Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
ولو أن لي في هذا البيت حكماً لجعلت بدلاً من «قولتي»: «قولنا»؛ لأنه أقوى من التأنيث. يقول: نأت هذه الموصوفة, وحصل ذكراها بديلًا منها.
وقال:
أوه من الا أرى محاسنها ... وأصل واهاً وأوه مرآها
أضاف أصل إلى قوله: واهاً, وتركه منصوباً على الحكاية. يقول: أصل قولي واهاً وأوه أني رأيتها. ومرآها: مفعل من الرؤية, وألقى حركة أن على نون من في قوله: من ان لا أرى ليقيم الوزن.
وقوله:
شامية طال ما خلوت بها ... تبصر في ناظري محياها
شامية: نسبها إلى الشام على ما يجب في أصل النسب, وزعم أنه تبصر وجهها في ناظر عينيه, ثم قال:
فقبلت ناظري تغالطني ... وإنما قبلت به فاها
لما ذكر أنها تبصر وجهها في ناظره زعم أنها قبلت فاها المتصور لها في ناظره, وهذا بيت يشابه قول الصنوبري: [الكامل]
لولا الحياء لظل يلثم ثغره ... إذ كان يبصر وجهه في الكاس
وقوله:
فليتها لا تزال آويه ... وليته لا يزال مأواها
الهاء في قوله: آويه تعود إلى الناظر. يقول: ليتها لا تزال آويةً في ناظري, وليته لا يزال مأواها؛ وهذا كلام يغني بعضه عن بعضٍ؛ لأن قوله: لاتزال آويه يدل على أنه مأواها, وكذلك مأواها يدل على أنها آوية به.
وقوله:
تبل خدي كلما ابتسمت ... من مطرٍ برقه ثناياها
هذا البيت يحتمل وجهين:
стр. 1437
أحدهما: أن يكون أنها كلما ابتسمت أخذه البكاء؛ لأنه يخاف من الفراق أو تغير النية فيكون المعنى كقوله: ظلت أشكو وتبسم
والآخر: أن تكون تقبله فيصيب خديه شيء من الريق, وإن قل. ويقوي هذا البيت قوله: فقبلت ناظري.
وقوله:
ما نفضت في يدي غدائرها ... جعلته في المدام أفواها
هذا البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون «ما» في معنى الذي وهي مبتدأ, وخبرها قوله: جعلته, وما بعده إلى آخر البيت. والآخر: أن تكون «ما» في معنى الجزاء وتنتصب بنفضت, وتكون نفضت في موضع جزمٍ لأنها شرط, وقوله: جعلته: جزاء. وأفواه الطيب واحدها: فوه.
وقوله:
لقيننا والحمول سائرة ... وهن در فذبن أمواها
الحمول: السائرون من قولهم: احتملوا عن الدار إذا ارتحلوا عنها. وهو اسم جامع يجوز أن يجمع الرجال والنساء وما حمل من المتاع. وقوله: وهن در فذبن أمواها؛ شبه النساء بالدر. ونصب أمواهٍ يحتمل أن يكون مفعولًا, وأن يكون حالًا, ويجوز أن يعني أنهن استحيين فذبن من الحياء على معنى المبالغة؛ والمراد: كدن يذبن؛ أي قاربن, ويجوز أن يعني أنهن بكين فجعل بكاءهن كالذوب.
وقوله: (٢٤٠/أ)
في بلدٍ تضرب الحجال به ... على حسانٍ ولسن أشباها
وقد مر ذكر الحجال, وقوله: الحسان ولسن أشباها؛ أي بعضهن أفضل من بعض؛ وكأنه فضل التي ذكر عليهن؛ فقال:
كل مهاةٍ كأن مقلتها ... تقول إياكم وإياها
فيهن من تقطر السيوف دماً ... إذا لسان المحب سماها
يقول: كأن مقلتها تخذرنا منها فتقول: إياكم وإياها؛ أي احفظوا نفوسكم وملا تلحظوها, فإن ذلك مؤد لكم إلى الهلاك. ووصف قومها بالغيرة, وإن سماها المحب هموا
стр. 1438
بقتله؛ فإن كان له قوم ينصرونه شبت بينهم وبين قومها حرب وقطرت السيوف دماءً لذلك.
وقوله:
أحب حمصاً خناصرةٍ ... وكل نفسٍ تحب محياها
حمص: اسم أعجمي, وقد وافقت من قول العرب قولهم: حمص الجرح إذا ذهب ورمه. وخناصرة معروفة بالشام, وقد ذكرت في الشعر الفصيح, وإن كانت عربية الأصل, فاشتقاقها من الخصر أي البرد, ومن اختصار الشيء أي الاقتناع منه بالقليل, وجمعها الراعي بالألف والتاء, فقال: خناصرات كما قالوا: عرفات, قال: [الوافر]
رعين الحمض حمض خناصراتٍ ... بما في القرع من ديم الغوادي
القرع: يعني كروشها, أي إنها قد قرعت عن شرب الماء؛ أي صارت إذا قرعها وجدت لذلك أذى. وقيل: القرع التي ذهب شحمها. وقال عدي بن الرقاع: [الكامل]
وإذا الربيع تتابعت أنواءه ... فسقى خناصرة الأحص وجادها
وقوله:
حيث التقى خدها وتفاح لبـ ... ـنان وثغري على حمياها
التفاح قد جاء في شعر العرب, قال حسان: [الوافر]
كأن سبيةً في بيت رأسٍ ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غض ... من التفاح هصره اجتناء
стр. 1439
ويجب أن يكون اشتقاقه من التفح وليس ذلك بمستعمل. وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يكون أصله: فواح من فاحت الرئاحة تفوح, ثم نقلت الواو إلى أوله, كما قالوا: جذب وجبذ. وقيل: وفاح فلما وقعت الواو في أوله وهي مضمومة جعلت تاءً كما قالوا: تخمة وتراث, وهي من الوخامة, وتراث من ورث. ولبنان معروف بالشام. وقال الراعي: [الوافر]
سيكفيك الإله ومسنمات ... كنجدل لبن تطرد الصلالا
فقيل: أراد لبنان فحذف. وقيل: بل لبن جبل آخر.
والهاء في حمياها يجوز أن تكون راجعة إلى البلاد التي ذكرها, ولا يمتنع أن تعود على المرأة الموصوفة, وهي الحميا التي حضرت معها. وحميا الراح: سورتها؛ وهو مما استعمل مصغراً واشتقاقها من: حمي الشيء إذا اشتد في وقودٍ أو نحوه.
وقوله:
وصفت فيها مصيف باديةٍ ... شتوت بالصحصحان مشتاها
الصحصحان ها هنا: موضع بعينه؛ ويقال: مكان صحصحان وصحصح وصحصاح إذا كان واسعاً. قال الراجز: [الرجز]
وصحصحانٍ قذفٍ كالترس
وقال آخر: [الرجز]
كأننا فوق الفضاء الصحصح ... نرمي الموامي بنجومٍ لمح
وقال آخر: [الرجز]
стр. 1440
تركته للقدر المتاح ... مجدلًا بالصحصح الصحصاح
والمصيف - ها هنا - مصدر صاف يصيف بالموضع إذا أقام به في الصيف. والمشتى مصدر شتا يشتو إذا أقام بالمكان في الشتاء.
وقوله:
أو عبرت هجمة بنا تركت ... تكوس بين الشروب عقراها
الهجمة: قطعة من الإبل, يقال: هي من ستين إلى مائة, وقيل: من خمسين إلى مائةٍ, وقيل: من سبعين. (٢٤٠/ب) وهذه الأقوال متقاربة. وأما قول المرقش: [البسيط]
أضحت خلاءً وقد كان بها ... في سالف الدهر أرباب الهجوم
يجوز أن تكون الهجوم جمع هجمةٍ من الإبل على حذف الهاء؛ كما قالوةا: نعمة وأنعم فجمعوا نعمةً كما يجمعون فعلًا؛ فيقولون: ضرساً وجرواً. ويجوز أن تكون الهجوم جمع هجمٍ وهو قدح عظيم يحلب فيه. وأنشد أبو عمرو الشيباني: [البسيط]
أتملأ الهجم رسلًا وهي وادعة ... حتى تكاد نواحي الهجم تنثلم
وتكوس من قولهم: كاس البعير إذا عقر إحدى قوائمه فمشى على ثلاث. قالت الخنساء: [المتقارب]
فظلت تكوس على أكرعٍ ... ثلاثٍ وكان لها أربع
والشروب: جمع شربٍ, وهم القوم الذين يشربون الراح. والعقرى: جمع عقيرٍ, مثل: جريحٍ وجرحى.
