← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقوله: يبكي خلفهم دثر بكاه ... رغاء أو ثؤاج أو يعار الدثر: المال الكثير. والرغاء يستعمل للإبل, وكأنه صوتها عند الضجر والسأم, فقد استعمل جرير الرغاء للضباع فقال: [الطويل] تراغيتم يوم الزبير كأنكم ... ضباع بذي قارٍ تمنى الأمانيا وكان مجاشع بن دارم يلقب أبا رغوان, ويقال: إنه وقف بباب ملكٍ من ملوك العرب فلم يؤذن له فرغا كما يرغو البعير حتى سمعه الملك, فذكر جرير ذلك فقال: [الطويل] بسيف أبي رغوان سيف مجاشعٍ ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم وقالوا في المثل: «كفى برغائها مناديًا» , يضرب مثلًا للرجل يبدو منه أمر فيدل على ما في نفسه من الأرب. والثؤاج: أصوات الضأن, واليعار: أصوات المعز. يقول: مال هؤلاء القوم كالذي يبكي خلفهم؛ لأنهم كانوا يحسنون إليه ويمنعونه من الوحش وغيرها من الطوارق. ولو ذهب ذاهب إلى أن في هذا البيت ذما لأصحاب المال لم يبعد ذلك؛ أي: أنهم كانوا لا يبذلونه ولا ينحرونه للضيفان, فقد أسف على فقدهم. ويقال لجديٍ يصلى به للأسد أو للذئب: يعر؛ لأنه ييعر. وإنما يريدون أن يسمع الأسد صوته فيجيء ليأخذه فيقع في الزبية, قال البريق الهذلي:

стр. 492

فلا أعرفن الشيخ يثوي خلافهم ... مقيمًا بأبياتٍ كما ربط اليعر وقوله: غطا بالغنثر البيداء حتى ... تخيرت المتالي والعشار غطا: مثل غطى, وأكثر ما يقولون: غطا عليه يغطو, ويغطي, وأنشد الأصمعي: ومن عجائب خلق الله غاطية ... يخرج منها ملاحي وغربيب يريد شجرة عنبٍ قد غطت أغصانها على الأرض. قال حسان: رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطا عليه النعيم والمتالي: جمع متليةٍ, وهي التي خلفها ولد يتلوها, قال الشاعر: [البسيط] فصادف السيف منها ساق متليةٍ ... جلسٍ فصادف منه عظمها عطبا ويروى: ساقها. والعشار: جمع عشراء, وهي التي أتت عليها عشرة أشهر منذ حملت, ثم يبقى عليها هذا الاسم إلى أن تنتج. وقالوا في جمع عشار: عشائر, وهو قليل. يقول: كثر هذا المال على سائقيه حتى تخيروا المتالي والعشار, وتركوا غيرها من صغار المال وحواشيه. وقوله: ومروا بالجباة يضم فيها ... كلا الجيشين من نقعٍ إزار الجباة: اسم موضع, وهي مأخوذة من جبوت الماء وجبيته إذا جمعته في الحوض. ويقال لما اجتمع فيه: الجبى, ولما حول الماء جبا. وقال قوم: هما سواء, ومن قال في الكمأة كماة جاز عنده أن يقول للجبأة, وهي ضرب من الكمأة جباة, وليس ذلك بمطردٍ عند سيبويه.

стр. 493

وكلا الجيشين: لم يحتج أن يظهر في كلا ياءً لأجل النصب؛ لأنهم يفعلون ذلك في المضمر خاصة, فيقال لقيني كلا الرجلين, ولقيت كليهما, ومررت بكليهما. ومنهم من يقول: ضربت كلاهما, ومررت بكلاهما, فيقر على حالة واحدة. ويجب أن يكون هذا مذهب من يقول: جاءني أباه, ومررت بأباه. والنقع: الغبار, وإنما يقال له نقع إذا ارتفع. وقوله: وجاؤوا الصحصحان بلا سروجٍ ... وقد سقط العمامة والخمار (٧٣/ب) الصحصحان: هاهنا موضع بعينه. وكل أرض واسعة يقال لها: صحصح وصحصاح وصحصحان, ومنه البيت المروي لتأبط شرًا: [الوافر] بأني قد لقيت الغول تهوي ... بمرتٍ كالصحيفة صحصحان وقال الراجز: [الرجز] تركته بالصحصح الصحصاح ... مجدلًا للقدر المتاح يقول: هؤلاء القوم قد طردوا طردًا شديدًا, فالرجل قد طرح سرجه ليخفف عن فرسه, وقد سقطت العمائم عن الرؤوس لشدة السير, والخمر عن رؤوس النساء, وهم للذعر لا يتلبثون لأخذ عمامةٍ ولا خمارٍ. وقوله: وأرهقت العذارى مردفاتٍ ... وأوطئت الأصيبية الصغار أرهقت: أي: أعجلت, ويكون الإرهاق في معنى الإدراك والغشيان, ومنه قوله تعالى: ﴿سأرهقه صعودًا﴾؛ أي: سأغشيه. يقول: أردفوا النساء للعجلة وخوف اللحاق,

стр. 494

والأصيبية: تصغير صبيةٍ, وهذا أقيس الوجهين, وفي الحديث: «ما تقول للأصيبية الصغار» , وقد قالوا: صبية في معنى التصغير, قال الراجز: [الرجز] صبيةً على الدخان رمكا ... ما إن عدا أكثرهم أن زكى أي: مشى مشيًا متقارب الخطو, وهو الزكيك, والقياس أن يقال: أصبية في الجمع إلا أنه مفقود في الكلام الأول. يقول: قد ألقيت الأصيبية من الفرق وإيثار النجاء, فهم يوطؤون. وفي هذا الكلام حذف, كأن أصله أن يقال: وأوطئت الأقدام الأصيبية أو حوافر الخيل وأخفاف الإبل. يقال: وطئ الرجل وأوطأه غيره, ولو ظهر المفعول المحذوف لكان الوجه أن تنصب الأصيبية؛ لأن المعنى أوطئت الأقدام الأصيبية, قال زيد الخيل: [الرمل] عودوا مهري كما عودته ... دلج الليل وإيطاء القتيل وقوله: وقد نزح العوير فلا عوير ... ونهيا والبييضة والجفار هذه كلها أسماء مواضع, يقال: نزحت البئر ونزحها غيرها, وأكثر ما يجيء كلامهم على أن يقولون: فعل الشيء وأفعله غيره, مثل خرج الرجل وأخرجته, ودخل وأدخلته, فإذا جاء فعل وفعلته فهو قليل, مثل ذرف الدمع وذرفته, وسجم وسجمته. والعوير هذا: هو الذي ذكره القطامي في قوله:

стр. 495

حتى وردن ركيات العوير وقد ... كاد الملاء من الكتاب يشتعل والبييضة: اسم ماءٍ يجوز كسر الباء وضمها, وكذلك كل مصغرٍ بعد حرفه الأول ياء, مثل بييضةٍ وبييتٍ. والجفار هاهنا: مياه معروفة, وهم يستعملون الجفر في البئر التي لم تطو وماؤها قليل, قال حاتم الطائي: [الكامل] وسقيت بالماء النمير ولم ... أترك ألاطس حمأة الجفر وقوله: وليس بغير تدمر مستغاث ... وتدمر كاسمها لهم دمار الدمار: الهلاك. وتدمر يقال: إنها بنتها امرأة من العماليق يقال لها: تدمر. وادعى النابغة أن سليمان بن داوود أمر الجن أن تبنيها, فقال: وخيس الجن أني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد وقوله: أرادوا أن يديروا الرأي فيها ... فصبحهم برأيٍ لا يدار يقال: أدار القوم بينهم الرأي إذا اجتمعوا فتشاوروا فذكر كل رجلٍ منهم ما عنده؛ فكأنهم يديرونه عليهم, ثم يجمعون على أصحه عندهم. فأراد أن هذا الممدوح لا يفتقر إلى إدارة الرأي؛ وإنما يفعل رأي نفسه الذي لا يشاور أحدًا فيه؛ لأنه غني بالفطنة والحزم.

