← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقوله: إن امرأً أمة حبلى تدبره ... لمستضام سخين العين مفؤود قولهم: سخين العين: أي يجب له أن يحزن فيبكي بدمع حارٍ فتسخن عينه, وقد جرت العادة أن يقولوا للمتخلف: هو سخين العين, وإن كان في سرورٍ ونعمة؛ أي: يحق له أن يبكي. والمفؤود: الذي قد أصيب فؤاده, كما يقال: مقلوب, إذا أصيب قلبه, وربما قالوا: المفؤود: الذاهب القلب. وقالوا للسفود: مفأد؛ لأنهم يدخلونه في فؤاد المشوي. وقوله: ويلمها خطةً ويلم قابلها ... لمثلها خلق المهرية القود ويلم: من شواذ الكلام, وهي عندهم وي التي تستعمل للتعجب, ثم جاؤوا باللام الخافضة, فمنهم من يضمها لإسقاط الهمزة من أم, كأنه نقل الضمة إلى اللام, ومنهم من يجعلها مكسورةً على أصل ما يجب في لام الخفض, وبعض العرب يكسر همزة أم إذا وقع قبلها حرف مكسور أو ياء. وقد قرأ الكوفيون: ﴿فلامه السدس﴾ , وحذفوا الهمزة من الأم لكثرة الاستعمال في هذا الموضع, وقد حذفوها في غيره, كما يتفق أن يحذفوا همزات القطع. قال حاتم: [الطويل] أبوهم أبي والأمهات امهاتنا ... فأنعم فداك اليوم أهلي ومعشري ونصب خطةً على التمييز, كأنه قال: ويلمها من خطةٍ, وهو متعجب منها ومن صعوبتها, وعجب من نفسه إذا تقبلها. وزعم أن المهرية القود إنما خلقت لمثل هذه الخطة, كيما ينجو عليها من بلي بها.

стр. 422

وقوله: المهرية منسوبة إلى مهرة بن حيدان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة, وهم يوصفون بجودة الإبل. وقوله: وعندها لذ طعم الموت شاربه ... إن المنية عند الذل قنديد يذكرون أن القنديد شراب من عنبٍ يطبخ وتطرح فيه أفاويه. فأما القند فمعروف؛ لأنه ضرب من السكر, يقال: قندت السويق, فهو مقنود وقندته, قال الشاعر: [الطويل] أهاجتك أظعان تحملن غدوةً ... بكرمان يصبحن السويق المقندا واشتقاق القنديد من القند فيما يوجبه القياس. وقوله: وذالك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود الخصية: جمع خصي, وهو فعيل معدول عن مفعولٍ, ولم تجر العادة أن يجمع مثله على فعلةٍ, إنما يقولون: صبي وصبية, وعلي وعلية, إلا أن ذلك لما كثر صار كالاسم الذي ليس بمعدولٍ عن مفعولٍ, فجمعوه على هذا اللفظ, ومما يشبهه قولهم: وليد وولدة؛ لأن الوليد في معنى المولود, فلما كثر استعمالهم له صار كالأسماء غير المعدولة. والفحل يقع على الذكور كلها من الإنس وغيرهم, قال الشاعر: [الطويل] ونحن بنو الفحل الذي سال بوله ... بكل بلادٍ لا يبول بها فحل

стр. 423

يعني ببوله ولده. وقال قوم: لا يقال في ذكر النخل فحل, وإنما يقال: فحال, وهذا يحمل على الأكثر من كلامهم. وقد جاء فحل في النخل, قال الراجز: [الرجز] تأبري يا خيرة الفسيل ... تأبري من حنذٍ فشولي إذ ضن أهل النخل بالفحول حنذ: موضع قريب من المدينة, فهذا يدل على أنهم قد استعملوا الفحل في النخل. (٦٢/ ب) ... ومن التي أولها أيا خدد الله ورد الخدود ... وقد قدود الحسان القدود وهي من أول المتقارب. يقال: تخدد لحم الرجل, وخدده المرض أو الكبر؛ إذا جعل فيه طرائق كأنها خدود في الأرض؛ أي: شقوق. قال الراجز: إني على ما كان من تخددي ... ودقةٍ في عظم ساقي ويدي أروي على ذي العكن الضفندد

стр. 424

أروي: أي: أشد عليه بالرواء, وهو الحبل. والضفندد: الضخم الذي لا غناء عنده, وقال جرير: [الكامل] أفنى عرائكها وخدد لحمها ... ألا تذوق مع الشكائم عودا وقوله: فهن أسلن دمًا مقلتي ... وعذبن قلبي بطول الصدود الشعراء يستعلمون هذه الدعوى كثيرًا, فيزعمون أن المحب يبكي دمًا, ومنه قول الطائي: [الطويل] فأجرى لها الإشقاق دمعًا موردًا ... من الدم يجري فوق خذ مورد وقوله: وكم للهوى من فتى مدنفٍ ... وكم للنوى من قتيلٍ شهيد يقال: رجل مدنف ومدنف ودنف ودنف, وهو الذي قد طال مرضه حتى أشفى على الموت, قال أبو كبيرٍ الهذلي: [الكامل] ولقد وردت الماء لون جمامه ... لون الفريقة صفيت للمدنف وقال العجاج: [الرجز] والشمس قد كات تكون دنفا ... أدفعها بالراح كي تزحلفا أي: قد دنت من الغروب, فهي كالمريض المدنف الذي قد دنا من الموت, وجعل قتيل الحب شهيدًا؛ لأنه عنده مظلوم, فهو كالشهيد الذي قتل في سبيل الله, وقد استعملت

стр. 425

الشعراء ذلك قديمًا, قال جميل: [الطويل] يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ ... وأي جهادٍ غيرهن أريد لكل حديثٍ بينهن بشاشة ... وكل قتيلٍ بينهن شهيد والنوى: البعد. وقوله: رمى حلبًا بنواصي الخيول ... وسمرٍ يرقن دمًا في الصعيد الصعيد: يدل الاشتقاق على أنه ما صعد من الأرض على التراب, ومنهم من يقول: هو ظاهر الأرض, وقيل: هو التراب الخالص الذي لا يخالطه شيء غيره. قال ذو الرمة: وفتيةٍ مثل النشاوى غيد ... قد استحلوا قسمة السجود والمسح بالأيدي على الصعيد يريد أنهم يقصرون الصلاة للسفر, ويتيممون لفقد الماء. وسموا الطريق صعيدًا, وعلى ذلك فسروا الحديث: «إياكم والقعود على الصعدات»؛ أي: الطرق. وقال الشاعر, ويروى لامرأةٍ: [الوافر] ونائحةٍ تنوح بجنح ليلٍ ... على رجلٍ بقارعة الصعيد وقوله: فولى بأشياعه الخرشني ... كشاءٍ أحسن بزأر الأسود

