← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقوله: يا أيها اللقب الملقى على اللقب: لما كان اللقب المكروه يشق على الإنسان جعل الشاعر من هجاه كأن لقبه ملقب به؛ أي: أن اللقم لم يزده نقصًا, بل أحدث نقصًا في اللقب. ومن أبيات أولها لقد أصبح الجرذ المستغير ... أسير المنايا صريع العطب وهي من المتقارب الثالث. الجرذ: ذكر الفأر, وقد تكلموا به قديمًا, وقالوا في جمعه: جراذ, كما قالوا: ربع ورباع. قال الهذلي, وكان طرق الحبشة أيام كونهم في اليمن: لدى معشرٍ لا يختنون نساءهم ... وأكل الجراذ عندهم غير أفئد والمستغير: يحتمل أن يكون من قولهم: استغار إذا طلب الغيرة؛ أي: الميرة, أو من أنه يغير على الطعام إذا قدر عليه, أو من أنه يدخل في غار يسكنه. وقوله: كلى الرجلين اتلى قتله ... فأيكما غل حر السلب يقال: اتلى الشيء, وهو افتعل من ولي, كما أنك إذا بنيت من وعد افتعل قلت: اتعد,

стр. 212

والأكثر تشديد التاء, وربما قالوا: ايتعد, فيجوز على هذا أن يقال كلى الرجلين ايتلى بياء. والوجه في كلى أن يكون خبرها موحدًا, وكذلك جاء في هذا البيت ويقال: كلى الرجلين مريض, ويقبح أن يقال: كلى الرجلين مريضان. وكان الكوفي لا يجيز ذلك. وذكر سعيد بن مسعدة, وأبو إسحاق الزجاج أن ذلك جائز عندهما, وإنما ذكراه في قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا﴾. ويقال: إن يزيد بن القعقاع قرأ «آتتا» على التثنية, وهذا شاهد لمن أجاز ذلك, وليس هو بمعروفٍ. وقوله: غل حر السلب, أي: أيكما خان في الغنيمة, والغلول: الخيانة في المغنم, وحر الشيء خالصه وجيده. ومن التي أولها آخر ما الملك معزى به ... هذا الذي أثر في قلبه وهي من السريع الثاني في رأي الخليل, ومن أول الطلق السابع في قول غيره, وقافيتها من المتواتر جعل التنوين في قوله معزى به بمنزلة الحروف الصحاح؛ لأنه موازٍ للام في قلبه, ولو وقع في موضعها اسم مؤنث لا ينصرف مثل حبلى وسكرى لجاز صرفه على الضرورة؛ وذلك لا يوجد في الشعر القديم إلا أنه جائز على القياس, ولا يعرف شعر

стр. 213

جاءت فيه سلمى ونحوها مصروفةً, لأن ألف التأنيث في زنة التنوين فلا يحتاج إلى الصرف, ألا ترى أنه لا ضرورة تدعو إلى تنوين سلمى في قول الشاعر: [الوافر] وكم من مهمهٍ من دون سلمى ... قليل الأهل ليس به كتيع أي: أحد, فإن اتفق أن يجيء في الشعر سلمى ابنة فلان مثل عامرٍ أو مالك فقول النحويين أن صرف ما لا ينصرف جائز في الشعر يوجب أن يجيزوا تنوين سلمى, ثم يحركوا التنوين لالتقاء الساكنين, وإذا وقعت في مثل هذه القافية التي لأبي الطيب جاز تنوينها لتخرج من حال اللين إلى حال التنوين, وهو يقوم في هذا الموضع مقام ما صح من الحروف ولم يكن فيه لين. وقوله: لو درت الدنيا بما عنده ... لاستحيت الأيام من عتبه يقال: استحيا الرجل, وهي اللغة العالية, ويجوز: استحى, وقد روي عن ابن كثيرٍ أنه قرأ: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما﴾ , وقال التغلبي: [الطويل] ألا تستحي منا ملوك وتتقي ... مظالمنا لا يبؤ الدم بالدم

стр. 214

وقوله: يموت راعي الظأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه (٣٠/أ) الظأن: مهموزة, يقال: ضأن وضأن, بالتحريك, وضئين على مثال فعيلٍ, وضئين بكسر الضاد؛ لأن ما كان على فعيل وفعل إذا كان ثانيه حرفًا من حروف الحلق كسر بعض العرب أوله فإذا وقع الضأن في قوافٍ مثل الزبن والخزن همز لا غير, كقول الراجز: تعلمن يا زيد يا بن زبن ... لشربتان من عكي الضأن ألين مسا في حوايا البطن ... من يثربياتٍ خفافٍ خشن يرمي بها أرمى من ابن تقين وإذا وقع الضأن مع قواف ملينةٍ مثل دانٍ وجانٍ لم يكن بد من تليين الهمز, كقول أبي خراش: إليك أم ذبان ... قد صرحت بجلدان طعنًا كإيزاغ الضان

стр. 215

فإذا كان الضأن في غير القافية جاز الوجهان. وأصل الطب العلم بالشيء, يقال: هو طب وطبيب, وكثر ذلك حتى سمي الداء طبا؛ لأنه يحتاج إلى طبيب, كأنهم يريدون الشيء الذي يفتقر إلى الطب. وحكي: إن كنت ذا طب وطب وطب فطب لنفسك وطب لنفسك. وسموا السحر طبا. وفي الحديث: «طب النبي ﷺ ». ويجوز أن يكون قولهم للرقعة التي في أسفل المزادة: طبابة وطباب مأخوذًا من الطب؛ أي: إنها تطبيب لدائها, قال جرير: [الوافر] بلى فارفض دمعك غير نزرٍ ... كما عينت بالسرب الطبابا وقوله: وربما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه يقال: هو آمن في سربه؛ أي: في نفسه, هكذا عبارة المتقدمين, وينبغي أن يكون أصله من السرب الذي هو جماعة النساء؛ أي: هو آمن على نفسه وحلائله وقرائبه, ثم اتسعوا في ذلك لما كان أمن هؤلاء مؤديًا أمنه, فجعلوا سربه كنايةً عن نفسه, والقياس يوجب أن يقال: هو آمن في سربه؛ لأن السرب المال الراعي. وقد زعم بعضهم أنه يقال له سرب في معنى سربٍ, إلا أن أكثر الاستعمال في المال فتح السين. قال الراجز:

стр. 216

ياثكلها قد فقدته أروعا ... أبلج يحمي السرب أن يفزعا وقالوا: خل سربه؛ أي: طريقه, والمعنى: خل الطريق الذي يسرب فيه؛ لأنه يقال: سرب في النهار إذا سار, وفي الكتاب العزيز: ﴿وسارب بالنهار﴾ , وقال قيس بن الخطيم: [الكامل] أني سريت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب يقول: كيف سريت إلينا ليلًا وأنت لا تسربين بالنهار, وسرى الليل أشق وأصعب؟ وقوله: وكان من حدد إحسانه ... كأنه أسرف في سبه من روى حدد فهو من: حددت الشيء؛ إذا فصلته من غيره, ومن روى عدد فهو من العدد. يقول: كان هذا الشخص من حدد إحسانه أو عدده, فكأنه ساب له؛ لأن فعله الأجمل كثير لا يدخل تحت العدد ولا الحدود. ويجوز أن يكون المعنى أن المذكور كان يكره أن يحمد لاحتقاره ما يسدي من الأيادي. وأصل السب القطع, وإنما يقال: سببت الرجل؛ إذا شتمته؛ لأن الشتم يقطع ما بينكما من المودة. وقيل للشقة: سبيبة, لأنها تقطع عن النول, ومن ذلك قول الشاعر: [المتقارب] فما كان ذنب بني دارمٍ ... بأن سب منهم غلام فسب

стр. 217

بأبيض ذي شطبٍ باترٍ ... يقد العظم ويبري العصب قوله: بأن سب منهم غلام؛ أي: شتم. وسب في القافية في معنى قطع, كذلك ذكر ابن دريد, وقد يجوز أن يكون سب في القافية في معنى الشتم, كأنه لما سب جعل جزاء سبه أن عقر إبله وأعلمهم أنهم لا يقدرون على مثل ما فعل؛ فكأنه شتمهم. وقوله: ويظهر التذكير في ذكره ... ويستر التأنيث في حجبه بعض الملوك إذا ذكرت من أهله امرأة أخبر عنها كما يخبر عن الرجال؛ فإذا كانت له أخت قيل: أخو الملك أو الأمير يريد كذا, أو يسأل كذا, وربما فعلت العامة ذلك, فإذا سألوا الصديق عن أخته قالوا: ما فعل أخوك الذي في البيت؟ وهذا من جنس قول أبي الطيب: يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أبٍ ولم يسمها. ونحو قوله: كأن فعلة يريد خولة ولعل عضد الدولة لما عزي بهذه المرأة جعلت (٣٠/ب) عما, وأخبر عنها كما يخبر عن الملك أو الأمير. وقوله: فخرًا لدهرٍ بت من أهله ... ومنجبٍ أصبحت من عقبه يكنى عن الولد بالعقب والعقب, وفي الكتاب العزيز: ﴿وجعلها كلمةً باقيةٍ في

стр. 218

عقبة﴾. وقد قرئت بسكون القاف. وكذلك يقولون: رجع على عقبه وعقبه, واستعملوا عقب الإنسان على الوجهين, والعقب من القدم هو الأصل؛ لأنه المؤخر عنها فشبه به ما يجيء بعد. وقوله: أيما لإبقاءٍ على فضله ... أيما لتسليمٍ إلى ربه جاء إبدال الميم الأولى في إما وأما. قال ابن أبي ربيعة في إبدالها من المفتوحة: رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشي فيخصر وإذا فعلوا ذلك بالمكسورة فتحوا أولها, قال الشاعر: [البسيط] ياليت ما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنةٍ أيما إلى نار ومن التي أولها ما أنصف القوم ضبه وهي من المجتث عند الخيل. ضبة الذي هو اسم الرجل يحتمل وجوهًا من الاشتقاق, منها: أن يكون مسمى بأنثى الضب, أو بالضبة التي هي الطلعة قبل أن تنفتح, أو بالضبة من الحديد, ويجوز أن يكون من قولهم: ضبت لثته؛ إذا سال لعابه من الحرص. قال عنترة: [الطويل] أبينا أبينا أن تضب لثاتكم ... على نسوةٍ مثل الظباء عواطيا

стр. 219

وقالوا: بضت يده دمًا, وضبت كأنه مقلوب, وينشد لأيوب بن عبيدٍ العنبري: [الطويل] ويوم كتنور الإماء سجرنه ... وألقين فيه الجزل حتى تضرما رميت بنفسي في أجيج سمومه ... وبالعنس حتى ضب منسمها دما ويقال: ضب الحالب إذا جمع الخلفين بكفيه. قال الشاعر: [الطويل] جمعت له كفي بالرمح طاعنًا ... كما جمع الخلفين في الضب حالب وقوله: وأمه الطرطبه الطرطبة: العظيمة الثديين, ويجوز أن يكون قبل لها ذلك لأن ثديها إذا وقع على صدرها سمع له صوت, والطرطبة: صويت يخرجه الراعي من بين شفيته, وسموا ذلك الصويت الطرطب, قال الراجز: [الرجز] إن أباك زهزق دقيق ... لا حسن الوجه ولا عتيق تضحك من طرطبه العنوق

стр. 220

زهزق: خفيف طائش العقل, قال الراجز: [الرجز] لما رآني قد أتيت طحربا ... وفر مني فرقًا وطرطبا ويجوز أن يكون طرطب في هذا الموضع كنايةً عن صوتٍ يخرج من البطن, والمعروف من كلامهم طرطبة, بسكون الراء. وفي حديث علي ﵇ «أنه تزوج امرأة فسئل عنها قال: فوجدتها ضبعًا طرطبه». وإذا سكنت الراء في هذا البيت لحق الوزن شيء لا بأس به, إلا أن تسكينها يجعل بين النصفين فرقًا في الغريزة. وأصحاب الخليل ينكرون ذلك, وهو عند غيرهم جائز بلا امتراء. ويجوز أن يكون أبو الطيب قاله بتسكين الراء, وذلك أشبه به, وتحريكها أوزن, إلا أنهم يجيزون ضم الساكن الذي في فعل الثلاثي, فإذا كان أول الكلمة مضمومًا, وثانيها ساكنًا, وجاء صدرها على فعل, بفتح اللام, أو فعل, بضمها, لم يستعلموا فيها ما استعملوه في شغلٍ وصبحٍ, وآثروا الإسكان. وقد حكى سيبويه حرفًا شاذًا, وهو قولهم: السلطان, بضم اللام. وروي أن عيسى بن عمر قرأ: ﴿حتى يأتينا بقربانٍ تأكله النار﴾. فأما مثل طرطبة فلم يأت فيه تحريك الثاني, وليس بأبعد من غيره إن جاء. وقوله: رمواة برأس أخيه ... وناكوا الام غلبه غلبة كالمصدر لغلبت, يقال: غلبته غلبًا وغلبًا وغلبةً وغلبةً.

