← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أربع لغاتٍ: أضحية وإضحية وضحية وأضحاة. وقولهم: عيد الأضحى يريدون جمع أضحاةٍ كما يقال: أرطاة وأرطى, وأنشد ابن السكيت: [الوافر] رأيتكم بني الخذواء لما ... دنا الأضحى وصللت اللحام توليتم بودكم وقلتم ... لعك منك أقرب أو جذام ويجوز أن يقال هذا أضحى القوم يراد جمع أضحاةٍ؛ لأن الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء يجوز فيه التذكير والتأنيث, وإن قيل: هذه الأضحى فحسن. ويقال في جمع ضحيةٍ: ضحايا, وفي جمع أضحيةٍ وإضحيةٍ: أضاحي. ولما قتل عثمان بن عفان بعد عيد النحر قالت الشعراء: ضحوا به؛ أي: جعلوه كالأضحية. قال الشاعر: [البسيط] ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت: [البسيط] لعمري لنعم الذبح ضحيتم به ... خلاف رسول الله يوم الأضاحي وإنما قيل: أضحية؛ لأنها تذبح إذا أضحى النهار. وقوله: هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم الليوم سيدا الجد: الحظ, وهو هاهنا يشير بها إلى ما الناس فيه من الملك والسيادة, وغير ذلك من

стр. 317

الأشياء المحمودة, وهذا كقولهم في المثل: «عش بجدك لا بكدك». قال الحارث بن حلزة: [مجزوء الكامل] فعشن بخيرٍ لا يضر ... النوك ما أعطيت جدا وقال الآخر: (٤٤/ب) وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسمت وجدود وجعل العيد سيدًا للأيام؛ لأنه يشرف دومًا ويخص بالنفقة والهبة, وكل ما غلب شيئًا فهو سيد له, حتى يقال لحمار الوحش هو سيد العانة. وسادت المطية المطايا إذا غلبتهن في السير, وأنشد أبو زيد لزهير بن مسعودٍ الضبي: [الطويل] تسود مطايا القوم ليلة خمسها ... إذا ما المطايا بالنجاء تبارت وأصل السيد مأخوذ من السواد, وهو الشخص, قال الشاعر: [الطويل] ولما رمى شخصي رميت سواده ... ولابد أن يرمى سواد الذي يرمي

стр. 318

أي: شخصه فكأنهم قالوا: ساود الرجل الرجل فساده إذا كان سواده أعظم من سواده وأطول, ثم نقل ذلك إلى الفعل الأجمل, والأخلاق المحمودة. وجاز أن يقال للقصير سيد إذا كان شريف الشيم, وقالوا للمرأة: سيدة, قال الشاعر: [المديد] أرسلت إلى سيدتي ... ائتنا وحاذر الطلبا وقوله: حتى تفضل العين أختها, أقل ما تفضلها فيه أن تكون اليمنى وأختها اليسرى, وقد يجوز أن يصيب إحداهما العور, أو يكون بها الحول أو غيره من الأشياء المذمومة, وربما عارت اليمنى منهما فصارت المنفعة بالسيرى دونها. وقوله: ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... يصيره الضرغام فيما تصيدا رواية أهل هذه البلاد جزم يجعل, ورفع يصيره؛ وذلك ضعيف جدًا؛ لأنه يحوج أن تضمر الفاء فيجري مجرى قول زهير: [البسيط] وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم كأنه أراد فيقول؛ أي: فإنه يقول. وكذلك قول الهذلي: [الطويل] فقيل تحمل فوق طوقك إنها ... مطبعة من يأتها لا يضيرها مطبعة: ثقيلة الحمل, وليست هاهنا ضرورة داعية إلى رفع يصيره وجزم يجعل؛ لأنه إذا

стр. 319

رفع يجعل, وحمل الكلام على المبتدأ والخبر, وصرفه عن الشرط والجزاء, كفي هذه المؤونة, وتكون من في معنى الذي, كأنه قال: والذي يجعل الضرغام للصيد بازه يصيره فيكون يصيره في موضع خبر المبتدأ. وقوله: أجزني إذا أنشدت شعرًا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا يقال: إن أصل تسميتهم العطية جائزةً أن بعض الملوك كان في حرب, بينه وبين أعدائه نهر, فقال من جاز إلى الجانب الآخر فله كذا؛ فكان إذا جاز الرجل أعطاه عطيته, فقيل: قد أجازه. وقد يمكن مثل هذا الحديث, ويحتمل أن يكون قولهم: جائزة من أنها تجوز لصاحبها من قولك: هذا يمتنع وهذا يجوز؛ أي: يحتمل أن يفعل, فكأن الرجل إذا أعطي عطيته فقد جازت له. وقوله: ودع كل صوتٍ بعد صوتي فإنني ... أن الصائح المحكي والآخر الصدا الصدى هاهنا: هو الذي يسمع في الجبال والأماكن الخالية, كأنه يحكي كلام المتكلم, والعرب تسميه ابنة الجبل, ولذلك قالوا في المثل للرجل الذي إذا رأى غيره يفعل أمرًا فعل مثله: هو كابنة الجبل مهما يقل يقل. وقالوا صمي يا بنة الجبل للداهية إذا سمعوا بها, أي: لا يكن هذا الحديث, ولا يذكره, وقال الشاعر: إني بما كان من عسرٍ وميسرةٍ ... أدعو حنيفًا كما تدعى ابنة الجبل أي: أني إذا دعوت أجابني غير متلبثٍ كالصدى الذي يجيب الصائح.

стр. 320

ومن أبيات أولها وبنيةٍ من خيزرانٍ ضمنت ... بطيخةً نبتت بنارٍ في يد وهي من الكامل الأول في رأي الخليل, ومن السحل الثالث في رأي غيره. الخيرزان: هذه القضبان المعروفة, وقيل: إنها عروق تكون في الأرض, إلا أن العرب شبها بها الغصن الرطيب؛ لأنه يتثنى كتثنيها, قال الشاعر: هتوفًا دعت فرخًا على خيزرانةٍ ... يكاد يدنيها من الأرض لينها وذكر ابن قتيبة أن بعض من كان يتردد إليه من طلاب الغريب سأله عن الجنهي, فلم يعرفه, فرأى في منامه قائلًا يقول: هو الخيرزان, وأنشده: هدية ظريفة ... في طبقٍ مجنه ثم سمع ابن قتيبة بعد ذلك من ينشد: في كفه جنهي ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم وقد كان ابن قتيبة يعرف هذا البيت, ولكنه (٤٥/أ) كان يروي: في كفه خيزران, وقد سموا العروق التي في الجوف خيزرانًا. والبطيخ: عربي معروف.

стр. 321

ومن بيتين أولهما وسوداء منظومٍ عليها لألئ ... لها صورة البطيخ وهي من الند وهما من الطويل الأول في قول الخليل, ومن ضروب السحل الأول في قول غيره. الند: من الطيب, وقد تكملوا به في صدر الإسلام, وقال بعضهم: ليس بعربي في الأصل, وقال آخرون: بل هو مأخوذ من قولهم: ند البعير إذا ذهب على وجهه في الأرض, وفارق الإبل وأصحابه. كأن هذا الفن من الطيب قد خالف جميع أصنافه, وقد جاء به الأحوص وغيره في الشعر قال: [البسيط] إذا خبت أوقدت بالند فاشتعلت ... ولم يكن عودها قسط وأظفار وقوله: كأن بقايا عنبرٍ فوق رأسها ... طلوع رواعي الشيب في الشعر الجعد يقال لأول شعرة تطلع من الشيب راعية, والجمع: رواعٍ. قال الشاعر: [البسيط] أهلًا براعيةٍ للشيب ناعيةٍ ... تبكي الشباب وتنهانا عن الغزل وكأنهم أرادوا رائعةً من راعت تروع؛ أي: أفزعت, فقلبوها إلى الرعاية على طريق الفأل.

