← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إذا زرته, ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة, قال غالب بن الحر الجعفي: أنشده ابن الأعرابي في صفة نخلٍ: [الطويل] يطوف بها الزوار كل عشيةٍ ... كما طافت العمار حول المناسك فلما كانت الزيارة فيها تواضع للمزور جعلت الخدمة عمرًا, وقال قوم: معنى قولهم: عمرك الله؛ أي: حلفك بعمره إذا قال: لعمر, والعمر: البقاء, وقالوا: عمرتك الله؛ أي: جعلتك تحلف بعمره, أو تخدمه, قال الشاعر: [البسيط] عمرتك الله ألا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذي سلم ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك الله, مأخوذًا من: عمرت الديار من العمارة؛ أي: بعمرك المنازل المشرفة بذكر الله وعبادته, ويكون هذا الكلام مجانسًا لقوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾؛ أي: أمر الله, فحذف المضاف. وقوله: رامياتٍ بأسهمٍ ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود العرب تجعل العين كالسهم, قال جميل, ويروى للمرار: [الطويل] معانان منها مرةً في كليهما ... تصحفت واضطم الفؤاد على سهم أراد أنها نظرت إليه فكأنها رمته بسهم, أو كأنه نظر إليها فكان نظره كالسهم, وبيت أبي الطيب مأخوذ من قول جميل: [الطويل]

стр. 387

رمتني بسهمٍ ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي وهو في القلب جارح والهدب: شعر الأجفان. وقوله: يترشفن من فمي رشفاتٍ ... هن فيه أحلى من التوحيد يترشفن: من قولهم: رشفت الماء؛ إذا أخذته قليلًا قليلًا, ومن أمثالهم: «العب أروى, والرشيف أشرب» أي: إن الذي يعب يروى سريعًا, والذي يرشف يشرب أكثر من العاب. وقالوا: رشفت الريق؛ لأنه (٥٦/ب) يؤخذ قليلًا قليلًا, وقوله: أحلى من التوحيد: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون وصف التوحيد بالحلاوة في فمه, وجعل الرشفات أحلى منه على وجه المبالغة, كما يقال: هو أحلى من الضرب, لأن الضرب معروف بالحلاوة. والآخر أن يكون جعل التوحيد غير موصوف بالحلاوة. وقوله: كل خمصانةٍ أرق من الخمـ ... ر بقلبٍ أقسى من الجلمود رفع أرق لا يمتنع على أن يجعل كل ابتداءً؛ أي: كل امرأةٍ خميصة البطن أرق من الخمر, والخميصة الضامرة, ويقال: خمصانة, وللذكر: خمصان. وقد حكي بفتح الخاء. ويجوز بأن ترفع كل على أنها بدل من المضمر في قوله: يترشفن, فإذا حمل على ذلك جاز رفع أرق على أن يحمل على كل, وجاز أن يفتح وهو في موضع خفضٍ على أن يجعل نعتًا لخمصانةٍ, ويجوز نصب كل على أن يكون محمولًا على قوله: بدورًا فيجعل بدل تبيين. وقوله: بقلبٍ: أي: تغدو بقلبٍ وتجيء به, كما يقال: فلان بثوبٍ موشي؛ أي: قد جاء بهذه الحال.

стр. 388

وقوله: حالكٍ كالغداف جثلٍ دجوجـ ... ي أثيثٍ جعدٍ بلا تجعيد الحالك: الشديد السواد, والغداف: الغراب الأسود الكثير الريش, وهم يشبهون الشعر الأسود بالغراب, قال الشاعر, ويقال: إنه لأبي حية النميري: [المتقارب] فلا يبعد الله ذاك الغراب ... وإن كان لا هو إلا ادكارا والجثل: الكثير الأصول. والأثيث: يوصف به الكثير من الشعر والنبت. والدجوجي: الأسود, والجعد: الذي ليس بسبطٍ كأنه يتجمع بعضه إلى بعض, يقال: جعد وجعاد, ولمة جعدة, قال الشاعر: [الخفيف] شدخت غة السوابق منهم ... في وجوهٍ مع اللمام الجعاد وقوله: تحمل المسك عن غدائره الريـ ... ح وتفتر عن شتيتٍ برود الغدائر: جمع غديرةٍ من الشعر, وهي مأخوذه من أغدرت الشيء وغادرته, إذا تركته, كأنها تركت في موضعها لم تذهب مع ما سقط من الرأس لما سرح. وتفتر: أي: تضحك, وهو مأخوذ من فررت الدابة إذا فرجت ما بين جحفلتيها لتعرف سنها, والشتيت من صفات الثغر؛ لأنهم يقولون: ثغر مفلج إذا لم يركب بعضه بعضًا وكان بينه فروق. والبرود: مثل البارد إلا أنه أشد مبالغةً؛ لأن فعولًا أبلغ من فاعلٍ. وإذا وصف الثغر بذلك احتمل أن يكون الفعل غير متعد, كما يقولون: برد الماء؛ إذا صار باردًا, وجاز أن يكون متعديًا, يؤخذ من قولهم: برد الماء غليل المدنف؛ إذا أذهب حرارته.

стр. 389

وقوله: جمعت بين جسم أحمد والسقـ ... ـم وبين الجفون والتسهيد ذكر أحمد وهو يعني نفسه, وقيل: إن أبا علي الفارسي كان يسمي هذا التجريد, ويجوز أن يكون أخذه عن بعض الأشياخ, ومثله كثير في الشعر, ومنه قول الأخطل: [المتقارب] ألم على عنبات العجوز ... وقفتها من غياثٍ لمم يعني بغياثٍ نفسه. وقد جعلوا من هذا النحو قوله تعالى: ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ , وإنما هذا نائب عن قوله: واعلم أني عزيز حكيم. وقوله: أهل ما بي من الضنى بطل صيـ ... ـد بتصفيف طرةٍ وبجيد يقول: أهل ما بي رجل بطل صيد بطرةٍ, وهي ما تقدمه المرأة في مقدم شعرها, وأصل الطرة الجانب. كأنه يتشمت لنفسه لما غلبته هذه المرأة فيقول: أنا مستحق لما أصابني إذ كان ينبغي أن أحتمي وأمتنع. وقوله: كل شيء من الدماء حرام ... شربه ما خلا دم العنقود أحل الخمر في هذا البيت على سبيل الدعوى, وذلك قبيح بمن يشتمل عليه الإسلام. وقد فعل ذلك غيره من الشعراء, ويروى للحكمي: [الطويل] أحل العراقي النبيذ وشربه ... وقال أناس إنما حرم السكر وقال الحجازي النبيذان واحد ... فحلت لنا بين اختلافهم الخمر

стр. 390

فأما قول امرئ القيس: [السريع] حلت لي الخمر وكنت امرأً ... عن شربها في شغلٍ شاغل فلا معتبة عليه في ذلك؛ لأنه جاهلي. وكانوا إذا طلبواة ثأرًا حرموا على نفوسهم الخمر حتى يدركوه, ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل] ومنا الذي آلى ثلاثين ليلةً ... على الخمر حتى زاركم بالكتائب وقوله: فاسقنيها فدًى لعينيك نفسي ... من غزالٍ وطارفي وتليدي خرج من التشبيب بالمؤنث إلى المذكر, وهم يفعلون ذلك كثيرًا؛ لأنهم يشبهون المرأة بالغزال والظبي وغير ذلك من المذكرات, فكأنهم يذكروا على هذا المعنى, وأصل ذلك أنهم يجترئون على طرح حرف التشبه؛ لأن السامع عالم بالغرض, ومن ذلك قول النابغة بعد أن بدأ بذكر المتجردة: [الكامل] فبدت ترائب شادنٍ متربب ... أحوى أحم المقلتين مقلد وقوله: مفرشي صهوة الحصان ولكـ ... ن قميصي مسرودة من حديد المفرش, بفتح الميم: كأنه موضع لا يجوز عليه الانتقال, وإذا كسرت الميم جاز أن يذهب به مذهب المخدة والمطرح. ولا يمتنع الوجهان في هذا الموضع, وكلاهما على معنى التشبيه, وهو كقول عنترة: [الكامل] وحشيتي سرج على عبل الشوى ... نهدٍ مراكله نبيل المحزم والصهوة: مقعد الفارس من الفرس, وصهوة كل شيء أعلاه. والمسرودة: الدرع, وسردها: نسجها, وكل متتابع مسرود ومتسرد.

