← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوبٍ عوامل وشبهوا الغربان بالنوب لأنها شبهت بهذا الجيل من الجبشة, قال الشاعر: [الطويل] ومستشحجات بالفراق ... مثاكيل من صيابةٍ النوب نوح وقوله: إذا أتتها الرياح النكب من بلدٍ ... فما تهب بها إلا بترتيب النكب: جمع نكباء, وهي كل ريحٍ تهب بين ريحين, وإذا رويت تهب بتاء فالفعل للرياح, وبعضهم ينشد: فما يهب بها كأنه يجعل الممدوح يهب بالرياح لما كانت تهب بإذنه وترتيبه. وقوله: يحط كل طويل الرمح حامله ... من سرج كل طويل الباع يعبوب في قوله يحط ضمير يرجع على طين الخاتم, والهاء في حامله راجعة على الطين أيضًا. والباع يستعمل في الناس وغيرهم, يقال: باع الرجل والدابة بوعًا إذا مد باعه, ومدحوا الرجل فقالوا: هو طويل الباع. وكثرت الكلمة حتى قالوا: هل من أهل الباع؛ أي: القوة, وإن كان باعه قصيرًا, قال المسيب بن علسٍ: [الكامل]

стр. 177

ولذاكم علمت معد أنه ... أهل الحفيظة والندى والباع وقال أبو دؤاد في البوع يصف الفرس: ويمطي بوعًا كما يتمطى ... حبشي بحربةٍ مظلوم ومنه قولهم: انباع العرق ينباع؛ إذا جرى وامتد, وقالوا في المثل: «مخرنبق لينباع»؛ أي: متقبض ليمتد في وثبته, ومنه قول عنترة: [الكامل] ينباع من ذفرى غضوبٍ جسرةٍ ... زيافةٍ مثل الفنيق المكدم فأما من ذهب إلى أن ينباع في معنى ينبع فزاد الألف للضرورة فقوله كالهذيان, وإنما حمله على قول من يقول: ينبع, بفتح الباء. واليعبوب: الفرس الكثير الجري, أخذ من قولهم: نهر يعبوب؛ أي: كثير الماء, واشتقاقه من قولهم: عب البحر إذا كثرت أمواجه. وقوله: أو حاربته فما تنجو بتقدمةٍ ... مما أراد ولا تنجو بتجبيب تقدمة: مصدر قدم, مثل تقديمٍ, والأشبه أن يكون أراد: فما تنجو بتقديم هربٍ منه, وقد يحتمل أن تكون التقدمة من قولهم: قدموا إليه الجيوش. والتجبيب: من قولهم: جبب في الأرض؛ إذا ذهب فيها.

стр. 178

وقوله: قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهم ... إلى غيوث يديه والشآبيب معنى قوله: هجرت إليه الغيث؛ أي فارقت البلاد التي تمطر, وسرت إلى مصر, وهي غير ممطورةٍ, ولو أنه في غير المنظوم لكان وجه الكلام أن يقول: قالوا هجرت إليه الغيث فقلت لهم. وحذف مثل هذه الفاء كثير, وكذلك حذف الواو العاطفة, ومنه قوله تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع﴾. ولو أنه في غير كتاب الله سبحانه لجاز دخول الفاء على قلت لهم. وتولوا جواب إذا, وقال الراجز: (٢٥/أ) لما رأيت نبطًا أنصارا ... شمرت عن ركبتي الإزارا كنت لها من النصارى جارا ولو كان في منثور حسن أن يقول: فكنت أو وكنت. والشآبيب: جمع شؤيوبٍ, وهي سحابة دقيقة العرض, شديدة الوقع. ويجوز أن يكون اشتقاق الشوبوب من شببت النار, وتكون الهمزة زائدةً؛ لأنهم يريدون أنه حاد, وإذا وصفوا الشيء بالحدة والسرعة شبهوه بالنار. ولا يمتنع أن يكون من شاب يشوب, كأنه شؤبوب, وهمزت الواو لجوارها الضمة, ويكون المعنى: أن أفقه مشوب بالصحو؛ لأنهم يصفوا الشؤبوب بدقة العرض, فوزنه في القول الأول فؤعول, وفي القول الثاني فعلول, ولو ادعي أنه مقلوب عن أشبت؛ أي: خلطت, لم يبعد ذلك كأنه أشبوب, ثم قبلوه, فقدموا الشين, واستعاروا الشؤبوب في الحرب وجريان الدم, وقال ابن هرمة: [المنسرح]

стр. 179

كم ناقةٍ قد وجأت منحرها ... بمستهل الشؤبوب أو جمل أراد بالشؤبوب ما يخرج من الدم. وقوله: إلى الذي تهب الدولات راحته ... ولا يمن على آثار موهوب العرب إذا جمعت ما كان على مثال دولةٍ وعورةٍ, وكلّ ما كان على فعلةٍ موضع العين منه واو أو ياء؛ مثل: بيضةٍ وعيبةٍ, فإنهم يسكنون العين, فيقولون: بيضات, ودولات, إلا هذيل بن مدركة, فإنهم يفتحون فيقولون: بيضات وعورات, وقد روي عن بعض القراء: ﴿الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ بفتح الواو, وقال الشاعر: [الطويل] أبو بيضاتٍ رائح متأوب ... رفيق بمسح المنكبين سبوح وقوله: بلى يروع بذي جيشٍ يجدله ... ذا مثله في أحم النقع غربيب بذي جيش؛ أي: بملكٍ صاحب جيشٍ, وذا مثله؛ أي: ملكًا صاحب جيشٍ مثل هذا الجيش, وذو في معنى صاحب ونحوه. يقال: هو ذو مالٍ وذو جاهٍ. ولا تضاف ذو إلا إلى اسم ظاهر مثل أن يقال: ذو عقلٍ وذو رئاسةٍ, ولا يحسن أن يقال: المال أنت ذوه؛ أي: أنت صاحبه, وقد أضافوه لما جمعوه, ومنه البيت المنسوب إلى كعب بن زهير: [الوافر]

стр. 180

صبحن الخزرجية مرهفاتٍ ... أبان ذوي أرومتها ذووها كأن الاسم قوي بزيادة واو الجمع. وقولهم: الأذواء من حمير يعنون: ذا جدنٍ, وذا رعينٍ, وذا يزنٍ, وكل ذلك راجع إلى معنى الصاحب وما قرب منه, والمعروف في جمعهم الأذواء على التكسير, وجمعهم الكميات على ذوين, وهو جمع السلامة؛ وذلك قوله: [الوافر] وما أعني بذلك أسفليكم ... ولكني عنيت به الذوينا وقوله: فتن المهالك حتى قال قائلها ... ماذا لقينا من الجرد السراحيب السراحيب: جمع سرحوبٍ, وهو من صفات الخليل الإناث, يريدون به الطويلة على وجه الأرض, وربما استعملوه للمذكر شاذًا. والجرد: جمع أجرد وجرداء؛ وذلك أن يكون الفرس قصير الشعر. ويقال: انجرد الرجل في سيره إذا امتد فيه, وقيل: الانجراد عدو ليس بشديدٍ. وقوله: أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون محبا غير محبوب أكثر ما يقولون في الماضي: أحببت فإذا صاروا إلى اسم المفعول قالوا: محبوب, وقد جاءت ألفاظ على هذا النحو, قالوا: أجنه الله فهو مجنون, وأكزه فهو مكزوز, وأقره فهو

