← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقوله: وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ ... وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد الكلب يوصف باللؤم والبخل, قال الشاعر: [الطويل] سرت ما سرت من ليلها ثم عسرت ... على رجلٍ بالعرج ألأم من كلب ويقولون في الكلام: الكلب أضن بالشحمة. وروي أن عبد الملك بن مروان قال لرجل: إن فلانًا طلق أختك, فقال: الكلب أضن بالشحمة؛ أي: لم يفعل. وأبصرهم: يجوز أن يكون من البصيرة ويكون عمٍ من عمى القلب, ويحتمل أن يكون أبصرهم من البصر وعمٍ من عمى العين, والمعنيان متقاربان. والفهد يوصف بكثرة النوم, قال الراجز: [الرجز] ليس بفحاشٍ كفحش العبد ... ولا بنوامٍ كنوم الفهد وقالت المرأة في صفة زوجها: (٥٠/أ) إذا خرج أسد, وإذا دخل البيت فهد, ولا يسأل عما عهد؛ تريد بفهد أنه يكون كالنائم, وهذا أجمل من أن تكون وصفته بكثرة النوم, وإنما أرادت أنه يغفل عما تفعل من تبذير ماله وإعطائه للفقراء. والقرد يوصف بالجبن, ويزعم من شاهد بلاد القردة أن القرد لا يبيت إلا وفي يده حجر مخافة أن يطرقه طارق, ويقال: إنها تصطف بالليل صفًا, فإذا سمع الأول منها نبأةً نفر, ونفر الذي يليه, ثم كذلك إلى آخر الصف.

стр. 352

وقوله: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوًا له ما من صداقته بد يحتمل أن يعني بالعدو هاهنا عدوًا من بني آدم؛ لأن أكثر العالم لا يخلو من عدو يفتقر إلى أن يظهر له الصداقة, وأحسن من هذا أن يريد بالعدو الدنيا؛ لأن كل أحدٍ مضطر إلى خدمتها كما يخدم صديق محب وقد علم أنها له عدوة. وقوله: وإني لتغنيني من الماء نغبة ... وأصبر عنه مثل ما تصبر الربد النغبة: الجرعة. والفعل نغبت, بكسر الغين. والربد: جمع أربد وربداء. والربدة غبرة إلى سواد, وهي من صفات النعام. وبعض الناس يذكر أنها لا تشرب, وعلى ذلك يوجد تفسير المتقدمين للشعر, قال بشر بن أبي خازم: [المتقارب] نعامًا بخطمة صعر الخدو ... د لا تطعم الماء إلا صياما وقد حكى الثقات أنهم رأوها تشرب. ويجوز أن تكون إذا حصلت في المفاوز صبرت عن الماء وترده إذا وجد. وحدث بعض من يسكن بشط الفرات أنه رآها تدخله, فلا يدري أتطلب الماء أم شيئًا غيره مما ترعاه؟ وقوله: وأمضى كما يمضي السنان لطيتي ... وأطوي كما تطوي المجلحة العقد لطيتي: أي: لنيتي التي انطوي عليها, وقيل للنية التي أطوي بها الأرض؛ أي: أقطعها, وقد قالوا طية وطيات, فخففوا لكثرة الاستعمال, والمجلحة ها هنا: الذئاب, وكل من اجترأ على شيء, وألح فهو مجلح, قال امرؤ القيس: [الوافر] أرانا موضعين لحتم غيبٍ ... ونسحر بالطعام وبالشراب عصافير وذبان ودود ... وأجرأ من مجلحة الذئاب

стр. 353

ويقال: سنة مجلحة كأنها توصف بإهلاك المال, وهو من قولهم: جلح المال الشجر وجلحه؛ إذا أكل ورقه ثم أخذ في أطرافه ورؤوسه, ويجوز أن يكون تجليح الشجر من أن ورقه يذهب فيصير كالرأس الأجلح الذي لا شعر على مقدمه. قال الراجز: ألا ازحميه زحمةً فروحي وجاوزي ذا السحم المجلوح وكثرة الأصوات والنبوح ويقال: ذئب أعقد؛ إذا كان في ذنبه شيء كالعقدة. وقوله: وأرحم أقواةمًا من العي والغبا ... وأعذر في بغضي لأنهم ضد الغبا: مقصور في قول الفراء, وذكره الأصمعي بالمد, وإذا قالوا: رجل غبي فكأنهم يريدون أن ذهنه مغطى عليه, من قولهم: في السماء غبو وغبوة؛ أي: غبرة تستر النجوم أو الهلال, والضد: يقال للواحد والاثنين والجميع. والعامة يقولون: أضداد, وهو القياس, إلا أنه قليل في الكلام الأول. وقوله: وتمنعني ممن سوى ابن محمدٍ ... أيادٍ له عندي تضيف بها عند أي: أنه قد أكثر النعم لدي فضاقت بها عند, وهي أوسع من أخاتها التي هي ظروف؛ لأن القائل إذا قال: فوق أو تحت أو وراء أو قدام أو عن يمينٍ وشمالٍ فقد خص جهةً من الجهات الست, وإذا قال الظبية عند فلان احتمل الكلام أن تكون في كل الجهات, وفي عند ثلاث لغات: ضم العين وفتحها وكسرها. وروي أن يونس بن حبيبٍ قال يومًا في كلامه

стр. 354

عند, فقال له أبو عبيدة: أيقال عند؟ قال: نعم, يقال: عند, وعند (٥٠/ب) , فقال أبو عبيدة: ما كان عندي ذلك, فقال يونس: أولك عند كأنه يستزري به! وقوله: كأن القسي العاصيات تطيعه ... هوى أو بها في غير أنمله زهد قسي: مقلوب, كأنهم جمعوا قوسًا على قؤوسٍ, ثم قلبوا فقالوا: قسو, ثم كرهوا أن يلتبس بالمصدر من قولهم: قسا القلب قسوا, فأجروه مجرى دلوٍ ودلي, وقالوا: قسي, فألزموا القاف الكسر, ولم يحك فيه الضم كما حكي في دلي وبابه الوجهان, وقال بعض المتأخرين: إنما لزموا الكسر في أول قسي ليدلوا على كسرة قياسٍ في الجمع؛ وهذا قول ضعيف. وإذا جمعت القوس جمع القلة قيل: أقؤس وأقواس. وكان المازني يرى أن الهمز في قولك: أقؤس كالواجب, وكان أبو حاتم السجستاني يختار الواو في أقؤسٍ وأثؤبٍ, قال الشاعر: [البسيط] طرن انقطاعة أوتارٍ مخظربةٍ ... في أقؤسٍ نازعتها أيمن شملا محظربة: أي: مفتولة. وقال الراجز: [الرجز] ووتر الأساور القياسا ... صغديةً تنتهب الأنفاسا وقوله: بنفسي الذي لا يزدهى بخديعةٍ ... وإن كثرت فيها الذرائع والقصد إذا قالوا: بنفسي فلان فالمعنى المفدي بنفسي, أو يفدى بنفسي. ويزدهى؛ أي: يستخف, وهو يفعتل من: زهاه إذا استخفه. والذرائع: جمع ذريعةٍ, وهو ما يتوصل به إلى الشيء المطلوب, يقال: فلان ذريعتي إلى السلطان؛ أي: الذي أتوسل به, ويقال لبيت

стр. 355

الصائد: ذريعة؛ لأنه يتوصل به إلى الصيد, قال الشماخ: [الطويل] وصدت صدودًا عن ذريعة عثلبٍ ... ولابني عياذٍ في القلوب حزاحز ويقال للناقة أو الجمل الذي يستتر به كي يرمى الصيد ذريعة. وقوله: مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد الألف: مذكر, وقال: جمعت فأنث؛ لأنه ذهب بها مذهب الجماعة؛ لأنها آحاد كثيرة, وإذا جعل الألف أجزاء على مئة أو دون ذلك فهو جماعة؛ فلذلك أنثه في هذا الموضع, وكان بعض العرب يقول في الألف عشر مئةٍ, وفي كلام بعضهم: ما كان عندي أن شيئًا يكون أكثر من عشر مئة, وقالوا في جمع ألف: آلاف؛ وعلى ذلك أكثر الاستعمال. والنحويون يرون أن أكثر ما كان على فعلٍ فليس بابه أن يجمع على أفعالٍ, وإن كان ذلك قد جاء في مثل قولهم: زند وأزناد, وفرخ وأفراخ, قال الأعشى: [المتقارب] وجدت إذا اصطلحوا خيرهم ... وزندك أثقب أزنادها وقال الحطيئة: [البسيط] ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر وقالوا: ألف, وهي قليلة, والجمع الكثير: ألوف. وقوله: لهم أوجه غر وأيدٍ كريمة ... ومعرفة عد وألسنة لد

