Полный текст (1 484 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وقال أبو النجم: [الرجز]
جونًا كأن العرق المنتوحا ... جللها القطران والمسوحا
وقوله:
يخطو القتيل إلى القتيل أمامه ... رب الجواد وخلفه المبطوح
المبطوح: الذي يلقى على وجهه, هكذا يستعمل في بني آدم, فأما قولهم لبطن الوادي: أبطح وبطحاء, إذا كان فيه رمل أو حصًى صغار, فإنما يريدون به السعة والانبساط, وقال ذو الرمة: [الطويل]
ولا زال من نوء السماك عليكما ... ونوء الثريا باكر يتبطح
أي: ينبسط في الأرض, والهاء في قوله: أمامه, راجعة على الممدوح, يريد أن قدامه قرنًا يقاتله, والقرن فارس؛ لأنه رب جوادٍ, رب الشيء مالكه, وخلفه مقتول قد بطح على وجهه. وهذا مبالغة في صفة الشجاعة.
وقوله:
(٣٩/أ) فمقيل حب محبه فرح به ... ومقيل غيظ عدوه مقروح
أصل المقيل: الموضع الذي يثبت فيه الشيء, فيقال: الهامة على مقيلها؛ أي: على العنق, قال الراجز:
نحن ضربناكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله
стр. 282
ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
ثم صار الناس يقولون: قال في الهاجرة؛ إذا أقام فيها, ولم يتعرف أنائمًا كان أم يقظان, قال عمر بن أبي ربيعة: [الخفيف]
عرجي ساعةً كما عرج الظل وقيلي هذا أوان المقيل
ويقولون: جئناه وقت القائلة؛ أي: وقت قيل القوم الذين يقيلون, والجماعة التي تقيل, وهذا أشبه من أن تكون القائلة في معنى المصدر كمكا جاء في الكتاب العزيز: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ , وسمي الشراب الذي يشربه القائل قيلًا على المجاز والاتساع.
ومقروح؛ أي: مجروح. والمقيل في هذا البيت يراد به سواد القلب؛ لأنه حيث تكون المحبة والبغضاء.
وقوله:
يابن الذي ما ضم برد كابنه ... شرفًا ولا كالجد ضم ضريح
يقال للذي يشق في وسط القبر ضريح وضريحة, فإذا كان الشق في جانب القبر فهو لحد. وكان في زمان النبي ﷺ رجلان في المدينة أحدهما يضرح والآخر يلحد, فلما توفي صلى الله عليه قال الذين ولوه: أيهما جاء قبل صاحبه آثرناه على صاحبه, فجاء الذي يلحد, فألحد ﵇.
وقوله:
نفديك من سيلٍ إذا سئل الندى ... هولٍ إذا اختلطا دم ومسيح
قوله: اختلطا دم, ومسيح جاء الضمير قبل الذكر, وهو مثل قوله: رمتا يداه. وليس قوله اختلطا في هذا الموضع كقوله: المسيح والدم اختلطا؛ لأن الفعل إذا تأخر استكن فيه الضمير فتكون الألف دالةً عليه.
стр. 283
وإذا تقدم الفعل وجاءت علامة التثنية فلا ضمير, وإنما الألف علامة الاثنين.
والمسيح: العرق, وإنما سمي مسيحًا؛ لأنه يمسح عن الجسد, فكأنه فعيل في معنى مفعولٍ. قال الراجز:
يا ريها إذا بدا مسيحي ... وصار ريح العنبلي ريحي
ويقال: إن العنبلي هاهنا الزنجي, والأصل أنه منسوب إلى العنبلة, وهي مدقة يدق بها الزرع, يراد أنه غليظ جاف.
وقوله:
لو كانت بحرًا لم يكن لك ساحل ... أو كنت غيثًا ضاق عنك اللوح
ساحل البحر: عربي صحيح, فقيل: إنه في معنى مسحولٍ, كأن الماء يسحله؛ أي: يقشره, وقيل: بل سمي ساحلًا لأن المراد في الأصل الماء الذي يسحل التراب, ثم كثر الكلام في ذلك حتى جعل البر الذي يلصق بالبحر ساحلًا, والجمع: سواحل. قال النابغة: [الطويل]
لعمر بني البرشاء ذهلٍ وقيسها ... وشيبان حيث استبهلتها السواحل
واللوح: الهواء الذي بين السماء والأرض, يقال: إنه سمي لوحًا لأن الأنواء تلوح فيه.
وقوله:
إن القريض شج بعطفي عائذ ... من أن يكون سواءك الممدوح
شجٍ؛ أي: غصان, والناس يختلفون في قوله: «ويل للشجي من الخلي» , فأحمد
стр. 284
ابن يحيى يختار تخفيف الياء, وغيره ينكر ذلك ويختار التشديد, وليس هذا المثل مما يليق به الغصص, والأشبه أن يكون الشجي مشددًا من قولهم: شجاه الأمر؛ إذا حزنه, فهو مشجو وشجي, ويكون شجي في المثل فعيلًا في معنى مفعول.
والعطف: كل موضعٍ ينعطف من الجسد, وقد مر ذكره. وسوى إذا فتح أولها مدت, والبصريون يرون أن انتصابها كانتصاب الظروف, وغيرهم يذهب إلى أنها جارية مجرى غير. وكان سيبويه يجعل من الضرورات قول الشاعر: [الطويل]
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منا ولا من سوائيا
وكذلك يرى في قول الأعشى:
تجانف عن جو اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا
كأنه يرى أن دخول من واللام عليها ضرورة؛ لأنها أخرجت من الظروف إلى حال الأسماء لإدخال الجار عليها.
* * *
стр. 285
حرف الدال
من التي أولها
ما سدكت علة بمورود ... أكرم من تغلب بن داوود
سدك بالشيء إذا لزمه, والمورود الذي به ورد الحمى. وداوود اسم أعجمي وهو يوافق فاعولًا من داد الطعام يدود. ومن هذا اللفظ اشتقاق دؤادٍ, وهو عربي صحيح. ومن أقدم الأسماء قولهم دؤاد لابن أبي دؤاد الشاعر, وله يقول أبوه: [الكامل]
ولقد تركت بها دؤادًا نائمًا ... فالقلب مما قد عناه مريض
ويقال: إن الدؤاد داء يصيب الجسد (٣٩/ب) وقد كان في العرب المتقدمين ملك يقال له داوود, وكان نصرانيًا, وكأنه سمي بهذا الاسم لما قرأ أهله الزبور, وهو داوود بن مندله, ويجوز أن يكون الذي عناه عامر بن جوينٍ في قوله: [الطويل]
فآليت لا أعطي مليكًا مقادةً ... ولا سوقةً حتى يعيش ابن مندله
стр. 286
وقوله:
بعد عثار القنا بلبته ... وضربه أرؤس الصناديد
واحد الصناديد صنديد, وإذا حمل على الاشتقاق وجب أن يكون من صد يصد, كأنهم يريدون أنه يصد الأعداء, ونوائب الدهر, فالنون على هذا زائدة, وهو على فنعيلٍ, ولم يستعملوا الصند فيحمل على أنه فعليل من ذلك؛ لأنهم لم يقولوا صند, ولا استعملوا ذلك في فعلٍ ولا اسمٍ, وقالوا في اسم جبلٍ صندد, وقيل صندد فيجب أن يكون من الصد أيضًا؛ لأنهم لو بنواة اسمًا على فنعلٍ أو فنعلٍ من عد يعد لقالوا: عندد وعندد, وقالوا لشدائد الدهر: صناديد؛ لأنها تصد الإنسان عن الغرض.