стр. 181

مقرور, فهذا كله على تقدير: حب وكز وقر, وقد حكوا حببته. وروي أن أبا رجاءٍ العطاردي قرأ ﴿فاتبعوني يحبكم الله﴾ , فهذا على (حب) , وأنشدوا بيتًا: [الوافر] لعمرك إنني وطلاب سعدى ... لكالمزداد مما حب بعدا وأنشد ابن الأعرابي: [الطويل] وأقسم لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيدٍ ومرشق ومن شأنهم إذا عدوا المضاعف الثلاثي أن يجيئوا به في المضارع على يفعل فيقولوا: عد القوم يعدهم, ومد الحبل يمده, وقد شذت حروف, منها قولهم: شد الحبل يشده

стр. 182

ويشده ونم الحديث ينمه وينمه, وعل القول والشرب يعله ويعله في حروف معدودة مثل: أضني يؤضني ويئضني إذا اضطرني, وكان القياس (٢٥/ب) أن يقال: حببته أحبه ولكنهم لم يحكوه إلا بالكسر. وجاء بيت عنترة على أحببته فهو محب, وهو قوله: [الكامل] ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم ويقال: إن أم عبد الله بن الحارث المعروف بببة قالت وهي ترقصه: لأنكحن ببه ... جاريةٍ خدبه ... مكرمةً محبه ... تمشط رأس لعبه ومن التي أولها أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب وهي من الطويل الثني عند الخليل, ومن السحل الأول عند غيره, وقافيتها من المتدارك. يريد والشوق أغلب مني؛ أي: أني لا أطيقه.

стр. 183

وذهب أبو الفتح بن جني ﵀ إلى أن أغلب هاهنا من قولهم: أسد أغلب؛ أي: غليظ العنق, يصف الشوق بالشدة, ويزعم أنه يغالبه, وهو كالليث الأغلب, وهذا المعنى قريب من الأول, إلا أن الذي ذهب إليه أبو الفتح لا يكون فيه إقرار من أبي الطيب أنه مغلوب, وهذا أشبه بمذهبه. والوجه الثاني فيه إقرار للشوق بالغلبة. وقد أنكر بعض الناس قول أبي الفتح, وليس بمنكرٍ. وقوله: ولله سيري ما أقل تئيةً ... عشية شرقي الحدالي وغرب الحدالي: في موضع رفع بالابتداء, وموضع شرقي نصب على الظرف, وحذف ياء الإضافة من شرقي لالتقاء الساكنين, ويحوز أن يكون الحدالي خبرًا وشرقيّ مبتدأً؛ لأن شرقيّ يجوز أن يكون ظرفًا وغير ظرف. قال جرير: هبت جنوبًا فذكرى ما ذكرتكم ... عند الصفاة التي شرقي حورانا فالوجه النصب في (شرقي) حوران, والرفع جائز على أن يكون التقدير: عند الصفاة التي هي شرقي حوران, والحدالي وغرب جبلان, وغرب مذكور في الشعر القديم. قال الشاعر: ازجر حمارك إنه مستنفر ... في إثر أحمرةٍ عمدان لغرب

стр. 184

فأما الحدالي فليس بمتردد الذكر, والحدالي: جمع حدلاء, والحدلاء أنثى الأحدل, وهو الذي في عنقه تطامن على صدره, وقيل: الأحدل الذي أحد جانبيه أعظم من الآخر. وقيل للقوس: محدلة للانحناء الذي فيها. قال ساعدة بن جوية: دلى يديه له قصرًا بمحدلةٍ ... جشءٍ وزرقٍ نواحيهن كالسحم الجشء: القوس الغليظة الخفيفة المحمل, وقيل: هي التي لها صوت عن الرمي, كأنه مأخوذ من قولهم: تجشأ الرجل. وإذا جمعوا مثل حدلاء جاز أن يقولوا: حدالٍ مثل صحارٍ, وحدالى مثل صحارى, وذلك كله مردود إلى السماع. وقوله: وكم لظلام الليل عندك من يدٍ ... تخبر أن المانوية تكذب المانوية: منسوبة إلى ماني, وهو رجل يعظمه أهل مذهبه, ويقال: إن طائفةٍ من

стр. 185

الترك عظيمةً يرون رأيه, وأن أهل الصين على مذهبه, وأن لأصحابه كتبًا ومناظراتٍ, ويزعمون أنهم يقولون باثنين: رب يفعل الخير لا غير, وهو في بعض الألسنة الذي يسمى يزدان, وضده يفعل الشر, ويسمونه أهرمز, ويذكر عنهم أنهم يقولون: إن الخير من النهار, والشر من الليل. وقوله: له فضلة في جسمه عن إهابه ... تجيء على صدرٍ رحيبٍ وتذهب يحمد من الفرس أن يكون جلد صدره واسعًا. والإهاب: الجلد, يقال في جمعه: أهب وأهب وأهب على غير قياس, وقالوا في الجمع القليل: آهبة. فأما قولهم في الرجل: أهبان, فيجوز أن يكون جمع إهابٍ؛ لأن فعالًا يشارك فعيلًا وفعالًا في أنه يجمع على فعلانٍ, ولم يصرفوا الفعل من الإهاب, لم يقولوا: أهب يأهب. وقوله: ألا ليت شعرى هل أقول قصيدةً ... فلا اشتكي فيها ولا أتعتب (٢٦/أ) القصيدة يحتمل أن تكون من قولهم: قصد الشيء يقصده؛ إذا اعتمده, كأن الشاعر يقصدها بالإنشاء, ويجوز أن تكون فعيلةً في معنى فاعلةٍ, كما يقال: عليمة في معنى عالمةٍ كأنها تقصد الممدوح أو المهجو أو من قيلت فيه على سبيل الغزل أو سواه, ويحتمل أن تكون القصيدة من قولهم: قصدت العود من الشجرة؛ إذا قطعته منها, كأن

стр. 186

الشاعر يقطعها من كلامه أو من خاطره, ويجوز أن تكون مأخوذةً من القصيد, وهو مخ السمين؛ أي: كأنها سمينة, والسمن محمود. وأجاز بعض العلماء المتقدمين أن تسمى الأبيات الثلاثة قصيدة, والغالب على كلامهم أن تكون القصيدة أبياتًا كثيرةً, قال المسيب ابن علس: [الكامل] فلأرسلن مع الرياح قصيدةً ... مني مغلغلةً إلى القعقاع وقصيدته هذه تقارب الثلاثين بيتًا, وقال عدي بن الرقاع: [الكامل] وقصيدةٍ قد بت أجمع شملها ... حتى أقوم ميلها وسنادها فهذا يدل على أنهم لا يسمون قصيدةً إلا ما كان كثيرًا من الأبيات. وحكي سعيد بن مسعدة أنه سمع بعض العرب يقول: الشعر ثلاثة: القصيد والرجز والرمل, فالقصيد ما كان طويل الوزن, والرجز هو الذي يجيء كأنصاف الأبيات, والرمل زعم سعيد بن مسعدة في حكايته أنه كل شعرٍ مهزولٍ غير مؤلف الأجزاء ومثله بقول عبيدٍ: [مخلع البسيط] أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب

