي: جمع عصوةٍ, وهو الشعر المفترق في نواصي الرأس. قال أبو النجم: [الرجز] إن يمس رأسي أشمط العناصي ... كأنما جاذبه مناصي ويستعمل العناصي في الريش. وبيت ذي الرمة ينشد على وجهين, وهو قوله في صفة فراخ القطا: [الطويل] ينؤن ولم يكسين إلا عناصياً ... من الريش تنواء القلاص الهذائل ويروى: قنازعاً من الريش, والحيقطان: ذكر الدراج, يقال بضم القاف وفتحها. وقوله: ولم أر قبله شبلي هزبرٍ ... كشبليه ولا فرسي رهان أشد تنازعاً لكريم أصلٍ ... وأشبه منظراً بأبٍ هجان (٢٣٨/أ) كان لعضد الدولة في ذلك الزمان ولدان فشبههما بالشبلين وفرسي الرهان. وذكر أنه لم ير مثلهما أشد تنازعاً لأصلٍ كريمٍ وأشبه منظراً بوالدٍ. ويقال: رجل هجان إذا وصف بالكرم. وقيل: الهجان الأبيض. قال الشاعر: [الخفيف] وإذا قيل من هجان قريشٍ ... كنت أنت الفتى وأنت الهجان وقولهم: رجل هجين ضد لهذه اللفظة؛ لأن الهجين الذي أبوه أفضل من أمه. ويقال: هجان اللون أي خالصه. قال الشاعر: [الوافر]

стр. 1428

هجان اللون كالذهب المصفى ... صبيحة ديمةٍ يجنيه جان وقوله: وأول دايةٍ رأيا المعالي ... فقد علقا بها قبل الأوان الناس يقولون للمرأة التي تلي الطفل: داية. ويجوز أن تكون مشتقةً من داية البعير لأنها تقوية للصبي كما أن داية البعير قوة له. وداية البعير: فقاره من ظهره. ويقال لعظام الصدر: دايات. ودعا لابني الممدوح فقال: وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان أراد: جعل الله سبحانه ابني عدو كاثرا هذا الملك له - أي للعدو - كياءي حروف أنيسيان؛ أي هما زيادة في عدده, ونقصان في قدره؛ يعني الياء التي بعد النون في أنيسيان, والياء التي بعد السين, وهو تصغير إنسان. وهذا معنى لم يأت به أحد قبل أبي الطيب. واختلف النحويون في إنسانٍ فادعى قوم أنه من النسيان وحكي ذلك عن ابن عباس. وفي الكتاب العزيز: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ , وأخذ بذلك الطائي فقال: [الكامل] لا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنساناً لأنك ناس والبصريون ينكرون أن اشتقاق إنسانٍ من النسيان ويزعمون أنه حرف شاذ. ولو أن إنساناً من النسيان لوجب أن يقال في وزنه: إفعان؛ لأن الياء وقعت موقع اللام, واشتقاقه عند البصريين من الإنس والأنس؛ واحتد عليهم بقوله في الجمع: أناسي؛ فذهب طائفة إلى أنهم أرادوا: أناسين فأبدلوا من النون ياءً؛ وهذه دعوى يمكن أن تكون ليست بالصحيحة. والذي لا ينكسر من القياس أن يقال: أناسي جمع إنسي كنحو قولهم: كرسي وكراسي, وسيف هندي وهنادي. والقافية من المتواتر. * * *

стр. 1429

حرف الهاء من بيتين أولهما أغلب الحيزين ما كنت فيه ... وولي النماء من تنميه الوزن من ثاني الخفيف. الحيز على مثال: ميت, وهو من حاز يحوز. وقد قالوا: تحيزت الحية وتحوزت. وإن كان تحيزت في وزن تفيعلت, فأصل حيزٍ: حيوز, وقلبت الواو ياءً. فإن كان قولهم: تحيزت الحية على تفعلت فيجب أن يكونوا قالوا: حاز يحيز. فحيز حينئذ يجوز أن يكون مثل: هينٍ من ذوات الواو, ومن ذوات الياء من لينٍ, مثل: لان يلين. وقوله: ذا الذي أنت جده وأبوه ... دنيةً دون جده وأبيه يقول: هذا الغلام أنت الذي قام مقام جده ومقام أبيه وبك نفخر؛ لأنهما يجوز أن يكونا ماتا وتركاه في حجره. ويقال: هو ابن عمه دنيةً, وأصلها الواو؛ لأنها من: دنا يدنو فيجوز أن يكونوا اختاروا الواو لكسرة الدال. وآنسهم بذلك أنهم يقولون في الفعلى: الدنيا. والقافية من المتواتر. ومن أبيات أولها الناس من لم يروك أشباه ... والدهر لفظ وأنت معناه الوزن من ثاني المنسرح ولم يذكره الخليل. يقول: الناس مشتبهون ما لم يروك؛ فإذا حضروا لديك رأوا منك خلقاً وخلقاً لا يعرفونه لغيرك ولا يشابهك فيه سواك. وقوله: (٢٣٨/ب) والجود عين وفيك ناظرها ... والباس باع وفيك يمناه