وقوله:
وخوضه غمر كل مهلكةٍ ... للذمر فيها فؤاد رعديد
الذمر: الشجاع. يقال: ذمرته على كذا إذا احثثته عليه, فكأن الذمر يحث نفسه على الشجاعة أو يحثه غيره فينتهي إلى أمره, ويقال ذمر في معنى ذمرٍ, وقالوا: عنق ذمر؛ أي: شديد, قال الراجز: [الرجز]
فيهن حمراء إذا أصرا ... أجشمهن عنقًا ذمرا
والرعديد: الجبان, وإنما أخذ من الرعدة؛ لأنه يرعد من الفرق. والأكثر في كلامهم: أرعد الرجل, وقد قالوا: مرعود, فدل ذلك على رعد, وزعموا أن الفالوذ يسمى الرعديد, وإنما قيل له ذلك للينه وتثنيه في يد الآكل.
وقوله:
وإن جزعنا له فلا عجب ... ذا الجزر في البحر غير معهود
يريد أن هذا المرثي كان مثل البحر في الجود, فلما هلك ألفي كأنه البحر جزر؛ أي: غاض ماؤه, وذلك لا يعرف في البحار.
وقوله:
أين الهبات التي يفرقها ... على الزرافات والمواحيد
стр. 287
الزرافات: جمع زرافةٍ, وهي الجماعة من الناس. وحكى أبو عبيد عن القناني أنهم يقولون: جاء القوم برزافتهم, فيشددون الفاء. والمواحيد: جمع ميحادٍ, يقال: رجل ميحاد؛ أي: وحده, وجاؤوا مواحيد؛ أي: أفرادًا.
وقوله:
إن نيوب الزمان تعرفني ... أنا الذي طال عجمها عودي
أصل العجم عض الشيء لينظر أصلب هو أم لين؟ ! وكثر ذلك حتى قالوا: أعجمت الرجل إذا فعلت به فعلًا لتختبر ما عنده, وهل هو وثيق العقدة أم غير حصيفٍ؟ وقالوا: ناقة ذات معجمةٍ إذا كانت لها بقية على السفر, وقد استعمل أبو الطيب حمل صلة الذي على المعنى في غير موضع من ديوانه, ومنها هذا البيت, وإنما جيد الكلام أن يقول: أنا الذي طال عجمها عوده. وقد جاء مثل هذا كثيرًا قال الراجز: [الراجز]
يا مر يا بن واقعٍ يا أنتا
أنت الذي طلقت عام جعتا
стр. 288
وإنما القياس أنت الذي طلق عام جاعا. وقد يمكن أن يقول طلق في هذا البيت, ولكن القافية منعته من ذلك؛ لأنه لو قال: طلق, ثم جاء يجعت لكان أقبح مما فر منه.
وقوله:
ما كنت عنه إذا استغاثك يا ... سيف بني هاشمس بمغمود
يقال: أغمدت السيف, وهي اللغة العالية. وقد حكي مغمود؛ وذلك قليل, وأنشدوا بيتًا:
تركت سرجك قد مالت سيورته ... والسيف يبلى طوال الدهر مغمود
فأما أغمدت فكثير. قال القطامي: [البسيط]
لا يغمدون لها سيفًا وقد علموا ... ألا تكون لهم أيام إغماد
وقوله:
يا أكرم الأكرمين يا ملك الـ ... أملاك طرا يا أصيد الصيد
أصل الصيد: داء يصيب البعير في رأسه فيميل عنقه, يقال: صيد وصاد واصيد, ثم استعمل ذلك في الرجل صاحب النخوة. والأحسن أن يكون قوله: أصيد الصيد على منهاج قولهم: فلان ملك الملوك؛ أي: واحدهم الذي يعظمونه, ولا يريد أنه أعظمهم صيدًا؛ لأن ذلك يقبح كما يقبح: أنت أعور العور, أي: أشدهم عورًا؛ لأن الخلق والعاهات (٤٠/أ) لا يستعمل فيها أفعل منك, ولا ما أفعله.
وقوله:
قد مات من قبلها فأنشره ... وقع قنا الخط في اللغاديد
اللغد واللغدود: لحم باطن الأذى الذي هو غائب في الرأس, وربما قالوا للموضع الذي يظهر وذلك تحته: لغدود ولغد ولغد, وهذا البيت يروى لزيد الخيل: [البسيط]
стр. 289
وعامر بن طفيلٍ قد نحوت له ... حد المثقف بين النحر واللغد
والخط سيف عمان, وإليه تنسب الرماح الخطية؛ لأن السفن من الهند ترفأ إليه.
وقال قوم: كل سيفٍ خط. والمعروف في الخطي فتح الخاء, وذكر ابن درستويه في شرحه «كتاب الفصيح» أن الكسر جائز.
وقوله:
فصبحته رعالها شزبًا ... بين ثباتٍ إلى عباديد
الرعال: جمع رعلة, وهي القطعة من الخيل والإبل والنعام وقالوا: أراعيل كأنهم جمعوا رعيلًا على أرعلٍ, ثم جمعوه ثانيةً. وشزبًا: جمع شازبٍ, وهو الضامر, والشاسب أشد ضمرًا من الشازب, ثم الشاسف أشد ضمرًا منه. والناس يقولون: شزب جمع شازب على المجاز, وإنما الحقيقة أنه جمع شزوبٍ مثل قولك: رجل صبور وقوم صبر. والثبات: جمع ثبةٍ, وهي جماعة ليست بالكثيرة, ويقال في جمعه: ثبات وثبون وهو من قولهم: ثبيت الشيء إذا جمعته, ويقال: ثبة من الرجال وثبة من المال, وهذا الرجز يروى لأحيحة بن الجلاح: [الرجز]
стр. 290
بنيته بثبةٍ من ماليا ... أخشى رجيلًا أو ركيبًا غاديا
وفي كتاب ينسب إلى الخليل يعرف بكتاب الأبنية أن الثبة من الناس تصغيرها ثبية, وأن ثبة الحوض, وهي وسطه, تصغيرها ثويبة, فهذا يدل على أن الاشتقاقين مختلفان. وأكثر العرب يجروز قباتٍ في النصب والخفض مجرى مسلماتٍ. وبعضهم ينصب التاء في موضع النصب وكذلك أنشدوا قول الهذلي: [الطويل]
فلما جلاها بالأيام تميزت ... ثباتًا عليها ذلها واكتئابها
يروى بفتح التاء وكسرها, ولابد في الحالين من التنوين. والعباديد: الأفراد, ولا واحد له من لفظه, وقد ادعى قوم أن الواحد عبديد.
وقوله:
تحمل أغمادها الفداء لهم ... فانتقدوا الضرب كالأخاديد
يريد أنه وعدهم المال, فأقام الخيل التي هي ناصرة مقام الأموال. فانتقدوا ضربًا كالأخاديد؛ أي جعلوا ذلك كنقد المال, وهذا على سبيل الهزء. والأخاديد: جمع أخدودٍ, وهو حفرة في الأرض مستطيلة.
وقد جاء الأخدود في الكتاب الكريم, وفي الشعر القديم, قال الشاعر: [البسيط]
ولو يمر بصفوانس على عجلٍ ... إذًا لغادر في الصفوان أخدودا
стр. 291
وقوله:
موقعه في فراش هامهم ... وريحه في مناخر السيد
الفراش: عظام رقاق تكون في الرأس بين عظامه, قال النابغة: [الطويل]
تطير فضاضًا بينهم كل قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب
والمناخر: واحدها منخر, بكسر الميم والخاء, وهو من الشواذ, وقالوا منخر, بفتح الميم, وهو القياس, وحكي منخر, بكسر الميم وفتح الخاء, ويقال لمثل المنخر من الإبل نخرة ونخرة.