стр. 426

الشاء: يستعملونه مذكرًا, ولو أنث لم يبعد ذلك, واختلفوا في أصله؛ فقالوا: همزته بدل من هاء, واستدلوا على ذلك بأنهم يقولون في تصغيره شاةٍ: شويهة, فيظهرون الهاء, ويقولون في الجمع: شياه, فإذا أخذ بهذا القول فقد جمع في الكلمة بين ألفٍ مقلوبةٍ عن واو وهمزةٍ تبدل من الهاء. وقيل: هو مأخوذ من شاء يشوء إذا شاق, كأنه يشوق من يقرم إلى اللحم. وزعم قوم أنه مأخوذ من (شويت) , واستدلوا بقولهم في الجمع: شوي, فيلزم هؤلاء أن يكونوا قد جاؤوا في الثلاثي بحرفين معتلين؛ وذلك مفقود, فكأن أصله شوي فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها, ثم قلبت الواو إلى الألف؛ لأنها وسط وقبلها فتحة. فإن ادعي أن قلب الواو كان قبل الياء فيلزمهم أن يجعلوا الألف الأصلية المنقلبة تجري مجرى الألف الزائدة, فيقلبون الياء إلى الهمزة, كما قالوا: سقاء, وهو من سقيت, وإن زعموا أن الياء قلبت قبل الواو فكأنهم قالوا شوى, فأعلوا الواو بعدما اعتلت الياء, فجمعوا بين علتين. وقوله: فمن كالأمير ابن بنت الأميـ ... ـر أم من كآبائه والجدود قالوا: بنت وابنة. فانبة وزنها إفعة؛ لأن ألفها زائدة, وهي مأخوذة من البنوة, وإذا قالوا بنت فمن جعل التاء (٦٣/أ) بدلًا من واوٍ فوزنها عنده فعل, ومن جعلها بدلًا من هاء التأنيث التي كانت في ابنة فوزنها فعت, ومما يشبه قولهم: ابنة وبنت قولهم: اثنتان وثنتان, إلا أنهم لم يحكوا اثنةً ولا ثنتًا, وقد حكى النحويون: اليوم الإثن, فإن حكى اثنة وثنت لم يبعد. ومن التي أولها أزائر يا خيال أم عائد ... أم عند مولاك أنني راقد وهي ما لم يذكره الخليل من الأوزان؛ لأن العرب عنده لم تستعمله, وقد ذكره غيره. وخروجه من ثاني المنسرح.

стр. 427

وقوله: أزائر: خبر مقدم محذوف المبتدأ, كأنه قال: أزائر أنت يا خيال؟ وقوله: أم عند مولاك أنني راقد؛ يقول: أظنني نائمًا فجاءني كما يجيء الخيال الطارق, وليس عادة الخيال أن يزور اليقظان. وقوله: ليس كما ظن غشية لحقت ... فجئتني في خلالها قاصد يقول: هذا الذي ظننته نومًا ليس بنومٍ, وإنما هو غشية عارضة ظننتها رقادًا, فجذبتني في خلالها قاصدًا وأنت في ذلك محطئ. وقوله: عد وأعدها فحبذا تلف ... ألصق ثديي بثديه الناهد الهاء في قوله: وأعدها عائدة على الغشية, والهاء في ثديه عائدة على المولى في قول من ذكر, ومن أنث جعل الهاء عائدة إلى المرأة, وذكر على معنى الشخص وإن كان يريد المرأة, والناهد الذي قد نهد؛ أي: نهض. وقوله: وجدت فيه بما يشح به ... من الشتيت المؤشر البارد ويقال: شح يشح ويشح, وحكي يشح, بفتح الشين, وقالواة: شحيح وشحاح, وقال ابن هرمة: [المتقارب] وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندًا شحاحا كتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا والمؤشر: الذي به الأشر, وهو تحزيز في أطراف الأسنان يدل على حداثة السن. ويقال: أشر وأشر, فإذا قالوا مؤشر جاز أن تجعل الهمزة واوًا خالصةً؛ لأنها مفتوحة, وقبلها ضمة. وقوله: إذا خيالاته أطفن بنا ... أضحكة أنني لها حامد جمع خيالًا بالألف والتاء لأنه لما لا يعقل, قال زهير: [الوافر]

стр. 428

تطالعنا خيالات لسلمى ... كما يتطلع الدين الغريم وقالوا: خيالة بالهاء, ويجوز أن تكون خيالات جمع خيالةٍ. ويروى لحاجز بن عوف الأسدي: [الوافر] ألا طرقت خيالة أم كرزٍ ... وأصحابي بعيهم من تباله يقول: هذا المحبوب إذا ألمت بي خيالاته فبلغه ذلك ضحك من أنني أحمدها؛ لأنه يعلم أنها ساخرة, فيعجب من خديعتها إياي, وهذه من الدعوى التي ليس لها حقيقة, ومثلها كثير في الشعر المحدث والقديم. وقوله: ما تعرف العين فرق بينهما ... كل خيال وصاله نافد قال: فرق بينهما؛ فخبر عن اثنين, كأنه يعني الخيال والذي هو متخيل منه, ثم قال: كل خيال, ولو أمكنه الوزن لكان هذا من مواضع كلا؛ لأن القائل إذا قال: جاءني رجلان فالأحسن أن يقال: كلاهما فاضل, ولا يقول: كل, على أن ذلك جائز, ويحتمل أن يدعى أن كلا هاهنا واقعة على جميع الشخوص المرئية من بني آدم؛ أي: كل الإنس خيالات, وهذا الوجه يسلم فيه القائل من أن يكون قد استعمل كلًا في اثنين. وقوله: يا طفلة الكف غيلة الساعد ... على البعير المقلد الواخد

стр. 429

الطفلة: الناعمة. ويقال: بنان طفل, والغيل: الساعد الممتلئ, وأدخل الهاء لأنه وصف به المؤنث, وبعضهم ينشد قول النابغة: [الكامل] بمخضبٍ غيلٍ كأن بنانه ... عنم على أغصانه لم يعقد وقوله: حكيت ياليل فرعها الوارد ... فاحك نواها لجفني الساهد الفرع: الشعر, والوارد: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قد طال حتى ورد إلى الكفل. والآخر: أنه يعل بالأدهان (٦٣/ب) الطيبة, فكأنه يرد الماء لكثرة ما يسقاها. وقوله: حكيت ياليل فرعها, أي: أنك طويل شديد السواد. وقوله: فاحك نواها لجفني الساهد, أي: ابعد عني كما بعدت هي؛ فإنك ثقيل علي. وقوله: لو رعت الوحش وهي تذكره ... ما راعها حابل ولا طارد الحابل: الذي ينصب الحبالة ليصيد, يقال: حبل الصيد فهو محبول. قال الراجز: [الرجز] آذن بالبين صريد الضاله ... فظل منه القلب في بلباله ينزو كنزو الظبي في الحباله وأما قول لبيد: [الرمل] ولقد أغدو وما يعدمني ... صاحب غير طويل المحتبل

стр. 430

صاحب هاهنا: فرس, ويقالإنه أراد الرسغ؛ لأنه ربما شد فيه حبل, ويروى: المختبل مأخوذ من قولهم: أخبلته إذا أعرته. وله: وموضعًا في فتان ناجيةٍ ... يحمل في التاج هامة العاقد الموضع: الذي يحمل الناقة على الوضع. والفتان: إشاء الرحل. قال الشاعر: [الطويل] كأني ورحلي والفتان ونمرقي ... على يرفئي ذي زوائد نقنق يرفئي: لا فؤاد له. والناجية: ناقة تنجو براكبها. يقول: كل ساعة تمر بهذا الممدوح تهدي له خبرًا عن جيشٍ قد انهزم وقتله جنوده, وراكب ناقة يحمل هامة مخالفٍ من الملوك والتاج عليها معقود. وقوله: يا عضدًا ربه به العاضد ... وساربًا يتعب القطا الهاجد يقال: إن بعض الناس أنكر على أبي الطيب كثرة التصريع في هذه القصيدة؛ إذ كانت لم تجر العادة بمثله, وإن كانت الشعراء قد استعملته على ضروب, منهم من يستعمله في أول القصيدة ثم لا يصرع إلى آخرها, وبعضهم يترك التصريع في أول القصيدة, ومن المعروفين بذلك الفرزدق وذو الرمة, ومما ترك فيه الفرزدق التصريع قوله: [الطويل] سمونا لنجران اليماني وأرضه ... ونجران أرض لم تديث مقاوله تديث: تذلل. وقال ذو الرمة: [البسيط] أأن ترسمت من خرقاء منزلةً ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم ومنهم من يبتدئ القصيدة غير مصرعة, ثم يجيء بعد ذلك بالأبيات المصرعة, ومنه