стр. 322

ومن بيتين أولهما أتنكر ما نطقت به بديهًا ... وليس بمنكرٍ سبق الجواد وهما من الوافر الأول على رأي الخليل, ومن السحل الرابع على رأي غيره. البديه: ما يبدو من الرجل على غير تفكرٍ, فيكون ذلك في المقال والفعل. وقد كثر استعمال ذلك في نظم القريض دون غيره, وقالوا: بداهة الفرس لأول جريه, قال الأعشى: [مجزوء الكامل] إلا علالة أو بدا ... هة قارحٍ نهد الجزاره وقوله: أراكض معوصات القول قسرًا ... فأقتلها وغيري في الطراد أراكض: أفاعل, من: ركضت الفرس, وقال قوم لا يقال: ركض الفرس, ولا يمتنع ذلك؛ لأن الركض إنما هو ضرب بالرجل, فيقال: ركض الفارس فرسه, وركض الفرس؛ أي: ضرب الأرض بجوافره, فأما البيت المنسوب إلى طرفة: هما أورثاني الموت عمدًا وجردا ... على الغدر خيلًا ما تمل من الركض فقد استشهد به على أنهم يقولون: ركض الفرس. وقال قوم: إنما أراد لا تمل من ركض الفوارس إياها. والمعوصات من القول: الذي يأتي بالعويص, وهو ما يتعذر فهمه, أو ما يعتاص أن يقال مثله, وجعل ظفره بالمعوصات مثل قتله لها.

стр. 323

ومن أبيات أولها يا من رأيت الحليم وغدًا ... به وحر الملوك عبدا وهي من البسيط السادس على رأي الخليل, ويلزم صاحب السحل أن يكون عنده من السحل الثاني أو من الطلق السادس. أصل الوغد من قولهم: وغد القوم؛ أي: خدمهم, وقيل لأن الهيثم الأعرابية أتقولين للعبد وغد؟ ! قالت ومن أوغد منه؟ وكأنهم لما كان أصل الوغد الخدمة سموا من يضعف جسمه أو عقله, أو يستهان به في بعض الأمور وغدًا. وقال بعض السلف كنت وغدًا يوم الكلاب؛ فهذا يحتمل غير وجهٍ, منها: أن يكون أراد صباه, وأنه لم يكن في حد الرجال, ويجوز أن يكون ضعف لعلة, أو كان ممن يخدم المقاتلة. ومن أبيات أولها أمن كل شيءٍ بلغت المرادا ... وفي كل شأوٍ شأوت العبادا وهي من المتقارب الأول على رأي الخليل. الشأو: الطلق, يقال: شاءه يشأه إذا سبقه, وقالوا في الماضي: شأوت وشأيت, وكأنهم يلزمون في المضارع يشأى كراهة أن يقولون: يشؤوا فيجمعوا بين الهمزة والواو. والعباد: مثل العبيد, إلا أن العباد جمع على القياس. والعبيد اسم للجمع ليس بالمطرد, وهو مثل قولهم: كلب وكليب وضرس وضريس. وأما عباد الحيرة فجماعة من قبائل شتى دخلوا في دين المسيح (٤٥/ب) فكرهوا أن يقال لهم عبيد فيشابهوا في اللفظ من الرق عليه واقع فقالوا: نحن العباد, ولزمهم هذا الاسم. وقيل في النسب إليهم: عبادي؛ لأن هذا اللفظ صار كأنهم سموا به فأشبه قولهم في النسب إلى كلابٍ وإلى أنمارٍ أنماري.

стр. 324

وقوله: كأن السمانى إذا ما رأتك ... تصيدها تشتهي أن تصادا السمانى: جمع فيجوز أن يكون من الأسماء التي تقع على الآحاد والجموع, فيقال: سمانى للواحدة والجماعة, وقد حكوا في الواحد سماناة, والذين ينكرون دخول التأنيث على مثله ينفرون من ذلك, ومثله الشكاعى لضربٍ من النبت. ومن التي أولها وشامخٍ من الجبال أقود ... فردٍ كيافوخ البعير الأصيد وهي من الرجز الرابع في قول الخليل, وعند صاحب السحل من الرجز الأول. الشامخ من الجبال: الطويل, ومنه قولهم: شمخ الرجل بأنفه إذا تطاول وتكبر. والأقود: ربما عبروا عنه بأنه الطويل, وربما أرادوا البيان, فقالوا: هو الطويل الذي ينقاد؛ أي: يذهب في الأرض مع طوله, ويقال: تقاود الجبل؛ إذا ذهب في الأرض, وكذلك الأبرق, قال الشاعر: [الطويل] يقر بعيني أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاود وإذا قالوا للفرس أو الناقة: قوداء فإنما يريدون طول العنق, كأن عنقها قيدت قدامها, وقالوا في قول حاتم: [الطويل] إن الكريم من تلفت حوله ... وإن اللئيم دائم الطرف أقود

стр. 325

أي كأنه يقاد إلى الأمام فلا يلتفت. واليافوخ: أصله في ابن آدم, ووزنه يفعول, وهو مهموز في الأصل, وقالوا: أفخته إذا ضربت يأفوخه. والصيد قد مر ذكره, وهو الصاد أيضًا, قال الراعي: [الطويل] وبيض خفاف قد علتهن كبوة ... يداوى بها الصاد الذي في النواظر أراد بالنواظر عروقًا في الرأس. وقوله: في مثل متن المسد المعقد المسد: حبل شديد الفتل يكون من جلود وغيرها. والمتن: أسفل الظهر من الإنسان, فإذا قيل: متن الأرض فيجوز أن يراد ظهرها إذا غلظ, ولا يخص ما تأخر منها, وكذلك متن الحبل, وقالوا: متن ومتنة إلا أنهم استعملوا المتنة في بني آدم والخيل. ولا يقولون: متنة الأرض, وإن سمع فليس بمنكرٍ, وجمع متن الأرض متان, وجمع متن الإنسان متون. قال الحارث بن حلزة: [الكامل] أنى اهتديت وكنت غير رجيلةٍ ... والقوم قد قطعوا متان السجسج وقوله: للصيد والنزهة والتمرد أصل قولهم: مكان نزيه؛ أي: بعيد من الماء, ثم ابتذلت هذه الكلمة حتى قالت العامة: خرجوا يتنزهون إذا أرادوا الفرجة في الرياض والبساتين, وإنما الأصل بعدهم من المياه, وقال الهذلي: [المتقارب]