стр. 391

وقوله: لأمة فاضة أضاة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داوود اللأمة: الدرع. وفاضة: أي: تفيض على الدارع. وإنما جعلت فائصةً لأنها تشبه بالغدير, ومن شأن الماء أن يفيض. قال عمرو بن معد يكرب: [المتقارب] وأعددت للحرب فضفاضةٍ ... دلاصًا تفيض على الراهش وقال آخر في صفة الدرع: [المتقارب] تفيض على المرء أردانها ... كفيض الغدير على الجدجد وأضاة: غدير, وهذا على حذف التشبيه؛ لأنهم يقولون: كأنها أضاة, ثم يحذفون كأن؛ قال النابغة فجعل الدروع إضاءً: [الطويل] طلين بكديونٍ وأشعرن كرةً ... فهن إضاء صافيات الغلائل الكديون: عكر الزيت, والكرة بعر يحرق ويذر على الدرع كي لا تصدأ. والعرب تنسب الدروع إلى داود, وقد جاء ذلك في كتاب الله جلت عظمته, وربما نسبوها إلى سليمان, قال النابغة: [الطويل] وكل صموتٍ نثلةٍ تبعيةٍ ... ونسج سليمٍ كل قضاء ذائل

стр. 392

أراد سليمان. وقال الحطيئة, وذكر جيشًا: [البسيط] فيه الرماح وفيه كل سابغةٍ ... قضاء محكمةٍ من نسج سلام وقوله: لسري لباسه خشن القطـ ... ـن ومروي مرو لبس القرود اللام في لسري تحتمل وجهين: أحدهما أن تكون على تقدير قوله: اعجبوا لسري, وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿لإيلاف قريش﴾. ومنه قول النابغة: [الوافر] أتخذل ناصري وتعز عبسًا ... أيربوع بن غيظٍ للمعن أي: اعجبوا للمعن. وقال آخر: [الوافر] ألا ياحمز للقلص النواء ... وهن معقلات بالفناء والآخر أن تكون اللام في قوله لسري متعلقة بقوله باللطف من عزيزٍ حميد؛ أي: بلطف الله سبحانه لسري هذه صفته, كما يقال لطف الله له؛ أي: صنع إليه خيرًا. والقطن: يقال بتسكين الطاء وضمها, وجاء في الشعر القطن والقطنن, وهذا البيت ينشد على وجهين: كأن مجرى دمعها المستن ... قطنة من أجود القطن ويروى قطننة. فأما قول لبيد: [الكامل]

стр. 393

شاقتك ظعن الحي حين تحملوا ... فتكنسوا قطنًا تصر خيامها فقيل: أراد هذا (٥٧/ب) القطن المعروف, وقيل: القطن: جمع قطينٍ, وهم أهل الدار, وقيل: بل القطن: جمع قطانٍ, وهو جانب الهودج. وقوله: يقتل العاجز الجبان وقد يعـ ... ـجز عن قطع بخنق المولود البخنق: خرقة صغيرة تجعل في عنق الطفل, ويجعل البخنق في غير هذا الموضع بمعنى البرقع الصغير. وقوله: ويوقى الفتى المحش وقد خو ... ض في ماء لبة الصنديد المحش: الذي يحش الحرب؛ أي: يوقدها. يقال: حش النار: إذا جمع جمرها وألقى عليها حطبًا, وكل من قوى شيئًا بشيء فقد حشه به, ومنه قول الحارث بن ظالمٍ: [الوافر] وحش رواحة القرشي رحلي ... بعنسٍ لم تكن منه ثوابا أي: قوى رحلي بأن أعطاني ناقة لم تكن ثوابًا عن فعلٍ جميلٍ تقدم مني إليه, والمخش بالخاء معجمةً من صفة الشجاع أيضًا, وهو من قولهم: خش في الشيء إذا دخل فيه, كأنه يدخل في غمرات الحرب, وقول العامة: قد انخش فلان؛ أي: ضعف وذل, كأن بعضه دخل في بعضٍ. وقوله: وبهم فخر كل من نطق الضا ... د وعوذ الجاني وغوث الطريد معروف بين الناس أن الضاد يتعذر النطق بها إلا على العرب, وذلك بين إذا تفقد. والمتفقهون من العجم بالعراق لا يكادون ينطقون بالضاد صحيحةً, ولابد لهم من تحريفها, إما إلى الظاء, وإما إلى الذال, وذكر ابن دريدٍ أن الطاء هي المقصورة على العرب, وأن الضاد قد يستعملها بعض العجم, والله العالم بحقائق الأمور.

стр. 394

ويقال: إن حجرًا أبا امرئ القيس لما أخذ في قول الشعر أنكر عليه ذلك, وأحضروه, وقال: لا تبرح حتى تأتي بخمسين بيتًا على قافية بين الضرس والثنية, فقيل: أراد الضاد, وقيل: أراد السين. فأما الأطفال من كل الأجناس فتكون الظاء أخف عليهم من الضاد حتى يؤخذوا بإخلاصها والإتيان بها على ما يجب. ومن التي أولها أهلًا بدارٍ سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خردها قال: أغيدها, وهو يريده مؤنثًا؛ لأنه أراد أن المرأة تشبه الغزال, ثم حذف التشبه. قال عدي بن الرقاع العامري: [الكامل] لولا الحياء وأن رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس ورنقت ... في عينه سنة وليس بنائم شبهها بالجؤذر, وهو ولد البقرة الوحشية. ويجوز أن يكون تذكيرهم المحبوب وهم يريدون المؤنث على معنى الشخص أو الإنسان؛ لأن الإنسان يقع على الرجل والمرأة. وأجود الروايتين أبعد على أنه أفعل من البعد. والخرد: جمع خريدةٍ على غير قياسٍ؛ لأن فعيلًا وفعيلة ليس بابهما أن يجمعا على فعل, وإنما خرد في الحقيقة جمع خارد أو خاردة, ومن روى أبعد على الاستفهام فالمراد: أتفرح بهذه الدار بعدما بان الذين كنت تكرمها لأجلهم؟ ! . وهذا البيت فيه مجاز واتساع؛ لأن العادة جرت بأن يقال أهلًا بفلانس للقادم, لا للذي يقدم عليه, ولكن لما جعلها سارةً له كما يسر المحبوب القادم جاز أن يقول لها ذلك. وقوله: ظلت بها تنطوي على كبدٍ ... نضيجةٍ فيق خلبها يدها ظلت: مراد بها ظللت, وفيها لغتان: أجودهما فتح الظاء, والأخرى كسرها. وأكثر