стр. 431

قال امرئ القيس: [المتقارب] لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر ثم قال بعد أبيات: تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضرك أن تنتظر أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في أثرهم منحدر وشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر فجاء بثلاثة أبيات متوالية مصرعةٍ, وهذا من طريق ما جاء عنهم. وبعض الناس يجعل أول هذه القصيدة مصرعًا, وهو قوله: أحار بن عمروٍ كأني حمر ... ويغدو على المرء ما يأتمر وربما جعلوا التصريع في آخر القصيدة, وأخلوا منه الأول, من ذلك قول أبي زبيدٍ: [الخفيف] لمن العيس لابن أروى على ظهـ ... ـر المرورى حداتهن عجال ثم قال في آخرها: [الخفيف] كل شيءٍ تحتال فيه الرجال ... غير أن ليس في المنايا احتيال ولم يأت عن الطبقة المتقدمة مثل الخليل وأصحابه فرق بين التصريع وغيره, وبعض الناس يفرق بين التقفية والتصريع, فيجعل التقفية لما اعتدل شطراه من الشعر؛ كقول طرفة: [الطويل] لخولة أطلال ببرقة ثهمدٍ ... وقفت بها أبكي وأبكي إلى الغد

стр. 432

وكقول لبيد: [الكامل] عفت الديار محلها فمقامها والاعتدال عندهم في الأصل لا فيما يحدث من الفروع كنقصان الحركة والحرف الساكن, والتصريع لما كان أحد شطريه أزيد من الآخر؛ كقول جرير: [البسيط] بان الخليط ولو طوعت ما بانا والبيت الثاني يزيد في الأصل على البيت الأول بحركةٍ واحدةٍ لا غير. والهاجد: النائم. ومن كلامهم القديم: هو يبعث القطا الهاجد, يريدون أنه يسرى ليلًا في الأرض المقفرة؛ لأن القطا لا يتخذ أفاحيصه على الغالب إلا في أرضٍ بعيدةٍ من الإنس, ولذلك قالوا: لو ترك القطا لنام. وقال الشاعر, والبيت يروى لابن مقبل ولرجلٍ من ثقيفٍ: [الطويل] وإني وإياهم كمن نبه القطا ... ولو لم تنبه باتت الطير لا تسري وقوله: وليت يومي فناء عسكره ... ولم تكن غائبًا ولا شاهد يقول: جهزت جنودك الذين دبرتهم برأيك فكنت كأنك شاهد لما كان من تلك الوقعة وشخصك غائب عن الحرب. وأملي تفسير هذا البيت قبل أن يقرأ الذي بعده, وقد فسر أبو الطيب ما

стр. 433

أراد بالغائب والشاهد, وهو قوله: ولم يغب غائب خليفته ... جيش أبيه وجده الصاعد وقوله: ما كانت الطرم في عجاجتها ... إلا بعيرًا أضله ناشد الطرم: اسم قلعة أو موضع فيه القلعة, والهاء في عجاجتها عائدة على سوافك. والسوافك: يجوز أن يعني بها الخيل أو السيوف والرماح, ويستغنى عن تقدم ذكرها بعلم السامع ما يراد, ويجوز أن تكون (٦٤/أ) الهاء في عجاجتها عائدةً على الطرم, أي: في العجاجة التي ثارت عليها كأن وهسوذان كان قد ملك هذه القلعة, واستردت منه فكانت كالبعير الذي أضله الناشد. وقوله: تسأل أهل القلاع عن ملكٍ ... قد مسخته النعامة الشارد يقول: هذه القلعة تسأل عن وهسوذان؛ لأنها لا تعلم ما كان منه. وقوله: قد مسخته يعني القلعة التي هي الطرم, أي لما أخذها أداه ذلك إلى طرده وانهزامه, فكأنه قد مسخ نعامةً, والنعام توصف بالشرود والنفار, قال الشاعر: [الكامل] ليث علي وفي الحروب نعامة ... ربداء تنفر من صفير الصافر

стр. 434

وقال أسامة بن الحارث الهذلي: [الطويل] لعمري لقد أمهلت في نصح خالدٍ ... إلى الشام إما يعصينك خالد وأمهلت في أصحابه فكأنما ... يسمع بالقول النعام الشوارد وقوله: تستوحش الأرض أن تقر به ... فكلها آنه به جاحد يجوز أن تضم التاء في تقر, وهي من الإقرار الذي هو ضد الجحد, ويجوز أن تفتح التاء, ويكون من القرار في الموضع. وادعى أن الأرض, التي هي مستخفٍ فيها, تستوحش أن تقر به, كأنها تخاف أن تلحقها من ذلك عقوبة من هذا الممدوح, وهذه من الدعوى الباطلة. فكلها آنه به, أي: قد استثقل كونه فيه؛ فهو آنه بما حمل. والآنه: مثل الآنح, وهو الذي يخرج من صدره صوتًا ليس بشديد يدل على أنه قد حمل ثقلًا أو نالته شدة, فالمكان يستثقل كون وهسوذان به, ويجحد أنه فيه خوفًا ممن هزمه. وقوله: فلا مشاد ولا مشيد حمى ... ولا مشيد أغنى ولا شائد الإشادة: تستعمل في الحديث, يقال: أشاد بذكره, يقول لم يحمه ذكر له رفيع, ولا رافع لذلك الذكر. والمشيد: الأحسن هاهنا أن يكون ما رفع من الأبنية, والشائد الذي يرفعه. وبعض الناس يقول: المشيد: المطلي بالشيد؛ أي: الجص, والمشيد: المرفوع من البناء, والوجه الأول أشبه بهذا البيت, ومن نون مشيدًا في النصف الأول فما فعله جائز إلا أنه يحدث في الوزن شيئًا تنكره الغريزة, وقد استعمل مثله المحدثون كثيرًا, إلا أن تركه أحسن, ولعل من روى هذه الرواية يريد أن يعطف على المرفوع مثله كما جاء في الكتاب

стр. 435

العزيز: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾. والخروج إلى حال النصب أحسن من تغيير الوزن, وفي الآية: ﴿ولا جدال في الحج﴾. وقوله: فاغتظ بقوم وهسوذ ما خلقوا ... إلا لغيظ العدو والحاسد رخم وهسوذان فحذف الألف والنون لأنه جعله كالاسم الواحد, وهذه الأسماء الأعجمية التي تجيء على سبعة أحرف وما زاد الأشبه بها أن تكون مركبةً من اسمين؛ فأبو الطيب جعل وهسوذان بمنزلة اسم واحد, مثل زعفران وما جرى مجراه. ولو قال قائل في ترخيم وهسوذان وهسو أو وهس لم يبعد ذلك؛ لأنه يجعل ذان بمنزلة اسمٍ قرن بالأول, أو يجعل الواو به متصلة في بعض النسخ. وقوله: رأوك لما بلوك نابتةً ... يأكلها قبل أهله الرائد الرائد: الذي يبعثه القوم يرود لها مواضع الكلأ, والمعنى أنه يرود فيها؛ أي: يذهب ويجيء لينظر كيف هي الخصب والإمراع. ثم قالوا رادها يرودها فاستغنوا عن حرف الخفض, ومن أمثالهم: «لا يكذب الرائد أهله»؛ لأنه إن كذبهم غرهم وغر معهم نفسه, يقول: كان هذا المنهزم كالعشبة النابتة يسبق إليها الرائد فيأكلها من قبل أهله, وذلك لهوانها عليهم, ولأن أكله إياها ليس بمؤد إلى الإضرار بمن وراءه. وقوله: وخل زيا لمن يحققه ... ما كل دامٍ جبينه عابد

стр. 436

أي أردت أن تكون ملكًا ولست من أهل المملكة, فاترك هذا الأمر لمن يحققه, كما أن بعض الناس يؤثر السجود في وجهه لكثرة ما يتعبد ويضع وجهه على الأرض, ومنه قوله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾. وقال الشاعر: [البسيط] ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا وبعض من يريد أن يتظاهر بالدين, وليس هو من أهله, يؤثر في موضع سجوده بشيء حتى يظن أن ذلك من السجود, وقيل: إنهم يدلكون الموضع بثومٍ. وقوله: ومتقٍ والسهام مرسلة ... تحيص من حابضٍ إلى صارد (٦٤/ب) الحابض: من صفات السهام, فقيل: هو الذي يقع بين يدي الرامي, وقيل: بل الذي يتعلق في الغرض تعلقًا يسيرًا. والصارد من السهام: الذي ينفذ الرمية, قال اللعين المنقري: [الوافر] فما بقيا على تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال وقوله: ولا يبل قاتل أعاديه ... أقائمًا نال ذاك أم قاعد لا يبل: كلمة شاذة, وهي من بالى يبالي, وإنما القياس: ولا يبالي مثل لا يرامي, ولكن بعض العرب إذا وقف على مثل أبالي وأرامي, وما كان في آخره ياء من المضارعة مثل يقضي ويأتي يحذف آخر الفعل فيقول: نقض ولا أبال فيسكن اللام, فلما كثر ذلك توهموا أن الألف يجوز حذفها في الجزم, كما يقال: لم يقل, ولم يبل.