وقوله:
стр. 1441
والخيل مطرودة وطاردة ... تجر طولى القنا وقصراها
إذا كانت الفعلى أنثى الأفعل, مثل الطولى والقصرى؛ فأكثر ما تجيء مستعملةً بالألف واللام كقولك: الكبرى والصغرى, أو مضافةً كما قال سحيم: [الطويل]
عبثن بمسواكي وغادرن مذهباً ... من الصوغ في صغرى بنان شماليا
ولا يقال: صغرى وكبرى إلا في شذوذٍ.
وقوله:
وقد رأيت الملوك قاطبةً ... وسرت حتى رأيت مولاها
قاطبةً تستعمل في معنى الجماعة, وهي مأخوذة من: قطبت الشيء بالشيء إذا خلطته, ونصب قاطبةً على الحال, وقيل: هي كالوصف لمصدرٍ محذوف.
والمولى: كلمة تستعمل في الشيء وضده, وهو ها هنا المولى الذي يملك غيره. واصطلحت الكتاب على أن قولهم في المخاطبة للملك: مولانا أشرف من سيدنا, وهذا وهم وقع في القديم لأن العبد يجوز أن يقال له: مولى, وكذلك الحليف والمعتق وابن العم, فقد صح أن هذه الكلمة يشترك فيها الرفيع والوضيع. والسيد كلمة لا تستعمل إلا في معنى السيادة والرفعة؛ وكانت المخاطبة بها للملوك أوجب.
وقوله:
أبا شجاعٍ بفارسٍ عضد الدو ... لة فناخسراً شهنشاها
قوله: أبا شجاع بدل من قوله: مولاها, وهذا ببيت جامع على قصر وزنه؛ لأنه ذكر فيه كنية الممدوح واسمه, وذكر البلاد التي هو فيها, ولقبه ونعته بملك الملوك, وهو قوله: شهنشاها. وقد استعملت العرب شهنشاها. قال الأعشى: [الطويل]
وكسرى شهنشاه الذي شاع ذكره ... له ما اشتهى راح ذكي وديسق
الديسق: الفضة, ويقال: هو خوان من فضة.
وقوله:
стр. 1442
أسامياً لم تزده معرفةً ... وإنما لذةً ذكرناها
قوله: أسامياً جمع أسماءٍ, وأسماء جمع اسمٍ, واسم وزنه أفع, لأنه من: سما يسمو فحذفت منه الواو, وقالوا: سم وسم فحذفوا ألف الوصل, وجاءت الياء في الأسامي لأجل كسرة الميم. وهذا البيت احتجاج بما ذكره من اسم الممدوح وكنيته وصفته. يقول: هذه الأسامي لم نزده بها اشتهاراً, وإنما ذكرناها ملتذذين بذكرها.
وقوله:
تقود مستحسن الكلام لنا ... كما تقود السحاب عظماها
يقول: هذه الأسماء المذكورة تقود لنا ما يحسن من الكلام, كما أن عظمى السحاب تقود ما وراءها.
وقوله:
لا تجد الخمر في مكارمه ... إذا انتشى خلةً تلافاها
(٢٤١/أ) يقول: من غيرته الخمر فأحدثت فيه خلقاً لا يعرف منه بجودٍ أو شجاعة؛ فإن هذا الملك لا تقدر الخمر أن تزيده شيئاً يحمد عليه, وهذا المعنى متكرر في أشعار العرب كقول امرئ القيس: [الطويل]
سماحة ذا وبشر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
وقوله:
تصاحب الراح أريحيته ... فتسقط الراح دون أدناها
الأريحية: الهزة للمكارم والارتياح إليها, ويجوز أن يكون اشتقاقها من الريح التي تهب, فألقت العرب الياء في الريح وكرهوا أن يردوا الواو في قولهم: أريحية, فتلتبس بالاشتقاق من الروح ومن الروح, وهو تباعد ما بين الرجلين. يقول: لا تجد الراح إذا صاحبت أريحيته زيادةً في كرمه؛ لأنها تسقط دون أدنى ما فيه.
وقوله:
تسر طرباته كرائنه ... ثم يزيل السرور عقباها
стр. 1443
الكرائن: جمع كرينةٍ, وهي المغنية, وليس في كلامهم: الكرن. قال لبيد: [الكامل]
وصبوح صافيةٍ وجذب كرينةٍ ... بموترٍ تأتاله إبهامها
ويروى: تأتى له. والكران: العود. قال امرؤ القيس: [الطويل]
فإن أمس مكروباً فيا رب قينةٍ ... منعمةٍ أعملتها بكران
وسكن الراء من طرباته, وقد جرت عادته بذلك.
وقوله:
بكل موهوبةٍ مولولةٍ ... قاطعةٍ زيرها ومثناها
هذا البيت مفسر للبيت الأول. يقول: إذا طرب هذا الملك لغناء القينة فرحت بذلك, ولا يتم فرحها لأن عقباها تصير إلى ما تكره؛ وذلك أنه يهبها فترى أن ذلك مصيبة عظيمة لخروجها إلى غيره. ومولولة أي تردد الويل, وإذا قيل: إن هذه اللفظة مأخوذة من واو وياءٍ ولامٍ؛ فوزنها فلفلة؛ لأن الياء من الويل سقطت وهي العين فبقيت الفاء واللام.
والزير والمثنى معروفان من أوتار العود؛ أي إنها تقطع آلات الغناء؛ لأنها تنوي أنها لا تعرض بعد هذه الكائنة للألحان.
وقوله:
تعود عوم القذاة في زبدٍ ... من جود كف الأمير يغشاها
يعني أن هذه الموهوبة كأنها قذاة في جود هذا الملك تعوم في زبدٍ قد غشيها من جود كفه. وجعله في أول المدح مولى الملوك, ثم خاطبه بالأمير؛ فكأنه قد نقصه عن الرتبة الأولى.
وقوله:
تشرق تيجانه بغرته ... إشراق ألفاظه بمعناها
تشرق: من إشراق الشمس. يقال: أشرقت إذا أضاءت وصفت, وشرقت إذا طلعت, ويقال: مكان مشراق إذا كانت الشمس تطلع عليه في أكثر النهار. قال تأبط شراً: [البسيط]
стр. 1444
وقلةٍ كشباة الرمح باسقةٍ ... ضحيانةٍ في شهور الصيف مشراق
الضحيانة: الظاهرة للشمس, ومنه قوله تعالى: ﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾.
ويقال: جئت فلاناً كل شارقٍ؛ أي كل يومٍ طلعت فيه الشمس.
وقوله:
دان له شرقها ومغربها ... ونفسه تستقل دنياها
دان: أي أطاع, والشرق أصله أن يكون مصدراً ثم قيل للمكان: شرق؛ لأن الشرق يكون فيه. (٢٤١/ب) فأما المشرق فالموضع الذي الشرق فيه. وكذلك الغرب؛ إنما هو مصدر في الأصل؛ ثم قيل للمكان: غرب. فأما المغرب فموضع الغروب. والهاء في شرقها ومغربها راجعة إلى الدنيا.
وقوله:
تجمعت في فؤاده همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها
يقول: هذا الممدوح عظيم الهمم؛ فأصغر هممه ملء قلب الزمان, وهذا إفراط في المبالغة. واشتقاق الهمة والهم واحد؛ إلا أنهم استعملوا الهم في الحزن وشغل القلب, واستعملوه في معنى الهمة.
وقوله:
فإن أتى حظها بأزمنةٍ ... أوسع من ذا الزمان أبداها
حظها: يعني الدنيا. يقول: إن كان للدنيا حظ يأتيها بزمانٍ أوسع من زمانها الذي هي فيه أبدى هذا الممدوح هممه. والهم والهمة مشتقان من الهميم وهو الدبيب. يقال: همت الهوام على وجه الأرض أي دبت. والمراد أن الهم يهم في القلب؛ أي يدب, وكذلك الهمة. قال الهذلي: [الطويل]
стр. 1445
كأن بقايا الأثر في صفحاته ... مدارج شبثانٍ لهن هميم
وقوله:
وصارت الفيلقان واحدةً ... تعثر أحياؤها بموتاها
الفيلق: الكتيبة, وإنما أخذت من الفلق وهي الداهية. وقوله: صارت الفيلقان؛ أراد بإحداهما الجماعة التي في طاعة هذا الملك, وبالأخرى الجماعة التي ليست في طاعته؛ فإن كان الذي ذكره الشاعر من حظ الدنيا فإن المخالفين لهذا الممدوح يصيرون من عبيده وأصحابه.
