Полный текст (1 484 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
يقول: هذا الجيش إذا مر بأرض حثت في غباره حثوةً, ففيه تراب أحمر وأسود وأغبر, فكأنهن الطرائق في البرد الموشي.
وقوله:
أأحزم ذي لب وأكرم ذي يدٍ ... وأشجع ذي قلبٍ وأرحم ذي كبد
يقال: رجل حازم وحزيم كما يقال: عالم وعليم. والحازم: الذي يجمع من أمره ما تشتت بحسن الرأي, ومن أمثالهم: «قد أحزم أو أعزم»؛ أي: أني أعرف كيف ينبغي أن تكون الأشياء, غير أني لا أقطع بالعزيمة. وإنما قيل للرجل: حازم من قولهم: حزم المتاع: إذا جمع أشتاته, يراد أنه يفعل ما يؤدي إلى السلامة والحفظ, ونسب الرحمة إلى الكبد لأن المتقدمين يذكرون ذلك, قال الشاعر: [البسيط]
إني لعمرك لا أقضي الغريم وإن ... طال المطال ومارقت له كبدي
إلاعصا أرزنٍ طارت برايتها ... تنوء ضربتها بالكف والعضد
وقالت امرأة من العرب: [الكامل]
لما رأوهم لم يحسوا مدركًا ... وضعوا أناملهم على الأكباد
أي: إنهم رقوا لفقد هذا المنعي, فوجدوا المضض في أكبادهم, فوضعوا عليها الأيدي, ويقال: كبد وكبد, وبعضهم يقول: كبد, فيفتح الكاف, ويسكن الباء, ويجب أن يكون ذلك على اللغة الربعية.
وقوله:
وأحسن معتم جلوسًا وركبةً ... على المنبر العالي أو الفرس النهد
الركبة: الهيأة التي يكون عليها الراكب. والركبة: المصدر, وهذا شيء كالمطرد يكسرون أول الهيئآت, ويفتحون أوائل المصادر, فيقولون: جلس جلسةً واحدة, وما أحسن جلسته, ومثل ذلك كثير متردد, والفرس: يقع على الذكر والأنثى, ومن الكلام المروي عن العرب:
стр. 457
خير المال فرس في بطنها فرس يتبعها فرس. والنهد: العالي الضخم, وهو من قولهم: نهد لكذا؛ أي: نهض له.
وقوله:
وقد كنت أدركت المنى غير أنني ... يعيرني أهلي بإدراكها وحدي
(٦٨/أ) أصحاب النقل يختارون عيرته كذا بغير باء, وتوجد في كتبهم ومصنفاتهم الباء كثيرةً في هذا الموضع. فأما الشعر القديم فقلما يوجد فيه عيرته بكذا. قال المتلمس: [الطويل]
يعيرني أمي رجال ولن ترى ... أخا كرمٍ إلا بأن يتكرما
وقال آخر: [الطويل]
أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يابن ريطة ظاهر
وأنشد ابن الأعرابي في دخول البناء: [الرجز]
بالموت ما عيرت يالميس
وقد مضى هذا البيت.
وقوله:
وكل شريكٍ في السرور بمصحبي ... يرى بعده من لا يرى مثله بعدي
الهاء في قوله: يرى بعده عائدة على المصحب, وقد يجوز أن تكون عائدة على شريك.
والهاء في مثله: عائدة على الشريك.
стр. 458
ومن أبيات أولها
وزيارةٍ من غير موعد ... كالغمض في الجفن المسهد
وهي من سادس الكامل.
أي: إن هذه الزيارة كنا إليها مشتاقين كاشتياق الجفن المسهد إلى الغمض, وكسر عين موعد مع فتح الهاء الثانية في المسهد سناد عند الخليل, وليس عند الأخفش بسناد.
وقوله:
معجت بنا فيها الجيا ... د مع الأمير أبي محمد
المعج: ضرب من السير سهل, ومنه قولهم: تمعج السيل والمكان, قال القطامي: [البسيط]
صافت تمعج أعناق السيول به ... من باكر سبطٍ أو رائحٍ يبل
ومن أبيات أولها
ماذا الوداع وداع الوامق الكمد ... هذا الوداع وداع الروح للجسد
وهي من البسيط الأول.
قوله:
إذا السحاب رفته الريح مرتفعًا ... فلا عدا الرملة البيضاء من بلد
стр. 459
السحاب: يجوز أن يوجد ويذكر, وأن يجمع ويؤنث, وهو في هذا البيت مذكر. وفي كتاب الله سبحانه: ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ , فهو مؤنث تأنيث الجمع.
ورفته الريح يحتمل الوجهين:
أحدهما أن يكون من رفأت الثوب على تخفيف الهمز؛ لأنهم قد حكوا رفا الثوب يرفوه, فكأن الريح رفته كما يرفى الثوب, وجمعت بعضه إلى بعضٍ.
والآخر أن يكون من رفوت الرجل إلى رفقت به وسكنته, قال أبو خراش الهذلي: [الطويل]
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
وقالوا: فلان يرافيني؛ أي: يداريني, ويرفوني, قال الشاعر: [الوافر]
ولما أن رأيت أبا خبيبٍ ... يرافيني ويكره أن يلاما
ووصف الرملة بالبيضاء لفضل البياض, كأنه أراد حسن البلد وضياءه, ويقال: إنها في رمل أحمر إلى السواد, وقيل: إن بالقرب منها رملًا أبيض, وقد ذكرت في الشعر الفصيح, قال الشاعر: [الطويل]
وحنت قلوصي فاستمعت لسجرها ... برملة لد وهي معقولة تحبو
لد: قرية عند الرملة, وجاء في الحديث: «الدجال يقتله المسيح بباب لد».
* * *
стр. 460
قافية الذال
من التي أولها
أمساور أم قرن شمسٍ هذا ... أم ليث غابٍ يقدم الأستاذا
وهي من الكامل الثاني.
قوله:
شم ما انتضيت فقد تركت ذبابه ... قطعًا وقد ترك العباد جذاذا
شم: في معنى انتض السيف, وقد يستعمل في معنى أغمد, وهو هاهنا في معنى الإغماد, وينشد بيت يقال إنه لجرير: [الطويل]
إذا هي شيمت فالقوائم تحتها ... وإن لم تشم يومًا علتها القوائم
فشيمت هاهنا: في معنى سلت. وقال الفرزدق في أن الشيم الإغماد: [الطويل]
بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت
يقول: قد حطمت سيفك مما تضرب به الأعداء, فذبابه قطع, وقد ترك أعداءك جذاذا؛ أي: قطعهم, ومنه قوله تعالى: ﴿فجعلهم جذاذا﴾ قرئ بالضم والكسر. وقوله: ترك العباد عموم لا بد فيه من التخصيص.
وقوله:
هبك ابن يزداذٍ حطمت وصحبه ... أترى الورى أضحوا بني يزداذا
(٦٨/ب) هبك: كلمة منقولة من قولهم: وهبت الشيء إلا أنهم جعلوها في معنى
стр. 461
اعدد, كأنه قال: اعدد نفسك أنك قتلت ابن يزداذ. قال الشاعر: [الطويل]
هبوني امرأً منكم أضل بعيره ... له ذمة إن الذمام كبير
أي عدوني واجعلوني.
وقوله:
غادرت أوجههم بحيث لقيتهم ... أقفاءهم وكبودهم أفلاذا
يحتمل أن يريد أن الضرب هتك وجوههم فأذهب الأنوف وما يعرف به الوجه, فقد صارت الوجوه كالأقفاء؛ لأنه لا تعرف لها صورة, وحذف حرف التشبيه لعلم السامع بما يريد, ويجوز أن يعني أنهم لقوه بوجوههم فلما هزمهم اتقوه بأقفائهم, فكأنه جعل وجوههم أقفاءهم. والأفلاذ: القطع. يقال: فلذ له من العطاء: إذا أعطاه قطعة منه. وفي الحديث: «قد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها»؛ أي: بأهلها الذين هم العادة, وعليهم المعول.