стр. 326

أقب طريدٍ بنزه الفلا ... ة لا يرد الماء إلا ائتيابا وقوله: بكل نابٍ ذربٍ محدد ... على حفافي حنكٍ كالمبرد الذرب: الحديد, يستعمل في اللسان والسنان. يقال: ذربت الحديدة إذا أحددتها, والحفافان: الجانبان. ومن التي أولها أحلمًا نرى أم زمانًا جديدا ... أم الخلق في شخص حي أعيدا وهي من المتقارب الأول في رأي الخليل. قد كثر في الشعر قولهم للرجل: كأنه الخلق, وكأنه الناس كلهم, ومن ذلك قول القائل: وليس لله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد وهذا مما يخرج على العموم, والمراد به الخصوص؛ لأنه لو عم به الخلق كلهم لكان ذلك منقصةً عظيمةً على الممدوح؛ إذ كان العالم فيه المجنون, والأحمق, والأخرس, وغير ذلك من الأشياء المذمومة. وقوله: رأينا ببدرٍ وآبائه ... لبدرٍ ولودًا وبدرًا وليدا

стр. 327

(٤٦/أ) إنما شبه الممدوح بالبدر إذ كان اسمه بدرًا, ادعى أنه قد رأى للبدر ولودًا؛ أي: أبًا, وللبدر وليدًا؛ أي: مولودًا, وهذه من الدعاوي الباطلة؛ لأنه لا يعني إلا بدر السماء, وقوله: لبدرٍ نكرة, ولا يحتمل أن يكون معرفةً؛ لأنه لو كان ذلك لم يكن فيه مدح. وقوله: وربتما حملةٍ في الوغى ... رددت بها الذبل السمر سودا إذا جاءت بعد رب وربت فالأحسن الخفض, وتكون ما زائدةً, فيقال: ربما رجلٍ مررت به, وربتما خيلٍ شهدتها. قال ضمرة بن ضمرة: [السريع] ماوي يا ربتما غارةٍ ... شعواء كاللذعة بالميسم ولو رفع الاسم بعد ما وجعلت كافة لم يبعد ذلك. فأما قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾ فما وما بعدها في موضع خفضٍ كأنه قال: رب ودادٍ للذين كفروا. وقد يجيء في الشعر بعد ربما ما فيه الألف واللام فقال أبو دؤاد: ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج بينهن المهار فيجوز أن يكون أشمر يكون كأنه قال: ربما يكون الجامل. ويجوز أن يجعل ما نكرة ويوقعها على زمان كأنه قال: رب زمانٍ الجامل في هؤلاء القوم فيه. وجعل الذبل تصير سودًا؛ لأن بعض الدم يكون أسود. وقوله: بهجر سيوفك أغمادها ... تمنى الطلى أن تكون الغمودا إلى الهام تصدر عن مثله ... ترى صدرًا عن ورودٍ ورودا

стр. 328

البيت الأول قد كمل معناه وهو غير محتاجٍ إلى ما بعده. وقوله: إلى الهام: يفتقر إلى فعلٍ مضمرٍ يكون راجعًا إلى السيوف كأنه لما جرى في البيت الأول ذكر الهجر أضمر يهجر في البيت الثاني, يريد تهجر سيوفك أغمادها إلى الهام, كما قال: (هجرت إليه الغيث) أي: تركت الغيث لتتصل به, وكذلك سيوفه تهجر الأغماد لتقع في الهام. وقوله: قتلت نفوس العدى بالحديد ... حتى قتلت بهن الحديدا يريد أنه يحطم السيوف في الأعداء, وهذا نحو من قول البعيث: [الطويل] وإنا لنعطي المشرفية حقها ... فتقطع في أيماننا وتقطع وقوله: فأنت وحيد بني آدمٍ ... ولست لفقد نظيرٍ وحيدا ادعى له الوحدة في أول البيت, ثم قال: ولست لفقد نظيرٍ وحيدًا؛ أي: أن الناس يشاركونك في الصورة الإنسية, وفي الأشياء التي يشترك فيها العالم, كالنوم والطعام والشراب, فإذا جاء السؤدد والشجاعة والكرم وما يحمد الرجل عليه كنت الأوحد. ومن التي أولها أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد وهي من الوافر الأول على رأي الخليل, ومن السحل الرابع على رأي غيره.

стр. 329

أحاد: فعال, يذهب قوم إلى أنه يستعمل من الواحد إلى العشرة, وبعض الناس يزعم أنه مقصور على الواحد, ثم ما بعده إلى الأربعة, وهو لا ينصرف في معرفةٍ ولا نكرةٍ, قال الهذلي: [الوافر] أحم الله ذلك من لقاءٍ ... أحاد أحاد في الشهر الحلال ويجب أن يكون هذا الكلام على تقدير ألف الاستفهام, ويدل على ذلك مجيء أم في آخره, كأنه قال: أواحدة أم ست هذه الليلة. وحكي عن أبي الفتح بن جني ﵀ أنه كان يحتج لتخصيص أبي الطيب سداس دون غيره مما هو أكثر بأن الله سبحانه خلق السموات والأرض في ستة أيام. يريد أن هذه الليلة طويلة كأنها الأيام الستة التي خلقت فيها السماوات والأرض؛ إذ كان كل يوم من أيام الله سبحانه كألف سنةٍ مما يعده بنو آدم بدليل قوله تعالى: ﴿وإن يومًا عند ربك كألف سنةٍ مما تعدون﴾؛ وهذا قول حسن. ومما يجوز أن يقال في هذا المعنى أن الحديث جاء فيه «أنه إذا جاءت القيامة وقضى الله أنت طلع (٤٦/ب) الشمس من مغربها تأخر طلوعها ثلاثة أيامٍ, فينكر الناس ذلك, ويفزعون إلى المساجد, ثم تطلع بعد ثلاث ليلٍ سوداء» ,

стр. 330

والثلاثة الأيام إذا لم تطلع فيها الشمس صارت كثلاث ليالٍ؛ فهي حينئذ ست. ويقوي هذا القول قوله: «لييلتنا المنوطة بالتناد»؛ لأن طلوع الشمس من مغربها يتصل بالقيامة, وصغر الليلة على معنى التعظيم, كما قال لبيد: [الطويل] وكل أناسٍ سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل والبصريون المتقدمون لا يرون تصغير الشيء على معنى التعظيم, ويرون أن قول لبيد دويهية وهو يريد الموت فصغرها؛ إذ كان الموت لا يرى, فكأنه خفي إذ كان العيان لا يدركه. وقوله: كأن بنات نعشٍ في دجاها ... خرائد سافرات في حداد بنات نعشٍ في السماء: في موضعين: إحداهما يقال لها بنات نعشٍ الكبرى, والأخرى بنات نعشٍ الصغرى. والبنات نجوم ثلاثة, والنعش أربعة. وربما جاء في الشعر بنو نعشٍ في موضع بنات نعشٍ كأنه لما حكم لها بالبنوة ذكرها؛ لأن النجم مذكر, وينشد هذا البيت: [الطويل] شربت بها والديك يدعوه صباحه ... إذا ما بنو نعشٍ دنوا فتصوبوا وهذا من نحو قوله جلت عظمته: ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ , لما أخبر عن الكواكب والشمس والقمر كما يخبر عن الآدميين جمعهم بالياء والنون. وسافرات: من قولهم: سفرت المرأة إذا ألقت خمارها عن وجهها, والمصدر السفور. وقال توبة: [الطويل]