وقوله:
ودارت النيرات في فلكٍ ... تسجد أقماره لأبهاها
يقول: إن صح هذا المرجو صار الناس كلهم في طاعةٍ واحدة, ودارت ذوات النور في فلكٍ أقماره تسجد لأكثرها بهاءً ونوراً؛ يعني الممدوح. والأجود أن يروى: أقماره, وتكون الهاء عائدةً على الفلك. وإن رويت: أقمارها, وجعلت الهاء عائدةً على النيرات فذلك جائز؛ إلا أن عودة الهاء إلى الفلك أحسن لأن الهاء والألف تكررت في القافية, فحسن أن تكون الهاء في أقماره راجعةً إلى الفلك.
وقوله:
الفارس المتقى السلاح به ... المثني عليه الوغا وخيلاها
إذا خفض الفارس جعل متصلًا بقوله: لأبهاها, ورفعه جائز على أن يضمر له مبتدأ, ويحتمل النصب على إضمار فعلٍ.
وقوله:
لو أنكرت من حيائها يده ... في الحرب آثارها عرفناها
يقول: هذا الممدوح عظيم الحياء لا يؤثر أن يتحدث عنه بشيءٍ من المكارم والشجاعة,
стр. 1446
فلو أن يده أنكرت ما تؤثره في الحرب من الطعن والضرب لعلمنا أنها هي الفاعلة ذاك؛ لأن غيرها من الأيادي لا يقدر عليه.
وقوله:
وكيف تخفى التي زيادتها ... وناقع الموت بعض سيماها
ذكر أبو الفتح ابن جني ﵀ أن الزيادة: السوط في هذا البيت, ولا يمتنع ذلك, والأشبه أن تكون الزيادة ها هنا السيف؛ لأنه قرنه بناقع الموت. والموت الناقع الذي قد اجتمع (٢٤٢/أ) من قولهم: ماء ناقع؛ أي مجتمع في موضعه.
وقوله:
لو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها
يقول: لو كفر الناس نعم هذا الملك لما أخر عنهم الإنعام؛ لأن نفسه مخلوقة على فعل الإحسان فلا يغيرها عن مغير.
وقوله:
كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعةً عندهم ولا جاها
يقول: هذا الملك يحسن إلى العالم ولا يريد منهم جزاءً, فمثله مثل الشمس ينتفع بها كل الحيوان ولا تبغي بذلك ثناءً ولا نفعاً. ومصالح بني آدم جعلها البارئ جلت عظمته في طلوع الشمس عليهم؛ لأنها إذا لم تطلع على الموضع لم يكن فيه نبت ولا شجر ولم يسكنه حيوان.
وقوله:
الواسع العذر أن يتيه على الد ... نيا وأبنائها وما تاها
يقول: هذا الملك لو تاه على الدنيا ومن بها من الخلق لكان عذره مبسوطاً في ذلك, ولكنه لكرمه لم يته.
وقوله:
ول السلاطين من تولاها ... والجأ إليه تكن حدياها
قوله: من تولاها يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون معناه عرف السلاطين بمن وليها فإنهم لا يعرفون قدره.
стр. 1447
والآخر: أن تكون «من» على معنى الاستفهام كأنه يقول للسلاطين: من تولاكم؛ أي أتدرون من هو فنبؤه عظيم فيجب عليكم أن تعظموه. وقوله: حدياها كلمة جاءت مصغرةً, وأصلها من: حدا الشيء يحدوه إذا تبعه, وإنما قيل لمن يحدو بالإبل: حادٍ؛ لأنه يتبعها. ويقال: فلان حدياك؛ أي الذي يقال لك: افعل كما يفعل. وقوله: تكن حدياها؛ أي إذا لجأت إليه كنت حديا السلاطني؛ أي يقال لهم: اتبعوا فلاناً فيما فعل.
قال عمرو بن كلثوم: [الوافر]
حديا الناس كلهم جميعاً ... مقارعةً بنيهم عن بنينا
وقوله:
ولا تغرنك الإمارة في غيـ ... ـر أميرٍ وإن بها باهى
يقول: إن رأيت إنساناً يعرف بالأمير فلا تغرنك هذه الصفة فإنه لا يستحق أن يكون أميراً وإن افتخر بذلك وتجمل به عند الناس. ويقال: فلان أمير وفلانة أميرة, وقد يقال للمرأة: أمير على التشبيه؛ أي تقوم مقامه وتغني غناه. قال الشاعر: [الوافر]
فليت أميرنا - وعزلت عنا - ... مخضبة أناملها كعاب
وقال آخر: [الوافر]
ولو جاؤوا ببرة أو بهندٍ ... لبايعنا أميرة مؤمنينا
وقوله:
وإنما الملك رب مملكة ... قد فغم الخافقين رياها
يقال: فغمه الطيب إذا ملأ أنفه رائحته, ولا يستعمل ذلك في غير الطيب. والريا:
стр. 1448
الرائحة الطيبة, وأصل ذلك في الطيب؛ وإنما قيل للرائحة: ريا لأنها تحدث في الزهر إذا روي من السحاب.
وقوله:
مبتسم والوجوه عابسة ... سلم العدا عنده كهيجاها
الهيجا: تمد وتقصر, وهي من: هاج الشيء يهيج. قال الراجز: [الرجز]
يا رب هيجا هي خير من دعه ... أكل يومٍ هامتي مروعه
ويروى: مقزعه؛ أي فيها قنازع شعرٍ. وقال آخر في مد الهيجاء: [الطويل]
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك عضب مهند
أي: فيحسبك ويحسب الضحاك. ومعنى يحسبك: يكفيك.
وقوله: (٢٤٢/ب)
الناس كالعابدين آلهةً ... وعبده كالموحد الله
يقول: الناس الذين في طاعة غيره كأنهم يعبدون آلهةً مختلفةً وعبيده الذين يطيعونه كأنهم الموحدون.
وهذا كقوله: [الطويل]
ولست مليكاً هازماً لنظيره ... ولكنك التوحيد للشرك هازم
وقافيتها من المتواتر.
стр. 1449
ومن أبيات أولها
إن تك طيئ كانت لئاما ... فالأمها ربيعة أبو بنوه
وزنها من أول الوافر.
وسمي الرجل ربيعة بربيعة الحديد وهي البيضة. وخرم أبو الطيب في هذا البيت خرماً يسمى العضب.
وقوله:
وإن تك طيئ كانت كراماً ... فوردان لغيرهم أبوه
وردان بن ربيعة من طيئٍ من آل جراح. ويقال: إن وردان هذا قتل في ظاهر عسقلان وهو شاب؛ لأن طيئاً كانت حاربت الحاضرة. ووردان: اسم مشتق من الورود؛ ولو سميت رجلاً بوردان تثنية وردٍ لجاز لك فيه وجهان:
أحدهما: أن تجعله يجري مجرى مروان؛ فتقول: هذا وردان, ورأيت وردان, ومررت بوردان؛ فتجريه مجرى ما لا ينصرف.
والآخر: أن تلفظ به لفظ التثنية؛ فتقول: جاءني وردان, ورأيت وردين, ومررت بردين.
وقوله:
مررنا منه في حسمى بعبدٍ ... يمج اللؤم منخره وفوه
حسمى: اسم موضعٍ, وقد ذكره النابغة الذبياني في قوله: [الوافر]
فأصبح عاقلًا بجبال حسمى ... دقاق الترب محترم القتام
стр. 1450
ويمج الشيء من قولهم: مجه إذا أخرجه من فيه. يقال: مج النبت نداه, ومج الإنسان ريقه, والماء إذا أخرجه من فيه. قال أبو دواد: [الخفيف]
بلسانٍ كجثة الورد الأحـ ... ـمر مج الندى عليه العرار
وقال آخر يصف رجلًا عضه كلب كلب: [الطويل]
ويدعو ببرد الماء وهو بلاؤه ... وإما سقوه الماء مج وغرغرا
ويقال: منخر بفتح الميم وكسرها.
وقوله:
أشذ بعرسه عني عبيدي ... فأتلفهم ومالي أتلفوه
يقال: شذ العبد إذا هرب, وأشذه غيره. وعرس الرجل: امرأته. ويقال للرجل والمرأة: هما عرسان, وأصل العرس والعروس من قولهم: عرس بالمكان إذا أقام به.
وقوله:
فإن شقيت بأيديهم جيادي ... لقد شقيت بمنصلي الوجوه
كان قد هرب له غلمان فاتهم هؤلاء القوم بأنهم كانوا سبب ذلك؛ فتبع الهراب فظفر بهم وقتلهم, وفيهم قال:
أعددت للغادرين أسيافا ... أجدع منهم بهن آنافا
والقافية من المتواتر.
