← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقوله: أمي أبا الفضل المبر أليتي ... لأيممن أجل بحرٍ جوهرا يقال: أبررت القسم: إذا لم تحنث فيه. والألية اليمين, يقال: ألية على مثال فعيلةٍ, وألوة وألوة وإلوة. وقلما يجمعون الألية, وقاسها أن يقال في تكسيرها: ألايا, وإذا قالوا: ألوة فقياس جمعها في التكسير إلاء مثل: قشوةٍ وقشاء. وإذا قيل: ألوة فقياسها ألى مثل: رشوةٍ ورشًى, وإذا قيل إلوة فالقياس إلى مثل: عدوةٍ وعدًى. وبيت ذي الرمة يحتمل الوجهين: قليلًا كتحليل الولى ثم شمرت ... بنا كل فتلاء الذراعين ضامر وقوله: لأيممن أجل بحرٍ جوهرا: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قال النصف الأول فتم الكلام, ثم ابتدأ اليمين, فلا يكون للنصف الثاني تعلق بالنصف الأول من قبل موضع الإعراب. والآخر: أن يكون قوله: لأيممن وما بعده: مفسرًا للألية, فيكون موضعه نصبًا على البدل منها, والجوهر الذي يراد به ما يخرج من البحر, وما يجري مجراه في النفاسة, مثل الياقوت والزبرجد, يقال: إنه ليس بعربي, ولو حمل على أنه من كلام العرب لكان الاشتقاق دالًا عليه لأنهم يقولون: فلان جهير؛ أي: حسن الوجه والظاهر, فيكون الجوهر من الجهارة التي يراد بها الحسن, وإلى هذا الوجه يرجع ضد السر؛ لأنه يكشف ويعلم كما تعلم جهارة الوجه. وقد استعملت الجوهر طوائف من المتقدمين والمحدثين في صناعة الكلام. فالمتقدمون يجعلون الشخوص جواهر, ويقولون: العقل هو جوهر بسيط؛ أي: هو لطيف خفي, والمعتزلة يقولون: هو جزء لا يتجزأ, وربما قالوا: ما استبد بصفة التحيز. وقوله: أفتى برؤيته الأنام وحاش لي ... من أن أكون مقصرًا أو مقصرا

стр. 562

يقال: حاشى فلانٍ, وحاشى فلانًا, فإذا جاؤوا باللام أثبتوا الألف تارة, وحذفوها أخرى فقالوا: حاشى لله وحاش لله. وقالوا: حشى في معنى حاشى, وأنشد الفراء: حشا رهط الرسول فإن منهم ... قرابين النبي بني قصي والفرق بين المقصر والمقصر أنهم يقولون: قصر عن الشيء إذا تركه, وهو غير قادرٍ عليه, وأقصر إذا تركه باختياره, ومنه قول زهير: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وقال جميل: جميل كبرت وأودى الشباب ... فقلت بثين ألا أقصري أي اتركي هذا الكلام, وإن كنت قادرةً على الإتيان به. وقوله: صغت السوار لأي كف بشرت ... بابن العميد وأي عبد كبرا العميد هاهنا: من قولهم: هو عميد القوم؛ أي: رئيسهم الذي يعتمدون عليه, أو الذي يعمدونه في الأمور, أي يقصدونه. يقول: أي كفٍ بشرتني بلقاء ابن العميد وقربي منه, فإني قد صغت لها سوارًا جزاءً لها علي ما فعلته. وقوله: وأي عبد كبرا, يريد عبدًا من عبيد الله وجعل العبد مستحقًا للتسوير؛ لأنه إذا كبر رفع يده. وقوله: خنثى الفحول من الكماة بصبغه ... ما يلبسون من الحديد معصفرا

стр. 563

خنثى الفحول: أي جعلهم كالمخنثين أو جعل كل واحدٍ منهم كالخنثى. وفعلى: يزعم النحويون أنها لا تستعمل للمذكر. وقولهم: الخنثى: لم يخلص للمذكر ولا للمؤنث إلا أن الكلمة مشتركة بين الحالين, وإنما أخذ المخنث والخنثى من الانخناث؛ أي: الانكسار والضعف. وقد قالوا: امرأة خنث؛ أي: فيها لين وتكسر, وقالوا للوطب إذا ثني فوه إلى الخارج قد خنثه وخنثه. وفي الحديث: «أنه نهى عن اختنات الأسقية» ومنه البيت المعروف: [الوافر] لقيت مخنثًا فلثمت فاه ... فأطيب بالمخنث من لثام ألغزه عن المخنث من الناس. يقول: هذا الممدوح إذا لقيته الفحول من الكماة جعلها كالمخنثين أو كالخناثى؛ لأنها تضعف وتنكسر, ولأنه يصبغ ما لبسته من الدروع وغيرها بالدم؛ فهو كالعصفر, وقد جرت (٨٣/ب) عادة من كان مخنثًا أن يرغب في لباس النساء. وقوله: أنت الوحيد إذا ارتكبت طريقةٍ ... ومن الدريق وقد ركبت غضنفرا الغضنفر: الغليظ الجلد, وهو من صفات الأسد, قال الراجز: [الرجز] وأنا كالضرغامة الغضنفر ... لو أتغدى رجلًا لم أسئر منه سوى كعبرةٍ أو كعبر والكعبرة: العقدة في الرأس؛ أي: إني لا أترك منه إلا شيئًا يسيرًا, وقالوا: لبن غضنفر؛ أي: غليظ خاثر. والنحويون يحكمون على نون غضنفرٍ بالزيادة, وكذلك كل نونٍ وقعت

стр. 564

ساكنة ثالثةً في اسم ليس بجارٍ على فعلٍ؛ لأنهم إذا قالوا: عندل البلبل يعندل فقولهم: معندل ليست النون فيه بالزائدة. والعندلة صوته, وإنما يعنون نون حجنفلٍ, وما كان مثله, ولم يجئ عنهم جمع غضنفرٍ في التكسير, ولو جمعوه لوجب أن يقولوا: غضافر وغضافير, ولو جمع جمع السلامة لقيل: غضنفرات, يقول: أنت أيها الممدوح وحيد إذا ركبت طريقةً؛ لأنك تسلك مسلك لا يقدر عليها سواك. ومن الذي يمكنه أن يكون رديفك إذا ركبت أسدًا. وقوله: قطف الرجال القول وقت نباته ... وقطفت أنت القول لما نورا يقال: قطفت العنب وغيره من الثمار إذا قطعته من شجرته, وهو القطاف والقطاف, قال الشاعر: [المتقارب] أحب أيافت وقت العصار ... وحين قطافٍ لأعنابها وكان بعض الناس يقول في قول الفقعسي: [البسيط]

стр. 565

يا أيها الراكبان السائران معًا ... قولا لسنبس فلتقطف قوافيها هو مأخوذ من قطف الثمرة, فيكون المعنى ليجنوا ثمرة ما اغترسوه, كما يقال: حصد فلان ما زرع, ونور الشجر والنبت إذا ظهر نوره, ويعني بالقول هاهنا ما نظمه من الشعر, وهذا أشبه به. ولا يمتنع أن يصرف ذلك إلى الممدوح يريد أن من قبله من البلغاء قطفوا الكلام قبل أن يزهر ويتم حسنه, وأن هذا المعني أدرك قطافه في أحسن ما يكون. وقوله: ورسائل قطع العداة سحاءها ... فرأوا قنًا وأسنةً وسنورا سحاءة الكتاب مأخوذة من (سحيت الشيء وسحوته) إذا قشرته, ويقولون للواحدة: سحاءة وسحاية. والسنور: يقال: إنه ليس بعربي في الأصل, وزعم بعضهم أن السلاح كله يقال له: سنور, وقيل: بل هو الدروع, وقيل: بل جلود تعمل كهيئة الأدراع, وقد تكلموا به قديمًا وأدخلوا عليه الألف واللام, وإذا فعلوا ذلك فهو عندهم كالعربي, قال المسيب بن علس: [الرجز] كأنهم إذ خرجوا من غضور مستلئمين لابسي السنور نشء سحابٍ صائبٍ كنهور وقوله: فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا أصل الدعاء: النداء, ثم اتسع في هذه الكلمة, فقالوا: دعاه إلى المرأة حسنها؛ أي: جذبه إليها, كأنه ناداه, قال الهذلي: [الطويل]

