Полный текст (1 484 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
المصغرات يقال: ذيا, وذياك, وذيالك, واحتج من زعم أن الذال والياء في الذي من ذا؛ لأنهم قالوا في تصغيره: اللذيا, وكذلك قولهم: تيا, بينهما وبين اللتيا من المناسبة كما بين ذيا واللذيا.
وقوله:
إليك بن يحيى بن الوليد تجاوزت ... بي البيد عنس لحمها والدم الشعر
هذا يحمل وجهين:
أحدهما: أن يعني بالعنس الناقة الصلبة المسنة, ويكون محمولًا على المبالغة, كما أنك إذا وصفت شاعرًا قلت: داره شعر, وفرسه قريض, أو نحو ذلك.
والآخر: أن يريد بالعنس القصيدة, وهذا أحسن.
وقوله:
إلى ليث حربٍ يلحم الليث سيفه ... وبحر ندًى في موجه يغرق البحر
يقال: ألحمت الرجل وغيره إذا أطعمته اللحم, يريد أن هذا الممدوح يجعل إطعامه الأسد اللحم ضربه إياه بالسيف, وهذا نحو من قولهم: تحيته الضرب, وعتابه السيف, أي: يقيمه مقام التحية والعتاب. ومن ذلك قولهم: قريت الهم الرحلة؛ أي: جعلتها كالقرى له. وقال عمرو بن معد يكرب: [الوافر]
وخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍ ... تحية بينهم ضرب وجيع
وقوله:
متى ما يشر نحو السماء بوجهه ... تخر له الشعرى وينكسف البدر
الشعرى: إحدى الشعريين, وهما العبور والغميصاء. والعبور أكثرهما نورًا. والعرب تصف شدة الحر إذا كان النوء للشعرى, قال الشنفرى: [الطويل]
стр. 527
ويومٍ من الشعرى يذوب لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ
أي: من أيام الشعرى وقالوا: ذكت الشعرى, وأجت الشعرى يريدون الحر الذي يكون أيام طلوعها, قال الشاعر:
فظلت على العذب النقاخ لبونة ... رواء إذا الشعرى على الهام أجت
ويصفون أنها تطلع في أول الليل إذا اشتد البرد, قال الشاعر:
وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى ... إذا وافت الشعرى انقطاع نهارها
والعرب تزعم أن الشعريين أختا سهيلٍ, فالعبور تراه فهي مستعبرة والغميصاء لا تراه فقد غمصت من البكاء, والغمص مثل الرمص.
ومن التي أولها
أطاعن خيلًا من فوارسها الدهر ... وحيدًا وما قولي كذا ومعي الصبر
وهي من الطويل الأول.
هذه استعارة لا يثبت لها حقيقة, ولكن الشعراء عليها مصطلحون, ولكنه لما جعل الدهر يحاربه جعله من فوارس الخيل التي يطاعن, والعرب يقولون: طاعنا الخيل, وإنما يريدون فرسان الخيل؛ لأن الخيل لا تطاعن, إلا أنها تعين الفرسان على الطعان؛ فلذلك جاز أن ينسب إليها الطعن. يقال: طعن بالرمح طعنًا, وطعن باللسان طعنانًا, قال أبو زبيد: [الخفيف]
стр. 528
وأبى ظاهر الشناءة إلا ... طعنانًا وقول مالا يقال
والكاف في كذا منصوبة بقولي, وليست جاريةً في هذا الموضع مجرى قولهم: أعطيته كذا وكذا, وفعلت به كذا؛ لأن تلك خرجت من الباء إلى سواه. وكذا هاهنا في موضعها الأصلي, والمعنى: ما قولي مثل هذا القول والصبر معي, وهذا إنكار على نفسه؛ لأنه ذكر طعانه الدهر وحيدًا وذلك جارٍ مجرى الشكوى منه فكأنه أنكر أن يقول هذه المقالة, وليس هو إكذابًا, إنما الإكذاب مثل قول زهيرٍ: [البسيط]
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم
وقوله:
وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
الأعناق: واحدها عنق وعنق وعنق. والهبوات: جمع هبوةٍ وهو الغبار. والمجر: العسكر العظيم, ومنه قولهم: أمجرت الشاة إذا عظم بطنها على الحمل, وقد ذكر أن ذلك يقال في الناقة, قال امرؤ القيس:
ومجرٍ كغلان الأنيعم قاصدٍ ... ديار العدو ذي زهاءٍ وأركان
وقوله:
وتركك في الدنيا دويًا كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشر
هذا المعنى مبني على أن الإنسان إذا جعل إصبعيه في أذنيه سمع دويًا, وهو الذي جاء في الحديث المرفوع, وذلك قوله: «من شاء أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه».
стр. 529
وتداول: بالرفع على حذف التاء التي في قولك: تتداول, والمحذوف عند سيبويه التاء الثانية؛ لأن الأولى علامة المضارع, فلا يحسن حذفها. وقال غيره: المحذوف التاء الأولى, وقال بعض (٧٨/ب) الكوفيين يجوز أن تكون المحذوفة الأولى والآخرة. وقد ذكروا أن التاء تحذف مع الياء, وروي أن بعض القراء قرأ: ﴿كأنها كوكب دري يوقد من شجرة﴾؛ أي: يتوقد, وهذا مستنكر, وقد رووا بيت أبي خراشٍ الهذلي: [الطويل]
وكاد أخو الوجعاء لولا خويلد ... يفرعني بسيفه غير قاصد
أي يتفرعني, ولو روي تداول, بفتح اللام, على أنه ماضٍ لكان ذلك حسنًا.
وقوله:
إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... على هبةٍ فالفضل فيمن له الشكر
هذا البيت كأنه خطاب لغير الشاعر, وقد يجوز أن يعني به نفسه؛ لأن هذه صفة حالة, يقول إذا كان الإنسان فاضلًا ولم يرفعه فضله عن أن يشكر أخا النقص على هبةٍ فالفضل هو للمشكور, وقد ذهب فضل الفاضل. وكان أبو الفتح بن جني ﵀ يذهب إلى أن المعنى له أن الفضل للشاكر, والأول أشبه.
وقوله:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر
هذاا لبيت يدل على أن قوله: فالفضل فيمن له الشكر مراد به المشكور؛ لأن البيت الثاني ذم لمن ينفق الساعات مخافة الفقر, وإخبار أن فعله ذلك هو الفقر الأعظم.
وقوله:
علي لأهل الجور كل طمرةٍ ... عليها غلام ملء حيزومه غمر
الطمرة: الفرس التي تطمر؛ أي: تثب, وهي أنثى الطمر. وقال بعضهم: الطمر المشمر
стр. 530
الخلق, وذلك راجع إلى معنى الوثب؛ لأن تشمير خلقه يدل على ذلك. والحيزوم: الصدر, وقيل: بل هو ما دونه. والحزيم مثل الحيزوم, ويقال: شد للأمر حزيمه وحيازيمه. قال أحيحة ابن الجلاح: [الهزج]
ألا أبلغ سهيلًا أنـ ... ـني ماعشت كافيكا
حيازيمك للموت ... فإن الموت آتيكا
وقال آخر: [الوافر]
وداهيةٍ يهال الناس منها ... بني بكرٍ شددت لها حزيمي
وقولهم: شد حزامه قريب من هذا المعنى أو مثله, قال امرؤ القيس: [الكامل]
أقصر إليك من الوعيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي
أي أنا متعود للقاء الحروب فلا أفتقر إلى شد الحزام؛ لأنه لا يزال عندي مشدودًا. ويجوز أن يكون الحزام هاهنا ما يحتزم به المحارب, أو حزام فرسه. والغمر والخمر: الحقد.
وقوله:
وكم من جبالٍ جبت تشهد أنني الجبال ... وبحرٍ شاهدٍ أنني البحر
стр. 531
هذا من الدعوى التي تقدم ذكرها, وهي من المبالغة التي تستحسنها الشعراء. وفي هذا البيت إدماج, وهو لقب موضوع يعنون به أن تكون لام التعريف في النصف الأول, والمعرف في النصف الثاني, والتنصيف على سبعة أضربٍ.
