← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تقدم. يقول: ألمت بهذه المذكورة نفرة, فتجاذب جيدها وحليها؛ يعني بالحلي ما يكون في العنق, والحلي يقع على الذهب والفضة, ويدخل اللؤلؤ وما جرى مجراه مما تتزين به النساء من زبرجدٍ وجزعٍ, وغير ذلك, قال المرقش: [الطويل] تحلين ياقوتًا وشذرًا مفصلًا ... وجزعًا ظفاريًا ودرًا توائما يريد أن المرأة ارتجت للنفرة فوقع التجاذب بين أعضائها. وقوله: وخبل منها مرطها فكأنما ... تثنى لنا خوط ولا حظنا خشف المرط: كساء من صوفٍ, ويمكن أن يقال للكساء من الخز: مرط, وفي الحديث: «أن النبي ﷺ كان يصلي في مروط نسائه» وخبل: أي: أحدث فيها خبالًا؛ أي: اضطرابًا, والخبل والخبل والخبال اشتقاقهن واحد, وهن يستعملن في الفساد والاضطراب, وكثر في الكلام القديم استعمالهم الخبل في قطع اليد والرجل, قال متمم: [الطويل] وكل فتى في الناس بعد ابن أمه ... كذاهبة إحدى يديه من الخبل فأما قول الآخر: [الطويل] من الدارميين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنة والخبل فالخبل: هاهنا يقع على كل داءٍ يفسد الصحة, وإنما سموا الجن خبلًا؛ لأنهم يذهبون إلى أنهم يخلبون الإنس أي: يفسدون عقولهم وأجسامهم. والخوط: الغصن القومي. والخشف: ولد الظبية, وإنما قيل له: خشف من قولهم: خشف في الشيء إذا دخل فيه؛ يريدون أنه يدخل في الأشياء فيستتر فيها. وقوله: هراقت دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حلف

стр. 737

أصل الحلف من قولهم: حلف يمينًا, وقالوا: فلان حلف فلانٍ؛ أي قد حالفه على أمرٍ يفعلانه, والقوم أحلاف. ثم كثرت هذه الكلمة حتى قالوا: فلان حلف كذا؛ أي: لازم له, وإن لم تكن ثم يمين, فيقال: هو حلف جودٍ وحلف غدرٍ؛ أي: كأنه قد حالفه. وقوله: ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثيابًا غيرها الشعر الوحف يقال: ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثيابًا غيرها الشعر الوحف يقال: شعر وحف, أي: كثير النبات بين الوحافة والوحوفة, ومنه قولهم: وحفت البعير إذا أحكمت طلاءه بالقطران؛ كأنهم يريدون أنهم جعلوه في السواد مثل الشعر الوحف. ويقال: إن الوحاف حجارة سود, فيجوز أن يكونوا شبهوها في اللون بالحوف من الشعر, وقال قوم: الوحفة: أرض حمراء, وجمعها وحاف, ومن هذا الاشتقاق قول لبيدٍ: [الكامل] فصوائق إن أيمنت فمظنة ... منها وحاف القهر أو طلخامها والشعراء تغرق في وصف الشعر بالكثرة والخصب حتى تخرج بذلك إلى حالةٍ لا تحمد, كقول النابغة: [الكامل] وبفاحمٍ رجل أثيث نبته ... كالكرم مال على الدعام المسند وقوله: وقابلني رمانتا غصن بانةٍ ... يميل به بدر ويمسكه حقف الشعراء تشبه الثديين بالرمانتين, وكثر لك حتى ألقوا حرف التشبيه, كما طرحوه في كثير من المواضع, قال النابغة: [الطويل] ويخبأن رمان الثدي النواهد

стр. 738

وفي حديث أم زرعٍ: «معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين» فذهب قوم إلى أن المراد الثديان ولم ير أبو عبيدة ذلك, وذهب إلى أن المراد رمانتان من هذا الرمان (١١٤/أ) المعروف. وفي هذا البيت من الصنعة أنه جعل الرمانتين في غصن بانٍ, والبان لا يثمر رمانًا, ولكن الشعراء يشبهون القد المستحسن بغصن البان, ويخصونه بذلك دون غير من الشجر, ويقال: إن هذه الكلمة التي هي البان ليست عربيةً في الأصل, وإنها مهموزة, وأما الشعراء فحمولها في العيافة على أنها من البين, وهذا الشعر يروى لسوار بن مضربٍ السعدي: [الوافر] تنادى طائران ببين سعدى ... على غصنين من غربٍ وبان فكان البان أن بانت سليمى ... وفي العرب اغتراب غير دان وكذلك قول الآخر: [الطويل] فقال غراب باغترابٍ من النوى ... وبان ببينٍ من حبيبٍ تجاوره والعرب تسميه الشوع, ويروى لأحيحة بن الجلاح الأوسي: [السريع] إذا جمادى منعت درها ... زان جنابي عطن معصف في مشرفٍ يسمق جباره ... بحافتيه الشوع والغريف