стр. 187

وبقول الآخر: [مجزوء الوافر] ألا لله قوم و ... لدت أخته بني سهم هشام وأبو عبد ... منافٍ مدره الخصم فأما قصيدة عبيد فتبنو عنها الغرائز, وأما الأبيات الميمية, وتنسب إلى ابن الزبعرى, فمستقيمة في الحس إلا أن وزنها أقصر. وقوله: وبي ما يذود الشعر عني أقله ... ولكن قلبي يابنة القوم قلب يقال: رجل قلب؛ إذا كان جيد الحيلة, متصرفًا في الأمور, ويقال: إن معاوية قال لابنتيه وهما تقلبانه في المرض الذي مات فيه: إنكما لتقلبان قلبًا حولًا إن سلم من هول المطلع. ويذوذ الشعر؛ أي: يصرفه. وفي كندة رجل يقال له: امرؤ القيس الذائد, وهو غير ابن حجرٍ. وهذا الشعر يروى له, ولابن حجرٍ: [المتقارب] أذود القوافي عني ذيادا ... ذياد غلامٍ غوي جرادا فأعزل مرجانها جانبًا ... وآخذ من درها المستجادا

стр. 188

وقوله: إذا لم تنط بي ضيغةً أو ولايةً ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب قوله: تنط: من النوط, وهو التعليق ووصل الشيء بالشيء. يقول: إّا لم تصل بي ضيعةً تقطعني إياها فجودك يكسوني, وشغلك عني يسلبني تلك الكسوة. واصطلح الناء على أن يسموا القرية ضيعةً. والكلام القديم يدل على أن الضيعة هي كثرة الخير, واتساع الرجل فيما يملك, وهو اسم مستطرف الوضع, لأن الضياع هلاك الشيء؛ فيجوز أن يكونوا أرادوا أن المال إذا كثر أتعب صاحبه وأهمه, فكأنه يضيعه؛ لأن كثيرًا من العرب يصفون أنفسهم بالقيام على المال, والتطرح في طلبه. ويحتمل أن يكون قولهم: ضيعةً على معنى العكس؛ أي: أنها غير ضيعةٍ, ويكون ذلك من جنس قولهم للديغ: سليم, إلا أن ذلك فأل, وهذا فيه تهزؤ. ومثاله أن يقال للرجل إذا كان غنيًا: أنت فقير لا شيء لك, أي: لست كذلك, ومثل هذا يجري في الكلام كثيرًا, فإذا قال أحد المتخاصمين للآخر: يا حر, ويا كريم, فإنما يريد ضد ما قال. ويجوز أن تكون الضيعة من قولهم: ضاع الطيب؛ إذا انتشرت رائحته, وانضاع الفرخ إذا تحرك واضطرب, فيراد أن أمرها ينتشر, ويحوج إلى الاضطراب, ويكون أصلها ضيعةً فخففت كما قالوا: ميت, وهو من يموت, وتكون الضيعة من ذوات الواو؛ لأنها من ضاع يضوع. والولاية إذا كانت في القرابة من قولهم: فلان ولي فلانٍ بفتح الواو وكسرها, فإذا أريد بها ولاية الشيء فأصلها كأصل الأولى, إلا أنهم يؤثرون فيها الكسر. وقوله: أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب

стр. 189

عنقاء مغرب تستعمل في المثل, ويقال: إنها كانت طائرًا عظيمًا, اختطفت صبيًا أو جارية فدعا عليها نبي أهل الرس, وهو حنظلة بن صفوان, فيما يزعمون, فغابت إلى اليوم, فقيل للشيء الذي يبعد: طارت به عنقاء مغرب. والعنقاء: الطويلة العنق, وأكثر ما يقولون: عتقاء مغرب, فينعتونها بمغرب. قال الشاعر: [الطويل] (٢٦/ب) فلولا سليمان الخليفة حلقت ... به من يد الحجاج عنقاء مغرب وربما أضافوا عنقاء إلى مغربٍ, والأول أجود. وقوله: فإن لم يكن إلا أبو المسك أوهم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب قال: أبو المسك, وهو يعني كافورًا, ويخاطبه, وقد يمكن, لو لم يبن المعنى والغرض, أن يعني بأبي المسك رجلًا آخر, كما تقول لرجل اسمه خالد: إذا كان خصمي خالدًا فأنت ممن لا أخالفه؛ أي: أنك يا خالد أنت خصمي. وبعض أهل العلم المتأخرين كان يسمي هذا الفن التجريد, ويجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ , وهو يعني

стр. 190

نفسه, فهذا كما يقول في المثل الحجاج بن يوسف: إن الحجاج لا يترك أهل العراق وما يريدون, وهو يريد أني أنا الذي أمنعهم. وقوله: يريد بك الحساد ما الله دافع ... وسمر العوالي والحديد المذرب ذربت الحديد فهو مذروب, وذربته فهو مذرب؛ إذا حددته وأرهفته, ويقال: لإلان ذرب اللسان؛ أي: حاده, ومنه قيل للداهية: ذربيًا؛ لحدتها. قال الشاعر: [الطويل] رمتني بالآفات من كل جانبٍ ... وبالذربيا مرد فهرٍ وشيبها وقوله: ودون الذي يبغون ما لو تخلصوا ... إلى الشيب منه عشت والطفل أشيب كأنه يومئ إلى أن الأعداء يريدون قتله, ودون الذي يبغون أهوال عظيمة, لا يتخلصون إلى الشيب منها؛ لأنك يا كافور تقتلهم قتلًا وحيا, ولا تمهلهم إلى أن يشيبوا, ولو تخلصوا إلى زمان الشيب لعشت أيها الممدوح والطفل أشيب؛ أي: أنهم لا يصلون لك إلى كيد, ويجوز أن يعني بشيب الطفل أنه يشيب من الخوف, ويحتمل أن يعني طول عمر كافور, وأنهم لو سلموا حتى يشيبوا لعاش الممدوح إلى أن يشيب الطفل بعلو السن. وقوله: وأنت الذي ربيت ذا الملك مرضعًا ... وليس له أم سواك ولا أب في هذا البيت حمل على المعنى, ولو أنه في كلام منثورٍ لوجب أن يقال: وأنت الذي ربى ذا الملك. والذي في البيت لا عائد عليه إلا في المعنى, ومثل ذلك قوله في موضع آخر: [البسيط] أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم

стр. 191

إنما الواجب أن يقال إلى أدبه, وأسمعت كلماته. وقد استعملت العرب مثل هذا كثيرًا, قال مهلهل: [الكامل] وأنا الذي قتلت بكرًا بالقنا ... وتركت تغلب غير ذات سنام كان ينبغي: وأنا الذي قتل بكرًا. وقال الراجز: [الرجز] يا مرة بن واقعٍ يا أنتا ... أنت الذي طلقت عام جعتا أراد: أنت الذي طلق عام جاع, فحمل الكلام على معناه. وقوله: وما عدم اللاقوك بأسًا وشدةً ... ولكن من لاقوا أشد وأنجب الكاف في اللاقوك يختلف في موضعها النحويون, وكذلك في كل ما كان في التثنية أو في الجمع السالم, مثل قولك: الضارباك, والضاربوك, وكذلك الهاء في قولك: الضارباه والضاربوه, فقال قوم: هي في موضع خفضٍ, وقال آخرون: بل هي في موضع نصبٍ, وأجاز المازني والجرمي الوجهين, وكذلك يجب أن يكون اختلافهم في الياء إذا قلت: الضارباي والضاربي.