стр. 496

وقوله: وجيشٍ كلما حاروا بأرضٍ ... وأقبل أقبلت فيه تحار جعل المطلوبين يحاورن في الأرض الواسعة, فإذا أقبل الجيش حارت فيه الأرض, وهذه من الدعوى المستحسنة في الشعر, وليست لها صحة في الحقيقة, ولنكه يريد أن الجيش عظيم, فهذه الأرض تصغر عنده فتكون كالحيرى في كثرته, ومن الحيرة قالوا: مال حير؛ أي: كثير, كأن الذي يراه يحار, قال الراجز: ياربنا من سره أن يكبرا ... فسق له يارب مالًا حيرا وقوله: يحق أغر لا قود عليه ... ولا دية تساق ولا اعتذار يقول: هذا الممدوح إذا قتل قومًا فلا قود عليه؛ لأنه أعز من ذلك, وظاهر اللفظ يحتمل أن يكون القود على نفس الممدوح. والأحسن في معاني الشعر أن تكون جنوده إذا قتلوا لم يطالبه أعداؤه بأن يقيدهم (٧٤/أ) , ولا يحمل عن القاتلين ديةً ولا يعتذر مما صنع. وقوله: تريق سيوفه مهج الأعادي ... وكل دمٍ أراقته جبار يقال: دم جبار وهدر وفرغ وطلف وظلف بمعنى. قال الأفوه: [الرمل] حكم الدهر علينا أنه ... طلف ما نال منا وجبار وفي الحديث: «العجماء جبار»؛ أي: إذا أصابت شيئًا فقد أهدر, وإنما قيل للدم

стр. 497

المطول جبار لأنه أمر يتهاون به, فكأن من أصابه ذلك يقدر على جبر مصيبته فلا يعطى العقل ولا القود. وقوله: فكانوا الأسد ليس لها مصال ... على طيرٍ وليس لها مطار يقول: هؤلاء القوم كأنهم أسد في الشجاعة, والأسد من عوائدها الصولة, وهذه لا تقدر أن تصول؛ لأنها مقهورة. وقوله: على طيرٍ؛ أي: على خيلٍ مثل الطير, وليس لها مطار؛ أي: لا تقدر على الطيران؛ لأن خيل الممدوح قد أحاطت بهم. وقوله: تفرقهم وإياه السجايا ... ويجمعهم وإياه النجار السجايا: جمع سجيةٍ, وهي الخليقة التي يدوم عليها الرجل, وأصل السجو السكون, ومنه: سجا الليل, وناقة سجواء إذا كانت تسكن عند الحلب. والنجر والنجار والنجار: الأصل. وربما استعملوا النجار في معنى اللون, وقالوا في المثل: «كل نجار إبلٍ نجارها» , فهذا يحتمل أن يكون من الأصل ومن اللون, فإذا ذهب إلى الأصل فالمعنى أنها إبل من كل أصول الإبل, فيها الجدلي والشل قمي والغريري وغير ذلك, وإذا حمل على اللون فالمعنى أن فيها ألوانًا مختلفةً, ففيها الصهب والعيس والدهم والرمك وجميع الألوان, وأراد أن هذه العرب التي هي من كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يجمعهم والممدوح نزار بن معد؛ لأن هؤلاء من مضر, والممدوح من ربيعة بن نزارٍ, وربيعة ومضر أخوان. وقوله: ومال بها على أركٍ وعرضٍ ... وأهل الرقتين لها مزار أرك وعرض من المناظر, فأما بيت النابغة فيروى على وجهين: [البسيط] وهبت الريح من تلقاء ذي أركٍ ... تزجي مع الليل من صرادها صرما

стр. 498

فيروى: أرل باللام, وأرك بالكاف. والرقة: أرض يركبها الماء ثم يزول عنها, وبذلك سميت الرقة, ولم تجئ في الشعر القديم, وإنما هي اسم محدث في الإسلام, إلا أنه عربي اللفظ. وقوله: وأجفل بالفرات بنو نميرٍ ... وزأرهم الذي زأروا خوار يقال: جفل الرجل وأجفل, وكذلك غيره من البهائم, إذا نفر من ذغرٍ, قال الهذلي: ومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي نعاجٍ مجفل ويقال: جفلت الريح السحاب إذا سفرته. ويقال للسحاب الذي تفعل به الريح ذلك: جفل, وإذا وصفوا الشيء بالكثرة قالوا: جفال. وهذا البيت يروى لذي الرمة: [الوافر] وأسود كالأساود مسبكرًا ... على المتنين منسدلًا جفالا والزأر: مخصوص به الأسد, ثم استعير لبني آدم؛ لأنها يشبهون بالأسد. قال النابغة: [البسيط] نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأرٍ من الأسد والخوار من أصوات الثيران, يقول: فهم بعد أن كانوا يزئرون كزأر الأسد يخورون كخوار الثيران. وقوله: فلم يسرح لهم في الصبح مال ... ولم توقد لهم في الليل نار يقال: سرح المال في الرعي إذا أرسله فيه. والسرح المال الراعي, والمال يقع على جميع ما يملك من الآدميين وغيرهم, إلا أن العرب اصطلحت على أن تسمي ما يكون معها من الإبل والغنم مالًا, وقالوا: رجل مال؛ أي: كثير المال. يقول: لم يسرح لهم مال في النهار؛ لأنهم يخافون أن تغير عليهم الخيل, ولم توقد لهم نار؛ لأنهم يخافون أن يوقدوها فيستدل بوقودها عليهم, فهذا وجه, ويجوز أن يكون

стр. 499

وصفهم في هذا البيت بالفقر لأن عدوهم أخذ مالهم فلم يبق لهم شيء من ذلك يسرح, ولم توقد نارهم ليلًا إذ كانت النار يستعان بها على الطعام, وتوقد للاختباز ولإطباخ, وهم لا يقدرون على شيء من ذلك, وهذا البيت يحتمل الوجهين الماضيين إذا لم يتله البيت الذي بعده فإذا جاء دل على ان تركهم ذلك من الفرق لا من الفقر. وهو قوله: هم ممن أذم لهم عليه ... كريم العرق والحسب النضار العرق يستعمل في بني آدم والشجر والنبات. فيقال: فلان كريم العرق؛ أي: أصله موصوف بالكرم, والمعنى: إذا لم يرض عنهم فليس بنافعٍ لهم جدودهم. قال الهذلي في صفة امرأةٍ: (٧٤/ب) صناع بإشفافها حصان بشكرها ... جواد بقوت البطن والعرق زاخر أراد بالعرق الأصل؛ أي: هي كريمة الآباء, فكأن عرقها يزخر؛ أي: يرتفع كما يزخر البحر. وقال امرؤ القيس: إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبايي وقالوا في الجميع القليل: أعرق, وقال الراجز: نحن ضربنا الأسد في العراق ... والحي من ربيعة المراق بلا معوناتٍ ولا أرزاق ... إلا بقايا كرم الأعراق ضربًا يزيل صعر الأعناق

стр. 500

والنضار: الخالص من كل شيءٍ, فأما الذهب فأكثر الناس يضم النون, وقد حكي النضار بكسر أوله, ويجوز أن يكون جمع نضرةٍ, ويسمون الخلنج نضارًا؛ لأنهم كانوا يستحسنونه, قال أبو ذؤيب: وسود من الصيدان فيها مذانب ... نضار إذا لم نستفذها نعارها وقوله: تخر له القبائل ساجداتٍ ... وتحمده الأسنة والشفار هذا مثل قوله في الأخرى: يذممن منه ما الأسنة تحمد والأسنة لا تحمد في الحقيقة, وكذلك الشفار, ولا يصيبها نفع من الممدوح, بل مضرتها به متصلة؛ لأن السنان ينحطم وكذلك السيف, ولكنه أراد أنه إذا طعن بالسنان أو ضرب بالسيف أثر أثرًا يحمد عليه, فكأن الأسنة والشفار أدته إلى أن يحمد. وقوله: كأن شعاع عين الشمس فيه ... ففي أبصارنا عنه انكسار هذا معنى يتردد إلا أنه يختلف به المراد, فهو ها هنا واقع لأجل الهيبة, أو يكون ادعى له أن وجهه منير كإنارة الشمس. فأما قول الآخر: إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور فإنما يريد أنه يبغضه فلا يستطيع أن ينظر إليه. وقوله: يوسطه المفاوز كل يومٍ ... طلاب الطالبين لا الانتظار