стр. 739

والحقف: كثيب صغير من الرمل, وأصل اشتقاقه من أن يكون فيه اعوجاج وجمعه أحقاف, وقالوا: ظبي حاقف ففسر على وجهين: أحدهما: أنه الذي قد حقف عنقه؛ أي: حناه, والآخر: أنه في حقف رملٍ, وقالوا: احقوقف الشيء إذا انحنى, قال العجاج: [الرجز] ناجٍ طواه الأين مما وجفا ... طي الليالي زلفًا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا وقوله: قليل الكرى لو كانت البيض والقنا ... كآرائه ما أغنت البيض والزعف الزعف: من صفات الدروع, فقيل: الزغف: الواسع, وقيل: اللين. والواحدة زغفة, ويجيء في الشعر القديم بالسكون والتحريك؛ فيجوز أن تكون فيه لغتان, كما قالوا: نهر ونهر, وزهر وزهر, ويجوز أن يكون التحريك للضرورة, وأما البيض من الحديد فإنما شبه في الأصل ببيض النعام, وهو من التشبيه الذي حذف منه الحرف, قال الراجز: [الرجز] الدرع والبيضة لا تنجيني ... من قدر الله إذا يأتيني وقوله: أديب رست للعلم في أرض صدره ... جبال, جبال الأرض في جنبها قف القف: غلظ من الأرض, وجمعه: قفاف, قال الشاعر: [الطويل] لحى الله أدنانا من اللؤم زلفةً ... وأيسرنا عن عرض والده ذبا وأجدرنا أن يدخل البيت باسته ... إذا القف أبدى من مخارمه ركبا

стр. 740

ولولا أن الكلام منظوم لكان الأحسن أن يقال: جبال الأرض في جنبها قفاف ليقابل جمعًا بجمعٍ, ولكن يمكن أن يجعل هذا من المبالغة؛ لأنه يجعل الجبال وهي جمع كالقف الواحد. وقوله: ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه فدام الفقد وانكشف الكشف الهاء في عليه: راجعة على مثله, ولولا أنه منظوم لكان الأشبه بهذا الموضع أن يقال: عنه في موضع عليه. يقول: لما فقدنا مثله طال كشفنا عن مثله لعلنا نجده, فدام فقدنا مثله, وانكشف كشفنا, أي: زال؛ لأنا يئسنا من وجدان مثله, وهو من قولهم: انكشف القوم إذا ولوا. وقوله: وما حارت الأوهام في عظم شأنه ... بأكثر مما حار في حسنه الطرف يقول: ما حارت الأوهام في عظم شأنه بحيرةٍ أكثر مما حار الطرف في حسن وجهه, وإنما حسن دخول الباء هاهنا لمجيء ما في أول الكلام؛ لأنها تدخل على خبرها كثيرًا, وهذا الكلام محمول على معناه؛ كأنه يريد: وما حيرة الأوهام في عظم شأنه بأكثر من حيرة العيون في وجهه, ولو أن الكلام غير منظومٍ وحذفت الباء لم يخل حذفها بالمراد, ودخولها هاهنا يشبه دخولها في قول الشاعر: [الوافر] فما رجعت بخائبةٍ ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها وقوله: ولا نال من حساده الغيظ والأذى ... بأعظم مما نال من وفره العرف قد جاءت الباء هاهنا كمجيئها في البيت الذي قبله, ومجيئها في البيت الأول أقوى لمجيء «ما» في أوله.

стр. 741

والمعنى: وما الذي نال من حساده الغيظ بأعظم مما نال من وفره العرف؛ أي: إنه قد أهلك ماله بالمعروف, كما أن حساده قد هلكوا بالغيظ. وقوله: تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف الظرف: كلمة قليلة التردد في الكلام القديم, وهي كثيرة في كلام الناس اليوم, وأهل العلم يقولون: إنه (١١٤/ب) يقال: رجل ظريف إذا كان فصيح اللسان, وقيل: رجل ظريف؛ أي: حاذق بالأشياء, والناس في هذا العصر يقولون للحسن المنظر والثياب: ظريف. وفي الحديث: «إذا كان اللص ظريفًا لم يقطع»؛ أي: إذا كان له لسان يحتج به جاز أن يخلص يده من القطع, وأما قول الحكمي: [المنسرح] ..................... ... تيه مغن وظرف زنديق فيقال: إنه أراد رجلًا كان في زمن السفاح من بني العباس, وكان الزنديق من بني الحارث بن كعبٍ, وكان موصوفًا بالظرف. ولم يرد الشاعر أن الزنادقة كلهم ظراف؛ وإنما أراد أن هذه المذكورة لها ظرف رجلٍ من الزنادقة كما يقال للإنسان: فلان له كرم طائي, وهم يعنون حاتمًا دون غيره, ولا يريدون كل رجلٍ من طيءٍ, وحكى النحويون أنه يقال في جمع ظريفٍ: ظروف, فهو عندهم اسم للجمع. وروى السكري بيت أبي ذؤيبٍ:

стр. 742

وإن غلامًا نيل في عهد كاهلٍ ... لظرف كريم الوالدين صريح وغيره يروي: لطرف؛ فإن صحت رواية السكري فقولهم: قوم ظروف جمع رجلٍ ظرفٍ كما يقال: ضيف وضيوف. وقال قوم: الظرف إناء الشيء, وإنما قيل: رجل ظريف, كنحو قولهم: رجل جسيم إذا وصف بالجسامة, فأرادوا بهذه اللفظة أن جسمه أفضل من جسم غيره, وذكر الصاحب بن عبادٍ هذا البيت فيما عابه على أبي الطيب؛ لأنه جاء بحرف ساكنٍ في النصف الأول من البيت ولم تجر العادة بمجيء مثله إلا في التصريع, ومثل ذلك مفقود في شعر العرب, والغريزة تنكره بعض الإنكار, وموقع هذا الساكن هو موقع الكاف من قوله: حكم. وفي بعض ما روي أن أبا الطيب ذكر له ذلك فأجاب السائل عنه بأن أنشده قول النابغة: [الطويل] جزى الله عبسًا عبس آل بغيض ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل فإن صحت هذه الحكاية؛ فإنه أراد أن يخبر أن الشعراء قد جاءت في أنصاف الأبيات بما هو أقبح من هذه الزيادة, وبيت النابغة فيه نقص حرفٍ متحركٍ, وليس هو مردودًا إلى أصلٍ. وبيت أبي الطيب إنما هو إلى أصل الوزن. وهو أقوى من بيت النابغة؛ لأن أصل هذا الوزن أن يكون عدد حروفه ثمانيةً وأربعين حرفًا. وقوله: أمات رياح اللؤم وهي عواصف ... ومغنى العلى يودي ورسم الندى يعفو استعار للريح الموت, كما استعاروا لها المرض, فقالوا: ريح مريضة؛ أي: ضعيفة, وجعل للؤم رياحًا عاصفةً؛ لأن اللؤم مذموم, وكذلك الريح العاصفة ليس فيها فائدة. والواو في قوله: ومغنى في معنى إذ أي أمات رياح اللؤم وهي تعصف فتودي بمغنى العلى وتعفي رسم الندى.

стр. 743

وقوله: فلم نر قبل ابن الحسين أصابعًا ... إذا ما هطلن استحيت الدين الوطف الأصابع: واحدها إصبع, بكسر الهمزة, وفتح الباء في أجود اللغات, وقد حكي: إصبع وأصبع, ويقال: لفلانٍ إصبع على المال إذا كان حسن القيام عليه, قال الشاعر يصف راعيًا: [الكامل] صليب العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أمحل الناس إصبعا والديم: جمع ديمةٍ, وهي مطر يدوم, وليس بالشديد, وقيل: أقل ما يكون يوم وليلة, وأصله من ذوات الواو؛ لأنه من دام يدوم إلا أنهم لما أنسوا بالياء قالوا: ديم المطر, ولم يقولون: دوم, أرادوا أن يفرقوا بين تدييم المطر وتدويم الطائر في الهواء, قال الراجز يصف الفرس: [الرجز] هو الجواد بن الجواد بن سبل ... إن ديموا جاد وإن جادوا وبل وقالوا: كثيب مديم؛ أي: قد أصابته الديم من المطر. ووطف: جمع أوطف ووطفاء, وهي السحابة التي لها هيدب؛ أي: غيمها متدل قريب من الأرض, قال امرؤ القيس: [الرمل] ديمة هطلاء فيه وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر ومعنى البيت أن هذا الممدوح إذا هطلت أصابعه استحيت الديم الوطف؛ لأن جودها أغلب وأكثر, وهذا كذب تستحسنه الشعراء. وقوله: فلم نر شيئًا يحمل العبء حمله ... ويستصغر الدنيا ويحمله طرف العبء: الثقل, وهو مأخوذ من قولهم: عبأت الطيب إذا جمعت بعضه إلى بعضٍ, وخلطته, قال أبو زبيد الطائي (١١٥/أ): [الوافر] كأن بنحره وبمنكبيه ... عبيرًا بات تعبؤه عروس

стр. 744

والطرف: الفرس الكريم. يقول: هذا الممدوح يحمل الأعباء, ويستصغر الدنيا الواسعة, وهو مع ذلك يحمله طرف, وقد كانوا يصفون نفوسهم بالخفة على ظهور الخيل, قال الشاعر: [البسيط] لم يركبوا الخيل إلا بعدما كبروا ... فهم ثقال على أكتافها عنف وقال أبو دلف العجلي: [المتقارب] خفيف على حاملي ما ركبت ... ولست على ظالمي بالخفيف وقوله: ولا جلس البحر المحيط لقاصدٍ ... ومن تحته قرش ومن فوقه سقف ذكر أشياء ممتنعةً, وزعم أنها موجودة في الممدوح وشبهه بالبحر المحيط, وقد جلس وتحته فرش, وفوقه سقف, وليس ذلك من عادات البحار. ويقال: سقف وسقف, وسقف في الجمع, والآية تقرأ على وجهين: ﴿سقفًا من فضةٍ﴾ وإنما قيل له: سقف لانحناء قواريه مع ارتفاعه, ومن ذلك قولهم: ظليم أسقف, لانحنائه, وإن كان أسقف النصارى عربيًا فإنما قيل له ذلك؛ لأنه من خشوعه ينحني ظهره. وقوله: ومن كثرة الأخبار عن مكرماته ... يمر له صنف ويأتي له صنف يقال: له صنف وصنف, بفتح الصاد وكسرها, وقالوا: عود صنفي, بفتح أوله, وقيل: صنف التين والعنب إذا تغير لونهما عند النضج, قال عبيد الله بن قيس الرقيات: [المنسرح] سقيًا لحلوان ذي الكروم وما ... صنف من تينه ومن عنبه