وقوله:
في موقفٍ وقف الحمام عليهم ... في ضنكه واستحوذ استحواذا
الضنك الضيق. قال عنترة: [الكامل]
إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
وقالوا: امرأة ضناك؛ أي: عظيمة الخلق, كأن لحمها ضايق بعضه بعضًا, فيجوز أن تكون مسماةً بالمصرد من ضانك يضانك ضناكًا, قال الشاعر: [الطويل]
ضناك على نيرين أمست لداتها ... بلين بلى الريطات وهي جديد
وأنشد ابن الأعرابي: [الطويل]
стр. 462
يقول لها الرؤون أين خيارها ... أهاتيك أم هاتا التي لم تضانك
أي: التي لم تزاحم صاحبتها في المنبت. واستحوذ عليهم: إذا استولى, ولم يجئ أبو الطيب بمصدرٍ لأجل القافية إلا في هذا البيت.
وقوله:
جمدت نفوسهم فلما جئتها ... أجريتها وسقيتها الفولاذا
يقال: كأنهم من الفزع جمدت نفوسهم فلم تقدر على التصرف, فلما جئت أجريتها على السيوف, فكأنك سقيتها الفولاذ, وهو خالص الحديد, وليس أصله بعربي. والنفوس هاهنا بمعنى الدماء؛ لأنها تصحب الأنفس مادامت حيةً, فإذا الدم ذهب زالت النفس بزواله, وبعض العامة يقول: البولاذ بالباء, والأعاجم ينطقون بحرف بين الباء والفاء, وقد فعل ذلك بعض أهل اليمن, فإذا جاءت الكلمة الأعجمية جعلها العرب مرة فاءً ومرة باءً, كما قالوا: فرند السيف وبرنده, ويجوز أن يكون الفولاذ من هذا الحيز.
وقوله:
لما رأوك رأوا أباك محمدًا ... في جوشنٍ وأخا أبيك معاذا
جوشن الرجل: صدره, وسميت هذه الآلة جوشنًا؛ لأنها تكون على الصدر, وجواشن الليل: صدوره وغياهبه. قال الراجز: [الرجز]
مروا بهم على جواشن الليل ... مر الصعاليك بأرسان الخيل
وقالوا: مر جوشن من الليل: أي: قطعة, فيجوز أن تكون النون زائدة في جوشنٍ, كما قالوا في ضيفن, وهو من ضاف يضيف؛ لأنهم يقولون: مضى جوش من الليل, بغير نونٍ, والمعنى أنهم لما رأوا هذا المذكور رأوا أباه وعمه في جوشنٍ؛ لأنه قد جمع شبهًا للرجلين.
وقوله:
أعجلت ألسنهم بضرب رقابهم ... عن قولهم لا فارس إلا ذا
لما كانت (ذا) تستصحب حرف التنبيه كثيرًا وقع الفرق بين قولهم هذا وبين قولهم ذا,
стр. 463
فخرج هذا الشعر بتلك العلة من الإيطاء, وقد يكون إيطاءً على مذهب قومٍ؛ لأن من أهل العلم من يتشدد في تشابه اللفظ وإن اختلفت المعاني, فيجعل ذهب إذا أريد به الفعل الماضي مع الذهب الذي يراد به هذا الشيء المعروف إيطاءً لاتفاق اللفظين, وكذلك يجعلون الرجل بالألف واللام مع رجل إذا نكر إيطاءً, وفي ذلك بينهم خلاف.
وقوله:
غر طلعت عليه طلعة عارضٍ ... مطر المنايا وابلًا ورذاذا
هذا الموضع على رأي أبي عبيدة يجب أن يستعمل فيه أمطر؛ لأن أمطر عنده للعذاب والسخط, ومطر للرحمة. وقال قوم: هما سواء. والوابل الشديد الوقع من المطر, والرذاذ يزيد على الطل شيئًا.
وقوله:
سدت عليه المشرفية طرقه ... فانصاع لا حلبًا ولا بغداذا
انصاع: أي: ذهب في شق, قال الأخطل: [البسيط]
فانصاع كالكوكب الدري منصلتًا ... والثور يخلط تقريبًا بإحضار
ونصب حلبًا بإضمار فعلٍ كأنه قال: لا أتي حلبًا ولا بغداذ. وبغداذ تستعمل بالذال (٦٩/أ) تارة وبالدال أخرى, وإنما استعملوها في الإسلام بعد أن نزل بها أبو جعفر وقيل: إن ذاذا اسم صنمٍ, وبغ أصله باغ في كلامهم, وهو البستان, فكأنهم أرادوا بستان الصنم, وقيل: أرادوا ببغ العطية؛ وذاك غير ممتنعٍ؛ لأنه يقال: هذا بستان فلان, فإن قيل:
стр. 464
هذا عطية فلان احتمل وجهين: أحدهما أن يكون هو الذي أعطيه, والأحسن أن يكون هو الذي أعطاه.
ولأجل الصنم اختاروا أن يقولوا مدينة السلام ولا يقولون: بغداذ, وقد جاءت أشعار فيها ذكر بغداذ, وهي مما قيل في أيام بني العباس, وقالوا: بغدان, بالنون, قال الشاعر:
لعمرك لولا حاجة ما تعفرت ... ببغدان في بوغائها القدمان
وقد استشهدوا بهذا البيت؛ لأنه قد كان في أيام العباسيين فصحاء, كأبي حزامٍ العكلي وغيره.
وقوله:
طلب الإمارة في الثغور ونشؤه ... ما بين كرخايا إلى كلواذا
نشؤه: مصدر نشأ ينشأ نشئًا. وكرخايا وكلواذا: اسمان أعجميان. وذكر أحمد بن يحيى في (المقصور والممدود) أن كلواذا تمد وتقصر, وهي كلمة مولدة, وليس في كلامهم الكلد, فتكون هذه الكلمة مشتقةً منه أو موافقةً له كما يتفق اللفظان: أحدهما أعجمي, والآخر عربي, كقولهم: يعقوب في اسم النبي صلى الله عليه, ويعقوب لذكر الحجل.
стр. 465
وقوله:
فكأنه حسب الأسنة حلوةً ... أو ظنها البرني والآذاذا
البرني والآذاذ: ضربان من التمر, فأما البرني فقد تردد في شعر العرب, وليس بعربي في الأصل, ورووا أن وفدًا قدم على النبي ﷺ فسألهم إن كان معهم تمر برني. والذين يخبرون أنواع التمر يذكرون أنه أقلها مضرةً للآكل. وأنشد الأخفش: [الطويل]
باتوا يعشون القطيعاء ضيفهم ... وعندهم البرني في جلل ثجل
وأما الآذاذ فقليل التردد في الشعر. وحكي أن الكميت بن زيدٍ قدم على بعض السلاطين يمدحه. فقيل له: إن الأمير قد رد الشعراء ولم يسمع منهم, فقال: إنهم حملوا دقلًا وحملت آذاذًا.
وقوله:
أعجب بأخذكه وأعجب منكما ... ألا تكون لمثله أخاذا
إذا أضيف المصدر إلى الكاف, فكان متعديًا إلى مفعول, فأضمر ذلك المفعول, جاز أن يجاء بالضمير المنفصل تارة, والمتصل أخرى. فقوله: أعجب بأخذ كه: الهاء من الضمير المتصل, ولو أنه في غير الشعر لاحتمل أن يقول: أعجب بأخذك إياه, فإذا أضفت المصدر إلى الهاء قبح أن تقول عجبت من أخذهه, وهو على قبحه غير الممتنع, والأحسن أن تفصل بين الهاءين بياء فتقول: عجبت من أخذهيه كما تقول: من أخذه إياه, فإن قلت: عجبت من أخذهيك فمجيء الكاف بعد الهاء مكروه.
* * *
стр. 466
قافية الراء
من التي أولها
سر حل حيث تحله النوار ... وأراد فيك مرادك المقدار
وهي من ثاني الكامل.