стр. 501

المعنى أن هذا المذكور يتوسط المفاوز في طلب أعدائه, ولا يتوسطها ينتظر غنيمة كما تفعل البادية؛ لأنها يكمنون في المفاوز لتجوز الرفق فيصيبوا منها فائدةً, فقد ذكر وصفين هما للمدوح تقريظ, وهو أنه لا يستتر لينال غنمًا كفعل الأعراب, ولا ينتظر أن تمر به حمولة التجار, والصفان كلاهما ذم لهؤلاء القوم؛ لأنه عرض بهم تعريضًا خفيًا. وقوله: تصاهل خيله متجاوباتٍ ... وما من عادة الخيل السرار هذا البيت مفسر لما قبله؛ لأنه ذكر أن خيل هذا الأمير يجاوب بعضها بعضًا بالصهيل. والبادية إذا كمنوا للغارة أو لقطع السبيل منعوها من أن تصهل؛ لئلا يسمع صهيلها من يلتمسون, فيكون ذلك نذيرًا له, فيضربونها تارة, وربما شدوا ألسنها لئلا تصهل, قال الشاعر: [المتقارب] إذا الخيل صاحت صياح النسور ... حززنا شراسيفها بالجذم أي: ضربناها بالسياط لئلا تصهل, وقال الآخر: ندني الجياد لأفلائها ... إذا ما استرقن إليها الصهيلا وقوله: بنو كعبٍ وما أثرت فيهم ... يد لم يدمها إلا السوار بها من قطعه ألم ونقص ... وفيها من جلالته افتخار ضرب المثل للمدوح وبني كعب بالسوار واليد؛ أي: أن سيف الدولة بالألم الذي أصابهم منه كالسوار الذي أدمى اليد فقد نالها منه ألم, ولها مع ذلك افتخار لتحليها به. وقوله: لعل بنيهم لبنيك جند ... فأول قرح الخيل المهار يقال لولد الفرس إذا نتج: مهر, ثم يبقى عليه هذا الاسم إلى أن يركب, ويقال للأنثى: مهرة, ولا تزال توصف بذلك مادامت فتيةً, ويقال في الجمع القليل: أمهار, وفي الكثير:

стр. 502

مهار, وإذا جمعوا المهرة على حد جمعهم الظلمة فالأجود مهرات بضم الهاء كما تقول: ظلمات, ويجوز الفتح والتسكين في الهاء, وإذا حملت على أنهم يقولون مهر مثل ظلمٍ ثم جمعوا الجمع فالفتح لا يجوز غيره. وقالوا: فرس ممهر؛ إذا كان في بطنها مهر, وقالوا لولد الحمار الوحشي مهر أيضًا, قال عدي بن زيدٍ: [المدريد] في مصاب الغاديات له ... لقح لم تفل أمهارا ومن بيتين أولهما أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه ... تأتي الندى ويذاع عنك فتكره (٧٥/أ) وإذا رأيتك دون عرضٍ عارضًا ... أيقنت أن الله يبغي نصره هذان البيتان يجب أن يجعلا في حرف الراء, وهما من أول الكامل إن كان قائلهما لم ينون «أشبه» وظن أن البيت مصرع, فإن ذلك يبطله البيت الثاني لأن قافيته نصره. وإذا صرع البيت الأول وجب أن يكون رويه الهاء؛ وذلك مستقيم لأن الهاء في أشبه وتكره أصلية, فإذا جاءت البيت الثاني انتقض ذلك التقدير؛ لأن الهاء للضمير ولا تجعل رويا في هذا الموضع, فإن لم يجعل البيت مصرعًا, ونونه وهو يريد بأشبه أآفعل التي للتفضيل, فإن تنوينه يقبح. وكان بعض من سلف من النحويين يجيز أن يصرف أفعل على اختلاف ضروبه إلا أفعل الذي يتصل به من كذا, كقولهم: هذا أفضل من فلانٍ, ولم يرد قائل البيت إلا هذا الوجه. وكان محمد بن يزيد يجيز صرف أفعل الذي معه من, فأما في الشعر القديم فلا يعرف شيء من ذلك جاء مصروفًا, وإذا لم تذكر «من» بعد أفعل حسن أن يشبه بغيره. فإن

стр. 503

ادعي أن أشبه في البيت في معنى شبيهٍ جاز التنوين, ولم يرد القائل, والله أعلم, إلا معنى التفضيل؛ أي: أني أشد شبهًا, فإذانون أشبه كانت الراء في «تكره» رويًا والهاء وصلًا, وكذلك يكون في البيت الثاني, وابتداؤه بكون الهاء الأصلية وصلًا ثم مجيئه بعد ذلك بهاء الإضمار يشبه قول الأنصاري: [مجزوء الكامل] أبلغ أبا عمروٍ أحيـ ... ـحة والخطوب لها تشابه أني أنا الليث الذي ... تخشى مخالبه ونابه ومن أبيات أولها ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍ ... وفى لي بأهليه وزاد كثيرا وهي من ثالث الطويل. جعل الوقت في شرفه قد وفى بالدهر, وهذا نحو من قولهم لمن يمدحون: أنت الناس كلهم, ونحو ذلك. وقوله: وفي لي, في وفى ضمير يعود على واحدٍ, والهاء في أهليه عائدة على الدهر, والمعنى أن هذا الممدوح قد وفى لي بأهل الدهر وزاد على ذلك. وقولهم: وفى فلان بفلان أي قام مقامه, كما قال الصمة: [الوافر] وفاء ما معية من أبيه ... لمن أوفى بجار أو بعقد وقد يجوز أن يكون قولهم: وفي به؛ أي: زاد عليه شيئًا, فيكون من قولهم وفي الميزان.

стр. 504

وقوله: غدا الناس مثليهم به لا عدمته ... وأصبح دهري في ذاره دهورا يقول: أصبح الناس وقد زادوا به فصاروا مثليهم, وهذا البيت ناصر للبيت الأول؛ لأنه قال: ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍ وفى لي بأهليه؛ أي: كان مثلهم في الغناء والمكارم المحمودة, فلما كان مثل الناس أجمعين صاروا مثليهم. وقوله: وأصبح دهري في ذراه دهورًا: قد زاد في هذا المعنى على ما ذكره في البيت الأول؛ لأنه جعل الوقت وافيًا بالدهر, وجعل الناس مثليهم بالممدوح, وقد جمع في البيت الآخر الدهر, فبالغ فيه أكثر مما بالغ في الرجل؛ لأن الجمع لا نهاية له في العدد, فالدهور تقع على ثلاثةٍ فما زاد. وفائدته في طول الدهر أنه ينال فيه من المآرب ما لا يناله في الدهر القصير, ويصيب المسرة, ويدرك الأماني. ومن بيتين أولهما أنشر الكباء ووجه الأمير ... وحسن الغناء وصافي الخمور وهما من المتقارب الأول. النشر: الرائحة الطيبة. والكباء: العود الذي يتبخر به. يقال: هن يكتبين الكباء؛ أي: يدخلنه تحت ثيابهن, وهذا الاستفهام على معنى التقرير والإيجاب؛ أي: أهذه الأشياء قد اجتمعت في هذا الموضع, فقد سرني لك سرورًا تامًا, ففعل بي كفعل الخمر, فأنا مخمور. وقوله: فداو خماري بشربي لها ... فأني سكرت بشرب السرور هذا معنى مبتذل, ومنه قول الأعشى: [المتقارب] وكأسٍ شبت على غرةٍ ... وأخرى تداويت منها بها