* * *
стр. 1451
حرف الراء
من القصيدة التي أولها
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا
الوزن من الطويل الثاني.
والباء في بك في موضع رفع, كما تقول: كفى بفلان صديقاً؛ أي كفى فلان, فأما قولهم في التعجب: أكرم بزيدٍ فقد اختلف فيه النحويون؛ فقيل: الباء وما بعدها في موضع نصب لأنه مؤد معنى قولك: ما أكرم زيداً, وروي عن محمد بن يزيد أنه كان يقول: هو في موضع رفعٍ لأن المعنى: كرم زيد. ويحتمل أن الفعل لا يخلو من الفاعل وقد يخلو من المفعول. وواحد (٢٤٣/أ) الأماني: أمنية بتشديد الياء لا غير, والأجود أن تكون مشددةً في الجمع لأن العادة جرت بذلك. يقولون: أوقية وأواقي, وأضحية وأضاحي. وأكثر القراء يقرؤون: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ بالتشديد, وقدروي عن ابن القعقاع بالتخفيف وقد جاءت في الشعر مخففة. قال مالك بن الريب: [الطويل]
ويا زيد عللنا بمن يسكن الغضا ... وإن لم يكن يا زيد إلا أمانيا
وقوله:
تمنيتها لما تمنيت أن ترى ... صديقاً فأعيا أو عدواً مداجيا
خاطب نفسه في الحقيقة وكأنه يخاطب غيره؛ وذلك معروف بمذهب الشعراء, وقد مر مثله, ومنه قول الشاعر: [الكامل]
قف بالعراص عراص نجدٍ أمينا ... درست وغيرها الزمان سنينا
стр. 1452
إنما أراد نفسه بالوقوف. والتمني المعروف هو أن يطلب الإنسان ما يريده كقول الجائع: ليت لي طعاماً, والظمآن: ليت لي ماءً بارداً, ثم وقع ذلك على جميع الأشياء التي يخختارها صاحب الأمنية. قال النابغة الذبياني: [الوافر]
تمن بعادهم واستبق منهم ... فإنك سوف تترك والتمني
وأصل هذا الكلمة من قولهم: منى الأمر يمنيه, ومناه يمنوه إذا قدره. قال الشاعر: [البسيط]
ولا تقولن لشيءٍ سوف أفعله ... حتى يبين ما يمنو لك الماني
وكأن قولهم: تمنى؛ أي أراد أن يقدر الله له شيئاً لم يصل إليه. وفي الكتاب العزيز: ﴿إلا أذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾.
وقال بعض المفسرين: تمنى معناه: تلا القرآن, وأنشدوا بيتاً يجوز أن يكون مصنوعاً, وهو: [الطويل]
تمنى كتاب الله آخر ليلةٍ ... تمني داود الزبور على رسل
ويجوز أن يكون التمني إذا جعل من التلاوة دخولًا فيما قدره الله؛ لأن الشيء الممنو يجوز أن يسمى مناً. والعدو المداجي: الذي يساتر, وهو مأخوذ من دجى الليل.
وقوله:
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلةٍ ... فعلا تستعدن الحسام اليمانيا
تستعدن: من العدة. ومن الأمثال: «كل امرئٍ يغدو بما استعد» , أي بما جعله عدةً لأمرٍ. وقال عمرو بن معدي كرب: [مجزوء الكامل]
كل امرئٍ يغدو إلى ... يوم الهياج بما استعدا
والحسام: من الحسم وهو القطع السريع, والسيوف تنسب إلى اليمن وإلى الهند,
стр. 1453
ويقال: سيف مشرفي إذا كان منسوباً إلى المشارف وهي أرض تشرف على اليمن. وقالوا: سيف قساسي منسوب إلى قساسٍ وهو جبل فيه معدن حديدٍ. قال الشاعر: [الطويل]
فإن القساسي الذي قب ضرسه ... وشاخس فوديه لعند ابن أحمرا
شاخس فوديه: أي خالف بينهما. وقب الشيء إذا قطعه. وقد تردد ذكر قساسٍ في الشعر, ويجوز أن يكون المراد به هذا الجبل. قال جران العود: [الطويل]
تذكرنا أيامنا بسويقةٍ ... وهضبى قساسٍ والتذكر يشعف
وقال آخر: [المتقارب]
تجاوزت حمران من ساعةٍ ... وقلت قساس من الحرمل
وقوله:
ولا تستطيلن الرماح لغارةٍ ... ولا تستجيدن العتاق المذاكيا
كانوا يفتخرون بطول الرماح ويكرهون قصرها. قال الشاعر: [الوافر]
لعمرك ما رماح بني قشيرٍ ... بطائشة الصدور ولا قصار
وقال عدي بن الرقاع العاملي: [الخفيف]
تحتها واحد وعشرون كعباً ... ردنياً وآخر كالشهاب
وقال آخر يمدح قوماً: [الوافر]
رماحكم تزيد على ثمانٍ ... وعشرٍ قبل تركيب النصال
стр. 1454
وقد اقتصر حاتم الطائي في قوله: (٢٤٣/ب) [الطويل]
متى يأت يوماً وارثي يبتغي الغنى ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر
يجد فرساً نهداً وأبيض صارماً ... جرازاً إذا ما هو لم يرض بالهبر
وأسمر خطياً كأن كعوبه ... نوى القسب قد أربى ذراعاً على العشر
وقوله:
فما ينفع الأسد الحياء من الطوى ... ولا تتقى حتى تكون ضواريا
الطوى بفتح الطاء. يقال: فلان طوي البطن إذا كان خميصاً. والمعروف فتح الطاء, وحكاه سيبويه بالكسر؛ وعلى ذلك أنشد بيت عنترة: [الكامل]
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
والمعنى: أن حياء الليث لا يأتيه بالشبع, وإنما ينال ذلك إذا افترس. وهذا حث على طلب الرزق بالسيف؛ وهو نحوه من قول الآخر: [المتقارب]
وشر الضراغم ضرغامة ... طوى شبله وهو في الغيل هاد
والضواري: جمع ضارٍ, والضراوة أصلها لزوم الشيء. وكان بعض الصالحين يكره إدمان أكل اللحم. وفي بعض الحديث: «إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوةً كضراوة الخمر». ويقال: عرق ضارٍ إذا دام سيلانه, وأسد ضارٍ إذا تعود الفرس.
وقوله:
حببتك قلبي قبل حبك من نأى ... وقد كان غداراً فكن لي وافيا
المعروف: أحببت بالهمزة, وأكثر ما يستعمل في اسم المفعول: محبوب, وإنما القياس محب كما قال عنترة: [الكامل]
стр. 1455
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
وقال امرأة من قرش, ويقال: إنها ابنة أبي سفيان بن حرب أم عبدالله بن الحارث الذي يلقب ببه: [الرجز]
لأنكحن ببه ... جاريةً خدبه
مكرمة محبه
وقال زهير بن مسعود الضبي: [السريع]
شادخة الغرة محبوبة ... والفرس الصالح محبوب
وحببت قليلة جداً. ويقال إن أبا رجاءٍ العطاردي قرأ: ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾.
وأنشد ابن الأعرابي: [الطويل]
وأقسم لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيدٍ ومرشق
وأنشد سيبويه هذا البيت: [الوافر]
أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب
فهذا على منهاج قولهم: مغيرة في مغيرةٍ. ومعنى البيت أنه قال لقلبه: أحببتك قبل حبك من نأى عنك وقد غدر بي, فكن وافياً لي لأن محبتي لك قبل محبتي له.
وقوله:
وأعلم أن البين يشكيك بعده ... فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا
стр. 1456
أشكى: تستعمل في الأضداد؛ يقال: أشكيته إذا أحوجته أن يشكو, وأشكيته إذا أدمت شكواه. قال الراجز: [الرجز]
تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها
مس حوايا قلما نجفيها
والبيت يحتمل الوجهين: فإذا جعل قلبه قد جعل شاكياً, فكأنه يأمره بالصبر وأن لا يظهر شكيةً. وإن أخذه من قوله: أشكاه إذا أزال شكيته, فالمعنى أن البين يشكيك؛ أي ينسبك من كنت تحب لأن البين الذي يؤيس من اللقاء يسلي باليأس. قال الحطيئة: [البسيط]
لما رأيت نبوي في دياركم ... ولم يكن لجراحي فيكم آس
أزمعت يأساً مريحاً من نوالكم ... ولن ترى طارداً للحر كالياس
ويروى لزهير بن جناب الكلبي: [الوافر]
إذا ما شئت أن تسلى حبيباً ... فأكثر دونه عدد الليالي (٢٤٤/أ)
فما أسلى حبيباً مثل نأي ... ولا أبلى جديداً كابتذال
وقوله:
فإن دموع العين غدر بربها ... إذا كن إثر الغادرين جواريا
غدر: جمع غدورٍ. يقول: إن الدموع إذا جرت في إثر الغادرين فهي غادرة بصاحب الدمع.