وقالوا نخر في جمع نخرةٍ. وأنشد أبو عمرو الشيباني: [الطويل]
كأن رداءيه إذا قام علقا ... على جعلٍ يغشى المآزف بالنخر
المآزف: المواضع التي يتغوط فيها. والسيد: الذئب, وحكي في جمعه سيدان, وهو مما وافق جمعه لفظ التثنية إلا في كسر النون, وبعض العرب يسمي الأسد سيدًا.
وقوله:
سقيم جسمٍ صحيح مكرمةٍ ... منجود كربٍ غياث منجود
يقال: رجل منجود إذا كان غي غم وعرقٍ, فيريد أن هذا المرثي اعتل فكان في كربٍ وجهدٍ وهو مع ذلك غياث للمنجود, قال أبو زبيد: [الخفيف]
صارخًا يستغيث غير مغاثٍ ... ولقد كان عصرة المنجود
стр. 292
وقوله:
ثم غدا قده الحمام وما ... تخلص منه يمين مصفود
جعل الحمام كالقد الذي يشد به الأسير, وهذا مثل قول لبيدٍ: [الكامل]
تراك أمكنةٍ إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
جعل الحمام كالرباط. وإذا رفع القد والحمام ففي غدا ضمير يرجع على المرثي, وإذا نصب أحد المرفوعين فلا ضمير في الفعل. والمصفود (٤٠/ب) الذي يشد بقد أو غيره, والاسم الصفاد.
وقوله:
تهب في ظهرها كتائبه ... هبوب أرواحها المراويد
يقال في صفات الرياح المراويد, والقياس أن يكون الواحد مروادًا إلا أنه قليل في الاستعمال, قال ذو الرمة: [البسيط]
يا دار مية لم يترك لها علمًا ... تقادم العهد والهوج المراويد
وهو من قولهم: راد يرود إذا ذهب وجاء, ويجب أن يكون من ذلك قولهم: ريح رادة وريدة, فإن قيل: كيف قالوا ريدة وهو من ذوات الواو؛ فالجواب أن الأصل ريدة مثل ميتةٍ, ثم خففوه فقالوا: ميتة, وهي من مات يموت, ومن هذا النحو قولهم: ريحان, وهو من الروح, فتقديره أن يكون في الأصل بتشديد الياء كأنه ريحان أو ريحان, فخفف.
وقوله:
أول حرفٍ من اسمه كتبت ... سنابك الخيل في الجلاميد
سنابك الحوافر: مقاديمها, ويقال للأرض الغليظة: سنبكة تشبيهًا بسنبك الحافر, وفي حديث أبي هريرة: «يخرجكم الروم منها كفرًا كفرًا كما أخرجتموهم منها كفرًا كفرًا إلى
стр. 293
سنبكٍ من الأرض, قيل: وما ذاك السنبك؟ قال: هو حسمى جذامٍ». والجلاميد: جمع جلمودٍ, والقياس إثبات الياء كما قال الأفوه: [السريع]
يغشى الجلاميد بأمثالها ... مركباتٍ في وظيف نهيس
وقد قالوا: جلامد, وهم يجترئون على حذف هذه الياء كثيرًا, فيقولون: مصابح في مصابيح, ومفاتح في جمع مفتاح, ولا يعرف أنهم قالوا: جلمد بغير واوٍ, قال حميد بن ثور: [الطويل]
جلبانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغى خيرًا لديها الجلامد
إلا أنهم قالوا جلمد للواحد, فيجوز أن تكون جلامد جمع جلمدٍ, وهذه الياء تثبت في الجمع إذا كان المجموع على خمسة أحرف وقبل آخره ياء أو واو أو ألف, كما يقال: ثؤلول والجمع تآليل, ودهليز والجمع دهاليز, وقرطاس والجمع قراطيس.
стр. 294
ومن التي أولها
عواذل ذات الخال في حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لماجد
وهي من الطويل الثاني على قول الخليل, ومن السحل الثاني على قول غيره. وقافيتها من المتدارك.
وهي من الطويل الثاني على قول الخليل, ومن السحل الثاني على قول غيره. وقافيتها من المتدارك.
الخال هاهنا يحتمل أن يكون الشامة, وهو الذي أراد القائل, ولو حمل على أن الخال الاختيال لم يبعد؛ أي: أن هذه المرأة فيها تكبر واختيال.
والخود: الناعمة الجسم, وجمعها فيما قيل خود, وهو أحد ما جاء على فعلٍ في جمع فعل كما قالوا: فرس ورد, وخيل ورد, وسقف وسقف, ورجل ثط وقوم ثط, وصدق في معنى صلبٍ, والجميع صدق, ويجوز أن يكون قولهم: خود الظليم والرأل مشتقًا من الخود كأنه يسير سيرًا لا يجهد نفسه فيه, فكأنه ينعمها بذلك. وقالوا: خود فحله في الإبل؛ إذا أرسله فيها, كأنه ينعمه بذلك؛ لأنه يجعل النوق بمنزلة النساء.
والماجد, قيل: إن الذي له شرف في نفسه, وقيل: المجد شرف الآباء, وهو مأخوذ من: أمجدت الدابة علفًا؛ إذا أكثرته لها, ومنه قولهم في المثل: «في كل شجرٍ نار, واستمجد المرخ والعفار»؛ أي: استكثرا منها.
وقوله:
متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشى ... محب لها في قربه متباعد
اللاعج: الشوق الذي يؤثر في القلب, يقال: لعج الضرب في جلده إذا أثر فيه, قال عبد مناف بن ربعٍ الهذلي: [البسيط]
إذا تجاوب نوح قامتا معه ... ضربًا أليمًا بسبتٍ يلعج الجلدا
стр. 295
وقوله:
إذا كنت تخشى العار في كل خلوةٍ ... فلم تتصباك الحسان الخرائد
تتصباك: أي تجذبك إلى الصبى وتخرجك إليه. والخرائد: جمع خريدةٍ, وهي الحيية, وقيل: الناعمة, ويقال: تخردت الجارية إذا صارت من جملة الخرائد, وأكثر ما تستعمل الخريدة (٤١/أ) بالهاء, وقد قال كثير في صفة السحاب والبرق: [الطويل]
كما أومضت بالطرف ثم تحجبت ... خريد بدا منها جبين وحاجب
وقوله:
مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشجو الجياد المعاهد
الحمحمة: صوت يردده الفرس في صدره وعنقه, يقال: حمحم ويحمحم, وأنشد أبو زيد: [الوافر]
فلا وأبيك خيرٍ منك إني ... ليؤذيني التحمحم والصهيل
والجواد: يستعمل في صفه الذكر والأنثى. وهذا البيت يروى لامرئ القيس بن حجرٍ وامرئ القيس بن عابسٍ, وهو قوله: [المتقارب]
وأعددت للحرب خيفانةً ... جواد المحثة والمرود
والمعاهد: المنازل التي عهد فيها القوم.