стр. 505

ومن بيتين أولهما لا تلومن اليهودي على ... أن يرى الشمس فلا ينكرها وهما من ثالث الرمل. كان هذا اليهودي رأى رجلًا فعرفه, وهو أبو الممدوح؛ لأنه كان قد استخفى فقال الشعر. لا تلومن اليهودي, إنما حسن أن يذكر اللوم هاهنا لأن معرفة اليهودي بالمستخفي جائز أن تؤدي إلى غير ما يريد, فقد استحق اللوم من الذي كان له غرض في إخفاء نفسه, ولولا هذا التأويل لكان هذا الموضع يليق بأن يقال: لا تحمدن اليهودي؛ لأنه واجب أن يعرف الشمس كما عرفها غيره من العالم. وقوله: إنما اللوم على حاسبها ... ظلمةً من بعد ما يبصرها حاسبها؛ أي: الذي يظنها, والفعل حسب يحسب بكسر السين, ويحسب بفتحها, وعلى الكسر أكثر القراء. وهذا البيت يبين أن اللوم إنما وقع باليهودي لأن أبا الممدوح أراد ألا يعرفه أحد. ومن بيتين أولهما إنما أحفظ المديح بعيني ... لا بقلبي لما أرى في الأمير من خصالٍ إذا نظرت إليها ... نظمت لي غرائب المنثور (٧٥/ب) وهما من أول الخفيف. يقول: إن عجبتم من حفظي لما أقول من المدح فلست أحفظه بقلبي, وإنما أنظر إلى الأمير فأرى الأوصاف التي وصفت بينة في خلقه وخلائقه فأذكر بها ما قلت. والخصال: جمع خصلةٍ, وهي الشيمة التي تكون في الإنسان, إما محمودةً, وإما رديئةً.

стр. 506

ومن أبيات أولها لا تنكرن رحيلي عنك في عجلٍ ... فإنني لرحيلي غير مختار وهي من ثاني البسيط. إذا كان الفعل الماضي على افتعل, وكان معتل الأوسط أو من مدغم العين في اللام؛ فإن فاعله ومفعوله يستويان في اللفظ, يقال: اخترت الشيء فأنا مختار, وهو مختار, فقد استويا في اللفظ؛ لأن الياء التي هي في مكان العين كانت تدل باللفظ على الفرق بين الفاعل والمفعول من قبل أن تنقلب, فلما قلبت لتحركها وانفتاح ما قبلها لم يبق فرق بين الفاعل والمفعول, ومختار إذا كان فاعلًا مختير, وإذا كان مفعولًا فأصله مختير, وكذلك حال افتعل من المضاعف في تساوي فاعله ومفعوله, يقول: اجتررت الشيء فأنا مجتر, وهو مجتر, فالفاعل والمفعول في ذلك سواء في اللفظ؛ فالفاعل أصله مجترر بكسر الراء, والمفعول أصله مجترر بفتحها. وقوله: وقد منيت بحسادٍ أحاربهم ... فاجعل نداك عليهم بعض أنصاري منيت: أي قدر لي ورميت به؛ أي: إن هؤلاء الحساد قد قضي علي أن أحاربهم, وأصل المنا: القدر, يقال: مناه الله يمنوه ويمنيه, قال الشاعر: [البسيط] ولا تقولن لشيءٍ سوف أفعله ... حتى تبين ما يمنو لك الماني يعني ما يقدر لك القادر. وأصل الندى أن يستعمل في الشيء القليل, مثل ندي الحجر: إذا خرج منه ماء يسير, وإنما هو مأخوذ من ندى الليل, ثم اسعملوا ذلك في العطاء, فقالوا: هو غمر الندى؛ أي: الذي يكون منه قليلًا يعد كثيرًا من غيره.

стр. 507

ومن أبيات أولها أصبحت تأمر بالحجاب لخلوةٍ ... هيهات لست على الحجاب بقادر وهو من الكامل الأول. قوله: فإذا احتجبت فأنت غير محجبٍ ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر قوله: فإذا احتجبت فأنت غير محجبٍ: من جنس قولهم: هو حي ميت, وهو غائب شاهد, وإنما يصفون بذلك لمن يجتمع فيه أمران, أحدهما يدل على ما يجحده الآخر. فإذا قالوا: هو حي ميت أرادوا هو حي من وجه وميت من آخر. فإن كان الموصوف بذلك حيا أريد أن فيه رمق الحياة, وأنه خامل خمولًا كالموت, أو به مرض يمنعه من التصرف, أو هو مسجون, أو نحو ذلك. قال الغساني: [الخفيف] ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنما الميت ميت الأحياء ولو قيل للنائم: هو حي ميت لاحتمل ذلك؛ لأن الحياة في جسده, وقد فقد حاسة المنتبه فكأنه ميت, وإذا قيل للميت: هو ميت حي أريد أن الموت قد نزل به, وأنه يذكر ذكرًا جميلًا أو غير جميل, فذكره جارٍ بين الأحياء. قال الشاعر: [الكامل] وإذا وصلتم أرضكم فتحدثوا ... ومن الحديث متالف وخلود

стр. 508

وكذلك هذا الممدوح هو محتجب عن العيون, ونواله وجماله لا يحتجبان فكأنه ظاهر, وادعاؤه أنضوء جبينه لا يحتجب من الكذب الذي اصطلحت عليه الشعراء وليس عندهم بالقبيح, وعين الشيء حقيقته فيقول: إذا كنت باطنًا فأنت حقيقة الظاهر وشخصهز ومن بيتين أولهما نال الذي نلت منه مني ... لله ما تصنع الخمور وهما من سادس البسيط. وقوله: وذا انصرافي إلى محلي ... أآذن أيها الأمير أي: هذا وقت انصرافي, ويجوز أن يشير إلى الانصراف لأنه قد حضر, وتم الكلام عند قوله: «محلي» , فاستفهم, وجاء بهمزة الاستفهام داخلةً على همزة آذنٍ, فالتقت همزتان متحركتان, فمن يحقق من العرب يحقق الهمزتين, ومن يخفف يوقع التخفيف بالثانية؛ لأن الأولى مبدوء بها, فلا يتسلط عليها التخفيف إلا أن يدعي مدعٍ أنه يصل النصف الآخر بالأول, فجعل الهمزة ياء وذلك بعيد جدًا, وإذا جعلت الهمزة الثانية بين بين فهي في زنة المتحرك عند البصريين. وحكي عن أهل الكوفة أو عن بعض شيوخهم أنها تكون في وزن الساكنة. والبصريون ينكرون ذلك؛ لأن الساكنين لا يجتمعان في حشو البيت إلا ولهما حكم غير موجودٍ في هذا الموضع, وهو أن يكون الأول منهما حرف لينٍ ويكون الثاني مدغمًا, وإنما يزعمون أن ذلك اتفق في الوزن المتقارب, كقول القائل: [المتقارب] فرمنا القصاص وكان التقاص ... ص فرضًا وحتمًا على المسلمينا

стр. 509

وكان أبو إسحق الزجاج ينكر ذلك ويظهر التضعيف وينشد: وكان التقاصص, وقلما يمكن أن يجمع في حشو البيت بين ساكنين ليس بعد الأول منهما ادغام إلا أن يحتال, مثل أن يقال على سبيل التهجي والحكاية: نون قاف, ونحو ذلك. وبعض الناس ينشد: فآذن أيها الأمير بالفاء على تقدير حرف الاستفهام, وهذا مع الضرورة التي فيه أحسن من تلك الرواية فيما أتصوره, وأنت مضمرة في الوجهين, كأنه قال: أأنت آذن, أفأنت آذن. ومن أبيات أولها (٧٦ /أ) ... وجاريةٍ شعرها شطرها ... محكمةٍ نافذٍ أمرها وهي من ثالث المتقارب. الأحسن في الشعر فتح العين, ولا اختلاف أن تسكينها لغة. والكوفيون إذا كان في وسط الثلاثي حرف من حروف الحلق أجازوا فيها الوجهين إجازةً مطردةً, وأنشدوا قول الراجز: [الرجز] أتبعته إياهما في السهل ... حتى إذا مازنأا في الجبل أزنأته فيه ولما أبل وشطر الشيء نصفه, وجعلها محكمةً؛ لأنها أحضرت في المجلس على هيئةٍ أراد بعض الجلساء أن يمتحن بها أبا الطيب؛ لأنه كان لا يحدث أمر في المجلس إلا نظم فيه شعرًا, فظن أنه يعمله قبل الحضور, فجاءت وفي يديها طاقة من ريحانٍ تدار, فإذا وقفت حذاء إنسان شرب, فوضعها الغلام من يده ونقرها فدارت وكانت على لولبٍ.