تنصيف البيان: وهو أن يتم المعنى في النصف الأول, ويجيء النصف الآخر كالمبين له والشارح, كقول الفرزدق: [الطويل]
قوارص تأتيني ويحتقرونها
فهذا كلام تام ثم قال:
وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
أي: أن القوارص تجيء قليلًا بعد قليلٍ, فتجتمع حتى تحدث الغضب والعداوة, كما أن القطر يقع شيئًا بعد شيءٍ فيمتلئ منه الإناء. وبعض الناس يروي: وقد يملأ القطر الأتي؛ أي: مجرى السيل.
والتنصيف التام: وهو الذي يكمل معناه, ولو سكت عنه لاكتفى به كقول أبي ذؤيب: [الكامل]
أودى بني وأعقبوني حسرةً
فهذا كلام تام.
والتنصيف المحتاج وهو الذي لا يكمل معناه إلا بما بعده, كقوله: [الكامل]
والدهر لا يبقى على حدثانه
فهذا كلام يحتاج على تمام, وذلك قوله:
جون السراة له جدائد أربع
وتنصيف الاقتضاء: وهو أن يكون في النصف الأول حرف قد جرت العادة بأن لا يسكت عليه, كقد, أو الذي, أو نحو ذلك, كقول القطامي: [البسيط]
стр. 532
حتى وردن ركيات العوير وقد ... كاد الملاء من الكتان يشتعل
وكالبيت المنسوب إلى أخت جساسٍ: [الرمل]
يابنة الأقوام إن لمت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي
وتنصيف الإدماج: وهو الذي بدئ به, وجيء كثيرًا في الأوزان الخفاف ويقل في الأوزان الطوال ومما جاء منه, فيما طال على اختلاف فيه قول حميد بن ثور: [الطويل]
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
فهذا لا إدماج فيه, ومنهم من يروي: ويتقي المنايا بأخرى؛ فهذا مدمج.
ويروى لعبيد بن الأبرص شعر عدده ثمانية عشر بيتًا كلها مدمجة إلا بيتًا واحدًا؛ وذلك قوله: [الرمل]
يا خليلي اربعا واستخبرا الـ ... منزل الدارس من أهل الحلال
مثل سحق البرد عفى بعدك الـ ... قطر مغناه وتأويب الشمال
ولقد يغني به جيرانك الـ ... ـبين والأيام حال بعد حال
واستمر على ذلك في الأبيات كلها إلا في بيتٍ واحدٍ, وهو قوله: [الرمل]
فانتزعنا الحارث الأعرج في ... حجفل كالليل خطار العوالي
(٧٩/أ) وهذا تنصيف اقتضاء؛ لأن (في) لا يوقف عليها إلا عند انقطاع النفس.
стр. 533
وتنصيف الاقتطاع: وهو أن يكون بعض الكلمة في النصف الأول, وبعضها في النصف الثاني, وإنما يستعملون ذلك فيما خف من الأوزان كقول الحارث بن حلزة: [الخفيف]
غير أني قد أستعين على الهو ... ل إذا خف بالثوي النجاء
بزفوفٍ كأنها هقلة أم ... م رئالٍ دوية سقفاء
آنست نبأةً وأفزعها القنـ ... ناص عصرًا وقد دنا الإمساء
فهذه الأبيات توالى فيها الاقتطاع.
وتنصيف السكت: وهو أن تكون في أول النصف الثاني همزة الوصل فيختار أن يوقف على آخر النصف الأول, كقول الشاعر: [الكامل]
إذ لا يبادر في الشتاء وليدنا ... القدر ينزلها بغير جعال
وقول الآخر: [السريع]
لا نسب اليوم ولا حرمةً ... إتسع الخرق على الراقع
وقوله:
وخرقٍ مكان العيس منه مكاننا ... من العيس فيه واسط الكور والظهر
الخرق: الأرض الواسعة, قيل: لأن الريح تتخرق فيها, أو لأنها تنخرق إلى أرض غيرها.
وقوله: مكان العيس منه مكاننا؛ أي: العيس في وسطه ونحن في أوساط العيس, ثم فسر مكانه ومكان أصحابه بقوله: واسط الكور والظهر. والكور: الرحل بأداته, وهو هاهنا
стр. 534
شائع في الجنس, وكذلك الظهر؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكان القائل كالذي زعم أنه وأصحابه على واسط كور واحدٍ, وظهر مطيةٍ واحدةٍ.
وقوله:
يخدن بنا في جوزه فكأننا ... على كرةٍ أو أرضه معنا سفر
الكرة: من شأنها التدوير, فإذا مشت عليها ذرة أو نحوها كان مسيرها متصلًا كأنها لا نهاية لها, وإنما وصف طول مسافة هذه الأرض, وأنهم لا يفنونها بالسير, فكأنهم على كرة أو كأن هذه الأرض تسافر معهم, فلا يصلون إلى فنائها بالسير.
وقوله:
أو ابن ابنه الباقي علي بن أحمدٍ ... يجود به لو لم أجز ويدي صفر
الهاء في ابنه راجعة على عامرٍ, وهو جد الممدوح المذكور في البيت, الذي قبل هذا البيت. والهاء في قوله: يجود به راجعة على الغيث الذي ذكره في قوله:
وغيثٍ ظننا تحته أن عامرًا ... علا لم يمت أو في السحاب له قبر
يقول: ظننا أن عامرًا لم يمت, أو هو مقبور في السحاب, أو ابن ابن يجود بهذا الغيث, وجعل ظنه مبطلًا بقوله: لو لم أجز ويدي صفر؛ أي: لو كان هذا الظن صحيحًا لامتلأت يدي بالعطاء.
وقوله:
قران تلاقى الصلت فيه وعامر ... كما يتلاقى الهندواني والنصر
يجب أن يكون الصلت جد هذا الممدوح لأمه. والقران يحتمل أن يكون من مقارنة الآدميين, ومن مقارنة الكواكب, أي: ولد هذا الممدوح في قرانٍ أوجب له سعدًا.
стр. 535
وقوله:
فجاءا به صلت الجبين معظمًا ... ترى الناس قلا حوله وهم كثر
الجبين الصلت: النقي, شبه بالسيف الصلت, الذي قد جرد من غمده. وقالواة: صلت في الأمور إذا مضى مضاءً سريعًا, ومنه قالوا: صلتان؛ أي: ماضٍ في الأمور كأنه سيف أصلت, والقل: القليل, قال الشاعر:
قد يقصر القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجد
يقول: إذا كثر الناس حول هذا الممدوح قلوا في نفوس الناس وعيونهم.
وقوله:
مفدى بآباء الرجال سميدعًا ... هو الكرم المد الذي ماله جزر
مفدى بآباء الرجال؛ أي: يقال له: فداك أبي.
والسميدع: يقال: هو الشجاع السخي. وحكي عن المنتجع بن نبهان الكلابي أنه سئل عن السميدع, فقال: هو السيد الموطأ الأكناف, كأنه أراد بتوطئة أكنافه أنه حليم.
والمد: من قولهم: مد النهر إذا زاد, والجز: ضده, فأما الجزيرة فإنما سميت بذلك لأن الماء جزر عنها ولم يعل عليها كما هو حولها.
وقوله:
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر
الخبر: هاهنا الذي يخبرك به غيرك, كما قال الفزاري: [الكامل]
خبر أتاني عن عيينة أنه ... عانٍ عليه تظاهر الأقياد
стр. 536
والخبر: الذي يكون بعد ابتلاء وتكشيف, فالخبر يجوز عليه الصدق والكذب. والخبر قد استقر إما على حمدٍ, وإما على ذم؛ لأن الخابر قد عرف ما المخبور عليه, وذكر ابن السكيت أن الخبر والخبر بمعنى مثل السكر (٧٩/ب) والسكر, ويجب أن يكون أراد به الخبر, الذي هو بعد التجربة؛ لأن الخبر من الأخبار, ويدل على ذلك قول الشاعر: [البسيط]
لا تحمدن امرأً حتى تجربه ... ولا تذمن من لم يبله الخبر
وهذا ضد قولهم: «أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» وضد قول الآخر: [الوافر]
تقول الحنظلية إذ رأتني ... رأيت مقرنًا دون المغيب
أي: دون ما كان يوصف, وهو غائب.