стр. 745

وقوله: وتفتر منه عن خصالٍ كأنها ... ثنايا حبيبٍ لا يمل لها الرشف في تفتر ضمير يعود إلى المكرمات, وأصل الافترار فتح الفم, يقال: فررت فم الدابة إذا فرقت بين جحلفتيه لتعرف ما سنه. ويقال في المثل: «عينه فراره»؛ أي إذا نظرت إلى شخصه دلك منظره على مخبره, قال الراجز يصف الذئب: [الرجز] هو الخبيث عينه فراره ... أطلس يخفي شخصه غباره في فمه شفرته وناره ... بهم بني مخارقٍ مزداره يوجد في النسخ القديمة: فراره, بالكسر والضم, وليس في نسخةٍ واحدةٍ؛ بل في نسخةٍ بالضم, وفي نسخةٍ بالكسر. والرشف من قولهم: رشفت الماء: إذا أخذته قليلًا قليلًا, ومن أمثالهم: «الجرع أروى والرشيف أشرب». وقوله: ولا الفضة البيضاء والتبر واحدًا ... نفوعان للمكدي وبينهما صرف إنما قيل لها: فضة؛ لأنها تفض؛ أي: تفرق, وقيل للذهب: تبر؛ لأنه يتبر في النفقة؛ أي: يهلك, وربما خصوا بالتبر ذهب المعدن دون غيره؛ ولذلك قيل له: ذهب؛ لأنه يذهب في مآرب الناس. والمكدي: القليل الخير. ونفوعان: مرفوع؛ لأنه خبر مبتدأٍ محذوفٍ, كأنه قال: هما نفوعان. وقوله: ولست بدونٍ يرتجى الغيث دونه ... ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف قد مضى القول في دون, وأنها تستعمل ظرفًا واسمًا, وتجعل مرةً إغراءً؛ فمن كونها ظرفًا قول زهير: [البسيط]

стр. 746

دون السماء وفوق الأرض بينهما ... قيد الذراع فلا فوت ولا درك ومن كونها اسمًا قول الكميت: [الوافر] وجدت الناس إلا ابني نزارٍ ... ولم أذممهم شرطًا ودونا ومن كونها إغراءً قول الراجز: [الرجز] يا أيها الماتح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا يثنون خيرًا ويمجدونكا ذهب الكسائي إلى أن التقدير: دونك دلوي, وأن موضع الدلو نصب بالإغراء, وقال غيره: هو إخبار, وقال آخر: [الرجز] من مبلغ عني يزيد بن الصعق ... دونك ما استحسيته فاحس وذق هذا إغراء لا غير. فأما قول الفرزدق: [الطويل] فلما دنا قلت ادن دونك إنني ... وإياك في زادي لمشتركان أمر الذئب بالدنو, ثم أغراه.

стр. 747

وقوله: ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف هذا نحو من قوله: [الطويل] وغربت حتى ليس للغرب مغرب وقوله: ولا واحدًا في ذا الورى من جماعةٍ ... ولا البعض من كل ولكنك الضعف ذهب بعض الناس إلى أن الألف واللام لا تدخل على كل وبعضٍ, وتروى عن الأصمعي حكاية معناها أنه قرأ آداب ابن المقفع فأنكر فيها قوله: العلم أكثر من أن يؤخذ كله فخذوا البعض. والقياس لا يمنع من دخول الألف واللام على كل؛ لأنهما قد يدخلان على المعارف على معنى الإضافة, فصح بذلك أنهما نكرتان, وقد جاء بيت لسحيمٍ عبد بني الحسحاس, وهو قوله: [الطويل] رأيت الغني والفقير كليهما ... إلى الموت يأتي الموت للكل معمدا (١١٥/ب) وضعف الشيء مثله مرتين. وقوله: أقاضينا هذا الذي أنت أهله ... غلطت ولا الثلثان منه ولا النصف أشار بهذا إلى الثناء, فلما تم الكلام استقل ما أثنى به, فقال: غلطت؛ إرادةً للمبالغة, ثم جحد فقال: ولا الثلثان ثنائي مما تستحق ولا النصف. وقافيتها من المتواتر.

стр. 748

ومن أبيات أولها موقع الخيل من نداك طفيف ... ولو ان الجياد منها ألوف وزنها من الخفيف الأول, وقافيتها من المتواتر. الطفيف: الشيء القليل, ومنه قولهم: طفف المكيال: إذا نقصه, وفي الكتاب العزيز: ﴿ويل للمطففين﴾ , وأصل ذلك أنه يقال للشيء إذا قرب: قد طف. ومن عادة ما قرب أن يكون أخذه سهلًا, فقيل للشيء القليل: طفيف؛ لأن أمره هين, قال عدي بن زيدٍ: [الوافر] أطف لأنفه الموسى قصير ... وكان بأنفه حجئًا ضنينا وقوله: ومن اللفظ لفظة تجمع الوصـ ... ف وذاك المطهم المعروف المطهم من الخيل والناس: الذي يحسن كل شيء منه. ومن أبيات أولها ومنتسبٍ عندي إلى من أحبه ... وللنبل حولي من يديه حفيف الوزن من الطويل الثالث, والقافية من المتواتر, واللين لازم لها. وقوله: وكل ودادٍ لا يدوم على الأذى ... دوام ودادي للحسين ضعيف الحسين: اسم اصطلحت العامة على استعماله تارة بالألف واللام, وتارة بغيرهما؛ إلا أنهم إذا أرادوا تفخيم الرجل عرفوه بعلامة التعريف, ولم يجعلوه علمًا, وقالوا: الحسين بن علي,