стр. 566

دعاك إليها مقلتاها وجيدها ... فملت كما مال البعير عن القصد وقالوا: فلان يدعى كذا؛ أي: يسمى؛ لأن التسمية لابد للنداء من أن يقع على الاسم الذي هو به متصلة, وعلى ذلك معنى البيت. وقالوا في قول ابن أحمر: [البسيط] أهوى لها مشقصًا حشرًا فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا معنى أدعو: أجعل, وليس ذلك بقوي, وإنما المعنى: كنت أسمي قذاها لكرمها علي الإثمد القرد الذي ركب بعضه بعضًا, وإنما قالوا: دعا فلان ربه؛ لأن الداعي قد جرت عادته بأن ينادي باسم الله أو بصفةٍ من صفاته, فيقول: اللهم, ويارب, ويا خالق البشر, ونحو ذلك. يقول: دعاك الناس الرئيس, ولم يزيدوا على هذا المقدار, ودعاك خالقك بأعظم مما دعاك به الناس, فجعلك الرئيس الأكبر, ثم قال: خلفت صفاتك في العيون كلامه؛ أي: أنه لما خلقك علي هذه الصفات المعجزة على أن منزلتك عنده عظيمة لا يصل إليها غيرك, ثم مثل ما قدم في النصف الأول بقوله: كالخط يملأ مسمعي من أبصرا أي: إن الخط إذ ارآه من يقرؤه فكأن مسمعيه قد امتلأا بالكلام الذي قد رآه مكتوبًا, وهذا المعنى مثل قوله في الأخرى: [المنسرح] أغنته عن مسمعيه عيناه وقوله: (٨٤/أ) أرأيت همة ناقتي في ناقةٍ ... نقلت يدًا سرجًا وخفًا مجمرا يدًا سرجًا: أي: سريعةً سهلة السير. والخف يستعمل للإبل والنعام. والمجمر من الخفاف الصلب المجتمع, وكذلك من الحوافر, يقال: حافر مجمر إذا كان ليس بأرح ولا مصطر كأنه يعجب السامع من ناقته وشرف همتها لقوله:

стр. 567

تركت دخان المرث في أوطانها ... طلبًا لقومٍ يوقدون العنبرا أي: إنها كانت في مساكن البدو تشم دخان الرمث, فطلبت دخان العنبر, وسارت إلى القوم الذين يوقدونه, وقد سبقت الشعراء إلى وصف النار بأنها تطعم ما طابت رائحته, قال الشاعر: [مجزوء الرمل] صاح هل أبصرت بالخبـ ... ـتين من أسماء نارا شبها الموقد يذكيـ ... ـها يلنجوجًا وغارًا وقال آخر: أوقدتها بالند والمندل الرطـ ... ـب فتاة يضيق عنها السوار وقوله: وتكرمت ركباتها من مبركٍ ... تقعان فيه وليس مسكًا أذفرا أكثر الرواية: تقعان. وبعض الناس ينشد تحتل فيه, يفرون من قوله: ركبات على الجمع, ثم جعل الفعل لاثنين, وإنما جرت العادة أن يخبر عن الاثنين بخبر الجمع كما جاء في الكتاب الكريم: ﴿قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعضٍ﴾ فأما ردهم الجمع إلى الاثنين فمفقود. ويجوز أن يكون عنى ركبتيها المتقدمتين. والمسك الأذفر: الحديد الرائحة؛ وذلك يستعمل في الطيب وضده, ومنه قول المرأة: [المتقارب] له ذفر كصنان التيو ... س أربى على المسك والغاليه يقول تكرمت هذه الناقة أن تبرك إلا على المسك الأذفر؛ لأنها في محلة ملوكٍ يوقدون العنبر. والذي ادعى من بروكها على المسك الأذفر يوفي على ما ذكره من العنبر الموقد بدرجات؛ إذ كانت الملوك تستعمل مثل هذه الخليقة, ولا يجوز أن تبرك الناقة على مسكٍ إلا أن يشاء الله سبحانه.

стр. 568

وقوله: فأتتك دامية الأظل كأنما ... حذيت قوائمها العقيق الأحمرا يقول: دميت أخفاف هذه الناقة فكأنها حذيت العقيق الأحمر؛ أي: جعل لها حذاءً, وقد استعمل الحذاء في أخفاف الإبل. وفي الحديث: «مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها». يعني ضالة الإبل. والأظل باطن الخف, وإنما سمي بذلك؛ لأنه في ظل دائمٍ. وقد حكي في جمعه ظل مثل أصم وصم, وليس ذلك بمعروفٍ, قال الشاعر: [المديد] وبما أبركها في مناخٍ ... جعجعٍ ينقب فيه الأظل وأظهرت الشعراء التضعيف في الأظل على الضرورة؛ قال الراجز: [الرجز] تشكو الوجى من أظللٍ فأظلل وقال ربعية بن مقرومٍ الضبي: [الكامل] ومطيةٍ ملث الظلام بعثته ... يشكو الكلال إلى دامي الأظلل وقوله: من مبلغ الأعراب أني بعدها ... شاهدت رساطاليس والأسكندرا رسطاليس: اسم أعجمي, والشعراء يتحكمون على الأسماء الأعجمية, ويغيرونها عما هي عليه, فمنها ما يلحق بكلام العرب, ومنها ما تلبث عليه العجمة, فالذي لحق بالعربي مثل قولهم: الديباج والبزبون, ونحو ذلك. والذي بقيت عليه العجمة, مثل: رسطاليس

стр. 569

وأفلاطون وفرعون ومالا تدخل عليه الألف واللام. والذي يقرؤون الكتب القديمة يقولون: رسطاطاليس, وربما حذفوا الياء فقالوا: رسطاطالس, ومنهم من يدخل الهمزة في أوله فيقول: أرسطاطاليس, ومنهم من يجعل الألف واوًا وقد اختصره أبو الطيب وصار ما فعله كالأصل. وقوله: والأسكندرا. يقال: إن رسطاليس كان معلم الأسكندر, فيجوز أن يعني أن الممدوح مثل هذين الرجلين في الحكمة, وفي الملك, كما تقول للرجل إذا وضعته بعلم اللغة والفقه لقيت الأصمعي ومالكًا. وإن كان أبو الطيب لقي ابن العميد بعد انصرافه عن عضد الدولة فلا يمتنع أن يعنيه بالأسكندر؛ لأنه الملك, والأول أشبه. وقوله: وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكًا مبتديًا متحضرا مرةً ينشد بطليموس, بكسر اللام, وهي مقدمة على الياء وربما أنشدوا بطلميوس, بلام مفتوحةٍ بعدها الميم, وبعد الميم الياء, وذلك كله سهل؛ لأن الاسم الأعجمي لا تحفل العرب بتغييره. وادعى أبو الطيب للممدوح أنه مثل (٨٤/ب) أرسطاليس, وهو صاحب المنطق والمتكلم على السماء والعالم, وأنه مثل بطليموس الذي كان الغاية في علم الهيئة, إلا أن أصحاب النجوم يزعمون أنه كان يقول بالأحكام دالة عليه الكواكب. ويقال: إن أرسطاليس ليس كان يدفع ذلك, فزعم الشاعر أنه سمع بطلميوس في حال درسه كتبه متبديًا متحضرًا؛ لأنه جعل الممدوح في فصاحة البادية, وهومع ذلك من المقيمين في الحضر. وقوله: ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا نسقوا لنا نسق الحساب مقدمًا ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا خلص أبو الطيب هذا المعنى من الشبه؛ لأنه قد جاء به هو وغيره في المدح, ولم يكملوا فيه اللفظ, كقوله: [الطويل] ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق لأن الخلائق الغالب عليها الذم. وإنما الخير فيها خصائص عند قومٍ أفرادٍ, وكذلك قوله: هدية ما رأيت مهديها ... إلا رأيت العباد في رجل