والنوار والنور واحد, والشعر يدل على أنهم يعنون بالنون الأبيض؛ لأنهم شبهوا الثغر بنور الأقاحي قال الشاعر: [الطويل]
من لامني على النوار فليته ... رآها معي يوم الكثيب فينظر
بثغرٍ كنور الأقحوان اجتليته ... غداة الشروق والسحابة تمطر
والأقيس أن يكون النور والزهر يستعملان في معنًى واحدٍ, فيقعان مرةً على الأبيض, ومرةً على الأصفر, ومرةً على الأحمر, وقال قوم: الزهر الأحمر والأصفر, والاشتقاق يدل على أنه من الزهرة؛ أي: البياض.
وقوله:
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار
التشييع مأخوذ من اتباع الشيء, وهو من قولهم: آتيك غدًا وشيعه؛ أي: اليوم الذي بعده, وقيل لشبل الأسد: شيعه؛ لأنه يتبعه. قال عمر بن أبي ربيعة: [الكامل]
قال الخليط غدًا تصدعنا ... أو شيعه أفلا تودعنا
والديمة: مطر في سكونٍ, وأقل ما يكون فيما زعموا يوم وليلة. وقالوا في الجمع: ديم وديم, كما قالوا: سدر وسدر في جمع سدرةٍ. وقالوا: ديم السحاب؛ إذا جاء بالديمة, قال
стр. 467
الراجز: [الرجز]
هو الجواد بن الجواد بن سبل ... إن ديموا جاد وإن جادوا وبل
(٦٩/ب) وقالوا: كثيب مديم؛ إذا أصابته الديمة, وأصل هذه اللفظة الواو لأنها من دام يدوم, إلا أنهم ألفوا الياء فقالوا: ديم, ولو حملوه على الأصل لقالوا: دوم, وقد حكي: دام المطر يديم, وإنما حملهم على ذلك أنسهم بالياء في الديم وديم. والمدرار: مفعال من درت تدر: إذا غزر ماؤها.
وقوله:
وأراك دهرك ما تحاول في العدى ... حتى كأن صروفه أنصار
الصروف: جمع صرفٍ, وهو مصدر من صرف يصرف؛ أي: يصرف الإنسان عن مراده, وأصل المصدر ألا يجمع إلا أن تختلف أنواعه, فلما كان صرف الدهر متقلبًا كثير الأنواع جمعوه لهذه العلة, وقالوا: قتل, فلم يجمعوه, وإن ورد على ضروبٍ كثيرةٍ, وكذلك طعن وأكل, وما لا يدركه العدد من المصادر.
وأنصار: ربما قيل: جمع ناصرٍ. وقال قوم: جمع ناصر على نصرٍ أو قدر على هذا التقدير, كما قالوا: صاحب وصحب, ثم جمع نصر على أنصارٍ, كما قالوا: صحب وأصحابز
وقوله:
أنت الذي بجح الزمان بذكره ... وتزينت بحديثه الأسمار
أصل السمر فيما يقال: ظل القمر. ثم سمي الحديث في القمر سمرًا, ثم كنوا عن الليل بالسمر, فقالوا: جئناهم سمرًا؛ أي: ليلًا, كأنهم أرادوا وقت السمر.
والبجح: يستعمل في معنى الفخر, وقالوا: بجحت وبجحت في معنى فرحت: والمعنيان متقاربان؛ لأن الفخر لا يكون إلا عن فرح الإنسان ربما رزقه مما لم يرزقه سواه, وفي حديث أم زرعٍ: «وبجحني فبجحت» , وفي رواية أخرى: «وبجحني فبجحت نفسي إلي» ,
стр. 468
وفسروا قول الراعي على الفرح:
وما الفقر من أرض العشيرة ساقنا ... إليك ولكنا بقرباك نبجح
وقوله:
وله, إن وهب الملوك, مواهب ... در الملوك لدرها أغبار
الأغبار: جمع غبرٍ, وهو بقية اللبن في الضرع, ثم جعلوا كل بقيةٍ غبرًا. والدر في هذا البيت: اللبن بعينه, سمي بالمصدر, من قولك: در يدر درا, وكانت العرب تعمد إلى ضرع الناقة فتضرب أسفله بأيديها, وتغسله بالماء البارد, فإذا فعل الرجل ذلك قالوا: كسع الإبل بأغبارها, قال الحارث بن حلزة:
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
وفي الحديث: «ولا تأبطتني الإماء في غبرات المآلي». الغبرات: جمع غبرٍ. وغبر: جمع غابر؛ أي: باقٍ. والمآلي في هذا الحديث: خرق الحيض. وتغبرت الشيء إذا أخذت بقيته, وتزج رجل من يشكر امرأةً مسنةً, فقيل له في ذلك, فقال: لعلي أتغبر منها, فسمي ولده غبر.
وقوله:
وتحيد عن طبع الخلائق كله ... ويحيد عنك الجحفل الجرار
стр. 469
أصل الطبع أن يطغي الصدأ فرند السيف, قال الراجز: [الرجز]
إنا إذا قلت طخارير القزع ... وصدر الشارب منها عن جرع
نفحلها البيض القليلات الطبع
ويروى: نفحلها, ثم قالوا لمن تقبح أخلاقه: إنه لطبع. وقالوا: لا خير في طمعٍ يدني إلى طبعٍ؛ أي: تدنس عرضٍ. قال ثابت قطنة:
لا خير في طمعٍ يدني إلى طبعٍ ... وغفة من قوام العيش تكفيني
والغفة: البلغة من العيش. والجرار: الجيش العظيم, كأنهم أرادوا أنه يجر الناس خلفه يرجون المغنم, وتتبعه الوحش والطير تؤمل أن تأكل من قتلاه.
وقوله:
يا من يعز على الأعزة جاره ... ويذل في سطوااته الجبار
الجبار: فعال من قولهم: أجبرت الرجل على الشيء؛ إذا أكرهته على فعله, وحكى بعضهم: أجبرته وجبرته في معنى الإكراه, فإذا حمل جبار على جبرت فمثله كثير؛ لأن الثلاثة من الأفعال يجيء في أسماء فاعليها فعال مجيئًا مطردًا, مثل: قطع فهو قطاع, وقتل فهو قتال, وإذا حمل على أجبر فهو شاذ؛ لأنهم قلما يستعملون فعالًا في أفعل, وحكى الفراء: هو دراك بالثأر, وهو من قولهم: أدرك. ولم يحكوا: درك ثأره, إلا أن الفراء يلزمه أن يجيز فعالًا في كل أفعل؛ لأنه يجيز فعل في كل ذلك.
стр. 470
وقوله: (٧٠/أ)
وبدون ما أنا من ودادك مضمر ... ينضى المطي ويقرب المستار
الوداد: يجوز أن يكون مصدر وددت ودادًا, ويجوز أن يكون من واد يواد.
والمستار: مفتعل من السير, يجوز أن يقع على المصدر, وعلى المكال الذي يسار فيه, وجعلت المسيرة مستارًا لأنها يسار إليها, ويجوز أن يعنيها في هذا البيت.
قال أبو وجزة: [الرجز]
أشكو إلى الله العزيز الجبار
ثم إليك اليوم بعد المستار
وحاجة الحي وقط الأسعار
يقال: قط السعر إذا غلا.
وقوله:
إن الذي خلفت خلفي ضائع ... مالي على قلقي إليه خيار
وحد الذي, وهو يريد العيال؛ لأنه أراد النفر أو العدد أو نحو ذلك, ويجوز أن يجعل الذي شائعًا في الجنس؛ لأنها تشيع كغيرها مما فيه الألف واللام, فقول القائل: الذي في الدار له درهم, يحتمل أن يعني به واحدًا مقصودًا بعينه, ولا يمتنع أن يعني جماعةً كل واحدٍ منهم يستحق درهمًا.