стр. 356

أصل العد: الماء الذي له أصل, فلا ينتزح, والجمع أعداد. يريد أن معرفتهم بالأشياء واسعة, لا يدرك لها آخر, كما لا ينتزح الماء العد. وألسنة جمع لسانٍ على لغة من ذكر, ومن أنث قال: ألسن. قال الحطيئة: [الوافر] ندمت على لسانٍ فات مني ... فليت بأنه في جوف عكم أراد على كلام قيل باللسان, والذين يؤنثون اللسان يؤنثون الكلام الذي يقال به إذا سموه باسمه, فيقولون أتتني لسان بني فلان؛ أي: رسالتهم, وكذلك أتتني لسان عن فلان؛ أي: حديث سار أو غير سار, قال أعشى باهلة: [البسيط] إني أتاني لسان لا أسر بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر أراد نعي رجلٍ أتاه. واللد: جمع ألد, وهو الشديد الخصومة, وكانت العرب تفتخر بذلك. وقوله: وأردية خضر وملك مطاعة ... ومركوزة سمر ومقربة جرد (٥١/أ) أراد بالأردية الخضر السيوف, والعرب تجعل السيف رداءً, قال عمرو بن شأسٍ الأسدي: [الطويل]

стр. 357

كأن رداءيه إذا قام علقا ... على جذع نخلٍ لا سحوقٍ ولا بال وقال آخر: [الوافر] ينازعني ردائي عبد شمسٍ ... رويدك يا أخا سعد بن بكر لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر وملك: جمع ملكٍ, مثل نمرٍ ونمرٍ, وبيت ابن أحمر يحمل على وجهين: [السريع] مدت عليه الملك أقطارها ... كأس رنوناة وطرف طمر قيل: ملك: جمع ملكٍ, وقيل: بل أراد المملكة فأنث, كما قال الآخر: [الوافر] وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنف الغيور أنث الحدثان على معنى الحادثة. وقوله: وما عشت ما ماتوا ولا أبواهم ... تميم بن مر وابن طابخةٍ أد يقول: بنو سيار بن مكرمٍ لم يموتوا ما دمت أيها الممدوح في الحياة, وكذلك لم يمت أبواهما؛ جعل الجدين القديمين أبوين, وكذلك موضوع اللغة؛ لأن الرجل يقول: أبي آدم, وبينهما من العدد ما شاء الله. وتميم بن مر بن أد بن طابخة, وأد يقول بعض الناس هو من الود قلبت الواو همزةً لوقوعها مضمومة في أول الاسم, قال الشاعر: أد بن طابخةٍ أبونا فاذكروا ... يوم الفخار أبًا كأد تنفروا

стр. 358

ويجوز أن يكون اشتقاق أد من كل لفظ جاز أن يشتق منه أدد. وطابخة هو طابخة بن إلياس بن مضر, وكانوا ثلاثة إخوة مع أبيهم: طابخة, ومدركة, وقمعة. وأمهم ليلى ابنة حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة, فأغير على إبلهم, فمضى أحدهم في طلبها, فأدركها فسمي مدركة, وكان اسمه عمرًا, وأقام أخوه على قدرٍ لهم يطبخها, واسمه عامر فسمي طابخة, وأقام أخوهم عمير في البيت فكأنه انقمع فسمي قمعة, فجاءت أمهم ليلى وهي مسرعة فقال لها زوجها إلياس: مالك تخندفين وقد أدركت الإبل, فسميت خندف. والخندفة فيما يقال الذهاب والمجيء, وقيل: بل الخندفة السرعة, وقيل هي مشي فيه استدارة, وذلك من مشي النساء. وقوله: كذا فتنحوا عن علي وطرقه ... بني اللؤم حتى يعبر الملك الجعد موضع كذا نصب بفعل مضمر, كأنه قال: اذهبوا كذا, أو تنحوا كذا. والجعد: إذا وصف به ابن آدم فإنما يراد أنه مجتمع ليس بسبطٍ, وإنما يريدون صفة حاله التي هو عليها, والسباطة أحمد عندهم, قال الراجز: [الرجز] قالت سليمى لا أحب الجعدين ... ولا القطاط إنهم مناتين يا رب جعدٍ فيهم لو تدرين ... يضرب ضرب السبط المقاديم جاء بالميم مع النون, وهو إكفاء. والقطاط: جمع قططٍ, وهو الشديد الجعودة, وإذا قالوا ثرى جعد فإنما يريدون أنه ندٍ يجتمع في الكف, وكذلك إذا قالوا شعر جعد.

стр. 359

ومن التي أولها اليوم عهدكم فأين الموعد ... هيهات ليس ليوم عهدكم غد وهي من الكامل الأول في قول الخليل, ومن السحل الرابع في قول غيره. هيهات: بعض العرب يفتح تاءها ويقف عليها بالهاء, وبعضهم يكسر ويقف بالتاء. ومن كان من لغته أن يقول طلحت فيقف بالتاء وهو يريد طلحة جاز أن يقول: هيهات, وهو يريد الواحد, ومن كسر ذهب بها مذهب الجمع, وهي في الوجهين معرفة. فإذا ذهب بها مذهب النكرة, وهي واحد, قيل هيهاة ففتحت التاء, كما تفتح تاء أرطاةٍ في النصب, ومن كسر قال: هيهاتٍ, كما يقول: مسلماتٍ. وقالوا أيها, وأيهات في معنى هيهاتٍ, قال الشاعر: [الطويل] ومن دونه الأعيار والقنع كله ... وكتمان أيها ما أشد وأبعدا القنع: ما بين الرمل والجبل, وقيل: هو أسفل الرمل, والأعيار: جبال. معنى هيهات معنى البعد, فإذا قالوا: هيهات كذا, فمعناه بعيد. وقوله: (٥١/ب) الموت أقرب مخلبًا من بينكم ... والعيش أبعد منكم لا تبعدوا استعار المخلب للموت, شبهه بمخلب الأسد؛ لأنه مهلك. وإذا قالوا: بعد الشيء يريدون ضد القرب. قالوا: يبعد وبعيد, وإذا قالوا يبعد فالماضي بعد, ومرادهم بها الهلاك, كأنهم فرقوا بين اللفظين والأصل واحد. ويقال: قوم بعد, فقيل: هو جمع باعدٍ, مثل خادمٍ وخدمٍ, وقيل: بل هو كالمصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع, قال النابغة: [البسيط] فتلك تبلغني النعمان أن له ... فضلًا على الناس في الأدنى وفي البعد فهذا يدل على أنهم قالوا: بعد الرجل من البعد لا من الهلاك.

стр. 360

وقوله: إن التي سفكت دمي بجفونها ... لم تدر أن دمي الذي تتقلد هذا يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنها سفكت دمي ولم تدر أنها تتقلده؛ لأنها غافلة عنه, وهي مطالبة به. والآخر أن يريد أنها متقلدة بقلادةٍ حمراء إما من ذهبٍ وإما من غيره, فيذهب إلى أن دمه بين عليها, ويكون نحوًا من قول أبي ذؤيبٍ: [الطويل] تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل إزارها وقوله: قالت وقد رأت اصفراري من به؟ ... وتنهدت فأجبتها المتنهد من شأنهم أن يقولون لمن شكا أمرًا مثل أن يقتل له قتيل, أو يؤخذ له مال: من بك؟ أي من الذي أوقعك في هذا الأمر؟ وكأنهم يريدون: من المأخوذ بك, ومن المطالب بمالك؟ وقوله: المتنهد: كأنها لما سألت عن شأنه وتنهدت بعقب ذلك جعل جوابها عما تسأل عنه قوله المتنهد, وذكر كأنه قال الذي بي الإنسان المتنهد أو الشخص. والتنهد من قولهم: نهد الشيء إذا نهض كأنه نفس يتصعد من الصدر. وقوله: فمضت وقد صبغ الحياء بياضها ... لوني كما صبغ اللجين العسجد قد عاب هذا بعض الناس على أبي الطيب؛ لأن الصفرة لا تصدر عن الحياء, وإنما تكون معه الحمرة, ومثل هذا لا يمتنع؛ لأن حياءها يجوز أن يكون معه خوف من فضيحةٍ فتغلب عليه الصفرة. وقوله: لوني: في موضع نصبٍ؛ فيجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا كما يقال: صبغت الثوب أحمر؛ أي: جعلته كذلك, ويحتمل أن يكون المراد صبغًا مثل لوني, فيكون اللون نائبًا عن المصدر المحذوف, وهو قريب من معنى المفعول. وقوله: فرأيت قرن الشمس في قمر الدجى ... متأودًا غصن به يتأود يحتمل هذا البيت معنيين؛ أحدهما: أن يعني رأيت نورًا كنور قرن الشمس في وجهٍ