стр. 395

القراء على الفتح في قوله: ﴿فظلتم تفكهون﴾. وروي عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ بالكسر. وسيبويه يذهب إلى أن هذه الأفعال مسموعة لا تقاس. وكان الكسائي يجيز ذلك في الأفعال الماضية إجازةً مطردةً. وأجازه الفراء في الماضي والمضارع, وأنشد: [الوافر] عليها من قوادم مضرحي ... من اللاتي يكن من الصقيع أراد يكنن فحذف النون (٥٨/أ) , وحذفها يشبه حذف السين في قول أبي زبيدٍ: خلا أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس أراد أحسسن, فالحاء في أحسن ساكنة ألقيت عليها فتحة السين, ثم حذفت للسكون ولاجتماع المثلين, وكذلك يكنن لما كانت الكاف ساكنة نقلت إليها فتحة النون التي تليها ثم حذفت لأن بعدها نونًا أخرى, وقوى ذاك أن نون جمع المؤنث جاءت في الأخير. فأما ظللت فليس قبل اللام حرف ساكن تلقى عليه الحركة, وإذا فتحت الظاء شبهوها بلست, وإذا كسرت الظاء فكأنهم نقلوا إليها الكسرة التي في اللام وأزالوا عنها الفتح. والخلب:

стр. 396

زيادة الكبد, ويقال: هو حجاب القلب, وقيل: هو ما بين الكبد والقلب, وقال الزبرقان بن بدرٍ: [الوافر] وأجعل كل مضغنٍ أتاني ... يريد السلم بين حشًى وخلب وأضاف اليد إلى الكبد لأنه أراد الشخص الذي الكبد مستقرة فيه. وإذا أخذ بمذهب أبي الطيب في المبالغة جاز أن تكون اليد مرفوعةً بنضيجةٍ؛ لأن ذلك أشد للحرارة. وإذا جعلت نضيجة صفةً للكبد غير عاملةٍ في يدها فالمعنى صحيح, وليس بمبالغٍ فيه, وترفع اليد بالابتداء في ظاهر مذهب البصريين, وبمعنى الاستقرار على رأي سعيد بن مسعدة, وبخبر الصفة على رأي الكوفيين. وقوله: يا حاديي عيرها وأحسبني ... أوجد ميتًا قبيل أفقدها العير: هي الإبل الحاملة, فربما كان عليها ناس, وربما لم يكن فيها ركبان. وقد دل كلامه على أن المرأة في هذه العير. وقوله: أحسبني إلى آخر البيت من الكلام الذي يقال له الاعتراض؛ لأن المعنى المقصود غيره. وقوله: قبيل أفقدها: هذا من مواضع أن, وحذفها ليس بمستعمل في القرآن, ولا في كلام فصيح, وهو كالضرورة, وليس بالشديد, وإنما يكره إذا كان قبل الفعل ما يقتضي أن يكون بعده مصدر. والغرض قبيل فقدها. وقوله: قفا قليلًا بها علي فلا ... أقل من نظرةٍ أزودها المعنى الذي قصده في البيت الأول هو في هذا البيت, واعترض ذلك الكلام دونه. قوله: شاب من الهجر فرق لمته ... فصار مثل الدمقس أسودها

стр. 397

الفرق: فرق الشعر, وهو أن يفرق الفرق بين جانبي الرأس. والدمقس: القز الأبيض, وكل ما أشبهه فهو دمقس, وزعموا أنه ليس بعربي في الأصل. والأحسن أن تكون الهاء في لمته راجعةً إلى المحب, واللمة: الشعر الذي قد طال حتى ألم بالمنكب, وجمعه لمم ولمام, وذهب ناس إلى أن الهاء في لمته راجعة إلى الفؤاد, وليس ذلك بحسن؛ لأنه يجعل للفؤاد لمةً, وتلك استعارة ليست بالحسنة؛ لأن العادة جرت بأنهم لا يستعملون اللمة إلا في الشعر. وقوله: بانوا بخرعوبةٍ لها كفل ... يكاد عند القيام يقعدها الخرعوبة, والخرعبة: الناعمة, ويقال للغصن الناعم: خرعوبة, ومنه قول امرئ القيس: [المتقارب] برهرهة رخصة رودة ... كخرعوبة البانة المنفطر وقوله: ربحلةٍ أسمر مقبلها ... سبحلةٍ أبيضٍ مجردها السبحلة والربحلة: متقاربتان في المعنى, يراد بها الضخمة في طولٍ وسمنٍ, وقال بعض الأعراب لرجل أراد أن يشتري بعيرًا: عليك السبحل الربحل الراحلة الفحل؛ أي: يصلح أن يرحل وأن يتخذ فحلًا للإبل, وقالت امرأة تصف ابنتها: [مجزوء الرجز] سبحلة ربحله ... تنمي نبات النخله ووصفوا الضب بسبحلٍ, قال الشاعر: [الطويل] سبحل له نزكان كانا فضيلةً ... على كل حافٍ في البلاد وناعل

стр. 398

وقوله: ليس يحيك الملام في هممٍ ... أقربها منك عنك أبعدها (٥٨/ب) ليس يحيك: أي: ليس يؤثر, والأجود عندهم ما أحاك فيه السيف؛ أي: ما أثر, ويقوي رواية من روى في أول القصيدة أبعد على الاستفهام قوله في هذا الموضع: أقربها منك عنك أبعدها؛ لأن أبا الطيب قليل التكرير. وقوله: أحييتها والدموع تنجدني ... شؤونها, والظلام ينجدها أحييتها: أي: سهرتها من أولها إلى آخرها, ومنه حديث خارجة بن زيد: «كان زيد لا يحيي شيئًا كما يحيي ليلة سبع عشرة من رمضان» , أي: كان يسهرها, والمعنى منقول في هذا اللفظ من ابن آدم إلى الليل؛ لأنه سهر, فكأنه يحيي نفسه؛ لأن النوم عندهم ضرب من الموت, وإنما قالوا: أحييت الليلة حملًا على قولهم: ليل نائم, أي: ينام فيه, وكذلك قولهم: أحييته, أي: لم أنم, فنقلت الحياة إلى الليل. وتنجدني: أي: تعينني. والشؤون: جمع شأنٍ, وهي عروق تصل بين عظام الرأس, وفيها يجري الدمع, وهي مهموزة في الأصل, والواحد شأن. قال أوس بن حجر: [الكامل] لا تحزنيني بالفراق فإنني ... لا تستهل من الفراق شؤوني وقوله: لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها أراد بالناقة هاهنا نعله, وقد استعملت العرب ذلك, ونحوه قال الشاعر: [الطويل] ركبنا إليك السبت في كل مهمهٍ ... خفي الصوى إذ أعوزتنا الركائب والرهان: أكثر ما يذكر في الخيل, وقد كانوا يستبقون على الإبل فيراهنون.

стр. 399

وقوله: شراكها كورها ومشفرها ... زمامها والشسوع مقودها لما جعل النعل ناقةً جعل لها كورًا مثل الكور الذي هو رحل الناقة, واستعار لها مشفرًا, وأعرف ما يكون المشفر للإبل. والشسوع: جمع شسعٍ, ولم يقولوا: أشساع, ولا أشسع, وكان القياس أن يقولون ذلك. وقوله: في مثل ظهر المجن متصلٍ ... بمثل بطن المجن قرددها المجن الترس, وشبه الأرض بظهر المجن؛ لأنها خالية من النبت, وهي في ذلك مرتفعة مع غلظٍ. وجعلها تتصل بأرض مثل بطن المجن؛ لأنها منخفضة. والقردد: ما غلظ من الأرض, وهي القردود أيضًا, ويقال لوسط الظهر: قردودة. وهذا البيت يروى لشقران السلاماني: فاركب من الأمر قراديده ... بالحزم والقوة أو بايع أي: اركب ما غلظ منه. وقوله: مرتمياتٍ بنا إلى ابن عبيـ ... ـد الله غيطانها وفدفدها الغائط: المطمئن من الأرض, وهو الغوط أيضًا, فإذا قالوا: غيطان جاز أن يكون جمع غائطٍ مثل حائط وحيطان, ويجوز أن يكون جمع غوطٍ مثل ثورٍ وثيرانٍ, قال الشارع: [مخلع البسيط]