وقوله:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقيا
في هذا البيت تعريض بذم من فارق؛ لأنه ذكر أنهم جادوا له جوداً لم يخلص من أذيةٍ, وإذا كان الجود كذلك فالجود ما حمد والمال ما بقي.
стр. 1457
وقوله:
وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا
هذا المعنى يتردد في الشعر, وهو مثل قول القائل: [البسيط]
كل امرئٍ عائد يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين
يقول: إن نفس الإنسان لها أخلاق تدل عليه: أسخي هو أم متشبه بالأسخياء.
وقوله:
أقل اشتياقاً أيها القلب ربما ... رأيتك تصغي الود من ليس جازيا
الأجود كسر اللام في أقل, وفتحها جائز. يأمر قلبه أن يدع الشوق إلى غير مجازٍ بالمودة, وهذا تعريض كالتصريح؛ لأنه أتبع كلامه بما بينه, وذكر أنه جيد له جود غير هني فنهى قلبه عن الحنين إلى من هذه صفته.
وقوله:
خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
هذا البيت شرح لما قبله, وهو دليل على أنه لمن فارق ذام؛ لأنه جعله كالشيب. وقال: لو فارقت الشيب الذي هو ذميم برحيلٍ إلى الصبا الذي هو أفضل حياة الإنسان؛ لكان ذلك الفراق موجعاً للقلب مبكياً للعين. وقد وصف نفسه في هذا البيت بوفاءٍ لم يسمع بمثله قط.
وقوله:
ولكن بالفسطاط بحراً أزرته ... حياتي ونصحي والهوى والقوافيا
أزرته: أفعلته من الزيارة, ويعني بالبحر: الممدوح. والعرب تصف بالبحر الرجل الكريم, وكذلك الفرس الجواد. وركب النبي صلى الله عليه فرساً وقال: «وجدته بحراً». وقال الشاعر في صفة الكرام بالبحور: [الخفيف]
стр. 1458
فلدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تهلك السراة البحور
وقوله:
وجرداً مددنا بين آذانها القنا ... فبتن خفافاً يتبعن العواليا
الخيل توصف بالجرد وهي أن تكون قليلة الشعر. ووصف أنه مد القنا بين آذان الخيل فهي تتبع العوالي, وهذا نحو من قولهم: يطرد الزج في صفة الفرس, ويباري شباة الرمح, وقد مر ذكر ذلك.
وقوله:
تماشى بأيدٍ كلما وافت الصفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
البزاة: جمع بازٍ وهو هذا الطائر المعروف, وهذه كلمة أخذها الشاعر من كلام العامة؛ لأن النساء يقلن: «نقشتها الناقشة صدر البزاة». يقول: [الخيل] إذا وطئت الأرض وهي غير منعلةٍ نقشت في صفا الأرض نقشاً ذلك المذكور. وقد اقتصر في هذا الوصف لأنه شبه في الأخرى تشبيه آثار الخيل بآثار قلع الحلي من المناطق, وزعم أنه إذا عدا غادر آثاراً كالخنادق؛ وهذه مبالغة في شدة الوطء. ويحتمل أن يكون في هذا الموضع صفة بالخفة, وأنها لا تمكن الحوافر من الوطء.
وقوله:
وتنظرن من سودٍ صوادق في الدجى ... يرين بعيدات الشخوص كما هيا
(٢٤٤/ب) هذا بيت لم توصف العيون في النظر بمثله لأنه ادعى لها أنها ترى ما بعد من الشخوص على هيأته. ولم تجر العادة بذلك, وكلما بعد الشخص من الناظر صغر الشخص في العين, وعلى ذلك جاء الشعر القديم. قال النابغة: [الطويل]
سأربط كلبي أن يريبك نبحه ... وإن كنت أرعى مسحلان وحامرا
وحلت بيوتي في يفاعٍ ممنعٍ ... يخال به راعي الحمولة طائرا
стр. 1459
أخبر أنه موضع مرتفع؛ فراعي الحمولة فيه كأنه طائر لبعده.
وقوله:
وتنصب للجرس الخفي سوامعاً ... يخلن مناجاة الضمير تناديا
الجرس والجرس: الصوت, وسوامع: جمع سامعةٍ, وهي الأذن, والمناجاة: السرار والكلام الخفي, والتنادي: التفاعل من قولهم: فلان أندى صوتاً من فلانٍ؛ أي أرفع صوتاً منه, قال الشاعر: [الوافر]
فقلت ادعي وأدعو فإن أندى ... لصوتٍ أن ينادي داعيان
وهذا البيت في صفة حدة السمع نظير البيت الذي قبله في الصفة بصحة النظر.
وقوله:
تجاذب فرسان الصباح أعنةً ... كأن على الأعناق منها أفاعيا
يعني بفرسان الصباح؛ أي الذين يدعون إذا أغير على القوم عند الصباح؛ كأنه وصف نفسه وأصحابه وشبه الأعنة بالأفاعي. وقد سبقت الشعراء إلى نحو ذلك واستعملوه في الإبل وشبهوا الزمام بالأرقم. قال الفرزدق: [الوافر]
كأن أراقماً علقت بارها ... معلقةً إلى عمد الرخام
ويقال إن بعض أعنة الخيل تتخذها البادية مضفورةً كأنها حبل من أذمٍ.
وقوله:
بعزمٍ يسير الجسم في السرج راكباً ... به ويسيبر القلب في الجسم ماشيا
стр. 1460
يصف عزمه بالمضاء والشدة. يقول: هذا العزم يسير الجسم راكباً في السرج ويسير القلب في الجسم ماشياً؛ أي إنه عزم على أمرٍ عظيم؛ فالراكب وإن كان جسمه في سرجٍ فكأن قلبه ماشٍ في جسده لأنه في مشقةٍ وتعبٍ لعظم ما يهم به.
وسرج الفرس يجوز أن يكون مأخوذاً من السراج الموقد لأنه يحسن الفرس كتحسين السراج ما يوقد فيه. ويحتمل أن يكون سمي سراجاً لأنه يدوم على ظهر الدابة. يقال: ما زال ذلك منه سرجوجةً أي دائماً. قال عبيدالله بن الحر الجفعي: [الطويل]
فلا تحسبن الخير لا شر بعده ... ولا الشر سرجوجًا على المر ترتبا
وقوله:
قواصد كافورٍ توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا
كافور: اسم عربي, ويقال لهذا الطيب: كافور, وقافور. والكافور: وعاء الطلع ونبت طيب الرائحة يقال له: قفور. قال العجاج: [الرجز]
كأن ريح بيته المزبور ... في الظل تحت الهدب اليخضور
مثواه عطارين بالعطور ... أهضامها والمسك والقفور
أراد بالقفور: الكافور المعروف. وقيل: بل أراد نبتاً طيب الرائحة. قال ابن أحمر: [السريع]
ترعى القطاة الخمس قفورها ... ثم تغر الماء فيمن تغر
والسواقي: جمع ساقية, وهو كل ما ثعب من غيره كأنه قليل من كثير.
وقوله:
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضاً خلفها ومآقيا
стр. 1461
جعله إنسان عين الزمن, وإنسان العين هو الناظر, وجمعه: أناسي. قال ذو الرمة: [الطويل] (٢٤٥/أ)
إذا استوحشت آذانها استأنست لها ... أناسي ملحوب لها في الحواجب
جعل الشاعر العالم كبياض العين ومآقيها؛ لأن هذه الأشياء لا ينتفع بها في النظر, وجعل الممدوح كإنسان العين لأن الخاصة فيه.
وقوله:
تجوز عليها المحسنين إلى الذي ... نرى عندهم إحسانه والأياديا
يقول: تجوز على هذه الخيل الملوك الذين يحسنون إلى الناس إلى الملك الذي جرت عادته بأن يحسن إلى المحسنين, وقد رأينا إنعامه عليهم, فاخترنا قصده على قصدهم.