стр. 510

وقوله: تدار وفي يدها طاقة ... تضمنها مكرهًا شبرها يقال: طاقة من ريحانٍ إذا كانت مفردةً ليس معها غيرها, وكذلك طاقة من غزلٍ, والشبر ما بين طرف الإبهام وطرف الخنصر إذا مدت الأصابع, وأصحاب اللغة يذكرون أشياء في الفرج التي بين الأصابع, فيقولون: ما بين الإبهام والسبابة فتر, ثم يختلفون بعد ذلك فيقولون ما بين السبابة والوسطى عتب, وما بين الوسطى والبنصر رتب, وما بين البنصر والخنصر بصم, وربما قالوا: بصر, ويختلفون في ترتيب هذه الأسماء الثلاثة, وبعضهم يقول: هو الرتب, بتحريك التاء, وقد أنشدوا شعرًا يجوز أن يكون مصنوعًا, وهو: [الطويل] فمالكم فتر إذا ذكر الندى ... ولا لكم عتب ولا لكم رتب ولا لكم بصم ولا لكم يد ... ولا أنتم عجم ولا أنتم عرب وحدث عبد العزيز بن المبارك البهراني أنه لقي أبا أسامة جنادة بن محمدٍ الهروي اللغوي الذي قتله الحاكم بحلب سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة, وجرى ذكر الرتب عنده فقال: هو بتحريك التاء, فأنشده عبد العزيز هذين البيتين فرجع إلى قوله, وهو موجود في الكتب القديمة بالتحريك, وقد ذكر قطرب في كتاب الخيل ما يدل على أنه بالتسكين, ولا يمتنع أن يقال في القافية: ولا لكم رتب, ويقال في البيت الثاني: ولا أنتم عرب, ويجوز أن يكونوا قد نطقوا بالوجهين.

стр. 511

ومن أبيات أولها إن الأمير أدام الله دولته ... لفاخر كسيت فخرًا به مضر وهي من البسيط الأول. الأحسن أن يكون قوله: لفاخر: لا يراد أنه ينطق بالفخر, ولكنه من قولهم: در فاخر؛ أي: له قيمة عظيمة؛ لأن النطق بالفخر ليس مما يوصف به الكرام, وقد جاء في كتاب الله سبحانه ذم الفخور. ومضر: قيل أنه سمي بذلك لبياضه كأنهم شبهوه باللبنٍ الماضر, من قولهم: مضر اللبن إذا حمض, ولا يمتنع أن يكون سمي مضر لأنه كان مولعًا بالماضر من اللبن, أو يكون من قولهم: شيء خضر مضر؛ أي: حسن, ومضر عندهم إتباع, فيجوز أن يكون مأخوذًا من البياض. وفي الحديث: «إن الدنيا خضرة مضرة» , وقالوا: ذهب دمه مضرًا إذالم يثأر به, ويجوز أن يكونوا أخذوه من اللبن الماضر أي: كأنه دمه لبن لا قيمة له. وقوله: قامت على فرد رجلٍ من مهابته ... وليس تعقل ما تأتي وما تذر على فرد رجل؛ أي: على رجلٍ مفردةٍ, وكذلك يقال: صنع كذا بفرد يدٍ؛ لأنهم يصفون الأنثى مرة بفردٍ, ومرة بفردةٍ, وتكون الإضافة هاهنا على معنى من كأنه قال: قامت على فردٍ من رجلٍ, كما يقال: جاء فلان بفردٍ من نفسه, أي: جاء واحدًا. ومن بيتين أولهما زعمت أنك تنفي الظن عن أدبي ... وأنت أعظم أهل العصر مقدارًا وهما من ثاني البسيط.

стр. 512

وهذا الوزن لا يحسن حتى يستعمل بحرف لينٍ, هو ألف, أو واو مضموم ما قبلها, أو ياء مكسور ما قبلها, فإن كان قبل إحداهما فتحة فقد استعمل المتقدمون ذلك إلا أنه ليس بكثير, وليس له قوة ما ضم الحرف الذي قبل الواو, أو كسر الحرف الذي قبل الياء. فمما جاء وقبل واوه فتحة ما هو موجود في الحماسة من قول القائل: يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسدٍ ما هذه الصوت ومما جاء وقبل الياء فتحة شعر أنشده أبو عبيد في «غريب الحديث»: [البسيط] سعى عقالًا فلم يترك لنا سبدًا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين ولم يجئ للعرب شيء على هذا الوزن إلا بلينٍ: إما كاملٍ وإما ناقصٍ, وربما استعمله المحدثون وليس بالملين كقول القائل: [البسيط] إن الملوك بلاء حيث ما حلوا ... فلا يكن لك في أفنائهم ظل وكقول الحكمي: [البسيط] لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد

стр. 513

ومن أبيات أولها برجاء جودك يطرد الفقر ... وبأن تعادى ينفد العمر وهي من خامس الكامل. يقال: نفد الشيء ينفد, بكسر الفاء في الماضي, وقد حكي نفد, وقالوا: ما للشيء نفد؛ أي: فناء, وقالوا للذي يخاصم على (٧٦/ب) باب الحاكم منافد, وهو من نفد الشيء؛ لأن كل واحد من الخصمين يطلب نفاد الحجة من الآخر, قال الراجز: [الرجز] وهو إذا ما قيل هل من كايد ... أو رجلٍ عن حقكم منافد يكون للغائب مثل الشاهد وقوله: فخر الزجاج بأن شربت به ... وزرت على من عافها الخمر ضم الزاي في الزجاج أفصح اللغات, وقد حكي كسرها وفتحها. وقوله: وسلمت منها وهي تسكرنا ... حتى كأنك هابك السكر يقال: سكر وسكر بمعنى, مثل ما يقال: سقم وسقم, ورشد ورشد, فأما السكر المراد به المشروب الذي يسكر, وعلى ذلك تحمل الآية: ﴿تتخذون منه سكرًا﴾ , نزل هذا قبل تحريم الخمر, وقال قوم: السكر الخل, وقيل: هو الطعام, وليس هذا بشيءٍ.

стр. 514

ومن التي أولها عذيري من عذارى من أمور ... سكن جوانحي بدل الخدور وهي من أول الوافر. عذيري: في معنى عاذري, والمراد: أريد عذيري, أو أطلبه, أو نحو ذلك من الأفعال المضمرة, وأكثر ما يستعملون عذيري وعذيرك في موضع نصبٍ, وعلى ذلك ينشدون قول الشاعر: [الوافر] أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد ورفع عذيرٍ لا يمتنع على أن يضمر له مبتدأ, ويجعل خبرًا, أو يضمر الخبر ويجعل مبتدأً, والعذير في غير هذا الموضع الحال, كما قال العجاج: [الرجز] جاري لا تستنكري عذيري ... سيري وإشفاقي على بعيري أي: حالي كذلك يفسرونه. ويجوز أن يكون أصله: لا تستنكري حالي التي أعتذر منها, أو التي إذا رآها غيري عذرني, ونصب بدل الخدور؛ لأن معنى قوله: سكن جوانحي جعلنها مسكونةً, فكأنه عدى الفعل إلى مفعولين؛ أي: جعلن جوانحي بدل الخدور, ولا يمتنع أن يعتقد في هذا المضاف الانفصال, ويكون التقدير بدلًا من الخدور فينصبه على الحال, ويجوز أن يجعل بدل الخدور نعتًا لجوانحي. وقوله: ومبتسمات هيجاوات عصرٍ ... عن الأسياف ليس عن الثغور