стр. 749

وحذفوا منه الألف واللام في الشعر, قال الشاعر: [الوافر] أترجو أمة قتلت حسينًا ... شفاعة جده يوم الحساب والعامل في اللام في قوله: للحسين, هو قوله: دوام؛ لأنك إذا حملته على ذلك فلابد من دخول اللام, ولو حمل على الود لجاز؛ إلا أن حمله على الدوام أجود. ومن بيتين أولهما به وبمثله شق الصفوف ... وزلت عن مباشرها الحتوف فدعه لقًى فإنك من رجالٍ ... جواشنها الأسنة والسيوف وزنهما من الوافر الأول, والقافية من المتواتر. الهاء في به: عائدة على الجوشن لعلم المخاطب بذلك. والجواشن إذا أريد بها هذه العدة فذكرها في الشعر الأول فقيد؛ إلا أنهم قد سموا الرجل: الشمر بن ذي الجوشن. ويقال: مرجوش من الليل, وجوشن؛ أي: قطعة, وكأنهم سموا هذه العدة: جوشنًا؛ لأنها ت كون على صدر الإنسان, وربما سمي الصدر جوشنًا, قال الشاعر: [الطويل] فإن الفتى الصعلوك رامٍ بنفسه ... جواشن هذا الليل كي يتمولا واللقى: الشيء الملقى, قال الشاعر: [البسيط] أمست أميمة معمورًا بها الرجم ... لقى صعيدٍ عليه الترب مرتكم

стр. 750

ومن أبيات أولها أعددت للغادرين أسيافا ... أجدع منهم بهن آنافا الوزن من ثاني المنسرح, لم يذكره الخليل, وقد تردد ذكره في شعر أبي الطيب, والقافية من المتواتر. أصل الجدع: القطع, ثم كثر استعمال ذلك في الأنف والأذن, ولم يقولوا: جدعت رجله, ولا يده, قال الشاعر: [الكامل] حتى إذا خفت الصياح وصرعت ... قتلى كمنجدعٍ من الغلان أي: كشجرٍ قد قطع, والغلان: جمع غال, وهو وادٍ كثير الشجر. وقالوا: عبد مجدع؛ أي: يدعى عليه, فيقال: جدع الله أنفه, وإن لم يكن به جدع, قال الشاعر: [الطويل] فلا تأممن أن تكون نعامةً ... ولا الملك أن يهدى لعبدٍ مجدع فأما قولهم للولد السيئ الغذاء: جدع, فإنهم يريدون أنه كالذي قطع عنه الغذاء, قال أوس بن حجرٍ: [المنسرح] وذات هدمٍ عالٍ نواشرها ... تسكت بالماء تولبًا جدعا وصحف هذا البيت بعض العلماء فقال: جذعا, ومن ذلك قولهم: سقبان مجدعة إذا لم تمكن من اللبن, قال الشنفرى: [الطويل] ولست بمهيافٍ يعشي سوامه ... مجدعةً سقبانها وهي بهل

стр. 751

وقالوا للسنة الشديدة: جداع, معدول مثل حذام وقطام. قال أبو حنبل الطائي: [الوافر] لقد آليت أعذر في جداع ... ولو أعطيت أمات الرباع وقوله: لا يرحم الله أرؤسًا لهم ... أطرن عن هامهن أقحافا يقال لعظم الرأس إذا انقطع: قحف, وجمعه أقحاف, وفي أطرن ضمير يرجع إلى الأسياف. وقوله: ما ينقم السيف غير قلتهم ... وأن تكون المئون آلافا يقال: نقمت الشيء إذا أنكرته, بفتح القاف, وقد كسرت, والفتح أجود, وعلى ذلك ينشد قول الشاعر: [المنسرح] ما نقموا من بني أمية الـ ... لا أنهم يحلمون إن غضبوا ونصف البيت الآخر محمول على النفي, كأنه قال: ما (١١٦/أ) ينقم السيف إلا قلتهم وألا تكون المئون آلافًا, فحذف (لا) لعلم السامع بما يريد, وليس هذا بأبعد من قولهم: والله أفعل, أي: لا أفعل. ويجوز أن يكون الشاعر أراد أن زيادتهم على الآلاف مما ينقم السيف؛ لأنه يريد الكثرة. والمائة: تجيء على جموعٍ مختلفة؛ فيقال: مئات ومئٍ, ومئون, ومئيات في الضرورة, وقالوا: مين في الشعر, وهم يريدون مئين, فحذفوا الهمزة, وأعربوا النون, وهذا البيت يروى لحسان: [الوافر] وذلك أن ألفهم سواء ... بواحدنا نعم أيضًا ومين

стр. 752

وأنشد الفراء: [البسيط] فقلت والمرء قد تخطيه مبنيته ... أدنى عطائهم إياي ميئات وقوله: يا شر لحمٍ فجعته بدمٍ ... وزار للخامعات أجوافا والخامعات: يعني بها الضباع, قال مالك بن نويرة: [الكامل] يا لهف من عرفاء ذات فليلةٍ ... تأتي إلي على ثلاثٍ تخمع وقال آخر: [الوافر] وجاءت جيأل وأبو بنيها ... أحم المأقيين لهم خماع يقول: قتلتهم فأكلتهم الضباع. وقوله: قد كنت أغنيت عن سؤالك بي ... من زجر الطير لي ومن عافا كأنه بلغه أن هؤلاء الهاربين منه سألوا عنه منجمًا ليعطيهم خبره, أو من يجري مجرى المنجم ويتعاطى زجر الطير وعيافتها, فيحكم عليها إذا مرت به, فيتيمن مرةً, ويتطير أخرى, وبعض الناس يروي لذي الرمة بيتين, وليسا في كل الروايات, وهما: [الطويل] رأيت غرابًا واقعًا فوق بانةٍ ... من البان لم ينبت لها ورق خضر فقلت غراب باغترابٍ وبانة ... لبينٍ ألا هذي العيافة والزجر