وقوله:
إليك طعنا في مدى كل صفصفٍ ... بكل وآةٍ كل ما لقيت نحر
استعار الطعن من الرماح للنوق, وجعل المدى كالمطعون. والصفصف: أرض واسعة صلبة, وربما كان فيها رمل رقيق. والوآة: أنثى الوأى, وأكثر ما يستعمل الوأى في الخيل وحمير الوحش, فربما قيل: الوأى: الطويل, وقيل: هو الصلب الشديد, وقيل المقتدر الخلق.
والذي يدل عليه الاشتقاق أنه من قولهم: وأيت إذا وعدت, وقيل: الوأي: ضمان العدة فكأن الوأى يعد من يراه أنه إذا افتقر إلى جريه وجده مرضيًا. ولما استعار الطعن في أول البيت, وجعل الوآة كالقناة صير كل ما لقيت نحرًا؛ لأن الطعنة إذا وقعت في ذلك الموضع كانت أقتل منها في غيره؛ أي أنها تنفذ في هذا المدى كما ينفذ السنان في المطعون فيبلغ الطاعن مراده بذلك.
وقوله:
إذا ورمت من لسعةٍ مرحت لها ... كأن نوالًا صر في جلدها النبر
стр. 537
النبر: دويبة أصغر من القراد يلسع فيحبط موضع لسعته, وجمعه أنبار, قال الراجز:
كأنها من بدنٍ وإيقار ... دبت عليها ذربات الأنبار
يقول: هذه الوآة إذا لسعها النبر مرحت لذلك, كأنها تفرح, وكأن الورم الذي يحدث فيها نوال صره في جلدها اللاسع.
وقوله:
فجئناك دون الشمس والبدر في النوى ... ودونك في أحوالك الشمس والبدر
يقول: الذي بيننا وبينك من البعد دون ما بيننا وبين الشمس والبدر؛ لأنا نستطيع لقاءك ولا نبلغ إليهما بالمسير, وهما دونك في أحوالهما من الشرف والإنارة.
ودون: من الكلمات المستعملات ظروفًا.
وزعم سيبويه أنها لا ترفع, ثم عرض في كتابه شيء يقال: إنه ليس من الكتاب, وذلك أنه لما ضعف الرفع في دون أنشد بيتين, دون فيهما مرفوعة: أحدهما قد سقط من أوله شيء وهو: [الطويل]
.... يحسر الآل مرة ... فتبدو وأخرى يغرق الطرف دونها
والساقط في هذا البيت أكثر ما يكون عشرة أحرف وأقل ما يكون سبعةً. والآخر ينسب إلى ذي الرمة وهو: [الطويل]
وبيداء يحمي دونها ما وراءها ... ولا يختطيها الدهر إلا المخاطر
ودون: كلمة قد اتسع فيها, واستعملت ظرفًا وغير ظرف, فقالوا: فلان دون؛ أي: ليس برفيعٍ, وهو يرضى بالدون؛ أي: بالشيء الخسيس, قال الشاعر: [المتقارب]
إذا ما علا المرء رام العلاء ... ويقنع بالدون من كان دونا
стр. 538
ويروى لجذيمة الأبرش: [الخفيف]
خبريني وأنت لا تكذبيني ... أبلص زنيت أم بهجين
أم بعبدٍ وأنت أهل لعبدٍ ... أم بدونٍ وأنت أهل لدون
وهذا يدل على أن الرفع يجوز في دون إذا أجريت مجرى خلف وأمام. وأما قول الحنفي: [الطويل]
ألم تريا أني حميت حقيقتي ... وباشرت حد الموت والموت دونها
وجدت بنفسٍ لا يجاد بمثلها ... وقلت اطمئني حين ساءت ظنونها
فالناس يروونه برفع دون, وليس ذلك ببعيدٍ؛ أي: والموت صغير هذه الخطة. فإن رواه راوٍ بالنصب فهو نحو من الإقواء. وقد روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يروي في قصيدة الأعشى التي أولها قوله: [الكامل]
رحلت سمية غدوةً أجمالها
قوله:
هذا النهار بدا لها من همه ... ما بالها بالليل زال زوالها
فيرفع زوالها, واللام في القصيدة كلها مفتوحة. وفي شعر عمران الخارجي قصيدة على الميم فيها مواضع كثيرة مضمومة الميم, ومواضع مفتوحة وأولها: [مجزوء الكامل]
الحمد لله الذي ... يعفو ويشتد انتقامه
стр. 539
وفيها:
فهناك مجزأة بن ثو ... رٍ كان أشجع من أسمه
وقوله:
كأنك برد الماء لا عيش دونه ... ولو كنت برد الماء لم يكن العشر
العشر: أقصى أظماء الإبل, فهو أن ترد يومًا وترعى ثمانية, ثم ترد في اليوم العاشر, قال ذو الرمة: [الطويل]
حنين اللقاح الخور حرق ناره ... بغولان حوضى فوق أكبادها العشر
غولان: ضرب من الحمض. وحوضى: موضع. يقول: لو كنت أيها الممدوح برد الماء لم تصبر الإبل عنه عشرًا؛ لأنها لا تستطيع الصبر عنه.
وقوله:
وما قلت من شعر تكاد بيوته ... إذا كتبت يبيض من نورها الحبر
بعض الناس يحكي أنه قال: وما قلت؛ لأن الممدوح كان يشعر ثم جعله لنفسه. والحبر: يجوز أن يكون أخذ (٨٠/أ) من قولهم: هو حسن الحبر؛ أي: الهيئة؛ أي: هذا الشيء يحسن الكتاب. ويحتمل أن يكون من قولهم: الحبر في معنى الأثر؛ أي: هذا أثر لأهل العلم, قال الشاعر في أن الحبر الأثر: [الطويل]
لقد أشمتت بي أهل فيدٍ وغادرت ... بجلدي حبرًا بنت مصان باديا
وقوله:
كأن المعاني في فصاحة لفظها ... نجوم الثريا أو خلائقي الزهر
стр. 540
الذي يحكون أنه قال: وما قلت على خطاب الممدوح يرون أنه قال: خلائقك الزهر, وذلك جدير بأن يكون.
وقوله:
لساني وعيني والفؤاد وهمتي ... أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر
الأود: يحتمل أن يكون واحدها, ود, وود, وود؛ لأنهم يقولون: فلان ودي وودي وودي كأنهم وصفوه بالمصدر قال النابغة: [البسيط]
إني كأني لدى النعمان خبره ... بعض الأود حديثًا غير مكذوب
يقول: لساني مواد لسانك, وكذلك فؤادي مواد فؤادك, والعين والهمة كذلك.
وقال: ذا اسمها, ولولا الوزن لوجب أن يقول هذه أسماؤها, ولكنه محمول على قولة: اللواتي ذا لفظها. والشطر: النصف؛ أي: أن هذه المذكورة مني كأنها مشاطرة المسميات بها من خلقك وخلقك.
ومن التي أولها
حاشى الرقيب فخانته ضمائره ... وغيض الدمع فانهلت بوادره
وهي من أول البسيط.
حاشى: من المحاشاة, وهي أن يظهر للرجل غير ما في نفسه. وفي (حاشى) ضمير يرجع إلى المحب. وحسن ذلك لعلم السامع بالمراد. والهاء في ضمائره عائدة على المحب, وغيض الدمع مأخوذ من غاض الماء إذا غاب في الأرض. قال جرير: [الكامل]
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
يقول: حاشى المحب رقيبه فخانته ضمائره؛ لأنه لم يستطع أن يكتم ما به لما انهل دمعه.