стр. 331

وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها والحداد: ما لبس من السواد للحزن, وهو من قولهم: أحدت المرأة وحدت؛ إذا تركت الخضاب والزينة بعد وفاة زوجها. وقوله: أفكر في معاقرتي المنايا ... وقودي الخيل مشرفة الهوادي إذا وقف الواقف على معاقرة بالهاء وجعل القود مضافًا إلى الخيل فالمعنى صحيح. وأحسن من ذلك أن تكون المعاقرة مضافةٍ إلى الياء, وكذلك القود, وتكون المنايا والخيل في موضع نصبٍ؛ لأن أبا الطيب كان يؤثر أن يصف نفسه كثيرًا, وإضافة هاتين الكلمتين إلى نفسه أبلغ من ترك الإضافة؛ لأنه إذا لم يضف جاز أن يكون فكره في معاقرة الناس, وقود الخيل التي يقودها غيره, والمعاقرة لزوم الشيء, يقال: عاقر الخمر؛ إذا أدمن شربها, ومنه قول الوليد ين يزيد: إنهم قد عاقروا اليو ... م عقارًا مقديه وقيل: إنما سميت العقار عقارًا لمعاقرتها الدن؛ أي: لزومها إياه. والهوادي: الأعناق وكل ما تقدم شيئًا فهو له هادٍ, ومن ذلك قيل لمتقدمات الوحش هاديات. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ خبر معناه «أن ضباعة ذبحت شاةً, فبعث إليها النبي ﷺ أن أرسلي إلي بشيءٍ منها؛ فقالت لم يبق عندي إلا الرقبة, وأنا أكره أن أوجه بها إلى رسول الله ﷺ , فأرسل إليها أن ابعثي بها؛ فإنها هادية الشادة وأبعد الشاة من الأذى».

стр. 332

ولم تجئ الهادية بالهاء في معنى العنق إلا في هذا الحديث, ونصب مشرفةً على الحال, وهي نكرة, لأن اسم الفاعل إذا كان في معنى الحال أو الاستقبال لم يتعرف بالإضافة إلى المعرفة, فكأنه قال: مشرفةً هواديها. وقوله: زعيمًا للقنا الخطي عزمي ... بسفك دم الحواضر والبوادي الزعيم: الكفيل. ويقال لرئيس القوم زعيمهم؛ لأنه يكفل أمورهم. وزعم الرجل إذا كفل, وقال الجعدي, ويروى لأمية. [المنسرح] نودي قيل اركبن بأهلك إن ... ن الله موفٍ للناس ما زعما فهذا في معنى الكفالة, وهو الأصل في هذا اللفظ, وقال آخر في صفة فرسٍ: تصب لها نطاف القوم سرا ... ويشهد خالها أمر الزعيم خالها: أي الذي يحسن القيام عليها, أي: الرئيس, وهو (٤٧/أ) راجع إلى معنى الكفالة. والحواضر: جمع حاضرةٍ, وأصل ذلك أنهم كانوا يقولون لمن نزل على الماء قد حضر, ويقولون: كان فلان في الحاضر إذا كان في القوم النزول على الماء. قال الشاعر: يا حاضري الماء لا معروف عندكم ... لكن أذاكم إلينا حاضر باد ثم قالوا لأهل المدن حاضرة وحواضر؛ لأنهم لا يكونن إلا على ماءٍ إما جارٍ وإما غير جارٍ. والبادية: ربما أقاموا أيامًا لا يردون الماء. وإنما قيل: بادٍ وبادية؛ لأنهم يبدون للنظر. والذين يحضرون على الماء إن كانوا أهل مدنٍ فإنهم يستترون بالجدر, وإن كانوا في غير الأمصار جاز أن يتخذوا خيامًا من الشجر فيتظللوا بها. وقوله: متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد

стр. 333

أي: إني إذا لحظت بياض الشيب فكأني لحظت به بياضًا في سواد عيني, ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينه إلا في المرآة, ولولا أنه بين سواد العين في هذا البيت لجاز أن يحمل على سواد القلب, فيكون نحوًا من قول الطائي: [الخفيف] شاب رأسي وما عهدت مشيب الر ... أس إلا من فضل شيب الفؤاد إلا أن الطائي جعل مشيب فؤاده متقدمًا شيب رأسه, وأبو الطيب جعل البياض في سواد عينه من أجل حزنه لبياض الشيب. وقوله: جزى الله المسير إليه خيرًا ... وإن ترك المطايا كالمزاد أي: أنها قد هزلها السير فتركها كالمزاد التي نضب ماؤها, واشتد عليها الهجير, فتناهى يبسها. والمزاد: جمع مزادةٍ, وجمعها مزايد, ويجب ألا تهمز؛ لأن ألفها منقلبة عن حرفٍ أصلي, قال الشاعر: [الطويل] مزايد خرقاء اليدين مسيفة ... أخب بهن الساقيان وأحفدا والناس يقولون: حملوا الزاد والمزاد, يعنون بالزاد ما كان للأكل, وبالمزاد ما يوعون فيه الماء. فأما الزاد فقد ثبت أنه من ذوات الواو؛ لأنهم قالوا: تزودوا, وزودتهم, وذلك كثير في الشعر, قال قيس بن الخطيم: [الطويل] تروح من الحسناء أم أنت مغتدٍ ... وكيف انطلاق عاشقٍ لم يزود وأصل التزويد في الطعام, ولكن الشعراء نقلته إلى ما يفعله المحبوب من وصالٍ أو حسن وداع.

стр. 334

ومن الزاد اشتق المزود. فأما المزاد فلا يمتنع أن يكون اشتقاقها من التزويد, والأقيس أن يكون من الزيادة. وكان القوم يكون معهم الزاد ويزادون الأسقية للسفر, ويقوي هذا المذهب قولهم في الجمع: مزايد, ولو كانت من ذوات الواو لوجب أن يقال: مزاود, كما يقال في جمع الملامة: ملاوم, وفي جمع مقامٍ: مقاوم, ولم يقولوا: مقايم ولا ملايم. ويروى للأخطل: [الطويل] وإني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جريرٍ يقومها ولقائل أن يقول: أصل مزادٍ من الزاد إلا أنهم آثروةا الياء في غالجمع ليفرقوا بين ما يحمل فيه الماء وبين ما يحمل فيه المأكول, كما قالوا: أعياد في جمع عيدٍ, وهو من ذوات الواو ليفرقوا بينه وبين أعوادٍ جمع عودٍ, ومعنى البيت هو الذي تقدم. ويجوز لقائل أن يدعي أنهم طمؤوا الإبل, وسقوها الماء ليستعينوا به في المفاوز إذا افتظوا كروشها عند شدة الظمأ, كما قال علقمة: [البسيط] وقد أصاحب أقوامًا طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم فذكروا أنه يريد بخضر المزاد كروش الإبل التي يفتظون, ولما كان ذلك يستعمل مع اللحم المنشم جاز أن يجعله طعامًا. ومن هذا النحو قول القائل: [الكامل] ضمنت لهم أرماقهم أسآرها ... وجرومها كأهلة المحل وردوا بأرشية الحديد ففرجوا ... عن فائر الجنبات كالغسل وقال آخر: [السريع] مزادة الراكب فيها إذا ... لم ينتض المخصف لم تفتح