стр. 1430

جعل الجود عيناً والممدوح ناظرها, وهذا معنى قد صنعه بعض الشعراء, ويجوز أن يكون بعد أبي الطيب, وهو: [الكامل] الناس حمير والبراجم وجهها ... وأبوك مقلتها وأنت الناظر البراجم: قبيلة من حمير. والباع من قولهم: مد فلان باعه إذا مد عضديه وذراعيه عن يمينٍ شمال. والفرس يبوع في مشيه وجريه إذا كان واسع الخطو. قال أبو دواد: [الخفيف] وتمطى بوعاً كما يتمطى ... حبشي بحربة مظلوم ويقال: فلان من أهل الباع؛ أي من أهل القوة والقدرة على الأشياء. قال المسيب بن علسٍ: [الكامل] ولذاكم علمت معد أنه ... أهل الحفيظة والندى والباع وقوله: أفدي الذي كل مازقٍ حرجٍ ... أغبر فرسانه تحاماه المازق: أصلها الهمز, وكان حقه أن يجيء بفتح الزاي لأنه من: أزق يأزق إذا ضاق, وهو المقام الضيق في الحرب. قال زهير: [البسيط] كان إذا ما تلاقى القوم في رهجٍ ... تحبسه النجدات المحبس الأزقا فهذا يدل على أن الماضي: أزق؛ فجاء المأزق شاذاً كما قالوا: المحمدة, وهي من: حمد يحمد. والمعنى: أن فرسان كل مأزقٍ أغبر تحامى عن هذا الممدوح وتكره أن تلقاه. وقوله: أعلى قناة الحسين أوسطها ... فيه وأعلى الكمي رجلاه أراد: أنه يطعن الكمي فتنفذ فيه القناة وينحطم صدرها وقد نفذ إلى الجانب الآخر,

стр. 1431

فقد صار أوسط القناة كأنه أعلاها؛ لأن بعضها قد ذهب, وقد ارتفعت رجلا الكمي لأنه لما طعنه انقلب. وقوله: تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسنٍ ما لهن أفواه يعني: أنه يخلع عليهم فكأن ثيابه تنشد مدائحهم فيه بألسنٍ لا أفواه لها. وقوله: إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه يقول: إذا مضينا بهذه الثياب على الأصم فقد أغنته عن مسمعيه عيناه؛ أي يعلم إذا رآها أنا قد مدحناه؛ فكأنه قد سمع المدائح. وهذا كقوله في الأخرى: [الكامل] كالخط يملأ مسمعي من أبصرا وقوله: سبحان من خار للكواكب بالبعد ولو نلن كن جدواه نلن: من نال ينول أي بلغ. ونلن ها هنا فعل ما لم يسم فاعله؛ أي خار الله للكواكب في البعد؛ أي إنهن لا ينلن, ولولا ذلك لجاز أن يجود بهن, ويجوز في أول هذا الفعل الضم, وإشمام الكسر, والكسر. وبعض الناس يختار في مثل هذا اللفظ أن يكسر أول الفعل الذي لم يسم فاعله؛ ليكون ذلك فرقاً بينه وبين الإخبار عن نفسه, ومثال ذلك أن الرجل إذا قال: سمت فلاناً كذا ضم السين, فإذا أخبر عن نفسه بأنه سيم شيئاً حسن أن يقول: سمت بالكسر ليفرق بين الفعلين. وقوله: لو كان ضوء الشموس في يده ... لصاعه جوده وأفناه صاعه: أي فرقه؛ ومنها اشتقاق الصاع الذي يكال به وهو عربي صحيح. قال أبو قيس ابن الأسلت: [السريع]