стр. 437

ومن التي أولها جاء نوروزنا وأنت مراده ... ووردت بالذي أراد زناده وهي من الخفيف الأول. النوروز: من أعياد فارس, وهو يوم يرفعون فيه آلات الشتاء من بسط وما يجري مجراه ويستعملون آلات الصيف, وهم يصنعون ذلك إلى اليوم. وأما العامة في العراق وغيره فيصب الماء بعضهم على بعض لأربعٍ وعشرين ليلةً تمضي من حزيران, ويسمونه النوروز المعتضدي. وقال أبو الطيب: نوروز بالواو, وهو في شعر البحتري نيروز بالياء, وادعى للنوروز أنه جاء ومراده الممدوح؛ وذلك من الكذب الصريح, ولكنه مستحسن عند الشعراء, ويقولون للرجل إذا نجح وقوي أمره: ورت زناده ووريت؛ أي: بلغ حاجته؛ لأن القادح غرضه أن يري زنده, ويقول الرجل لصاحبه إذ صنع إليه صنيعًا يشكر: وريت بك زنادي؛ أي: أعنتني على ما ألتمس. وقوله: هذه النظرة التي نالها منـ ... ـك إلى مثلها من الحول زاده جعل لليوم نظرةً على سبيل الاستعارة, وصير له زادًا يأخذه من الممدوح في كل سنةٍ, وهذا من نحو الحديث الذي جاء, وهو قوله ﷺ : «إن المؤمن والكافر لا تراءى نارهما» أي لا يتجاوران, فتكون نار أحدهما قريبة من نار الآخر فكأنها تراه. ويقولون إذا نظرت إليك بلاد كذا فافعل ما بدا لك؛ أي إذا كنت في موضعٍ بمقدار ما يراك فيه الإنسان الناظر.

стр. 438

وقوله: ما لبسنا فيه الأكاليل حتى ... لبستها تلاعه ووهاده التلاع: جمع تلعةٍ, وهي مسيل في الوادي يقال لأعلاه: تلعة, وكذلك لأسفله, وقد ذكره بعض الناس في الأضداد, كأنه يذهب إلى أن التلعة المكان المرتفع والمنخفض. وكان أبو إسحاق الزجاج ينكر الأضداد, وله كتاب في الرد على من يقول بها. وزعموا أن ابن الأعرابي كان يذهب إلى ذلك, وأنشدوا بيت زهيرٍ في أن التلعة المنخفض من الأرض: [الطويل] وإني متى أهبط من الأرض تلعةً ... أجد أثرًا قبلي جديدًا وعافيا وقوله: كيف يرتد منكبي عن سماءٍ ... والنجاد الذي عليه نجاده المنكب: رأس الكتف, ويجوز أن يسمى ما قرب منه منكبًا. يقول: كيف لا يصل منكبي إلى السماء وقد وهب لي هذا الملك سيفًا, فنجاده على منكبي. وقوله: قلدتني يمينه بحسامٍ ... أعقبت منه واحدًا أجداده يقول: وهب لي هذا الممدوح سيفًا أورثته إياه أجداده, فكأن يمينه قلدتني به. وقوله: كلما استل ضاحكته إياة ... تزعم الشمس أنها أرآده إياة الشمس: ضوؤها. وقال قوم: الإياة: عين الشمس, قال طرفة: [الطويل] سقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسف ولم تكدم عليه بإثمد وأرآده: واحدها رئد وأصلها الهمزة, وأصل ذلك في النساء, ويقال: فلانة رئد فلانةٍ؛ أي: تربها ومثلها في السن. قال كثير: [الطويل]

стр. 439

وقد أزروها وهي ذات مؤصد ... صغيرٍ ولما تلبس الإتب ريدها يريد أن نور الشمس إذا قابل فرند هذا السيف حدتث بينهما أنوار تزعم الشمس أنها أرآد هذا الحسام, وإنما ذلك زعم منها لا حقيقة له, وأكثر ما يستعمل الزعم فيما لا يثبت كما قال سبحانه: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾؛ أي: ليس الأمر كذلك, وقال الضبي: [الكامل] زعمت تماضر أنني إما أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي أي: إنها تدعي ذلك, وليس هو على ما تزعم. وقوله: (٦٥/أ) مثلوه في جفنه خشية الفقـ ... ـد ففي مثل أثره إغماده يقول: هذا السيف يهوى الناظر إدامة نظره إليه, فقد مثل في غمده كيلا يستره الغمد عن العيون. والإثر: فرند السيف, كأنهم حلوه بفضة, ولا يمتنع أن يكونوا صاغوا له غمدًا من الفضة, والسيف يوصف بالبياض, والفضة بيضاء, كأنه مغمد في فرنده. وقوله: منعل لا من الحفا ذهبًا يحـ ... مل بحرًا فرنده إزباده لما كانت النعل تكون في رجل الإنسان شبهوا بها نعل الدابة من الحديد, والدواب تمشي فتشارك الأنيس في المشي, فهي أقرب إلى أن تستعمل لها النعال من السيوف, ولما كانت الحلية تكون في أسفل الغمد جعلت كالنعل للسيف. وإنما يحسن أن يجعل له نعلًا إذا أغمد؛ لأنه إذا سل كان ذبابه أعلى شيء فيه, ولعلهم إنما قصدوا بذلك الغمد دون السيف, ثم استعملوه لما يكون في الغمد.

стр. 440

وقوله: يقسم الفارس المدجج لا يسـ ... ـلم من شفرتيه إلا بداده يقال: فارس مدجج ومدجج؛ إذا كان كامل السلاح, ويجوز أن يكونوا أرادوا ستره بالدرع من قولهم: ليل دجوجي؛ أي: مظلم يستر ما تحته, وقالوا للقنفذ العظيم الشوك: مدجج لأنه يرمي بشكوكه, فكأنه معد للحرب. والبداد من السرج: ما كان تحت فخذ الفارس, وإنما قيل له: بداد؛ لأنه يفرق بينه وبين ظهر الفرس, ويقال لباطن الفخذ باد. والبد: أصله التفريق, وهو من قولهم: بدد الشيء إذا فرقه, قال الراجز: [الرجز] قد سمنتها بالسويق أمها ... فبدت الرجل فما تضمها أي: مدتها, فكأنها قد فارقت غيرها من الجسم, ومنه قولهم: أبدهم حتوقهم؛ أي: فرقها فيهم, وفي حديث أم سلمة: «أن السؤال كثروا عندها يومًا فقالت لجاريتها: أبديهم تمرةً تمرةً»؛ أي: فرقي عليهم التمر. وقوله: وتقلدت شامةً في نداه ... جلدها منفساته وعتاده الشامة: نكته يسيرة في شيء يخالف لونها لونه, وهي من ذوات الياء؛ لأنهم يقولون للرجل: أشيم؛ إذا كانت به شامة, وقالوا: إبل شوم؛ أي: سود, ولم يستعملوا لها واحدًا, قال الهذلي: [الطويل] معتقةً صرفًا يكون سباءها ... جياد المخاض شومها وحضارها