стр. 361

مثل قمر الدجى. والآخر أن يعني بقمر الدجى القمر الذي يطلع بالليل, كأنه رآها في ليل فقال ذلك. والمتأود: المتعطف المتمايل, وهو من قولهم: آده إذا أثقله الشيء حتى يميله فيجعل فيه أودًا. وقوله: عدوية بدوية من دونها ... سلب النفوس ونار حربٍ توقد عدوية: منسوبة إلى عدي. وبدوية نسب على غير قياسٍ, وربما اتفق ذلك في باب النسب؛ لأنها لو نسبت إلى البدو, فلو أخذ بالقياس لقيل: بدوية, بسكون الدال, ولو نسبت إلى البادية لوجب أن يقال بادية في قول من يقول إذا نسب إلى قاضٍ: قاضي, وهو الوجه المختار, ومن قال قاضوي ألزمه القياس أن يقول بادوية, وهذا مثل قولهم في النسب: قوس رضوية, وإنما القياس رضوية, بسكون الضاد. والسلب والسلب واحد عند قوم, مثل الطرد والطرد, والشل والشلل, وقيل: بل السلب بالسكون المصدر, والسلب الاسم (٥٢/أ) , وقيل: السلب أخذ السالب ما على المسلوب, والسلب: الشيء المأخوذ, والتحريك أحسن في هذا البيت؛ لأنه مؤد معنى التسكين, وفتح اللام أفخم وأتم للوزن. وقوله: وهواجل وصواهل ومناصل ... وذوابل وتوعد وتهدد الهواجل: جمع هوجلٍ, والألفاظ تختلف في تفسيره, فيقال: الهوجل: الأرض البعيدة الأطراف, ويقال: الهوجل: المهملة التي ليس فيها أعلام ونحو ذلك, واشتقاقه من الهجل. وإذا فسرواة الهجل قالوا: أرض مطمئنة فيها صلابة, ومنه قول ابن ميادة: [الطويل] ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بحرة ليلى حيث نبتني أهلي وهل أسمعن الدهر أصوات هجمةٍ ... تطلع من هجلٍ خصيبٍ إلى هجل

стр. 362

ويجوز أن يكون مأخوذًا من الهجول, وهي المرأة البغي, كأنها مباحة من شاء ألم بها, كما أن الهوجل كذلك, قال الأفوه: [السريع] وأقطع الهوجل مستأنسًا ... بهوجلٍ عيرانةٍ عنتريس والهوجل: من النوق الجريئة على السفر. وصواهل: جمع صاهلةٍ من الخيل؛ أي: دون هذه المرأة فرسان يمنعونها. ومناصل: جمع منصلٍ, وهو السيف. يقال له: منصل ومنصل ونصل, ويقال للسنان ونصل السهم: نصل, ولا يقال فيهما: منصل. والتهدد: يحتمل أن يكون من قولهم: رجل هد؛ أي: جبان, كأنه حمله على الجبن بما قال, أو يكون من هد الحائط. وقوله: أبلت مودتها الليالي بعدنا ... ومشى عليها الدهر وهو مقيد يريد أن وطأه دام على مودتها فذلك أشد لتغيرها؛ لأن المطلق يمر مرًا سريعًا, والمقيد يتثاقل في مشيته. والعرب تصف ذلك, قال الشاعر: [الكامل] ووطئتنا وطئًا على حنقٍ ... وطء المقيد نابت الهرم وقوله: أبرحت يا مرض الجفون بممرضٍ ... مرض الطبيب له وعيد العود

стр. 363

أبرحت: أي: صرت به إلى البرح, وهو الأمر الشديد الشاق, وسموا الداهية بنت برحٍ, وجعله مرض الجفون؛ لأنه يحملها على البكاء والسهر, وبعض الناس ينشده يا مرض, بكسر الراء, وهو قليل في الاستعمال, إنما يقولون: لإلان مريض, والقياس لا يمنع أن يقال: مرض, كما يقال: سقم فهو سقيم وسقم, قال الأعشى: [المتقارب] يقضي بها المرء حاجاته ... ويشفى عليها الفؤاد السقم وقوله: فله بنو عبد العزيز الرضى ... ولكل ركبٍ عيسهم والفدفد الهاء في قوله: له, راجعة على الممرض, وإنما يعني نفسه؛ أي: أنه اختار هؤلاء القوم دون الناس, وترك المقاصد لمن يريدها من الركبان. والفدفد: أرض غليظة فيها ارتفاع. وقوله: من في الأنام من الكرام؟ ! ولا تقل ... من فيك شأم سوى شجاعٍ يقصد من في الأنام من الكرام معناه الاستفهام, وقد حذف منه الفعل, كأنه قال: قل يا سامع: من في الأيام, لا تقل ذلك للشأم؛ لأنه قد علم أنه ليس فيه من يقصد إلا هذا الممدوح. والشأم يستعمل بالألف واللام, وهو خاص بلد بعينه, فليست الألف واللام فيه مثلهما في الرجل؛ لأن كل آدمي يقع عليه هذا الاسم, وليس كل أرضٍ مثل الشأم في السعة يقال لها: شام؛ إلا أنه لا يمتنع أن يحذف منه الألف واللام في النداء؛ لأنه سمي وهما فيه, كما قالوا: الضحاك والعباس, فكأن حذف الألف واللام منهما أيسر منه في قولك: رجل أقبل. والنحويون يرون ذلك من الضرورات, ويحتجون بقول العرب: أصبح ليل, وافتد مخنوق؛ لأن هذين اللفظين جريا مجرى الأمثال, فجاز فيهما ما يجوز في الشعر؛ لكثرتهما على الألسن, قال بشر بن أبي خازم: [الوافر]

стр. 364

فبات يقول أصبح ليل حتى ... تجلى عن صريمته الظلام كأنهم يقولون: يا أيها الليل, فيجعلونه نعتًا لأي, فكرهوا أن يحذفوها مع حذف حرف النداء, وإذا سموةا (٥٢/ب) الرجل العباس أو الحارث لم يحسن أن يقولوا: يا أيها العباس ولا يا أيها الحارث, إلا أن يخرجاهما من حال التسمية إلى حال الصفة. وقوله: أعطى فقلت لجوده ما يقتنى ... وسطا فقلت: لسيفه ما يولد قوله: لجوده ما يقتنى؛ أي: كل ما اقتناه الناس فهو من هباته, وهذا كما يقال: لفلان كل جميل يفعل في بلده؛ أي: هو من فعله ومنسوب إليه. وقوله: لسيفه ما يولد؛ أي: أنه لكثرة ما يقتل يظن كل من يولد مقتولًا بسيفه. وحسن أن يوقع ما هاهنا على الآدميين؛ لأنه وسع دعواه فكأنه قال: ولسيفه الشيء الذي يولد. وهذا كما يقال: ما أنت وقد علم أنه آدمي؛ أي: أي فن من الناس؟ وكأن المتكلم إذا سأل عن ذلك يوهم أنه جاهل متهاون. فأما قولهم: سبحان ما سبح الرعد بحمده, فإن الله سبحانه لما كان لا تدرك صفته, ولا يعلم ما حقائقه جعل كالشيء المجهول, فكأنهم قالوا: سبحان الشيء الذي سبح الرعد بحمده. وقوله: في كل معتركٍ كلًى مفرية ... يذممن منه ما الأسنة تحمد المفرية: المقطوعة, يقال: فريت وأفريت, فيشتركان في معنى القطع الذي هو هلاك وإفساد, فإذا أخرج الفري إلى معنى الإصلاح لم يقولون: أفريت. وذم الكلى هذا الفعل يريد به أنه فعل بها فعلًا قبيحًا من الفري, وإنما الذم من أصحابها, ولكن لما كان ذمهم لأجل فريها جاز أن يستعار الذم لها, وقوله: ما الأسنة تحمد: لو كان وضع موضع الأسنة غيرها لكان ذلك أقوى في النظم؛ لأن الأسنة لا تنتفع بالمفري, وربما انحطمت فيه, ولكن لما كان الممدوح يفعل بالأسنة ما يحمد عليه جاز أن ينقل إليها الحمد؛ لأنها كالخدم له.