стр. 335

يعني بالمزادة كرش البعير أو الناقة, وبالمخصف السيف. وقوله: [الوافر] فلم تلق ابن إبراهيم عنسي ... وفيها قوت يومٍ للقراد (٤٧/ب) العنس: الناقة القوية المسنة. يقول: لم تلق هذا الممدوح ناقتي وفيها للقراد قوت يومٍ, وهذه مبالغة تخرج إلى الكذب, والعرب تصف القراد بترقيه في المهزول وقلة ثباته على السمين, قال الأسود بن يعفر: [الكامل] عيرانةٍ سد الربيع خصاصها ... لا يستبين بها مقيل قراد ومن ذلك قول الراعي: [الكامل] بنيت كواهلهن فوق مزلةٍ ... لا يستطيع بها القراد مقيلا وقال الراجز في صفة القراد وترقيه في المهزول من الإبل: [الرجز] إن بني بهثة يرتقون في ... ترقي القراد في القود الرذي ويروى: العلي. وقال آخر: [الطويل] ظلت ثلاثًا لا تراع من الشذى ... وإن ظل في أوصالها العل يرتقي يعني بالعل القراد. والقراد اسم يقع على الذكر والأنثى. وأصحاب المعاني ينشدون هذا البيت: [الوافر] وما ذكر فإن يكبر فأنثى ... شديد الأزم ليس بذي ضروس

стр. 336

يعنون أنه يقال له قراد ما دام صغيرًا, وهذا اسم مذكر, فإذا كبر قيل له حلمة, فأنث. وقال آخر: [البسيط] إني وجدت بني سلمى بمنزلةٍ ... مثل القراد على حاليه في الناس وقالوا في جمعه: قرد وقردان. وقالوا للنقرة التي وراء الحافر: أم القردان وأم القرد؛ لأن القراد يحل بذلك الموضع, قال ذو الرمة: [الطويل] رمى أمهات القرد وخز من السفا ... وأحصد في قريانه الزهر النضر وقوله: [الوافر] ألم يك بيننا بلد بعيد ... فصير طوله عرض النجاد وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقرب قربنا قرب البعاد في صير ضمير عائد على المسير, وكذلك في أبعد وقرب, والمعنى أنه دعا للمسير بأن يجزى خيرًا؛ لأنه قرب الأمد الذي كان بينه وبين الممدوح, فصير مقداره كعرض النجاد, وهو ما يقع على الكتف من حمائل السيف. وقال دريد بن الصمة: [الوافر] أعاذل إنما أفنى شبابي ... ركوبي في الصريخ إلى المنادي مع الفتيان حتى سل جسمي ... وأقرح عاتقي حمل النجاد وكان في كندة ملك يعرف بمقطع النجد, وذلك أنه كان مولعًا بتقطيع نجد السيوف التي يحملها من يركب معه, يقول: كان تدانينا بعيدًا فأبعد المسير بعدنا فصيره

стр. 337

في النأي بمنزلة ما كان عليه التداني من قبل, وجعل قربنا قريبًا منا كما كان البعاد في أول الدهر مقارنًا لنا. وقوله: تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقى ما له قبل الوساد نتهلل الرجل: إذا ضحك واستبشر, وكذلك تهلل السحاب: إذا برق, قال الشاعر: [الطويل] وإني وإن شطت نواها لقائل ... سقى آل هند العارض المتهلل فأما قولهم: استهل السحاب فإنهم يريدون به شدة وقعه, أخذ من الإهلال, وهو رفع الصوت, يقول: عجل إلي بالمال قبل أن يطرح لي الوساد كي أجلس. وقوله: نلومك يا علي لغير ذنبٍ ... لأنك قد زريت على العباد وأنك لا تجود على جوادٍ ... هباتك أن يلقب بالجواد يقال: زرى عليه؛ إذا عاب فعله. وقوله: نلومك, يريد يلومك بعضنا؛ لأن المادح لا يجوز أن يكون من اللائمين, وهذا من الكلام الذي كأنه عموم وهو على التخصيص, كما يقال: الناس يلومون فلانًا على كذا, أي: بعضهم. وزريه على العباد أنه قد أعلمهم أنهم بخلاء لا جواد فيهم, فلم يبق أحد يقال له: جواد, وكان كثير من المتأدبين يروون تلقب بالتاء, وتلك غباوة بينة, وإنما المعنى أن هباتك مرفوعة بفعلها, وهو (٤٨/أ) تجود, كأنه قال: لا تترك هباتك أحدًا يلقب بالجواد. فأما من روى تلقب بالتاء فيلزمه أن يرفع هباتك بالابتداء ويحيل المعنى إلى غير ما أراده القائل. وقوله: ويم جلبتها شعث النواصي ... معقدة السبائب للطراد

стр. 338

الهاء في جلبتها راجعة إلى الخيل, ولم يتقدم لها ذكر في المديح, وقد ذكرها في أول القصيدة, وهذا من باب إضمارهم الشيء قبل ذكره لعلم السامع بما يريدون, ومنه قول النابغة: [الوافر] فأقبلهن بطن الأرض شعثًا ... يصن المشي كالحدإ التؤام أضمر الخيل قبل ذكرها. والسبائب: جمع سبيبٍ, وهو شعر الذنب, وربما جعلت الناصية سبيبًا, قال عبيد: [مخلع البسيط] ينشق عن وجهها السبيب ويجوز أن يكون تسميتهم شعر الذنب سبيبًا لأنه ربما قطع في بعض الحالات, فهو فعيل في معنى مفعول, من قولهم: سب إذا قطع, ومنه قولهم للشقة المستطيلة سبيبة؛ لأنها تقطع عن النول, وكذلك قولهم للعمامة: سب, وللخمار أيضًا. وقوله: لقوك بأكبد الإبل الأبايا ... فسقتهم وحد السيف حاد باب ما كان على فعلٍ أن يجمع على أفعالٍ, مثل كتفٍ وأكتافٍ, وكبدٍ وأكبادٍ, ونمرٍ وأنمارٍ, جمعها أبو الطيب على أكبدٍ, ويجوز أن يكون سمعها في شعرٍ, قال الراجز: [الرجز] إنك لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضب يعدو بالواد

стр. 339

والأبايا: جمع أبيةٍ, فيجوز أن يجعل من صفة الأكبد, ومن صفة الإبل, وهم يصفون أكباد الإبل بالغلظ, وإذا وصفوا أنفسهم بالقسوة شبهوها بأكباد الإبل. قال قتادة بن مسلمة الحنفي: [البسيط] يبكى علينا ولا نبكي على أحدٍ ... لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل وقد كثر وصفهم الإبل بالحنين والرقة, ولكنهم يرجون القول على ما يتفق في بعض الأحيان, ولا يميزون بين الحالين, قال متمم: [الطويل] فما وجد أظآرٍ ثلاثٍ روائمٍ ... رأين مجرًا من حوارٍ ومصرعا وقال عمرو بن كلثوم: [الوافر] فما وجدت كوجدي أم سقبٍ ... أضلته فرجعت الحنينا وقوله: ولكن هب خوفك في حشاهم ... هبوب الريح في رجل الجراد يريد أن الريح إذا هبت في رجل الجراد فرقته. والرجل القطعة العظيمة منه خاصة, قال النابغة: [الطويل]