стр. 570

وفي العباد الفاجر والغادر, ومن هو مستحق للذم. وفي الكتاب العزيز: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ ولا اختلاف بين أهل المعقول في أن أشرار العالم يوفون على خياره بأضعافٍ في العدة. فلما قال: ورأيت كل الفاضلين تهذب: الغرض من طعن الطاعن؛ لأنه خص الفضلاء دون ذوي العيوب والنقص. وقال: فذلك, وهو فاعل أتى, وجاء به على الحكاية؛ لأن ذلك هو الوجه, وحكى بعضهم أن ذلك ربما عربت كافها في الشعر وأنشدواة في قوافٍ مرفوعةٍ: [الرجز] كيف يكون النوك إلا ذلك وقبل هذا البيت: قد زعم الجاهل أني هالك ... وإنما الهالك ثم التالك مضلل ضاقت به المسالك وتالك إتباع. وقوله: وترى الفضيلة لا ترد فضيلةً ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا الرواية الصحيحة ترد بضم الراء, وفي ترد ضمير عائد على الفضيلة الأولى, والثانية منصوبة بوقوع الرد عليها. وهذا من التنصيف المبين؛ لأن قوله: الشمس تشرق والسحاب كنهورا بيان لقوله: وترى الفضيلة لا ترد فضيلةً, وذلك أن الشمس لا تشرق إذا تراكم السحاب, ولأن السحاب لا يمطر إذا أشرقت الشمس فإحدى الفضيلتين رادة للأخرى؛ لأن المنفعة بالشمس عظيمة وكذلك المنفعة بالسحاب, وكان ابن جني ﵀ ينشد:

стр. 571

ترد, بفتح الراء وضم التاء. والكنهور: السحاب المتكاثف, وإنما أخذ من الكهر, وهو غلظ الوجه. والقول يختلف في قول زيد الخيل: [الطويل] ولست بذي كهرورةٍ غير أنني ... إذا طلعت أولى المغيرة أعبس فأصح القولين أن يراد بالكهرورة عبوس الوجه وتجهمه. والقول الآخر أن الكهرورة الضحك. ولانون والواو في الكنهور زائدتان, يراد أنه أسود غليظ فكأنه يلقى الناظر بكهرٍ. وفي مصحف ابن مسعود: ﴿وأما السائل فلا تكهر﴾. أي لا تلقه بوجهٍ غير بسيطٍ. وقوله: زحل على أن الكواكب قومه ... لو كان منك لكان أكرم معشرا زحل: اسم عربي إلا أن تردده في الشعر القديم غير كثيرٍ, وإنما كثر في أشعار المحدثين. وعندهم أنه معدول, فيجب ألا يصرف, وصرفه للضرورة. ولما أخبر عن زحل كإخباره عن الإنس جعل الكواكب قومه, وإنما القوم كلمة تستعمل للآدميين, ويجب أن يكون جمع قائمٍ, كما يقال: راكب وركب, وصاحب وصحب. وأصل ذلك أن يستعمل في كبراء الناس, ثم كثرت اللفظة حتى استعملت في الخاصة, وفي العامة؛ لأنهم يقولون: قام فلان في أمر العشيرة إذا سعى فيما يصلح أمورهم؛ قال زهير: [الطويل] إذا قام منهم قائم قال قاعد ... رشدت فلا غرم عليك ولا خبل ويقولون: هؤلاء قامة الحي؛ أي: الذين يقومون في أمره, قال الراجز: [الرجز] وقامتي ربيعة بن كعب ... حسبك ما عندهم وحسبي قامة: جمع قائم, مثل: باعةٍ وبائعٍ. * * *

стр. 572

قافية الزاي من التي أولها: (٨٥/أ) كفرندي فرند سيفي الجراز ... لذة العين عدة للبراز وهي من الخفيف الأول. الفرند: جوهر السيف, وقد مر ذكره. والجراز: القاطع. يقال: جرزه إذا قطعه. والأرض الجرز: التي لا نبت فيها, كأنها قطع عنها النبات أو انقطع عنها المطر, ويقال: رجل جروز أي: أكول. وامرأة جارز: عقيم, كأنها قطعت الولد. وقوله: لذة العين كأنه على قوله: هو لذة العين. ويجوز أن يجعل لذة العين محمولةً على قوله: فرند سفي الجراز فلا يحتاج إلى إضمار هو. والبراز مصدر بارز القرن قرنه إذا ظهر كل واحدٍ منهما لصاحبه. قال الشاعر: [مجزوء الكامل] ولقد سئمت من الندا ... ء وقولهم هل من مبارز وقالوا: امرأة برزة إذا كانت تجترئ على خطاب الرجال, كأنها تبرز لهم, ولعلها وصفت بذلك أيام كان النساء لم يضرب عليهن الحجاب, وقالوا في قول العجاج: [الرجز] عف وذو العفافة البرزي أراد الحيي. وهذا ضد قولهم للمرأة: برزة. وذهب قوم إلى أن هذه الكلمة من الأضداد وأنشد أبو زيدٍ: [الطويل] إن تلقني برزين لا تغتبط به ... وإن تدع لا تنصر على وأخذل أراد أن كل واحدٍ منهما يبرز لصاحبه.

стр. 573

وقوله: كلما رمت لونه منه النا ... ضر موج كأنه منك هاز يصف جوهر السيف وأنه لا يثبت للناظر على حالٍ واحدةٍ ك أنه يهزأ به, وإن كان خفف الهمزة ونظم الكلمة في البيت بعد التخفيف فقد صارت مثل قاضٍ, لا يجب أن تثبت فيها الياء عند الكتب وإن كان جاء باللفظة مهموزةً. فلما عجز الوزن عن احتمالها كذلك جعل الهمزة ياءً فيجب أن تثبت في الخط, وتخفيف مثل هذه كثير. قال عبد الرحمن بن حسان: [الوافر] فكنت أذل من وتدٍ بقاعٍ ... يشجج رأسه بالفهر واجي وقوله: ودقيق قدى الهباء أنيق ... متوالٍ في مستوٍ هزهاز يقال: قدى الشيء وقيده وقاده؛ أي: مقداره, والأنيق: الحسن, الذي يعجب من رآه, والهباء: أدق ما يكون من الغبار. وإذا أحكم صقال السيف, والنصل من نصال السهام وصف بأن عليه مثل الهباء, قال الشاعر: [الوافر] دلفت له بأبيض مشرفي ... كأن على مواقعه غبارا مواقعه: المواضع التي يقع عليها المسن, وقال ذو الرمة يصف نصال السهام: [الطويل] وبيض رقاق قد علتهن هبوة ... أرق من الماء الزلال كليلها وقال والبة بن الحباب في صفة السيف: [مجزوء الكامل] فكأنما نفض الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح

стр. 574

والهزهاز الذي كان ماؤه يهتز فيه, قال الراجز: [السريع] قد وردت مثل اليماني الهزهاز ... تدفع عن أعناقها بالأعجاز وقوله: ورد الماء فالجوانب قدرًا ... شربت والتي تليها جوازي أراد بالجوانب صفحاته, لأن ماءه يظهر فيهن, وبالتي تليها الحدين؛ لأن الفرند لا يظهر في الحد. وقد يجوز أن يكون المراد ما يسقاه الحد في الصقال, فالمعنى حينئذٍ ضد الأول؛ لأن الواردة في المعنى الأول الصفحات. وفي المعنى الثاني حده وما يليه. والجوازي التي جزأت عن الماء؛ أي: امتنعت عن شربه, وحكمها في الهمز وتخفيفه كحكم هازئ. وقوله: حملته حمائل الدهر حتى ... هي محتاجة إلى خراز استعار حمائل السيف للدهر, ووصفه بالقدم, وهذه نهاية في المبالغة؛ لأن حمائل الدهر قد حملته حتى بليت, فاحتاجت إلى أن تخرز. وقوله: وهو لا تلحق الدماء غراريـ ... ـه ولا عرض منتضيه المخازي يقول: هذا السيف من سرعة قطعه يسبق الدم فلا يتعلق به منه شيء. ويقرب من هذا المعنى قول الأول في صفة السيف: [الوافر] ترى ضرباته أبدًا خطايا ... إلى أن يستبين له قتيل وقوله: يا مزيل الظلام عني وروضي ... يوم شربي ومعقلي في البراز