وقوله:
فتى ما سرينا في ظهور جدودنا ... إلى عصره إلا نرجي التلاقيا
هذا البيت لم يقل في معناه مثله؛ لأن الشاعر ادعى أنه وأن غيره لم يسروا في ظهور جدودهم إلا رغبةً في لقاء هذا الممدوح. وهذا من إفراط الغلو؛ إلا أنه على مذاهب الشعراء معنى لا يوصل إلى مثله.
وقوله:
ترفع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا
استعارت العرب العوان للحرب, وكذلك للحائل واللاقح. فالحائل التي لم يقاتل فيها ذلك العام, واللاقح التي قد وجب فيها القتال, والعوان التي قد حورب فيها مرةً بعد مرةٍ وجعلوها تنتج كما تنتج الناقة. وقال الشاعر: [الوافر]
متى لاقيت قومي فسأليهم ... إذا ما حربهم نتجت فصيلا
стр. 1462
فيجوز أن يعنى بالفصيل أمر حدث كسيدٍ يقتل, أو أمرٍ تجلى عنه الحرب. والعذارى: جمع عذراء, والأكثر عذارا بالألف, وكانت النساء تقول في المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وقبله إذا حذرن في عرسٍ: [الرجز]
أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم
فلولا الذهب الأحمر لم نحلل بناديكم
ولولا البرة السمراء لم تسمن عذاريكم
وسكن عين الفعلات, وقد فعل ذلك مراراً وهو من الضرورات. يقول: هذا الممدوح لا يفعل مكرمةً فعلها غيره وإنما يتكرم بشيء لم يسبق إليه.
وقوله:
يبيد عداوات البغاة بلطفه ... وإن لم تبد منهم أباد الأعاديا
يبيد: أي يهلك. يريد أنه يحسن إليهم فإن بلغ ما يريد من زوال العداوة؛ وإلا فإنه يبيد العدو.
وقوله:
أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقاً ... إليه وذا الوقت الذي كنت راجيا
تاق إلى الشيء يتوق إذا حن إليه, فهذا فعل معتل. فأما قولهم: تئق بالهمز فهو من: امتلأ الشيء, ويقال: فرس تئق أي كأنه قد امتلأ بالجري. فأما قول المرئ القيس: [الطويل]
فإما تريني اليوم في رأس شاهقٍ ... فقد أغتدي أقود أجرد تائقا
فيجوز أن يكون فاعلًا من التأق وهو الامتلاء؛ كما قالوا: حاذر من الحذر. ويجوز أن يكون من تاق يتوق؛ أي كأن هذا الفرس مشتاق إلى الجري. ويجوز أن يعني الشاعر بالتائق نفسه؛ أي أقود فرساً وأنا مشتاق إلى من أحب.
стр. 1463
وقوله:
لقيت المرورى والشناخيب دونه ... وجبت هجيراً يترك الماء صاديا
المرورى: جمع مروراةٍ وهي الأرض التي لا شيء فيها. جمعها الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء؛ كما قالوا: فلاً وفلاة, وحصى وحصاة, ولو جمعت جمع السلامة لقيل: مروريات, ولو جمعت جمع التكسير لقيل: مرارٍ بالرفع والخفض, وجبت مرارياً في النصب. ووزن مروراةٍ: فعلعلة, وظاهر أمرها أن يكون اشتقاقها من المرو وهي حجارة صغار تقدح منها النار. والشناخيب: جمع شنخوبٍ وشنخابٍ, وهو أعلى الجبل. والهجيز: (٢٤٥/ب) جمع هاجرة وهي الحر الشديد؛ وإنما يستعمل ذلك في نصف النهار وما قاربه. يقال: هجر القوم إذا ساروا في الهجير, وهجر النهار إذا جاء بالهاجرة. قال امرؤ القيس: [الطويل]
فدعها وسل الهم عنك بجسرةٍ ... ذمولٍ إذا صام النهار وهجرا
فأما قول ذي الرمة: [الطويل]
ولميبق بالخلصاء مما عنت به ... من البقل إلا يبسها وهجيرها
فيقال: إن الهجير ضرب من الحمض, ويجوز أن يعنى بالهجير: الهاجرة, ويحتمل أن يكون اشتقاق الهاجرة من قولهم: هجرت البعير إذا شددت حبلاً في حقوه إلى وظيفيه؛ أي هذه الهاجرة كأنها تقيد الإنسان وغيره من شدة الحر, فلا يقدر على التصرف. ولا يمتنع أن يكون قوله: الهاجرة؛ أي الوقت الذي يهجر الإنسان فيه عادته؛ لأنه يطلب الظلال والقائلة, وكذلك أصناف الحيوان, فكأنها تهجر ما كانت تعتاد.
وقوله: يترك الماء صادياً مبالغة مفرطة لأنه زعم أن الماء يتركه الهجير صادياً, وقد جرت عادته أن يشفي من صدي من صداه. وقد وصفت العرب ضنهم بالماء إذا قل, وأنه لا يسمح به إلا الكريم كما فعل كعب بن مامة. وقد زعم الفزدق أنه من على رفيقٍ له بحظه
стр. 1464
من الماء لما اقتسموه فقال: [الطويل]
فلما تصافنا الإداوة أجهشت ... إلي غضون العنبري الجراضم
فجاء بجلمودٍ له مثل رأسه ... ليشرب بين القوم ماء الصرائم
على حالةٍ لو أن في القوم حاتماً ... على جوده ضننت به نفس حاتم
وكيف يضل العنبري ببلدةٍ ... بها قطعت عنه فضول التمائم
يقال: تصافنوا الماء بالحصاة إذا اقتسموه بها, وأجهشت أي تهيأت للبكاء. غضون الوجه: آثار التكسر فيه, والجراضم: الضخم الشديد الأكل. ويروى: على جوده لضن بالماء حاتم؛ فقيل: خفض حاتماً لأنه جعله بدلًا من الهاء في قوله: جوده. وأنشده قوم: حاتمي بالياء على إضافة حاتمٍ إليها, وزعم قوم أنه مخفوض على المجاورة, وهو أضعف الوجوه.
وقوله:
أبا كل طيبٍ لا أبا المسك وحده ... وكل سحابٍ لا أخص الغواديا
إذا خفض كل عطف على كل طيبٍ, وإذا نصب حمل على النداء. وقالوا: تركته في كلة أرضٍ في معنى كل, فأدخلوا عليها الهاء وذلك قليل. ويجوز أن يكون اشتقاق كل من كلل الشيء إذا صار له إكليل, ويحتمل أن يكون من قولهم: ألقى عليه كله أي ثقله, ويكون قولهم: أخذه كله؛ أي أخذ ما يكل الحامل إذا حمله.
وقوله:
يدل بمعنى واحدٍ كل فاخرٍ ... وقد جمع الرحمن فيك المعانيا
يقال: عرفت ذلك في معنى كلامه ومعناته ومعناه ومعناته. وفتح الميم أكثر وأفصح, وعليه دل الاشتقاق؛ يقال: عنى فلان كذا إذا أرادوه, ويقال: عنيت بحاجتك؛ أي كأني
стр. 1465
قصدت بها لأقضيها, وأكثر ما يستعمل هذا فيما لم يسم فاعله, وقد جاء على غير ذلك, قال الراجز: [الرجز]
عني بأولاها كثير الشغل ... له جفيران وأي نبل
وقال آخر: [الطويل]
إذا لم تكن في حاجة المرء عانياً ... نسيت ولم ينفعك عقد الرتائم
الرتائم: جمع رتيمةٍ وهي خيط يشد لئلا ينسى الإنسان الحاجة.
وقوله: (٢٤٦/أ)
إذا كسب الناس المعالي بالندى ... فإنك تعطي في نداك المعاليا
واحد المعالي: معلاة, وهي مبنية على الفعل, فلذلك جاءت معتلة اللام, وكذلك جميع ذوات الواو, نحو: يغزو ويعلو ويغدو, وتقول في مفعلة منه: مغزاة ومعلاة ومفداة. قال أعشى باهلة: [البسيط]
فإن يصبك عدو في مناوأةٍ ... فقد تكون لك المعلاة والظفر
وقوله:
وغير كثيرٍ أن يزورك راجل ... فيرجع ملكًا للعراقين واليا
قد مضى ذكر العراق واشتقاقه, وإذا قالوا: العراقان أرادوا الكوفة والبصرة, وقد يجوز أن يعنوا بالعراق الواحد بلداً يجمع الكوفة والبصرة وغيرهما, ثم يثنونه على ذلك كما قالوا:
стр. 1466
المكتان؛ فيجوز أن يعنوا المكة أعلاها وأسفلها, ويحتمل أن يعنوا مكة والمدينة. قال نصر بن حجاج السلمي: [الطويل]
فأصبحت منفيا على غير ريبةٍ ... وقد كان لي بالمكتين مقام
وقوله:
فقد تهب الجيش الذي جاء غازياً ... لسائلك الفرد الذي جاء عافيا
أصل الغزو: القصد. يقال للرجل: ما مغزاك بهذا الكلام؛ أي ما مقصدك, ثم خص الناس بالغزو القصد للعدو. قال مالك بن الريب: [الطويل]
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى ... وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
ويقال للأتان إذا بعد عهدها بالحمل: هي مغزية العقاق؛ أي كأن عقاقها غازٍ فهو غائب عنها. يقال: امرأة مغزية إذا كان زوجها في الغازين, والعافي الذي يطلب الهبة؛ وكثر ذلك حتى قيل للطير التي تسقط على الشجر: عافية.