стр. 400

إن شواءً ونشوةً ... وخبب البازل الأمون يجشمها المرء في الهوى ... مخافة الغائط البطين من لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذو فنون والفدفد: أرض غليظة مرتفعة, قال الشاعر: [الطويل] إذا الحمل الربعي عارض أمه ... عدت وكرى حتى تحن الفدافد وقوله: إلى فتى يصدر الرماح وقد ... أنهلها في القلوب موردها النهل: الشرب الأول, يقال: أنهل إبله, والناهل عندهم من الأضداد, يكون في معنى الشارب, وفي معنى العطشان, والأصل أن يكون النهل في معنى الشرب, وقد أنشدوا بيت النابغة على أن الناهل العطشان, وهو قوله: [السريع] والطاعن الطعنة يوم الوغى ... ينهل منها الأسل الناهل وكأنهم قالوا للظامئ: ناهل, على معنى الفأل؛ أي: إنه يشرب إن شاء الله. أو يكونوا أرادوا أنه سوف ينهل فيما بعد؛ لأنه يحتمل أن يقال: هذا (٥٩/أ) البعير ناهل؛ أي: ينهل فيما يستقبل. وقوله: تاج لؤي بن غالب وبه ... سما لها فرعها ومحتدها المحتد والمحكد: الأصل, وهو من قولهم: حتد بالمكان إذا أقام به. وقالوا للعين من عيون الماء: هي حتد؛ إذا كان ماؤها لا ينقص.

стр. 401

وقوله: شمس ضحاها هلال ليلتها ... در تقاصيرها زبرجدها التقاصير: جمع تقصارٍ, وهي قلادة قصيرة لا تنزل على الصدر, قال عدي بن زيدٍ: [المديد] رب نارٍ بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا عندها ظبي يؤرثها ... عاقد في الجيد تقصارا والزبرجد: فيما قيل معرب, وذهب قوم إلى أن تسميتهم قيس بن حسان أحد بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة برجدًا مراد به الزبرجد, سموه بذلك لحسنه, ولم تجر العادة بأن يحذفوا أوائل الأسماء الرباعية ولا الخماسية, ويجوز أن يكون مأخوذًا من البرجد, وهو الكساء المخطط, كأنه عندهم أحسن من الكساء الذي يكون غير مخططٍ. وقوله: ياليت بي ضربةً أتيح لها ... كما أتيحت له محمدها هذا البيت يحتمل وجهين: أحدهما أن يريد أن هذه الضربة قد حسنت وجه الممدوح وشرفته, ودلت على شجاعته. والآخر أن يكون أراد ياليت بي هذه الضربة؛ أي: ليتني فديته منها, فهو في الوجه الأول متمن خيرًا, وفي الثاني جعل نفسه فداءً للمدوح. وأتيح لها: أي: قدر.

стр. 402

وقوله: إذا أضل الهمام مهجته ... يومًا فأطرافهن ينشدها يجوز أن يكون أراد أن الهمام, وهو الملك, إذا أضل نفسه نشدها في أطراف هذه الرماح, ويكون المعنى معنى في, فكأنه جعل الأطراف ظرفًا, ويحتمل أن يجعل نشدت متعديًا إلى مفعولين فيكون التقدير أن الهمام ينشد مهجته أطرافهن. وقولهم: نشدت الضالة من قولهم: نشدتك الله, وهو في ذكر الله متعد إلى مفعولين, كأن القائل ذلك يريد: ذكرتك الله, وطلبته عندك. وقوله: وأنك بالأمس كنت محتلمًا ... شيخ معد وأنت أمردها أن المشددة إذا خففت فالوجه أن يكون ما بعدها مرفوعًا, كما قال سبحانه: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾. وربما نصبوا الاسم الذي بعدها وهي مخففة. وينشد: [الهزج] وصدر مشرق النحر ... كأن ثدييه حقان ويروى: ثدياه. قال اليشكري: [الطويل] ويومًا توافينا بوجه مقسمٍ ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم يرفعون ظبية وينصبونها على ما تقدم, وقد خفضها بعضهم بالكاف وجعل أن زائدة.

стр. 403

وقوله: وأنك على لغة من نصب؛ لأن هذه الكاف لا تكون ضميرًا للمرفوع. ونصب محتلمًا بخبر كان على الحال, وجعل شيخ معدٍ بدلًا من محتلم, ويمكن أن ينصب محتلمًا على الحال ويجعل شيخ معدٍ خبر كان. وزعم بعض النحويين أن كان لا تعمل الحال, فإذا أخذ بهذا القول حمل على قوله: كنت بالأمس, وجعل العامل في الحال الفعل المضمر الذي عمل في قوله بالأمس, والقياس لا يمنع أن تعمل كان في الحال؛ لأنها فعل متصرف ترفع فاعلًا, وتنصب مفعولًا أو مشبهًا بالمفعول. ومعد يحتمل أن تكون فيه الميم زائدة, وأن تكون أصلية, واشتقاقه إذا جعلت الميم زائدة من: عددت, وإذا كانت أصلية فقد استعملوا من هذا اللفظ أشياء, فقالوا: غيث ثعد معد يريدون بالغيث النبت؛ أي: هو غض ناعم, وقالوا: معد الذئب الشاة إذا اختطفها, وقالوا: نزع معد: يعنون نزع الدلو من البئر؛ أي: شديد. قال الراجز: [الرجز] يا سعد يا بن عمل با سعد ... هل يروين ذودك نزع معد وقالوا: معد الرجل إذا صار لصًا, قال الراجز: [الرجز] أخشى عليها طيئًا وأسدا ... وخاربين خربا ومعدا لا يحسبان الله إلا رقدا واستدلوا على أن الميم في معد أصلية بقولهم: تمعدد الغلام إذا سمن وشب, قال الراجز: (٥٩/ب) [الرجز] ربيته حتى إذا تمعددا ... وصار نهدًا كالحصان أجردا كان جزائي بالعصا أن أجلدا

стр. 404

وفي الحديث: «اخشوشنوا واخشوشبوا وتمعددوا»؛ أي: تشبهوا بمعد بن عدنان؛ لأنهم كانوا أهل شظفٍ وعيشٍ ليس بواسعٍ: ومعد الفرس: ما تحت فخذ الفارس, وعلى ذلك فسروا قول ابن أحمر: [الوافر] فإما زال سرج عن معد ... وأجدر بالمصائب أن تكونا وقد استعملوا المعد في الرجل يريدون به الخاصرة وما قاربها, قال أبو خراشٍ: [الطويل] رأت رجلًا قد لوحته مخامص ... وطافت بريان المعدين ذي شحم وقوله: فكم وكم من نعمة مجللةٍ ... رببتها كان منك مولدها مجللة: أي: تعم الجسد حتى تصير له كالجلال. ومن روى مجللةٍ بالفتح أراد معظمةً من قولهم: شيء جليل وجلل, ويحتمل أن يعني بالمجللة أنني جللتها. وقوله: أقر جلدي بها علي فما ... أقدر حتى الممات أجحدها كأنه أراد الثناء عليه بأنه كساه, وهو نحو من قوله في الأخرى: [الطويل] فبوركت من غيثٍ كأن جلودنا ... به تنبت الديباج والوشي والعصبا وقوله: فما أقدر حتى الممات أجحدها: هذا من مواضع أن, والمراد فما أقدر أن أجحدها, وقد حذفها أبو الطيب في مواضع كثيرةٍ, وإثباتها أحسن إذا لم تدع إلى ذلك ضرورة.