стр. 221

وقوله: وحيلةً لك حتى ... عذرت لو كنت تئبه يقال في الماضي: ما أبهت له, وما أبهت. فمن قال أبهت فإن بعض العرب إذا كان الماضي على فعل يجيز كسر أول المضارع مع حروف المضارعة الثلاثية, فيقول: إيبه وتئبه ونئبه, فإذا صاروا (٣١/أ) إلى الياء فتحوا أول المضارع, هذه حكاية سيبويه. وزعم الفراء أن قومًا من كلبٍ يكسرون مع الياء, ومن هذا النحو قولهم: إخال في أخال؛ لأن الماضي خلت, ولا يحسن أن تجعل الهمزة في تئبه ياءً في هذا الشعر؛ لأنه يصير سنادًا, وقد جعل أبو الطيب الهاء الأصلية وصلًا مع هاءات الإضمار في غير موضع, كقوله: تئبه وأشبه, وقوله: .............. ... ............ يا فردًا بلا مشبه وليس ذلك بعيبٍ, وتركه أحسن. وقوله: ولم ينكها ولكن ... عجانها ناك زبه العجان: ما بين بيضتي الإنسان ودبره, وقد استعمل في المرأة والرجل والناقة, قال الشاعر: [الطويل] تركت العبدى ينقرون عجانها ... كأن غرابًا فوق أنفك واقع وقوله: وليس بين هلوكٍ ... وحرةٍ غير خطبه

стр. 222

الهلوك: الفاجرة؛ لأنها تتهالك على الرجال؛ أي: تلقي نفسها إليهم, قال أبو دؤاد: [المتقارب] غدونا به كسوار الهلو ... ك مضطمرًا حالباه اضطمارا وقوله: يا قاتلًا كل ضيفٍ ... غناه ضيح وعلبه الضيح: اللبن الذي يمزج بماءٍ كثيرٍ, يقال: ضيحت الضيف؛ إذا سقيته الضيح. قال الراجز: [الرجز] امتحضا وسقياني ضيحا ... وقد كفيت صاحبي الميحا وفي الحديث أن عمار بن ياسرٍ أتي بضيحةٍ من لبنٍ وهو يقاتل مع علي, فقال: «خبرني رسول الله ﷺ أنها آخر رزقي». والعلبة: إناء من جلودٍ يجعل حوله قضيب ويشرب فيه ويحتلب, ويجمع علبًا وعلابًا, وعلب أكثر, وهذا البيت ينشد على وجهين: [الخفيف] صاح أبصرت أو سمعت براعٍ ... رد في الضرع ما قرى في العلاب

стр. 223

ويروى: الحلاب. فالعلاب: جمع علبةٍ, والحلاب: ما حلب من اللبن, وقيل: بل الحلاب الإناء الذي يحتلب فيه. وقوله: وخوف كل رفيقٍ ... أباتك الليل جنبه يقال: بات الرجل بموضع كذا, وأباته غيره. قال الشاعر, ويقال: إنه لجذيمة الأبرش: [مجزوء الرمل] ربما أوفيت في علمٍ ... يرفعن ثوبي شمالات في فتو أنا رابئهم ... من كلال غزوةٍ ماتوا ليت شعري ما أباتهم ... نحن أدلجنا وهم باتوا وقوله: على نسائك تجلو ... فعولها منذ سنبه يقال سبة من الدهر وسنبة, وأصل السبة من الدهر من السب الذي هو قطع؛ لأنها كالقطعة من الدهر. وفي كتاب العين أن قومًا من العرب الذين بنواحي حمص يبدلون من أول

стр. 224

الحرفين اللذين فيهما تشديد نونًا فيقولون: حنظ في حظ, فيجوز أن يكون قولهم: سنبة في سبةٍ من هذه اللغة. وقد حكوا: مضى سنبت من الدهر, وسنبتة؛ أي: وقت طويل, فيحتمل أن يكون من قولهم: مضى سبت من الدهر؛ أي: حين, وتكون النون زائدة, قال لبيد: [الكامل] وغنيت سبتًا قبل مجرى داحسٍ ... لو كان للنفس اللجوج خلود وقال الأغلب العجلي: [الرجز] رأت غلامًا قد صرى في فقرته ... ماء الشباب عنفوان سنبته فيجوز أن يكون أراد سنبةً, فلما أضاف الكلمة إلى الهاء ثبتت تاء التأنيث كما تثبت في الإدراج, وكانت التاء في سنبته مثلها في رحمته, ويحتمل أن يكون أراد السنبت الذي التاء فيه أصلية, فأضافه إلى الهاء. وقوله: وهن حولك ينظر ... ن والأحيراح رطبه الكلمة التي أولها حاء مكسورة وآخرها راء قد حذفت منها حاء هي آخر الاسم. ولا يعلم أن الحاء حذفت في شيء غير هذه اللفظة, وإنما استدلوا على ذلك بالجمع والتصغير, وأنشد قطرب: [الرجز] لقد أقود جملًا ممراحا ... وقبةً حاملةً أحراحا

стр. 225

وقوله: وكل غرمول بغلٍ ... يرين يحسدن قنبه الغرمونل: يستعمل في ذوات الحافر, وربما استعمل للرجال. وفي الحديث أن عبد الله بن عمر دخل الحمام فلما رأى غراميل الرجال غشي عليه. والقنب: وعاء قضيب الفرس وغيره من ذوات الحافر, قال الراجز: عمارة الوهاب خير من أنس ... وزرعة الفساء شر من علس وأنا خير منك يا قنب الفرس يقال: إنه شبهه بالقنب؛ لأنه كان أسود. وقوله: (٣١/ب) وإن يخنك لعمري ... لطال ما خان صحبه يقال: لعمري, ورعملي على القلب, وهذا الحرف من نادر كلامهم؛ لأنهم جعلوا لام الابتداء في آخر الحرف وقدموا راء عمروٍ, وهذا كلام جاء على الحذف, يقال: لعمري؛ أي: لعمري ما أحلف به, ويقال: هو عمر الإنسان وعمره, فإذا جاؤوا باللام واستعملوه في القسم لزموا فتح العين, وإذا قالوا: عمرك الله فإنما يريدون بعبادتك إياه وخدمتك, وكأنه مأخوذ من العمر الذي هو الزيادة, ومن ذلك اشتقاق عمرة الحج. وأنشد ابن الأعرابي لغالب بن الحر الجعفي: [الطويل] تطوف بها الزوار كل عشيةٍ ... كما طافت العمار بين المناسك

стр. 226

ويجوز أن يكون أصل قولهم: لعمروا الله من قولك: إن عمره دائم بلا نفادٍ, ويقولون: عمرتك الله, أي: قلت لك, عمرك الله, قال الشاعر: [البسيط] عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذي سلم وقوله: وقلت ليت بكفي ... عنان جرداء شطبه الشطبة من الخيل: السبطة العظام, القليلة اللحم, وإنما يستعملونه في الإناث, قال عبد يغوث الحارثي: ولو شئت نجتني من الموت شطبة ... ترى خلفها الجرد العتاق متاليا وقالوا: غلام شطب, يريدون به خفة اللحم, قال الراجز: ترى مع القوم الغلام الشطبا ... إذا أحس وجعًا أو كربًا دنا فما يزداد إلا قربا ويجوز أن يكون قولهم للغلام: شطب, تشبيهًا بالشطبة, وهو ما يشق من جريد النخل.