стр. 192

ومن التي أولها منى كن لي أن البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب وهي من ثالث الطويل عند الخليل, ومن ضروب السحل الأول عند غيره, وقافيتها من المتواتر. يقال لذوائب الشعر: قرون, واحدها قرن, ويقال أيضًا لجانب الرأس: قرن, فإذا قالوا: شابت قرونه, فيجوز أن يعنوا بها الذوائب وجوانب الرأس, قال أبو دؤاد: [الخفيف] ذاك أمر أبيته في شبابي ... ووليدًا وحين شابت قروني ولو أن هذا الكلام في غير الشعر لكان أحسن من حذف الألف واللام من شبابٍ أن تثبتا فيه؛ لأنه مضاهٍ لقوله: المشيب, وكانت العرب في الجاهلية إذا اتفق لها مثل ذلك آثرت دخول لام التعريف, وإن قبح في السمع, وأكثر ما يجيء في شعر امرئ القيس, فمنه قوله: [الطويل] فإن أمس مكروبًا فيا رب بهمةٍ ... كشفت إذا ما اسود وجه الجبان (٢٧/أ): فقد أساءت الألف واللام حال الرنة عند السامع وآثرها قائل البيت على الحذف, ولو حذف لكان الحذف أحسن في الغريزة, ولكن دخول الألف واللام أثبت في تمكين اللفظ, وكذلك قوله, وذكر الفرس: [الطويل] فلما أجن الشمس عني غؤورها ... نزلت إليه قائمًا بالحضيض أدخل الألف واللام, وحذفهما أحسن في السمع.

стр. 193

وقوله: ليالي عند البيض فوداي فتنة ... وفخر وذاك الفخر عندي عاب ليالي: جمع على غير قياسٍ؛ لأن ليلةً وزنها فعلة فكان ينبغي إذا جمعت جمع التكسير أن يقال: ليال, مثل عيبةٍ وعياب, فلم يقولوا ذلك, وقالوا ليالٍ, وحكوا أنهم يقولون في التصغير: لييلية, فيجيئون بالياء كما جاؤوةا بها في الجمع. وحكوا الليايل في الجمع, وأنشدوا: ولدنك والبدر بن عائشة التي ... أضاء ابنها مسحنككات الليايل فهذا كأنه جمع ليلةٍ في وزن لينةٍ, فيجوز أن يكون قولهم ليالٍ مقلوبًا عن ليايل؛ لأن نقل الياء إلى آخر الكلمة أخف على اللسان, ومثل قولهم: ليايل مفقود في الجموع, ورأي النحويين أن تهمز الياء التي بعد الألف في مثل ليايل, وإذا جمعوا لبنًا قالوا: لبائن, فهمزوا أيضًا. وكان سعيد بن مسعدة لا يرى الهمز إلا في ذوات الواو, واستدل على ذلك بقولهم: أوائل في جمع أول, فإن كانوا زادوا الياء في ليالٍ ولييليةٍ من غير قلبٍ فوزن ليالٍ فعالٍ, ووزن لييليةٍ فعيليه. وإن كانوا قلبوا ليالي عن ليايل فوزن ليالٍ فيالع؛ لأنهم جعلوا العين بعد اللام, ووزن ليلةٍ على هذا فيلة؛ لأن عينها ذهبت, وكذلك يقال في وزن ميت إذا خفف من ميتٍ وزنه فيل؛ لأن العين التي في قولهم: ميت ألقيت, وبقيت الياء الساكنة. وحكى الفراء في «كتاب التصغير» كييكية في تصغير كيكةٍ, وهي البيضة, فهذا مثل قولهم: لييلية. وأضاف ليالي إلى الجملة التي بعدها, وذلك مطرد في أسماء الزمان.

стр. 194

يقال: لقيتك يوم عندك الأمير, وليلة أبوك راحل, وساعة سألك الحاجة فلان. والفودان: جانبا الرأس, ومن ذلك قيل للعدلين: الفودان, ومنه قولهم في المقثل: «ما بال العلاوة بين الفودين» , يضرب ذلك مثلًا لمن سأل حاجةً صغيرة بعد كبيرة, ويقال: إن لبيد بن ربيعة دخل على معاوية فقال له: كم عطاؤك؟ فقال: ألفان وخمس مئة, فقال له معاوية: ما بال العلاوة بين الفودين؟ فقال لبيد: أموت وأترك لك الفودين والعلاوة, فرق له معاوية, وأجراه على رسمه, وخرج من عنده, فمات في سنته. ويقال: عاب وعيب. وأصل عابٍ عند البصريين فعل عيب فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وحكي أن الفراء يجعل عابًا فعلًا, بسكون العين, كأنه يرى أن الياء قلبت من غير أن تكون مفتوحة, قال ضمرة بن ضمرة النهشلي: أأصرها وبني عمي ساغب ... وكفاك من إبهٍ بذاك وعاب الإبه: ما يستحيا منه. وقوله: جلا اللون عن لونٍ هدى كل مسلكٍ ... كما انجاب عن ضوء النهار ضباب اللون: يجوز رفعه ونصبه, فإذا رفع احتمل وجهين: أحدهما أن يكون من قولهم: جلا القوم عن منازلهم, كأن الشباب ارتحل لما جاء المشيب, كما يقال: رحل بنو فلانٍ عن بني فلان, ويجوز أن يكون عن في مذهب قولهم: رحل فلان عن ضيقةٍ؛ أي: من أجلها, وتركت زيارتك عن غضبٍ؛ أي: من أجله.

стр. 195

والآخر أن يكون جلا من: جلوت الشيء؛ إذا كشفته وأظهرته. وإذا نصب اللون فالمعنى أن المشيب جلا اللون الأسود عن لونٍ هدى كل مسلكٍ, يعني أن الشيب هداه إلى طرق الخير وفعله, وأن الشباب كان يضله ويستر عنه الفعل الأجمل, وشبهه بالضباب إذا انجاب عن ضوء النهار. وقوله: وعن ذملان العيس إن سامحت به ... وإلا ففي أكوارهن عقاب الكلام يستغني عند قوله: وعن ذملان العيس, كأنه قال: أنا غني عن الأوطان وعن ذملان العيس, ثم ابتدأ كلامًا فقال: إن سامحت العيس بذملانها ركبتها وإلا تسامح به ففي أكوارهن عقاب؛ أي أنا أقدر من السير والتصرف في الأسفار على ما تقدر عليه العقاب. وقوله: وأصدى فلا أبدي إلى الماء حاجةً ... وللشمس فوق اليعملات لعاب وصف نفسه بالصبر على العطش, وأنه لا يبدي لأصحابه أنه محتاج إلى الماء, وذلك إذا ذاب لعاب الشمس, واشتد الظمأ, قال الراجز: وذاب للشمس لعاب فنزل ... وقام ميزان النهار فاعتدل ويقال: ناقة يعملة, أي: قد أعملت في السفر, وقل ما (٢٧/ب) يقولون للذكر يعمل, وقد جاؤوا به في صفة الظليم جعلوه يعمل نفسه في السير. وقوله: وللخود مني ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب الخود: الناعمة الجسم, وجمعها: خود, وقد جاءت أحرف على فعلٍ وتجمع على فعلٍ؛ قالوا: فرس ورد وخيل ورد, ورجل ثط وقوم ثط, وسقف وسقف, ورهن ورهن, وصدق؛