стр. 405

ومن أبيات أولها أقصر فلست بزائدي ودا ... بلغ المدى وتجاوز الحدا قوله: جاءتك تطفخ وهي فارغة ... مثنى به وتظنها فردا أنث في قوله: جاءتك؛ لأنه أراد الجامة, وأضمر ولم يتقدم ذكر لعلم السامع, وتطفح: أي: تمتلئ حتى تفيض. ومثنى: أي: قد صارت هي والثناء اثنين, وأنت تظنها واحدة, ويقولون: قطاة فرد بغير هاء. ومن التي أولها أود من الأيام ما لا توده ... وأشكو إليها بيننا وهي جنده هذه القصيدة من الطويل الثاني ولا تعرف قصيدة للعرب على هذا الوزن والقري, ولم يستعمله أحد من فحول المحدثين استعمالًا ظهر عنه, وقد جاء حبيب بن أوس بقصيدة على هذا النحو إلا أن رويها لام, وهي التي أولها: [الطويل] أبا الفضل أنت الدهرمن لا ندله ... على الحزم في التدبير بل نستدله والبين هاهنا: الفراق, وقد استعمل في معنى الوصل. وقوله: يباعدان حبًا يجتمعن ووصله ... فكيف بحب يجتمعن وصده زعم أن الأيام يباعدان الحبيب المواصل, فكيف بحب موصوفٍ بالصدود؟ أي: هذا

стр. 406

الحب المذكور صاد عنا فذلك أجدر بمعونته الأيام على الفراق. وعطف وصله وصده على الضمير المرفوع في يجتمعن, والأحسن أن يؤكد الضمير المرفوع إذا عطف عليه مثل أن يقول: يجتمعن هن ووصله. وقوله: رعى الله عيسًا فارقتنا وفوقها ... مهى كلها يولى بجفنيه خده يولى: من الولي الذي هو مطر بعد الوسمي؛ أي: هذه المها قد بكت بكاءً أولًا, فهو من الدموع وسمي, ثم بكت بكاءً ثانيًا, فهو كالولي من المطر. يقال: وليت الأرض فهي مولية, ووليت وليةً ووليًا, قال الشاعر: [الطويل] لني وليةً تمرع جنابي فإنني ... لما نلت من معروف سيبك شاكر وقوله: بواد به ما بالقلوب كأنه ... وقد رحلوا جيد تناثر عقده ادعى أن الوادي إذا ساروا عنه يجد لفراقهم, كما يجد الآدميون فيه من الأسف, كما في قلوب الإنس, وكأنه لما رحلوا جيد انتثر عقده فقد بقي عاطلًا, فهذا المعنى الواضح, وقد يجوز أن يعني بقوله: بوادٍ به ما بالقلوب (٦٠/أ) أنهن في الوادي ممثلات كما أنهن في قلوبنا كذلك. وقوله: إذا سارت الأحداج فوق نباته ... تفاوح مسك الغانيات ورنده الأحداج: جمع حدجٍ, وهو مركب من مراكب النساء, ومن أمثالهم: فخر الأمة بحدج ربتها, يقال ذلك للرجل يفخر بشيء ليس له. وتفاوح: تفاعل من فاح يفوح, وأكثر ما يكون التفاعل من اثنين, وهما ها هنا المسك والرند. وذكر أبو زيدفي «كتاب الشجر» أن الرند من العضاه, وقال غيره: هو شجر طيب الرائحة.

стр. 407

وسموا العود الذي يتبخر به رندًا على معنى التشبيه, وقال قوم: الرند الآس, وقيل: الحنوة. وقوله: وحالٍ كإحداهن رمت بلوغها ... ومن دونها غول الطريق وبعده يقول: رب حالٍ كإحدى هذه المها جليلةٍ عظيمةٍ بعيدةٍ على الطالب رمت بلوغها, والغول: يكون في معنى البعد, فيجوز أن يكرر المعنى لاختلاف اللفظين, ولا يمتنع أن يكون الغول في المعنى الهلاك من قولهم: غاله يغوله: إذا أهلكه. وقوله: يرى جسمه يكسى شفوفًا تربه ... فيختار أن يكسى دروعًا تهده الشفوف هاهنا: الثياب الرقاق التي يشف ما تحتها؛ أي: يبين للناظر, ويقال للستر الرقيق شف وشف, وقال الشاعر: [الخفيف] زانهن الشفوف والمحض والقيـ ... ـظ وعيش مفانق وحرير وقالت الكلبية: للبس عباءةٍ وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف وتربه: أي تصلحه وتحسن حاله, من قولهم: رببت الصبي؛ إذا أحسنت القيام عليه,

стр. 408

وقد ردد أبو الطيب هذا المعنى في شعره, من ذلك قوله: فإني أستريح بذي وهذا ... وأتعب في الإناخة والمقام وقوله: يكلفني التهجير في كل مهمهٍ ... عليقي مراعيه وزادي ربده يكلفني: فيه ضمير يرجع إلى قلبه. والتهجير: السير في الهاجرة. ويقال: هجر النهار؛ إذا صار إلى وقت الهجير, وأكثر ما تستعمل الهاجرة في نصف النهار مع شدة الحر, قال امرؤ القيس: فدعها وسل الهم عنك بجسرةٍ ... ذمولٍ إذا صام النهار وهجرا وقوله: عليقي مراعيه؛ بمعنى أنه قد أقام مراعي هذه المهمه مقام العليق الذي يعلقه على خيله, وزادي ربده: أي أني أصطاد الربد, وهي النعام, وأقيمها مقام الزاد. وقوله: ونمتحن النشاب في كل وابلٍ ... دوي القسي الفارسية رعده النشاب: مأخوذ من قولهم: نشب في الشيء إذا علق به, وقد جاء في الشعر القديم, وينشد لعمر بن أبي ربيعة: [الكامل] فسمعت ما قالت فبت كأنما ... شك الحشى بنوافذ النشاب وقوله: سبائك كافورٍ وعقيانه الذي ... يصم القنا لا بالأصابع نقده السبائك: جمع سبيكة, وهي قطعة من الذهب أو الفضة تسبك بالنار, قال غالب بن الحر: [الطويل]

стр. 409

نبائت أنصابًا كأن وليعها ... سموط العذارى علقت في السبائك يصف نخلًا, والوليع: طلع الفحال, والعقيان: خالص الذهب, وكأنهم يريدون به الذي يخرج من المعدن, ثم صار ذلك اسمًا عامًا, قال الشاعر: [الرمل] كل قوم] خلقوا من آنكٍ ... وبنو العباس عقيان الذهب والأصابع: يقال في واحدها: إصبع وإصبع وأصبع وأصبوع. وقال بعض الناس: يجوز في الإصبع أن تأتي على وزن كل فعلٍ يخبر به المتكلم عن نفسه. ويقال: لفلان إصبع على المال؛ إذا كان حسن القيام عليه, قال الراعي النميري: [الطويل] صليب العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أمحل الناس إصبعا وقوله: بلاها حواليه العدو وغيره ... وجربها هزل الطراد وجده بلاها: اختبرها, ويقال: هو حواليه وحوليه وأحواله وحاله وحوله, قال امرؤ القيس: ألست ترى السمار والناس أحوالي فهذا جمع حولٍ, كأنه جعل كل جانبٍ حولًا, وقال النابغة: (٦٠/ب) [الكامل] حولي بنو دودان لا يعصونني ... وبنو بغيضٍ كلهم أنصاري وقال الراجز من العرب على لسان الضب, وهذا الرجز ينشد مطلقًا وموقوفًا: أهدموا دارك لا أبالكا ... وزعموا أنك لا أخالكا وأنا امشي الدألى حوالكا