стр. 575

البراز: الموضع المنكشف. والمعقل: الموضع الذي يلتجأ إليه. وأصله الموضع في أعلى (٨٥/ب) الجبل, يقال: عقلت الأروى إذا حصلت بذلك الموضع كأنها تعقل الحوادث عن نفوسها؛ أي: تحبسها, كما يحبس البعير بالعقال, قال النابغة: [الطويل] وقد خفت حتى ما ت زيد مخافتي ... على وعلٍ في ذي المطارة عاقل وهذا مثل قول قيس بن الخطيم: [الطويل] معاقلهم أبياتهم ونساؤهم ... وأيماننا بالمشرفية معقل وشبه السيف بالروضة؛ لأنه يوصف بالخضرة. وقوله: إن برقي إذا برقت فعالي ... وصليلي إذا صللت ارتجازي يقول: إن كان أيها السيف برقك يسبق الضرب بك فبرقي أنا فعلي أي: إني أبدأ بالفعال إذا كنت أنت لا تبدأ به. والصليل: صوت الحديد بعضه على بعضٍ, قال عبد قيس ابن خفافٍ البرجمي: [المتقارب] وسابغةٍ من جياد الدرو ... ع تسمع للسيف فيها صليلا وكانت العرب إذا لاقت الحروب قالت الرجز, تستثير به نفوسها إلى الحرب, وتستجلب تعاون الشاهدين, وكذلك كانوا يفعلون إذا بشروا الأعمال كسقي الإبل ونحوه, وقالوا: ارتجز السحاب إذا جاء بالرعد كأنه يحث نفسه على المطر. قال الهذلي: [الوافر] سقى الرحمن حزم نبايعاتٍ ... من الجوزاء أنواءً غزارا بمرتجزٍ كأن على ذراه ... ركاب الشام يحملن البهارا البهار هاهنا: واحد في معنى جمعٍ. والرجز الذي كان يستعملون عند ممارسة الحروب

стр. 576

والأعمال: ثلاثة أصنافٍ, لا اختلاف بين أهل العلم أنهم كانوا يسمونها رجزًا, وبها جاء شعر الرجاز: العجاج, ورؤبة, وأبي النجم. فمن ذلك قول العجاج: [الرجز] ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا من طللٍ كالأتحمي أنهجا وقوله: يا صاح هل تعرف رسمًا أكرسا أي: قد اجتمع عليه الكرس, وهو البعر. قال نعم أعرفه وأبلسا فهذا صنف. والصنف الثاني يجتمع في آخره ساكنان, كقوله: [السريع] يا صاح ما هاجك من ربعٍ خال ... ودمنةٍ تعرفها وأطلال وقول رؤبة: قد عرضت أروى بقولٍ إفناد والصنف الثالث أقصر من الصنف الأول بحرفٍ متحركٍ, وأقصر من الثاني بحرفٍ ساكنٍ, وهو كقول رؤبة: [السريع]

стр. 577

عاذل قد أولعت بالترقيش ... إلي سرًا فاطرقي وميشي وكان الخليل يجعل هذين الصنفين الآخرين من الوزن, الذي يقال له السريع على علمٍ أن العرب تسمها بالرجز, وهذا مستطرف من رأيه. والرجز عنده خمسة أضربٍ, وعند غيره تسعة. فأما تام الرجز فلم يرو أنهم استعلموا في الحرب, وكأنه لما طال جعلوه من القصيد, وهو كقول قعنب بن أم صاحبٍ: [الرجز] باكرني بسحرةٍ عواذلي ... ولومهن خبل من الخبل ولم ترو الثقات عنهم هذا الوزن إلا مقيدًا, وهو وزن مقصورة ابن دريدٍ. وأما الثاني من الرجز عند الخليل فهو كقول القائل: [الرجز] القلب منها مستريح دهره ... والقلب مني جاهد مجهود وأما الثالث منه فلا يستعملونه أيضًا في الحرب وما جرى مجراها. وقد استعمله عمر بن أبي ربيعة في النسيب كقوله: [مجزوء الرجز] قد هاج قلبي منزل ... من أم عمرو مقفر والرابع قد مر ذكره في الأصناف الثلاثة. والخامس قد استعمل في الحرب. وقال بعض من شهد يوم الجمل: [منهوك الرجز]

стр. 578

أضربهم باليابس ... ضرب غلامٍ عابس ... من الحياة يائس ويروى أن دريد بن الصمة قال في يوم الحنينٍ: [منهوك الرجز] يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع فهذا من خامس الرجز: والذين جعلوه تسعة أضربٍ ألحقوا به الضربين اللذين جعلهما الخليل من السريع, والضربين المنهوكين اللذين ذكرهما في المنسرح: الأول منهما كقول أبي خراش: [منهوك المنسرح] إليك أم ذبان ... قد صرحت بجلدان ليس بتنكاع الضان ... نكع الجلاد الحمران لكن جلاد الفتيان ... بكل لينٍ حران وقالت نائحة سعد بن معاذ: [منهوك المنسرح] ويل ام سعدٍ سعدا ... صرامةً ومجدا وفارسًا معدا ... سد به مسدا

стр. 579

فهذا الآخر من الضربين اللذين ذكرهما في المنسرح. وهو في الأصل أنقص من الأول بحرفٍ ساكنٍ, والأول ثاني المنسرح. والثاني منهما ثالثه. ويقال (٨٦/أ) إن الرجز سمي رجزًا لاضطراب أجزائه شبه بالرجز الذي يلحق الإبل, من قولهم: ناقة رجزاء إذا كانت تضطرب فخذاها عند القيام. قال أوس بن حجرٍ: [الطويل] هممت بمعروفٍ فقصرت دونه ... كما ناءت الرجزاء شد عقالها وكما قال أبو النجم في صفة امرأة: [الكامل] تذر القيام كأنما هو نجدة ... حتى تقوم تكلف الرجزاء وقوله: ولم احملك معلمًا هكذا إلـ ... لا لضرب الرقاب والأجواز طرح حركة الهمزة في أحملك على الميم من لم. وحذف الهمزة, وتلك لغة حجازية معروفة, وقد قرأ بها المدنيون, ومنه قول الشاعر: [الطويل] فقالت من أي الناس أنت ومن تكن ... فإنك راعي ثلةٍ لا يزينها والمعلم الذي يشهر نفسه في الحرب فيجعل لها علامةً تعرف بها, وذلك مما تفتخر به العرب, قال معاوية بن أوسٍ اليربوعي: [المتقارب] ولما تداعوا لأقرانهم ... دعوني إلى الفارس المعلم

стр. 580

وروي أن حمزة بن عبد المطلب كان في يوم أحدٍ معلمًا بريشة نعامةٍ. والأجواز: جمع جوزٍ, وهو الوسط. وقوله: ولقطعي بك الحديد عليها ... فكلانا لجنسه اليوم غاز يقول: أنا أضرب بك أيها السيف رؤوس الرجال وأوساطها؛ فأقطع بك الحديد الذي تتقي به السيوف, فأنا غازٍ لجنسي, وهم الإنس, وأنت غازٍ لجنسك, وهو الحديد, فكلانا صاحب غزوٍ, والغزو: أصله القصد. يقال: ما غزا فلان بقوله كذا, أي: ما قصد وما أراد, ثم قصروا ذلك على قصد العدو والمسافر إليه حتى يحارب بأرضه. وجمع غازٍ غزى وغزاة, فهذا على القياس, وقالوا: غزي كما قالوا: عبد وعبيد, وذلك اسم للجميع لا يقاس عليه, وإذا غارت المياه قالوا: غزا الماء أوطانه إذا نزل حتى يصل إلى الماء الغمر الذي يقال: إن الأرض محمولة عليه. وقالوا في صفة الأتان الوحشية: هي مغزية العقاق إذا بعد عهدها بالحمل. والعقاق أن يعظم بطنها وهي حامل, يقال: أعقت فهي معق, وعقوق أيضًا بينة العقاق. وقوله: سله الركض بعد وهنٍ بنجدٍ ... فتصدى للغيث أهل الحجاز يريد أن هذا السيف إذا كان مغمدًا فركض الفارس الذي هو متقلد له خرج بعضه من الغمد فرآه أهل الحجاز, وهو بنجدٍ فظنوا تلك السلة برقاً, وحسن ذكر الحجاز في هذا الموضع؛ لأن المطر يقل فيه, ولا يكون كأمطار الشام والعراق. وقوله: تصدى يجب أن يكون أصله تصدد, فأبدل من الحرف الآخر ألفًا, وإنما أخذ ذلك من قولهم: هو بصدد كذا؛ أي: قريب منه, يراد أن الإنسان يتعرض للشيء ليصيبه. والحجاز سمي حجازًا؛ لأنه حجز بالحرار الخمس, وهي: حرة ليلى وحرة واقم وحرة