стр. 227

وفي حديث أم زرعٍ: «مضجعه كمسل الشطبة» , يقال: شطبت المرأة جريدةً؛ إذا شقتها لتتخذ الحصر, قال قيس بن الخطيم: [الطويل] ترى قصد المران تهوي كأنها ... تذرع خرصانٍ بأيدي الشواطب ومن ذلك قيل: شطائب السنام, الواحدة شطيبة, وهي قطع مستطيلة منه, قال الشاعر: [البسيط] عاذت ولما تعذ منه براكبها ... حتى اتقاها بنكلٍ غير مسمور ثم امتطاها فجلى عن شطائبها ... معود ضرب أعناق البهازير الراكب: السنام. والنكل: أصله القيد, يريد أنه عرقبها بالسيف فجعله كالنكل لها. والبهازير: الضخام من الإبل, وهي البهازر أيضًا. * * *

стр. 228

حرف التاء من أبيات أولها لنا ملك لا يطعم النوم همه ... ممات لحي أو حياة لميت وهي من الطويل الثاني عند الخليل, ومن أول السحل الأول عند غيره. استعمل أبو الطيب في هذه الأبيات ضد ما استعمله كثير في لزوم الحرف الذي قبل التاء, فقال: ميت, ثم قال: فرت في البيت الثاني, ثم دولتي. وأكثر الشعراء على هذا لا يلزمون ما قبل التاء. قال الشنفرى: [الطويل] أرى أم عمروٍ أزمعت فاستقلت ... وما ودعت جيرانها إذ تولت وقال فيها: لها وفضة فيها ثلاثون سيحفًا ... إذا آنست أولى العدي اقشعرت وقد لزم ما قبل التاء غير كثيرٍ. قال عمرو بن معد يكرب: [الطويل] ولما رأيت الخيل زورًا كأنها ... جداول زرعٍ أرسلت فاسبطرت فلزم الراء قبل التاء إلى آخر الأبيات, وكذلك فعل الضبي في قوله: [الكامل] حلت تماضر غربةً فاحتلت ... فلجا وأهلك باللوى فالحلة فلزم اللام في جميع الأبيات.

стр. 229

ومن بيتين أولهما أرى مرهفا مدهش الصيقلين ... وبابة كل غلامٍ عتا وهما من المتقارب الثالث. الصيقلين: جمع صيقلٍ, وأكثر ما يستعمل الصياقل, قال خفاف بن ندبة: [الوافر] جلاها الصيقلون فأخلصوها ... خفافًا كلها يتقي بأثر وقوله: بابة كلام غلامٍ: هذا كلمة قد ابتذلتها العامة حتى ظهر فيها ضعف, وقد تكلموا بها قديمًا, فيقولون: هذا بابة كذا؛ أي: يصلح له. والغلام: أصله أن يستعمل فيمن بلغ سبعًا أو ثمانيًا, ثم يقال له ذلك مادام شابا, واشتقاق الغلام في الحقيقة من الاغتلام, أي: إرادة النكاح, فكأنه يجب أن يقال لمن احتلم أو قارب الاحتلام, إلا أن الكلام قد كثر بقولهم للطفل المولود: غلام, فإنما ذلك (٣٢/أ") على سبيل التقول؛ أي: أنه بمشيئة الله

стр. 230

يسلم ويبلغ الحلم, وقد جعلت الأخيلية الحجاج غلامًا, ولم يل إلا وهو مكتهل؛ وذلك قولها: [الطويل] شفاها من الداء العقام الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها ويجوز في القياس أن يسمى الشيخ غلامًا على معنى الذي كان مرةً غلامًا, كما أنك إذا رأيت طفلًا يلعب ثم رأيته بعد برهةٍ طويلةٍ وهو شيخ جاز أن تقول: هذا الطفل فلان. ويقال: غلام وغلامة, قال الشاعر: [الوافر] ومركضةٍ صريحي أبوها ... تهان لها الغلامة والغلام وعتا: من ذوات الواو, يقال: عتا يعتوا عتوا؛ إذا أبى الطاعة ولزم فعلًا غير جميلٍ. وقوله تعالى: ﴿أيهم أشد على الرحمن عتيّا﴾ , يجوز أن يكون جمع عات مثل غاز وغزي, ويجوز أن تكون الواو قبلت ياءً في المصدر. وإذا جعل هذا الشعر في حرف التاء؛ فالألف التي بعدها وصل, وقد يمكن أن يجعل الألف رويًا, ويكون الشاعر متبرعًا بلزوم التاء. وقد كثر في الشعر القديم مجيء فتى مع غيره من المقصورات؛ مثل: سرى ورحى, وغير ذلك. قال الراجز, ويروى للشماخ: إنك يا بن جعفر نعم الفتى ... ونعم مأوى طارق إذا أتى ورب ضيفٍ طرق الحي سرى ... صادف زادًا وحديثًا ما اشتهى إن الحديث طرف من القرى وقال الراعي النميري: [الطويل]

стр. 231

عجبت من السارين والريح قرة ... إلى ضوء نارٍ بين فردة والرحى وقال فيها: فأومأت إيماءً خفيا لحبترٍ ... فلله عينا حبترٍ أيما فتى ومن التي أولها سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها وهي من الضرب الأول من الكامل عند الخليل, ومن أول السحل الثالث عند غيره. المحاسن: جمع لم يستعملوا واحده, ولو استعملوه لوجب أن يكون على محسنةٍ, مثل مطعمةٍ. ويمكن أن يستعمل على محسنة؛ لأن الفعل حسن يحسن, مثل: مكرمةٍ من كرم يكرم, وقد جاءت أشياء من هذا الباب تشترك فيها مفعلة ومفعلة, مثل: مزرعة ومزرعةٍ ومثلبةٍ ومثلبةٍ, وحكوا في واحد المآرب مأربة ومأربة ومأربة. وقوله: ذواتها: في معنى صواحبها؛ لأن ذات أنثى قولهم: ذو مال, إلا أن ذو يكون في الرفع بواوٍ, وفي النصب بألفٍ, وفي الخفض بياءٍ, وذات لزمها الألف في كل حالٍ؛ وذلك لأن ما قبل هاء التأنيث لا يكون إلا مفتوحًا في أكثر الكلام إلا في مواضع شاذة كقولهم هذه وهذه وأختٍ وبنتٍ في أحد القولين, ولم يجئ عن العرب ذو في حال التوحيد مضافًا