стр. 753

وقوله: وعدت ذا النصل من تعرضه ... وخفت لما اعترضت إخلافا قوله: تعرضه؛ أي: تعرض له, واستعمل الوعد هاهنا في الشر, ثم رجع إلى مخاطبة من خاطبه في أول الأبيات, والأجود أن يكون قوله: لما اعترضت يعني به اللحم الذي فجعه بدمٍ, وقد تقدم ذكره. ومن أبيات أولها أهون بطول الثواء والتلف ... والقيد والسجن يا أبا دلف وزنها من المنسرح الأول, والقافية من المتراكب. يقال: ثوى بالمكان: إذا أقام به, قال اليشكري: [الخفيف] رب ثاوٍ يمل منه الثواء وربما قالوا: ثوى الرجل بمعنى مات, والأغلب أن يكون الثواء طول الإقامة, وربما استعملوا في المقام اليسير, قال الأعشى: [الكامل] أثوى وقصر ليلةً ليزودا ... فمضى وأخلف من قتيلة موعدا ويروى: أثوى, فجعل الثواء لليلة, وقال أيضًا, فجعل الثواء حولًا: [الطويل] لقد كان في حولٍ ثواءٍ ثويته ... تقضي لباناتٍ ويسأم سائم

стр. 754

ودلف على مثال عمر لا ينصرف في المعرفة, وصرفة للضرورة, وهو مأخوذ من قولهم: دلف إذا قارب الخطو. وقوله: غير اختيارٍ قبلت برك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف نصب غير اختيار, لأنه مفعول له, ومن أجله, كأنه قال: قبلت برك لغير اختيارٍ ومن غيره. والجيف: جمع جيفة, وهي من ذوات الواو, وإنما قيل لها: جيفة؛ لأن جوفها ينشق, ولو صغرت جيفةً لكان الأقيس أن تقول: جويفة بالواو, فتردها إلى الأصل. * * *

стр. 755

حرف القاف من التي أولها أيدري الربع أي دمٍ أراقا ... وأي قلوب هذا الركب شاقا وهي من الوافر الأول. وما عفت الرياح له محلا ... عفاه من حدا بهم وساقا يقال: عفا المنزل: إذا درس, وعفاه غيره: إذا درسه, ويقال: على آثارهم العفاء؛ أي: الدروس, وقالوا في قول زهير: [الوافر] تحمل أهلها منها فبانوا ... على آثار ما ذهب العفاء قيل: العفاء الدروس, وقيل: التراب, والبيت المتقدم يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون النصف الآخر نعتًا لقوله: محلًا, والوجه الآخر أن يكون الشاعر لما قال: وما عفت الرياح له محلًا, أخبر عن الذي عفاه؛ فيكون المعنى محمولًا على قول أبي الشيص: [مجزوء الرجز] ما فرق الأحباب بعـ ... ـد الله إلا الإبل وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار احتملوا وما غراب البين إلـ ... لا ناقة أو جمل (١١٦/ب) فالنصف الآخر مبتدأ به, ولا موضع له من الإعراب؛ لأن الجمل إذا ابتدئ بها لم يحكم على مواضعها بنصبٍ ولا رفعٍ ولا خفضٍ.

стр. 756

وقوله: فليت هوى الأحبة كان عدلًا ... فحمل كل قلبٍ ما أطاقا ذكر أن الحب جائر, وتمنى أن يكون عادلًا في الحكم, فيحمل كل محب على حسب طاقته. وأصل العدل أنه مصدر عدل عدلًا, ثم وصف الواحد والاثنان والجميع, وكان ذلك أكثر اللغتين, قال زهير: [الطويل] متى يشتجر قوم يقل سرواتهم ... هم بيننا فهم رضًى وهم عدل وهذا يحمل على حذف مضافٍ كأنه قال: فهم ذوو عدل. وكذلك المصادر التي ينعت بها. وربما قالوا: قوم عدول, قال الشاعر: [الطويل] طمعت بليلى أن تريع وإنما ... تقطع أعناق الرجال المطامع وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن ... شهود على ليلى عدول مقانع ومن هذا الباب قولهم: رجل ضيف, وكذلك يقال للجميع. وفي الكتاب العزيز: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ فجاء بالضيف موحدًا, ثم جاء بالنعت على الجمع, والقياس يوجب أن يقال: امرأة ضيف؛ إلا أن الشاعر قال: [الطويل] لقى حملته أمه وهي ضيفة ... فجاءت بيتنٍ للضيافة أرشما اليتن: الذي يولد فتخرج رجلاه قبل رأسه. والأرشم: الذي يتشمم الطعام فيتبعه. وأصل قولهم للجماعة: ضيف أنه مصدر ضاف يضيف ضيفًا إذا مال, ثم نقل من المصدر إلى النعت. وقوله: نظرت إليهم والعين شكرى ... فصارت كلها للدمع ماقا