стр. 441

ويجوز أن يكون قولهم للسود شوم لأنهم تطيروا من السواد, وأخذوها من الشؤم, وأصله الهمز, ويجوز أن يكونوا لزموا فيه التخفيف, كما فعلوا ذلك في النبي والذرية, وقد تركت العرب همزة الشؤم في الفعل الماضي فقالوا: شامه, ويروى لكثير: وما شامني إلا كتاب بعثته ... فليت يميني قبل ذلك شلت فأما تصيير الهمزة في شؤمٍ واوًا فلا اختلاف في أنه لغة صحيحة تطرد في جميع ما كان مثله. ولما كانت الشامة تكون في الجلد استعاره أبو الطيب في هذا البيت, فجعل السيف شامةً في ندى الممدوح, والجلد الذي هي فيه المنفسات والعتاد, وهي قليلة فيها؛ لأن الشامة إنما تشغل ما قل من جلد الإنسان. وقوله: فرستنا سوابق كن فيه ... فارقت لبده وفيها طراده الهاء في فيه راجعة على الندى, وقوله: فرستنا: أي: جعلتنا حاذقين بالفروسية؛ لأن كل من ركب الفرس سمى فارسًا, إلا أنه, وإن ركب, جائز ألا يكون صاحب فروسة على ظهور الخيل. والهاء في لبده راجعة إلى الممدوح, واللبد هاهنا واحد في معنى الجمع. والهاء في طراده ترجع إلى الممدوح أيضًا؛ أي: أنه فارس على الخيل, فهذه السوابق قد فارقت ركابه, إلا أنها متعودة ما عودها من الطراد, فنحن نجده فيها إذا أردناه. وقوله: ورجت راحةً بنا لا تنلها ... وبلاد تسير فيها بلاده

стр. 442

يقول: هذه السوابق رجت أن تستريح إذا صرات إلينا؛ لأنها كانت متعبةً عنده بالطراد, ودعا عليها بأن لا تنال ذلك؛ أي: إنا بعد نتعبها؛ لأنا نتبع سيرته ونفعل كما يفعل من طراد الأعداء, وهذا معنى مستطرف؛ لأنه كان ينبغي لهذه الخيل أن تستريح ما دامت في بلاد الممدوح؛ إذ كانت آمنةً من الأعداء, فإذا خرجت منها جاز أن يحتاج أربابها إلى القتال. وقوله: أنا من شدة الحياء عليل ... مكرمات المعله عواده هذا البيت والذي بعده من الأبيات يدل على أن ابن العميد نقد على أبي الطيب شيئًا فيما مدحه به ولم يقرر بالتقصير إلا من أمرٍ عظيمٍ؛ لأنه يصف شعره وثناءه في مواضع كثيرةٍ. وقوله: (٦٥/ب) ربما لا يعبر اللفظ عنه ... والذي يضمر الفؤاد اعتقاده ما هاهنا ليست كافةً مثلما في قوله: ربما تجزع النفوس من الأمـ ... ـر له فرجة كحل العقال ولكنها في معنى اسم منكورٍ كأنه قال: رب شيء لا يعبر عنه الفظ؛ أي: إني إن كنت قصرت فيما قلته باللسان فإنما المعول على ما يعتقده الفؤاد. والهاء في اعتقاده راجعة إلى الفؤاد. وإذا جعلت ما نكرةً بان لك معنى البيت, ولو اعتقدت ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ لم يحسن.

стр. 443

وقوله: للندى الغلب إنه فاض والشعـ ... ـر عمادي وابن العميد عماده الغلب: مصدر غلب, وهو قليل في الاستعمال, إلا أن مصادر ما كان على هذا الوزن يحسن أن يستعمل فيها فعل, بسكون العين, وأقر في هذا البيت بأن الندى فاض فغلب الشعر, وجعل الشعر عمادًا له. والأشبه أن تكون الهاء في آخر البيت عائدةً على الندى, فكأنه يقول: إن عمادي الشعر, والندى عماده ابن العميد, فقد غلب الشعر, ويحتمل أن تجعل الهاء في عماده عائدةً على الشعر؛ أي: إني أستظهر على المديح بأن ابن العميد عماد للقريض. وقوله: نال ظني الأمور إلا كريمًا ... ليس ليس نطقه ولا في آده هذا البيت يشبه ما قبله في الاعتراف بشيء أنكر عليه, والآد: مثل الأيد؛ أي: القوة. قال الأعشى: [المتقارب] قطعت إذا خب ريعانها ... بوجناء تنهض في آدها وقوله: خلق الله أفصح الناس طرًا ... في مكانٍ أعرابه أكراده جرت العادة بأن يسمى سكان البدو أعرابًا, والنسابون يدعون أن الكرد من العرب, فذكر أبو اليقظان أنهم من ولد عمرو بن عامرٍ من الأسد, وادعى بعض الناس أنهم

стр. 444

من عامر بن صعصعة, وأنشدوا بيتًا: [الطويل] لعمرك ما الأكراد أولاد فارسٍ ... ولكنه كرد بن عمرو بن عامر أي: إن هذا الرجل أفصح الناس, وهو في بلد الأكراد يجرون فيه مجرى الأعراب فيسكنون في البدو, فذلك أعجب لما رزقه من الفصاحة. وقوله: وأحق الغيوث نفسًا بحمدٍ ... في زمانٍ كل النفوس جراده عطف أحق على قوله: أفصح الناس, كأنه قال: وخلق الله أحق الغيوث نفسًا بحمدٍ في زمانٍ أهله كلهم جرادٍ, أي: إنهم من عادتهم أن يضروا النبات ويرعوه ولا منفعة فيهم؛ أي: هذا الممدوح أحق الغيوث بالحمد. وقوله: مثل ما أحدث النبوة في العا ... لم والبعث حين شاع فساده هذا البيت مفسر لما قبله؛ لأن الله - سبحانه - لما كثر الجراد؛ أي: الناس, خلق أحق الغيوث أن يحمد, كما أنه أحدث النبوة لما قلت الديانة وفسد العالم. والبعث من قولهم: بعث الله النبي, وحسن أن يعطف البعث على النبوة لأنه ليس كل نبي مبعوثًا, وكل من بعثه الله نبي فلا يحسن على هذا أن يقال: كل نبي مبعوث, ولكن كل مبعوث نبي. والمبعوث الذي يرسل إلى أمةٍ من الأمم, ولا يحسن أن يكون البعث هاهنا من بعث القيامة الذي هو إحياء للموتى, على أنه قد جاء في الحديث: «أن القيامة تقوم على شر الناس». وإن ذهب إلى ذلك ذاهب فهو غير ممتنع, كأن المعنى يكون مثل ما قدر إحداث النبوة وإحياء

стр. 445

الموتى لما شاع فساد العالم. والذي يضعف هذا المذهب أن النبوة قد كانت في العالم والبعث الذي يكون في القيامة لم يكن بعد. وقوله: زانت الليل غرة القمر الطا ... لع فيه ولم يشنها سواده هذا البيت تقوية للأبيات الماضية وبيان لها؛ لأنه جعل الممدوح كالقمر الطالع والعالم كالليل الأسود؛ فالقمر يزين الليل, وسواد الليل لا يشين القمر؛ أي: معايب الناس الذين في زمن ابن العميد لا يلحقه منها شيء, بل هو يزيلها بمكارمه كما يزيل القمر ظلمة الليل. وقوله: كثر الفكر كيف نهدي كما أهـ ... ـدت إلى ربها الرئيس عباده والذي عندنا من المال والخيـ ... ـل فمنه هباته وقياده فبعثنا بأربعين مهارٍ ... كل مهرٍ ميدانه إنشاده عدد عشته يرى الجسم فيه ... أربًا لا يراه فيما يزاده فارتبطها فإن قلبًا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده من شأن الفرس في النوروز والمهرجان أن تهدي إلى ملوكها, فيحمل كل رجل من أصحابه ما أمكن, فمنهم من يحمل الدرع, ومنهم من يجيء بالسيف, وأقلهم هديةً الذي يهدي دينارًا ودرهمًا, فذكر أبو الطيب أنه كثر فكره كيف يهدي إلى الممدوح كما جرت العادة من الأصحاب والأولياء, فإذا الذي في ملكه من المال والخيل وغيرهما من هبات الممدوح فلم يحسن أن يهدي له شيئًا مما وهبه, فأهدى قصيدةً عدد أبياتها أربعون, وشبه البيت بالمهر لأنه يجوز في البلاد, وجاء بشيء لم يهبه له ابن العميد؛ لأن الشعر مما أنشأه أبو الطيب, وجعل الإنشاد ميدانًا للمهر؛ لأن البيت إذا أنشد علم حسن لفظه ومعناه, كما أن المهر إذا أجيل في الميدان عرف حسن خلقه وموضعه في الجري. والميدان ليس أصله عربيًا. واحتج في كون الأبيات أربعين بحجةٍ لم يعلم أنه سبق إليها؛ وذلك أنه جعل عدة الأبيات كعد الأربعين من السنين التي يرى فيها الإنسان من القوة والشباب وقضاء المآرب ما