стр. 232

إلى ضمير. وإذا قووه بالجمع فقالوا: ذوو في الرفع وذوي في النصب والخفض, فربما أضافوه إلى المضمر. وذوات في الإضافة أقوى من (ذوو)؛ لأن حروفها أكثر من حروفه. وقوله: داني الصفات بعيد موصوفاتها؛ أي: إنا نصفه بيننا فنقول: سرب حسن, وسرب جميل, فالصفات قريبة منا, والموصوفات بالحسن والجمال بعيدات منا لا يقدر عليهن. وقوله: أوفى فكنت إذا رميت بمقلتي ... بشرًا رأيت أرق من عبراتها أوفى: يستعمل في معنى أطل وأشرف, ولا يكون ذلك إلا من مكان عالٍ, يقال: أوفى الجبل إذا علاه, ولا يستعملون وفى في هذا الموضع. وقالوا: أوفى بالعهد ووفى. قال الصمة الأكبر: [الوافر] وفاء ما معية من أبيه ... لمن أوفى بجارٍ أو بعقد وقال السموأل: [الوافر] وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت وقوله: رميت بمقلتي؛ أي: رميت بلحظها, فحذف المضاف, كما قال النابغة: [الطويل] وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعلٍ في ذي المطارة عاقل

стр. 233

أي: على مخافة وعلٍ. والعبرات: جمع عبرةٍ, ويقال: إن أصل العبرة تردد البكاء في العين. فأما هذا الشاعر فلم يرد إلا الدمع بعينه. وقد يجوز أن يحمل على أنه أراد من ماء عبراتها فحذف, ووصف البشر بالرقة, وجعله أرق من عبرات عينه؛ لأن الدمع يوصف بالصفاء, فيقال في الماء: كأنه الدموع, يريدون صفاءه. وقوله: يستاق عيسهم أنيني خلفها ... تتوهم الزفرات زجر حداتها (٣٢/ب) قد مضى ذكر العيس ويقال: تعيس البعير إذا كان يشبه ذلك الصنف من الإبل, ولم يكن بالخالص منه. قال المرار الفقعسي: [الكامل] داو الهموم بكل معطي رأسه ... جونٍ مخالط صهبةٍ متعيس وهذا كما يقال للرجل: تقيس؛ إذا أضاف نفسه إلى قيسٍ بانتسابٍ أو مجاورةٍ أو عصبيةٍ, وليس هو من الصميم. يستاق: يفتعل من السوق, يريد أن الإبل تسير وهو يئن خلفها ويزفر؛ أي: يتنفس تنفسًا عاليًا, فتحسب العيس ذلك زجر حداةٍ يحدونها ويحثونها على السير.

стр. 234

وقوله: وكأنها شجر لكنها ... شجر جنيت الموت من ثمراتها الشعراء تشبه حمولة القوم بالشجر وبالسفين, وأكثر ما يشبهونها بالنخيل, وقد شبهها امرؤ القيس بالدوم, وإنما يجعلونها كالسفين والنخيل إذا رفعها الآل. قال: [الطويل] فشبهتهم بالآل لما زهاهم ... عصائب دومٍ أو سفينًا مقيرا أو المكرعات من نخيل ابن يامنٍ ... دوين الصفا اللائي يلين المشقرا وقال النابغة: [الطويل] فشبهتها في الصبح نخل ابن يامنٍ ... فلما طغت في الآل قلت سفائن وقوله: لا سرت من إبلٍ لو اني فوقها ... لمحت حرارة مدمعي سماتها دعا بأن لا تسير الإبل خشيةً من أن يبعد من عليها. والسمات: جمع سمةٍ, وادعى أنه لو ركبها لمحت حرارة الماء الذي يسيل من مدمعيه وسومها الثابتة على ممر الأيام, وهذه نهاية في المبالغة؛ لأن الوسم لا يزول من البعير حتى يموت. وقوله: وحملت ما حملت من هذي المها ... وحملت ما حملت من حسراتها يقول: لو أني فوقك يا إبل راكبًا لحملت اللواتي عليك من النساء المشبهات بالمها, وكان ذلك هينًا علي, وحملت ما حملت من حسراتها؛ أي: كنت أتولى حملها دونك فتلحقك لذلك حسرات فتحملين ما أنا حامل من الحسرات الموجبتها هذه المتحملات, وأضاف الحسرات إلى النساء؛ لأنها تكون من أجلهن. والعرب تتسع في الإضافة فتضيف الشيء إلى ما بعد منه, مثل أن ترى رجلًا قد قتل

стр. 235

آخر بنجدٍ وهو بالغور فتقول: هذا قاتل نجدٍ؛ أي: الذي قتل رجلًا في ذلك المكان. وقوله: إني على شعفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها الشعف في الحب مثل اللهج به, وقيل: أصل الشعف الإحراق, كأنهم يريدون أنه قد احترق باللوعة. وقيل: شعفه الحب؛ إذا أخذ شعفة قلبه؛ أي: أعلاه. والخمر: جمع خمارٍ. وكل كلمة فيها خاء وميم وراء على هذا الترتيب فهي مأخوذة من خمرت الشيء إذا سترته. وسراويلات: جمع سراويل, وهو اسم أعجمي في الأصل معرب, وكلام سيبويه يدل على أنه مصروفٌ, وسعيد بن مسعدة يمتنع من صرفه, ويقول: هو جمع سروالةٍ, وينشد: [المتقارب] عليه من اللؤم سروالة

стр. 236

وأصحاب سيبويه يطعنون في قول ابن مقبلٍ: [الطويل] يمشي بها ذب الرياد كأنه ... فتى فارسي سراويل رامح وينشدونه بالخفض على إضافة سراويل إليه ينصرون بذلك قول سيبويه, ولا ريب أن قول ابن مسعدة في هذا أقوى. وقوله: وترى المروة والفتوة والأبو ... ة في كل مليحةٍ ضراتها أصل المروة الهمز, ويجب أن يكون أبو الطيب خفف الهمزة ليضاهي بها الأبوة والفتوة. والمروة في الاشتقاق من قولهم: هذا امرؤ صالح, كأنهم يقولون: في فلان مروءة؛ أي: هو امرؤ محمود, كما يقولون: فيه إنسانية. وقد علم أن كل من ولده آدم لا يخلو من شبه بالإنس يحكم له بالإنسانية, ولكن هذا اللفظ حمل على الحذف, كما أنهم يقولون: فلان من أهل بيتٍ, يريدون بيتًا له شرف وكرم. وكل أحدٍ لا بد أن يأوي إلى بيتٍ أو إلى ما يقوم مقامه من الكن. والضرة: التي يتزوجها الرجل بعد المرأة الأولى, ثم يقال لكل واحدةٍ منهما: ضروة, ويقال: تزوجت المرأة على ضر وضر, وامرأة مضر؛ أي لها ضرات. قال ابن أحمر: كمرآة المضر غدت عليها ... إذا رامقعت فيها الطرف جالا وقالوا في الجمع: ضرائر, وكأنه جمع ضريرةٍ؛ لأن الضرة والضريرة أخذتا من الضر, قال كثير: [الطويل]