стр. 296
وقوله:
وما تنكر الدهماء من رسم منزلٍ ... سقتها ضريب الشول فيها الولائد
الضريب: لبن إبلٍ يحلب بعضه على بعض, قال ابن أحمر: [الطويل]
وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... ضريب جلاد الشول خمطًا وصافيا
والشول: الإبل التي قلت ألبانها, وذلك إذا مرت عليها بعد النتاج سبعة أشهر أو ثمانية, وجعلها تسقى ضريب الشول؛ لأن الإبل إذا شالت قل اللبن, وإذا سقوه الفرس دل ذلك على كرمها عندهم. والولائد: جمع وليدة, وهي الأمة الشابة, ويقال للغلام المسعبد وليد ما دام شابًا مقتبلًا, إلا أن الوليد من الأحرار يشركه في هذا الاسم, ولا يقال وليدة للحرة.
وقوله:
وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ ... سبوح لها منها عليها شواهد
يريد أن هذه الفرس في خلقها أشياء تشهد بأنها من كرائم الخيل, مثل: قصر الظهر, وطول العنق, وانضمام الأذن, ونحو ذلك مما يحمد في خلق الخيل. والسبوح التي كأنها تسبح لشدة جريها, وإنما يشبهون أيدي الخيل بأيدي الرجال الذين يسبحون؛ لأنهم يسرعون نقلها في الماء. ومن ذلك قول النعمان بن بشيرٍ: [البسيط]
واليد سابحة والرجل ضارحة ... والعين قادحة والبطن مقبوب
стр. 297
وقوله:
تثنى على قدر الطعان كأنما ... مفاصلها تحت الرماح مراود
يريد أنها كالتي تعلم ما يراد منها؛ فهي تتقي الطعن كما يتقيه الفارس, وهذه من الدعوى المستحيلة, ويجوز أن يريد أنها تطيعه إذا ثناها لجهةٍ من خوف الطعن. والمفاصل: واحدها مفصل, وقد حكى مفصل, بفتح الميم وكسر الصاد. فأما اللسان فمفصل بالكسر لا غير. وبيت حسان ينشد على وجهين: [الكامل]
كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجةٍ أرخاهما للمفصل
إذا روي بكسر الميم احتمل أن يراد اللسان واحد مفاصل الإنسان, وإذا روي مفصل بفتح الميم فهو ما بين العضوين, والأشبه أن يكون المراد المفصل من مفاصل الجسد؛ لأنهم يصفون الخمر بإرخاء المفاصل ودبيبها في الأعضاء. وشبه مفاصل الفرس بالمراود؛ لأن المرود من شأنه أن يدور ويتصرف, وهو من راد يرود إذا ذهب وجاء.
وقوله:
خليلي إني لا أرى غير شاعرٍ ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد
كان الناس في هذا الشام يروون: فلم منهم الدعوى, ولا يمتنع ذلك, ولكن الذي يؤثرون تهذيب الكلام يختارون «كم» في هذا الموضع؛ لأن «لم» قد جاءت في أول القصيدة, وكم أحسن في المعنى وأشد مبالغةً؛ لأنها تدل على كثرة فعلهم ذلك, ويجوز أن يكون الشاعر قالها لم ثم غيرها من بعد, أو غيرها سواه؛ لأن الشعراء ربما وضعت الرواة في كلامهم الكلمة التي هي أوقع من التي نظمها القائل, وفي كلام يروى عن ابن مقبل: «إني لأرسل القوافي عوجًا فتقومها الرواة بألسنتها».
стр. 298
وقد مضى الكلام في اشتقاق القصيدة, وبقي منه أنه يجوز أن يكون اشتقاقها من القصيد, وهو مخ السمن؛ أي أنها قوية قد اجتهد فيها الناظم فلها (٤١/ب) فضل كما أن مخ السمين أفضل من مخ المهزول.
وقوله:
له من كريم الطبع في الحرب منتضٍ ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد
انتضى السيف إذا أخرجه من عمده, وغامد: على مذهب من يقول غمدت السيف, وهي حكاية أبي زيد, وكان الأصمعي ينكر ذلك, وسئل عن اشتقاق «غامدٍ» أبي هذا الحي من الأسد فقال: هو من غمدت الركية إذا كثر ماؤها, فأما أصحاب النسب فيزعمون أنه سمي بقوله:
تغمدت ذنبًا كان بينه عشيرتي ... فسماني القيل الحضوري غامدا
وهذا كله راجع إلى غمد السيف, وهو دليل على قول من قال: إن «غمدت» لغة صحيحة.
وقوله:
أحقهم بالسيف من ضرب الطلى ... وبالأمر من هانت عليه الشدائد
الناس ينشدون: أحقهم بالرفع, وهو وجه حسن, والنصب أيضًا وجه قوي, كأنه قال: رأيت أحقهم بالسيف, والطلى: جمع طليةٍ, وهي صفحة العنق. وقال قوم: واحد الطلى طلاة,
стр. 299
ومنه قول الأعشى: [الطويل]
متى نسق من أنيابها بعد هجعةٍ ... من الليل شربًا حين مالت طلاتها
وقال ذو الرمة: [البسيط]
أضله راعيا كلبيةٍ صدرا ... عن مطلبٍ وطلى الأعناق تضطرب
وقوله:
شننت بها الغارات حتى تركتها ... وجفن الذي خلف الفرنجة ساهد
شننت الغارة إذا فرقتها, وعندهم أن الغارة لا تكون إلا في وجه الصبح وأول النهار.
ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
ولم أشهد الخيل المغيرة بالضحى ... على هيكلٍ عبل الجزارة جوال
وقد جاءت الغارة في الليل, جاء بها عبيد الله بن قيس الرقيات, وهو ممن يضعف شعره عن شعر غيره؛ وذلك قوله في صفة الخيل: [الخفيف]
بدلت بالشعير والقت والتبـ ... ـن ومسح الغلام تحت الجلال
غارة الليل والنهار فما تصـ ... ـبح إلا معدة للقتال
ويجوز أن يكون لما ذكر النهار أشرك معه الليل فيكون ذلك نحوًا من قول الحطيئة: [الطويل]
سقوا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره
سنامًا ومحضًا أنبت اللحم فاكتست ... عظام امرئٍ ما كان يشبع طائره
стр. 300
لما ذكر المحض أضاف السنام إليه, وقال قوم: بل يذاب من السنام دهن فيخلط باللبن فيسقاه الإنسان. وقد يجوز مثل ذلك, ولا بأس بالوجه الأول؛ لأنهم يتسعون في المجاز والاستعارة.
والفرنجة: اسم أعجمي, والذين يقربون من تلك البلاد يقولون: إفرنجة بزيادة الهمزة في أولها, والشعراء يجترئون على تغيير الاسم المنقول إلى العربية فلا يحفلون كيف جاؤوا به.
وقوله:
تنكسهم والسابقات جبالهم ... وتطعن فيهم والرماح المكايد
يقال: نكس الفارس ونكت؛ إذا ألقاه عن فرسه على رأسه, وجعل الجبال ها هنا كالسابقات من الخيل؛ لأنهم يحلون بها فكأنهم فرسان عليها. والمكايد: جمع مكيدة, من قولهم: كاده إذا مكر به, ولا يجوز همز المكايد كما لا يجوز همز المعايش.
وقوله:
وتضربهم هبرًا وقد سكنوا الكدى ... كما سكنت بطن التراب الأساود
الهبر: ضرب يلقي هبرةً من اللحم؛ أي: قطعةٍ, والكدى: جمع كديةٍ, وهي الغلظ من الأرض.