стр. 340

غداة استهلت بالنسار سحابة ... تشبهها رجل الجراد من النبل وقوله: وما الغضب الطريف وإن تقوى ... بمنتصفٍ من الكرم التلاد أصل التلاد: لما يولد عند الرجل من الإنس وغيرهم, والتاء فيه مبدلة من الواو, ثم كثر ذلك حتى سموا ما قدم تلادًا, ويجوز أن يكون هذا الاسم واقعًا على ما ولد عند الأب والجد وورثه الإنسان. والطريق والطارف: ما استفاده الرجل فكان محدثًا, فاستعار ذلك للغضب, وجعل كرم الممدوح تلادًا؛ لأنه ورثه عن آبائه. وقوله: وكن كالموت لا يرثي لباكٍ ... بكى منه ويروى وهو صاد جعل الموت يروى على الاستعارة, أي أنه قد أخذ ما سبيله أن يروى به, إلا أنه مع ذلك غير مكتفٍ فكأنه صادٍ, وهو ك لام يحمل على المجاز؛ لأن الري لا يجتمع مع الصدى في حال, وإنما يريد أنه قد استكثر فوجب أن يكون ما قد أخذ كافيًا له وهو مع ذلك ليس بالمقتصر. وقوله (٤٨/ب): وكيف يبيت مضطجعًا جبان ... فرشت لجنبه شوك القتاد؟ المثل يضرب بشوك القتاد, وهما قتادان: القتاد الأكبر, والقتاد الأصغر, ذكر ذلك أبو زيد في «كتاب الشجر والنبات» , ويقولون في الأمر إذا استصعبوه: دونه خرط القتاد؛ لأن الخرط هو مباشرة الشيء بالكف, والقتاد: شاك لا يمكن فيه ذلك, والمثل المروي عن كليب وائل: «دون عليان خرط القتاد» , وعليان فحل من الإبل كان له.

стр. 341

ومن التي أولها ما الشوق مقتنعًا منب بذا الكمد ... حتى أكون بلا قلبٍ ولا كبد وهي من البسيط الأول على قول الخليل, ومن السحل الثاني على رأي غيره, وقافيتها من المتراكب. الكمد: وجد يستره الإنسان, يقال: رجل كامد, وكمد, وكميد, يقول: لا يقتنع الشوق مني بكمدٍ أجنه في القلب حتى يذهب بقلبي أو كبدي .. وقوله: مازال كل هزيم الودق ينحلها ... والسقم ينحلني حتى حكت جسدي الهزيم: يجوز أن يكون من الصوت, من قولهم: سمعت هزمة الرعد, ويحتمل أن يكون من قولهم: تهزم السقاء؛ إذا قدم فتكسر وحدتث فيه خروق. يقال: مطر هزيم ومتهزم, وكل شيء كصسر فقد تهزم, قال المرقش: [مجزوء البسيط] تبكي على الدهر والدهر الذي ... أبكاك فالجفن كالشن الهزيم وقال جرير: [الطويل] ويوم أبي قابوس لم نعطه المنى ... ولكن ضربنا البيض حتى تهزما

стр. 342

ومنه هزيمة الجيش. والودق: عظام القطر, وقيل: إنما هو مأخوذ من ودق إذا دنا فسمي القطر ودقًا لأنه يدون من الأرض. وروى عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباسٍ في تفسير قوله تعالى: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ أن الودق شبه الدخان يخرج من الغيم, والأشبه أن يراد به القطر إذا عظم وكثر, ومنه قيل: ودق الرجل إذا أكثر كلامه, قال الراجز: [الرجز] إني إذا ما ذبت الأشداق وكثر الضجاج واللقلاق ثبت الجنان مرجم وداق فأما قول امرئ القيس: [الطويل] .............. ... تعفي بذيل الدرع إذ جئت مودقي فإنه أراد الموضع الذي دنا منها فيه.

стр. 343

وقوله: وكلما فاض دمعي غاض مصطبري ... كأن ما سال من جفني من جلدي غاض: ضد فاض؛ لأن الغيض نقصان, والفيض زيادة, قال الأسود بن يعفر: [الكامل] إما تريني قد كبرت وغاضني .. ما نيل من بصري ومن أجلادي وفي حديث بعض الصحابة: «لدرهم ينفقه أحدكم من جهد خير من ألفٍ ينفقه أحدنا غيضًا من فيضٍ». وقوله: ما دار في خلد الأيام لي فرح ... أبا عبادة حتى درت في خلدي هذا الرجل كني بكنية جده أبي عبادة الوليد بن عبيدٍ البحتري الشاعر, وذكر ابن فارسٍ المنبجي فيما جمعه من أخبار أبي عبادة أنه كان يكنى أبا الحسن, وأن المتوكل كان عنده رجل أعرابي يعرف بأبي عبادة فمات, أو غاب غيبةً لم يعد منها, فلما قدم البحتري على المتوكل أعجبه وشبهه بأبي عبادة, فلزمته هذه الكنية. وقوله: قد كنت أحسب أن المجد من مضرٍ ... حتى تبحتر فهو اليوم من أدد

стр. 344

تبحتر: انتسب إلى بحترٍ, وإنما سمي الرجل بحترًا من قولهم للقصير: بحتر. وأدد والد طيء, واسم طيءٍ جلهمة. وأدد: يجوز أن يكون اشتقاقه من أد البعير يئد؛ إذا حن حنينًا شديدًا, وقالوا: أمر إد وأد؛ أي: عظيم منكر, وجعلوا القوة أدًا, قال الراجز: [الرجز] نضون عني قوةً وأدا ... من بعدما كنت صملًا جلدا (٤٩/أ) فيجوز أن يكون أدد من هذا كله. وفعل إذا كان معرفةً ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون معدولًا عن معرفةٍ فلا ينصرف في المعرفة, وينصرف في النكرة؛ ومن ذلك قولهم: عمر وزفر وقثم. والثاني أن يكون قد استعمل وصفًا مثل قولهم: رجل حطم, من قول الراجز: [الرجز] قد لفها الليل بسواقٍ حطم

стр. 345

فالبصريون يرون أن هذا إذا سمي به صرف, وقد خولفوا في ذلك. والثالث أن يكون اسمًا لجنسٍ, مثل: جعلٍ وصردٍ ونغرٍ, فهذا مصروف أيضًا. وقوله: قوم إذا مطرت موتًا سيوفهم ... حسبتها سحبًا جادت على بلد يقال: مطر السحاب وأمطر لغتان. وكان أبو عبيدة يذهب إلى أن أمطر في العذاب, ومطر في الرحمة, وكذلك هو في كتاب الله عز سلطانه؛ كقوله: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ , ونحوه من الآيات. وأصل البلد الأثر من الجرح وغيره. قال الشاعر, وهذا البيت يروى مرةً لمالك بن نويرة ومرة لأخيه متمم, وقد رواه بعضهم لأبي ذؤيب: [الكامل] أفنين عادًا ثم آل محرقٍ ... فتركنهم بلدًا وما قد جمعوا أي: أثرًا, وقولهم: هذا بلد كذا يعنون المدينة والإقليم, وإنما يراد به أنه أثر باقٍ من قوم ذاهبين. ومن التي أولها أقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أو لم أنل جد وهي من أول الطويل في رأي الخليل, ومن ضروب السحل الأول في رأي غيره, وليست من أول ضروبه, ولكنها الخامس منه أو السادس.