стр. 471
ومن أبيات أولها
اخترت دهماءتين يا مطر ... ومن له في الفضائل الخير
وهي من المنسرح الأول.
قوله: ومن له في الفضائل الخير, موضع من نصب؛ لأنها تكون معرفةً ونكرةً, وهي هاهنا واقعة موقع النكرة؛ لأنها موصوفة بقوله: له في الفضائل الخير. والنكرة الموصوفة بابها النصب في النداء كأنه قال: يا ملكًا له في الفضائل الخير, وقال الشاعر في تنكير من: [السريع]
يارب من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين
وقال آخر:
ألا رب من قلبي له الله ناصح ... ومن قلبه لي في الظباء السوانح
والخير: جمع خيرةٍ, وقد قالوا: خيرة. فإذا جعلت جمع المتحركة الياء فهي مثل عنبةٍ وعنبٍ, وإن جعلت جمع التي ياؤها ساكنة فهي مثل سيرةٍ وسيرٍ, فأراد اخترت دهماء هاتين الفرسين.
وقوله:
وربما فالت العيون وقد ... يصدق فيها ويكذب النظر
استعار فالت للعين, وإنما يستعمل في الرأي, يقال: فال الرجل وفال رأيه؛ إذا أخطأ
стр. 472
وضعف, يقول: ربما فالت العيون؛ أي: نظرت إلى الشيء فأعجبها وتفرست فيه الخير, ثم وجد على غير ذلك, يقال: فال الرجل فهو فائل وفال وفيل, قال الراجز:
إنما تميمًا كان شيخًا فائلا ... أنكح هند ابنة مر وائلا
فولدت خبلًا عليه خابلا ... عنزًا وبكرًا غلبا القبائلا
وتغلب الغلباء سما ثاملا
ثامل: من قولهم: مثمل إذا عمل وترك, وقال جرير: [الوافر]
رأيتك يا أخيطل إذ جرينا ... وجربت الفراسة كنت فالا
وقال الكميت: [الوافر]
بني رب الجواد فلا تفيلوا ... فما أنتم فنعذركم لفيل
وقوله:
أنت الذي لو يعاب في ملأ ... ما عيب إلا بأنه بشر
البشر: يقع على الواحد والجمع, وفي الكتاب العزيز: ﴿نذيرًا للبشر﴾؛ أي: لجمع الخلق, وفيه: ﴿ما هذا بشرًا﴾؛ أي: ما هذا إنسانًا. والبشرة, ظاهر الجلد. وقال قوم: يقال لباطنه: بشرة. وقالوا: بشر الرجل واستبشر وأبشر؛ إذا ظهر فيه سرور فحسنت بشرته.
وقوله:
وأن إعطاءه الصوارم والخيـ ... ـل وسمر الرماح والعكر
وقوله: وأن إعطاءه عطف على قوله: بأنه, وهذا المعنى يحتمل وجهين:
стр. 473
أحدهما أن يريد أن هذا ليس بعيبٍ فيكون نحوًا من قول النابغة: [الطويل]
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
ونحو قول الآخر: [الطويل]
فتًى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
والآخر: أن يكون غلا في وصف الممدوح, فجعله يشرف أن يكون من هذا البشر, ويكبر أن يعطي الصوارم والخيل, وأوقع المصدر هاهنا موقع العطاء, كأنه قال: وأن الذي يعطيه الصوارم والخيل. والعكر: جمع عكرةٍ, قيل: هي من الستين إلى المائة, وقيل: من السبعين, وقيل: ما زاد على المائة, والمراد أنها عدد كثير, وإن اختلفت العبارات.
ومن أبيات أولها (٧٠/ ب)
رضاك رضاي الذي أوثر ... وسرك سري فما أظهر
وهي من ثالث المتقارب.
قوله:
وسركم في الحشا ميت ... إذا أنشر الستر لا ينشر
стр. 474
خرج من مخاطبة الواحد إلى مخاطبة الجميع, وذلك كثير جدًا في كتاب الله سبحانه: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾. ويقال: أنشر الله الميت فنشر. وقرأ الحسن البصري: ﴿كيف ننشرها ثم نكسوها لحمًا﴾ , وقال الأعشى: [السريع]
لو أسندت ميتًا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبًا للميت الناشر
وقوله:
كأني عصت مقلتي فيكم ... وكاتمت القلب ما تبصر
يقول: لا تخشوا أن أظهر سرًا فإن بعض جوارحي لا يفشي إلى بعضها ما يعلمه من أخباركم, والعين هي التي تدل القلب على ما تبصر؛ فكأنها لا تعلمه بشيء لما تؤثره من فرط الكتمان.
وقوله:
دواليك يا سيفها دولةً ... وأمرك يا خير من يأمر
دواليك: كلمة موضوعة موضع المصدر ومعناها دوالًا بعد دوالٍ, كما أن قولهم: حنانيك؛ أي: حنانًا بعد حنانٍ, إلا أنهم يفردون حنانًا كثيرًا, وربما قالوا: دوال ودواليك من المداولة, وهو أن يفعل الشيء دولة بعد دولة, قال عبد بني الحسحاس: [الطويل]
إذا شق برد شق بالبرد مئزر ... دواليك حتى كلنا غير لابس
стр. 475
وأنشد أبو زيد لرجل يصف بنيه وأنهم بروه لما كبر: [الطويل]
لعمري لقد سر الضباب بنوه ... وبعض البنين حمة وسعال
جزوني بما ربيتهم وحملتهم ... كذلك ما إن الخطوب دوال
وينبغي أن يهمز (يأمر) في هذه القافية؛ لأن الهمزة إن جعلت ألفًا صار ذلك سنادًا.
وقوله:
أتاني رسولك مستعجلًا ... فلباه شعري الذي أذخر
الرسول: يقع على الواحد والاثنين والجميع. وقد جاء ذلك في القرآن, وتسمى الرسالة رسولًا, قال كثير: [الطويل]
لقد كذب الاشون ما بحث عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول
وقوله:
ولو كان يوم وغًى قاتماً ... للباه سيفي والأشقر
في كان ضمير تقديره: ولو كان اليوم يوم وغًى. ويجوز أن يكون المضمر, ولو كان إتيان رسولك؛ لأنهم يضمرون المصادر التي يدل عليها الكلام, فتكون مرةً في النية ومرةً يستدل عليها بالحرف.
ومن التي أولها
أرى ذلك القرب صار ازورارا ... وصار طويل السلام اختصارا
وهي من أول المتقارب.
стр. 476
والازورار: مأخوذ من ازور, وهو الميل عن الشيء, وصحت الواو في ازور لسكون ما بعدها وما قبلها. ويقال: إن الزور والعور وما كان مثلهما صححت فيه الواو؛ لأنه بني على ازور واعور, ولولا ذلك لوجب أن تقلب الواو ألفًا فيقال في الزور: زار, وفي العور: عار.
وقولهم: اختصر الشيء إذا أخذ منه ما قل, وهو مأخوذ من خصر الإنسان؛ لأن العرب تصف نفوسها بالضمر ودقة الخصور.
وقوله:
تركتني اليوم في خجلةٍ ... أموت مرارًا وأحيا مرارا
الخجلة: مصدر خجل. وكان ابن دريد يذهب إلى أن قولهم للذي يستحيي: خجل: كلمة مولدة, وحكى ابن السكيت في الأضداد أنه يقال: رجل خجل أي: نشيط, وخجل أي: كسلان, وأنشد عن أبي تمام الباهلي:
إذا دعا الصارخ غير المتصل ... أتاك منهم كل ذيالٍ خجل
أي نشيط. وجاء في الحديث: «أنه أتى على وادٍ خجلٍ مغن» , وفسروا الخجل الذي قد طال نبته؛ فهذا يحتمل أن يكون من خجل إذا نشط؛ كأن النبت أدركه نشاط فطال, ويجوز أن يكون من خجل إذا كسل؛ لأن النبت إذا طال تعطف, فكأنه كسل عن الانتصاب, قال الشاعر في صفة نبت: [الرمل]
فتسامى زمخري وارم ... مالت الأعراق منه واكتهل
стр. 477
وقيل: إنما قالواك خجل الرجل: إذا استحيا واضطرب عليه أمره, من قولهم: خجل النبت إذا طال؛ لأنه يضطرب وتضعف أصوله (٧١/أ) عن حمل الفروع. وقالوا: الخجل: سوء احتمال الغنى, والدقع: سوء احتمال الفقر, وأنشدوا للكميت: [المتقارب]
فلم يدقعوا عندما نابهم ... لصرف زمانٍ ولم يخجلوا
وجاء في الحديث في مخاطبة النساء: «إنكن إذا جعتن دقعتن, وإذا شبعتن خجلتن».