стр. 757

شكرى أي: ممتلئة بالدمع, يقال: شكرت الضرة تشكر شكرًا إذا امتلأت لبنًا, ويقال: شكرت السحابة إذا كثر ماؤها. قال الراجز: [الرجز] جاء الشتاء واربأل القبر ... وطلعت شمس عليها مغفر وجعلت عين الشمال تشكر والماق: جانب العين الذي يلي الأنف, وفيه لغات, يقال: مأق وموق, وحكى الفراء: مأقٍ على مثال مأوٍ, وزعم أنه لم يأت في كلام العرب نحو هذين الحرفين غير مأقي العين ومأوي الإبل, وقالوا: مؤق بالهمز. ومن قال: مأقٍ على مثال مفعل قال في الجمع: مآقٍ, ومن قال: مؤق مثل رؤدٍ فجمعه آماق, قال الشاعر: [مجزوء الكامل] فارقت هندًا ضلةً ... فأسيت عند فراقها فالعين تفسح عبرةً ... تنهل من آماقها والذين قالوا: آبار في أبآر, وآسار في أسآر, جمع سؤر؛ أي: بقية, يقولون: آماق, ويروى لجميل بن معمرٍ: [الكامل] إنا لنضرب جعفرًا بسيوفنا ... ضرب الغريبة تركب الآسارا يريد الأسآرا. والمأق: هو الموضع الذي يخرج منه الدمع, وبالغ الشاعر في هذا البيت فأخبر أن الدمع يخرج من العين كلها إذا كانت محتفلةً. وقوله: وقد أخذ التمام البدر فيهم ... وأعطاني من السقم المحاقا قوله: وقد أخذ التمام البدر فيهم: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون الذي عنى

стр. 758

جماعةً, كل واحدٍ منها كأنه بدر تام, والآخر أن يكون عنى واحدًا بعينه. ويقال: محاق القمر ومحاقه, وثلاث ليالٍ من آخر الشهر, يقال لهن: ثلاث محاق, قال الشاعر: [الطويل] تزوجتها قبل المحاق بليلةٍ ... فصار محاقًا كله ذلك الشهر وقوله: وبين الفرع والقدمين نور ... يقود بلا أزمتها النياقا هذا البيت يدل على أنه عنى واحدًا في أشبه الوجهين, ولا يمتنع أن يكون عنى جمعًا, وأراد: أن بين فرع كل واحدٍ من أحبته وبين قدميه نورًا يقود النياق بغير أزمةٍ, وهذا مثل قول كثيرٍ: [الطويل] إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا بوجهك هاديا إلا أن بيت أبي الطيب أبلغ؛ لأن كثيرًا إنما ادعى أن المطايا تسير على نور وجهها, والقود بغير الأزمة فوق هذه الرتبة بدرجاتٍ. والناقة من ذوات الواو, وأصلها: نوقة, فلما جمعت على فعالٍ انقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها, ولأنها كانت معتلة في الواحد. وقالوا: استنوق الجمل: إذا صار كالناقة في ذله, قال الكميت: [الطويل] هززتكم لو كان فيكم مهزة ... وذكرت ذا التأنيث فاستنوق الجمل وقوله (١١٧/أ): وطرف إن سقى العشاق كأسًا ... بها نقص سقانيها دهاقا دهاق: أي مملوءة, يقال: دهقت الكأس وأدهقتها, ولا يمتنع أن يكون دهقان القرية مأخوذًا من هذا اللفظ, ويكون وافق لفظ العربية, وتكون الألف والنون زائدتين, ودهقان القرية يكون فيها كالرئيس, وأكثر ما يعنون بذلك النصراني والمجوسي؛ فيريدون أنه إذا نزل به من يكرمه سقاه كأسًا دهاقًا من الخمر.

стр. 759

وقوله: وخصر تثبت الأنظار فيه ... كأن عليه من حدقٍ نطاقا النطاق: ثوب أو نحوه يشد به الإنسان وسطه, وأصل ذلك: أن الإنسان إذا هم بأمر شد له نطاقه؛ فكأنه إذا أراد أن ينطق بخطبةٍ أو يتكلم في جماعةٍ تحزم لذلك, فيكون اشتقاق النطاق من: نطق الإنسان, ويقال: بات فلان شديد النطاق, إذا بات ساهرًا, كأنه خائف من عدو, قال الشاعر: [المتقارب] وليلة نحسٍ تبيت النسا ... ء للخوف وهي شداد النطق ويقولون: حل الرجل نطاقه بالمكان: إذا أقام به, كما يقولون: ألقى عصاه, قال الشاعر: [الكامل] ولقد هبطت الأرض حل بها الندى ... والغيث كل علاقةٍ ونطاق والمعنى أن الشاعر أراد المبالغة في الصفة بالنعمة؛ فزعم أن العين إذا نظرت إلى هذا المحبوب صارت فيه ممثلةً, والعيون تكثر النظر إليه, فقد صار في خصره من الحدق نطاق؛ وهذا كذب يجب أن يستغفر منه, ومن الإصغاء إليه. وقوله: سلي عن سيرتي فرسي وسيفي ... ورمحي والهملعة الدفاقا خرج من تلك الصفة إلى مخاطبة مؤنثٍ. وسيرة الرجل ما هو عليه من طريقةٍ وأخلاقٍ, يقال: سار الرجل سيرةً جميلةً أو قبيحةً, قال الهذلي: [الطويل] فلا تجزعن من خطة أنت سرتها ... فأول راض خطةً من يسيرها والهملعة: الناقة السريعة, والذكر: هملع, قال ذو الرمة: [الطويل] سمام نجت منها المهارى وخلفت ... قراحيبها والماطلي الهملع