стр. 515

الهيجاوات: جمع هيجاء بالمد. والذين ينقلون لفظ العرب يزعمون أنها تمد وتقصر, ويدل كلامهم على أن قصرها ليس بضرورةٍ, ولما جرت الهيجاء مجرى الأسماء جمعت بالألف والتاء. ولو جرت مجرى الصفات لقيل في الجمع هيج كما يقال: بيضاء وبيض, وعيطاء وعيط, ولو كانت الهيجاء في حال القصر أصلًا في كلامهم؛ وجب أن يقال في جمعها هيجيات لأن الألف المقصورة إذا كانت في اسم إلى أربعة أحرفٍ فما زاد وجب أن تجمع بالياء, كما يقال في علقى علقيات وفي أرطى أرطيات. وقال الشاعر في مد الهيجاء: [الطويل] إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك عضب مهند وقال لبيد فقصر: [الرجز] يارب هيجا هي خير من دعه وقوله: ركبت مشمرًا قدمي إليها ... وكل عذافرٍ قلق الضفور يوصف من جد في الأمر بالتشمير, وهو شبيه بقولهم: كشف عن ساقه, وخارج نصف ساقه, ورفع إزاره, ونحو ذلك, قال دريد: [الطويل] كميش الإزار خارج نصف ساقه ... بعيد من الآفات طلاع أنجد وقال سعد بن مالك: [مجزوء الكامل] كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح

стр. 516

وقال آخر: [الطويل] وما طالب الحاجات في كل بلدةٍ ... من الناس إلا من أجد وشمرا والعذافر من الإبل: الغليظ الشديد, والضفور: جمع ضفرٍ, وهو ما يضفر من أدمٍ أو غيره, ووصف الضفور بالقلق؛ لأن العذافر قد ضمر فجالت عليه, أو لأنه لشدة سيره يقلقها, وإن كان بعد في حال البدن. وقوله: أوانًا في بيوت البدو رحلي ... وآونةً على قتد البعير الأوان: الوقت, وجمعه آونة, والمثل السائر: [الرجز] هذا آوان الحرب فاشتدي زيم وأصل آونةٍ أاونةٍ؛ لأن همزة أوانٍ أصلية, ولحقتها همزة أفعلةٍ, وصحت الواو؛ لأنهم لو أعلوها لالتقى ساكنان, فافتقروا إلى حذفٍ مخلٍ بالكلمة, قال ابن أحمر: [الوافر] أبو حنشٍ يؤرثنا وطلق ... وعباد وآونةً أثالا وقوله: فقل في حاجةٍ لم أقص منها ... على تعبي بها شروى نقير شروى الشيء: مثله. قال الحارث بن حلزة: [الكامل]

стр. 517

وإلى أبي حسان سرت وهل ... شروى أبي حسان في الإنس وفي حديث علي ﵇: «أن غنمًا ازدحمت على جسر الكوفة فوقعت منها شاة في الماء فغرقت, فاستعدوا إليه فقال: إن وجدتموها بعينها فهي لكم, ولا فشرواها من الغنم, يعني الشاة التي كانت سبب غرق شاتهم». والنقير: يقال: هو شق النواة, ويقال: بل هو شيء في ظهرها يتبدئ منه نبت النخلة, والنقير والفتيل: مما وضع استعماله في النفسي دون غيره. وشروى: اشتقاقها من شريت؛ أي: اشتريت (٧٧/أ) أو بعت وإذا بنوا فعلى من ذوات الياء قلبوا ياءها واوًا, وكذلك موضوع التصريف, ولو بنوا من رميت اسمًا لقالوا: أرموي, فإن كانت فعلى صفةً أقرت الياء على حالها كقولهم: امرأة صديا وهي أنثى الصديان وقوله بعد هذا: ونفسٍ لا تجيب إلى خسيس معطوف على حاجةٍ. فكذلك المخفوضات التي في أوائل الأبيات التي جاءت بعد. وقوله: عدوي كل شيءٍ فيك حتى ... لخلت الأكم موغرة الصدور جاء باللام بعد حتى لأنه يجوز أن تقع بعدها الجمل, كما يقال: أبغضني فلان حتى وجهه منصرف عني. وموغرة الصدور: من الوغر, وهو ما يثبت في صدر الإنسان من الحقد, فذلك مأخوذ من اللبن الوغير, وهو الذي تحمى الحجارة الرقاق وتلقى فيه؛ كي يسخن, يقال: أوغرت الماء إذا أغليته. قال الشاعر, والبيت يروى للمستوغر السعدي: [الوافر] ينش الماء في الربلات منها ... نشيش الرضف في اللبن الوغير

стр. 518

وقوله: فيا بن كروسٍ يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير كروس: يقال: إنه في معنى الكبير الرأس, والواو فيه زائدة, وهو من قولهم: تكرس الشيء إذا ركب بعضه بعضًا, قال الراجز: [الرجز] يا فقعسًا وأين مني فقعس ... أإبلي يأكلها كروس فيجوز أن يكون كروس هاهنا اسم رجلٍ, ويجوز أن يكون وصفًا, وكذلك قول الآخر: [الطويل] لعمري لقد جاء الكروس طاويًا ... على خبرٍ للمؤمنين وجيع ومن أبيات أولها مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر ... وهنئتها من شاربٍ مسكر السكر وهي من الطويل الأول. مرتك: أصله الهمز؛ لأنه من قولهم: هنيئًا مريئًا, ويذكرون أنه يقال: هنأني الطعام ومرأني إذا جاؤوا بالفعلين متواليين حذفوا همرة مرأني, فإذا أفردوه قالوا: أمرأني, وترك الهمز في هذا الموضع, ومثله كثير. وأصل ذلك أن يقال: مرأ فيوقف على الهمزة الساكنة, فإذا

стр. 519

سكنت وقبلها الفتحة صيروها ألفًا, كما فعلوا في رأسٍ ويأسٍ. وقوله: مسكر السكر؛ أي: أن الخمر لا تغيره عن حال الصحو, فكأنه يسكر السكر فلا يعمل فيه شيئًا. وقوله: رأيت الحميا في الزجاج بكفه ... فشبهتها بالشمس في البدر في البحر الحميا: سورة الخمر, وهي مأخوذة من حميت النار وغيرها إذا اشتدت. وجاءت الحميا مصغرة لا يعرف لها مكبر. ولو استعمل لوجب أن يكون حموى بالواو؛ لأنه من الحمي من قول امرئ القيس: [الطويل] إذا جاش فيه حميه غلي مرجل فقلبت الياء واوًا, كما فعل بها في شروى, قال زهير: [الوافر] يجرون البرود وقد تمشت ... حميا الكأس فيهم والغناء وقوله: إذا ما ذكرنا جوده كان حاضرًا ... نأى أودنا يسعى على قدم الخضر هذا المعنى مبني على قولهم: إن الخضر حي لم يمت, وإنه إذا ذكر في موضع قضي أن يمر فيه ذلك الوقت, وإذا استعملت الشعراء الخضر قالوا: مرة الخضر على مثال الكتف والكبد, ومرةً الخضر على مثال الكتف والكبد. ولم يذكر في الشعر القديم؛ لأنه إنما عرف في الإسلام.