стр. 196

أي: صلب, وصدق, ومن هذا اللفظ قولهم: خود الظليم والرأل, وهو ضرب من سير النعام, ويجوز أن يكونوا أرادوا سيرًا لا يجهد فيه الظليم نفسه, قال القطامي: [الطويل] تخود تخويد النعامة بعدما ... تصوبت الجوزاء قصد المغارب وحكوا, خودت الفحل في الإبل؛ إذا أرسلته فيها, فيجوز أن يكون من تخويد النعامة, ويحتمل أن يكون اشتقاق هذه اللفظة من الخود التي توصف بها المرأة؛ أي أنه جعل الإبل لهذا الفحل فنعمه بها, كأن كل واحدٍ منها خود. وقوله: وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للرخاخ ركاب الغواني: جمع غانيةٍ, وقد اختلفوا في تفسيرها, فقيل: هي التي تقيم في بيت أبيها, من قولهم: غني بالمكان إذا أقام به, وقيل: هي التي غنيت بالمال عن التزويج, وقيل: هي التي غنيت بجمالها عن الحلي, وقيل: هي التي غنيت بزوجها عن سواه, وينشدون بيتًا لنصيبٍ: [البسيط] أزمان سلمى فتاة غير غانيةٍ ... وأنت أمرد معروف لك الغزل وقال بعضهم: الغانية: الشابة, وهي أقوال متقاربة.

стр. 197

ويقال لما رمي: رمية, ولما ذبح: ذبيحة, كأنهم أرادوا أن يفرقوا بين النعت وغيره؛ كأنهم يقولون: هذه شاة رمي بغير هاء؛ أي: مرمية, فإذا حذفوا الشاة وما يجري مجراها قالوا: رمية, وكذلك: ناقة عقير؛ أي: معقورة, فإذا حذفوا الناقة قالوا: هذه عقيرة بني فلانٍ. ويقولون للسيد إذا قتل: لم نر مثله عقيرةً, كأنهم أقاموا مقام ما يعقر, وقيل: إنما أدخلت الهاء في الرمية والعقيرة على سبيل المبالغة, كأنهم يقولون: رمي لما رمي رميةً واحدة, فإذا كثر الرمي لها قيل: رمية, وقال عنترة: [الطويل] فلله عينا من رأى مثل مالكٍ ... عقيرة قومٍ أن جرى فرسان ويروى: الزجاج. فمن روى الرخاخ فهو جمع رخ, وهو الذي يستعمل في الشطرنج, كأنه ادعى أنه لا يشغل نفسه بذلك. وحدث أبو إبراهيم العلوي ﵀ أنه كان يلعب مع أبي الطيب في مصر بالشطرنج, وأنه رأى أظفاره طوالًا, فأنكر عليه ذلك, فقال أبو الطيب: أنا رجل أمارس السلاح أو نحو ذلك. وإذا رويت: الزجاج, فالمعنى أنه لا يشرب الخمر, ولا ريب أنه كان يستعمل الشراب المسكر. وقوله: نصرفه للطعن فوق حواذرٍ ... قد انقصفت فيهن منه كعاب حواذر: جمع حاذرةٍ, وإذا كان حاذر لغير الإنس جاز أن يجمع على حواذر, ومعنى حذرٍ وحاذرٍ متقاربان, وأكثر ما يقال حذر, وقرأ بعض القراء: ﴿وإنا لجميع حاذرون﴾ , فقيل: هو في معنى حذرين. وقيل: الحاذرون المعدون للحرب, وهذا يشبه قول من يقول: فلان ميت؛ أي: قد مات, ومائت من بعد, فكأن الحذر الذي فيه الحذر مستقر, والحاذر

стр. 198

الذي ينتظر أمرًا يحذر منه, فقد أخذ له أهبته, وأنشد أبو زيد: [الطويل] إذا أنت عاديت الرجال فلا تزل ... على حذرٍ لا خير في غير حاذر يصف هذه الخيل بأنها مجربة قد طعنت بالرماح, فهي تحذرها؛ لأنها قد بليت بطعنها مرارًا. وقوله: أعز مكانٍ في الدنا سرج سابحٍ ... وخير جليسٍ في الزمان كتاب الدنا: جمع دنيا, وهو مستمر في الفعلى, التي هي أنثى الأفعل, مثل صغرى أنثى الأصغر, يقال في جمعها: الصغر, وفي جمع الكبرى: الكبر, وقل ما يوجد في الشعر الدنيا مجموعة, وإنما جاء بها أبو الطيب قياسًا, ولعله سمعها في بعض الأشعار, وإذا بنوا الفعلى التي ذكرها الأفعل, وكانت من ذوات الواو, نقلوها إلى الياء, فقالوا الدنيا, وهي من (دنا يدنو) , والعليا, وهي من (علا يعلو) , وإنما فعلوا ذلك لأنهم إذا ثنوا الأعلى والأدنى قالوا: الأعليان والأدنيان, فيجعلون الواو ياءً لوقوعها رابعةً, كما فعلوا ذلك في يغرى إذا قالوا: يغريان. وقوله: (٢٨/أ) وبحر أبو المسك الخضم الذي له ... على كل بحرٍ زخرة وعباب قوله: وبحر, عطف على قوله: كتاب؛ أي: الكتاب وهذا الممدوح خير الجلساء, وأبو المسك بدل من بحرٍ. والناس يقولون وبحر بالرفع, ولو خفض البحر, وجعل عطفًا على جليسٍ, لكان ذلك أبلغ في المدح. والخضم: الكثير العطاء, ويقال: بحر خضم؛ أي: كثير الماء, وهو من قولهم:

стр. 199

خضمت الشيء؛ إذا أكلته بكل فيك. وقيل: هو أكل الشيء الرطب؛ أي: أن هذا البحر يتسع عطاؤه كما يتسع الآكل في مطعمه. وزخر البحر وعب في معنى واحد. وجاء بالزخرة والعباب لاختلاف اللفظين, وكل شيء وصف بكثرة وزيادة تستعظم يجوز أن يقال في صفته: عب. قالت دختنوس بنة لقيطٍ: [الطويل] فلو شهد الزيدان زيد بن مالكٍ ... وزيد مناةٍ حين عب عبابها وقوله: وغالبه الأعداء ثم عنوا له ... كما غالبت بيض السيوف رقاب عنوا له؛ أي: ذلوا, ومنه قولهم: فتح البلد عنوةً؛ أي: بغلبةٍ لأهله وإذلالٍ. يقول: حاربته الأعداء فغلبها, وكانت مغالبتهم له كمغالبة الرقاب بيض السيوف؛ لأن السيف يقطع العنق, وهي لا تحدث فيه أمرًا يغيره عن حاله. فإن اتفق له أن ينفل أو ينقطع فإنما ينسب ذلك إلى فعل الضارب. وقوله: رقاب: بغير ألف ولام مثل قوله في أول القصيدة: شباب, وهو من مواضع دخول التعريف. وقوله: أيا أسدًا في جسمه روح ضيغمٍ ... وكم أسدٍ أرواحهن كلاب