стр. 237

وإني لأستأني ولولا طماعتي ... بعزة قد جمعت بين الضرائر والمعنى أن المروءة والأبوة والفتوة تمنعني من وصال الملاح؛ فكل مليحة تعد هذه الخلال التي في ضراتٍ لها تمنعني من وصالها. وقوله: (٣٣/أ) ومطالبٍ فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها يقال: رجل ثبت الجنان وثابت الجنان وثبيت الجنان, وقولهم: ثبت كأنه مصدر وصف به, قال طرفة: [المديد] الهبيت لا فؤاد له ... والثبيت ثبته فهمه كل من نقصت رتبته قيل له: هبيت, وهو وصف مذموم. هذا يدل على أن الثبت في هذا البيت مصدر. والجنان: القلب. وقوله: ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتها ... أقوات وحشٍ كن من أقواتها المقانب: جمع مقنبٍ, وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين, أكثر ما يستعمل ذلك في الخيل, وقيل: إنه يستعمل في الرجالة. وفي الحديث: «يكون في مقنبٍ من مقانبكم». وسليك المقانب هو: سليك بن السلكة, أضيف إلى المقانب لأنه كان كثير الغارات, وإنما

стр. 238

لزمه هذا الاسم لقول القائل: [الطويل] لزوار ليلى منكم آل برثنٍ ... على الهول أمضى من سليك المقانب ويقال لكساء يجمع فيه الجراد: مقنب. قال الراجز: أقسمت لا أجعل فيها عنظبا ... إلا دباساء توفي المقنبا العنظب: ذكر الجراد, والدباساء: الأنثى. يعني أنه قتلهم فأكلتهم الوحوش كالأسد والنمور والذئاب والضباع, وكأن هؤلاء القوم يصيدون هذه الوحوش فيأكلونها, كأنه يصفهم بالنجدة والشدة وأنهم كانوا يأكلون هذه الأجناس التي لم تجر العادة بأكلها. وقوله: الثابتين فروسةً كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها قوله: في ظهرها: وضع الواحد في موضع الجمع, وهو كقول الآخر: كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فإن زمانكم زمن خميص وقال علقمة: [الطويل] بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب

стр. 239

أي: جلودها, والمعنى أنه وصفهم بالثبات على ظهور الخيل وهي تطعن في لباتها. واللبة: باطن العنق, وهو ما حول النحر, والذي يكون عليه الحلي من المرأة. قال امرؤ القيس: كأن على لباتها جمر مصطلٍ ... أصاب غضًاغ جزلًا وكف بأجذال وقوله: العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها لو أن هذا الكلام منثور لكان الواجب أن يقال والراكب جدودهم على التوحيد؛ لأن اسم الفاعل إذا تقدم جرى مجرى الفعل, فيقال: مررت بالراكب الخيل جدوده, وجدودهم؛ لأن الألف واللام تنوب عن الذي واللذين والذين, وكذلك عن التي وتثنيتها وجمعها, فإذا جمعت أو ثنيت فهو على قول من قال: قمن النساء, وأكلوني البراغيث, وقامتا أختاك, ومنه قول الفرزدق: ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصرن السليط قاربه ولو أنه في غير الشعر لكان الوجه تعصر السليط, وقال آخر, ويروى لأحيحة بن الجلاح: يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل قومي وكلهم ألوم

стр. 240

ويروى: يعذل, وإنما الكلام يلومني قومي, وقال الآخر: [السريع] ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقية أكثر الاستعمال يجيء على أن يقال: أمات لغير الإنس, وأمهات لما يعقل. وربما استعمل كل واحدٍ من اللفظين في موضع الآخر. وإنما قيل للأم أم لأنها تضم الولد وتشتمل عليه, وكل ما اشتمل على شيء فهو أم له؛ كأنهم يريدون أنها تؤم الولد؛ أي: تكون قدامه, أو تؤمه بالمنفعة؛ أي: تقصده, أو يؤمها لطلب الرضاع؛ أي: يقصدها. وقولهم في اسم المرأة: أميمة, إنما هي تصغير أم, ويقولون في الواحد: أمهة, يظهرون الهاء التي كانت في أمهات, ومجيئها في الواحد قليل جدًا, وإنما أنشدوا رجزًا ينسبونه إلي قصي ابن كلابٍ جد هاشم بن عبد منافٍ, وهو: [الرمل] إني لدى الحرب رخي لببي ... عند تداعيهم بهالٍ وهب معتزم الصولة عالي النسب ... أمهتي خندف والياس أبي

стр. 241

وقال الهذلي في قولهم: أمهات لغير الإنس: [الطويل] ألا هل أتى الأقوام أن خويلدًا ... يعطف أبكارًا على أمهاتها (٣٣/ب) وإذا وقع قبل أم وجمعها حرف مكسور أو ياء فبعض العرب يكسر الهمزة فيقول: مررت بإمه, وفلان حسن الرأي في إمك. وقد قرأ الكوفي بذلك: ﴿في بطون إمهاتكم﴾ بكسر الهمزة. وقوله: فكأنها نتجت قيامًا تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها صهوات: جمع صهوةٍ, وهي مقعد الفارس من الفرس, وصهوة معرفة اسم جبلٍ, قال المخبل السعدي: [الطويل]

стр. 242

ولما تزل عن رأس صهوة عصمها ... ولما يصر أعلى العضاه أسافله وقوله: عجبًا له حفظ العنان بأنملٍ ... ما حفظها الأشياء من عادتها الأنمل: أطراف الأصابع, يستعمل في اليدين والرجلين. قال زهير: [الطويل] وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله وفي الأنملة لغات أعرفها: الأنملة والأنملة, وقد حكي أنملة وأنملة وإنملة وإنملة, حكى ذلك اللحياني. وحكى بعضهم: رجل مؤنمل؛ إذا كان عظيم الأنامل, ويضعف هذا القول من قبل أن همزة أنملٍ زائدة, فلو قيل: مؤنمل لدل ذلك على أنها أصلية, إلا أن يجعل مثل قولهم: كساء مؤرنب. قالت الأخيلية: [الطويل] تدلت على حص الرؤوس كأنها ... كراة غلامٍ في كساءٍ مؤرنب