стр. 1432

لا نألم القتل ونجزي به الـ ... أعداء كيل الصاع بالصاع وإنما قيل له: صاع لأن الشيء المكيل يفرق به. والقافية من المتواتر. ومن أبيات أولها قالوا ألم تكنه فقلت لهم: ... ذلك عي إذا وصفناه الوزن مثل الوزن الذي قبلها, وكذلك قافيتها. قد جرت العادة بأن حرف الاستفهام إذا دخل على (٢٣٩/أ) حرف النفي صار المستفهم كالمخبر المقرر, يقول القائل: لم أعطك درهماً فيكون نافياً للإعطاء, فإذا قال: ألم أعطك درهماً؟ فالمعنى قد أعطيتك, ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم: [الوافر] إليكم يا بني بكرٍ إليكم ... ألما تعلموا منا اليقينا أي قد علمتم منا ذلك. وفي الكتاب العزيز: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾؛ أي قد شرحناه, وكذلك قوله تعالى: ﴿ألم يجدك يتيمًا فآوى﴾ أي قد وجدك, ومثل هذا في القرآن كثير. وقلما يجيئون بهذه الهمزة مع حرف النفي وهم يريدون استخباراً خالصاً. وقد ذهب بعض الناس في قول الأعشى: [الطويل]

стр. 1433

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا إلى أنه استفهام محض. وقد اختلفوا في الآية وهو قوله تعالى: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾؛ فقيل المعنى معنى الاستفهام الذي لا تقرير فيه, كما قالت امرأة من العرب: [الطويل] أما في بني حصنٍ من ابن كريمةٍ ... من القوم طلاب التراث غشمشم فهذه مستفهمة لم يستقر عندها أن في القوم من يفعل بها ما يريد. وقيل إن قوله [تعالى]: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾؛ أي قد كان بعث إليكم نبي. وقيل: إنه يعني نفسه, فإذا حمل على هذا الوجه فالكلام على معنى التقرير. وقوله: ألم تكنه؟ ! يقال كنوت الرجل وكنيته, وينشد: [الطويل] وإني لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعلن أحياناً بها فأصارح ومن أبيات أولها أحق دارٍ بأن تدعى مباركةً ... دار مباركة الملك الذي فيه الوزن من ثاني البسيط. ومباركة الملك صفة لدارٍ, ولم تتعرف مباركة بالإضافة إلى الملك؛ لأنها إضافة على معنى الانفصال, كأنه قال: دار مبارك الملك الذي فيها. ومبارك يستعمل فيما وقعت فيه البركة من الله سبحانه, وكل ما تيمن به الإنسان جاز أن يوصف بمبارك. قال ذو الرمة: [الطويل]

стр. 1434

وقد غاب عنهن الغيور وأشرقت ... لنا الشمس في اليوم القصير المبارك وقوله: وأجدر الدور أن تسقى بساكنها ... دار غدا الناس يستسقون أهليها قالوا: أهل وأهلة؛ وينشد: [الطويل] وأهلة دارٍ قد تبريت ودهم ... وأبليتهم في الحمد مالي ونائلي تبريت: تعرضت لهم. وقال آخر: [الطويل] فهم أهلات حول قيس بن عاصمٍ ... إذا أدلجوا بالليل يدعون كوثرا وقولهم: أهل وأهلة يدل على أنهم ذهبوا به مذهب المصدر, فأما قولهم: أهلون فيدل على أن أهلًا جمع آهلٍ, مثل: راكبٍ وركبٍ, فيقال في تصغيره: أهيل؛ كما يقال: ركيب, ثم جمعوه بالواو والنون فقالوا: أهلون. وأنشد أبو زيد لعبد قيس بن خفاف البرجمي: [الطويل] إليك أبيت اللعن أعملت ناقتي ... بحوران تجتاب السريح المقددا

стр. 1435

فلما أنيخت بالبريص وجدتها ... كذي الرامك الممطول يسقى غداً غدا الرامك: ضرب من الطيب يقال إنه السك. والبريص: موضع بدمشق. يكذب وعده ويخلف وأيه ... ويسقى إذا يسقى قليلًا مصردا إذا ما اتصلت قلت يال تميمٍ ... وأين تميم من محلة أهودا وأين ركيب وضعوان رحالهم ... إلى أهل نارٍ من محلة أسودا أعد نظراً يا عبد قيسٍ لعل ما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا والقافية من المتواتر. ومن أبيات أولها أوه بديل من قولتي واها ... لمن نأت والبديل ذكراها (٢٣٩/ب) الوزن من ثاني المنسرح لم يذكره الخليل. أوه: كلمة تقال عند التأوه من قولهم: رجل أواه أي كثير التأوه. قال الشاعر: [الطويل] فأوه من البعد الذي دون أهلها ... ومن خرق أرضٍ دائم العسلان وقال العبدي: [الوافر] إذا ما قمت أرحلها بليلٍ ... تأوه آهة الرجل الحزين وواهاً كلمة تقال عند التعجب من الشيء. قال الراجز: [الرجز] وهاً لسلمى, ثم واهاً واها ... يا ليت عينيها لنا وفاها بثمنٍ نرضي به أباها