стр. 200

أراد أن يقول: في جسمه روح أسدٍ, فلم يستقم له الوزن فأقام الضيغم مقام الأسد. والضيغم من قولهم: ضغمه إذا عضه بفمه كله. ويقال في جمع أسدٍ: أسود, ثم تحذف الواو, فإذا حذفت كان أكثر الاستعمال تسكين السين, وضمها جائز. وكل اسم على فعلٍ ساكن الأوسط فجائز فيه التسكين والتحريك, ولا يحسب ذلك من الضرورات, إلا أن العادة تغلب على بعض الكلام فيكثر فيه التحريك أو السكون, كقولهم: صبح وملك, أكثر ما يستعمل بالتسكين, والضم فيه جائز, وقرأ عيسي بن عمر: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ , و ﴿إن موعدهم الصبح﴾ , ومما غلب عليه التحريك: الثلث والسدس ونحوهما. واجترؤوا على حذف الواو من الأسود؛ لأنها حرف لين زائد, كما قالوا في جمع نمورٍ: نمر, وحذف رؤبة الواو من الحلوق حذف ضرورةٍ فقال: حتى إذا بلت غلاصيم الحلق فإذا كان الاسم الذي على فعلٍ جمعًا, مثل: صفر في جمع أصفر وصفراء, فالسكون وجه الكلام, ولا يستعمل الضم إلا في ضرورةٍ, كما قال الأعشى: [البسيط] نحن الفوارس يوم العين ضاحيةً ... جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل أراد جمع أعزل.

стр. 201

وقوله: لنا عند هذا الدهر حق يلطه ... وقد قل إعتاب وطال عتاب يلطه: أي: يستره. قال الأعشى: [الخفيف] ولقد ساءها المشيب فلطت ... بحجابٍ من دوننا مصدوف ويقال: لطت الناقة بذنبها؛ إذا أدخلته بين فخذيها. قال قيس بن الخطيم: [المتقارب] ليالي لنا ودها منصب ... إذا الشول لطت بأذنابها ويقال: عاتبت الرجل فأعتب؛ إذا رجع إلى ما يراد منه. وأعتب يذكر في الأضداد, يقال: أعتبت الرجل إذا أحوجته إلى العتاب, وأعتبته إذا أزلت عتبه. قال المسيب بن علس: [المتقارب] تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن غضبت تعتب وقوله: وقد تحدث الأيام عندك شيمةً ... وتنعمر الأوقات وهي يباب اليباب: كلمة تقع على الواحد والجمع, يقال: بلد يباب؛ أي: خالٍ, وكذلك بلاد يباب, وهو اسم لم يصرف منه الفعل, ولو صرف لوجب أن يقال: يب ييب, ولم يأت من الثلاثي المضاعف فعل في أوله ياء إلا فعلان: قولهم: يمه في معنى أمه, ويل الرجال إذا صار أيل, وهو أن تنقلب أسنانه إلى داخلٍ. وقد قالوا: حجر أير, ولم يعلم أنهم استعملوا منه الفعل, ولو استعمل لكان قياسًا, وحقه أن يقال فيه: ير يير, وأنشد ابن الأعرابي: [الرجز]

стр. 202

إن هي هرت قلت هري هري ... ما لك غير الحجر الأير أي: الحجر الصلب, وقيل: الأملس. وقوله: تحدث الأيام عندك شيمةً, أي: قد يجيء منها الفعل الجميل فيجب أن تصنعه إلي. وقوله: (٢٨/ب) وإنك إن قويست صحف قارئ ... ذئابًا ولم يخطئ فقال ذباب قويست رده من قايست إلى ما لم يسم فاعله, ولم تدغم الواو في الياء؛ لأنها منقلبة عن ألف فاعل, ولا يجوز عندهم أن تدغم الواو في الياء, ولا الواو في الواو إذا كانت في هذا الموضع. فإذا رددت طاوعت وقاولت إلى ما لم يسم فاعله وجب عندهم أن تظهر الواو الأولى, وتنطق بواوين, فتقول: طووعت, وقوولت, كذلك يقول النحويون, وعليه ينشد قول جرير: [البسيط] بان الخليط ولو طووعت ما بانا فيظهرون واوين: الأولى منقلبة عن ألف طاوعت, والأخرى الأصلية. والتصحيف أصله أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته في صحيفةٍ, ولم يكن سمعه من الرجال, فيغيره عن الصواب. وذباب: يقع على الواحد والجمع. وكان الأصمعي ينكر قولهم في الواحد: ذبابة, وقد حكى ذلك الكسائي, والنضر بن شميلٍ, وسعيد بن مسعدة, وإنما سمي الذباب ذبابًا لأنه يذب؛ أي: يطرد, ويقال في الجمع: أذبة إذا كان قليلًا, وإذا كثر فهو الذبان, مثل: غرابٍ وغربانٍ. قال الشاعر: [الطويل]

стр. 203

وأنتم طراثيث وذبان قفرةٍ ... وأضعف طير الأرض قدمًا ذبابها ومن أبيات أولها وأسود أما القلب منه فضيق ... نخيب وأما بطنه فرحيب ووزن هذه الأبيات كوزن ما قبلها. الأسود يقع على الحيوان وغيره, إلا أنهم قل ما يقولون للفرس الأدهم: أسود, وقد جاء به الراعي فقال: [الطويل] طوال الخدود ليس فيها علامة ... سوى قرحةٍ في كل وردٍ وأسودا فأما الإبل فيقال فيها: ناقة دهماء وسوداء. قال حميد بن ثورٍ: [الطويل] ودهماء منها كالسفينة نضجت ... به الحمل حتى زاد شهرًا عديدها يعني ناقةً. وقال الراجز: قد كنت متاحًا على زرودا ... وكنت أروي مئتين سودا فاليوم لا أترك أن ذودا يقال: إن السود من الإبل أكثرها شربًا, وأغزرها ألبانًا, ويقال في صفة الجبان: هو نخيب, وكأنهم يريدون بذلك خلوه من الخير والشجاعة؛ لأنهم يقولون: انتخبت الشيء؛ إذا أخذت خياره. وقوله: أعدت على مخصاه ثم تركته ... يتبع مني الشمس وهي تغيب

стр. 204

المخصى: الموضع الذي يقع فيه الخصاء, أراد أنه أعاد عليها خصاءً ثانيًا, أو ما هو مثل الخصاء؛ لأن هذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الخصية, فإذا زالت فلا خصاء, يقال: خصيته خصيًا وخصاءً, قال الشاعر: [الطويل] خصاك جرير يابن قينٍ فإن تعد ... لهجو جريرٍ بعد خصيك تجدع وقوله: يتبع مني الشمس وهي تغيب, من قول الآخر: [الطويل] فأصبحت من ليلى الغداة كناظرٍ ... مع الصبح في أعقاب نجمٍ مغرب ومن أبيات أولها لحا الله وردانًا وأما أتت به ... له كسب خنزيرٍ وخرطوم ثعلب فهي من الطويل الثاني عند الخليل, ومن السحل الأول عند غيره. الخنزير إذا جعلت النون فيه زائدةً فهو من الخزر في العين, وهو ضيق فيها, وأن ينظر الإنسان بالجانب الذي فيه المؤق. يقال: تخازر الرجل؛ إذا فعل ذلك. قال الراجز: [الرجز] إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت الطرف من غير عور وجدتني ألوى بعيد المستمر ... أبذى إذا بوذيت من كلبٍ ذكر