стр. 541
وقوله:
لولا ظباء عدي ما شقيت بهم ... ولا بربرهم لولا جآذره
قد كثر كناية العرب بالظباء عن النساء, وأصل ذلك التشبيه, ثم حذفت الآلة. والربرب القطيع من بقر الوحش. وجآذره أولاده, والواحد جؤذر وجؤذر, ويقال: إن أصله ليس بعربي فأما تردده في الشعر فكثير, قال ذو الرمة: [الطويل]
وتحت العوالي والظبا مستظلةً ... ظباء أعارتها العيون الجآذر
وقال ابن أبي ربيعة: [الطويل]
وترنو بعينيها إلى كما رنا ... إلى ظبيةٍ وسط الخميلة جؤذر
وقوله:
من كل أحور في أنيابه شنب ... خمر مخامرها مسك تخامره
أصل الحور: البياض. ومن ذلك اشتق الحوارى من الطعام, وقيل لنساء الأنصار: حواريات لبياضهن. وقيل للقصارين حواريون؛ لأنهم يحورون الثياب أي يبيضونها. وقال بعض المتقدمين الحور: نقاء بياض العين وشدة سواد سوادها.
وقال بعضهم: الحور لا يكون في بني آدم, وإنما يكون في الوحوش, وهو أن تكون العين كلها سوداء, وإنما وصفت النساء بذلك على التشبيه والمبالغة.
وقال قوم: الحور سعة العين وعظم المقلة. ومخامرها؛ أي: مخالطها. ومسك يجوز أن يكون رفعًا بفعله وهو مخامرته إياها, ويجوز أن يكون مخامرها ابتداءً, ومسك خبره.
وقوله:
نعجٍ محاجره دعجٍ نواظره ... حمرٍ غفائره سودٍ غدائره
النعج بياض يضرب إلى الحمرة, قال ذو الرمة: [البسيط]
بيضاء في دعجٍ صفراء في نعجٍ ... كأنها فضة قد مسها ذهب
стр. 542
والمحاجر: جمع محجرٍ, وهو ما حول العين. والدعج: جمع أدعج يستعمل في الليل والشعر والعين. والغفائر: جمع غفارةٍ, وهو شيء توقي به المرأة خمارها من الدهن, وإنما أخذ من الغفارة, وهي سحابة دون السحابة العليا, قال ذو الرمة: [الطويل]
سقى دارها مستمطر ذو غفارةٍ ... أحم تجرى منشأ العين رائح
وقوله:
في فيلقٍ من حديدٍ لو قذفت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره
الفيلق: إذا أريد به العسكر ذكر, وإذا أريد به الكتيبة أنث, ولكن التذكير به أشبه, قال الأعشى: [السريع]
في فيلقٍ جاؤوا بملمومةٍ ... تعصف بالدارع والحاسر
فيحتمل أن يكون قولهم: فيلق من أنه يفلق الصخر إذا مر به, أو يفلق رؤوس الأعداء, ولا يمتنع أن يكون من الفلق الذي هو الداهية, وإنما سميت الداهية فلقًا؛ لأنها تفلق ما مرت به, فالأصل في هذا كله واحد.
وقوله:
تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائره
كانت العرب تتيمن بالطير تارة, وتتشاءم بها أخرى, وقد مر ذلك في السانح والبارح.
والظاهر من كلامهم أنهم كانوا يتيمنون بما يجيء عن اليمين, ويتشاءمون بما يجيء عن الشمال, قال الشاعر: (٨٠/ب) [الطويل]
وهون وجدي أنني لم أكن له ... كطير الشمال ينتفق الريش حاتما
فإذا قالوا: فلان ميمون الطائر أرادوا أنه مبارك تأتي من قبله المنافع. وقال الطرماح: [الطويل]
стр. 543
وحي حلالٍ قد هنأنا جربةٍ ... ومرت عليهم طيرنا بأيامن
هنأنا: أعطينا. وجربة: جماعة.
وقوله:
حلو خلائقه شوس حقائقه ... يحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره
أصل الشوس في العين, وهو أن يضيق الرجل أجفانه من الغضب, وقيل: هو الذي ينظر في شق مع تضييق الأجفان, وربما قيل: الأشوس المتكبر, قال ذو الإصبع العدواني: [مجزوء الكامل]
لو كنت ماءً لم تكن ... عذب المذاق ولا مسوسا
أأن رأيت بني أبيـ ... ـك محمجين إلي شوسا
محمجين: مغضبين, وقال الأنصاري: [الكامل]
قد كنت أشوس في المقامة سادرًا ... فنظرت قصدي واستقام الأخدع
والمآثر: جمع مأثرةٍ, ومأثرة, وهي المكرمة التي تؤثر؛ أي: تروى, ويبقي لها أثر من قولهم: أثرت الحديث آثره.
وقوله:
إذا تغلغل فكر المرء في طرقٍ ... من مجده غرقت فيه خواطره
تغلغل في الشيء: إذا دخل فيه, ومنه قولهم للرسالة: مغلغلة؛ أي: إنها تدخل بين القوم, قال زهير:
стр. 544
أبلغ لديك بني كعبٍ مغلغلةً ... أن يسارًا أتانا غير مغلول
وقيل للقصيدة التي تنفذ إلى الممدوح: مغلغلة؛ أي: كأنها رسالة. قال المسب بن علس: [الكامل]
فلأهدين مع الرياح قصيدةً ... مني مغلغلةً إلى القعقاع
وقوله:
تحمى السيوف على أعدائه معه ... كأنهن بنوه أو عشائره
يقال: حمي أنفه يحمى إذا أنف وغضب, وهو من الحمية, وأصل حمي وحمى واحد, ولكن فرق بينهما في اللفظ, وكأن قولهم: حمي أنفه من قولهم: حميت النار, وحميت الحرب. فأما قول القطامي: [البسيط]
محميةً وحفاظًا إنها شيم ... كانت لقومي عاداتٍ من العادٍ
فيحتمل أن يكون من (حميت أحمي) , وهو أولى به, ولا يمتنع أن يكون من (حميت أحمي)؛ لأنه قد قالوا: محمدة فكسروا, وهو من حمد يحمد.
وقولهك
تركن هام بني بحرٍ وثعلبةٍ ... على رؤوسٍ بلا ناسٍ مغافره
الهاء في مغافره راجعة على هام بني بحرٍ, والمغافر: جمع مغفر, وهي كمة من الزرد تكون على رأس الفارس, وقد جعل الراجز ما يستر الشمس من الغيم مغفرًا, وإنما هو مأخوذ من (غفرت الشيء) إذا غطيته, قال:
جاء الشتاء واربأل القبر
وطلعت شمس عليها مغفر
وجعلت عين الشمال تشكر
стр. 545
ولما كانت الجسوم معظم الناس, والرؤوس أقل منها شخوصًا استحسن أن يقول: على رؤوس بلا ناسٍ, ولولا الوزن لكان الواجب أن يقول بلا جسوم, أو بلا أجسامٍ.