يريد أن لهم مغارًا في الجبال والأماكن الغليظة, فهم يسكنونها من خوف الأسر والقتل, كما تسكن أساود الحيات بطن التراب. وإذا كان الاسم الذي على أفعل صفةٍ لم تقرب من الأسماء جمع على فعلٍ, مثل: أسود وسود, وأحمر وحمر, فإذا صار كالاسم للشيء جمع على أفاعل, من ذلك قولهم في جمع الأسود من الحيات أساود, ولا يقولون سود, ولا يستعملون قولهم: رجال أساود إلا في ضرورةٍ.
وقوله (٤٢/أ):
وتضجي الحصون المشمخرات في الذرى ... وخيلك في أعناقهن قلائد
المشمخر: المرتفع من الجبال, والذرى: جمع ذروةٍ, وهي أعلى الشيء, ويقال: ذروة بكسر الذال, والقياس يوجب أن يقال ذرى, كما يقولون في نصل السهم: سروة وسرًى.
стр. 301
والهاء في أعناقهن راجعة على الحصون, وهذه مبالغة في وصف الخيل؛ لأنها تدرك أعناق الحصون المبنية على أعالي الجبال, وهذا مأخوذ من قول أوس بن حجر: [الوافر]
جزين بني عوار الإفك عنا ... ودمخًا يوم هز له نطاق
وقوله:
عصفهن بهم يوم اللقان وسقنهم ... بهنزيط حتى ابيض بالسبي آمد
ذكر آمد على معنى الموضع والمكان, وهو اسم أعجمي وقد وافق من العربية فاعلًا من أمد إذا غضب. وحكي عن أبي عمرو الشيباني: سفينة آمد؛ إذا كانت ملأى, ويقال: إن علي بن حمدان الملقب بسيف الدولة أمر بإطلاع السبي على سور آمد لينظر إليه عسكر الروم, وسورها أسود الحجارة, فذلك معنى قوله: ابيض بالسبي آمد.
وقوله:
وألحقن بالصفصاف شابور فانهوى ... وذاق الردى أهلاهما والجلامد
الصفصاف, وشابور: حصنان. وانهوى انفعل من هوى يهوي إذا انهدم, وهو فعل المطاوعة, وأكثر ما يجيء في فعلته فانفعل, مثل: كسرته فانكسر, ودفعته فاندفع, ولا يعرف هويته في معنى أهويته. وقوله: انهوى يشبه قولهم: إدخلت يدي في الوعاء فاندخلت ولا يقولون: دخلت يدي. وقال الكميت: [البسيط]
ولا يدي في وعاء القوم تندخل
стр. 302
وقال يزيد بن الحكم الكلابي: [الطويل]
وكم موطنٍ لولاي طحت كما هوى ... بأجرابه من قلة النيق منهوي
وثنى الأهل في قوله: أهلاهما ليحسن الوزن, ولو وحد لكان جائزًا على مذاهب العرب إلا أنه تقويم اللفظ في الغريزة, وأصلأهلٍ ألا يثنى ولا يجمع؛ لأنه يقع على الواحد والاثنين والجمع؛ لأنه يقال: أهل الخير, وأهل الكرم, قال حاتم الطائي: [البسيط]
ظلت تبكي على بكرٍ شربت به ... إن الرزية في الدنيا ابن مسعود
غادرة القوم بالمعزاء منجدلًا ... وكان أهل الندى والخير والجود
وربما جمعوا أهلًا بالمعزاء منجدلًا ... وكان أهل الندى والخير والجود
وربما جمعوا أهلًا جمع السلامة, قال الجعدي: [المتقارب]
لبست أناسًا فأبليتهم ... وأبليت بعد أناسٍ أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا
وقوله: وذاق الردى أهلاهما والجلامد, يريد أنهما أحرقا, فذاق الردى الصخر والحجارة؛ لأن النار عملت فيهما.
وقوله:
وغلس في الوادي بهن مشيع ... مبارك ما تحت اللثامين عابد
غلس: إذا سار في الغلس, وهو اختلاط ظلام الليل بضوء الصبح. والوادي مأخوذ من قولهم ودى إذا سال, إلا أنهم تركوا استعمال الودي إلا في قولهم: ودى البائل. قال الشاعر:
стр. 303
ترى ابن أبيرٍ خلف قيسٍ كأنه ... حمار ودى خلف است آخر قائم
ويقال في جمع الوادي: أودية, وذلك جمع شاذ, ومثله: جائز البيت, وجمعه أجوزة, والجائز الخشبة التي تجعل عليها أطراف القواري. ومن كان من لغته أن يقول ناصاة الفرس يريد الناصية وما الدنيا بباقاةٍ؛ أي: بباقية؛ فإنه يقول في أوديةٍ أوداة, وتلك لغة طائية؛ قال الشاعر: [الطويل]
بريحٍ من الكافور والطلح أبرمت ... به شعب الأوداة من كل جانب
والمشيع: يراد به الشجاع الجريء كأنه يشيعه غيره؛ أي: يصحبه. وعابد: يحتمل أن يكون من العبادة, ومن الأنفة؛ لأنهم يقولون عبد إذا أنف, وقد فسرت الآية على الوجهين, وهي قوله تعالى: ﴿فأنا أول العابدين﴾.
وقوله:
فلميبق إلا من حماها من الظبى ... لمى شفتيها والثدي النواهد
الظبى: جمع ظبةٍ, وهي حد السيف, وهي من المنقوص الذي ذهب منه حرف, كأنها ظبية في الأصل, فلما جمع ترجعت الياء وانقلبت ألفًا لوقوعها طرفًا وقبلها فتحة, وقالوا في جمعها: ظبين, وكذلك يفعلون في المنقوص يقولون: عزة وعزين وعزون, وثبة وثبين
стр. 304
وثبون, قال الكميت: [الوافر]
يرى الراؤون في الشفرات منها ... كنار أبي الحباحب والظبينا
وقال الأسود بن يعفر: [الطويل] (٤٢/ب)
فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم ... قلوبًا وأكبادًا لهم ورئينا
يريد جمع رئةٍ. واللمى: سمرة شديدة في الشفتين, ويقال: ظل ألمى؛ إذا كان واسعًا بعيدًا من الشمس, وهو مأخوذ من السمرة والسواد, قال حميد بن ثور: [الطويل]
إلى شجرٍ ألمى الظلال كأنه ... رواهب أحرمن الشراب عذوب
والثدي: جمع ثدي, وما جمع على فعولٍ من ذوات الياء والواو مثل: دلي وثدي جاز في أوله الضم والكسر. والنواهد: جمع ناهدٍ, يقال: نهد الثدي إذا ارتفع حجمه, والمرأة ناهدز
وقوله:
ومن شرف الإقدام أنك فيهم ... على القتل موموق كأنك شاكد
الشاكد: المعطي من غير مسألة وقيل: هو الذي يعطي ولا يريد عوضًا, يقال: شكده شكدًا, والاسم الشكد, بضم الشين. وادعى لسيف الدولة أن الروم تمقه مع ما يفعل بهم من القتل والأسر؛ وذلك من الدعوى الباطلة.
وقوله:
وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد
يقول: كل العالم يعرف طريق الشجاعة وطريق الجود ولكنه لا يسلكه؛ لأن طبعه يقوده إلى غيره, وهذا تفضيل للمدوح على سواه؛ لأنه جعله يأتي ما لا يأتيه الأنام.