أي: ليس فيكن صبر ولا احتمال.
وأصل الموت خلو الجسد من الروح, ثم قيل لمن تقل حركته: هو ميت, وقد مات, فكأن الشاعر جعل ضعف نفسه بالخجل موتًا, وذهاب ذلك عنه حياةً له. وقالوا: مات الثوب إذا خلق, وقالوا للبهيمة إذا غلب عليها الهزال: ميتة. قال الراجز: [الرجز]
يا قوم من يحلب عنزًا ميته ... قد حلبت خطة جنبًا مسفته
خطة: اسم عنزٍ بعينها, وجنب: أي علبة, ومسفتة: مثل مزفتةٍ من الزفت.
وقوله:
ولكن حمى الشعر إلا القليـ ... ـل هم حمى النوم إلا غرارا
الغرار: نوم قليل, كأنه يغار الإنسان؛ أي: يجيئه على غرةٍ. وقالوا: ناقة مغار إذا كانت قليلة اللبن, وهو الغرار, كأنها تغر الحالب, فمرةً تعطيه لبنًا, ومرة تمنعه. قال الشاعر في صفة خيلٍ, وقيل صفة إبلٍ: [الوافر]
стр. 478
تراها من يبيس الماء شهبًا ... مخالط درةٍ منها غرارا
وقال الآخر: [المديد]
لا أذوق النوم إلا غرارا ... مثل حسو الطير ماء الثماد
وقوله:
وعندي لك الشرد السائرا ... ت لا يختصصن من الأرض دارا
الشرد: جمع شرودٍ, وهي الأبيات والقصائد, يريد أنها تشرد في الأرض كما تشرد النعام والإبل, ولا تثبت على حال؛ لأنها سيارة في البلاد, وقد وصفت الشعراء الشعر بالشرود, قال القطامي: [البسيط]
وربما ذب عني سير شرد ... يصبحن فوق لسان الراكب الغادي
وقوله:
فإني إذا سرن من مقولي ... وثبن الجبال وخضن البحارا
المقول: اللسان. ويقال: رجل مقول إذا وصف بالقول, وقالوا لمن هو دون الملك: قيل, وقالوا في جمعه: أقيال وأقوال, فاستدل قوم على أنه من القول؛ فإن أصله قيل فخفف.
كما قالوا: ميت وميت, وهين وهين, وزعم قوم أن الذي دون الملك سمي قيلًا من قال بالمكان إذا أقام به, أو من قلهم: تقيل أباه؛ إذا أشبهه. وقوله: وثبن الجبال: يصفهن بالسرعة, وإنما يريد أن الرواة تحملهن فيبلغن إلى من بينه وبينهن جبال. وكذلك يحملن في البحار فكأنهن قد خضنها إذا وصلن إلى البلد الذي دونه بحر.
стр. 479
وقوله:
سما بك همي فوق الهموم ... فلست أعد يسارًا يسارا
ومن كنت بحرًا له يا علي ... لم يقبل الدر إلا كبارا
تقول: سمت بك همتي فوق همم الناس؛ لأن الهمة تسمى هما, فإذا كنت موسرًا لم أعد ما أنا فيه يسارًا؛ لأن همتي أكبر منه فهي تطلب ما هو فوقه, وهذا البيت يجعل البيت الذي بعده يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون محمولًا على قوله: فلست أعد يسارًا يسارًا؛ أي: أني إذا أعطيت الدر لم أقبله إلا أن يكون من كباره, فالمعنى يجوز أن يراد به اليسار من المال.
والآخر, وهو أحسن, أن يحمل الكلام على الشعر, كأنه يقول: وإن كنت أقدر على أن ما تيسر من الشعر فلا أعد ذلك يسارًا منه؛ إذ كنت لا أقنع بالأبيات, ولا أرضى لمدحك إلا القصائد, وإني أرضى بالقطعة التي هي كالدرة حتى آتي بقصيدةٍ تشبه بما كبر من الدر.
ومن أبيات أولها
الصوم والفطر والأعياد والعصر ... منيرة بك حتى الشمس والقمر
وهي من البسيط الأول.
يقال: عصر وعصر وعصر, وقالوا في جمع العصر: عصور. ويقال: إن أعصر الذي تنسب إليه باهلة إنما سمي أعصر بقوله: [الكامل]
стр. 480
أغني إن أباك غير لونه ... كر الليالي واختلاف الأعصر
فقالت العرب: أعصر ويعصر, فأبدلوا من الهمزة ياءً كما قالوا: نصل يثربي وأثربي, وطير يناديد وأناديد.
وقوله:
يرى الأهلة وجهًا عم نائله ... فيما يخص به من دونها البشر
الأهلة: جمع هلال الشهر, وقيل إنه يسمى هلالًا ثلثًا, فإذا صارت له دارة سمي قمرًا, ويقال: أهل الهلال واستهل وأهللناه؛ إذا رأيناه أو دخلنا في الشهر الذي هو هلاله. قال طفيل الغنوي:
أهلت شهور المحرمين وقد تقت ... بأذنابها روعات أكلف مقرم
وقال آخر:
إذا ما سلخت الشهر أهللت غيره ... كفى حزنًا سلخي الشهور وإهلالي
وقوله:
ما الدهر عندك إلا روضة أنف ... يا من شمائله في دهره زهر
(٧١/ ٥) الروضة: يقال: إنها تكون في السهل, هكذا يقول بعض الناس, فأما الشعراء فقد نسبوها إلى الحزن, قال الأعشى: [البسيط]
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل
стр. 481
وقال كثير: [الطويل]
فما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها
ويزعمون أن الحزن الذي يذكره الشعراء هو موضع بعينه بنجدٍ. ويذكرون أن الروضة إذا كانت على مرتفعٍ من الأرض قيل لها: ترعة. ويقال: روض المكان ترويضًا, واستراض: إذا صارت فيه روضة. والأنف: التي لم ترع, فالذي يرعيها ماله كأنه يستأنفها؛ أي: يأخذ أولها؛ لأنها مأخوذة من الأنف. ويقال: شراب أنف؛ أي: مستأنف قد بدئ بشربه, وكأس أنف. قال امرؤ القيس:
أنف كلون دم الغزال معتق ... من خمر عانة أو كروم شبام
ويروى: سنام. وقال الراجز:
إن الشواء والنشيل والرغف ... والغادة الحسناء والكأس الأنف
للضاربين الهام والخيل قطف
والشمائل تستعمل في الخلق والخلق, يقال: هو حسن الشمائل؛ أي: الأخلاق والخلق, قال امرؤ القيس: [الطويل]
ونعرف فيه من أبيه شمائلًا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
ويقال لواحد الشمائل: شمال, والنحويون يرون أن شمالًا تكون واحدًا وجمعًا؛ لأن فعيلًا وفعالًا أخوان, فلما كانوا يقولون: كريم وكرام, وظريف وظراف, أجروا فعالًا إذا كان واحدًا مجرى فعيلٍ في الجمع, ومثله قولهم: دلاص للدرع الواحدة والجميع. وذهب سعيد ابن مسعدة إلى أن قوله تعالى: ﴿واجعلنا للمتقين إمامًا﴾ جمع يجعله من باب دلاصٍ
стр. 482
وشمالٍ. فأما كون الشمال في معنى الخليقة فمنه قول السلمي: [الطويل]
أبي الشتم أني قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
وقالوا: رجل مشمول الخلائق؛ أي: مبارك ميمون, ومشمول الخليقة؛ أي: مشؤوم, وذكره ابن السكيت في «الأضداد».