стр. 1436

ولو أن لي في هذا البيت حكماً لجعلت بدلاً من «قولتي»: «قولنا»؛ لأنه أقوى من التأنيث. يقول: نأت هذه الموصوفة, وحصل ذكراها بديلًا منها. وقال: أوه من الا أرى محاسنها ... وأصل واهاً وأوه مرآها أضاف أصل إلى قوله: واهاً, وتركه منصوباً على الحكاية. يقول: أصل قولي واهاً وأوه أني رأيتها. ومرآها: مفعل من الرؤية, وألقى حركة أن على نون من في قوله: من ان لا أرى ليقيم الوزن. وقوله: شامية طال ما خلوت بها ... تبصر في ناظري محياها شامية: نسبها إلى الشام على ما يجب في أصل النسب, وزعم أنه تبصر وجهها في ناظر عينيه, ثم قال: فقبلت ناظري تغالطني ... وإنما قبلت به فاها لما ذكر أنها تبصر وجهها في ناظره زعم أنها قبلت فاها المتصور لها في ناظره, وهذا بيت يشابه قول الصنوبري: [الكامل] لولا الحياء لظل يلثم ثغره ... إذ كان يبصر وجهه في الكاس وقوله: فليتها لا تزال آويه ... وليته لا يزال مأواها الهاء في قوله: آويه تعود إلى الناظر. يقول: ليتها لا تزال آويةً في ناظري, وليته لا يزال مأواها؛ وهذا كلام يغني بعضه عن بعضٍ؛ لأن قوله: لاتزال آويه يدل على أنه مأواها, وكذلك مأواها يدل على أنها آوية به. وقوله: تبل خدي كلما ابتسمت ... من مطرٍ برقه ثناياها هذا البيت يحتمل وجهين:

стр. 1437

أحدهما: أن يكون أنها كلما ابتسمت أخذه البكاء؛ لأنه يخاف من الفراق أو تغير النية فيكون المعنى كقوله: ظلت أشكو وتبسم والآخر: أن تكون تقبله فيصيب خديه شيء من الريق, وإن قل. ويقوي هذا البيت قوله: فقبلت ناظري. وقوله: ما نفضت في يدي غدائرها ... جعلته في المدام أفواها هذا البيت يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون «ما» في معنى الذي وهي مبتدأ, وخبرها قوله: جعلته, وما بعده إلى آخر البيت. والآخر: أن تكون «ما» في معنى الجزاء وتنتصب بنفضت, وتكون نفضت في موضع جزمٍ لأنها شرط, وقوله: جعلته: جزاء. وأفواه الطيب واحدها: فوه. وقوله: لقيننا والحمول سائرة ... وهن در فذبن أمواها الحمول: السائرون من قولهم: احتملوا عن الدار إذا ارتحلوا عنها. وهو اسم جامع يجوز أن يجمع الرجال والنساء وما حمل من المتاع. وقوله: وهن در فذبن أمواها؛ شبه النساء بالدر. ونصب أمواهٍ يحتمل أن يكون مفعولًا, وأن يكون حالًا, ويجوز أن يعني أنهن استحيين فذبن من الحياء على معنى المبالغة؛ والمراد: كدن يذبن؛ أي قاربن, ويجوز أن يعني أنهن بكين فجعل بكاءهن كالذوب. وقوله: (٢٤٠/أ) في بلدٍ تضرب الحجال به ... على حسانٍ ولسن أشباها وقد مر ذكر الحجال, وقوله: الحسان ولسن أشباها؛ أي بعضهن أفضل من بعض؛ وكأنه فضل التي ذكر عليهن؛ فقال: كل مهاةٍ كأن مقلتها ... تقول إياكم وإياها فيهن من تقطر السيوف دماً ... إذا لسان المحب سماها يقول: كأن مقلتها تخذرنا منها فتقول: إياكم وإياها؛ أي احفظوا نفوسكم وملا تلحظوها, فإن ذلك مؤد لكم إلى الهلاك. ووصف قومها بالغيرة, وإن سماها المحب هموا