стр. 365

وقوله: أسد دم الأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الموت منه يرعد الفريص: جمع فريصةٍ, وهي لحمة في مرجع الكتف أو قريبة منها, يقال: إنها أول ما يرعد من الفرق. والأقيس في جمعها فرائص, مثل صحيفةٍ وصحايف, وكريمةٍ وكرائم, وقد قالا: فريص, كما قالوا: شعيرة وشعير, قال امرؤ القيس: [الطويل] ويشربن أنفاسًا وهن خوائف ... وترعد منهن الكلى والفريص ويسمى ما كان من اللحم على مقدار الفريصة فريصةً أيضًا على معنى التشبيه, ويجمع على فريصٍ, وفي الحديث: «إني لأكره أن أرى الرجل ثائرًا فريص رقبته قائمًا على امرأته يضربها»؛ أي: قد انتفخت عنقه من الغضب. وقوله: ما منبج مد غبت إلا مقلة ... سهدت ووجهك نومها والإثمد منبج: موافق من العربية قولهم: نبج الرجل ينبج فهو نباج ونابج؛ إذا رفع صوته, ويجوز أن تكون في الأصل عربيةً. والنباج: موضع في بلاد العرب, وقيل: إنه سمي بذلك لارتفاعه, وهو مأخوذ من رفع الصوت. وضرب من الثياب يقال لها: المنبجانية, يقال: إنها منسوبة إلى منبج, وفتحت الباء لأن الفتحة أخف من الكسرة.

стр. 366

وجعل وجهه كالنوم والإثمد؛ إذ كانت العين إذا لم تنم لحقها من ذلك أمر شاق, ولأن الإثمد يحسن العين, ويقوي النظر فيما يزعمون. وقيل: إن زرقاء اليمامة إنما وصفت بحدة النظر لأنها كانت تكثر استعمال الإثمد, واشتقاقه من الثمد, وهو الماء القليل, كأنه يؤخذ بالمرود قليلًا قليلًا, فيكون من قولهم: ثمدت الركي إذا أخذت ماءه قليلًا قليلًا, وماؤه في ذلك نزر. ولا يقال ثمدت الماء الغزير, وقالوا: ثمدت الرجل إذا أخذت منه عطاءً يسيرًا وهو ليس بالمكثر, قال النابغة: [الطويل] قعودًا لدى أبوابهم يتثمدونهم ... رمى الله في تلك الأكف بكانع وقوله (٥٣/أ): لهفان يستوبي بك الغضب الورى ... لو لم ينهنهك الحجى والسؤدد يستوبي: يستفعل من الوباء, وهو كثرة الموت, وخفف الهمزة للضرورة, وتخفيفها في مثل هذه المواضع كالشيء المستمر. فإذا كان قبلها فتحة جعلوها ألفًا, مثل قولهم: يكلأ, وإذا كان قبلها ضمة جعلوها واوًا كقولك: لؤلؤ, وجؤجؤ, وإذا كان قبلها كسرة جعلت ياءً؛ كقولك: يستوبئ ويخطئ, وقد قرأت القراء بذلك في مثل قوله: ﴿والصابئين والنصارى﴾ يقولون: الصابين. يقال: نهنهته عن الشيء؛ إذا صرفته عنه.

стр. 367

والورى: كلمة أصلها أن تستعمل في النفي, فيقال: ما في الورى مثله, كما يقال: ما في النخط مثل فلان؛ أي: في الناس, وقد استعملوها في غير النفي, قال ذو الرمة: [الطويل] وكائن ذعرنا من مهاةٍ ورامحٍ ... بلاد الورى ليست له ببلاد وقوله: ريان لو قذف الذي أسقيته ... لجرى من المهجات بحر مزبد يقال: سقيت وأسقيت, فذهب قوم إلى أن المعنى واحد. وقال آخرون سقيته باليد وبالكأس, وأسقيته إذا جعلت له سقيًا؛ أي: شربًا دائمًا. ويقال أسقيته إذا أعطيته سقاءً, وقد جمع لبيد بين اللغتين في قوله: [الوافر] سقى قومي بني مجدٍ وأسقى ... نميرًا والغطارف من هلال والمهجة: خالص النفس, ويقال في الجمع الذي بالألف والتاء: مهجات, كما يقال: ظلمات, ويجوز مهجات بالفتح, ومهجات بالتسكين وهو أضعفها, والناس يألفون مهجاتٍ بفتح الهاء كأنهم يجعلونه جمع مهجٍ, فيكون الفتح أحسن عندهم من الضم. وقوله: صح يال جلهمةٍ تذرك وإنما ... أشفار عينك ذابل ومهند جلهمة هو اسم طيئ. والجلهمة هو مثل الجلهة, وهو ما استقبلك من الوادي, وكأنه مأخوذ من قولك: جلهت التراب عن الموضع إذا كنسته, ويجوز أن تكون الميم في جلهمةٍ زائدةً, كما قالوا زرقم للزرقاء, وفي الحديث: «ما كدت تأذن لي حتى تأذن

стр. 368

لقطا الجلهمة». والنحويون يذكرون أن جلهمة بالهاء من أسماء الرجال, وجلهم بغير هاءٍ من أسماء النساء, وينشدون: [البسيط] أودى ابن جلهم عباد بصرمته ... إن ابن جلهم أمسى حية الوادي وهم يستشهدون بهذا البيت على الترخيم في غير النداء, أراد ابن جلهمة, والذين يزعمون أنه اسم امرأةٍ يريدون أن يدفعوا بذلك الترخيم في هذا البيت, وحذف الهاء في مثل هذه المواضع غير مستنكرٍ. وقوله: أشفار عينك ذابل ومهند؛ أي: أنصارك قريب منك, فكأنهم في ذلك أشفار عينك, ويحتمل أن يريد أنك إذا نظرت إليهم قام نظرك مقام الرمح والسيف, ونسب ذلك إلى الأشفار؛ لأنها مجاورة لناظر العين, فعلم الغرض في الكلام. وقوله: أنى يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد البرية: مراد بهم الخلق الذي برأه الله, ويجب أن يقع على جميع الحيوان, إلا أن الناس يخصون به بني آدم. والبرية: أصلها الهمز, وهي مما ترك همزه. وقيل: إن أهل مكة يهمزونها. وقال بعض الناس: إمنما ترك همز البرية لأنها مأخوذة من البرى, وهو التراب, وليس البرى بمهموز. والثقلان: يراد بهما الجن والإنس, والمعنى: كيف يكون آدم أبا البرية وأنت الثقلان وأبوك محمد؟ وهذا من اللفظ الذي اصطلحت عليه الشعراء, وإنما يريدون التشبيه بالفضلاء دون غيرهم؛ لأن الرجل إذا شبه بالعالم أو بالخليقة أجمعين فقد جعل مشبهًا بالسفلة وذوي العاهات؛ لأن البشر يقل فيه الفضلاء, وقد استعمل أبو الطيب مثل ذلك كثيرًا, كقوله: ومنزلك الدنيا, وأنت الخلائق, ونحوه.

стр. 369

ومن التي أولها لقد حازني وجد بمن حازه بعد ... فياليتني بعد وياليته وجد وهي من أول الطويل على رأي الخيل, ومن الخامس من ضروب السحل الأل على رأي غيره. قوله (٥٣/ب): أسر بتجديد الهوى ذكر ما مضى ... وإن كان لا يبقى له الحجر الصلد قوله: ذكر ما مضى: ينتصب على أحد وجهين: أجودهما أن يكون مفعولًا بتجديد الهوى إياه, والآخر أن يكون مفعولًا له, كأنه قال: أسر بتجديد الهوى لذكر ما مضى؛ أي: لذكري إياه, ويجوز أن يكون نصبًا على المصدر. وقوله: سهاد أتانا منك في العين عندنا ... رقاد وقلام رعى سربكم ورد القلام: ضرب من الحمض, وبعض الناس يقول: هل القاقى, وأنشد أبو عمرو الشيباني: [الطويل] أتوني بقلامٍ فقالوا تعشه ... وهل يأكل القلام إلا الأباعر والسرب: المال الراعي, والورد هذا المشموم, يقال: إنه ليس بعربي في الأصل إلا أنهم قد تكلموا به قديمًا, وهو مفقود في شعر الجاهلية, وقد جاء في الشعر الإسلامي, قال الشاعر: [الطويل] أرى عهدها كالورد ليس بدائمٍ ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد وعهدي بها كالآس حسنًا وبهجةً ... له نضرة تبقى إذا ما انقضى الورد

стр. 370

وقد استعملت العرب الورد في مواضع, ولا يريدون به المشموم, فقالوا: أسد ورد, وكأنهم يريدون أن لونه إلى الحمرة قال زهير: [الكامل] ولأنت أشجع حين تنجه الـ ... أبطال من ليثٍ أبي أجر وردٍ عريض الساعدين حديـ ... د الناب بين ضراغمٍ غثر ويروى: ضراغمٍ غبر. والغثرة: حمرة كدرة, والأغثر: الأحمق. وقالوا: عنبر ورد, قال الأعشى: [البسيط] إذا تقوم يضوغ المسك أصورةً ... والعنبر الورد من أردانها شمل واستعملوا الورد في صفة الدم, قال الشاعر: [الطويل] فلو أن أشياخًا ببدرٍ شهوده ... لبل نحور القوم معتبط ورد وقالوا: فرس ورد, وهو الذي بين الشقرة والمغرة, وقال سحيم: [الطويل] فلو كنت وردًا لونه لعشقنني ... ولكن ربي شانني بسواديا أراد لو كنت إنسانًا وردًا لونه لعشقنني, فيرفع لونًا بمعنى الفعل الذي في وردٍ. ومنهم من ينشد: وردًا لونه, فيجعله الورد المشموم, وينصب لونه على البدل.