стр. 520

ومن التي أولها إني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وإن حرصت غرور وهي من ثاني الكامل. يقال: حرصت, وهي اللغة الفصيحة. وحرصت, وهي قليلة. وقالوا: رجل حارص وحريص. واستعمالهم حريصًا أكثر من استعمالهم حارصًا, وهو الأصل, وإنما أخذ من حرصت السحابة الأرض إذا قشرت التراب, ومنه الشجة الحارصة التي تقشر الجلد, كأن هذا الطالب يبالغ في الطلب حتى يقشر ما يريد. قال الحادرة الذبياني: [الكامل] ظلم البطاح له انهمال حريصةٍ ... فصفا النطاف له بعيد المكرع يعني بالحريصة السحابة التي تقشر وجه الأرض. وقوله: أمجاور الديماس رهن قرارةٍ ... فيها الضياء بوجهه والنور الديماس: بيت في بيتٍ, وكسر داله أكثر, وقد حكي فتح الدال, وهو مأخوذ من: دمست الشيء إذا واريته, ودمس الليل إذا أظلم فوارى الأشياء, قال بعض الكلبيين: [الطويل] فقلت أبا الرمكاء إني محنب ... وقد تهت في الظلماء والليل دامس وقوله: ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى ... رضوى على أيدي الرجال تسير

стр. 521

رضوى: اسم جبل, وهو مؤنث, يقال لاحت لهم رضوى, فإن ذكر على معنى الجبل فحسن, وهي أنثى رضوان؛ وذلك من أسماء الرجال؛ أي: اشتقاقه من الرضى والرضوان, قال الشاعر: [المتقارب] تجانف رضوان عن ضيفه ... ألم تأت رضوان عني النذر واختار الشاعر أن يقول في القافية يسير فيذكر؛ لأنه رده إلى الممدوح, واصطلحت الجماعة في الإسلام على أن سموا سرير الميت نعشًا. وكان النعمان بن المنذر إذا مرض حمل على سريرٍ فطيف به كأنه يرتاح إلى ذلك على سبيل الفرجة, فسمى النابغة ذلك السرير نعشًا, فقال: (٧٧/ب) ألم تر خير الناس أصبح نعشه ... على فتيةٍ قد جاوز الحي سائرا ونحن لديه نسألة الله خلده ... يرد لنا ملكًا وللأرض غامرا ففي هذا دليل على أنهم لم يكونوا في ذلك الزمان يسمون سرير الميت نعشًا؛ لأن ذلك لو شهر بينهم لم يستعمله النابغة خيفةً من تطير النعمان. وقوله: خرجوا به ولكل باكٍ خلفه ... صعقات موسى يوم دك الطور الصعقات: جمع صعقةٍ من: صعق الرجل إذا غشي عليه, كأنه أصابته صاعقة. ودك الجبل إذا انفرش, ودكت الأرض إذا سوي بعضها ببعضٍ فلم يكن فيها ارتفاع وهبوط. وقالوا: ناقة دكاء: إذا كانت منفرشة السنام, وقال قوم: كل جبلٍ طور, فإن صح ذلك فهو مشبه بطور موسى صلى الله عليه, وقيل: إنها كلمة ليست بالعربية.

стр. 522

وقوله: والشمس في كبد السماء مريضة ... والأرض واجفة تكاد تمور هذا المعنى قد استعمل قديمًا, ومنه قول أوس بن حجرٍ: [المتقارب] ألم تكسف الشمس والبدر والـ ... ـكواكب للجبل الواجب وجعل الأرض تجف لأجل هذا الميت, ومن شأن الشعراء إذا رثوا ميتًا أن يدعوا للأرض التغير, قال الشاعر: لأصبح بطن مكة مقشعرًا ... كأن الأرض ليس بها هشام يعني هشام بن المغيرة المخزومي. وقال النابغة يرثي حصن بن حذيفة: يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... فكيف بحصنٍ والجبال جنوح ولم تلفظ الأرض القبور ولم تزل ... نجوم السماء والأديم صحيح وقوله: وحفيف أجنحة الملائك حوله ... وعيون أهل اللاذقية صور الحفيف صوت مثل صوت الجناح ونحوه, وقالوا في المثل: «هو يحف له ويرف له» إذا كان يتعهد أموره, ويجهد في مصلحته .. يراد أنه يسعى في شأنه حتى يسمع له حفيف ويرف له من قولهم: رف النبت إذا اهتز من نضارته, أي هو يظهر له الجميل. وحذف الهاء

стр. 523

من الملائكة, كما يقال: صياقل وصياقلة, والمهالب والمهالبة. والصور: جمع أصور وصوراء, والأصور: الذي يميل إلى الشيء. قال الهذلي: [الكامل] ثم انصرفت ولا أبثك حيبتي ... رعش العظام أطيش مشي الأصور وقوله: وكأنما عيسى بن مريم ذكره ... وكأن عازر شخصه المقبور جعل ذكر الممدوح محببًا له, فكأنه عيسى بن مريم ﵇؛ لأنه كان يحيي الموتى, وهذا الكلام يقتضي أن يكون عيسى بن مريم أحيا عازر, وإنما جاء في التفسير أن عازر مر بالقرية التي ذكرت في قوله: ﴿أو كالذي مر على قريةٍ وهي خاوية على عروشها﴾ .. الآية هو يحتمل ألا يكون الشاعر ذهب إلى أن عازر أحياه المسيح, ولكنه لما شبه الذكر بعيسى بن مريم شبه الشخص المدفون بعازر, أي أن عيسى لم يكن يعزب عليه أن يحيي عازر, ولو أمره الله لأحياه. وقوله: نفر إذا غابت غمود سيوفهم ... عنها فآجال الرجال حضور هذا اللفظ لابد فيه من التخصيص, لأن هؤلاء النفر داخلون في جملة العباد, وكذلك من هو في حيزهم من عبد أو تابعٍ أو صديق. وغمود: جمع غدٍ في الكثرة, وأغماد جمعه في القلة, وسمي غمدًا؛ لأنه يواري النصل, ومنه قولهم: تغمده الله برحمته, وقالوا غمائد فكأنه جمع جمعٍ, قال حميد بن ثورٍ: [الطويل] كما سل سيف من غمائده نصل

стр. 524

ومن الزيادة التي أولها غاضبت أنامله وهن بحور ... وخبت مكايده وهن سعير قوله: يبكى عليه وما استقر قراره ... في اللحد حتى صافحته الحور قراره: يحتمل الرفع والنصب, فإذا رفع فهو على المبالغة يشابه قولهم: شيب شائب, وموت مائت, والمعنى: ما ثبت قراره. وإذا نصب قراره احتمل وجهين: أحدهما: أن يكون القرار في موضع الاستقرار ويكون مصدرًا جرى على غير لفظ الفعل وذلك كثير, ومنه قول القطامي: [الوافر] وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعًا وإنما مصدر تتبع التتبع, واتباع مصدر اتبع. والوجه الآخر أن يكون أراد بالقرار الموضع الذي يستقر فيه. كأنه قال: ما استقر في قراره فينصب على الظرف, أو على أنه مفعول يتسع فيه. ومن الزيادة التي أولها ألآل إبراهيم بعد محمدٍ ... إلا حنين دائم وزفير قوله: ما شك خابر أمرهم من بعده ... أن العزاء عليهم محظور يقال: حظرت الشيء: إذا منعته, ومنه اشتقاق الحظيرة, وهو موضع يحظر بشجرٍ أو غيره, فتكون فيه الغنم أو سواها, وأكثر ما تستعمله العرب فيما يحظر بالشجر. وفي الكتاب العزيز: ﴿فكانوا كهشيم المحتظر﴾ , أي: الذي يتخذ حظيرة, ويقال للحظيرة حظر أيضًا. قال الشاعر: [الطويل]

стр. 525

فلولا أكف القائدين وأنه ... نزا حظرًا أذرى به الحي عاضد وقالوا: فلان يوقد في الحظر الرطب إذا كان ينم بين القوم, قال الشاعر: [الطويل] من البيض لم تصطد على حبل ريبةٍ ... ولم تمش بين القوم بالحظر الرطب وقالوا: جاء بالحظر الرطب؛ أي: بالمال الكثير, وإنما شبهوه (٧٨/أ) بالحظر الرطب؛ لأن كل من له مال يتخذ حظرًا فتكثر حظائر الناس, قال الشاعر: [الطويل] أعانت بنو الحريش فيها بأربعٍ ... وجاءت بنو العجلان بالحظر الرطب ومن التي أولها أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفي برود وهو في كبدي جمر وهي من الطويل الأول. قوله: أذا الغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنة ... وذيا الذي قبلته البرق أم ثغر الدعص: رمل مجتمع ليس بكثيرٍ, تشبه به أعجاز النساء, يقال: دعص ودعصة, قال ذو الرمة: تنفي الطوارف عنه دعصتا بقرٍ ... وهائل من فرندادين مركوم وذيا: تصغير ذا, وهذه المبهمات تفتح أوائلها في التصغير على خلاف غيرها من