стр. 346

بله يعبر عنها المتقدمون بأنها في معنى دع وكيف وغير, ويحكون أنها ينصب ما بعدها ويخفض, وذكرها بعض المتقدمين في حروف الاستثناء, فإذا نصبت فهي اسم للفعل تجري مجرى رويد, ويجوز أن يكون اشتقاقها من بله عن الشيء يبله إذا غفل عنه, وإذا خفضت فهي كالمصدر أضيف إلى ما بعده. قال ابن هرمة: [البسيط] تمشي القطوف إذا غنى الحداة لها ... مشي النجيبة بله الجلة النجبا وقال أبو دؤاد: [الوافر] فدت نفسي وراحلتي ورحلي ... نجادك بله ما تحت النجاد أي دع ما تحت النجاد, وكيف ما تحت النجاد. وحكي عن أبي علي الفارسي أنه ذكر رفع ما بعد بله, وأنشد على ذلك قول الأنصاري: [الكامل] تذر الجماجم ضاحيًا هاماتها ... بله الأكف كأنها لم تخلق فإن صحت هذه الحكاية وجب أن يكون بله في معنى بله من قولهم: بله الرجل يبله, وسكنت اللام على اللغة الربعية؛ لأن ربيعة تسكن الحرف الثاني من الثلاثي إذا كان

стр. 347

مكسورًا أو مضمومًا ويجرون الفعل والاسم في ذلك مجرًى واحدًا, قال الأخطل: [الطويل] فإن أهجه يضجر كما ضجر بازل ... من البزل دبرت صفحتاه وكاهله يريد ضجر ودبرت, وقالوا: بقي في معنى بقي, قال الراجز: [الرجز] من كل حمراء شروبٍ للصرا ... ما بقي منه في الحياض أكدرا فتكون الأكف مرفوعةً بفعلها, ويكون المعنى: بله القوم عن الأكف, وينقل البله إليها, كما قيل: ليل نائم؛ أي: ينام فيه, وقد نام الليل. وقوله: سأطلب حقي بالقنا ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد المشايخ: جمع مشيخةً, وهي جماعة الشيوخ, وكأن المشيخة في الأصل مصدر, كأن المراد قوم ذوو مشيخة؛ أي: شيخوخة, أو يكونون جعلوا كالموضع لتلك الحال. وكان ابن دريد يذهب إلى أن المشيخة كلمة ليست بفصيحة, وقد جاء في كلام الفراء سمعنا المشيخة, وحدثتنا المشيخة, والفراء أقرب إلى زمان الفصاحة من ابن دريد, ولا يجوز همز مشايخ؛ لأن الياء أصلية, وهي متحركة في الواحد. وبعض الناس يذهب إلى أن المعنى أن هؤلاء المشايخ كأنهم من طول تلثمهم مرد لا لحى لهم؛ لأن لحاهم مستورة باللثم, فهذا قول حسن, ويجوز أن يذهب ذاهب إلى أن طول التلثم قد حص شعر لحاهم كما قال أبو قيس بن الأسلت (٤٩/ب): [السريع]

стр. 348

قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نومًا غير تهجاع والمرد: جمع أمرد, وهو الغلام إذا احتلم ولم ينبت في وجهه الشعر, ولا يقال لمن أسن ولا شعر في وجهه: أمرد, ولكن ثط, قال الشاعر: [الطويل] فويح الرجال الدافنيك عشيةً ... أما راعهم مثواك في القبر أمردا وقالوا: غصن أمرد؛ إذا لم يكن عليه ورق. ورملة مرداء لا تنبت شيئًا, قال الراجز: [الرجز] هلا سألتم يوم مرداء هجر عنا أبا بكرٍ وعنكم وعمر ويقال في جمع المرداء: مرادٍ, قال طفيل: [الطويل] فليتك حال البحر دونك كله ... ومن بالمرادي من فصيحٍ وأعجما وقالوا: فرس أمرد؛ إذا انحتت ثننه. وقوله: ثقالٍ إذا لاقوا, خفافٍ إذا دعوا ... كثيرٍ إذا شدوا, قليلٍ إذا عدوا

стр. 349

يقول: إذا لاقوا أعداءهم كانوا ثقالًا عليهم, واللقاء هاهنا مقصور على لقاء الحرب دون غيره. وأراد أنهم يخفون إذا دعوا للنجدة ولا يتثاقلون دون النصرة, والعرب تفتخر بذلك, قال الشاعر: إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان كثيرٍ إذا شدوةا: أي: يفعلون أفعالًا عظيمة فيظن أنهم كثير. وشدوا: إذا حملوا في الحرب, ووصفهم بالقلة؛ لأنهم إذا انتصفوا من أعدائهم أو غلبوهم في قلة عددٍ فذاك أفخر لهم من الكثرة. وقوله: إذا شئت حفت بي على كل سابحٍ ... رجال كأن الموت في فمها شهد أي: حفت بي من كل جانب, ومنه قيل لجانب الشيء: حفاف, ووحد الفم في موضع الجمع؛ لأن الغرض معلوم, وإنما كان ينبغي أن يقول في أفواهها, وبعض العرب يقول: فم فيكسر الفاء, وبعضهم يقول: فم فيضم, وينشدون قول عنترة: [الكامل] إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم بكسر الفاء, وقال قوم: تضم الفاء في حال الرفع, وتكسر في حال الخفض, وتفتح في حال النصب, وقد حكوا فم, بالتشديد, قال الراجز: [الرجز] يا ليتها قد خرجت عن فمه ... ريح تنال الأنف قبل شمه

стр. 350

وقالوا في التثنية: فموان. قال الفرزدق: [الطويل] هما نفثا في في من فمويهما ... على النابح العاوي أشد رجام وحكى أبو زيد فمًا في وزن عصًا, وأنشد: [الرجز] يا حبذا ثغر سليمى والفما ... والجيد والنحر وثدي قد نما فإذا أخذ بذلك ففموان تثنية على قول من قال: فما, ومن قال: فم فيجب أن يقول في التثنية فمان, والتوحيد هاهنا مثله في قول علقمة: [الطويل] بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب وقوله: أذم إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد الفدم عند قوم: الثقيل الوخم, وهو من قولهم: ثوب مفدم؛ إذا أثقل بالصبغ, وقيل: الفدم: العيي اللسان؛ أي: كأنه قد شد فمه بفدامٍ, وهو ما يجعل على فم الإنسان والإبريق. وفي الحديث: «مفدمة أفواههم بالفدائم». والحزم: جودة الرأي, وإنما أخذ من حزم المتاع؛ أي: إحكامه بالشد, وأراد بالوغد هاهنا من ضعف رأيه.

стр. 351

وقوله: وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ ... وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد الكلب يوصف باللؤم والبخل, قال الشاعر: [الطويل] سرت ما سرت من ليلها ثم عسرت ... على رجلٍ بالعرج ألأم من كلب ويقولون في الكلام: الكلب أضن بالشحمة. وروي أن عبد الملك بن مروان قال لرجل: إن فلانًا طلق أختك, فقال: الكلب أضن بالشحمة؛ أي: لم يفعل. وأبصرهم: يجوز أن يكون من البصيرة ويكون عمٍ من عمى القلب, ويحتمل أن يكون أبصرهم من البصر وعمٍ من عمى العين, والمعنيان متقاربان. والفهد يوصف بكثرة النوم, قال الراجز: [الرجز] ليس بفحاشٍ كفحش العبد ... ولا بنوامٍ كنوم الفهد وقالت المرأة في صفة زوجها: (٥٠/أ) إذا خرج أسد, وإذا دخل البيت فهد, ولا يسأل عما عهد؛ تريد بفهد أنه يكون كالنائم, وهذا أجمل من أن تكون وصفته بكثرة النوم, وإنما أرادت أنه يغفل عما تفعل من تبذير ماله وإعطائه للفقراء. والقرد يوصف بالجبن, ويزعم من شاهد بلاد القردة أن القرد لا يبيت إلا وفي يده حجر مخافة أن يطرقه طارق, ويقال: إنها تصطف بالليل صفًا, فإذا سمع الأول منها نبأةً نفر, ونفر الذي يليه, ثم كذلك إلى آخر الصف.