стр. 446

لا يراه فيما يزاد من السنين, فاعتذر بأحسن اعتذارٍ من أنه لم يزد القصيدة على أربعين في العدة, ثم خرج من الإخبار عن الغائب إلى مخاطبة الممدوح فقال: فارتبطها, فإنها جاءت من مربطٍ تعود ما ربط فيه أن يسبق الجياد. ومن أبيات أولها بكتب الأنام كتاب ورد ... فدت يد كاتبه كل يد وهي من ثالث المتقارب. أصل الورود في الماء, ثم كثر ذلك حتى قالوا: ورد الغائب إذا قدم, وورد كتاب فلان وخبره, وكل ذلك تشبيه بورود الماء. وقوله: فدت يد كاتبه كل يد: لفظ ظاهره ظاهر العموم, وإذا لم يحمل على الخصوص كان إزراءً بالممدوح؛ لأنه يجعل يده فداء يد كاتب الكتاب, وهو والده, ومثل هذا في الشعير كثير, وكذلك في جميع الكلام. وقوله: فأخرق رائيه ما رأى ... وأبرق ناقده ما انتقد أخرق: من الخرق؛ أي أنه لما نظر إليه خرق من حسن الخط, وهذا يشبه قولهم: ذهب إذا رأى ذهبًا كثيرًا فلحقه مثل الفزع, وأبرق: من برق البصر, وهو شخوصه مع فتح العين, قال طرفة: [المتقارب] نعاني حنانة طوبالة ... ترعى أنيقًا من العشرق فنفسك فانع ولا تنعني ... وداو كلومك لا تبرق

стр. 447

وقد قرئت الآية على جهين: «فإذا برق البصر» وبرق, فإذا فتحت الراء فالمعنى أنه يسرع النظر كسرعة البرق, وقيل يلمع لمعًا متتابعًا, وحنانة: حاجب كان لبني المنذر, وطوبالة: نعجة. يقول: حنانة هذا مثل النعجة. والنقد: أصله في الدراهم والدنانير, ثم استعمله الناس في نقد الشعر والكلام. قال امرؤ القيس: [الطويل] كأن صليل المرو بين خفافها ... صليل سيوفٍ ينتقدن بعبقرا وقوله: فقلت وقد فرس الناطقين ... كذا يفعل الأسد بن الأسد أصل الفرس: دق العنق, ثم صار كل قتلٍ فرسًا, وشبه الناس الشجاع بالأسد ثم حذفوا حرف التشبيه, وذلك كثير, قال الهذلي: [الكامل] أسد تفر الأسد من عروائه ... بمدافع الرجاز أو بعيون ومن التي أولها نسيت وما أنسى عتابًا على الصد ... ولا خفرًا زادت به حمرة الخد وهي من الطويل الأول. وقوله: ولا ليلةً قصرتها بقصورةٍ ... أطالت يدي في جيدها صحبة العقد القصورة: التي تقصر في خدرها؛ أي: تحبس, وهي القصيرة أيضًا, عدلت عن

стр. 448

مقصورة, وفي الكتاب العزيز: ﴿مقصورات في الخيام﴾؛ أي: هن لها لوازم. وجميع القصورة والقصيرة قصائر, قال كثير: [الطويل] وأنت التي حببت كل قصيرةٍ ... إلي وما تدري بذاك القصائر أردت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البهاتر ويروى: قصار القنا. وقوله: (٦٦/ب) تمن يلذ المستهام بمثله ... وإن كان لا يغني فتيلًا ولا يجدي قوله: تمن: أي هذا القول الذي أقوله تمن, والأماني, لا تجدي شيئًا, والفتيل: قشرة رقيقة تكون في بطن النواة, يضربون به المثل في قلة الشيء, ويستعملونه في النفي دون غيره, فيقولون: ما رزأه فتيلًا, قال النابغة: [الخفيف] يجمع الجيش ذا الألوف فيغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا وقوله: فإما تريني لا أقيم ببلدةٍ ... فآفة غمدي في دلوقي من حدي يقال: سيف دالق إذا خرج من غمده؛ لأن حده يشق الغمد, ويقال: طعن الحمار الوحشي أو الرجل فاندلق ما في بطنه؛ أي: خرج؛ يعنون الأمعاء, وكان عمارة بن زيادٍ العبسي يسمى دالقًا غاراته, شبه بالسيف الدالق, قال الفرزدق: [الطويل]

стр. 449

وهن بشرحافٍ تداركن دالقًا ... عمارة عبسٍ بعدما جنح العصر وشرحاف الضبي هو الذي قتل عمارة. وقوله: يمر من السم الوحي بعاجزٍ ... ويعبر من أفواههن على درد الدرد: جمع أدرد ودرداء. والدرد: ذهاب الأسنان, وهو الدرم أيضًا, والماضي درد, وربيعة تقول: درد كما تقول علم, قال الراجز: [الرجز] من يشتري شيخًا بدرهمين ... قد انحنى ودرد مرتين ويقال: إن مزردًا أخا الشماخ سمي مزردًا بقوله: [الطويل] فقلت تزردها فإني مثلها ... لدرد الموالي في السنين مزرد والوحي: السريع الإماتة, والمصدر منه: الوحى والوحاء, بالقصر والمد, ويقال للسرعة: وحى, وزعم بعضهم أن النار يقال لها وحًى لسرعة إحراقها, وكذلك يقولون للملك: وحًى؛ لأنه يمتثل أمره سريعًا. وقوله: كفانا الربيع العيس من بركاته ... فجاءته لم تسمع حداءً سوى الرعد

стр. 450

يقول: إن هذا الممدوح له بركات عظيمة, فلما سرنا إليه في الربيع كثرت الرعود فأغنتنا عن حداء الإبل؛ وهذا معنًى لم يعلم أنه سبق إليه, كأن الرعد يكون من خلفها, فيحثها على السير, فهو لها كالحادي. وقوله: إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبتٍ في إناء من الورد استحين: في معنى استحيين. يقول: هذه الإبل غنية عن الورد, وهن يعبرن بالمياه كثيرًا. فالماء كالذي يعرض نفسه عليها فتستحيي منه ألا تشرب, فتكرع فيه. وأصل الكروع في الماشية التي تدخل في الماء حتى تغيب فيه أكرعها, ثم كثر ذلك حتى قيل: كرع الشارب في القدح في معنى شرب, قال النابغة: [الطويل] وتسقى إذا ما شئت غير مصردٍ ... بزوراء في أكنافها المسك كارع أي أن فيها مسكًا فكأنه قد كرع, وقالوا للنخل التي تسقى بالماء: مكرعات. ويجوز أن يقال للنخل التي تشرب بعروقها: مكرعات. وإنما استعاروا لها الأكارع من ذوات الظلف, قال امرؤ القيس: [الطويل] أو المكرعات من سفين ابن يامنٍ ... دوين الصفا اللائي يلين المشقرا وقال النابغة: [الطويل] من الواردات الماء بالقاع تستقي ... بأعجازها قبل استقاء الحآجر وقالوا للماء الذي يجتمع من السماء فترده الوحش وغيرها: كرع, وأصل ذلك أنها تخوضه فيبلغ أكارعها, قال الهذلي: [الكامل]