وقوله:
حتى انتهى الفرس الجاري وما وقعت ... في الأرض من جيف القتلى حوافره
الجيف: جمع جيفةٍ, وهي من ذوات الواو, كأنها مأخوذة من (جافه يجوفه) إذا أصاب جوفه, ولأن ما قتل أو مات وترك لم يوار فلا بد لباطنه أن يظهر, وقالوا في الجمع: جيف, فلم يردوا الحرف إلى أصله, كما قالوا: ديمة وديم وهي من (دام يدوم). فأما ما حيلة فقد قالوا في جمعها: حيل وحول, قال الراجز:
إنا إذا ما أعيت القوم الحول ... ننسل في ظلمة ليلٍ ودغل
ننسل؛ أي: نعدو, وسميت حوافر الفرس بهذا الاسم؛ لأنها تحفر الأرض, وقالوا في الكلام القديم: «النقد عند الحافر»؛ وذكروا أن أصل ذلك مستعمل في بيع الخيل؛ أي: إن الفرس إذا بيع وجب أن ينقد ثمنه بلا تأخير, وقالوا: النقد عند الحافرة؛ أي: عند أول كلمةٍ, فأما الحافرة في كتاب الله سبحانه فقيل: إنها مراد بها الأرض؛ لأنها يحفر فيها, كما قالوا عيشة راضية؛ أي: فيها رضًى, وهي ذات رضًى. وليل نائم؛ أي: ينام فيه, وقيل: الحافرة: القبر, ويحتملأن يكونوا قالوا للقبر حافرة أي حفر الحافرة يعنون الجماعة التي تحفره, أو الصورة التي تلي ذلك, ويكون من باب حذفهم المضاف. وقالوا: «رجع فلان على حافرته» أي: على الطريق الذي جاء فيه, و «رجع الشيخ على حافرته» إذا نكس في الخلق, وأنشد ابن السكيت: [الوافر]
стр. 546
(٨١/أ) ... أحافرةً على صلعٍ وشيبٍ ... معاذ الله من سفهٍ وعار
وقوله:
كم من دمٍ رويت منه أسنته ... ومهجةٍ ولغت فيها بواتره
يقال: ولغ الذئب والكلب في الإناء. والمعروف: ولغ يلغ, وحكى ابن درستويه في شرح الفصيح, ولغ, بكسر اللام, وقالوا: غزو كولغ الذئب؛ أي: سريع, قال الشاعر: [الكامل]
لا در در بني كنانة إن هم ... لم يجشموا غزوًا كولغ الذيب
فأما قول أبي زبيد:
تذب عنه كف بها رمق ... طيرًا حكين الزوار للعرس
عما قليلٍ علون جثته ... فهن من والغٍ ومنتهس
فزعم قوم أنه لا شيء من الطير يلغ إلا الذباب, ويجوز أن يكون أبو زبيدٍ استعار الولوغ للطير. فأما ولغ الذباب فقد جاء في الحديث المأثور.
стр. 547
وقوله:
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
أصل الهيض: أن يكون في إعنات عظمٍ قد جبر, هكذا أكثر ما يجيء, ثم استعاروا ذلك في صلاح الحال, ثم فسادها. وفي حديث عمر بن عبد العزيز: «فهاضه ذلك إلى ما به» فلم يكن هناك عظم جبر, وإنما أريد أنه كالذي نكس في المرض, وربما جاء: هاضة في معنى كسره وإن يكن ذلك متقدمًا.
ومن أبيات أوله
بقية قومٍ آذنوا ببوار ... وأنضاء أسفارٍ كشرب عقار
وهي من ثالث الطويل.
البوار: الهلاك. ومنه: بارت السوق تبور إذا انقطع بيعها, وقالوا: رجل بور, وقوم بور؛ أي: فاسد هالك, وفاسدون هالكون, والجمع والواحد سواء. وفي الكتاب الكريم: ﴿قومًا بورًا﴾. وروى عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس أن معنى قوله: بورًا: عميًا .. وليس هذا ببعيدٍ من القول الأول إذ كان عماهم مؤديًا إلى الهلاك والفساد, وقال ابن الزبعري: [الخفيف]
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
فالذين ذهبوا إلى أن الفلك إذا أريد به الجمع يكون جمع فلكٍ إذا أريد به الواحد يحتمل مذهبهم أن يكون بور في الجمع واحده بور إذا كان موحدًا, وإنما ذهبوا إلى أن فلكًا مؤاخٍ لفعلٍ, وجرت العادة أن يجيء في الحرف الواحد هاتان اللغتان؛ كما قالوا: سقم
стр. 548
وسقم, ورشد ورشد, فلما قالوا: أسد وأسد أجازواة أن يكون فلك جمعًا لفلكٍ؛ إذ عني به الواحد كأنهم قدروا أنه يقال: فلك وفلك, وإن لم يستعمل ذلك.
وقوله:
ولا تنكرا عصف الرياح فإنها ... قرى كل ضيفٍ بات عند سوار
رواية أهل الشام سوار, بكسر السين, يعنون به اسم رجل كان واليًا لبعلبك, وإنما سمي بالسوار من الحلي, وفيه لغات: سوار, وسوار, وإسوار, وأسوار, وعندهم أنه معرب, وقد جاء في الشعر الفصيح, قال الشاعر: [الطويل]
ألا طرقتنا في الظلام نوار ... فتاة عليها دملج وسوار
ومن أمثالهم: «لو ذات سوارٍ لطمتني»؛ أي: لو أن الكف اللاطمتي كانت ذات سوارٍ لهان ذلك علي. يقول ذلك إذا أسدى إليه سوءًا من هو خامل خسيس, قال الراجز: [الرجز]
والله لولا صبية صغار ... كأنما وجوههم أقمار
تضمهم من العتيك دار ... أخاف أن يمسهم إقتار
أو جارة تلطمهم أو جار ... أو لا طم بكفه إسوار
لما رآني ملك جبار ... ببابه ما وضح النهار
فأما الإسوار من أساورة الفرس فيراد به الرامي, ويقال: إنه سمي بذلك؛ لأن الأساورة كان من عادتهم أن يلبسوا الأسورة من الذهب. وفي الكتاب العزيز: ﴿فلولا ألقي عليه أسورة من ذهبٍ﴾. فيجوز أن يكون جمع إسوارٍ, ودخلت الهاء بدلًا من الياء التي
стр. 549
كانت في أساوير, ويجوز أن يكون جمع أسورة, ويحتمل أن يكون سوار اسم الرجل: مصدر قولهم ساوره سوارًا؛ أي: واثبه. وبعض البغداديين يروي: سوارٍ, بفتح السين, يريد جمع ساريةٍ من سواري المسجد, وحسن ذلك عندهم أن ذكر المسجد تقدم, والمعنى صحيح.
وفي ديوان أبي الطيب هذا البيت فاردًا:
إذا لم تجد ما يبتر الفقر قاعدًا ... فقم واطلب الشيء الذي يبتر العمرا
وهي من أول الطويل.
أصل القعود والقيام في الهيئتين المعروفتين, ثم قالوا: قعد الرجل عن نصر القوم إذا لم ينهض معهم, وكذلك قعد عن التكسب, وهو مستعار من القعود المعروف. وروى التوزي عن أبي عبيدة (٨١/ب) أن قعد من الأضداد. يكون في معنى الجلوس والقيام, وإنما ذلك منقول عن أصله, فلا تضاد بين الكلمتين؛ لأنهم يقولون: قعد على الملك فلان إذا تولاه, ولو قالوا: قام بالملك في هذا الموضع لاحتمل. ويوجه في أشعار المتقدمين البيت, لا ثاني له, فمن ذلك قول حاتمٍ:
وإنا لنجفو الضيف من غير عسرةٍ ... مخافة أن يضرى بنا فيعود
يعني بالضيف الأسد. وقول النابغة: [المتقارب]
أيقظان زبان أم حالم ... فهب فقد حين بالحالم
стр. 550
وقوله:
وإني لمسلاس القيد إلى التي ... تخاف إذا كان امرؤ السوء أوجرا
وقيل: لأبي الطيب, وقد ذكر الحرب نخاف عليك من مثل قول الشاعر, قال: وما قال؟ قالوا: قال: [الوافر]
أخاف عليك من سيفٍ ورمحٍ ... طويل العمر بينهما قصير
فأطرق, ثم قال: [الوافر]
فإن أغمدت ذا وكسرت هذا ... فإن كثير ما تبقي يسير
هذا البيت من الوافر الأول, وهو جواب للبيت الذي تقدمه, ولذلك جاءت الفاء في أوله. ويسير: يستعمل في معنى قليل, وأصله مأخوذ من اليسر الذي هو ضد العسر, واليسار مستعمل في كثرة المال؛ لأنه إذا رزقه الإنسان, تيسرت له الأمور أي جاءت سهلةً عجلةً, فكأن قولهم: يسير للشيء القليل مراد أنه يؤخذ في راحةٍ ولا يحوج إلى التعب.
ومن أبيات أولها
بسيطة مهلًا سقيت القطارا ... تركت عيون عبيدي حيارى
وهي من أول المتقارب.