وقوله:
وأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا بنه ... تشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد
стр. 305
اتفق له في هذين البيتين ما لم يتفق لغيره من تشبيه الممدوح بأبيه وتشبيه أبيه بجده ثم كذلك حتى استوفى سبعةً في النسب وعشرةً في المقابلة. وحمدون اسم لم تتسم به العرب في القديم وقلما بنوا اسمًا على فعلونٍ. وقد ذهب قوم إلى أن وزن زيتونٍ فعلون, وقد ذكر فيما أغفله سيبويه من الأبنية, وكان الزجاج يذهب إلى أنه جمع سلامةٍ لزيت, ومثل هذا يبعد.
والأعاجم يقربون الألف من الواو, والواو من الألف, فيقولون حمدان فيشيرون بالألف إلى الواو, وقد حكي عن العرب نحو من ذلك في الصلاة والحياة والزكاة, فيجوز أن يكون حمدون مما فعل به ذلك, ومثله علون كأنهم نحوا بألف علان إلى الواو, فلما سمعتها العرب في الإسلام جعلتها واوًا خالصة فقالوا علون؛ وهذا يقوي ترك الصرف في حمدون وما كان مثله. وحذف التنوين من حارثٍ, وحذفه في الشعر جائز. وكان محمد بن يزيد ينكر جوازه, ويغير أبياتًا أنشدها النحويون, منها قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [مجزوء الوافر]
ومصعب حين جد الأمـ ... ـر أكثرها وأطيبها
فينشد:
وأنتم حين جد الأمر
وأنشد النحويون: [المتقارب]
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وكان المبرد ينشد:
يفوقان شيخي في مجمع
стр. 306
وأقبح ما يكون حذف التنوين في الخفض؛ لأنه إذا حذف في الرفع والنصب شبه بما لا ينصرف, وإذا حذف في الخفض لم يكن له شيء يشبهه فيما يمتنع عن الصرف؛ لأنما لا ينصرف لا ينخفض إلا أن يضاف أو تدخل عليه الألف واللام. وكان الكوفيون يرون في مثل البيت المنسوب إلى تأبط شرًا: [الكامل]
قالت أميمة ما لثابت شاحبًا ... عاري الأشاجع ناحلًا كالمنصل
أن تفتح التاء في ثابت, وكذلك الراء من دوسر في قول الآخر: [الطويل]
وقائلةٍ ما بال دوسر بعدنا ... صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند
ويقال: إن مذهب البصريين كسر الراء في دوسر, والتاء في ثابتٍ.
وقوله:
وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد
أشار بذاك إلى الحب الذي دل عليه بقوله: أحبك, وكذلك يفعلون في كثير من الكلام فيقولون: أعطيت فلانًا دراهم؛ وذاك لأنه فقير, يشيرون بذاك إلى الإعطاء, ويقولون عيش بارد إذا وصفوه بالخفض والطيب, وإنما فعلوا ذلك لأن الغالب على بلاد العرب شدة الحر, فكانوا يرون للمكان البارد فضيلة, قال الشاعر: [الطويل]
خليلي بالبوباة عوجا ولا أرى ... بها منزلًا إلا جديب المقيد
نذق بردها من بعد ما لعبت بنا ... تهامة في حمامها المتوقد
стр. 307
(٤٣/أ) فقال آخر: [الطويل]
فما وجد أعرابيةٍ قذفت بها ... صروف النوى من حيث لم تك ظنت
إذا ذكرت ريح العضاه وطيبه ... وبرد الحصى من أرض نجدٍ أرنت
وقد يكون البارد في معنى الساكن: فأما أبو الطيب فلم يرد إلا وصف الممدوح بالفضل, فيجوز أن يحمل على أن العيش عنده بارد؛ أي: طيب؛ إلا أنه لا يحبه لأجل ذلك. ويمكن أن يكون نفى عنه العيش البارد؛ لأنه صاحب حربٍ وغزوٍ. وجاء في الحديث: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة»؛ أي: لا يكون فيها حر ولا عطش, وهو نحو من قولهم: «عيش بارد». وكانت العرب في الجاهلية تقول: غنيمة باردة؛ أي: لا يحتاج فيها إلى قتال ولا سفك دم. فهذا يجوز أن يكون من السكون أو من الحرب تشبه بالنار, وتوصف بأنها تتقد فيراد أنها لا حرراة فيها.
стр. 308
ومن التي أولها
لكل امرئٍ من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدى
وهي من الطويل الثاني على رأي الخليل ومن السحل الأول على رأي غيره. يجيء في الشعر القديم أشياء قد اصطلحت عليها الشعراء, ويستعملها كل منهم ولا يعيبون ذلك, مثل قولهم: [الطويل]
وكنا إذا الجبار صعر خده
قاله المتلمس وتمام البيت:
أقمنا له من ميله فتقوما
وقال الفرزدق: [الطويل]
وكنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه حتى تستقيم الأخادع
ويقال: إن ذا الرمة سمعه الفرزدق ينشد هذا البيت: [الطويل]
وكنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه تحت الأنثيين على الكرد
فقال الفرزدق: لتتركن لي هذا البيت أو لتتركن لي عرضك. ونحو ذلك من الكلام.
وقوله:
لكل امرئٍ من دهره ما تعودا
قد تردد معناه ولفظه في الشعر القديم, من ذلك البيت المنسوب إلى حاتم: [الطويل]
стр. 309
ذريني ومالي إن مالك وافر ... وكل امرئٍ جارٍ على ما تعودا
وهذا مثل المصراع الأول من بيت أبي الطيب إلا أنه قد غيرمنه بعض اللفظ.
وقولهم: امرؤ إذا عدم الألف واللام قالوا: هذا امرؤ, ورأيت امرأً, ومررت بامرئٍ, فجعلوا الراء تابعة للواو في الضم والفتح والكسر, فإذا أدخلوا الألف واللام قالوا: المرء والمرء والمرء, فلم يدخلوا في أوله ألف الوصل. ويقال: إن بعض العرب يقول: هذا مرء, ورأيت مرءًا, ومررت بمرءٍ, فيغير الميم بتغير الهمزة. وقرأ بعضهم: ﴿بين المرء وزوجه﴾.
وقلما يقولون: مرءًا صالحًا؛ لأنهم يعاقبون بين ألف الوصل وعلامة التعريف, وربما قالوا ذلك, وينشد هذا البيت: [الطويل]
ولست أرى مرءًا تطول حياته ... فتبقي له الأيام خالًا ولا عما
ومنهم من يقول: هذا المر, ورأيت المر, ومررت بالمر, فيلقي الهمزة ويشدد الراء. وحكي أن الحسن البصري قرأ: ﴿بين المر وزوجه﴾ , وذلك في لغة من يلقي الهمزة ويشدد الحرف الذي قبلها, فيقول: اللوسي في الأوسي. وقد أنشدوا على ذلك قول الشماخ: [الوافر]
стр. 310
رأيت عرابة اللوسي يسمو ... إلى الغايات منقطع القرين
وقوله:
وأن يكذب الإرجاف عنه بضده ... ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا
يكذب: أي يجعله كذبًا, والإرجاف: من قولهم: أرجف العامة؛ إذا أفاضوا الحديث المؤدى عن حادثةٍ كانت أو تكون, وهو مأخوذ من: رجف؛ إذا اضطرب.