стр. 451

فشرعن في جنبات عذبٍ باردٍ ... حصب البطاح تغيب فيه الأكرع يقول: كرعت هذه الإبل بسبتٍ؛ لأن مشافرها تشبه بالسبت, والسبت: نعال تدبغ بالقرظ. قال بعضهم: هي نعال يحلق الشعر عنها, وإنما أخذت من سبت رأسه إذا حلقه, قال رؤبة في صفة الإبل: [الرجز] ينفضن أنقى من نعال السبت وقوله: في إناء من الورد, يريد أن الماء قد اجتمع في موضع منخفضٍ وقد نبت الزهر حوله, وكل زهر يسمى وردًا على الاستعارة؛ فكأن ذلك الموضع إناء من وردٍ؛ لأن الماء قد غطى ما ليس فيه ورد منه, فقد صار كالماء في القدح, وما حوله من الزهر كفضلة الإناء التي ليس فيها ماء. وقوله: كأنا أرادت شكرنا الأرض عنده ... فلم يخلنا جو هبطناه من رفد (٦٧/أ) يقول: كأن الأرض أرادت أن نشكرها عند هذا الممدوح, فأعانتنا على السفر بالنبات والماء, فلم يخلنا جو؛ أي: وادٍ من رفدٍ؛ أي: عطاءٍ. وقوله: لنا مذهب العباد في ترك غيره ... وإتيانه نبغي الرغائب بالزهد يقول: العباد يتركون ما في الدنيا من اللذات رغبةً فيما هو أعظم منه, وذلك ما يرجون من ثواب الآخرة, فنحن في قصد هذا الممدوح لنا مذهب العباد؛ لأنا قد زهدنا في غيره من الملوك, وإنما زهدنا فيهم لكثرة ما نرجو عنده من الرغائب التي لا نجدها لديهم, وهذا من اللفظ الذي ظاهره عموم ومعناه خصوص.

стр. 452

وقوله: تعرض للزوار أعناق خيله ... تعرض وحشٍ خائفاتٍ من الطرد يقول: أعناق خيله تعرض للزوار تعرض وحشٍ يخاف أن تطرد, كأنه ادعى لها أنها تفرق من أن يهبها؛ لأن كونها في ملكه أشرف لها من أن تكون في ملك غيره, وهذا نحو من قوله في الأخرى: [المنسرح] من كل موهوبةٍ مولولةٍ ... قاطعةٍ زيرها ومثناها وقوله: وتلقى نواصيها المنايا مشيحةً ... ورود قطًا صم تشايحن في ورد المشيح: يذكر في الأضداد, فيقولون: المشيح: الحذر, ويقال: الجاد في الأمر. ومشيحةً في هذا البيت: يحتمل الوجهين, إلا أن الجد أغلب عليها من الحذر. وتشايحن: أي: تجاهدن, يقال: شايح الرجل شياحًا؛ إذا كان يباري غيره في الجد, قال الراجز: [الرجز] إذا سمعن الرز من رباح ... شايحن منه أيما شياح ويقال رجل شيح؛ أي جاد مجتهد, قال أبو ذؤيب: [الطويل] سبقتهم ثم اعتنقت أمامهم ... وشايحت قبل اليوم إنك شيح وادعى قوم أن القطا صم, وأنشدوا قول الراجز: [الرجز] ردي ردي ورد قطاةٍ صماء ... كدريةٍ أعجبها برد الماء

стр. 453

وقال قوم: إنما أراد أنها جادة في الطيران, فكأنها لا تسمع, أو أنها إذا سمعت صوتًا لم يشغلها عما هي فيه, فكأنها صمت عنه, ومثل هذا المعنى يستعمل في الناس, فيقال: هو أصم عن العذل وعن العتاب؛ أي: هو لا يقبله, فكأنه لم يطرق سمعه. وقوله: إذا الشرفاء البيض متو بقتوه ... أتى نسب أعلى من الأب والجد القتو: الخدمة, يقال: قتاه يقتوه إذا خدمه, قال الشاعر: [المنسرح] إني امرؤ من بني فزارة لا ... أحسن قتو الملوك والحفدا ومنه قيل: رجل مقتوي للذي يخدم بطعام بطنه, قال الشاعر: [مجزوء الكامل] من مبلغ عصمًا بأنـ ... ـي عن فتاحتكم غني لا خالتي أمة ولا ... خالي لخالك مقتوي وقال عمرو بن كلثوم: [الوافر] تهددنا وأوعدنا رويدًا ... متى كنا لأمك مقتوينا جمع مقتويًا على حذف ياء النسب, كما يقولون في جمع أشعري: أشعرون, قال الشاعر: [الطويل] أنت امرؤ في الأشعرين مقابل ... وفي الركن والبطحاء أنت غريب

стр. 454

وقوله: فتى فاتت العدوى من الناس عينه ... فما أرمدت أجفانه كثرة الرمد أصل الفتى أن يستعمل للشباب, ثم كثر من الكلام حتى صاروا يصفون الكهل والشيخ بذلك؛ أي أنه يفعل أفعال الفتيان الذين يرغبون في الذكر الحسن, فيجودون بالمال, ويتسرعون إلى الحرب, قال كثير: [البسيط] يا عز هل لك في شيخٍ فتًى أبدًا ... وقد يكون شباب غير فتيان فأما قول طرفة: [الطويل] إذا القوم قالوا من فتًى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد فإنه كلام محمول على الحذف, كأنه قال: من فتًى يفعل كذا؛ أي: يقدم في حربٍ أو يبذل مالًا في مكرمةٍ, وهو نحو قول الآخر: [البسيط] لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إياه يعنونا والعدوى أن ينتقل الداء ممن هو فيه إلى من قاربه أو لاصقه, وهو غير منتقل عن الأول؛ وذلك من قولهم: عداه يعدوه إذا جاوزه, ويزعمون أن الجرب والرمد والثؤباء من المعديات, وقالوا في المثل: «هو أعدى من الثؤباء» وإنما ضرب الرمد هاهنا مثلًا لما في الناس من العيوب (٦٧/ب)؛ أي أن فيهم البخلاء والجبناء ومن هو قليل اللب فما أعدوه بما فيهم من الأشياء المذمومة. وقوله: إذا ارتقبوا صبحًا رأوا قبل ضوئه ... كتائب لا يردي الصباح كما تردي يقول: إذا ارتقب أعداؤه صبحًا, وإنما يرتقبونه؛ لأن الغارة تكون في الصباح فيقال:

стр. 455

صبحناهم غارة, فكأن خيل هذا المعني تجيئهم قبل الوقت الذي يخافون مجيئها فيه. وفرق بينها وبين الصبح بالرديان, كأنه يذهب إلى أنها أسرع انتشارًا منه. وقوله: ومبثوثةً لا تتقى بطليعةٍ ... ولا يحتمى منها بغورٍ ولا نجد ومبثوثةً: أي: قد بثها صاحب الجيش, والمراد خيل لا تتقى بطليعة؛ أي: شأنها عظيم, فلا يبعث الأعداء إليها طليعةً, إذ كانوا عالمين بأنها الغالبة, ولا يحتمى منها بأرض مرتفعةٍ ولا منخفضة. وقوله: يغضن إذا ما عدن في متفاقدٍ ... من الكثر غانٍ بالعبيد عن الحشد يقول: صاحب الخيل يبث خيلًا لتأخذ له أخبار العدو, فإذا عدن غصن في جيش بحرٍ؛ أي: غبن فيه, من غاضب الماء في الأرض إذا ذهب فيها, ووصف الجيش بمتفاقدٍ؛ لأنه كثير العدة, ومثل هذه الصفة يتردد في الأشعار, ومنه قول الأفوة في صفة الجيش: [الرمل] زجل الأصوات حتى ما به ... ليس شتى حزق القوم شعار ويروى: خرق القوم, ويعني بالشعار قول القائل: يال فلانٍ فينتسبون إلى أبيهم ليعرف بعضهم بعضًا, وربما تواصوا بلفظ يقولونه ليتعارفوا بذلك, ومن هذا النحو قولهم: جمع تضل فيه البلقاء, قال عبيد الله بن قيس الرقيات: [الوافر] تضل العاند البلقاء فيه ... ويخطئ رحل صاحبه الزميل فزعم الأفوه أنهم يجتمع بعضهم إلى بعضٍ خشية أن يفترقوا فيضلوا. والخرق الجماعات من الناس ومن روى: شتى خرق القوم, أراد الرايات. وقوله: غانٍ بالعبيد أي الجيش قد استغنى بعبيد قائده عن أن يحشد له أخلاط الناس. وقوله: حثت كل أرضٍ تربةً في غباره ... فهن عليه كالطرائق في البرد