ينبغي أن تفتح الراء في حيارى لتكون مشاكلةً للراء في قوله قطارا فإن أمالها مميل فقد أساء. وسيبويه يزعم أن الألف هي التي تفخم وتمال. والفراء يذكر أن الإمالة للحرف الذي قبل الألف, وقول الفراء أشبه. ومن اعتبر ذلك وجده على ما قال؛ لأن الألف جرس لا يحتمل أن يقع به تغيير. وحيارى: جمع حيرانٍ؛ لأن فعلان يجيء على هذا الجمع كثيرًا مثل سكران وسكارى, ونشوان ونشاوى, وبعض العرب يقول: سكارى, فإن كان ذلك
стр. 551
مردودًا إلى السماع فهو محمول عليه, وإن كان مطردًا فلا يمتنع أن يستعمل في كل الجموع الواردة على هذا النهج, فيقال: حيارى, كما يقال: غيران وغيارى, وقد كثرت فعالى في هذا النحو, قال الضبي: [الطويل]
كسالى إذا لاقيتهم غير منطقٍ ... يلهى به المكروب فهو عناء
وقوله:
فظنوا النعام عليك النخيل ... وظنوا الصوار عليك المنارا
يقول: إن عبيده ظنوا بسيطة بلدًا مسكونًا, فلما رأوا النعام على بعد مدًى ظنوا أنه نحيل, وحسبوا أن الصوار وهو القطيع من بقر الوحش منار يهتدى به. يقال: صوار وصوار وصيار, ويقال في الجمع: صيران, قال الشاعر: [البسيط]
أشبهن من بقر الخلصاء أعينها ... وهن أحسن من صيرانها صورا
يروى: صور وصور, بالكسر والضم.
ويقال: إن مرابض بقر الوحش إذا رعت الزهر فاحت لها رائحة ذكية, قال ذو الرمة: [البسيط]
إذا استهلت عليها غيبة أرجت ... مرابض العين حتى يأرج الخشب
وقال العجاج وذكر الثور الوحشي: [الرجز]
كأن ريح بيته المزبور
كأنه جعل الثور كمن زبر بيته, مأخوذ من زبر البئر, وهو طيها بالحجارة.
стр. 552
في الظل تحت الهدب اليخضور
مثواة عطارين بالعطور
أهضامها والمسك والقفور
فلما كان الأمر كذلك سموا المسك صوارًا, وينشد:
إذا لاح الصوار ذكرت ليلى ... وأذكرها إذا فاح الصوار
وقيل: الصوار: القليل من المسك. قال الراجز, أنشده المفضل بن سلمة في «كتاب الطيب»:
يابن التي تصيد الوبارا
وتتفل العنبر والصوارا
وقال بعضهم: الصوار: أن يكف الثوب على مسكٍ, فلا يزال طيب الرائحة إلى أن يخلق, وقالوا في جمعه: أصورة, قال الأعشى: [البسيط]
إذا تقوم يضوع المسك أصورةٍ ... والعنبر الورد من أردانها شمل
وقوله:
فأمسك صحبي بأكوارهم ... وقد قصد الضحك فيهم وجارا
стр. 553
الذي أصله النحويون يوجب أن يجوز في الضحك أربعة أوجهٍ: ضحك, وضحك, وضحك. فأما الضحك, بفتح الضاد, وسكون الحاء, فيستعمل في معنى طلع النخل أول ما يبدو, وقيل: إن البلح يسمى ضحكًا, ويقال للعسل الأبيض: ضحك, قال أبو ذؤيب:
فجاء بمزحٍ لم ير الناس مثله ... هو الضحك إلا أنه عمل النحل
وقد قصد الضحك: أي: قد ضحكوا ضحكًا فيه اقتصاد, ثم أسرفوا في ذلك.
ومن أبيات أولها
ترك مدحيك كالهجاء لنفسي ... وقليل لك المديح الكثير
(٨٢/أ) وهي من الخفيف الأول.
المدح من قولهم: انمدحت الأرض إذا اتسعت, فكأن قولهم: مدحت الرجل إذا وسعت أمره. والهجاء من قولهم: هجوت الحرف فأنا هاجٍ, إذا تهجيته, كأنهم يريدون أن الهاجي بالشعر يبين شأن الرجل, ويفصل أمره, كما أن اللفظة إذا عمد لها بالهجاء بانت للقارئ ودل عليها الخط المسطور.
وقوله:
غير أني تركت مقتضب الشعـ ... ـر لأمرٍ مثلي به معذور
أصل الاقتضاب: الاقتطاع, وهو من القضب؛ أي: القطع, ومنه قولهم للسيوف: قواضب. وقالوا: اقتضب الناقة إذا اقتطعها من الإبل, فركبها عن غير رياضة, وهي القضيب, وجمعها قضب, قال الفرزدق أنشده ابن السكيت: [البسيط]
إن الطرماح يهجوني لأشتمه ... هيهات هيهات عيلت دونه القضب
стр. 554
والشعراء في هذا العصر يسمون الشعر الذي لا تشبيب له مقتضبا. ويجوز أن يكون أبو الطيب أراد بمقتضب الشعر ما هو مختصر ليس بكثير, أو يكون أراد بالمقتضب ما يقوله على البديه, ولا يروض فيه نفسه. فأما الوزن الذي يسميه الخليل: المقتضب فهو مثل قول القائل:
هل علي ويحكما ... إن لهوت من حرج
وقوله:
فسقى الله من أحب بكفيـ ... ـك وأسقاك أيهذا الأمير
إذا وصلت العرب أي في النداء بهذا لم يكن لهم بد من أن يجيئوا باسم فيه الألف واللام فهذا نعت لأي, والذي فيه الألف واللام نعت لهذا, ولا يقولون: يا أيهذا ويسكتون إلا عنده انقطاع نفس. قال ذو الرمة: [الطويل]
ألا أيهذا المنزل الدارس الذي ... كأنك لم يعهد بك الحي عاهد
وقال آخر: [الطويل]
ألا أيهذ الباخع الهم نفسه ... لشيء نحته من يديه المقادر
стр. 555
ومن التي أولها
بادٍ هواك صبرت أو لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى
وهو من الكامل الأول.
قوله: لم تصبرا من الضرورات؛ لأن النون لم تجر عادتها أن تدخل في هذا الموضع إلا عن ضرورةٍ قال الراجز: [الرجز]
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخًا على كرسيه معمما
وقد أدخلوا هذه النون في أشياء هي من الضرورات, وحذفوها في مواضع, وحذفها قبيح, فمن ذلك البيت المنسوب إلى طرفة: [المنسرح]
اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسوط قونس الفرس
أراد اضربن. قال الراجز: [الرجز]
من أي يومي من الدهر أفر ... أيوم لم يقدر أو يوم قدر
أراد لم يقدرن, فحذفت النون وبقيت الحركة. وهذا البيت ذكره المفجع في حد الإعراب, وهو قول الشاعر: [البسيط]
стр. 556
إن ابن الاحوص معروف فبلغه ... في ساعديه إذا رام العلى قصر
أراد فبلغنه, ومنهم من يقول فبلغه, بضم الغين, وهذا أقبح من الفتح؛ لأن الغين إنما تضم لأجل ضمة الهاء, والذي يذهب إلى هذا الوجه يحتج بقول الراجز: [الرجز]
عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي سبني لم أضربه
ألقى حركة الهاء على الباء, ومثله قول طرفة: [المديد]
حابسي ربع وقفت به ... لو أطيع النفس لم أرمه
لما كان يقول في الوصل لم أرمه ألقى حركة الهاء على الميم, وهذا يشبه قولهم في الوقف: هذا بكر ومررت ببكر, ومنه الرجز المنسوب إلى جرير بن عبد الله البجلي:
أنا جرير كنيتي أبو عمر
أجبنًا وغيرةً خلف الستر
قد نصر الله وسعد في القصر
والبيت الذي أنشده المفجع قد ضمت الغين فيه على غير وقف, إلا أنهم يقولون: أجرى الوصل مجرى الوقف. ويجب أن تفتح الراء في جرى كنحو ما تقدم في حيارى.