وأسعد هاهنا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مرادًا به: ويمسي بما تنوي أعاديه أسعد منهم, كأنه جعلهم يرجون السعادة بما ينوون فيغلبهم سعد هذا الممدوح. وقد يجوز أن يكون أسعد في معنى سعيدٍ ولا يراد به معنى من؛ لأنهم يضعون أفعل في موضع اسم الفاعل من الثلاثي. ومن ذلك قول معن بن أوسٍ: [الطويل]
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول
أي: وجل. وقالوا في قول الفرزدق: [الكامل]
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول
(٤٣/ب) معناه عزيرة طويلة, وهذا مذهب كثيرٍ من أهل العلم, والأشبه أنه أراد أفعل الذي للتفضيل, ولعلهم فروا من ذلك لذكره السماء في أول البيت, كأنهم كرهوا أن يكون فضل بيتهم على السماء في العز والطول, وقد يحتمل أن يكون أراد أعز من بيوت العرب وأطول منها.
стр. 311
وقوله:
فإني رأيت البحر يعثر بالفتى ... وهذا الذي يأتي الفتى متعمدًا
في هذا البيت ضرب من العكس؛ لأنه الأشبه أن يقال: عثر الفتى بالبحر؛ لأن العثار للقدم وغيرها من قوائم الدواب, وهو منوط بالمشي, إلا أنه استعار العثار للبحر؛ لأن الفتى ربما ركب فيه فجعله كالذي يعثر به. وفي يأتي ضمير يعود على البحر الذي يعنى به سيف الدولة, فإن جعل العثار للفتى دون البحر كان في يأتي هاء مضمرة ترجع على سيف الدولة؛ كأنه قال وهذا الذي يأتيه الفتى متعمدًا. وإن جعل العثار للبحر ففي يأتي ضمير مرفوع وهو راجع إلى سيف الدولة أيضًا.
وقوله:
ذكي تظنيه طليعة عينه ... يرى قلبه في يومه ما ترى غدا
تظنيه: تظننه, وهم يبدلون من لام تفعل ياءً إذا اجتمعت فيها حروف من جنس واحد, وكذلك من لام فعلت, فيقولون تظنيت في تظننت, وتقضى البازي في معنى تقضض إذا انقض. وقصيت أظفاري؛ أي: قصصت, وهذا شعر يروى لبعض العرب ويجوز أن يكون لامرأة: [مجزوء الرجز]
إن لنا لكنه ... سمعنة نظرنه
كالريح حول القنه ... إلا تره تظنه
أراد تتظنن, فحذف إحدى التاءين, وأبدل من النون الآخرة ألفًا, ثم حذفها للجزم.
стр. 312
ويجوز أن تكون الهاء في تظنه منصوبة بتظن, ولا يمتنع أن تكون للوقف. وقال العجاج: [الرجز]
تقضي البازي إذا البازي كسر
أي تقضض البازي.
ويروى ترى على أن تكون الرؤية للعين, والأحسن أن يكون يرى بالياء, وتكون الرؤية للمدوح, وعلى ذلك كان الناس ينشدونه في الزمان الأول.
وقوله:
وصول إلى المستصعبات بخيله ... فلو كان قرن الشمس ماءً لأوردا
يجوز مستصعباتٍ, بكسر العين وفتحها, فإذا كسرت فهو من استصعب الأمر إذا صار صعبًا, وإذا فتحت فهو من استصعب الإنسان الأمر إذا رأى أنه صعب, وفتح العين أبلغ في صفة الممدوح. وقرن الشمس: ابتداء ضوئها.
وقوله:
فأصبح يجتاب المسوح مخافةٍ ... وقد كان يجتاب الدلاص المسردا
يجتابها: أي: يلبسها, ويجوز أن يكون يفتعل من الجوب, فتكون الألف منقلبة من الواو, ويكون مأخوذًا من: اجتاب الأرض؛ أي: قطعها؛ أي: أنه يقطع المسوح ليلبسها, ولا يمتنع أن يكون من جيب القميص أي يجعل لها جيوبًا؛ لأنه يتخذ منها أثوابًا, وقد حكي: جاب الأرض يجيبها ويجوبها. وأنشد الفراء: [الرجز]
جيب البيطر مدرع الهمام
стр. 313
يعني بالبيطر هاهنا الخياط. والدلاص: الدروع؛ سميت بذلك لملاستها, وهي كلمة تقع على الواحد والجمع. والنحويون يذهبون إلى أن فعيلًا وفعالًا اشتركا في أن جمعا على فعال كما قالوا: شمال للواحدة, وشمال للجميع. قال الشاعر: [الطويل]
ألم تعلمي أن الملامة نفعها ... قليل وما لومي أخي من شماليا
يذهبون إلى أنه أراد من شمائلي. وليس في هذا البيت حجة لما قالوه؛ إذ كان يحتمل أنه يريد وما لومي أخي من خليقتي, ولا يحمله على الجمع, والأشبه أن يكون الدلاص اسمًا كالمصدر, يقع على الواحد والجميع, وقد قالوا: دليص, يريدون به ما برق ولان, قال امرؤ القيس: [الطويل]
كنائن يجري فوقهن دليص
يعني ذهبًا. وقالوا في صفة الذهب دلامص, فروي أن الخليل كان يجعل الميم زائدةً, ويأخذه من الدليص. قال الشاعر: [مجزوء الكامل]
ككنانة الزغري زيـ ... ـنها من الذهب الدلامص
стр. 314
وقال الراجز: [الرجز]
لأصبحن العاصي بن العاصي
سبعين ألفًا عاقدي النواصي
مستلئمين حلق الدلاص
(٤٤/أ) الدلاص هاهنا جمع. فأما بيت أبي الطيب فيحتمل أن يعني به واحدًا وجمعًا؛ لأنه سائغ في الكلام أن يقال فلان يلبس ثوب ديباجٍ, وإن قيل ثياب ديباج فالمعنى صحيح. والمسرد: المنسوج من الدروع, وكل ما تتابع فهو مسرد ومتسرد.
وقوله:
وتمشي به العكار في الدير تائبًا ... وما كان يرضى مشي أشقر أجردا
هذا البيت فيه قلب أيضًا. وإنما أصل الكلام: ويمشي في الدير بالعكاز إلا أنها لما كانت مؤديةً إلى المشي جاز أن تجعل هي الماشية كما أن الليل لما كان مؤديًا إلى النوم جاز أن يقال في صفته ليل نائم. والعكاز مأخوذة من قولهم: تعكز إذا تقبض واجتمع, كأن الشيخ يتقبض عليها ويجتمع. وقد جاءت في الشعر القديم قال أبوزبيد الطائي: [البسيط]
ثوب وقوس وعكاز وذو شطبٍ ... لم يترك لومةً في رقه الصنع
وقوله:
فإن كان ينجي من علي ترهب ... ترهبت الأملاك مثنى وموحدا
مثنى وموحد وما كان مثلها إلى العشرة لا ينصرف في المعرفة ولا في النكرة. والألف في
стр. 315
قوله: موحدا ليست بدلًا من التنوين؛ لأنها للترنم جارية مجرى الألف في قوله: تعودا وأوردا ولم يحتج إلى صرف موحد. وقال الهذلي: [الطويل]
ولكنما أهلي بوادٍ أنيسه ... ذئاب تبغى الناس مثنى وموحد
وقوله:
هنيئًا لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضحى وعيدا
ينتصب هنيئًا عند قوم على مذهب قولهم: ثبت لك هينئًا, وقيل: بل هو اسم وضع موضع المصدر. كأنه قال: هنأك هناء؛ لأنهم ربما وضعوا اسم الفاعل في هذا الموضع كما قالت بعض نساء العرب وهي ترقص ابنها: [مجزوء الرجز]
قم قائمًا قم قائما ... لاقيت عبدًا نائما
وأمةً مراغما ... وعشراء رائما
تريد: قم قيامًا. والعيد مأخوذ من عاد يعود, وقالوا في جمعه أعياد كراهة أن يقولوا أعواد فيلتبسن بجمع العود, ولما قلبوه في الجمع أجروا الفعل على ذلك, فقالوا عيد, ولو حملوه على الأصل لقالوا عود, وسمي: يعني قول القائل: بسم الله إذا أراد الذبح أو النحر, وكذلك يقولون: سمى الرجل إذا ذكر اسم الله, وينشد لبعض اللصوص: [الطويل]
لحى الله صعلوكًا إذا جن ليله ... أناخ وسمى من حذار الطوارق
ويقال: ضحى إذا ذبح الأضحية إن كانت من الغنم, أو نحرها إن كانت من الإبل. وفيها
стр. 316
أربع لغاتٍ: أضحية وإضحية وضحية وأضحاة. وقولهم: عيد الأضحى يريدون جمع أضحاةٍ كما يقال: أرطاة وأرطى, وأنشد ابن السكيت: [الوافر]
رأيتكم بني الخذواء لما ... دنا الأضحى وصللت اللحام
توليتم بودكم وقلتم ... لعك منك أقرب أو جذام
ويجوز أن يقال هذا أضحى القوم يراد جمع أضحاةٍ؛ لأن الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء يجوز فيه التذكير والتأنيث, وإن قيل: هذه الأضحى فحسن.