стр. 371

وقوله: ممثلة حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعد ممثلة, أي: أنت ممثلة كأنك ما فارقتني, وكأن يأسي منك ومن لقائك وعد يطمعني في الوصل. وقوله: إذا غدرت حسناء أوفت بعدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهد كأنه قد جعل الحسناء لها عهد متقدم بالغدر, فإذا غدرت فهو وفاء منها بالعهد القديم. وقوله: وإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فاذهب فما فركها قصد ادعى على الحسناء أن صبابتها تكون أشد من صبابة الرجل, والصبابة: رقة الشوق والهوى, والفرك: بغض المرأة الرجل؛ يقال: فركته فهي فارك, وقال قوم: الفرك: اسم, والفرك مصدر, وقيل: بل الفرك الاسم, والفرك المصدر, والأول أشبه, وقد جاء الفرك مستعملًا في الرجال, ولكنه شاذ, وأنشدوا قول الراجز: [الرجز] إن العجوز فارك ضجيعها ... تنهل من غير أسىً دموعها فهذا ينشد على الفرك من البغض, ويجوز أن يكون فارك ها هنا من قولهم: قال فلان كذا, ثم فرك؛ أي: لم يثبت على ما قال, كأن الضجيع لا يدوم للعجوز على ما كان عقد. فأما بغض الرجل المرأة فهو الصلف, يقال: صلفت المرأة؛ إذا لم تخظ عند زوجها, فهي صلفة وقد صلفها هو, قال الشاعر: [الوافر] وقد خبرت أنك تفركيني ... وأصلفك الغداة ولا أبالي وقوله: فما فركها قصد؛ أي: أنها لا تقصد في الأمور؛ أي: لا تفعل فعلًا متوسطًا مأخوذًا من الاقتصاد؛ من قولهم: رجل قصد؛ أي ليس بالطويل ولا القصير, والمعنى أن فركها متجاوز فيه حد القصدو وهذا يشبه قوله: كانت أشد صبابة, ولا يحسن أن يكون القصد

стр. 372

هاهنا مرادًا به التعمد؛ لأنها لا (٥٤/أ) تفرك إلا وهي عامدة لما تفعل, ويدلك على أنه أراد الاقتصاد قوله: فاذهب؛ أي: ليقع منها اليأس. وقوله: سقى ابن علي كل مزنٍ سقتكم ... مكافأةً يغدو إليها كما تغدو المزن: جمع مزنةٍ, وهي السحابة البيضاء, ويجوز أن يقال: سقتكم المزن, وسقاكم, فيؤنث الفعل تارةً ويذكر أخرى, كما جاز ذلك في النخل, وما كان مثله مما بينه وبين واحده الهاء. دعا للمزن أن يسقيها جود الممدوح, وهو ابن علي, ليكون ذلك كالمكافأة لها على سقياها إياكم, ولعله ما سبق إلى هذا المعنى. وقوله: بمن تشخص الأبصار يوم ركوبه ... ويخرق من زخمٍ على الرجل البرد الباء في قوله: بمن: متعلقة بقوله لتروى, وفي تروى ضمير يرجع على البلاد؛ أي: لتروى بلاد حللتها بسقيا من تشخص الأبصار إذا ركب؛ لأنها ترى منه ما لم تجر العادة بمثله. وقوله: وتلقي وما تدري البنان سلاحها ... لكثرة إيماء إليه إذا يبدو أنث البنان, وتذكيره جائز؛ لأنه من باب المزن والنخل, جمع ليس بينه وبين الواحد إلا الهاء. وهذا الشعر يروى لنائلة بنة الفرافصة الكلبية التي تزوجها عثمان بن عفان.

стр. 373

ومحمد بن حبيبٍ يقول: الفرافصة, بفتح الفاء. ألا إن خير الناس بعد ثلاثةٍ ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وما لي لا أبكي وتبكي قرابتي ... وقد قبضت عني بنان أبي عمرو وقوله: ضروب لهام الضاربي الهام في الوغى ... خفيف إذا ما أثقل الفرس اللبد الضاربي الهام: يجوز منه الخفض, وهو الوجه, والنصب على تقدير حذف النون لطول الاسم, وإذا قيل: هذا الضارب الرجل فالوجه النصب, ويجوز الخفض تشبيهًا بقولهم: مررت بالحسن الوجه, فإذا لم يكن في الاسم الثاني ألف ولام لم يحسن الخفض عند أهل البصرة, ولا يجيزون: هذا الضارب زيدٍ. وكان الفراء يجيزه على تأول حذف الألف واللام, كأنه قال: هذا ضارب زيدٍ. فإذا ثنى البصريون أو جمعوا جمعًا على حد التثنية وفيه الألف واللام وجاؤوا بعد باسم علمٍ مثل زيدٍ وعمروٍ, أو اسمٍ فيه علامة التعريف مثل الرجل والغلام, ساووا بين الحيزين في إجازة الخفض فيقولون: هذان الضاربا زيدٍ والضاربو أخيك, كما يقولون: هذان الضاربا الرجل, والداخلو الدار, ويجيزون حذف النون مع النصب فيقولون: هذان الضاربا عمرًا, كأنهم يعتقدون إثبات النون إلا أنهم حذفوها تخفيفًا. والعرب تصف نفوسها بالخفة على ظهور الخيل؛ لأن ذلك يدل على قلة البدن, وهم يفتخرون بالهزال والشحوب وقلة الأكل, قال الشاعر: [الطويل] فقلت لها ليس الشحوب على الفتى ... بعارٍ ولا خير الرجال سمينها

стр. 374

وقال الأعشى: ترى همه نظرًا خصره ... وهمك في الغزو لا في السمن وإنما آثروا خفة الجسم لأنه إذا خف كان أسرع لانتقاله, وأجدر بتمكنه من الطعن وغيره مما يعانيه أصحاب الحرب. وقوله: وسيفي لأنت السيف لا ما تسله ... لضربٍ ومما السيف منه لك الغمد وسيفي: أراد به معنى القسم, كأنه آلى بسيفه أن هذا الممدوح هو السيف لا الذي يسله للضرب. ومما السيف منه لك الغمد؛ أي: عليك درع أو جوشن, وهما يتخذان من الحديد كما أن السيف منه يطبع. وقد ذهب قوم إلى أن قوله: وسيفي: يريد به ويا سيفي لأنت السيف, فحذف حرف النداء, وهذا لا يمتنع, ولكن الأول أحسن. والقول في قوله: ورمحي, مثل القول في قوله: وسيفيه؛ أي: أنت يا ممدوح سيفي ورمحي, والقسم أجود. وقوله: ورمحي لأنت الرمح لا ما تبله ... نجيعًا ولولا القدح لم يثقب الزند الزند: الذي يقدح به معروف, وهما زندان, فلأعلى مذكر, والأسفل مؤنث, يقال فيه: زندة؛ لأنهم جعلوهما كالرجل والمرأة. وأثقب الزند: إذا أخرج نارًا, ثم قيل لما يطرح على النار لكي تشتعل: ثقوب. وقوله: صيام بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصها في قلب خائفهم تعدو (٥٤/ب) يقال: فرس صائم, وخيل صيام؛ إذا كانت واقفةً لا تأكل ولا تشرب, ويقال: هو في مصامه؛ أي: في الموضع الذي يثبت فيه. قال امرؤ القيس: [الطويل] كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل

стр. 375

وقال النابغة: [البسيط] خيل صيام وخيل غير صائمةٍ ... تحت العجاج وأخرى تألك اللجما يريد أنهم يقفون الخيل بأبواب قبابهم لتكون معدةً إن صاح صائح عجلوا إلى الركوب, قال الشاعر: ولهم قباب لا تزال منيفةً ... سدوا بكل مطهمٍ أبوابها ويقولون للخيل التي يفعل بها ذلك: المقربة؛ أي: أنهم يقربونها منهم, وذهب قوم إلى أنهم لا يقولون مقربةً إلا للإناث؛ لأنهم يدنونها من البيوت خشية أن ينزو عليها فحل غير كريمٍ, والأشبه أن يكون ذلك عامًا للذكور والإناث. وقوله: وأنفسهم مبذولة لوفودهم ... وأموالهم في دار من لم يفد وفد الوفد: جمع وافد, مثل صاحبٍ وصحبٍ, وأكثر ما يستعمل ذلك في القوم الذين يفدون على الملك يطلبون عطاءه أو عفوه, وكثرت هذه الكلمة حتا قالوا: وفد عليه الشيء؛ إذا جاءه, ويقولون: فلان وافد بني فلانٍ؛ إذا كان المعتمد عليه في الوفادة على الملوك؛ لأنه يصلح شأنهم ويتنجز مآربهم, قال الأعشى: رأت رجلًا غائب الوافد يـ ... ـمن منتشل النحض أعشى ضريرا أراد أن الذين يفدون عنه قد غابوا, ويروى الوافدين على التثنية, ويزعمون أنه أراد عينيه؛ لأنه جعلهما تفدان على الملوك. وقوله: كأن عطيات الحسين عساكر ... ففيها العبدى والمطهمة الجرد

стр. 376

العساكر: جمع عسكرٍ, يقال ذلك لكل جماعةٍ, إلا أن أكثر ما يستعمل في الجموع المجتمعة للحرب. قال الراجز: [الرجز] هل لك في أجرٍ عظيمٍ تؤجره تعين صعلوكًا كثيرًا عسكره قد حدث النفس بمصرٍ يحضره أراد بعسكره عياله, ويقال: جاءت عساكر الليل عساكيره؛ أي: ظلامه, وقد عسكر الرجل إذا كان حوله عسكر, قال الراجز: لما رأيت الليل في حريمه معسكرًا في الغر من نجومه والعبدى: جمع عبدٍ على غير قياسٍ, وقد حكي فيه المد والقصر. والمطهمة من الخيل: التي يحسن منها كل شيء على حدته. وربما قيل: المطهم: الحسن الخلق, وقالوا: رجل مطهم, وهو من هذا الاشتقاق, قال النمر ابن تولب: [المتقارب]

стр. 377

فأحبلها رجل نابه ... فجاءت به جعظرًا مطهما الجعظر: الكثير العضل الغليظ, والمطهم: الحسن الخلق التامه. وقوله: أرى القمر ابن الشمس قد لبس العلى ... رويدك حتى يلبس الشعر الخد العرب مجمعون على تأنيث الشمس, والمنجمون يزعمون أنها نجم ذكر, وجرت عادة الشعراء بأن يشبهوا المرأة بالشمس؛ لأنها مؤنثة في كلامهم, وقد شبهوا الملك بالشمس, قال النابغة: [الطويل] بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ولا شك أن أبا الطيب لم يرد بالشمس إلا أبا الممدوح, فأما تشبيههم السيد بالقمر فكثير, قال الفرزدق: كم من أبٍ لي يا جرير كأنه ... قمر الدجنة أو سراج نهار وحذفوا حرف التشبيه كما فعلوا ذلك في مواضع كثيرة, قال الفرزدق: أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع يقال: إنه أراد بالقمرين النبى ﷺ وإبراهيم ﵇. والأشبه أن يكون الفرزدق أراد بالقمرين والنجوم الطوالع سادات قومه خاصةً ولم يذهب إلى ما تقدم ذكره؛ لأنه يفخر في هذه القصيدة على جرير, ولجرير في الفخر بالنبى ﷺ وإبراهيم ﵇ مثل ما للفرزدق, وكلاهما من تميم بن مر. وقوله: وغال فضول الدرع من جنباتها ... على بدنٍ قد القناة له قد لم تزل الشعراء تصف السادة بالطول, قال الشاعر, ويروى لابن ميادة: [الطويل]

стр. 378

ترى سيفه لا ينصف الساق نعله ... أجل لا وإن كانت طوالًا حمائله وقال بعض الأعراب: [المتقارب] نشدتك بالله هل تعلميـ ... ـن أني طويل وأني حسن وقال آخر وهو معتذر من قصره: [الطويل] إذا كنت في القوم الطوال وصلتهم ... بعارفةٍ حتى يقال طويل وقوله: غال فضول الدرع؛ أي: أنها قصرت عليه (٥٥/أ) فكأنه غال فضولها؛ أي: أهلكها؛ لأنه لم يترك لها فضلًا, بل هي قصيرة عليه, وهذا ضد ما قال قيس بن عيزارة الهذلي لما أسره تأبط شرًا وأخذ درعه فلبسها, وكان تأبط شرًا قصيرًا فسحبها: [الطويل] فلله بز جر شعل على الحصى ... ووقر بز ما هنالك ضائع وشعل: لقب تأبط شرًا. وقوله: وشهوة عودٍ إن جود يمينه ... ثناء ثناء والجواد بها فرد ثناء: لا ينصرف في المعرفة ولا في النكرة, وكذلك أخواةته من أحاد إلى عشار, وردد ثناء مرتين لأنه أشد للمبالغة وأدل على تتابع العطاء, وترك صرف الأول على ما يجب,

стр. 379

وصرف الثاني على معنى الضرورة؛ لأنه لو لم يصرفه لصار في البيت زحاف يسمى القبض, وكان أبو الطيب يجتنبه, وقد استعمله الطائيان, كقول حبيب بن أوس: [الطويل] كساك من الأنوار أبيض ناصع ... وأحمر ساطع وأصفر فاقع وكقول الوليد بن عبيد: [الطويل] تبعت الرجال أطلب المال عندهم ... فكيف يكون المال مطلبًا عندي وقوله: وعندي قباطي الهمام وماله ... وعندهم مما ظفرت به الجحد القباطي: جمع قبطية, وقالوا: قبطية, بكسر القاف, وهي ثياب بيض, كأنها كانت تأتيهم من بلاد القبط, وهي مصر وما حولها, فنسبوها إليهم, وغيروا في النسب؛ كما قالوا: بصري في بصري, ودهري في الرجل الذي تقادم عليه الدهر؛ قال زهير: [البسيط] ليأتينك مني منطق قذع ... باقٍ كما دنس القبطية الودك وقوله: يرومون شأوي في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى فيما خلا المنطق القرد يريد أنهم يرومون مجاراته في الكلام, وأن يكون شأوهم مثل شأوه؛ أي: سبقهم مثل سبقه, والشأو: السبق, ثم سمي الطلق شأوًا يريد أنهم مثل القرود, والقرد يتشبه بابن آدم في أفعاله, ولا يقدر على أن ينطق كما ينطق الرجل, فهؤلاء إن تشبهوةا بي في بعض الشيم فلن يستطيعوا على الإتيان بمثل ما أقول.

стр. 380

وقوله: فهم في جموعٍ لا يراها ابن دأيةٍ ... وهم في ضجيجٍ لا يحس به الخلد ابن دأيةٍ: الغراب, وهو معرفة في الأصل, مثل: ابن عرسٍ وابن آوى, وصرفه هاهنا للضرورة, وإنما سمي بذلك لأنه يقف على دأية البعير, وهي الضلع. وقيل: إن الفقاء دأيات, ولا يمتنع أن يقال لكل عظيم غليظ: دأية, قال طرفة: [الطويل] كأن علوب النسع في دأياتها ... موارد من خلقاء في ظهر قردد ويجوز أن يجعل ابن دأيةٍ هاهنا نكرةً فلا يكون في البيت ضرورة؛ لأن تنكيره ممكن إذا كان سائغًا أن يقال: وقع على الناقة ابن دأيةٍ, ثم جاء ابن دأيةٍ آخر. والخلد هذه: الفأرة المعروفة, وهو موصوف بجودة السمع, كما أن الغراب موصوف بحدة النظر. قال ابن ميادة: [الطويل] ألا طرقتنا أم عمروٍ ودونها ... حراج من الظلماء يعشى غرابها بالغ في صفة الظلماء لأنه جعل الغراب لا يبصر فيها. وقوله: ومني استفاد الناس كل غريبةٍ ... فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمد تم الكلام عند قوله كل غريبة, وهو إخبار عن أغيابٍ, ثم ترك ذلك الكلام وخرج إلى صفة قوم مخاطبين, كأنه قال: فيا أيها الناس جازوا بترك الذم إن لم تحمدوي إذا كنت أستحق منكم الحمد. والخروج من الإخبار عن الغائب إلى مخاطبة الشاهد, ومن مخاطبة الشاهد إلى الإخبار عن الغائب كثير جدًا, وبعضه أحسن من بعضٍ, ومن أشده ما أنشده أبو عبيدة: [الطويل] وما جأبه عصماء تأوي بغفرها ... إلى الهضبات الشم من وطدان بأنفع لي منها وإني لذاكر ... هوى منك أفنى مهجتي وبراني