وقوله:
وتحتقر الدنيا احتقار مجربٍ ... يرى كل ما فيها - وحاشاك - فانيا
حاشاك: كلمة تستعمل في الاستثناء, ويقع بعدها المخفوض والمنصوب, فإذا وقع بعدها منصوب فهي فعل, وإذا وقع بعدها المخفوض فكأنه على إرادة لام الخفض, فلما كثر مجيئها بعد هذا الحرف جاز أن تحذف وهي في الإرادة كما حذفوا لا في القسم في قولهم: والله أفعل. وكثر قولهم: حاش لله وحاشى لله. وإذا خفضت حاشى فهي بعيدة من أن تحمل
стр. 1467
على أنها اسم, مثل: خاتمٍ وطابقٍ؛ لأن ذلك بناء قليل, ولاسيما في المعتل, والأشبه أن تحمل على حذف اللام.
وقوله:
وما كنت ممن أدرك الملك بالمنى ... ولكن بأيام أشبن النواصيا
يقول: لست ممن أدرك الملك براحةٍ واتفاقٍ؛ وإنما تمناه فقضي له؛ وإنما بلغت ما بلغت ببأسك ونجدتك. وقد جرت عادة الناس بأن يذكروا مشيب الرأس لما يلقاه الإنسان من الشدائد, وهو كلام قديم؛ وإنما جرت العادة بأن يشيب الإنسان إذا طال عمره. والغرائز تختلف فربما تأخر الشيب عن المسن وعجل إلى الحدث, وقد ألف الناس ما تقدم ذكره من أن الأمر المستصعب يشين؛ وفي الكتاب العزيز: ﴿فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا﴾ , وقال بعض المحدثين: [الخفيف]
إن أمراً جنى علي مشيب الـ ... ـرأس في ليلةٍ لأمر عظيم
وقوله:
عداها تراها في البلاد مساعياً ... وأنت تراها في السماء مراقيا
المساعي: جمع مسعاةٍ وهي مفعلة من سعيت في الأمر المحمود إذا مشيت فيه, وهو اسم عام يقع على الصغير والكبير في الأصل, ثم خصوا به الأمر الذي يؤدي إلى الحمد والشرف.
قال الأفوه: [الرمل]
أيها الساعي على آثارنا ... نحن من لست بسعاءٍ معه
والهاء في تراها عائدة إلى الأيام. يقول: عداك يحسبون (٢٤٦/ب) أنك ساعٍ في الأرض وإنما مساعيك مراقٍ في السماء. وواحدة المراقي: مرقاة ومرقاة. واللغة الفصيحة: ورقيت في السلم بغير همز. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه كان يمشي الحسن أو الحسين على صدره فيقول:
стр. 1468
خبقه خبقه ... ترق عين بقه
ويروى: حبقه بالحاء. وقد حكي: رقأت بالهمز. وقال الأفوه: [الوافر]
فارقأن منك على ظلعك قد ... فاتك القوم نجاراً وسعه
وقوله:
لبست لها كدر العجاج كأنما ... ترى غير صافٍ أن ترى الجو صافيا
يقال: عجاج أكدر وكدر, ويستعمل الكدر في الماء وغيره. قال الجعدي: [الطويل]
ولا خير في حلمٍ إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
وقالوا: كدر الشيء إذا سقط من علوٍ إلى أسفل؛ فأما قولهم للحمار الوحشي: كدر؛ فهو فعل من أنه كالشيء المنكدر من العلو أي سريع. قال الهذلي: [الطويل]
نجاء كدر من حميرٍ أبيدةٍ ... بكاهله والصفحتين كلوم
والمعنى أن الممدوح إذا رأى الجو صافياً لم يعجبه ذلك وإنما اختياره أن يثير الغبار فيكدر الجو.
وقوله:
وقدت إليه كل أجرد سابحٍ ... يوديك غضباناً ويثنيك راضيا
الهاء في إليها يجوز أن ترجع إلى العدى وإلى الأيام. وقد مضى ذكر القود وأن الرجل يوصف بأنه يقود الخيل فيكون في أولها وتتبعه فكأنه يقودها. ويقولون في الشعر: قدنا الخيل؛ يريدون أنهم ركبوا الإبل وجنبوا خيلهم إليها, وقد مضى ذلك. وصرف غضبان
стр. 1469
للضرورة, ولو ترك صرفه لظهر في البيت زحاف يقال له الكف, وهو مثل قول امرئ القيس: [الطويل]
ألا رب يومٍ لك منهن صالحٍ ... ولاسيما يوم بدارة جلجل
والعرب تختار صرف ما لا ينصرف على هذا الفن من الزحاف, كما قال الشاعر: [الطويل]
لا تعذلي في حندجٍ إن حندجاً ... وليث عفرينٍ لدي سواء
نون عفرين والمعروف ترك تنوينه. ويقال في المثل: «أشجع من ليث عفرين»؛ زعم الأصمعي أنه دويبة يتخذا الراكب ويضرب بذنبه. وزعم أبو عمرو الشيباني أنه الأسد. وقال عمرو بن قميئة: [مجزوء البسيط]
منه الصبوح التي تتركني ... ليث عفرين والمال كثير
والمعنى: أن هذا الفرس يحملك إلى الهيجاء أيها الممدوح وأنت غضبان, ويردك وقد رضيت؛ لأنك قد أدركت ما تريد من عدوك. والحندج: كثيب من الرمل صغير.
وقوله:
ومخترطٍ ماضٍ يطيعك آمراً ... ويعصي إن استثنيت أو صرت ناهيا
ومخترطٍ: يعني سيفاً. يقال: اخترط من غمده إذا سله. واستعار للسيف طاعةً وعصياناً, وإنما يريد أن يصفه بالمضاء, ونصب آمراً على الحال؛ أي هذا السيف إذا ضربت به كنت كالآمر له بالقطع, فإن أردتأن تستثني أو تنهاه عن المضاء فهو عاصٍ لك؛ أي يسبقك إلى ما أردته منه.
وقوله:
стр. 1470
وأسمر ذي عشرين ترضاه وارداً ... ويرضاك في إيراده الخيل ساقيا
يعني بأسمر ذي عشرين رمحاً طوله عشرون ذراعاً. وذو عشرين يدل على معنى المالك والصاحب والرفيق ونحو ذلك. يقال: فلان ذو مال؛ أي صاحبه, وفلان ذو زيدٍ؛ أي رفيقه. وعلى ذلك (٢٤٧/أ) قالوا: ذو رعينٍ, ذو جدنٍ, وذو يزنٍ. ولا يضاف ذو إلى مضمرٍ, وهو كناية عن شيءٍ كرهوا أن يضيفوا كنايةً إلى كنايةٍ.
وقوله:
كتائب ما انفكت تجوس عمائراً ... من الأرض قد جاست إليها فيافيا
يقال: جاس البلاد إذا تخللها, وفي الكتاب العزيز: ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ , فإن كان هذا البلد المعروف بـ «جوسية» عربياً فهو فعلية من الجوس؛ وإلا فهو أعجمي وافق لفظه هذا اللفظ. والعمائر: جمع عمارةٍ, وهي الأرض المسكونة. والفيافي: المواضع الخالية.