стр. 205

وإذا جعلت النون في الخنزير أصليةً فهو مأخوذ من الخنزرة, وهي فأس غليظة تكسر بها الحجارة, يراد أنه غليط الخلقة. والخرطوم: يستعمل لغير الإنس في وضع الشفة والأنف. قال جران العود: [الطويل] فصرنا إليها واللغام كأنه ... بألحي المهاري والخراطيم كرسف واستعملوه في العقاب, قال جران العود أيضًا: [الطويل] عقاب عقنباة كأن جناحها ... وخرطومها الأعلى بنارٍ ملوح وقيل لأول ما يعتصر من الكرم: خرطوم؛ لأنه يتقدم كتقدم الشفة, وقد سمي الأنف خرطومًا, قال الفرزدق: [البسيطي يا ظمي ويحك إني ذو محافظةٍ ... أنمي إلى النفر الشم الخراطيم وقوله: إذا كسب الإنسان من هن عرسه ... فيا لؤم إنسانٍ ويا لؤم مكسب الهن يكنى به عن الفرج وكل ما يقبح من الأمور, ويدخلون فيه الهاء إذا وقفوا, ويحركون النون, فيقولون: هنه. (٢٩/أ) فإذا وصلوا سكنوا النون وجاؤوا بالتار فيقولون: خذ فيه الهاء إذا وقفوا,

стр. 206

وهنت, كأنهم يريدون تأنيث هنٍ, وأنشد ابن الأعرابي: [الرجز] فقلت مهلًا لا تلومي يا هنه ... أنا ابن ثنتين وسبعين سنه والعرس أكثر ما يستعل للمرأة, وقد يقال للرجل: عرس, وهما عرسان, قال علقمة: [البسيط] أدحي عرسين فيه البيض مركوم وكذلك عروس يستعمل للأنثى والذكر, واشتقاقها من العرس, قال الشاعر في استعمال عروس للمذكر: [الطويل] أترضى بأنا لا تجف دماؤنا ... وهذا عروسًا باليمامة خالد ويروى: بالمدينة خالد. فأما قولهم: «لا مخبأ لعطرٍ بعد عروسٍ» , فيجوز أن يحمل على المذكر والمؤنثب. وقوله: أهذا اللذيا بنت وردان بنته ... هما الطالبان الرزق من شر مطلب اللذيا: تصغير الذي. والذي عند البصريين أصله لذٍ مثل عمٍ, ودخلت عليه لام التعريف. وقال قوم: بل هو مبني من لامٍ وذالٍ, وقال آخرون: ذاله مثل ذال هذا, واستدلوا على ذلك بقولهم في التصغير: اللذيا, كما قالوا في تصغير هذا: هاذيا, ويقال في تصغير التي: اللتيا, ويقال في المثل: «فعل ذلك بعد اللتيا والتي»؛ أي: بعد الأمر الشاق. وبعض

стр. 207

الناس يقول: اللتيا والتي من أسماء الداهية, والمعنى متقارب. قال الراجز: [الرجز] يا بنة هندٍ لا تسبن ابنتي بعد اللتيا واللتيا والتي ... إذا علتها أنفس تردت فجاء لقوله التي في آخر البيت بصلةٍ على أصل ما يجب في الأسماء الموصولات, ويجوز أن يكون قولهم: اللتيا والتي يريدون به ما صغر من الأمور وكبر, ومنه قول الضبي: ولقد رأيت ثأى العشيرة كلها ... وكفيت جانيها اللتيا والتي وإذا أرادوا الكناية عن الأمر الشديد جاؤوا بالكلمتين الأولى مصغرة والثانية غير مصغرة, لا يقتصرون على الواحدة منهما. وقوله: لقد كنت أنفي الغدر عن توس طيئٍ ... فلا تعذلاني رب صدق مكذب يقال: فلان من توس صدقٍ, وسوس صدقٍ؛ أي: من أصله ومعدنه. وطيئ

стр. 208

أكثر ما يستعمل بالهمز, وربما قالوا: طي بغير همزة. وحكي عن ابن الكلبي أنه قال: إنما سمي طيئًا لأنه أول من طوى المناهل, يعني طي البئر التي تعرفه العامة, ونسب هذا البيت إليه, وهو قوله: [الوافر] فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت وهذا البيت يوجد في الحماسة منسوبًا إلى رجل يقال له: سنان, وإذا صح هذا القول فالهمز في طيئٍ غير أصلي, وإنما يجري مجرى قولهم: حلأت السويق, والأصل من الحلاوة ونشئت الرائحة, وإنما هو من النشوة, وهي الرائحة الطيبة. وقال بعض الناس: طيئ مأخوذ من قولهم: طاء في الأرض إذا ذهب فيها. فإذا أخذ بهذا القول فالهمزة في طيئ أصلية. وقد زعموا أن سبأ بن يشجب إنما سمي سبأً لأنه أول من سبى الذرية, وسبي الذرية غير

стр. 209

مهموزٍ, وقد جاء سبأ في القرآن والشعر الفصيح مهموزًا. قال الشاعر: [البسيط] ظلت تطاردها الولدان من سبأٍ ... كأنهم تحت دفيها الدحاريج وقال آخر, وهو يروى للجعدي ولأمية بن أبي الصلت: [المنسرح] من سبأٍ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما وهذا أمر لا يعلم كيف حقيقته؛ لأنه خطب متقادم. ويجوز أن يكون مأخوذًا من سبأت الخمر, أو سبأته النار؛ إذا أحرقت جلده. ومن أبيات أولها لما نسبت فكنت ابنًا لغير أبٍ ... ثم اختبرت فلم ترجع إلى أدب وهي من البسيط الأول عند الخليل, والسحل الثاني عند غيره, وقافيتها من المتراكب قوله: ملقب بك ما لقبت ويك به ... يا أيها اللقب الملقى على اللقب

стр. 210

ويك: كلمة يختلف في تفسيرها, وكان الخليل يذهب إلى أنها وي في معنى التعجب من الشيء والإنكار له, فقيل بعده كأنه كذا وكذا. وفي الكتاب العزيز: ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾. وكان أبو زيد يحكي عن العرب أن ويك في معنى ألم تعلم وألم تر, ويفسر الآية على معنى ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون, وألم تر. وقال قوم: هي كلمة موضوعة للتعجب وقل ما تجيء في الكلام الفصيح إلا وبعدها أن المخففة أو المثقلة, وقد استعملها أبو الطيب على غير ذلك, إلا أن عنترة قال: [الكامل] ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم ويحكى عن الفراء أنه يذهب إلى المراد بها ويلك فحذفت اللام, وهذا قول يبعد, ويلزمه فيه أن تكون أن بعدها مكسورة, (٢٩/ب) , لأنا لو قلنا للرجل: ويلك إن السلطان يطلبك, وويلك إن فعلك مذموم, لكان الوجه كسر إن, ولابد لمن ذهب مذهب الراء أن يضمر فعلًا يوجب فتح أن, كأنه لما كان المعنى ويلك كان كأنه قال: احذر أن فعلك مذموم فيفتح أن, إما لأنها وما بعدها من الكلام في معنى المصدر, وقد وقعت موقع المفعول كأنه قال: احذر ذمك. ويجوز أن تجعل وما بعدها في موضع المفعول له, كأنه قال: احذر لأن فعلك مذموم؛ أي: من أجل ذلك. وقال زيد بن عمرو بن نفيلٍ: [الخفيف] سالتاني الطلاق أن رأتاني ... قل مالي قد جئتماني بنكر ويك أن من يكن له نشب يحـ ... ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر

стр. 211

وقوله: يا أيها اللقب الملقى على اللقب: لما كان اللقب المكروه يشق على الإنسان جعل الشاعر من هجاه كأن لقبه ملقب به؛ أي: أن اللقم لم يزده نقصًا, بل أحدث نقصًا في اللقب. ومن أبيات أولها لقد أصبح الجرذ المستغير ... أسير المنايا صريع العطب وهي من المتقارب الثالث. الجرذ: ذكر الفأر, وقد تكلموا به قديمًا, وقالوا في جمعه: جراذ, كما قالوا: ربع ورباع. قال الهذلي, وكان طرق الحبشة أيام كونهم في اليمن: لدى معشرٍ لا يختنون نساءهم ... وأكل الجراذ عندهم غير أفئد والمستغير: يحتمل أن يكون من قولهم: استغار إذا طلب الغيرة؛ أي: الميرة, أو من أنه يغير على الطعام إذا قدر عليه, أو من أنه يدخل في غار يسكنه. وقوله: كلى الرجلين اتلى قتله ... فأيكما غل حر السلب يقال: اتلى الشيء, وهو افتعل من ولي, كما أنك إذا بنيت من وعد افتعل قلت: اتعد,

стр. 212

والأكثر تشديد التاء, وربما قالوا: ايتعد, فيجوز على هذا أن يقال كلى الرجلين ايتلى بياء. والوجه في كلى أن يكون خبرها موحدًا, وكذلك جاء في هذا البيت ويقال: كلى الرجلين مريض, ويقبح أن يقال: كلى الرجلين مريضان. وكان الكوفي لا يجيز ذلك. وذكر سعيد بن مسعدة, وأبو إسحاق الزجاج أن ذلك جائز عندهما, وإنما ذكراه في قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا﴾. ويقال: إن يزيد بن القعقاع قرأ «آتتا» على التثنية, وهذا شاهد لمن أجاز ذلك, وليس هو بمعروفٍ. وقوله: غل حر السلب, أي: أيكما خان في الغنيمة, والغلول: الخيانة في المغنم, وحر الشيء خالصه وجيده. ومن التي أولها آخر ما الملك معزى به ... هذا الذي أثر في قلبه وهي من السريع الثاني في رأي الخليل, ومن أول الطلق السابع في قول غيره, وقافيتها من المتواتر جعل التنوين في قوله معزى به بمنزلة الحروف الصحاح؛ لأنه موازٍ للام في قلبه, ولو وقع في موضعها اسم مؤنث لا ينصرف مثل حبلى وسكرى لجاز صرفه على الضرورة؛ وذلك لا يوجد في الشعر القديم إلا أنه جائز على القياس, ولا يعرف شعر

стр. 213

جاءت فيه سلمى ونحوها مصروفةً, لأن ألف التأنيث في زنة التنوين فلا يحتاج إلى الصرف, ألا ترى أنه لا ضرورة تدعو إلى تنوين سلمى في قول الشاعر: [الوافر] وكم من مهمهٍ من دون سلمى ... قليل الأهل ليس به كتيع أي: أحد, فإن اتفق أن يجيء في الشعر سلمى ابنة فلان مثل عامرٍ أو مالك فقول النحويين أن صرف ما لا ينصرف جائز في الشعر يوجب أن يجيزوا تنوين سلمى, ثم يحركوا التنوين لالتقاء الساكنين, وإذا وقعت في مثل هذه القافية التي لأبي الطيب جاز تنوينها لتخرج من حال اللين إلى حال التنوين, وهو يقوم في هذا الموضع مقام ما صح من الحروف ولم يكن فيه لين. وقوله: لو درت الدنيا بما عنده ... لاستحيت الأيام من عتبه يقال: استحيا الرجل, وهي اللغة العالية, ويجوز: استحى, وقد روي عن ابن كثيرٍ أنه قرأ: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما﴾ , وقال التغلبي: [الطويل] ألا تستحي منا ملوك وتتقي ... مظالمنا لا يبؤ الدم بالدم

стр. 214

وقوله: يموت راعي الظأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه (٣٠/أ) الظأن: مهموزة, يقال: ضأن وضأن, بالتحريك, وضئين على مثال فعيلٍ, وضئين بكسر الضاد؛ لأن ما كان على فعيل وفعل إذا كان ثانيه حرفًا من حروف الحلق كسر بعض العرب أوله فإذا وقع الضأن في قوافٍ مثل الزبن والخزن همز لا غير, كقول الراجز: تعلمن يا زيد يا بن زبن ... لشربتان من عكي الضأن ألين مسا في حوايا البطن ... من يثربياتٍ خفافٍ خشن يرمي بها أرمى من ابن تقين وإذا وقع الضأن مع قواف ملينةٍ مثل دانٍ وجانٍ لم يكن بد من تليين الهمز, كقول أبي خراش: إليك أم ذبان ... قد صرحت بجلدان طعنًا كإيزاغ الضان

стр. 215

فإذا كان الضأن في غير القافية جاز الوجهان. وأصل الطب العلم بالشيء, يقال: هو طب وطبيب, وكثر ذلك حتى سمي الداء طبا؛ لأنه يحتاج إلى طبيب, كأنهم يريدون الشيء الذي يفتقر إلى الطب. وحكي: إن كنت ذا طب وطب وطب فطب لنفسك وطب لنفسك. وسموا السحر طبا. وفي الحديث: «طب النبي ﷺ ». ويجوز أن يكون قولهم للرقعة التي في أسفل المزادة: طبابة وطباب مأخوذًا من الطب؛ أي: إنها تطبيب لدائها, قال جرير: [الوافر] بلى فارفض دمعك غير نزرٍ ... كما عينت بالسرب الطبابا وقوله: وربما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه يقال: هو آمن في سربه؛ أي: في نفسه, هكذا عبارة المتقدمين, وينبغي أن يكون أصله من السرب الذي هو جماعة النساء؛ أي: هو آمن على نفسه وحلائله وقرائبه, ثم اتسعوا في ذلك لما كان أمن هؤلاء مؤديًا أمنه, فجعلوا سربه كنايةً عن نفسه, والقياس يوجب أن يقال: هو آمن في سربه؛ لأن السرب المال الراعي. وقد زعم بعضهم أنه يقال له سرب في معنى سربٍ, إلا أن أكثر الاستعمال في المال فتح السين. قال الراجز:
следующие страницы →