وقوله:
فإن حظك من تكرارها شرف ... وحظ غيرك منه الشيب والكبر
الشرف: يستعمل في الخلائق الرفيعة, وهو مأخوذ من الشرف, وهو العالي من الأرض, فالشريف كأنه متعالٍ بخلائقه. وزعم قوم أن الشرف لا يكون إلا من قبل الآباء. وأشراف الجسد أعالي خلقه. ويقولون: أعد إتيانكم شرفةً؛ أي: أتشرف به وأرتفع. وشرف فلان فلانًا يشرفه إذا زاد عليه في الشرف. وقالواة: ناقة شارف وشريف وشروف: إذا كانت عالية السن, وقلما يستعملون الشارف في الذكور, وقد وصف ذو الرمة الربع بشارفٍ, فقال:
كما كنت تلقى قبل من كل منزلٍ ... أقامت به مي فتي وشارف
стр. 483
ومن أبيات أولها
ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته ... لا يصدق الوصف حتى يصدق النظر
وهي من البسيط الأول.
قوله:
فكنت أشهد مختص وأغيبه ... معاينًا وعياني كله خبر
هذا كلام يحمل على المجاز؛ لأنه ادعى أنه شاهد غائب, وهاتان الحالان لا تجتمعان, إلا أنه يحمل على أنه حضر ذلك اليوم, فكان بحضورة شاهدًا, ولم يعابن سيف الدولة, فكان كأنه غائب. ثم ذكر أنه معاين وعيانه خبر, كأنه إذا سمع خبرًا صحيحًا قام ذلك له مقام العيان. وقولهم: عاين كذا أصله أن يكون من فعل اثنين, فيقال: عاين فلان فلانًا؛ إذا رأى كل واحدٍ منهما الآخر بعينه. ويمكن أن يكون مأخوذًا من عين الشيء, وهو حقيقته, إلا أن أصل الباب في هذه اللفظة لعين النظر, ثم قالوا: عاين فلان البلد: إذا رآه بعينه, وكان البلد قريبًا منه بمنزلة الرجل الذي يعاينه.
وقوله:
وقد تبدلها بالقوم غيرهم ... لكي تجم رؤوس القوم والقصر
يقول: تنقل سيوفك من قومٍ إلى قوم ليكثر القوم الذين أوقعت بهم, وأنت مشغول بسواهم لتجم رؤوس القوم؛ أي: تكثر. يقال: جم الشيء يجم إذا كثر. وأكثر ما يستعملون ضم الجيم في البئر وما كان من المياه. والقصر جمع قصرةٍ, وهي أصل العنق, ومنه قولهم لأصول الشجر: قصر, وقرأ بعضهم: ﴿إنها ترمي بشررٍ كالقصر﴾ بفتح الصاد.
وقوله:
تشبيه جودك بالأمطار عاديةً ... جود لكفك ثانٍ ناله المطر
стр. 484
يقول: إذا شبه جودك بالمطر فذلك جود منك عليه, ولو أمكنه الوزن لكان قوله: تشبيه الأمطار بجودك أولى في المنطق. وهذا المعنى ضد قوله في الأخرى:
وأنك لا تجود على جوادٍ ... هباتك أن يلقب بالجواد
لأنه جعله في هذا البيت غير جائدٍ على جواد بهذه الصفة, وجعله في البيت الأول قد جاد على المطر (٧٢/أ) لما شبه جوده به.
وقوله:
تكسب الشمس منك النور طالعةً ... كما تكسب منها نورها القمر
يقال: إن نور القمر من نور الشمس, وإنها تضيء لما فوقها من الكواكب وما تحتها؛ لأنها متوسطة, فوقها ثلاثة أفلاكٍ, وتحتها ثلاثة.
ومن التي أولها
طوال قنا تطاعنها قصار ... وقطرك في ندًى ووغًى بحار
وهي من الوافر الأول.
يقول للمدوح: طوال قنا تطاعن فرسانها قصار, وليس هذا وصفًا لها بالقصر, ولكنه يريد أنها وإن كانت طوالًا فهي قصيرة عند رماحه, ولولا مجيء النصف الثاني وتبيينه المراد بالنصف الأول لاحتمل أن يكون قوله طوال قنا خبر مبتدأٍ محذوف كأنه قال: هذه طوال قنًى, وذلك كثير جدًا, ومنه قول القطامي:
أمور لو تدبرها حليم ... إذًا لنهى وهيب ما استطاعا
стр. 485
أي: هذه أمور, وتلك أمور. وقطرك: جمع قطرةٍ, ولا يحسن أن يجعل القطر هاهنا مصدر قطر يقطر قطرًا؛ لأنه قار بحار, وأخبر عن الجمع بالجمع.
وقوله:
وأخذ للحواضر والبوادي ... بضبطٍ لم تعوده نزار
أخذ: من قولهم: فلان يأخذ نفسه بالمكارم وبالفعل الأجمل؛ أي: يرفع نفسه عن الدنايا. وضبط: مصدر ضبط يضبط. وقالوا: أسد أضبط, ولبؤة ضبطاء, وكذلك يقولون لكل من يعمل بيديه؛ لأن ذلك تفضيل له على من يعمل بيمينه ما لا يعمل بشماله. قال تأبط شرًا:
كأن الذي يأوي إلي بنفسه ... يلوذ بضبطاء الذراعين مشبل
وأصل الضبط باليد, ثم اتسعوا فيه فقالوا: فلان يضبط ما يحفظ؛ أي: لا ينساه, والسلطان يضبط الرعية؛ أي: يسوسهم ويكف بعضهم عن بعضٍ, وليس هـ نالك ضبط باليد, وإنما هو بالرأي والتدبير, فلما كان يفتقر في السياسة إلى أيدي الأصحاب جعل كأنه يضبط بيديه. وقالوا في المثل: «أضبط من ذرةٍ وأضبط من نملةٍ»؛ لأنها تجر ما تصغر عنه. وقالوا: هو أضبط من عائشة بن عثمٍ, وهو رجل من سعد بن زيد مناة بن تميم وقف على بئرٍ ليسقي إبله فازدحمت الإبل على فم البئر فهوت منها بكرة. وكان أخوه قد نزل لينظر ما شأن الماء, فصاح إليه أخوه: الموت؟ فقال: ذلك إلى ذنب البكرة, وكان قد ضبط ذنبها؛ فيقال: إنه أخرجها من البئر, وسلم أخوه.
وقوله:
تشممه شميم الوحش إنسًا ... وتنكره فيعروها نفار
يقول: ضبطك للرعية ما تعودت نزار مثله؛ لأنها كانت لا تدين للملوك, ولا تذعن لها بالطاعة, فهي تشمم هذا الضبط كما تشمم الوحش الأنيس, فإذا علمت أنهم إنس نفرت
стр. 486
منهم. يقال: شممت وشممت, والكسر أفصح, قال الراجز:
يابن هشامٍ عصر المظلوم ... أشكو إليك جنف الخصوم
وشمةً من شارفٍ مزكوم ... قد خم أو زاد على الخموم
شممتها فكرهت شميمي
فأما ما قول الآخر:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
فيجوز أن يكون شميم مصدرًا, وفعيلًا في معنى مفعولٍ, مثل: ذميمٍ في معنى مذمومٍ.
وقوله:
فأقرحت المقاود ذفرييها ... وصعر خدها هذا العذار
جعل نزارًا كالدابة التي كانت غير مطيعةٍ القائدين, فلما كلفها الممدوح ذلة القود أقرحت المقاود ذفرييها؛ أي: جعلت فيهما قرحًا.