وقوله:
غزوت بها دور الملوك فباشرت ... سنابكها هاماتهم والمغانيا
باشرت من المباشرة. وبشرة الإنسان: ظاهر جلده؛ يقال: باشر فلان غيره إذا ألصق بشرته ببشرته, واستعار المباشرة للسنابك وليس ذلك معروفاً فيها. والمغاني: جمع مغنى, وهو محل القوم ومسكنهم. يقال: غني القوم في المكان إذا أقاموا فيه؛ وكأنهم مع ذلك يوصفون بأنهم أغنياء. قال الأسود بن يعفر: [الكامل]
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشةٍ ... في عز ملكٍ ثابت الأطواد
وقوله:
وأنت الذي تغشى الأسنة أولاً ... وتأنف أن تغشى الأسنة ثانيا
стр. 1471
إذا الهند سوت بين سيفي كريهةٍ ... فسيفك في كف تزيل التساويا
ساوت بالألف أشبه من سوت؛ لأنه جاء في القافية بالتساوي, فدل ذلك على ساوت, ولو جاء به على سوت لكان المصدر التسوي, وقد يستعمل الفعل على فاعلت وفعلت كقولك: عاليت الرجل وعليته, وباعدت الرجل وبعدته. يقول إذا ساوت الهند بين السيفين في المضاء فكفك تزيل التساوي؛ لأنك إذا ضربت بأحد السيفين جعلته أقطع من الآخر. ويحتمل البيت معنى آخر, وهو أن كفك كأنها سيف؛ فإذا ضربت بالسيف علم أن فضيلتها في المضاء أعظم من فضيلة السيف المضروب به.
وقوله:
ومن قول سامٍ لو رآك لنسله ... فدى ابن أخي نسلي ونفسي وماليا
صار نسب الناس إلى ثلاثة من أولاد نوحٍ, فالعرب والعبريون, وغيرهم ممن شاء الله, منتسبون إلى سام بن نوحٍ, والسودان كلهم ينتسبون إلى حام بن نوحٍ, والأتراك وعالم كثير ينتسبون إلى يافث بن نوح. والمعنى أن سام بن نوح لو رأى هذا الممدوح وفضله لآثر أن يفديه بالنفس والأهل والمال. وإنما يعني بأخيه: حاماً لأنه والد السودان كلهم, والممدوح من ولده.
وقوله:
مدى بلغ الأستاذ أقصاه ربه ... ونفس له لم ترض إلا التناهيا
الأستاذ: كلمة ليست بالعربية ووزنها أفعال, وقد قالوا في الكلام القديم: الأساتيذ في جمع أستاذٍ, ويقولون للصانع إذا كان حاذقًا بعمل الشيء: هو أستاذ فيه, ويقول المتعلم للصناعة لمعلمه: يا أستاذ, وصار الناس يكنون عن الخادم الخصي بالأستاذ؛ وذلك اصطلاح منهم وليس له أصل في العربية.
وقوله:
دعته فلباها إلى المجد والعلى ... وقد خالف الناس النفوس الدواعيا
دعته: يعني النفس, والهاء عائدة إلى الممدوح. وأصل الدعاء أن ينادي الإنسان بالآخر فيقول: يا فلان, ثم استعملوا ذلك في غير الصوت فقالوا: دعت الضيف النار إلى رأى
стр. 1472
ضوءها؛ فقصدها فكأنها نادته وإن لم يكن ثم نداء. قال الشاعر وذكر ضيفاً وناراً: (٢٤٧/ب) [الطويل]
دعته بغير اسمٍ هلم إلى القرى ... فجاء يبوع الأرض والليل مقمر
يبوع الأرض: أي يقطعها. وقال آخر وذكر امرأةً: [الطويل]
دعاك إليها مقلتاها وجيدها ... فملت كما مال المحب على عمد
وقوله:
فأصبح فوق العالمين يرونه ... وإن كان يدنيه التكرم نائيا
يقول: العالم يرون هذا الممدوح متعالياً عليهم؛ وإنما يدنيه التكرم منهم فهو كالشمس يقرب ضوؤها من الحيوان وهي متعالية عليه. والقافية من المتدارك.
ومن أبيات أولها
أريك الرضى لو أخفت النفس خافيا ... وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا
الوزن من ثاني الطويل.
قوله:
أميناً وإخلافاً وغدراً وخسةً ... وجبناً أشخصاً لحت لي أم مخازيا؟
المين: الكذب على أي وجه كان. فإذا قال الراجل: فعلت كذا ولم يكن فعله فهو مين.
والإخلاف لا يكون إلا إذا تقدم الوعد. فكل مخلفٍ كاذب, وليس كل مائنٍ مخلفاً. والخسة من قولهم: رجل خسيس, ويقال: ختيت في معنى خسيسٍ, وأخس الله حظه وأخته. ونصب شخصاً على الحال. والمخازي: جمع مخزاةٍ وهي كل فعل دنيء. وربما قالوا: خزي الرجل
стр. 1473
خزياً من الهوان, وخزي خزايةً من الاستحياء, والاشتقاق واحد. فأما قول لبيد: [الرمل]
اكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل
غير أن لا تكذبنها في التقى ... واخزها بالبر لله الأجل
فمعنى اخزها: سسها واقهرها, وأصل ذلك في الفصيل, يقال: خزوته خزواً إذا شققت لسانه لئلا يرضع.
وقوله: أميناً وإخلافاً وغدراً وخسةً وجبناً منصوب على المصدر؛ كأنه قال: أتمتين ميناً, وتخلف إخلافتاً؟ !
وقوله:
وتعجبني رجلاك في النعل أنني ... رأيتك ذا نعلٍ إذا كنت حافيا
وصفه بغلظ القدمين وأنه إذا كان حافياً فكأنه ذو نعلٍ. وقالوا في المثل: «أطري فإنك ناعلة» , [و] فسروه على وجهين:
أحدهما: أن يكون عليها نعل.
والآخر: أن تكون رجلاها غليظتين حافيتين فكأن عليهما نعلاً, وإن كانت حافيةً.
وقوله:
ويذكرني تخييط كعبك شقه ... ومشيك في ثوبٍ من الزيت عاريا
ذكر أن الممدوح مخيط الكعب, وأن تخييطه أذكره أيام كونه مشقوقاً. وقد وصف المتقدمون تخييط شقوق الرجلين. قال الراجز: [الرجز]
ترى برجليه شقوقاً في كلع ... من باريءٍ حيص ودامٍ بسلع
الكلع: الوضح, وحيص: أي خيط. والمنسلع: المنشق المنقشر. وقوله: في ثوب من الزيت عارياً: إذا جاء الناس بالسبي من الحبشة طلوهم بالزيت يرون في لك منفعةً لهم.
ونصب عارياً على الحال.
стр. 1474
وقوله:
فإن كنت لا خيراً أفدت فإنني ... أفدت بلحظي مشفريك الملاهيا
المشفر: أصله للبعير, ثم استعاروه للعبد ولمن يصفونه بالغلظ. قال الشاعر: [مجزوء الكامل]
وافيتهم تحت الظلا ... م وليلهم كالساج كافر
فإذا وقود بين عبـ ... ـدانٍ لهم سبطي المشافر
والقافية من المتدارك.
فصل
استعمل أبو الطيب من الأوزان التي ذكرها الخليل أحد عشر وزناً, وهي: (٢٤٨/أ) الطويل, والبسيط, والوافر, والكامل, والرجز, والرمل, والسريع, والمنسرح, والخفيف, والمجتث, والمتقارب.
ولم يستعمل أربعة, وهي: المديد, والهزج, والمضارع, والمقتضب.
فاستعمل الطويل بضروبه الثلاثة:
الأول: كقوله: أطاعن خيلًا من فوارسها الدهر
والثاني: كقوله: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
والثالث: كقوله: ليالي بعد الظاعنين شكول
واستعمل من البسيط ثلاثة أضربٍ:
الأول كقوله: أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل
والثاني كقوله: من الجآذر في زي الأعاريب
стр. 1475
والسادس كقوله:
نال الذي نلت منه مني ... لله ما تصنع الخمور
واستعمل الأول من الوافر كقوله: طوال قنا تطاعنها قصار
وجاء بالأول من الكامل كقوله: لك يا منازل في القلوب منازل
وبالثاني كقوله: في الخد إن عزم الخليط رحيلا
وبالرابع كقوله: أثلث فإن أيها الطلل
وبالخامس كقوله:
أقصر فلست بزائدي ودا ... بلغ المدى وتجاوز الحدا
وبالسادس كقوله:
وزيارةٍ عن غير موعد ... كالغمض في الجفن المسهد
وبالثامن كقوله: لأحبتي أن يملؤوا ... بالصافيات الأكوبا
وجاء بمجزوء الرجز في قوله:
أي محلٍ أرتقي ... أي عظيمٍ أتقي
وجاء بمشطور الرجز كقوله: وشامخ من الجبال أقود
وجاء بأصل الرمل الذي لم يذكره الخليل عن العرب وذلك قوله:
следующие страницы →