стр. 456

يقول: هذا الجيش إذا مر بأرض حثت في غباره حثوةً, ففيه تراب أحمر وأسود وأغبر, فكأنهن الطرائق في البرد الموشي. وقوله: أأحزم ذي لب وأكرم ذي يدٍ ... وأشجع ذي قلبٍ وأرحم ذي كبد يقال: رجل حازم وحزيم كما يقال: عالم وعليم. والحازم: الذي يجمع من أمره ما تشتت بحسن الرأي, ومن أمثالهم: «قد أحزم أو أعزم»؛ أي: أني أعرف كيف ينبغي أن تكون الأشياء, غير أني لا أقطع بالعزيمة. وإنما قيل للرجل: حازم من قولهم: حزم المتاع: إذا جمع أشتاته, يراد أنه يفعل ما يؤدي إلى السلامة والحفظ, ونسب الرحمة إلى الكبد لأن المتقدمين يذكرون ذلك, قال الشاعر: [البسيط] إني لعمرك لا أقضي الغريم وإن ... طال المطال ومارقت له كبدي إلاعصا أرزنٍ طارت برايتها ... تنوء ضربتها بالكف والعضد وقالت امرأة من العرب: [الكامل] لما رأوهم لم يحسوا مدركًا ... وضعوا أناملهم على الأكباد أي: إنهم رقوا لفقد هذا المنعي, فوجدوا المضض في أكبادهم, فوضعوا عليها الأيدي, ويقال: كبد وكبد, وبعضهم يقول: كبد, فيفتح الكاف, ويسكن الباء, ويجب أن يكون ذلك على اللغة الربعية. وقوله: وأحسن معتم جلوسًا وركبةً ... على المنبر العالي أو الفرس النهد الركبة: الهيأة التي يكون عليها الراكب. والركبة: المصدر, وهذا شيء كالمطرد يكسرون أول الهيئآت, ويفتحون أوائل المصادر, فيقولون: جلس جلسةً واحدة, وما أحسن جلسته, ومثل ذلك كثير متردد, والفرس: يقع على الذكر والأنثى, ومن الكلام المروي عن العرب:

стр. 457

خير المال فرس في بطنها فرس يتبعها فرس. والنهد: العالي الضخم, وهو من قولهم: نهد لكذا؛ أي: نهض له. وقوله: وقد كنت أدركت المنى غير أنني ... يعيرني أهلي بإدراكها وحدي (٦٨/أ) أصحاب النقل يختارون عيرته كذا بغير باء, وتوجد في كتبهم ومصنفاتهم الباء كثيرةً في هذا الموضع. فأما الشعر القديم فقلما يوجد فيه عيرته بكذا. قال المتلمس: [الطويل] يعيرني أمي رجال ولن ترى ... أخا كرمٍ إلا بأن يتكرما وقال آخر: [الطويل] أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يابن ريطة ظاهر وأنشد ابن الأعرابي في دخول البناء: [الرجز] بالموت ما عيرت يالميس وقد مضى هذا البيت. وقوله: وكل شريكٍ في السرور بمصحبي ... يرى بعده من لا يرى مثله بعدي الهاء في قوله: يرى بعده عائدة على المصحب, وقد يجوز أن تكون عائدة على شريك. والهاء في مثله: عائدة على الشريك.

стр. 458

ومن أبيات أولها وزيارةٍ من غير موعد ... كالغمض في الجفن المسهد وهي من سادس الكامل. أي: إن هذه الزيارة كنا إليها مشتاقين كاشتياق الجفن المسهد إلى الغمض, وكسر عين موعد مع فتح الهاء الثانية في المسهد سناد عند الخليل, وليس عند الأخفش بسناد. وقوله: معجت بنا فيها الجيا ... د مع الأمير أبي محمد المعج: ضرب من السير سهل, ومنه قولهم: تمعج السيل والمكان, قال القطامي: [البسيط] صافت تمعج أعناق السيول به ... من باكر سبطٍ أو رائحٍ يبل ومن أبيات أولها ماذا الوداع وداع الوامق الكمد ... هذا الوداع وداع الروح للجسد وهي من البسيط الأول. قوله: إذا السحاب رفته الريح مرتفعًا ... فلا عدا الرملة البيضاء من بلد

стр. 459

السحاب: يجوز أن يوجد ويذكر, وأن يجمع ويؤنث, وهو في هذا البيت مذكر. وفي كتاب الله سبحانه: ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ , فهو مؤنث تأنيث الجمع. ورفته الريح يحتمل الوجهين: أحدهما أن يكون من رفأت الثوب على تخفيف الهمز؛ لأنهم قد حكوا رفا الثوب يرفوه, فكأن الريح رفته كما يرفى الثوب, وجمعت بعضه إلى بعضٍ. والآخر أن يكون من رفوت الرجل إلى رفقت به وسكنته, قال أبو خراش الهذلي: [الطويل] رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم وقالوا: فلان يرافيني؛ أي: يداريني, ويرفوني, قال الشاعر: [الوافر] ولما أن رأيت أبا خبيبٍ ... يرافيني ويكره أن يلاما ووصف الرملة بالبيضاء لفضل البياض, كأنه أراد حسن البلد وضياءه, ويقال: إنها في رمل أحمر إلى السواد, وقيل: إن بالقرب منها رملًا أبيض, وقد ذكرت في الشعر الفصيح, قال الشاعر: [الطويل] وحنت قلوصي فاستمعت لسجرها ... برملة لد وهي معقولة تحبو لد: قرية عند الرملة, وجاء في الحديث: «الدجال يقتله المسيح بباب لد». * * *

стр. 460

قافية الذال من التي أولها أمساور أم قرن شمسٍ هذا ... أم ليث غابٍ يقدم الأستاذا وهي من الكامل الثاني. قوله: شم ما انتضيت فقد تركت ذبابه ... قطعًا وقد ترك العباد جذاذا شم: في معنى انتض السيف, وقد يستعمل في معنى أغمد, وهو هاهنا في معنى الإغماد, وينشد بيت يقال إنه لجرير: [الطويل] إذا هي شيمت فالقوائم تحتها ... وإن لم تشم يومًا علتها القوائم فشيمت هاهنا: في معنى سلت. وقال الفرزدق في أن الشيم الإغماد: [الطويل] بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت يقول: قد حطمت سيفك مما تضرب به الأعداء, فذبابه قطع, وقد ترك أعداءك جذاذا؛ أي: قطعهم, ومنه قوله تعالى: ﴿فجعلهم جذاذا﴾ قرئ بالضم والكسر. وقوله: ترك العباد عموم لا بد فيه من التخصيص. وقوله: هبك ابن يزداذٍ حطمت وصحبه ... أترى الورى أضحوا بني يزداذا (٦٨/ب) هبك: كلمة منقولة من قولهم: وهبت الشيء إلا أنهم جعلوها في معنى
следующие страницы →