ويقال في جمع ضحيةٍ: ضحايا, وفي جمع أضحيةٍ وإضحيةٍ: أضاحي. ولما قتل عثمان بن عفان بعد عيد النحر قالت الشعراء: ضحوا به؛ أي: جعلوه كالأضحية. قال الشاعر: [البسيط]
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا
وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت: [البسيط]
لعمري لنعم الذبح ضحيتم به ... خلاف رسول الله يوم الأضاحي
وإنما قيل: أضحية؛ لأنها تذبح إذا أضحى النهار.
وقوله:
هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم الليوم سيدا
الجد: الحظ, وهو هاهنا يشير بها إلى ما الناس فيه من الملك والسيادة, وغير ذلك من
стр. 317
الأشياء المحمودة, وهذا كقولهم في المثل: «عش بجدك لا بكدك». قال الحارث بن حلزة: [مجزوء الكامل]
فعشن بخيرٍ لا يضر ... النوك ما أعطيت جدا
وقال الآخر: (٤٤/ب)
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسمت وجدود
وجعل العيد سيدًا للأيام؛ لأنه يشرف دومًا ويخص بالنفقة والهبة, وكل ما غلب شيئًا فهو سيد له, حتى يقال لحمار الوحش هو سيد العانة. وسادت المطية المطايا إذا غلبتهن في السير, وأنشد أبو زيد لزهير بن مسعودٍ الضبي: [الطويل]
تسود مطايا القوم ليلة خمسها ... إذا ما المطايا بالنجاء تبارت
وأصل السيد مأخوذ من السواد, وهو الشخص, قال الشاعر: [الطويل]
ولما رمى شخصي رميت سواده ... ولابد أن يرمى سواد الذي يرمي
стр. 318
أي: شخصه فكأنهم قالوا: ساود الرجل الرجل فساده إذا كان سواده أعظم من سواده وأطول, ثم نقل ذلك إلى الفعل الأجمل, والأخلاق المحمودة. وجاز أن يقال للقصير سيد إذا كان شريف الشيم, وقالوا للمرأة: سيدة, قال الشاعر: [المديد]
أرسلت إلى سيدتي ... ائتنا وحاذر الطلبا
وقوله: حتى تفضل العين أختها, أقل ما تفضلها فيه أن تكون اليمنى وأختها اليسرى, وقد يجوز أن يصيب إحداهما العور, أو يكون بها الحول أو غيره من الأشياء المذمومة, وربما عارت اليمنى منهما فصارت المنفعة بالسيرى دونها.
وقوله:
ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... يصيره الضرغام فيما تصيدا
رواية أهل هذه البلاد جزم يجعل, ورفع يصيره؛ وذلك ضعيف جدًا؛ لأنه يحوج أن تضمر الفاء فيجري مجرى قول زهير: [البسيط]
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
كأنه أراد فيقول؛ أي: فإنه يقول. وكذلك قول الهذلي: [الطويل]
فقيل تحمل فوق طوقك إنها ... مطبعة من يأتها لا يضيرها
مطبعة: ثقيلة الحمل, وليست هاهنا ضرورة داعية إلى رفع يصيره وجزم يجعل؛ لأنه إذا
стр. 319
رفع يجعل, وحمل الكلام على المبتدأ والخبر, وصرفه عن الشرط والجزاء, كفي هذه المؤونة, وتكون من في معنى الذي, كأنه قال:
والذي يجعل الضرغام للصيد بازه يصيره
فيكون يصيره في موضع خبر المبتدأ.
وقوله:
أجزني إذا أنشدت شعرًا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا
يقال: إن أصل تسميتهم العطية جائزةً أن بعض الملوك كان في حرب, بينه وبين أعدائه نهر, فقال من جاز إلى الجانب الآخر فله كذا؛ فكان إذا جاز الرجل أعطاه عطيته, فقيل: قد أجازه. وقد يمكن مثل هذا الحديث, ويحتمل أن يكون قولهم: جائزة من أنها تجوز لصاحبها من قولك: هذا يمتنع وهذا يجوز؛ أي: يحتمل أن يفعل, فكأن الرجل إذا أعطي عطيته فقد جازت له.
وقوله:
ودع كل صوتٍ بعد صوتي فإنني ... أن الصائح المحكي والآخر الصدا
الصدى هاهنا: هو الذي يسمع في الجبال والأماكن الخالية, كأنه يحكي كلام المتكلم, والعرب تسميه ابنة الجبل, ولذلك قالوا في المثل للرجل الذي إذا رأى غيره يفعل أمرًا فعل مثله: هو كابنة الجبل مهما يقل يقل. وقالوا صمي يا بنة الجبل للداهية إذا سمعوا بها, أي: لا يكن هذا الحديث, ولا يذكره, وقال الشاعر:
إني بما كان من عسرٍ وميسرةٍ ... أدعو حنيفًا كما تدعى ابنة الجبل
أي: أني إذا دعوت أجابني غير متلبثٍ كالصدى الذي يجيب الصائح.
стр. 320
ومن أبيات أولها
وبنيةٍ من خيزرانٍ ضمنت ... بطيخةً نبتت بنارٍ في يد
وهي من الكامل الأول في رأي الخليل, ومن السحل الثالث في رأي غيره. الخيرزان: هذه القضبان المعروفة, وقيل: إنها عروق تكون في الأرض, إلا أن العرب شبها بها الغصن الرطيب؛ لأنه يتثنى كتثنيها, قال الشاعر:
هتوفًا دعت فرخًا على خيزرانةٍ ... يكاد يدنيها من الأرض لينها
وذكر ابن قتيبة أن بعض من كان يتردد إليه من طلاب الغريب سأله عن الجنهي, فلم يعرفه, فرأى في منامه قائلًا يقول: هو الخيرزان, وأنشده:
هدية ظريفة ... في طبقٍ مجنه
ثم سمع ابن قتيبة بعد ذلك من ينشد:
في كفه جنهي ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
وقد كان ابن قتيبة يعرف هذا البيت, ولكنه (٤٥/أ) كان يروي: في كفه خيزران, وقد سموا العروق التي في الجوف خيزرانًا. والبطيخ: عربي معروف.
следующие страницы →