стр. 381

ومن بيتين أولهما إن القوافي لم تنمك وإنما ... محقتك حتى صرت ما لا يوجد وهما من الكامل الأول في قول الخليل, ومن السحل الثالث في قول غيره. يقال: محق الشيء بمحقه؛ إذا أهلكه, ومال ممحوق إذا لم تكن فيه بركة. وقالوا لشدة الحر: ماحق, كأنه يمحق الشيء الذي يصادفه, (٥٥/ب) فإذا طلع على العشب يبس وذهبت نضرته, وإذا اشتد على الثمار تضاءلت منه, قال الهذلي: [البسيط] ظلت صوافن بالأرزان ضاويةٍ ... في ماحقٍ من نهار القيظ محتدم جمع رزنٍ, وهو ما غلظ من الأرض. ومن بيتين أولهما تستكثرون أبياتًا نأمت بها ... لا تحسدن على أن ينئم الأسدا وهما من أول البسيط في قول الخليل, ومن السحل الثاني في قول غيره. الأبيات تصغير أبيات من الشعر. وإنما قيل للكلام المنظوم بيت تشبيهًا ببيت الشعر, وربما ألغزوا به, كما قال الشاعر: [الوافر] وبيتٍ ليس من شعرٍ وصوفٍ ... على أوصال راحلةٍ بنيت

стр. 382

يريد بيت الشعر. والنئيم: صوت خفي يستعمل للأسد وغيره, ومنه قولهم: أسكت الله نأمته؛ أي: لا سمع له صوت. وقد استعملوا النئيم في صوت الحمام. وقوله: لا تحسدن على أن ينئم الأسدا أعمل الفعل الأول وهو قوله: لا تحسدن؛ لأن القافية منصوبة, وإعمال الفعل الأول اختيار الكوفيين, ولو أن البيت مرفوع لكان ذلك على إعمال الفعل الثاني وهو ينئم, وإلى هذا الوجه يذهب البصريون؛ لأن مذهبهم إعمال أقرب الفعلين من المعمول فيه. وقوله: لو أن ثم قلوبًا يعقلون بها ... أنساهم الذعر مما تحتها الحسدا ثم: كلمة مبنية على الفتح, وهي كناية عن الأمكنة. يقال: فلان هنا؛ أي: هو قريب, وفلان ثم؛ أي: بعيد, وكأنها ضد هنا, وتقع على ما بين الناطق وبينه أذرع إذا كان ثم ما هو أقرب إليه منه, ويجوز أن يقول المقيم بالشام إذا ذكر أبعد الأماكن ليس ثم كذا. ومن أبيات أولها أما الفراق فإنه ما أعهد ... هو توأمي لو أن بينًا يولد وهي من الكامل الأول في قول الخليل, ومن السحل الثالث في قول غيره. توأم الرجل: الذي يولد معه, وهما توأمان, والأنثى توأمه. والعرب تذم التوأم؛ لأنهم ينسبونه إلى الضعف وصغر الجسم؛ قال معاوية بن أوسٍ اليربوعي: [المتقارب] فقام فتىً نشنشي الذراع ... ليس بنكسٍ ولا توأم يقول: كأن البين ولد معي ومعرفتي به قديمة.

стр. 383

ومن التي أولها كم قتيلٍ كما قتلت شهيد ... لبياض الطلى وورد الخدود وهي من الخفيف الأول على رأي الخليل, وعلى رأي غيره من الطلوق. وقوله: وعيون المها ولا كعيونٍ ... فتكت بالمتيم المعمود المتيم: الذي قد استعبده الحب, ومن ذلك سموا الرجل تيم اللات, كما يقولون: عبد الله, وتامت المرأة فؤاده: إذا ذهبت به, قال الشاعر: [البسيط] تامت فؤادك لما أن عرضت لها ... إحدى بنات بني ذهل بن شيبانا ويجب أن يكون من ذلك اشتقاق قولهم: التيمة للشاة التي يرتبطها أهل البيت, فينتفعون بلبنها ثم يذبحونها, كأنهم أرادوا أنهم ذهبوا بها فتمكنوا من المنفعة بلبنها ولحمها أكثر من تمكنهم بالمال الراعي, وقد جاء ذلك في الحديث في قوله: «والتيمة لصاحبها» , ويقال: اتام الرجل؛ إذا اتخذ تيمةً. قال الحطيئة: [الوافر] وما تتام جارة آل لأيٍ ... ولكن يضمنون لها قراها والمعمود: مثل العميد, وهو الذي قد غلب الحب عليه فأمرضه, حتى صار إذا احتاج أن يجلس عمد؛ أي: أسند, وهذا أشبه من أن يكون من قولهم: عمد البعير؛ إذا انفضح سنامه من حملٍ أو ركوبٍ, وكلا الوجهين يحتمل أن يكون.

стр. 384

وقوله: در در الصبى أأيام تجريـ ... ر ذيولي بدار الأثلة عودي الدر: أصله اللبن, وهو مسمى بالمصدر؛ لأنه يقال: در الضرع درًا, ثم كثر ذلك حتى قالوا للمحمود: لله دره؛ أي: لله اللبن الذي أرضع به. وقالوا للمذموم: لا در دره, وأوقعوا قولهم لله در فلان في معنى التعجب, قال رجل من قريش: [الطويل] لله دري حين أدركني البلى ... على أي ما تأتي الحوادث أندم وقال مالك بن الريب: [الطويل] فلله دري حين أترك طائعًا ... بني بأعلى الرقمتين وماليا كأنه تعجب من نفسه, وربما استعملوا ذلك في المذموم (٥٦/أ) كأنه نقلوا التعجب من المحمود, وهو غير بريء من الحمد, فوضعوه لمن هو مستحق للذم, قال عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف] إن لله در قومٍ يريدو ... نك بالنقص والشقاء شقاء وإن ها هنا في معنى نعم, وقال عبيد بن الأبرص: [الخفيف] در در الشباب والشعر الأسـ ... ود والراتكات تحت الرحال

стр. 385

أأيام: يختار أكثر الناس أن تخفف الهمزة الثانية, وتخفيفها أن تجعل بين بين, وهي في زنة المتحرك, وبعضهم يختار تخفيف الهمزة الأولى, وذلك إذا كان قبلها كلام, فأما إذا كانت مبتدأً بها فما يجوز فيها التخفيف. ويروى تجرير ذيولي بإضافة تجرير إلى ذيول. وبعض الناس ينشد: وتجريري فيضيف إلى ياء النفس, وهو فيما أراه أحسن وأخف في اللفظ. والأثلة: واحدة الأثل, وهو شجر يعظم. وقد يجوز أن يقال لكل شجرةٍ عظيمةٍ أثلة على معنى الاستعارة. ويقال إن أبا الطيب كان يسكن الكوفة في موضع به سدرة يعرف بدرب السدرة أو دار السدرة, فكأنه كنى عنها بالأثلة؛ لأن السدرة لم يمكن دخولها في هذا الموضع, وتوصل إلى نظم الأثلة في البيت بأن ألقى حركة الهمزة على لام التعريف, وقد استعاروا الأثلة في أصل الرجل ومحتد القوم وقالوا: هو مغرًى بنحت أثلتنا: إذا كان يذمهم ويذكر معايبهم؛ قال الأعشى: [البسيط] ألست منتهيًا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت الإبل وإلقاء حركة الهمزة على ما قبلها إذا كان ساكنًا كثير موجود, وليس بضرورة, ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] من آلٍ أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان لاقين بازيا وقوله: عمرك الله هل رأيت بدورًا ... قبلها في براقعٍ وعقود عمرك: كلمة تستعمل في القسم, فإذا دخلت عليها لام الابتداء كانت مرفوعةً, وكان الخبر محذوفًا. وإذا فقدت اللام فهي منصوبة, وانتصابها بفعل مضمرٍ, كأنه قال: أذكرك عمرك الله أو نحو ذلك من الأفعال, والعمر: يجب أن يكون مصدر عمر يعمر, وهو ها هنا موضوع موضع الخدمة كأنه قال أذكرك خدمتك الله, أخذ من قولهم: عمرت البيت الحرام؛