стр. 243

وقد أثبتوا الزوائد في مواضع يجب أن تسقط فيهن كقولهم: تمدرع؛ إذا لبس المدرعة, وإنما القياس تدرع. وتمهجر؛ إذا تشبه بالمهاجرين, وإنما القياس تهجر. وقوله: لو مر يركض في سطور كتابه ... أحصى بحافر مهره ميماتها يقال لولد الفرس حين ينتج: مهر, ثم يقال له ذلك إلى أن يركب. ويقال في المثل: «لا يعدم شقي مهرًا» , وبعضهم يقول: مهيرًا. وهذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعنى أن الشقي لا يعدم أن يكون له مهر يقوم به فيزيد ذلك في شقائه, ويشبه هذا قولهم: [البسيط] إن الشقاء على الأشقين مصبوب والآخر أن يكون الغرض أن الإنسان وإن كان شقيًا لا يعدم أن يرزق مهرًا كما يقال: لا يعدم فقير زادًا؛ أي: أن الله يرزقه كما يرزق غيره. وقال عمرو بن معد يكرب: [الوافر] فإما كنت سائلتي بمهرٍ ... فمهري إن سألت به الرفيع فهذا يدل على أن المهر هاهنا مركوب, والمهرة جارية مجرى المهر. يقال لها مهرة عند النتاج, ثم تبقى عليها السمة إلى أن تركب, قال حاتم الطائي: [الطويل]

стр. 244

شهدت ودعوانا أميمة أننا ... بنو الحرب نصلاها إذا شب نورها على مهرةٍ جرداء كبداء ضامرٍ ... أمينٍ شظاها مطمئن نسورها جمع نارٍ, وربما استعملوا المهر في ولد حمار الوحش, قال عدي بن زيدٍ, وذكر الحمار: في مصاب الغاديات له ... لقح لم تفل أمهارا وقال الأخطل وذكر الحمار والأتن: موكل بتواليهن لا ضرع ... مهر ولا ثلب أفناه تعويد وجعل الممدوح لو ركض في سطور كتابةٍ أحصى بحافر مهر الميمات, وهذا من مبالغة الشعراء التي تستحسن, وهي مستحيلة لا يمكن أن تكون. ويقال: إنه خص الميمات لأن الحافر يشبه بالميم, ولأن حافر المهر لم يعظم فيشبهه بغيرها من الحروف. وقوله: يضع السنان بحيث شاء مجاولًا ... حتى من الآذان في أخراتها الأخرات: جمع خرتٍ, وهو ثقب الأذن, ويقال: خرت بالفتح. والآذان: جمع لم ينطق بغيره للأذن, فهو جارٍ مجرى عنق وأعناق, ولم يجمعوه على غير هذا المثال. والمجاول: الذي يجول مع عدوه, يقال: جاوله مجاولةً, وإنما أخذ هذا الفعل من الجال والجول, وهو جانب البئر والقبر ونحوهما, فيقال: جال الفرس؛ إذا أخذ ف يجانبٍ, وجاول الفارس الآخر؛ إذا أخذ كل واحدٍ منهما في جانب صاحبه, وقيل لثوب يخاط أحد جانبيه: مجول, وهو من لباس الفتيات والشواب؛ كأنه يخاط أحد جانبيه, وهو جاله. وقيل: إنما سمي بذلك لأن اللابسة له تجول فيه, قال الشاعر: [الكامل] وعلي سابغة كأن قتيرها ... حدق الجنادب لونها كالمجول

стр. 245

وقيل: إن المجول هاهنا الغدير؛ لأنه يجول في الريح. وقيل: المجول في البيت الفضة, فإن صح ذلك (٣٤/أ) فإنما يراد أنها تجول في البلاد؛ أي: تسير, كما قالوا في صفة الدرهم: أبيض قرقوف في كل أرضٍ يطوف: وقوله: تكبو وارءك يابن أحمد قرح ... ليست قوائمهن من آلاتها تكبو: تعثر, والقرح: جمع قارحٍ, وهو من ذوات الحافر الذي قد نبت قارحه. والهاء في آلاتها راجعة على وراء؛ لأنها مؤنثةً, وكذلك قدام وأمام. وقوله: رعد الفوارس منك في أبدانها ... أجرى من العسلان في قنواتها الرعد: جمع رعدة, وهو اضطراب الجسد من الفرق والبرد, يقال: أرعد فهو مرعد, فهذه اللغة الفصيحة. وقد قالوا: رعد فهو مرعود. وقد مر ذكر العسلان. ومن الرعدة قيل للجبان: رعديد. وإذا قيل للنساء رعاديد فإنما يراد أنهن كاللواتي يرعدن من نعمتهن؛ أي: تضطرب أجسامهن. ورعد السحاب من هذا مأخوذ؛ لأنه اضطراب في السحاب وحركة, وقد وصفوا الفالوذ بالرعديد, وإنما ذلك للينه ونعمته وأنه يضطرب في اليد. وقوله: لا خلق أسمح منك إلا عارف ... بك رآء نفسك لم يقل لك هاتها يقال: رآء, وهو مقلوب عن رأى, قال الشاعر: [الوافر] عليل رآء رؤيا فهو يهذي ... بما قد رأء منها في المنام وهات: كلمة تستعمل في الأمر, وهي على فاعل في الماضي, يقال: هاتى يهاتي فهو مهات, والمصدر المهاتاة مثل مواتاةٍ, فيقال للرجل: هات, كما يقال له: غاد؛ إذا أمر من غاديت, ولاثنين: هاتيا, مثل غاديا, وللجميع: هاتوا, وللمرأة: هاتي بإثبات الياء, قال طرفة: [الطويل]

стр. 246

إذا قيل هاتي أسمعينا انبرت لنا ... على رسلها مطروقةً لم تشدد وللمرأتين: هاتيا, وللنساء: هاتين مثل غادين, وليست الياء في (هاتي) بالياء التي كانت في هاتيت, ولكنها ياء التأنيث التي تلحق في مثل قولك: اضربي, وكأن أصلها هاتيي, فاستثقلت الكسرة على الياء الأولى, فلما سكنت وبعدها ياء ساكنة حذفت لالتقاء الساكنين وبقيت العلامة, فأما الياء في هاتين فمن نفس الكلمة, وليست للتأنيث, وإنما هي كباء ضاربن ولام قاتلن. وقوله: غلت الذي حسب العشور بآيةٍ ... ترتيلك السورات من آياتها ذهب قوم إلى أن الغلت والغلط واحد, وإن كان أحد الحرفين مبدلًا من الآخر. وذهب أبو عبيدة إلى أن الغلت في الحساب خاصةً, والغلط في غير ذلك. والعشور: جمع عشر. والسورة: يقال: إن معناها المنزلة؛ أي: أن هذه المنزلة رتبة في الدين. وقيل: إنها مأخوذة من الارتفاع وهو راجع إلى المعنى الأول, وقيل: سورة؛ أي: خيار من قولهم للناقة الكريمة: سورة, وجمعها سور, وقد فسروا على ذلك قول العجاج: [الرجز] ورب ذي سرادقٍ محضور ... سرت إليه في أعالي السور