والذفريان: تثنية ذفرى, وهي معقد العذار من الفرس, يستعمل للإنسان والخيل والإبل, قال ذو الرمة:
والقرط في حرة الذفرى معلقة ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب
وقال عنترة:
ينباع من ذفرى غضوبٍ جسرةٍ ... زيافةٍ مثل الفنيق المكدم
ويقال: إن اشتقاق الذفرى من الذفر, وهي الرائحة الكريهة والطيبة, وسميت بذلك لأن عرق الإبل ينتح من الذفاري, وليست رائحته بالطيبة. وصعر خدها: أي جعل فيه صعرًا, وهو الميل.
стр. 487
وقوله:
وغيرها التراسل والتشاكي ... وأعجبها التلبب والمغار
يقول: طمعت هذه القبيلة فغيرها عما يعهد أن بعضها راسل بعضًا, واشتكى إليه ما يلقاه من الذل, فحثها ذلك على المخالفة. والتلبب: التحزم لشهود الحرب, قال الشاعر:
إني أحاذر أن تقول ظعينتي ... هذا غبار ساطع فتلبب
وقيل: المتلبب: الذي يلبس اللبابة, وهي شبيهة بالصدرة. والمغار: مصدر أغار.
وقوله: (٧٢/ب)
وكنت السيف قائمة إليها ... وفي الأعداء حدك والغرار
فأمست بالبدية شفرتاه ... وأمسى خلف قائمه الحيار
يقول: كنت السيف تقاتل عن هؤلاء القوم لما كانوا في طاعتك, ومن شأن من معه سيف أن يكون قائمه إليه وفي كفه, وهو نحو من قول الأول:
نقاسمهم أسيافنا شر قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وإذا قيل: إن الغرار الحد, حمل على أنه كرر المعنيين لاختلاف اللفظ, وقيل: الغرار ما بين حد السيف وعيره, فإذا أخذ بهذا القول فقد سلم من التكرير. يقال: وضع الشيء على غرار واحدٍ؛ أي: على طريقةٍ معلومة. يقول: لما خالف هؤلاء القوم زالت هيئة السيف عما كانت عليه, وإنما يزيد بالسيف الممدوح. فأمست بالبدية شفرتاه, كأن هذه العرب كانت نازلةً بالبدية. وأمسى خلف قائمه الحيار: كأنه جعل سيف الدولة في هذا الموضع الذي خلفه الحيار.
وقوله:
وكان بنو كلابٍ حيث كعب ... فخافوا أن يصيروا حيث صاروا
стр. 488
يقول: كانت بنو كلاب تحت ظل الممدوح, وفي ذراه مع كعب هذه, فخافت أن تصير بمنزلة بني كعبٍ قد عدت في الأعداء, وخشيت أن تطرد كما طردت كعب.
وقوله:
فأقبلها المروج مسوماتٍ ... ضوامر لا هزال ولا شيار
مسومات: يحتمل أن تكون معلماتٍ من السيمة, وهي العلامة, وأن تكون من سومت المال إذا أخليته في الرعي. والشيار: السمان, ولا واحد لها من لفظها, وهي مشتقة من الشارة, وهي حسن الهيئة؛ لأن الخيل إذا سمنت حسنت في الأعين, ومن الأمثال: «قال: أرني حسنًا, قال: أريك سمينًا». واستعمل في هذا الموضع لا النافية المبنية مع الاسم, وليس هي متحققة بهذا المكان, ولولا الضرورة لكان أولى من ذلك أن يقول: لا هزالًا فيها ولا شيارًا, فيجعلها محمولةً على قوله: ضوامر, وإنما حمله على قوله: لا هزال فيها ولا شيار فهذا أسوغ من قراءة السلمي: ﴿لا ذلوا تثير الأرض﴾. وقال عمرو بن معدي كرب في الشيار: [الطويل]
أعامر لو كانت شيارًا جيادنا ... بتثليث ما ناصيت فيها الأحامسا
وقوله:
تثير على سلمية مسبطرا ... تناكر تحته لولا الشعار
سلمية: بناء مستنكر, ولا ريب أنه أعجمي. ومسبطرًا: أي: غبارًا ممتدًا, يقال:
стр. 489
اسبطر في طريقه إذا امتد, قال ابن ربيعة: [المنسرح]
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تمشي على أثري
يقول: هذه الخيل تناكر تحت هذا العجاج المسبطر؛ أي: لا يعرف بعضها بعضًا, وإنما يعني الفرسان, لولا الشعار الذي قد جعلوه علامةً بينهم.
وقوله:
عجاجًا تعثر العقبان فيه ... كأن الجو وعث أو خبار
جعل العجاج ينعقد حتى تعثر به العقبان وهي تطير في الهواء. والجو: ما بين السماء والأرض. والوعث: أرض سهلة تسوخ قدم الماشي فيها, فيناله من ذلك تعب, والخبار: نحو من الوعث إلا أن فيه شقوقًا وجحرةً, ومن الوعث قالوا: وعثاء السفر؛ أي: ما يشق على المسافر منه ويصيبه من النصب والمرض, ومنه قول الكميت: [الطويل]
فأين ابنها منا ومنكم وبعلها ... خزيمة والأرحام وعثاء حوبها
وقوله:
يشلهم بكل أقب نهدٍ ... لفارسه على الخيل الخيار
يقال: شله يشله شلًا وشللًا إذا طرده, ومنه الشلة, وهي نية القوم حيث انتووا؛ لأنها تطردهم من الدار التي كانوا فيها, قال الهذلي: [الوافر]
فقلت تجنبن سخط ابن عمي ... ومطلب شلةٍ وهي الطروح
والأقب: الفرس الذي قد لحق بطنه بأيطليه, لفارسه الخيار على الخيل؛ أي: ما شاء فعل بها وبالفرسان, أي: إن أراد أن يلحق لحق, وإن شاء أن يطعن فهو مقتدر على الطعن.
стр. 490
وقوله:
وكل أصم يعسل جانباه ... على الكعبين منه دم ممار
يعسل: أي: يضطرب, يوصف بذلك الرمح والذئب, وربما قالوا: عسل للثعلب. قال ساعدة بن جؤية الهذلي: [الكامل]
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
والكعبان: أراد بهما الكعب الأعلى (٧٣/أ) والكعب الأسفل؛ لأنه قد طعن به وسال عليه الدم حتى عم كعوبه كلها. كما يقال: غسل الرجل قدمه ورأسه؛ أي: غسل جسده كله؛ لأن الرأس والقدم طرفا الجسد فدلا على جميعه في اللفظ. وممار: أي: مجرًى من قولك: مار يمور, وأماره غيره؛ أي: حمله على المور, ويقال: مار إذا ذهب وجاء.
وقوله:
يغادر كل ملتفتٍ إليه ... ولبته لثعلبه وجار
ثعلب الرمح: ما يدخل منه في جبة السنان. والوجار فيه لغتان: فتح الواو وكسرها.
وقال بعضهم: الوجار ما كان في السهل, وما كان في الجبل فهو الغار. ويستعملون الوجار للضبع وما دونها, مثل الثعلب والأرنب ونحوهما. أي يطعن بهذا الرمح لبة الرجل إذا التفت فيدخل ثعلبه فيها فيصير كالوجه للثعلب من الوحوش.
وقوله:
وإن جنح الظلام انجاب عنهم ... أضاء المشرفية والنهار
يقال: جنح من الليل وجنح, وهو وقت طويل, قيل: إنه نحو النصف, وإنما هو مأخوذ من جنح إذا مال, كأن بعض النجوم تجنح فيه للمغيب, وجنح النهار إذا مال, وكذلك جنحت الشمس. وانجاب: أي: انكشفت وانخرق.