стр. 410

وقال كعب بن زهير: [البسيط] يمشي الوشاة حواليها وقولهم ... إنك يا بن أبي سلمى لمقتول والهزل: ضد الجد. يقال: هزل الرجل يهزل؛ إذا جاء بالهزل. وهزل دابته يهزلها, بضم الزاي, كأنهم أرادوا أن يفرقوا بين الفعلين, وأصلهما واحد؛ لأن الهزل في القول مأخوذ من هزل الدابة إذا كان الهزل كلامًا لا طلاوة له ولا قوة. وقوله: فيا أيها المنصور بالجد سعيه ... ويا أيها المنصور بالسعي جده أراد أن الممدوح قد جمع بين الجد الذي هو حظ وبين السعي في طلب المكارم, فكل واحد من الخلتين تنصم الأخرى؛ لأن المجدود إذا اتكل على جده ولم يسع في طلب المكارم كان ذلك نقصًا عليه, وإذا سعى وهو غير مجدود لم يصل إلى خير؛ لأن المثل السائر: عش بجدك لا بكدك. وقوله: وليتك ترعاني وحيران معرض ... فتعلم أني من حسامك حده يجب أن يكون أراد بحيران هذا الموضع الذي هو قريب من حمص ومعرض: أي بادٍ, يقال: أعرض لك الشيء إذا بدا. قال عمرو بن كلثومٍ: [الوافر] فأعرضت اليمامة واشمخرت ... كأسيافٍ بأيدي مصلتينا والحسام: السيف, أخذ من الحسم؛ أي: القطع, وربما قالوا: حسامة بالهاء. وقال الشاعر:

стр. 411

وعندي حساما سيفه وحمائله أراد بحساميه حديه, والحد: أصله المنع, وفيه اشتقاق كل لفظة فيها حاء ودالان أصليتان, وهي ثلاثية في الأصل, مثل الحديد والحداد, وحدان اسم أبي حي من العرب. وقيل لحرف السيف حد؛ لأنه يمنع من العدو, أو لأنه إذا لمس حد اليد أن تقبض عليه. وقوله: وأني إذا باشرت أمرًا أريده ... تدانت أقاصيه وهان أشده أصل المباشرة أن تكون من اثنين يلصق أحدهما بشرته ببشرة الآخر, والبشرة: ظاهر الجلد, ثم كثر ذلك حتى قيل: باشر فلان كذا, وإن لم يكن للمفعول بشرة, مثل أن يقول باشر الشدة فجعل لها بشرةً مستعارة, وإنما ذلك مجاز ليست له حقيقة. وقوله: وألقى الفم الضحاك أعلم أنه ... قريب بذي الكف المفداة عهده ذي: في معنى هذي, يريد أن الفم إذا قبل كف الممدوح ظهر في المقبل فرح وسرور يضحك, وهذا أحسن من أن تجعل ذي في معنى صاحبٍ, كأنه قال: بصاحب الكف المفداة يعني الممدوح, وإن كان ذلك سائغًا, فالوجه الأول هو الصواب. وقوله: وكن في اصطناعي محسنًا كمجربٍ ... يبن لك تقريب الجواد وشده الشد: العدو الشديد, يقال: شد يشد شدا, وكذلك شد الحبل, وحكوا شد المرس يشده ويشده, وقال بعضهم: إذا عدى شد ضم الشين في أول المضارع وإذا جعلها غير متعدية كسر, مثل أن يقول: شد على العدو يشد, والأصل واحد. وجاء في الحديث: «فأشد حسابه»؛ أي: جعله شديدًا, كأنهم فرقوا بينه وبين شد الحبل, ومن ذلك اشتقاق

стр. 412

الأشد, فهو على رأي قوم جمع شدةٍ على حذف الهاء, كما قالوا: نعمة وأنعم, وقيل: أشد: يجوز أن يكون واحده شدًا وشدًا وشدًا, وقيل: هو اسم على أفعلٍ. وزعم سيبويه أن أفعلًا لم يجئ في الآحاد, وتأنيثهم الأشد يدل على أنه جمع, قال الراجز: [الرجز] بلغتها فاجتمعت أشدي ... وشذب الباطل عني جدي وذكر ابن عباس في الأشد أنه يقال للغلام إذا بلغ ثماني عشرة سنة, وقال غيره: الأشد ثلاث وثلاثون, وقيل: ست وثلاثون, وقال بعضهم: أربعون سنة. وقوله: وكل نوال كان أو هو كائن ... فلحظة طرفٍ منك عندي نده يقال: هو نده ونديده ونديدته؛ أي مثله. قال لبيد: [الطويل] لئلا يكون السندري نديدتي ... وأشتم أعمامًا عمومًا عماعما ومن التي أولها حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحساد

стр. 413

وهي من الخفيف الأول. الأعادي يجب أن يكون جمع أعداءٍ؛ لأنهم قد جمعوا أفعالًا على أفاعيل, كما قالوا أقطاع من المال, وأقاطيع, قال النابغة: [البسيط] عدت أقاطيع أنعامٍ مؤبلةٍ ... لدى صليبٍ على الزوراء منصوب (٦١/أ) ويروى: لذي صليب, ويجوز أن يكون أصل أعادٍ أعادي بالتشديد فخففوا الياء كما خففوها في أماني وأواقي, إلا أنهم لم يستعملوا التشديد في ياء الأعادي. وقوله: وأرادته أنفس حال تدبيـ ... ـرك ما بينها وبين المراد أصل التدبير: أن يقلب الشيء فينظر إلى ما أدبر منه, ثم كثرت هذه الكلمة حتى قالوا: دبر المملكة إذا ساسها وأحسن القيام عليها, ويحتمل أن يقال: جعل كالذي ينظر إلى أدبار الأمور فيها. والعبد المدبر من هذا اشتقاقه؛ لأنه ينظر إلى عاقبة أمره. وقوله: صار ما أوضع المخبون فيه ... من عتابٍ زيادةً في الوداد يقال: وضع الدابة وخب وهما ضربان من السير, وأوضع الراكب وأخب: إذا حمل دابته على الوضع والخبب, وإنما يريدون بهذا اللفظ تصرف الشاة والساعين فيما يفعلون من الإطناب في القول؛ لأنهم يقولون: مشى فلان بين القوم بشر, وفي الكتاب العزيز: ﴿همازٍ مشاءٍ بنميم﴾. فلما أرادوا المبالغة قالوا: أخب وأوضع؛ لأن الخبب والوضع يقعان على ما هو أكثر من المشي, وقال ابن أبي ربيعة: [الطويل] تبالهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امرؤ باغٍ أكل وأوضعا

стр. 414

ويروى: أخب. فأما قول دريد بن الصمة: [مجزوء الرجز] يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع فإنه جعل الخبب والوضع لنفسه لما كان يستعمل لفرسه؛ لأنهم يخبرون عما جاور الشيء كما يخبرون عنه. وجعل أبو الطيب الإخباب بعد الإيضاع على سبيل المجاز, ولو أن الكلام منثور لحسن أن يقول: صار ما أخب الموضعون فيه؛ لأن الخبب أشد من الوضع, وأكثر ما يستعمل الوضع للبعير. وقوله: وكلام الوشاة ليس على الأحـ ... ـباب سلطانه على الأضداد هذا البيت يحتمل وجهين: أقواهما أن يكون سلطانه مرفوعًا بليس, وقوله على الأضداد متعلق بقوله: سلطانه؛ أي ليس سلطان كلام الوشاة الذي يتسلط على الأضداد واقعًا على الأحباب. والآخر أن يكون الكلام قد تم عند قوله على الأحباب, ثم ابتدأ مخبرًا فقال: سلطانه؛ أي: سلطان الكلام على الأضداد, كما تقول: ليس شرك على صديقك إنما هو على عدوك. وقوله: أشمت الخلف بالشرة عداها ... وشفى رب فارسٍ من إياد الشراة: هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ﵇ لما حكم, وقالوا: لا حكم إلا الله, فالمسلمون يجعلون الشراة جمع شارٍ من قولهم: شرى إذا لج, وكذلك شرى البرق: إذا دام لمعانه. قال الشاعر: [المتقارب]

стр. 415

أجدك للبرق لم تغتمض ... ينام فوقًا ويشري فواقًا كانت الخوارج تقول: نحن الشراة لأنا شرينا الدنيا بالآخرة؛ أي: بعناها, وفيما نطق به المهلب في حرب الخوارج كلام معناه: أني أنتظر بهم أن يختلفوا, فلما اختلفوا تمكنت منهم أعداؤهم. ويعني برب فارسٍ كسرى؛ لأن إيادًا كانت قد غلبت على العراق فقصدهم إلى أن أجلاهم في البلاد, ولا يعلم أنه بقيت لهم بادية, وإنما هم أوزاع في الحضر. وقوله: وتولى بني البريدي بالبصـ ... ـرة حتى تمزقوا في البلاد بنو البريدي: كان أبوهم يلي البريد, فخرجوا بالبصرة وتغلبوا عليها, وقد كان ندب لقتالهم بنو حمدان, وكان فيهم رجل يقال له أبو يوسف, وحكى أبو عبد الله بن خالويه ﵀ أن أبا بكر بن الخياط النحوي صاحب ثعلبٍ كان سبب موته أنه أكل مضيرةً عند البريديين.