стр. 352

وقوله: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوًا له ما من صداقته بد يحتمل أن يعني بالعدو هاهنا عدوًا من بني آدم؛ لأن أكثر العالم لا يخلو من عدو يفتقر إلى أن يظهر له الصداقة, وأحسن من هذا أن يريد بالعدو الدنيا؛ لأن كل أحدٍ مضطر إلى خدمتها كما يخدم صديق محب وقد علم أنها له عدوة. وقوله: وإني لتغنيني من الماء نغبة ... وأصبر عنه مثل ما تصبر الربد النغبة: الجرعة. والفعل نغبت, بكسر الغين. والربد: جمع أربد وربداء. والربدة غبرة إلى سواد, وهي من صفات النعام. وبعض الناس يذكر أنها لا تشرب, وعلى ذلك يوجد تفسير المتقدمين للشعر, قال بشر بن أبي خازم: [المتقارب] نعامًا بخطمة صعر الخدو ... د لا تطعم الماء إلا صياما وقد حكى الثقات أنهم رأوها تشرب. ويجوز أن تكون إذا حصلت في المفاوز صبرت عن الماء وترده إذا وجد. وحدث بعض من يسكن بشط الفرات أنه رآها تدخله, فلا يدري أتطلب الماء أم شيئًا غيره مما ترعاه؟ وقوله: وأمضى كما يمضي السنان لطيتي ... وأطوي كما تطوي المجلحة العقد لطيتي: أي: لنيتي التي انطوي عليها, وقيل للنية التي أطوي بها الأرض؛ أي: أقطعها, وقد قالوا طية وطيات, فخففوا لكثرة الاستعمال, والمجلحة ها هنا: الذئاب, وكل من اجترأ على شيء, وألح فهو مجلح, قال امرؤ القيس: [الوافر] أرانا موضعين لحتم غيبٍ ... ونسحر بالطعام وبالشراب عصافير وذبان ودود ... وأجرأ من مجلحة الذئاب

стр. 353

ويقال: سنة مجلحة كأنها توصف بإهلاك المال, وهو من قولهم: جلح المال الشجر وجلحه؛ إذا أكل ورقه ثم أخذ في أطرافه ورؤوسه, ويجوز أن يكون تجليح الشجر من أن ورقه يذهب فيصير كالرأس الأجلح الذي لا شعر على مقدمه. قال الراجز: ألا ازحميه زحمةً فروحي وجاوزي ذا السحم المجلوح وكثرة الأصوات والنبوح ويقال: ذئب أعقد؛ إذا كان في ذنبه شيء كالعقدة. وقوله: وأرحم أقواةمًا من العي والغبا ... وأعذر في بغضي لأنهم ضد الغبا: مقصور في قول الفراء, وذكره الأصمعي بالمد, وإذا قالوا: رجل غبي فكأنهم يريدون أن ذهنه مغطى عليه, من قولهم: في السماء غبو وغبوة؛ أي: غبرة تستر النجوم أو الهلال, والضد: يقال للواحد والاثنين والجميع. والعامة يقولون: أضداد, وهو القياس, إلا أنه قليل في الكلام الأول. وقوله: وتمنعني ممن سوى ابن محمدٍ ... أيادٍ له عندي تضيف بها عند أي: أنه قد أكثر النعم لدي فضاقت بها عند, وهي أوسع من أخاتها التي هي ظروف؛ لأن القائل إذا قال: فوق أو تحت أو وراء أو قدام أو عن يمينٍ وشمالٍ فقد خص جهةً من الجهات الست, وإذا قال الظبية عند فلان احتمل الكلام أن تكون في كل الجهات, وفي عند ثلاث لغات: ضم العين وفتحها وكسرها. وروي أن يونس بن حبيبٍ قال يومًا في كلامه

стр. 354

عند, فقال له أبو عبيدة: أيقال عند؟ قال: نعم, يقال: عند, وعند (٥٠/ب) , فقال أبو عبيدة: ما كان عندي ذلك, فقال يونس: أولك عند كأنه يستزري به! وقوله: كأن القسي العاصيات تطيعه ... هوى أو بها في غير أنمله زهد قسي: مقلوب, كأنهم جمعوا قوسًا على قؤوسٍ, ثم قلبوا فقالوا: قسو, ثم كرهوا أن يلتبس بالمصدر من قولهم: قسا القلب قسوا, فأجروه مجرى دلوٍ ودلي, وقالوا: قسي, فألزموا القاف الكسر, ولم يحك فيه الضم كما حكي في دلي وبابه الوجهان, وقال بعض المتأخرين: إنما لزموا الكسر في أول قسي ليدلوا على كسرة قياسٍ في الجمع؛ وهذا قول ضعيف. وإذا جمعت القوس جمع القلة قيل: أقؤس وأقواس. وكان المازني يرى أن الهمز في قولك: أقؤس كالواجب, وكان أبو حاتم السجستاني يختار الواو في أقؤسٍ وأثؤبٍ, قال الشاعر: [البسيط] طرن انقطاعة أوتارٍ مخظربةٍ ... في أقؤسٍ نازعتها أيمن شملا محظربة: أي: مفتولة. وقال الراجز: [الرجز] ووتر الأساور القياسا ... صغديةً تنتهب الأنفاسا وقوله: بنفسي الذي لا يزدهى بخديعةٍ ... وإن كثرت فيها الذرائع والقصد إذا قالوا: بنفسي فلان فالمعنى المفدي بنفسي, أو يفدى بنفسي. ويزدهى؛ أي: يستخف, وهو يفعتل من: زهاه إذا استخفه. والذرائع: جمع ذريعةٍ, وهو ما يتوصل به إلى الشيء المطلوب, يقال: فلان ذريعتي إلى السلطان؛ أي: الذي أتوسل به, ويقال لبيت

стр. 355

الصائد: ذريعة؛ لأنه يتوصل به إلى الصيد, قال الشماخ: [الطويل] وصدت صدودًا عن ذريعة عثلبٍ ... ولابني عياذٍ في القلوب حزاحز ويقال للناقة أو الجمل الذي يستتر به كي يرمى الصيد ذريعة. وقوله: مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد الألف: مذكر, وقال: جمعت فأنث؛ لأنه ذهب بها مذهب الجماعة؛ لأنها آحاد كثيرة, وإذا جعل الألف أجزاء على مئة أو دون ذلك فهو جماعة؛ فلذلك أنثه في هذا الموضع, وكان بعض العرب يقول في الألف عشر مئةٍ, وفي كلام بعضهم: ما كان عندي أن شيئًا يكون أكثر من عشر مئة, وقالوا في جمع ألف: آلاف؛ وعلى ذلك أكثر الاستعمال. والنحويون يرون أن أكثر ما كان على فعلٍ فليس بابه أن يجمع على أفعالٍ, وإن كان ذلك قد جاء في مثل قولهم: زند وأزناد, وفرخ وأفراخ, قال الأعشى: [المتقارب] وجدت إذا اصطلحوا خيرهم ... وزندك أثقب أزنادها وقال الحطيئة: [البسيط] ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر وقالوا: ألف, وهي قليلة, والجمع الكثير: ألوف. وقوله: لهم أوجه غر وأيدٍ كريمة ... ومعرفة عد وألسنة لد
следующие страницы →