стр. 386

إذا زرته, ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة, قال غالب بن الحر الجعفي: أنشده ابن الأعرابي في صفة نخلٍ: [الطويل] يطوف بها الزوار كل عشيةٍ ... كما طافت العمار حول المناسك فلما كانت الزيارة فيها تواضع للمزور جعلت الخدمة عمرًا, وقال قوم: معنى قولهم: عمرك الله؛ أي: حلفك بعمره إذا قال: لعمر, والعمر: البقاء, وقالوا: عمرتك الله؛ أي: جعلتك تحلف بعمره, أو تخدمه, قال الشاعر: [البسيط] عمرتك الله ألا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذي سلم ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك الله, مأخوذًا من: عمرت الديار من العمارة؛ أي: بعمرك المنازل المشرفة بذكر الله وعبادته, ويكون هذا الكلام مجانسًا لقوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾؛ أي: أمر الله, فحذف المضاف. وقوله: رامياتٍ بأسهمٍ ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود العرب تجعل العين كالسهم, قال جميل, ويروى للمرار: [الطويل] معانان منها مرةً في كليهما ... تصحفت واضطم الفؤاد على سهم أراد أنها نظرت إليه فكأنها رمته بسهم, أو كأنه نظر إليها فكان نظره كالسهم, وبيت أبي الطيب مأخوذ من قول جميل: [الطويل]

стр. 387

رمتني بسهمٍ ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو في القلب جارح والهدب: شعر الأجفان. وقوله: يترشفن من فمي رشفاتٍ ... هن فيه أحلى من التوحيد يترشفن: من قولهم: رشفت الماء؛ إذا أخذته قليلًا قليلًا, ومن أمثالهم: «العب أروى, والرشيف أشرب» أي: إن الذي يعب يروى سريعًا, والذي يرشف يشرب أكثر من العاب. وقالوا: رشفت الريق؛ لأنه (٥٦/ب) يؤخذ قليلًا قليلًا, وقوله: أحلى من التوحيد: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون وصف التوحيد بالحلاوة في فمه, وجعل الرشفات أحلى منه على وجه المبالغة, كما يقال: هو أحلى من الضرب, لأن الضرب معروف بالحلاوة. والآخر أن يكون جعل التوحيد غير موصوف بالحلاوة. وقوله: كل خمصانةٍ أرق من الخمـ ... ر بقلبٍ أقسى من الجلمود رفع أرق لا يمتنع على أن يجعل كل ابتداءً؛ أي: كل امرأةٍ خميصة البطن أرق من الخمر, والخميصة الضامرة, ويقال: خمصانة, وللذكر: خمصان. وقد حكي بفتح الخاء. ويجوز بأن ترفع كل على أنها بدل من المضمر في قوله: يترشفن, فإذا حمل على ذلك جاز رفع أرق على أن يحمل على كل, وجاز أن يفتح وهو في موضع خفضٍ على أن يجعل نعتًا لخمصانةٍ, ويجوز نصب كل على أن يكون محمولًا على قوله: بدورًا فيجعل بدل تبيين. وقوله: بقلبٍ: أي: تغدو بقلبٍ وتجيء به, كما يقال: فلان بثوبٍ موشي؛ أي: قد جاء بهذه الحال.

стр. 388

وقوله: حالكٍ كالغداف جثلٍ دجوجـ ... ي أثيثٍ جعدٍ بلا تجعيد الحالك: الشديد السواد, والغداف: الغراب الأسود الكثير الريش, وهم يشبهون الشعر الأسود بالغراب, قال الشاعر, ويقال: إنه لأبي حية النميري: [المتقارب] فلا يبعد الله ذاك الغراب ... وإن كان لا هو إلا ادكارا والجثل: الكثير الأصول. والأثيث: يوصف به الكثير من الشعر والنبت. والدجوجي: الأسود, والجعد: الذي ليس بسبطٍ كأنه يتجمع بعضه إلى بعض, يقال: جعد وجعاد, ولمة جعدة, قال الشاعر: [الخفيف] شدخت غة السوابق منهم ... في وجوهٍ مع اللمام الجعاد وقوله: تحمل المسك عن غدائره الريـ ... ح وتفتر عن شتيتٍ برود الغدائر: جمع غديرةٍ من الشعر, وهي مأخوذه من أغدرت الشيء وغادرته, إذا تركته, كأنها تركت في موضعها لم تذهب مع ما سقط من الرأس لما سرح. وتفتر: أي: تضحك, وهو مأخوذ من فررت الدابة إذا فرجت ما بين جحفلتيها لتعرف سنها, والشتيت من صفات الثغر؛ لأنهم يقولون: ثغر مفلج إذا لم يركب بعضه بعضًا وكان بينه فروق. والبرود: مثل البارد إلا أنه أشد مبالغةً؛ لأن فعولًا أبلغ من فاعلٍ. وإذا وصف الثغر بذلك احتمل أن يكون الفعل غير متعد, كما يقولون: برد الماء؛ إذا صار باردًا, وجاز أن يكون متعديًا, يؤخذ من قولهم: برد الماء غليل المدنف؛ إذا أذهب حرارته.

стр. 389

وقوله: جمعت بين جسم أحمد والسقـ ... ـم وبين الجفون والتسهيد ذكر أحمد وهو يعني نفسه, وقيل: إن أبا علي الفارسي كان يسمي هذا التجريد, ويجوز أن يكون أخذه عن بعض الأشياخ, ومثله كثير في الشعر, ومنه قول الأخطل: [المتقارب] ألم على عنبات العجوز ... وقفتها من غياثٍ لمم يعني بغياثٍ نفسه. وقد جعلوا من هذا النحو قوله تعالى: ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ , وإنما هذا نائب عن قوله: واعلم أني عزيز حكيم. وقوله: أهل ما بي من الضنى بطل صيـ ... ـد بتصفيف طرةٍ وبجيد يقول: أهل ما بي رجل بطل صيد بطرةٍ, وهي ما تقدمه المرأة في مقدم شعرها, وأصل الطرة الجانب. كأنه يتشمت لنفسه لما غلبته هذه المرأة فيقول: أنا مستحق لما أصابني إذ كان ينبغي أن أحتمي وأمتنع. وقوله: كل شيء من الدماء حرام ... شربه ما خلا دم العنقود أحل الخمر في هذا البيت على سبيل الدعوى, وذلك قبيح بمن يشتمل عليه الإسلام. وقد فعل ذلك غيره من الشعراء, ويروى للحكمي: [الطويل] أحل العراقي النبيذ وشربه ... وقال أناس إنما حرم السكر وقال الحجازي النبيذان واحد ... فحلت لنا بين اختلافهم الخمر

стр. 390

فأما قول امرئ القيس: [السريع] حلت لي الخمر وكنت امرأً ... عن شربها في شغلٍ شاغل فلا معتبة عليه في ذلك؛ لأنه جاهلي. وكانوا إذا طلبواة ثأرًا حرموا على نفوسهم الخمر حتى يدركوه, ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل] ومنا الذي آلى ثلاثين ليلةً ... على الخمر حتى زاركم بالكتائب وقوله: فاسقنيها فدًى لعينيك نفسي ... من غزالٍ وطارفي وتليدي خرج من التشبيب بالمؤنث إلى المذكر, وهم يفعلون ذلك كثيرًا؛ لأنهم يشبهون المرأة بالغزال والظبي وغير ذلك من المذكرات, فكأنهم يذكروا على هذا المعنى, وأصل ذلك أنهم يجترئون على طرح حرف التشبه؛ لأن السامع عالم بالغرض, ومن ذلك قول النابغة بعد أن بدأ بذكر المتجردة: [الكامل] فبدت ترائب شادنٍ متربب ... أحوى أحم المقلتين مقلد وقوله: مفرشي صهوة الحصان ولكـ ... ن قميصي مسرودة من حديد المفرش, بفتح الميم: كأنه موضع لا يجوز عليه الانتقال, وإذا كسرت الميم جاز أن يذهب به مذهب المخدة والمطرح. ولا يمتنع الوجهان في هذا الموضع, وكلاهما على معنى التشبيه, وهو كقول عنترة: [الكامل] وحشيتي سرج على عبل الشوى ... نهدٍ مراكله نبيل المحزم والصهوة: مقعد الفارس من الفرس, وصهوة كل شيء أعلاه. والمسرودة: الدرع, وسردها: نسجها, وكل متتابع مسرود ومتسرد.
следующие страницы →