стр. 581

النار, وحرة راجلٍ وقيل: حرة بني عبسٍ, وقيل: حرة بني سليم مكان حرة بني عبسٍ. وزعم قوم أنه سمي الحجاز؛ لأنه حجز بين نجدٍ والسراة. وقوله: فارسي له من المجد تاج ... كان من جوهرٍ على أبرواز أبرواز: ملك من ملوك الفرس. والعجم إذا نطقوا بالألف جاؤوا بها مثل الياء تارةً, ومثل الألف أخرى, وكأنهم يجعلونها بين بين ليست بالخالصة لأحد الحرفين, فلذلك جعلها أبو الطيب ألفًا خالصةً. فأما أبو عبادة فهي في شعره ياء, وذلك في قوله: [الخفيف] وتوهمت أن كسرى أبرويـ ... ـز معاطي والبلهبذ أنسي البلهبذ: صاحب رتبةٍ عظيمة من رتب الفرس دون الملك. وقوله: ليس كل السراة بالروذباري ... ي ولا كل ما يطير بباز تزعم الأعاجم أن من كان على شاطئ النهر فنسب إلى وطنه قيل له: روذباري. وقوله: شغلت قلبه حسان المعالي ... عن حسان الوجوه والأعجاز قوله: حسان الوجوه: لفظ يحتمل وجهين: أحسنهما أن تكون حسان معرفةً, وتكون إضافتها على معنى من, كأنه قال: عن التي حسنت من الوجوه والأعجاز, والآخر أن تكون حسان نكرةً ويكون التقدير (٨٦/ب) عن حسانٍ وجوهها وأعجازها.

стр. 582

وقوله: وكأن الفريد والدر واليا ... قوت من لفظه وسام الركاز الفريد: جمع فريدةٍ, وهي العظيمة من اللؤلؤ كأنها تنفرد بعظم القدر لأنها قليلة المثال؛ كما يقال للرجل: هو فريد في قومه؛ أي: ليس فيهم مثله. والياقوت: معرب, وليس في كلامهم اليقت, فيقال: إنه مشتق منه, وقد جاء في كتاب الله سبحانه, وجاء في الشعر القديم, قال النابغة: [الكامل] بالدر والياقوت زين نحرها ... ومفصلٍ من لؤلؤٍ وزبرجد والسام: عروق الذهب والفضة, وبه سمي الرجل سامة, وأكثر الناس ينشد قول قيس بن الخطيم: [الطويل] لو انك تلقي حنظلًا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامه المتقارب فيضيفون سامًا إلى الهاء العائدة على بيضنا. وذكر أبو الحسن سعيد بن مسعدة في كتابٍ له يعرب بكتاب «المعاياة» , ورواه: عن ذي سامة المتقارب. ويقال: إن ذا سامة اسم معدنٍ. والركاز عند قومٍ ما يخرج من المعدن, وعند غيرهم: ما يوجد من كنوز الجاهلية في الأرض.

стр. 583

وقوله: تقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه قضم سكر الأهواز القضم أكل بمقدم الفم, ويستعمل ذلك في الشيء اليابس دون الربط. والسكر أصله أعجمي, وقد جاء في الشعر الفصيح, قال الراجز: [الرجز] تكون بعد الحسو والتمزر ... في فمه مثل عصير السكر والأهواز هذه البلدة المعروفة, واسمها أعجمي؛ إلا أنه قد وافق من العربية قولهم: هوز الرجل إذا مات, مثل فوز. وقولهم: ما أدري أي الهوز هو, أي: أي الخلق هو. والمعنى أن الأعادي إذا طلبوا هذا الممدوح لقوا شدةً عظيمة دونه فكأنهم يقضمون جمرًا وحديدًا من الشدائد التي يلقون, ولا يريد أنهم يفعلون ذلك باختيارهم, وإنما يقدر عليهم؛ لأنه لو وصفهم بالصبر على تلك الحال لكان مادحًا لهم, وإنما أراد أنهم يقضمون الجمر والحديد مكرهين كما يقضم غيرهم السكر وهو لذلك مختار ملتذ به. وقوله: بلغته البلاغة الجهد بالعفـ ... ـو ونال الإسهاب بالإيجاز الجهد هاهنا: مصدر جهد يجهد إذا تناهى في الطلب وبلوغ الحاجة. والعفو: السهل الذي لا كلفة فيه, ومنه قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾؛ أي: السهل من النفقات. وقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ , أي ما سهل من الأمور وتيسر. والعفو في غير هذا: الكثير. والإسهاب إكثار الكلام. وزعم أصحاب النقل أنه يقال: أسهب الرجل فهو مسهب بالفتح, ولا يمنعون أن يقال: مسهب, ومثله مسهبٍ أحصن فهو محصن. وقد قرئ بالفتح والكسر: محصنين ومحصنين, وألفج فهو ملفج إذا أفلس, قال الراجز: [الرجز]

стр. 584

جارية شبت شبابًا علسجا ... في حجر من لم يك عنها ملفجا وقوله: أيها الواسع الفناء وما فيـ ... ـه مبيت لمالك المجتاز في شعر أبي الطيب أشياء من هذا الجنس, فبعضها يلزم به الضرورة, وبعضها لو تركه لم يكن مضطرًا, ومنها هذا الموضع؛ لأن واجب الكلام أن يقول: لماله المجتاز. وهذا نحو من قول الآخر: [البسيط] إنا إذا اجتمعت يومًا دراهمنا ... ظلت إلى سبل المعروف تستبق لا يألف الدرهم الطازي صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق وقوله: بك أضحى شبا الأسنة عندي ... كشبا أسوق الجراد النوازي الشبا: الحد. ويجب أن يكون من ذوات الواو, من قولهم للعقرب: شبوة معرفة, وللجارية الكثيرة الحركة: شبوة نكرة. ويقال: شبا الشيء وشباته. قال الفرزدق: [الطويل] ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى ... رماك بسهمٍ أو شباة سنان والنوازي: جمع نازٍ ونازيةٍ, وهو الذي يثب. ويقال في جمع الساق: أسوق وسوق, وحكي سؤوق, وقد قرئ: ﴿بالسؤوق والأعناق﴾ بالهمز. وكذلك همز بعضهم: ﴿وكشفت عن ساقيها﴾ , وإذا همزت الساق حسن أن يقال في جمعها: سؤوق, كما يقال: رأس ورؤوس, وكأس وكؤوس؛ لأن هذا الجمع يكره في ذوات الواو (٨٧/أ) الكائنة على مثال: ساق, ألا تراهم لم يقولون: دؤور في جمع دارٍ, ولا سؤوح في جمع ساحةٍ.

стр. 585

وقوله: وانثنى عني الرديني حتى ... دار دور الحروف في هواز هذه الكلمات الست, التي أولها أبجد وآخرها قريسيات, بعضها موافق لكلام العرب, وبعضها لا معنى له. وقد ذكرت في الأشعار. قال الراجز: [الرجز] تركتهم في مخض وطبٍ حازر وفي أبي جادٍ وفي مرامر وقال آخر: [الطويل] تعلمت باجادٍ وآل مرامرٍ ... وسودت أثوابي ولست بكاتب ويقال: إنهم سموا أبا جادٍ آل مرامرٍ؛ لأن أول من كتبها من العرب ثلاثة من أهل الأنبار يقال لأحدهم: مرامر بن مروة. وقال الراجز: [الرجز] لما رأيت أمرها في حطي ... وفنكت في باطلي ولطي أخذت منها بقرونٍ شمط ... فلز يزل جذبي بها ومعطي حتى علا الرأس دم يغطي وهواز: موافقة لفظ هوز, مثل: فوز. وكلمون قيل: إنها أعجمية ولكنها موافقة للفظةٍ

стр. 586

أخذت من الكلم أو الكلام, وزيدت فيها الواو والنون. وأما صعفص فلا مذهب لها في كلام العرب, وقد ذكرت في الشعر القديم. وأما قريسيات فتوافق من كلام العرب قولهم: فحل قراسية إذا كان مسنًا قويًا, فيقال في جمعه: قراسيات, فإذا صغر هذا الجمع قيل: قريسيات, قال الشاعر: [الوافر] أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أحرفٍ متواليات وخطوا لي أباجادٍ وقالوا ... تعلم صعفصًا وقريسيات وقوله: وبآبائك الكرام التأسي ... والتسلي عمن مضى والتعازي يقال: تأسى بالرجل إذا جعله لنفسه أسوةً, وقالوا: تأسوا من الإسوة أيضًا, ويقال: إن مصعب بن الزبير تمثل بهذا البيت يوم قتل, وهو: [الطويل] فإن الأولى بالطف من آل هاشمٍ ... تآسوا فسنوا للكرام التآسيا والتعازي: جمع تعزيةٍ. وقوله: تركوا الأرض بعدما ذللوها ... ومشت تحتهم بلا مهماز المهماز: مأخوذ من قولهم: همز الشيء إذا غمزه بيده, فهذا أصله, وفي الكتاب العزيز:

стр. 587

﴿ويل لكل همزةٍ لمزةٍ﴾ , وإنما وصفوا الرجل بذلك؛ لأنه يكون مع القوم في المجلس, فإذا تكلم منهم متكلم, وأراد أن يعيبه همز الذي يليه من القوم بيده, والناس يفعلون ذلك كثيرًا, ثم كثرت هذه الكلمة حتى جعل النظر بالعين والإشارة بها في عيب الرجل من الهمز. وقالوا في جمع المهماز: مهامز, كأنه جمع مهمزٍ, والقياس: مهاميز, ولكنهم يجترئون على حذف هذه الياء كثيرًا, قال الشماخ في صفة القوس: [الطويل] أقام الثقاف والطريدة درأها ... كما قومت درأ الشموس المهامز والطريدة: شيء يستعينون به على بري خشبة القوس, ومثل قولهم: مهامز في جمع مهمازٍ قولهم: مصابح في جمع مصباحٍ, ومفاتح في جمع مفتاحٍ. وقوله: وأطاعتهم الجيوش وهيبوا ... فكلام الورى لهم كالنحاز النحاز: يستعمل في معنى السعال, قال القطامي: [الوافر] ترى منه صدور الخيل زورًا ... كأن بها نحازًا أو دكاعا يقول: الناس من هيبتهم لهم لا يفصحون بالقول لهم, فكأن كلامهم نحاز, ومن تأمل النحاز وحد أصواته متقطعةً, وزن كل صوتٍ منها حرفان, متحرك بعده ساكن؛ وذلك أقل ما يمكن أن ينطق به. وقوله: وهجانٍ على هجانٍ تآيتـ ... ـك عديد الحبوب في الأقواز يقول: رب قومٍ هجانٍ؛ أي: بيضٍ على بيضٍ من الإبل تآيتك؛ أي: تعمدتك, وأصل قولهم: تآياه إذا تعمد آيته؛ أي: شخصه. قال الشاعر: [الرمل]

стр. 588

فتآيا بطريرٍ مرهفٍ ... جفرة المحزم منه فسعل والأقواز: جمع قوزٍ, وهو كثيب من الرمل, قال الرجز: [الرجز] لما رأى الرمل وأقواز الغضا ... والبقر الملمعات بالشوى بكى وقال هل ترون ما أرى وقالوا في جمع أقوازٍ: أقاوز, قال الشاعر: [الكامل] ومخلداتٍ باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان المخلدات: المسورات والمخلخلات. ويقال للسوار والخلخال والقرط: خلدة, وإذا نصب عديد الأقواز فيجب أن تكون إضافته منفصلةً على معنى اللام, كأنه قال: عديدًا للأقواز ليصح بهذا التأويل نصبه على الحال, وإن خفض العديد فجائز على أن يجعل صفةً (٨٧/ب) لهجانٍ, ولابد فيه من تقدير الانفصال, ولو جعل بدلًا في حال الخفض لاحتمل. وقوله: صفها السير في العراء فكانت ... فوق مثل الملاء مثل الطراز العراء: المكان المنكشف, كأنه قد عري من أي يكون فيه شيء, وقيل: هو المكان الخالي, وروي أنه ظاهر الأرض. وهذه المعاني متقاربة, وفي الكتاب العزيز: ﴿فنبذناه بالعراء وهو سقيم﴾. وقال الهذلي: [الكامل] فرفعت رجلًا لا يخاف عثارها ... ونبذت بالبلد العراء ثيابي

стр. 589

والملاء: جمع ملاءةٍ, وهي كلمة عربية. يريد أن هؤلاء القوم فوق هذه الإبل قد صفهم السير فهم كالطراز على هذه الأرض المشبهة بالملاء, وهذا كالمدح للركبان والركائب؛ لأن الطراز يحسن الثوب. وقوله: وحكى في اللحوم فعلك في الوفـ ... ـر فأودى بالعنتريس الكناز الوفر: المال. يقول: أفنى السير لحوم هذه الإبل كإفنائك المال بعطائك, فأودى يعني السير, والعنتريس: الناقة الصلبة العنيفة في السير, وقيل: هي مأخوذة من العترسة, وهي أخذ بعنفٍ وعجلةٍ, وقيل: إن الشيطان يقال له: العتريس. والكناز: المكتنزة اللحم, وهو الذي دخل بعضه في بعضٍ, ومنه قولهم: كنزت المال, وكنزت التمر إذا جمعت بعضه إلى بعضٍ, ثم عملت به عملًا يمنعه من الفرقة. وقوله: ملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز البز, الذي يراد به الثياب: عربي قديم, ومنه قولهم: بزه إذا أخذ ثيابه, قال الراجز: [الرجز] وليلةٍ صريمها كالخز ... أدلجتها من أجل أم عز وأم عز من عتيق البز أي: إنها كريمة المنصب, ويحتمل أن يعني بها قدم البز كما قال أبو الأسود الذولي: [الطويل] أبى القلب إلا أن عمروٍ وحبها ... عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند كثوب اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد وكثر ذلك حتى سموا متاع الرجل وآلته بزًا, فدخل في ذلك الثوب والدرع والسيف, قال متمم: [الطويل] ولا بكهامٍ بزه عن عدوه ... إذا هو لاقى حاسرًا أو مقنعا

стр. 590

يعني السيف. وقال أبو دوادٍ الإيادي وذكر الفرس: [الطويل] كأني إذا عاليت جوزة ظهره ... أعلق بزي عند بيض الأنوق فأما قول أبي خراش: [الوافر] كأني إذا غدوا ضمنت بزي ... من العقبان خايتةً طلوبا فيجوز أن يعني ببزه ما عليه من ثوبٍ, وما معه من سلاحٍ, ولم يستعلموا البزاز في الشعر القديم, ولا ريب أنه من الأسماء العربية. يقول: هذا الممدوح إذا مدحه الشاعر فكأنه وضع الثوب في يدي بزازٍ, يصف أنه عالم بالشعر كعلم البزاز بالثياب. وقوله: ولنا القول وهو أدري بفحوا ... هـ وأهدى فيه إلى الإعجاز فحوى الكلام: معناه, حكي بالقصر والمد. وأهدى هاهنا: يجوز أن يكون مأخوذًا من فعلٍ غير متعد, كقولهم: فلان هادٍ لكذا؛ أي: يهتدي إليه, ولا يمتنع أن يكون مأخوذًا من فعل متعد, فهذا أشد مبالغةً في وصف الممدوح؛ لأنه في المعنى الأول يجعله مهتديًا إلى المعاني الدقيقة, وفي المعنى الثاني يكون حائزًا لفضيلة الاهتداء, ثم هو هادٍ غيره إلى المقال فله فضيلة عظيمة في هدي سواه. وقوله: ومن الناس من تجوز عليه ... شعراء كأنها الخازباز نون شعراء, وذلك جائز بلا اختلافٍ, إلا أن صرف ما كانت فيه ألفا التأنيث يقل في شعر العرب, وإنما يصرفون كثيرًا ما لم تكن فيه ألف التأنيث, كمساجد, وزينب, ونحو ذلك. والخازباز هاهنا: الذباب ويقال لصوته: خازباز أيضًا. قال ابن أحمر: [الوافر] تفقأ فوقه القلع السواري ... وجن الخازباز به جنونا

стр. 591

فيجوز أن يعني بالخازباز الذباب وصوته. وبعض النبت يقال له: الخازباز, قال الراجز: [الرجز] رعيتها أكرم عودٍ عودا ... الصل والصفصل واليعضيدا والصليان السنم المجودا ... بحيث يدعو عامر مسعودا ويقال لهذا الداء الذي يظهر في وجوه الصبيان (٨٨/أ) الخازباز أيضًا. قال الراحز: [الرجز] يا خازباز أرسل اللهازما إني أخاف أن تكون لازما وقوله: كل شعرٍ نظير قابله منـ ... ـك وعقل المجيز مثل المجاز يقول: الشعر إذا كان رديئًا خسيسًا جاز على الأخساء من القوم, وإذا كان جيدًا نفق على الرؤساء السادة. وقوله: وعقل المجيز مثل المجاز. المجاز هاهنا: العطاء الذي يعطاه الشاعر, أي: إن ع قل المجيز إذا كان وافرًا وفر العطية, وإذا كان ناقصًا كان ما يعطيه كذلك, ويحتمل أن يكون المجاز هاهنا: الشعر؛ وذلك أشبه من المعنى الأول, ولا يحسن أن يراد بالمجاز الشاعر؛ لأنه إذا أراد ذلك احتاج إلى أن يكون قد حذف المضاف, كأنه قال: وعقل المجيز مثل عقل المجاز, وفي هذا انتقاص للممدوح لأنه يجعل عقله مثل عقل الشاعر.