стр. 247

أراد بأعالي السور ظهور إبلٍ كرائم, والأشبه أن يكون الغرض في أعالي المراتب. وسورة: من قال في عورةٍ عورات بالسكون, وهو مذهب أكثر العرب, قال سورات بسكون الواو. ومن قال: عورات فحرك الواو, وهي لغة هذيل, قال: سورات؛ لأنهم يقولون في الصحيح: حجرة وحجرات وحجرات وحجرات بالسكون, وكأن الفتح في هذا الموضع أحسن؛ لأن الغريزة تجذب إليه, وهو أقوى في الوزن. ويجوز أن يكون سورات بتحريك الواو وجمع سورٍ, وكذلك قالوا في قول الشاعر: [الطويل] ولما رأونا باديًا ركباتنا ... لدى موطنٍ لا نخلط الجد بالهزل يحتمل أن يكون جمع ركبةٍ إذا فتحت الكاف على مذهب من يقول حجراتٍ, ويحتمل أن يكون جمع ربٍ. وإذا أخذ بهذا القول لم يجز ضم الكاف في ركباتٍ, ولا تسكين الواو في السورات, والمعنى أن الذي حسب العشور غلط في العدد؛ لأن ترتيل هذا الممدوح إذا قرأ السور يجب أن يحسب آيةً, فتكون الآيات العشر بترتيله إحدى عشرة آيةً, وهذا من الغلو الذي يقصده الشعراء, وهو كذب صريح. وقوله: كرم تبين في كلامك ماثلًا ... ويبين عتق الخيل في أصواتها العتق هاهنا: الكرم, وإذا وصفت الخيل بالعتق فإنما يراد كرمها في الجري, وإذا قيل للرجل: عتيق, ذهبوا به إلى حسن الوجه مرةً, وإلى جميع ما يحمد من الخلائق أخرى, قال جميل: [الطويل]

стр. 248

فلو كنت خوارًا لقد باخ ميسمي ... ولكنني صلب القناة عتيق وإذا قيل للشراب: عنيق, فإنما يراد به القدم (٣٤/ب) , والذين يعرفون أمر الخيل بحمدون الحبشة في أصواتها, قال لبيد: [الرمل] بأجش الصوت يعبوبٍ إذا ... طرق الحي من الغزو صهل وقوله: ويبين عتق الخيل في أصواتها, محمول على قول الجعدي: [المتقارب] ويصهل في مثل جوف الطوي ... صهيلًا يبين للمعرب أي: أن الرجل الذي يملك خيلًا عرابًا إذا سمع صوت هذا الفرس بان له عتقه؛ لأنه قد جرب أصوات الخيل وملكها. وقوله: أعيا زوالك عن محل نلته ... لا تخرج الأقمار عن هلاتها يقال: هالة الشمس, وهالة القمرة, وهي الدارة التي تكون حولهما, ويجوز أن يكون اشتقاقها من أنها تهول من رآها بحسنها وضيائها, فلو صغرت على هذا لوجب أن يقال: هويلة. وزعم ابن الأعرابي أن هالة القمر يقفال لها طفاوة, وأنشد: [المنسرح] كأنها البدر في طفاوته ... أو هالة الشمس عند تشريق يقول: فكما أن القمر لا يخرج من هالته فهذا من الممدوح لا يخرج من محله الذي خصه الله به. وقوله: فإذا نوت سفرًا إليك سبقتها ... فأضفت قبل مضافها حالاتها

стр. 249

ادعى أن الرجال إذا أرادوا السفر إليه سبقتهم حالاتهم إلى الممدوح, فأضافها قبل إضافة الرجال التي هي حال لهم, وهذه دعوى باطلة, ولكنه تدقيق في المراد. وقوله: حق الكواكب أن تعودك من علو ... وتعودك الآساد من غاباتها قال: من علو بإثبات الواو على ما حكاه ابن السكيت, ويجوز أن يكون أصحاب النقل رأوا قول الشعراء في القوافي المرفوعة من علو فحملوا ذلك على أن الواو هي الأصلية, وقوى هذا المذهب عندهم أنها مأخوذة من العلو, وأنهم قالوا: جاء الراكب من علو قال الشاعر: شهدت فلم أكذب بأن محمدًا ... رسول الذي فوق السماوات من عل وأن أبا يحيى ويحيى كليهما ... له عمل في دينه متقبل والنحويون يرون أن هذه الواو جاءت للترنم. وقد يمكن أن يكون هذا الحرف جاء شاذًا فوقعت الواو في آخره, وقبلها ضمة. فأما مجيء من علو في نصف البيت الأول فإن كان الحرف شاذًا قد تكلمت به العرب كذلك فلا كلام فيه, وإن كان القول كما ذهب إليه أصحاب القياس فثبات الواو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه جعل آخر النصف الأول بمنزلة آخر النصف الثاني؛ لأنه في موضع وقف. والآخر أن يكون أشبع الضمة فصارت واوًا, كما ذهب إليه أبو علي الفارسي في قراءة ابن كثير: ﴿إنه من يتقي ويصبر﴾ , بالياء؛ لأنه يذهب إلي أن هذه الياء ليست الأصلية, وأنها مجتلبة بالكسرة المشبعة.

стр. 250

وكذلك يرى في قول قيس بن زهير: [الوافر] ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد يرى أن الياء في يأتيك ليست التي في قولك هو يأتيك. ويقوى مجيء الواو في قوله من علو في نصف البيت الأول قول بعض العرب في الرفع: قام زيدو, ومررت بزيدي في الخفض. وقوله: والجن من ستراتها والوحش من ... فلواتها والطير من وكناتها يجوز في السترات ما جاز في جيم الحجرات, والضم أجود الوجوه, وكذلك في كاف الوكنات. والوكنة: موقع الطائر, وهو مأخوذ من قولهم: وكن بالموضع إذا أقام به, وفي الحديث: «أقروا الطير على وكناتها» , فسروه على وجهين: أحدهما أنه نهي عن التصيد بالليل, والآخر أنه نهي عن التطير, وهذا كما يقال إذا ذكر بعض الناس في أمرٍ لا يجب أن يذكر فيه دع فلانًا في شغله أو في داره؛ أي: لا تذكره.
следующие страницы →