стр. 416

وقوله: وملوكًا كأمس في القرب منا ... وكطسمٍ وأختها في البعاد كانت طسم وجديس من العرب العاربة, وكانت طسم تستطيل على جديس, وكان لهم ملك إذا زفت العروس أدخلت عليه قبل أن تمضي إلى زوجها فزفت عروس في ليلة فكره أهلها أن تدخل على الملك فأوقع بهم, فاستنصرت جديس حسان الحميري, فكان ذلك سبب هلاك طسمٍ, وضرب بتلك الليلة المثل, قال الراجز: [الرجز] يا ليلةً ما ليلة العروس ... يا طسم ما لا قيت من جديس إحدى لياليك فهيسي هيسي ... لا تطمعي الليلة في التعريس وقوله: فيه أيديكما على الظفر الحلـ ... ـو وأيدي قومٍ على الأكباد (٦١/ب) قد جرت العادة أن يقال للذي يشق عليه الأمر من حزنٍ أو حب: يده على كبده؛ أي: هي توجعه فهو يضع يده عليها؛ لأن من عادة من يشتكي عضوًا أن يضع يده

стр. 417

عليه. ويقيمون الكبد في هذه المواضع مقام القلب, قال الشاعر: [الطويل] ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدًا ليست بذات قروح وقالوا في صفة الأعداء: أكبادهم سود, قال الأعشى: [الوافر] وما جشمت من إتيان أرضٍ ... بها الأعداء والأكباد سود وقوله: كيف لا يترك الطريق لسيلٍ ... ضيقٍ عن أتيه كل واد الأتي: سيل يجيء من بلدٍ غير الذي القوم فيه, وهو في معنى آتٍ, كما يقال: عالم وعليم, وماجد ومجيد, ويقال للغريب: أتي وأتاوي, قال الراجز: [الرجز] يصبحن بالقفر أتاويات ... معترضاتٍ غير عرضيات ومن التي أولها عيد بأية حالٍ عدت يا عيد ... بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديد وهي من البسيط الثاني. عيد: مرفوع؛ لأنه خبر ابتداء محذوف, كأنه جاءه فأنكر مجيئه, فقال له: أنت عيد,

стр. 418

كما تقول للرجل إذا لقيته: فلان؛ أي: أنت فلان, ويدل على أنه أنكر لقاءه قوله: بأية حالٍ عدت. وقوله: بما مضى: يجب أن تكون الباء متعلقة بقوله: عدت, ودخلت أم هاهنا لأن في أول الكلام استفهامًا. ويحتمل أن يكون أراد ألف الاستفهام في قوله: بما مضى, كأنه قال: أبما مضى عدت أم لأمر لا نعلمه جددت؟ وقد رويت باللام مكان الباء في قوله: بما مضى, ومنهم من يروي: لأية حالٍ باللام أيضًا. واللام فيما أراه أحسن من الباء. وقوله: لولا العلى لم تجب بي ما أجوب بها ... وجناء حرف ولا جرداء قيدود قيدود: من صفات الإناث, وهي الطويلة على وجه الأرض, كأنها قيدت. وأصلها من ذوات الواو, ويرون أنها قيدود, بالتشديد, فخففت الياء, كما قالوا: كينونة, والأصل كينونة. وقوله: أصخرة أنا مالي ما تغيرني ... هذي المدام ولا هذي الأغاريد الأغاريد: جمع يجب أن يكون واحده أغرودةً, كما قالوا: أسجوعة وأساجيع, وأعجوبة وأعاجيب, وقالوا في الفعل: غرد يغرد, وهو تحسين الصوت ورفعه. وقوله: ما يقبض الموت نفسًا من نفوسهم ... إلا وفي يده من نتنها عود هذا البيت يحتمل وجهين: أحسنهما: أن يكون العود مرادًا به الذي يتبخر به؛ لأنه يدفع ما يكره من رائحة الميت بإيقاد العود. والآخر: أن يكون أراد عودًا من العيدان؛ لأن من عادة الإنسان إذا كره أن يمس شيئًا استعان على قلبه ونقله بعودٍ من عيدان الشجر. وقولهم للذي يتبخر به عود: اسم يراد به التفضيل على غيره من العيدان, كما يقال: فلان رجل؛ أي: لأه فضل على غيره من الرجال, وكأنهم دلوا بقولهم عود على أنهم يريدون الطيب, وأن يفضلوه على غيره من العيدان, وقد استعملوا ذلك قديمًا, قال كثير: [الكامل]

стр. 419

ووضعن فوق مجامرٍ أدخلنها ... بين المجاسد والمفارش عودا وقوله: نامت نواظير مصرٍ عن ثعالبها ... فقد بشمن وما تفنى العناقيد يقال: إن النواظير كلمة نبطية, وأنهم أرادوا النواظير؛ أي: الذين ينظرون الكروم وغيرها على سبيل الحفظ. ومن شأن النبط أن تنقل الظاء إلى الطاء في بعض المواضع. والبشم أن يثقل الطعام على الإنسان ويكره الزيادة منه. قال الراجز: يظل يمشي بينها مثل الصنم ... يشكو إلى جاراته طول البشم والعناقيد: جمع عنقود وعنقادٍ, قال رؤبة: [الرجز] إذ لمتي سوداء كالعنقاد ... كلمةٍ كانت على مصاد يقول: إن النواطير قد نامت عن مصر فأكلت الثعالب من أعنابها حتى بشمت, وعناقيدها ليست بالفانية. وإنما ضرب المثل بالنواطير, وهو يريد السادة الذين يجب عليهم أن يحفظوها, وأراد بالثعالب الذين يأخذون نعمها ومالها, وجعل العناقيد كنايةً عما يصيبونه من الخير. وحكى الأصمعي أنه سمع عقبة بن رؤبة بن العجاج يقول: أما ترى النجم كأنه عنقود ملاحي, يعني بالنجم الثريا. وقوله: العبد ليس لحر صالحٍ بأخٍ ... لو أنه في ثياب الحر مولود لو أن هذا الكلام منثور لكان الأحسن أن يقول: ولو أنه, بالواو, كما يقال: لا تركن إلى عبدٍ ولو أنك قد (٦٢/أ) وليت تربيته, وحذف الواو للضرورة وإقامة الوزن. وقوله: ولا توهمت أن الناس قد فقدوا ... وأن مثل أبي البيضاء موجود