وقوله:
تعس المهارى غير مهري غدا ... بمصورٍ لبس الحرير مصورا
стр. 557
تعس: كلمة تستعمل في الدعاء, وهي دعوة بأن يلقى المدعو عليه عنتًا وشرًا, يقال: تعس يتعس تعسًا, قال الحارث بن حلزة: [الكامل]
فله هنالك لا عليه إذا ... دنعت أنوف القوم للتعس
وقال الأعشى:
بذات لوثٍ عفرناةٍ إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا
والمهارى: جمع مهري, وهو بعير منسوب إلى مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وقوله: بمصورٍ, أي: بشخصٍ صوره الله سبحانه.
وقوله:
نافست فيه صورةً في ستره ... لو كنتها لخفيت حتى يظهرا
نافست: فاعلت من قولهم: نفست عليه بالشيء إذا بخلت. وهم يتنافسون في الشيء إذا كان كل واحد منهم يريده وينفس به على صاحبه, قال أرطأة بن سهية: [الطويل]
نحن بنو عم على ذات بيننا ... زرابي فيها بغضة وتنافس
والهاء في قوله: فيه, راجعة على المصور الذي هو الشخص, ولا يمتنع أن يريد بمصور أنه مصور في قلبه ممثل فيه. وهذا البيت فيه مبالغة عظمة يراد بها شدة النحول. والمعنى
стр. 558
أني نفست على هذه الصورة بأن تقرب من ذلك المصور, ولو كنت تلك الصورة لخفيت من نحولي حتى يظهر من قد وارته. ويحتمل أن (٨٢/ب) يكون المراد مقصورًا على صفة نفسه بالنحول, ويجوز أن يضاف إليه إرادته أن يظهر هذا المستور فيراه؛ لأنه قد حجب عنه بالستر.
وقوله:
لا تترب الأيدي المقيمة فوقه ... كسرى مقام الحاجبين وقيصرا
يقول: لا تترب يدك إذا دعي له بأن لا يفتقر, وتربت يداه إذا دعي عليه بالفقر, وأصل ذلك ألا يبقى له مال فلا يجد شيئًا يولع به إلا التراب, ودعا للأيدي التي صورت كسرى وقيصر, وجعلتهما كالحاجبين لهذا الشخص المستور؛ أي: إنه أهل أن يكون هذان الملكان له حاجبين فقد وفقت الأيدي المصورة ذلك, وكأن هذا المعنى ينظر إلى قول الحكمي:
بنينا على كسرى سماء مدامةٍ ... مكللةً حافاتها بنجوم
يريد أن صورة كسرى كانت في الكأس وهو نحو قوله في الأخرى:
قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريه بالقسي الفوارس
وقوله:
تقيان في أحد الهوادج مقلةً ... رحلت وكان لها فؤادي محجرا
إذا روي: تقيان عني بهما الصورتان الممثل بهما كسرى وقيصر, وإن رويت بالياء, فهو أشد مبالغة في وصف الشخص المحجوب؛ لأنه جعل الملكين كأنهما توليا الحجبة لا صورتاهما اللتان لا تحسان.
وقوله:
فإذا السحاب أخو غراب فراقهم ... جعل الصياح ببينهم أن يمطرا
من شأنهم أن يصفوا التفرق والظعن إذا صابت السحب؛ لأنهم يتفرقون لانتجاع الكلأ,
стр. 559
ولا يمكن أن يجتمعوا في موضعٍ واحدٍ, بل يؤم كل قومٍ منهم ناحيةً, فادعى الشاعر أن الغراب كأنه أخو السحاب, وأمطاره جارية صياحه بالبين.
وقوله:
وإذا الحمائل ما يخدن بنفنقٍ ... إلا شققن عليه ثوبًا أخضرا
الحمائل: جمع حولة, وهي الإبل الحاملة, وهذه الهاء تدخل في فعولةٍ إذا كانت في معنى مفعولةٍ, مثل قولهم لما يركب: ركوبة, ولما يحلب: حلوبة, ولما يعلف: علوفة, وهو كثير. والنفنف هاهنا: الأرض الواسعة, ويقولون: نفنف الجو: يعنون ما يتسع منه. قال ذو الرمة يصف فرخ العصفور: [البسيط]
وظل للأعيس المزجي نواهضه ... في نفنف الجو تصويب وتصعيد
يقول: هذه الحمائل تمر بالنفنف فتطؤه بأخفافها وترعاه, فكأنها تشق عليه ثوبًا أخضر؛ لأنها ترعى النبت فيبين التراب, وكان كأنه كاسٍ بالنبات.
وقوله:
يحملن مثل الروض إلا أنها ... أسبى مهاةً للقلوب وجؤذرا
لما كانت العرب تشبه المرأة بالروضة, وتقول في أشعارها: ما روضة من صفتها كذا بأحسن منها, كما قال قيس بن الخطيم: [المتقارب]
فما روضة من ريضا القطا ... كأن المصابيح حوذانها
بأحسن منها ولا مزنة ... تكشف بالودق إدجانها
جعلوا المرأة بعينها روضةٍ. قال جران العود, وذكر النساء:
ولسن بأسواء فمنهن روضة ... تجف الرياض نبتها ما يصوح
وأبو طيب لم يأت بالروض إلا على معنى التشبيه؛ لأنه قال: يحملن مثل الروض, ويجوز أن يعني ما عليهن من الملابس وما يجللون به الهوادج من ألوان الثياب, فزعم أنهن
стр. 560
يحملن مثل الروض إلا أن هذه المحمولات أسبى مهاةً وجؤذرًا؛ لأن الروض الذي ترتع فيه الظباء وبقر الوحش لا تشغف بظبائها القلوب, ولا يسبين الرجال.
وقوله:
فبلحظها نكرت قناتي راحتي ... ضعفًا وأنكر خاتماي الخنصرا
يقول: لما بليت بحب هذه المذكورة ضعفت راحتي عن حمل قناتي, فأنكر خاتماي خنصري؛ لأن النحول جعلهما لا يثبتان في الخنصر؛ لأنها دقت عما يحتاجان إليه, وهذا نحو من قول الآخر, أنشده ابن الأعرابي:
بحربٍ إذا المرء السمين تلبست ... بأعطافه في الصيف لم يتخيم
أي أن إصبعه يقل لحمها فلا يستمسك فيها الخاتم.
وقوله:
أرجان أيتها الجياد فإنه ... عزمي الذي يذر الوشيخ مكسرا
أي: إذا وقعت على المؤنث جاز أن تدخل عليها الهاء, وجاز ألا تدخل, فيقال: أيتها المرأة وأيها المرأة, وكذلك أيتها الجياد وأيها الجياد. والهاء في أنه واقعة على الأمر والشأن.
ومثله قوله جل اسمه: ﴿إنه من يأت ربه مجرمًا﴾.
والكوفيون يسمون هذا الضمير المجهول, ويحسن إذا ذكر بعد هذه الهاء مذكر, أن يذكر الضمير, وإذا ذكر بعده مؤنث أن يؤنث, فيقال: إنه (٨٣/أ) جملك جمل ظهير, وإنها ناقتك ناقة ظهيرة, ولو استعمل في كل واحدٍ من الموضعين ما يستعمل في الآخر لجاز على أن يحمل إذا أنث على القصة والكائنة, وإذا ذكر على الخبر والشأن.
وقوله:
لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله ... ما شق كوكبك العجاج الأكدرا
يخاطب الخيل, ويقول: لو كنت أفعل ما تؤثرين من الراحة والدعة لأقمت, ولم أكابد السفر, ولم يشق كوكبك العجاج, واستعار الكوكب للخيل, ويقال لمقدمة الكتيبة كوكب, ويجوز أن يعني بالكوكب نفسه؛ لأنه يفتخر كثيرًا بالحرب, وإيثاره لقاء الأعداء.