стр. 526

المصغرات يقال: ذيا, وذياك, وذيالك, واحتج من زعم أن الذال والياء في الذي من ذا؛ لأنهم قالوا في تصغيره: اللذيا, وكذلك قولهم: تيا, بينهما وبين اللتيا من المناسبة كما بين ذيا واللذيا. وقوله: إليك بن يحيى بن الوليد تجاوزت ... بي البيد عنس لحمها والدم الشعر هذا يحمل وجهين: أحدهما: أن يعني بالعنس الناقة الصلبة المسنة, ويكون محمولًا على المبالغة, كما أنك إذا وصفت شاعرًا قلت: داره شعر, وفرسه قريض, أو نحو ذلك. والآخر: أن يريد بالعنس القصيدة, وهذا أحسن. وقوله: إلى ليث حربٍ يلحم الليث سيفه ... وبحر ندًى في موجه يغرق البحر يقال: ألحمت الرجل وغيره إذا أطعمته اللحم, يريد أن هذا الممدوح يجعل إطعامه الأسد اللحم ضربه إياه بالسيف, وهذا نحو من قولهم: تحيته الضرب, وعتابه السيف, أي: يقيمه مقام التحية والعتاب. ومن ذلك قولهم: قريت الهم الرحلة؛ أي: جعلتها كالقرى له. وقال عمرو بن معد يكرب: [الوافر] وخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍ ... تحية بينهم ضرب وجيع وقوله: متى ما يشر نحو السماء بوجهه ... تخر له الشعرى وينكسف البدر الشعرى: إحدى الشعريين, وهما العبور والغميصاء. والعبور أكثرهما نورًا. والعرب تصف شدة الحر إذا كان النوء للشعرى, قال الشنفرى: [الطويل]

стр. 527

ويومٍ من الشعرى يذوب لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ أي: من أيام الشعرى وقالوا: ذكت الشعرى, وأجت الشعرى يريدون الحر الذي يكون أيام طلوعها, قال الشاعر: فظلت على العذب النقاخ لبونة ... رواء إذا الشعرى على الهام أجت ويصفون أنها تطلع في أول الليل إذا اشتد البرد, قال الشاعر: وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى ... إذا وافت الشعرى انقطاع نهارها والعرب تزعم أن الشعريين أختا سهيلٍ, فالعبور تراه فهي مستعبرة والغميصاء لا تراه فقد غمصت من البكاء, والغمص مثل الرمص. ومن التي أولها أطاعن خيلًا من فوارسها الدهر ... وحيدًا وما قولي كذا ومعي الصبر وهي من الطويل الأول. هذه استعارة لا يثبت لها حقيقة, ولكن الشعراء عليها مصطلحون, ولكنه لما جعل الدهر يحاربه جعله من فوارس الخيل التي يطاعن, والعرب يقولون: طاعنا الخيل, وإنما يريدون فرسان الخيل؛ لأن الخيل لا تطاعن, إلا أنها تعين الفرسان على الطعان؛ فلذلك جاز أن ينسب إليها الطعن. يقال: طعن بالرمح طعنًا, وطعن باللسان طعنانًا, قال أبو زبيد: [الخفيف]

стр. 528

وأبى ظاهر الشناءة إلا ... طعنانًا وقول مالا يقال والكاف في كذا منصوبة بقولي, وليست جاريةً في هذا الموضع مجرى قولهم: أعطيته كذا وكذا, وفعلت به كذا؛ لأن تلك خرجت من الباء إلى سواه. وكذا هاهنا في موضعها الأصلي, والمعنى: ما قولي مثل هذا القول والصبر معي, وهذا إنكار على نفسه؛ لأنه ذكر طعانه الدهر وحيدًا وذلك جارٍ مجرى الشكوى منه فكأنه أنكر أن يقول هذه المقالة, وليس هو إكذابًا, إنما الإكذاب مثل قول زهيرٍ: [البسيط] قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم وقوله: وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر الأعناق: واحدها عنق وعنق وعنق. والهبوات: جمع هبوةٍ وهو الغبار. والمجر: العسكر العظيم, ومنه قولهم: أمجرت الشاة إذا عظم بطنها على الحمل, وقد ذكر أن ذلك يقال في الناقة, قال امرؤ القيس: ومجرٍ كغلان الأنيعم قاصدٍ ... ديار العدو ذي زهاءٍ وأركان وقوله: وتركك في الدنيا دويًا كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشر هذا المعنى مبني على أن الإنسان إذا جعل إصبعيه في أذنيه سمع دويًا, وهو الذي جاء في الحديث المرفوع, وذلك قوله: «من شاء أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه».

стр. 529

وتداول: بالرفع على حذف التاء التي في قولك: تتداول, والمحذوف عند سيبويه التاء الثانية؛ لأن الأولى علامة المضارع, فلا يحسن حذفها. وقال غيره: المحذوف التاء الأولى, وقال بعض (٧٨/ب) الكوفيين يجوز أن تكون المحذوفة الأولى والآخرة. وقد ذكروا أن التاء تحذف مع الياء, وروي أن بعض القراء قرأ: ﴿كأنها كوكب دري يوقد من شجرة﴾؛ أي: يتوقد, وهذا مستنكر, وقد رووا بيت أبي خراشٍ الهذلي: [الطويل] وكاد أخو الوجعاء لولا خويلد ... يفرعني بسيفه غير قاصد أي يتفرعني, ولو روي تداول, بفتح اللام, على أنه ماضٍ لكان ذلك حسنًا. وقوله: إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... على هبةٍ فالفضل فيمن له الشكر هذا البيت كأنه خطاب لغير الشاعر, وقد يجوز أن يعني به نفسه؛ لأن هذه صفة حالة, يقول إذا كان الإنسان فاضلًا ولم يرفعه فضله عن أن يشكر أخا النقص على هبةٍ فالفضل هو للمشكور, وقد ذهب فضل الفاضل. وكان أبو الفتح بن جني ﵀ يذهب إلى أن المعنى له أن الفضل للشاكر, والأول أشبه. وقوله: ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر هذاا لبيت يدل على أن قوله: فالفضل فيمن له الشكر مراد به المشكور؛ لأن البيت الثاني ذم لمن ينفق الساعات مخافة الفقر, وإخبار أن فعله ذلك هو الفقر الأعظم. وقوله: علي لأهل الجور كل طمرةٍ ... عليها غلام ملء حيزومه غمر الطمرة: الفرس التي تطمر؛ أي: تثب, وهي أنثى الطمر. وقال بعضهم: الطمر المشمر

стр. 530

الخلق, وذلك راجع إلى معنى الوثب؛ لأن تشمير خلقه يدل على ذلك. والحيزوم: الصدر, وقيل: بل هو ما دونه. والحزيم مثل الحيزوم, ويقال: شد للأمر حزيمه وحيازيمه. قال أحيحة ابن الجلاح: [الهزج] ألا أبلغ سهيلًا أنـ ... ـني ماعشت كافيكا حيازيمك للموت ... فإن الموت آتيكا وقال آخر: [الوافر] وداهيةٍ يهال الناس منها ... بني بكرٍ شددت لها حزيمي وقولهم: شد حزامه قريب من هذا المعنى أو مثله, قال امرؤ القيس: [الكامل] أقصر إليك من الوعيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي أي أنا متعود للقاء الحروب فلا أفتقر إلى شد الحزام؛ لأنه لا يزال عندي مشدودًا. ويجوز أن يكون الحزام هاهنا ما يحتزم به المحارب, أو حزام فرسه. والغمر والخمر: الحقد. وقوله: وكم من جبالٍ جبت تشهد أنني الجبال ... وبحرٍ شاهدٍ أنني البحر
следующие страницы →