стр. 1438

بقتله؛ فإن كان له قوم ينصرونه شبت بينهم وبين قومها حرب وقطرت السيوف دماءً لذلك. وقوله: أحب حمصاً خناصرةٍ ... وكل نفسٍ تحب محياها حمص: اسم أعجمي, وقد وافقت من قول العرب قولهم: حمص الجرح إذا ذهب ورمه. وخناصرة معروفة بالشام, وقد ذكرت في الشعر الفصيح, وإن كانت عربية الأصل, فاشتقاقها من الخصر أي البرد, ومن اختصار الشيء أي الاقتناع منه بالقليل, وجمعها الراعي بالألف والتاء, فقال: خناصرات كما قالوا: عرفات, قال: [الوافر] رعين الحمض حمض خناصراتٍ ... بما في القرع من ديم الغوادي القرع: يعني كروشها, أي إنها قد قرعت عن شرب الماء؛ أي صارت إذا قرعها وجدت لذلك أذى. وقيل: القرع التي ذهب شحمها. وقال عدي بن الرقاع: [الكامل] وإذا الربيع تتابعت أنواءه ... فسقى خناصرة الأحص وجادها وقوله: حيث التقى خدها وتفاح لبـ ... ـنان وثغري على حمياها التفاح قد جاء في شعر العرب, قال حسان: [الوافر] كأن سبيةً في بيت رأسٍ ... يكون مزاجها عسل وماء على أنيابها أو طعم غض ... من التفاح هصره اجتناء

стр. 1439

ويجب أن يكون اشتقاقه من التفح وليس ذلك بمستعمل. وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يكون أصله: فواح من فاحت الرئاحة تفوح, ثم نقلت الواو إلى أوله, كما قالوا: جذب وجبذ. وقيل: وفاح فلما وقعت الواو في أوله وهي مضمومة جعلت تاءً كما قالوا: تخمة وتراث, وهي من الوخامة, وتراث من ورث. ولبنان معروف بالشام. وقال الراعي: [الوافر] سيكفيك الإله ومسنمات ... كنجدل لبن تطرد الصلالا فقيل: أراد لبنان فحذف. وقيل: بل لبن جبل آخر. والهاء في حمياها يجوز أن تكون راجعة إلى البلاد التي ذكرها, ولا يمتنع أن تعود على المرأة الموصوفة, وهي الحميا التي حضرت معها. وحميا الراح: سورتها؛ وهو مما استعمل مصغراً واشتقاقها من: حمي الشيء إذا اشتد في وقودٍ أو نحوه. وقوله: وصفت فيها مصيف باديةٍ ... شتوت بالصحصحان مشتاها الصحصحان ها هنا: موضع بعينه؛ ويقال: مكان صحصحان وصحصح وصحصاح إذا كان واسعاً. قال الراجز: [الرجز] وصحصحانٍ قذفٍ كالترس وقال آخر: [الرجز] كأننا فوق الفضاء الصحصح ... نرمي الموامي بنجومٍ لمح وقال آخر: [الرجز]

стр. 1440

تركته للقدر المتاح ... مجدلًا بالصحصح الصحصاح والمصيف - ها هنا - مصدر صاف يصيف بالموضع إذا أقام به في الصيف. والمشتى مصدر شتا يشتو إذا أقام بالمكان في الشتاء. وقوله: أو عبرت هجمة بنا تركت ... تكوس بين الشروب عقراها الهجمة: قطعة من الإبل, يقال: هي من ستين إلى مائة, وقيل: من خمسين إلى مائةٍ, وقيل: من سبعين. (٢٤٠/ب) وهذه الأقوال متقاربة. وأما قول المرقش: [البسيط] أضحت خلاءً وقد كان بها ... في سالف الدهر أرباب الهجوم يجوز أن تكون الهجوم جمع هجمةٍ من الإبل على حذف الهاء؛ كما قالوةا: نعمة وأنعم فجمعوا نعمةً كما يجمعون فعلًا؛ فيقولون: ضرساً وجرواً. ويجوز أن تكون الهجوم جمع هجمٍ وهو قدح عظيم يحلب فيه. وأنشد أبو عمرو الشيباني: [البسيط] أتملأ الهجم رسلًا وهي وادعة ... حتى تكاد نواحي الهجم تنثلم وتكوس من قولهم: كاس البعير إذا عقر إحدى قوائمه فمشى على ثلاث. قالت الخنساء: [المتقارب] فظلت تكوس على أكرعٍ ... ثلاثٍ وكان لها أربع والشروب: جمع شربٍ, وهم القوم الذين يشربون الراح. والعقرى: جمع عقيرٍ, مثل: جريحٍ وجرحى. وقوله:
следующие страницы →