стр. 420

يقولون للأسود: أبو البيضاء, على سبيل التفؤل, كأنهم يريدون أنه يولد له بنت بيضاء, أو أن نفسه مبيضة وإن كان جلده أسود, ولا يمتنع أن يكونوا قالوا ذلك على معنى الهزء والعكس, وقالوا للأبيض: أبو الجون. والجون من الأضداد يقع على البياض والسواد, فعكسوا كنية الأبيض والأسود, كما قالوا للغراب: أعور. وقوله: وأن ذا الأسود المثقوب مشفره ... تطيعه ذي العضاريط الرعاديد إذا وصفوا الإنسانا باللؤم ونسبوه إلى العبودية جعلوه شفته مشفرًا, قال الراجز: [الرجز] قد كنت حذرتك لقط العصفر ... بالليل حتى تصبحي وتبصري فإذا فعلت ما فعلت فاصبري ... إني زعيم لك أن تزحري بواسع الجبهة عبل المشفر والعضاريط: الأتباع, واحدهم عضروط, وحكى صاحب كتاب التقفية في باب الميم أنه يقال عضروم في معنى عضروطٍ, وإنما أخذ العضروط من العضرط وهو عظم الدبر قال الشاعر: لا أعرفن ربربًا حورًا مدامعها ... كأنهن نعاج حول دوار خلف العضاريط من عوذى ومن عمم ... مردفاتٍ على أحناء أكوار

стр. 421

وقوله: إن امرأً أمة حبلى تدبره ... لمستضام سخين العين مفؤود قولهم: سخين العين: أي يجب له أن يحزن فيبكي بدمع حارٍ فتسخن عينه, وقد جرت العادة أن يقولوا للمتخلف: هو سخين العين, وإن كان في سرورٍ ونعمة؛ أي: يحق له أن يبكي. والمفؤود: الذي قد أصيب فؤاده, كما يقال: مقلوب, إذا أصيب قلبه, وربما قالوا: المفؤود: الذاهب القلب. وقالوا للسفود: مفأد؛ لأنهم يدخلونه في فؤاد المشوي. وقوله: ويلمها خطةً ويلم قابلها ... لمثلها خلق المهرية القود ويلم: من شواذ الكلام, وهي عندهم وي التي تستعمل للتعجب, ثم جاؤوا باللام الخافضة, فمنهم من يضمها لإسقاط الهمزة من أم, كأنه نقل الضمة إلى اللام, ومنهم من يجعلها مكسورةً على أصل ما يجب في لام الخفض, وبعض العرب يكسر همزة أم إذا وقع قبلها حرف مكسور أو ياء. وقد قرأ الكوفيون: ﴿فلامه السدس﴾ , وحذفوا الهمزة من الأم لكثرة الاستعمال في هذا الموضع, وقد حذفوها في غيره, كما يتفق أن يحذفوا همزات القطع. قال حاتم: [الطويل] أبوهم أبي والأمهات امهاتنا ... فأنعم فداك اليوم أهلي ومعشري ونصب خطةً على التمييز, كأنه قال: ويلمها من خطةٍ, وهو متعجب منها ومن صعوبتها, وعجب من نفسه إذا تقبلها. وزعم أن المهرية القود إنما خلقت لمثل هذه الخطة, كيما ينجو عليها من بلي بها.

стр. 422

وقوله: المهرية منسوبة إلى مهرة بن حيدان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة, وهم يوصفون بجودة الإبل. وقوله: وعندها لذ طعم الموت شاربه ... إن المنية عند الذل قنديد يذكرون أن القنديد شراب من عنبٍ يطبخ وتطرح فيه أفاويه. فأما القند فمعروف؛ لأنه ضرب من السكر, يقال: قندت السويق, فهو مقنود وقندته, قال الشاعر: [الطويل] أهاجتك أظعان تحملن غدوةً ... بكرمان يصبحن السويق المقندا واشتقاق القنديد من القند فيما يوجبه القياس. وقوله: وذالك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود الخصية: جمع خصي, وهو فعيل معدول عن مفعولٍ, ولم تجر العادة أن يجمع مثله على فعلةٍ, إنما يقولون: صبي وصبية, وعلي وعلية, إلا أن ذلك لما كثر صار كالاسم الذي ليس بمعدولٍ عن مفعولٍ, فجمعوه على هذا اللفظ, ومما يشبهه قولهم: وليد وولدة؛ لأن الوليد في معنى المولود, فلما كثر استعمالهم له صار كالأسماء غير المعدولة. والفحل يقع على الذكور كلها من الإنس وغيرهم, قال الشاعر: [الطويل] ونحن بنو الفحل الذي سال بوله ... بكل بلادٍ لا يبول بها فحل

стр. 423

يعني ببوله ولده. وقال قوم: لا يقال في ذكر النخل فحل, وإنما يقال: فحال, وهذا يحمل على الأكثر من كلامهم. وقد جاء فحل في النخل, قال الراجز: [الرجز] تأبري يا خيرة الفسيل ... تأبري من حنذٍ فشولي إذ ضن أهل النخل بالفحول حنذ: موضع قريب من المدينة, فهذا يدل على أنهم قد استعملوا الفحل في النخل. (٦٢/ ب) ... ومن التي أولها أيا خدد الله ورد الخدود ... وقد قدود الحسان القدود وهي من أول المتقارب. يقال: تخدد لحم الرجل, وخدده المرض أو الكبر؛ إذا جعل فيه طرائق كأنها خدود في الأرض؛ أي: شقوق. قال الراجز: إني على ما كان من تخددي ... ودقةٍ في عظم ساقي ويدي أروي على ذي العكن الضفندد

стр. 424

أروي: أي: أشد عليه بالرواء, وهو الحبل. والضفندد: الضخم الذي لا غناء عنده, وقال جرير: [الكامل] أفنى عرائكها وخدد لحمها ... ألا تذوق مع الشكائم عودا وقوله: فهن أسلن دمًا مقلتي ... وعذبن قلبي بطول الصدود الشعراء يستعلمون هذه الدعوى كثيرًا, فيزعمون أن المحب يبكي دمًا, ومنه قول الطائي: [الطويل] فأجرى لها الإشقاق دمعًا موردًا ... من الدم يجري فوق خذ مورد وقوله: وكم للهوى من فتى مدنفٍ ... وكم للنوى من قتيلٍ شهيد يقال: رجل مدنف ومدنف ودنف ودنف, وهو الذي قد طال مرضه حتى أشفى على الموت, قال أبو كبيرٍ الهذلي: [الكامل] ولقد وردت الماء لون جمامه ... لون الفريقة صفيت للمدنف وقال العجاج: [الرجز] والشمس قد كات تكون دنفا ... أدفعها بالراح كي تزحلفا أي: قد دنت من الغروب, فهي كالمريض المدنف الذي قد دنا من الموت, وجعل قتيل الحب شهيدًا؛ لأنه عنده مظلوم, فهو كالشهيد الذي قتل في سبيل الله, وقد استعملت

стр. 425

الشعراء ذلك قديمًا, قال جميل: [الطويل] يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ ... وأي جهادٍ غيرهن أريد لكل حديثٍ بينهن بشاشة ... وكل قتيلٍ بينهن شهيد والنوى: البعد. وقوله: رمى حلبًا بنواصي الخيول ... وسمرٍ يرقن دمًا في الصعيد الصعيد: يدل الاشتقاق على أنه ما صعد من الأرض على التراب, ومنهم من يقول: هو ظاهر الأرض, وقيل: هو التراب الخالص الذي لا يخالطه شيء غيره. قال ذو الرمة: وفتيةٍ مثل النشاوى غيد ... قد استحلوا قسمة السجود والمسح بالأيدي على الصعيد يريد أنهم يقصرون الصلاة للسفر, ويتيممون لفقد الماء. وسموا الطريق صعيدًا, وعلى ذلك فسروا الحديث: «إياكم والقعود على الصعدات»؛ أي: الطرق. وقال الشاعر, ويروى لامرأةٍ: [الوافر] ونائحةٍ تنوح بجنح ليلٍ ... على رجلٍ بقارعة الصعيد وقوله: فولى بأشياعه الخرشني ... كشاءٍ أحسن بزأر الأسود
следующие страницы →