стр. 491
وقوله:
يبكي خلفهم دثر بكاه ... رغاء أو ثؤاج أو يعار
الدثر: المال الكثير. والرغاء يستعمل للإبل, وكأنه صوتها عند الضجر والسأم, فقد استعمل جرير الرغاء للضباع فقال: [الطويل]
تراغيتم يوم الزبير كأنكم ... ضباع بذي قارٍ تمنى الأمانيا
وكان مجاشع بن دارم يلقب أبا رغوان, ويقال: إنه وقف بباب ملكٍ من ملوك العرب فلم يؤذن له فرغا كما يرغو البعير حتى سمعه الملك, فذكر جرير ذلك فقال: [الطويل]
بسيف أبي رغوان سيف مجاشعٍ ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
وقالوا في المثل: «كفى برغائها مناديًا» , يضرب مثلًا للرجل يبدو منه أمر فيدل على ما في نفسه من الأرب.
والثؤاج: أصوات الضأن, واليعار: أصوات المعز.
يقول: مال هؤلاء القوم كالذي يبكي خلفهم؛ لأنهم كانوا يحسنون إليه ويمنعونه من الوحش وغيرها من الطوارق. ولو ذهب ذاهب إلى أن في هذا البيت ذما لأصحاب المال لم يبعد ذلك؛ أي: أنهم كانوا لا يبذلونه ولا ينحرونه للضيفان, فقد أسف على فقدهم.
ويقال لجديٍ يصلى به للأسد أو للذئب: يعر؛ لأنه ييعر. وإنما يريدون أن يسمع الأسد صوته فيجيء ليأخذه فيقع في الزبية, قال البريق الهذلي:
стр. 492
فلا أعرفن الشيخ يثوي خلافهم ... مقيمًا بأبياتٍ كما ربط اليعر
وقوله:
غطا بالغنثر البيداء حتى ... تخيرت المتالي والعشار
غطا: مثل غطى, وأكثر ما يقولون: غطا عليه يغطو, ويغطي, وأنشد الأصمعي:
ومن عجائب خلق الله غاطية ... يخرج منها ملاحي وغربيب
يريد شجرة عنبٍ قد غطت أغصانها على الأرض. قال حسان:
رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطا عليه النعيم
والمتالي: جمع متليةٍ, وهي التي خلفها ولد يتلوها, قال الشاعر: [البسيط]
فصادف السيف منها ساق متليةٍ ... جلسٍ فصادف منه عظمها عطبا
ويروى: ساقها. والعشار: جمع عشراء, وهي التي أتت عليها عشرة أشهر منذ حملت, ثم يبقى عليها هذا الاسم إلى أن تنتج. وقالوا في جمع عشار: عشائر, وهو قليل. يقول: كثر هذا المال على سائقيه حتى تخيروا المتالي والعشار, وتركوا غيرها من صغار المال وحواشيه.
وقوله:
ومروا بالجباة يضم فيها ... كلا الجيشين من نقعٍ إزار
الجباة: اسم موضع, وهي مأخوذة من جبوت الماء وجبيته إذا جمعته في الحوض. ويقال لما اجتمع فيه: الجبى, ولما حول الماء جبا. وقال قوم: هما سواء, ومن قال في الكمأة كماة جاز عنده أن يقول للجبأة, وهي ضرب من الكمأة جباة, وليس ذلك بمطردٍ عند سيبويه.
стр. 493
وكلا الجيشين: لم يحتج أن يظهر في كلا ياءً لأجل النصب؛ لأنهم يفعلون ذلك في المضمر خاصة, فيقال لقيني كلا الرجلين, ولقيت كليهما, ومررت بكليهما. ومنهم من يقول: ضربت كلاهما, ومررت بكلاهما, فيقر على حالة واحدة. ويجب أن يكون هذا مذهب من يقول: جاءني أباه, ومررت بأباه. والنقع: الغبار, وإنما يقال له نقع إذا ارتفع.
وقوله:
وجاؤوا الصحصحان بلا سروجٍ ... وقد سقط العمامة والخمار
(٧٣/ب) الصحصحان: هاهنا موضع بعينه. وكل أرض واسعة يقال لها: صحصح وصحصاح وصحصحان, ومنه البيت المروي لتأبط شرًا: [الوافر]
بأني قد لقيت الغول تهوي ... بمرتٍ كالصحيفة صحصحان
وقال الراجز: [الرجز]
تركته بالصحصح الصحصاح ... مجدلًا للقدر المتاح
يقول: هؤلاء القوم قد طردوا طردًا شديدًا, فالرجل قد طرح سرجه ليخفف عن فرسه, وقد سقطت العمائم عن الرؤوس لشدة السير, والخمر عن رؤوس النساء, وهم للذعر لا يتلبثون لأخذ عمامةٍ ولا خمارٍ.
وقوله:
وأرهقت العذارى مردفاتٍ ... وأوطئت الأصيبية الصغار
أرهقت: أي: أعجلت, ويكون الإرهاق في معنى الإدراك والغشيان, ومنه قوله تعالى: ﴿سأرهقه صعودًا﴾؛ أي: سأغشيه. يقول: أردفوا النساء للعجلة وخوف اللحاق,
стр. 494
والأصيبية: تصغير صبيةٍ, وهذا أقيس الوجهين, وفي الحديث: «ما تقول للأصيبية الصغار» , وقد قالوا: صبية في معنى التصغير, قال الراجز: [الرجز]
صبيةً على الدخان رمكا ... ما إن عدا أكثرهم أن زكى
أي: مشى مشيًا متقارب الخطو, وهو الزكيك, والقياس أن يقال: أصبية في الجمع إلا أنه مفقود في الكلام الأول. يقول: قد ألقيت الأصيبية من الفرق وإيثار النجاء, فهم يوطؤون. وفي هذا الكلام حذف, كأن أصله أن يقال: وأوطئت الأقدام الأصيبية أو حوافر الخيل وأخفاف الإبل. يقال: وطئ الرجل وأوطأه غيره, ولو ظهر المفعول المحذوف لكان الوجه أن تنصب الأصيبية؛ لأن المعنى أوطئت الأقدام الأصيبية, قال زيد الخيل: [الرمل]
عودوا مهري كما عودته ... دلج الليل وإيطاء القتيل
وقوله:
وقد نزح العوير فلا عوير ... ونهيا والبييضة والجفار
هذه كلها أسماء مواضع, يقال: نزحت البئر ونزحها غيرها, وأكثر ما يجيء كلامهم على أن يقولون: فعل الشيء وأفعله غيره, مثل خرج الرجل وأخرجته, ودخل وأدخلته, فإذا جاء فعل وفعلته فهو قليل, مثل ذرف الدمع وذرفته, وسجم وسجمته. والعوير هذا: هو الذي ذكره القطامي في قوله:
стр. 495
حتى وردن ركيات العوير وقد ... كاد الملاء من الكتاب يشتعل
والبييضة: اسم ماءٍ يجوز كسر الباء وضمها, وكذلك كل مصغرٍ بعد حرفه الأول ياء, مثل بييضةٍ وبييتٍ. والجفار هاهنا: مياه معروفة, وهم يستعملون الجفر في البئر التي لم تطو وماؤها قليل, قال حاتم الطائي: [الكامل]
وسقيت بالماء النمير ولم ... أترك ألاطس حمأة الجفر
وقوله:
وليس بغير تدمر مستغاث ... وتدمر كاسمها لهم دمار
الدمار: الهلاك. وتدمر يقال: إنها بنتها امرأة من العماليق يقال لها: تدمر. وادعى النابغة أن سليمان بن داوود أمر الجن أن تبنيها, فقال:
وخيس الجن أني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد
وقوله:
أرادوا أن يديروا الرأي فيها ... فصبحهم برأيٍ لا يدار
يقال: أدار القوم بينهم الرأي إذا اجتمعوا فتشاوروا فذكر كل رجلٍ منهم ما عنده؛ فكأنهم يديرونه عليهم, ثم يجمعون على أصحه عندهم. فأراد أن هذا الممدوح لا يفتقر إلى إدارة الرأي؛ وإنما يفعل رأي نفسه الذي لا يشاور أحدًا فيه؛ لأنه غني بالفطنة والحزم.
следующие страницы →