стр. 561
وقوله:
أمي أبا الفضل المبر أليتي ... لأيممن أجل بحرٍ جوهرا
يقال: أبررت القسم: إذا لم تحنث فيه. والألية اليمين, يقال: ألية على مثال فعيلةٍ, وألوة وألوة وإلوة. وقلما يجمعون الألية, وقاسها أن يقال في تكسيرها: ألايا, وإذا قالوا: ألوة فقياس جمعها في التكسير إلاء مثل: قشوةٍ وقشاء. وإذا قيل: ألوة فقياسها ألى مثل: رشوةٍ ورشًى, وإذا قيل إلوة فالقياس إلى مثل: عدوةٍ وعدًى. وبيت ذي الرمة يحتمل الوجهين:
قليلًا كتحليل الولى ثم شمرت ... بنا كل فتلاء الذراعين ضامر
وقوله: لأيممن أجل بحرٍ جوهرا: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قال النصف الأول فتم الكلام, ثم ابتدأ اليمين, فلا يكون للنصف الثاني تعلق بالنصف الأول من قبل موضع الإعراب.
والآخر: أن يكون قوله: لأيممن وما بعده: مفسرًا للألية, فيكون موضعه نصبًا على البدل منها, والجوهر الذي يراد به ما يخرج من البحر, وما يجري مجراه في النفاسة, مثل الياقوت والزبرجد, يقال: إنه ليس بعربي, ولو حمل على أنه من كلام العرب لكان الاشتقاق دالًا عليه لأنهم يقولون: فلان جهير؛ أي: حسن الوجه والظاهر, فيكون الجوهر من الجهارة التي يراد بها الحسن, وإلى هذا الوجه يرجع ضد السر؛ لأنه يكشف ويعلم كما تعلم جهارة الوجه.
وقد استعملت الجوهر طوائف من المتقدمين والمحدثين في صناعة الكلام. فالمتقدمون يجعلون الشخوص جواهر, ويقولون: العقل هو جوهر بسيط؛ أي: هو لطيف خفي, والمعتزلة يقولون: هو جزء لا يتجزأ, وربما قالوا: ما استبد بصفة التحيز.
وقوله:
أفتى برؤيته الأنام وحاش لي ... من أن أكون مقصرًا أو مقصرا
стр. 562
يقال: حاشى فلانٍ, وحاشى فلانًا, فإذا جاؤوا باللام أثبتوا الألف تارة, وحذفوها أخرى فقالوا: حاشى لله وحاش لله. وقالوا: حشى في معنى حاشى, وأنشد الفراء:
حشا رهط الرسول فإن منهم ... قرابين النبي بني قصي
والفرق بين المقصر والمقصر أنهم يقولون: قصر عن الشيء إذا تركه, وهو غير قادرٍ عليه, وأقصر إذا تركه باختياره, ومنه قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
وقال جميل:
جميل كبرت وأودى الشباب ... فقلت بثين ألا أقصري
أي اتركي هذا الكلام, وإن كنت قادرةً على الإتيان به.
وقوله:
صغت السوار لأي كف بشرت ... بابن العميد وأي عبد كبرا
العميد هاهنا: من قولهم: هو عميد القوم؛ أي: رئيسهم الذي يعتمدون عليه, أو الذي يعمدونه في الأمور, أي يقصدونه. يقول: أي كفٍ بشرتني بلقاء ابن العميد وقربي منه, فإني قد صغت لها سوارًا جزاءً لها علي ما فعلته. وقوله: وأي عبد كبرا, يريد عبدًا من عبيد الله وجعل العبد مستحقًا للتسوير؛ لأنه إذا كبر رفع يده.
وقوله:
خنثى الفحول من الكماة بصبغه ... ما يلبسون من الحديد معصفرا
стр. 563
خنثى الفحول: أي جعلهم كالمخنثين أو جعل كل واحدٍ منهم كالخنثى.
وفعلى: يزعم النحويون أنها لا تستعمل للمذكر. وقولهم: الخنثى: لم يخلص للمذكر ولا للمؤنث إلا أن الكلمة مشتركة بين الحالين, وإنما أخذ المخنث والخنثى من الانخناث؛ أي: الانكسار والضعف. وقد قالوا: امرأة خنث؛ أي: فيها لين وتكسر, وقالوا للوطب إذا ثني فوه إلى الخارج قد خنثه وخنثه. وفي الحديث: «أنه نهى عن اختنات الأسقية» ومنه البيت المعروف: [الوافر]
لقيت مخنثًا فلثمت فاه ... فأطيب بالمخنث من لثام
ألغزه عن المخنث من الناس. يقول: هذا الممدوح إذا لقيته الفحول من الكماة جعلها كالمخنثين أو كالخناثى؛ لأنها تضعف وتنكسر, ولأنه يصبغ ما لبسته من الدروع وغيرها بالدم؛ فهو كالعصفر, وقد جرت (٨٣/ب) عادة من كان مخنثًا أن يرغب في لباس النساء.
وقوله:
أنت الوحيد إذا ارتكبت طريقةٍ ... ومن الدريق وقد ركبت غضنفرا
الغضنفر: الغليظ الجلد, وهو من صفات الأسد, قال الراجز: [الرجز]
وأنا كالضرغامة الغضنفر ... لو أتغدى رجلًا لم أسئر
منه سوى كعبرةٍ أو كعبر
والكعبرة: العقدة في الرأس؛ أي: إني لا أترك منه إلا شيئًا يسيرًا, وقالوا: لبن غضنفر؛ أي: غليظ خاثر. والنحويون يحكمون على نون غضنفرٍ بالزيادة, وكذلك كل نونٍ وقعت
стр. 564
ساكنة ثالثةً في اسم ليس بجارٍ على فعلٍ؛ لأنهم إذا قالوا: عندل البلبل يعندل فقولهم: معندل ليست النون فيه بالزائدة. والعندلة صوته, وإنما يعنون نون حجنفلٍ, وما كان مثله, ولم يجئ عنهم جمع غضنفرٍ في التكسير, ولو جمعوه لوجب أن يقولوا: غضافر وغضافير, ولو جمع جمع السلامة لقيل: غضنفرات, يقول: أنت أيها الممدوح وحيد إذا ركبت طريقةً؛ لأنك تسلك مسلك لا يقدر عليها سواك. ومن الذي يمكنه أن يكون رديفك إذا ركبت أسدًا.
وقوله:
قطف الرجال القول وقت نباته ... وقطفت أنت القول لما نورا
يقال: قطفت العنب وغيره من الثمار إذا قطعته من شجرته, وهو القطاف والقطاف, قال الشاعر: [المتقارب]
أحب أيافت وقت العصار ... وحين قطافٍ لأعنابها
وكان بعض الناس يقول في قول الفقعسي: [البسيط]
стр. 565
يا أيها الراكبان السائران معًا ... قولا لسنبس فلتقطف قوافيها
هو مأخوذ من قطف الثمرة, فيكون المعنى ليجنوا ثمرة ما اغترسوه, كما يقال: حصد فلان ما زرع, ونور الشجر والنبت إذا ظهر نوره, ويعني بالقول هاهنا ما نظمه من الشعر, وهذا أشبه به. ولا يمتنع أن يصرف ذلك إلى الممدوح يريد أن من قبله من البلغاء قطفوا الكلام قبل أن يزهر ويتم حسنه, وأن هذا المعني أدرك قطافه في أحسن ما يكون.
وقوله:
ورسائل قطع العداة سحاءها ... فرأوا قنًا وأسنةً وسنورا
سحاءة الكتاب مأخوذة من (سحيت الشيء وسحوته) إذا قشرته, ويقولون للواحدة: سحاءة وسحاية. والسنور: يقال: إنه ليس بعربي في الأصل, وزعم بعضهم أن السلاح كله يقال له: سنور, وقيل: بل هو الدروع, وقيل: بل جلود تعمل كهيئة الأدراع, وقد تكلموا به قديمًا وأدخلوا عليه الألف واللام, وإذا فعلوا ذلك فهو عندهم كالعربي, قال المسيب بن علس: [الرجز]
كأنهم إذ خرجوا من غضور
مستلئمين لابسي السنور
نشء سحابٍ صائبٍ كنهور
وقوله:
فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا
أصل الدعاء: النداء, ثم اتسع في هذه الكلمة, فقالوا: دعاه إلى المرأة حسنها؛ أي: جذبه إليها, كأنه ناداه, قال الهذلي: [الطويل]
следующие страницы →