стр. 592

قافية السين من بيتين أولهما ألا أذن فما أذكرت ناس ... ولا لينت قلبًا وهو قاس وهما من أول الوافر. قوله: ناسٍ في القافية: ليس مثل أن يأتي في حشو البيت؛ لأن ذلك عند البصريين من الضرورات, وعند الفراء لغة للعرب, وأنشد الكوفيون: [الكامل] فكسوت عارٍ جسمه فتركته ... جذلان جاد قميصه ورداؤه وإنما فرق بين مجيئه في القافية ومجيئه في غيرها؛ أن القوافي أجمعت الشعراء على أن تستعمل فيها أشياء لا تستعمل في حشو البيت, فمن ذلك حذف الإعراب في الشعر المقيدة, وتخفيف المشدد؛ ألا ترى أن قصيدة امرئ القيس التي على الراء قد جاءت فيها أشياء مشددةً خفف فيه التشديد, كقوله في القافية: هر وصر وقر, وأفر. وكذلك جميع ما قيد من قصائد العرب, قلما يخلو من تخفيف المشدد, ولا يستعملون مثل ذلك في غير القافية, وإذا ندر منه شيء لم يجمعوا فيه بين تخفيف المشدد وترك الإعراب, فإن تركوا حركة المعرب لم يضيفوا إليها تخفيف المشدد, ومثل بيت أبي الطيب البيت المنسوب إلى بشر بن أبي خازمٍ: [الوافر] كفى بالبين من أسماء كاف ... وليس لحبها ما عشت شاف

стр. 593

ولولا تغير الوزن لكان الوجه أن يقول: كافيًا. وقوله: ولا شغل الأمير عن المعالي ... ولا عن ذكر خالقه بكاس الكأس, وما كان مثلها من الثلاثي, الذي وسطه همزة تكون له ثلاثة أحوالٍ في القريض إذا جاءت في حشو البيت؛ فالمنشد مخير: إن شاء همز, وإن شاء جعل الهمزة ألفًا, كقول القائل: [الوافر] تصد الكاس عنا أم عمروٍ ... وكان الكاس مجراها اليمينا وإذاجاءت في القافية مع حروفٍ ليست ذات لينٍ فالهمز واجب, ومن تركه فقد أساء, كقول الراجز: [الرجز] قد خطب النوم إلى نفسي ... همسًا وأخفى من مقال الهمس وما بأن أطلبه من بأس فإن لم يهمز بأس في هذا الموضع؛ وإلا فهو عيب لم تجر العادة بمثله, وإذا شبه بعيوب الشعر حسب من السناد, إلا أن العرب ساندت في الواو والياء إذا كانتا ردفين, ولم يساندوا بالألف, لم يجيئوا مع جلس وحلسٍ بمثل ناسٍ, وجاؤوا مع نفسٍ وخمسٍ بقوسٍ, ويجوز

стр. 594

عندهم أن يأتوا مع خمرٍ وأمرٍ بمثل سيرٍ إلا أنه عيب. وإذا كانت كأس ونظائرها مع حروف لين مثل ناسٍ وقاسٍ فهمزها خطأ, وذلك في مثل بيت أبي الطيب. ونحو منه مما لا يجوز فيه همز المهمور قول القائل: [الوافر] يقول لي الأمير بغير جرمٍ ... تقدم حين جد بنا المراس فمالي إن أطعتك من حياةٍ ... ولا لي غير هذا الراس راس فرأس في القافية لا يجوز همزة. ومن التي أولها: أظبية الوحش لولا ظبية الأنس ... لما غدوت بجد في الهوى تعس وهي من البسيط الأول. أكثر ما يقولون: جد تاعس؛ لأنهم يقولون في الماضي: تعس, بفتح العين, ويجوز أن يقال: تعس إذا جعل ذلك له كالخلق اللازم, كما يقولون: فرق وأشر ... ويجب أن يقال في الماضي تعس؛ لأن أسماء الفاعلين إذا كانت على فعل فالأغلب عليها أن يجيء الماضي على فعل كقولهم: حذر فهو حذر, وأمر الشيء فهو أمر إذا كثر. وقوله: ولا وقفت بجسمٍ مسي ثالثةٍ ... ذي أرسمٍ درسٍ في الأرسم الدرس يقال: جئتهم مسي ثالثةٍ, ومسي ثالثةٍ: يعنون الليلة الثالثة. والمسي مؤد عن معنى المساء. وينشد: [الطويل] لقيت ابنة الهندي زينب عن عفر ... ونحن حرام مسي عاشرة العشر

стр. 595

واستعار (٨٨/ب) الأرسم للجسم لما كان يشبهه بالديار, وحسن ذلك أنهم يقولون لشخص الرجل: طلل, كما يقال ذلك للربع إذا كان لأثره شخوص, فإذا درست تلك الصورة فهي رسوم. وقوله: صريع مقلتها سآل دمنتها ... قتيل تكسير ذاك الجفن واللعس خفض قوله: صريع مقلتها لأنه حمله على جسم, فإن أراد به التنوين فهو نكرة جارٍ على نكرةٍ, وإن جعله معرفةً جعله بدلًا من جسم, ولو نصب صريعًا وما بعده من المضافات على أنه حال من التاء في (وقفت) لكان ذلك حسنًا. والدمنة آثار القوم في الديار. واللعس: سمرة في الشفتين. وقوله: ما ضاق قبلك خلخال على رشأ ... ولا سمعت بديباجٍ على كنس يقول: أنت تشبهين الرشأ في بعض الصفات, ولكنه لا يلبس خلخالًا فيضيق عليه, وأنت من شأنك أن تلبسي الحلي, ولا سمعت أن كناس ظبيٍ يجلل بالديباج؛ لأن الظباء إنما تكنس في أصول الشجر, وأنت إذا ركبت في الهودج فكأنه كناس لك؛ لأنك تأوين إليه كما تأوي الظباء إلى الكنس, وهي جمع كناسٍ, وإنما قيل لموضع الوحشي: كناس؛ لأنه يزيل عنه التراب أو الرمل ليتمكن إذا ربض, فكأنه يكنسه, ثم صار ذلك الفعل كأنه غير متعد. فقيل: كنس الظبي إذا حصل في الكناس, ومنه قوله تعالى: ﴿الجوار الكنس﴾ شبهها إذا توارت بالظباء المتوارية في الكنس. وقوله: إن ترمني نكبات الدهر من كثبٍ ... ترم امرأً غير رعديدٍ ولا نكس من كثبٍ: أي: من قربٍ. والمعروف في ذم الرجل ووصفه بالضعف: نكس, وقلما يقولون: نكس, ويجب أن يكون هذا الوصف محمولًا على نكس ينكس كما أن حذرًا محمول على حذر يحذر, وربما اجترؤوا على حذف الياء من فعيل, قال الهذلي: [البسيط]

стр. 596

ولا السماكان إن يستعمل بينهما ... يطر بشدة يومٍ شره أصل أي: أصيل. فإن كان أراد نكيسًا فحذف الياء فقد يمكن ذلك إن كان حمله على نكس؛ لأن فعيلًا إذا كان اسم فاعل فهو أقرب إلى فعلٍ من فعيلٍ إذا كان معدولًا عن مفعولٍ. وقوله: أبا الغطارفة الحامين جارهم ... وتاركي الليث كلبًا غير مفترس الغطارفة: جمع غطريفٍ, وهو من صفات السادة, فقيل: هو السخي, وقيل: الشجاع, وبعض الناس يذهب إلى أنه مأخوذ من السرعة كأنه يسرع إلى المكارم. وقوله: دانٍ بعيدٍ محب مبغضٍ بهجٍ ... أغر حلوٍ ممر لينٍ شرس يحتمل أن يعني بدانٍ أنه يقرب من العافين, أو يدنو إلى كل خلقٍ حميدٍ, وبعيدٍ: أي: يبعد من كل خلقٍ مذمومٍ, وعلى عدوه إذا أراده بكيدٍ, ويدخل تحت قوله: دان بعيدٍ أشياء كثيرة منها أنه يقرب من الجلساء, ولا يعلم بما في ضميره من الأسرار؛ لأن كتمان السر مما يوصف به الممدوح وبذلك أوصى الحكماء. ومن هذا النحو قول الآخر: [الطويل] قريب ثراه لا ينال عدوه ... له نبطًا صدق المقام أريب يريد أن ثراه إذا طلب ما عنده من المعروف موجود, ولا يبعد, وهو مع ذلك لا ينال عدوه نبطه, أي: لا يعلم سره, ولا يظفر منه بالمراد, وهو مأخوذ من نبط البئر, وهو الماء الذي يستنبط منها. وقوله: محب مبغضٍ: أي: يحب أفعال الكرام, ويبغض ما خالفها من الفعل المذموم. ويقال: بهج وبهيج: يراد بهما بهجة الوجه؛ أي: حسنه, وقيل: يراد بالبهج الذي يبين فيه البهجة أي: الفرح بالزوار, وقوله: حلوٍ ممر: أي: يحلو لمن قصده أو حل بداره ويمر على الأعداء؛ وذلك وصف يتردد في الشعر القديم والمحدث. قال الهذلي: [البسيط]

стр. 597

حلو ومر كعطف القدح مرته ... بكل إنيٍ حذاه الليل ينتعل وهم يصفون الرجل باللين, وإنما يريدون أنه يلين للعافين والطالبين, لا أنه يلين للمحارب, وقال بعض العلماء: يقال: هين لين للرجل يمدح بذلك, كما قال الكلابي: [البسيط] هينون لينون أيسار بنو يسرٍ ... سواس مكرمةٍ أبناء أطهار المعروف: أيسار, فإذا قالوا: هين لين فهو ذم, والسماع قد جاء بخلاف ذلك؛ لأنه قد جاء في الحديث المأثور: «المؤمن هين لين كالبعير الآنف إن قدته انقاد, وإن أنخته على صخرةٍ استناخ» , وقال المتنخل الهذلي: [المتقارب] لعمرك ما إن أبو مالكٍ ... بوانٍ ولا بضعيفٍ قواه ولكنه هين لين ... كعالية الرمح عرد نساه فهذا يدل على أن قولهم: هين لين وهين لين لا يفرق بينهما في الصفات إلا في لفظ التشديد وتركه.

стр. 598

وقوله: ندٍ أبي غرٍ وافٍ أخٍ ثقةٍ ... جعدٍ سري نهٍ ندبٍ رضًى ندس ندٍ: من الندى (٨٩/أ) , الذي يراد به السخاء, وأبي: من الإباء, وهو أشد مبالغةً من آبٍ كما أن عليمًا زائد في ذلك على عالم. وقوله: غرٍ: يجوز أن يكون ذهب إلى أنه يغرى بالمكارم فيحمله على غري يغرى إذا لهج بالشيء. وحكى بعض أهل اللغة أنهم يقولون: غري في صفة الرجل يريدون الحسن, والمصدر الغراوة, وينشد: [الكامل] أحثو التراب على محاسن جسمه ... وعلى غراوة وجهه النضر فإن كان أراد غريًا, وخفف الياء فليس ذلك بممتنع. وقوله: أخٍ: أي: إنه إذا صادق صديقًا وفي له, فكأنه أخ في النسب. وقوله: نهٍ أخذه من النهى, وهي جمع نهيةٍ؛ أي: عقلٍ, وإنما قيل للعقل: نهية؛ لأنه ينهى صاحبه عن القبائح. وندب: سريع الإجابة إلى قضاء المآرب, كأنه يعين من ندبه لأمرٍ. ورضى: أي: يرضى به, وهو حرف يستعمل للواحد والاثنين والجميع على لفظٍ واحدٍ. قال زهير: [الطويل] متى يشتجر قوم يقل سرواتهم ... هم بيننا فهم رضًى وهم عدل وندس: أصل الندس من قولهم: ندسه بالرمح إذا طعنه به, قال جرير: [الطويل] ندسنا أبا مندوسة القين بالقنا ... ومار نجيع من دم الجوف ناقع وربما قالوا: الندس الجيد الطعن. ويقوم قوم: الندس العالم بأخبار الناس. ويقال: ندس وندس.

стр. 599

وقوله: لو كان فيض يديه ماء غاديةٍ ... عز القطا في الفيافي موضع اليبس الفيافي: جمع فيفاء, وهو مكان مقفر مأخوذ من الفيف, والقطا تكون في الأماكن البعيدة لتتخذ بها الأفاحيص. وعز: في معنى غلب وأعيا. واليبس: الأرض لا ماء فيها. وقد يقال لها: يبس إذا يبس نبتها. وقالوا: حطب يبس, وكذلك العرق إذا يبس, قال الشاعر وأنشده الفراء: [الطويل] فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته ... على العيس في أعطافها عرق يبس وقوله: أكارم حسد الأرض السماء بهم ... وقصرت كل مصرٍ عن طرابلس اصطلحت العرب على أن تسمي المدينة العظيمة: مصرًا. وكانت الكوفة والبصرة في صدر الإسلام يقال لهما: المصران. ويجوز أن يكون الراجز عناهما بقوله: [السريع] قد خفت أن يحدرنا للمصرين ... زحف من الجراد بعد الزحفين فأما مصر التي على النيل فاسمها قديم, ويقال: إنها منسوبة إلى مصراييم, وهو من ولد سام بن نوح. وإذا حمل المصر على كلام العرب جاز أن يكون من قولهم للحاجز بين الشيئين: مصر, أي: هذا البلد يحجز بين مكانين غير مسكونين, وذلك موجود في كل الأمصار, إلا أن يكون ما لا يعلم, لأن كل مصرٍ لابد أن يكون حواليه مواضع للزرع والغراس لا يكثر فيها الناس ككثرتهم فيه, وهذا البيت يروى لعدي بن زيدٍ, ولأمية بن أبي الصلت: [البسيط] وجعل الشمس مصرًا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا

стр. 600

والسماء: الغالب عليها التأنيث, وربما جاء بالتذكير, وفي الكتاب العزيز: ﴿السماء منفطر به﴾ , فيروى عن الخليل أنه قال: المعنى ذات انفطارٍ؛ كأنه جعلها من جنس قولهم: امرأة حامل ومرضع؛ أي: ذات حملٍ, وذات إرضاع, وهذا لا يخرجها من حد التأنيث, وقيل: ذكرها على معنى السقف؛ لأن القرآن فيه: ﴿والسقف المرفوع﴾ وإنما المراد: السماء. قال الشاعر: [الطويل] وقالت سماء البيت فوقك مخلق ... فلما نيسر أحبلًا للركائب وقال قوم: يقال سماء وسماءة, فإذا جعل مثل سحابٍ وسحابةٍ جاز أن يقال: سماء ممطر كما يقال: سحاب روي, فيذكر, وجاز أن يقال: سحاب رواء وثقال, ويقال: مطرت السحاب فيؤنث على معنى الجمع, وكل مالا تأنيث له حقيقي فتأنيثه وتذكيره جائزان. وحقيقة التأنيث أن تكون المؤنثة مما يلد أو يبيض, وإذا فصلوا بكلام بين الفعل المؤنث سهل عندهم التذكير كقول العرب: حضر القاضي اليوم امرأة؛ فهذا أيسر عندهم من أن يقال: حضر امرأة اليوم القاضي, وبيت أبي الطيب قد فصل فيه بين الفعل والفاعل, وأشد منه قول القائل: [الوافر] لقد ولد الأخيلط أم سوءٍ ... لدى حوض الحمار على مثال فتأنيث أم حقيقي, وليس كذلك تأنيث السماء. وقوله: وقصرت كل مصرٍ: هو مثل قول العرب: ذهبت بعض أصابعي لما كان بعض يقع على الإصبع حسن أن يجاء بالتاء, ولو كان الكلام في غير الموزون لكان الأحسن أن يقال: وقصر كل مصرٍ, لأن الغالب على المصر التذكير, وإنما يقولون: مصر عظيم, ويجوز تأنيثه إذا أريد به البلدة أو المدينة.
следующие страницы →