стр. 760

والهملع أيضًا: يوصف به الذئب لسرعته, قال الراجز: [الرجز] مثلي لا يحسن قولًا فعفع ... والشاة لا تمشي على الهملع وفعفع من زجر الضأن. ويقال: ناقة دفاق ودفاق؛ أي: غزيرة السير كأن سيرها يتدفق. وقوله: تركنا من وراء العيس نجدًا ... ونكبنا السماوة والعراقا سماوة كلبٍ: معروفة, والنسب إليها: سماوي, قال جرير: [البسيط] إذا علون سماويًا موارده ... من نحو دومة خبتًا قل تعريسي ويقال: أسمى الحمار الوحشي بآتنه إذا أتى بهن السماوة, قال الأخطل: [البسيط] كأنها لاقح الأقراب في لقحٍ ... أسمى بهن وغرته الأناصيل والعراق: يختلف في اشتقاقه, فقيل: إنما سمي عراقًا؛ لأنه متسافل فشبه بعراق القربة, وهو الذي يكون في أسفلها, وقيل: هو أن يثنى أسفل الجلد, ثم يخرز, وقيل: سمي العراق؛ لأنه مستطيل, ولذلك قيل: عرق الشيء لما دخل في الأرض منه. وقيل: العراق: ما بين دجلة والفرات, وهذا راجع إلى معنى الطول. وقال قوم: إنما قيل له: عراق لقربه من البحر, وهذه الأقوال متقاربة؛ لأنه يقال: هذا الشيء على عراقٍ واحدٍ؛ أي: على طريقةٍ واحدةٍ. ويروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: كان العراق بالفارسية يقال له: أران شهر فعرب فقيل له: العراق. وقول أبي عمرو: عرب فقيل: العراق ليس هو مجرى قولهم: الحمل بالفارسية البراق, وأصله البره؛ لأن اللفظين متقاربان, وليس أران شهر قريبًا من لفظ العراق, ويجوز أن يكون قوله: عرب؛ أي: سمي اسمًا عربيًا, كما أنا نقول:

стр. 761

بغداد اسم فارسي, فعربت؛ أي: سميت اسمًا عربيًا؛ فقيل: الزوراء, ومدينة السلام. ويجوز أن يكون قولهم: أران شهر معناه بالفارسية كبعض هذه المعاني المتقدم ذكرها, وقال قوم: إنما قيل له: العراق, لكثرة عروق الشجر فيه, وقد جاء في شعر الجاهلية, قال المتلمس: [البسيط] أمي شآميةً إذ لا عراق لنا ... قومًا نحبهم إذ قومنا شوس ونكبنا؛ أي: جعلناها وراء مناكبنا, والمنكب: رأس الكتف, ويقال: نكبت عن الشيء: إذا ملت عنه, والريح النكباء التي بين ريحين. وقوله (١١٧/ب): فمازالت ترى والليل داجٍ ... لسيف الدولة الملك ائتلاقا الائتلاق: الضياء. يقال: ائتلق الشيء يأتلق ائتلاقًا, قال الشاعر: [المنسرح] يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبينٍ كأنه الذهب وهذا معنى حسن؛ إلا أنه لا يجوز أن يكون, وهو نحو من قول حميد بن ثورٍ: [الطويل] هداني لك الله الذي نور الهدى ... ونور وإسلام عليك دليل وقوله: أدلتها رياح المسك منه ... إذا فتحت مناخرها انتشاقا هذا المعنى يتردد في الشعر, وهو من قول الأول: [الطويل] أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر

стр. 762

وقال المسيب بن علس: [المتقارب] وكالمسك ريح مقاماتهم ... وريح قبورهم أطيب وقوله: أباح الوحش - يا وحش - الأعادي ... فلم تتعرضين له الرفاقا سكن الياء في الأعادي للضرورة, وزعم الفراء أنها لغة, وتسكين الياء مع الألف واللام أو الإضافة أسهل من حذف الياء مع التنوين, كما قال القائل: [الطويل] ولو أن واشٍ باليمامة داره ... وكنت بأعلى حضرموت اهتدى ليا وأنشد الفراء: [الكامل] فكسوت عارٍ جسمه فتركته ... جذلان لان قميصه ورداؤه وإذا وقع مثل هذا في القافية فهو أحسن منه في حشو البيت؛ لأن القافية موضع حذفٍ يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها من ألفاظ الموزون, كقول بشر بن أبي خازمٍ: [الوافر] كفى بالبين من أسماء كافٍ ... وليس لحبها ما عشت شاف أسهل من قوله: فكسوت عارٍ. وتسكينه لم كالضرورة؛ لأن الأصل تحريك الميم؛ لأنهم حذفوا الألف من (ما) في مواضع كثر ترددها في الكلام, مثل قولهم: لم فعلت, وفيم جئت, وحتام تظلم, والأصل إثبات الألف, قال وضاح اليمن: [السريع] يا أمة الواحد جودي أما ... إن تصرميني فلما أو بما

стр. 763

وقال الراجز فجمع بين التحريك والإسكان: [الرجز] يا أسدي لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرمه والرفاق في هذا البيت: يحتمل أن تكون مصدر رافقت, ويجوز أن يكون جمع رفقةٍ والمصدر أولى به من الجمع, وإذا جعل جمع رفقةٍ فالمعنى: لم تتعرضين الرفاق التي تصحبه أو هي له كالملك. وقوله: ولو تبعت ما طرحت قناه ... لكفك عن رذايانا وعاقا سبق إلى هذا المعنى الأولون؛ أعني اتباع الطير والوحش؛ فروي للأفوه الأودي: [الرمل] وترى الطير على آثارنا ... رأي عينٍ ثقةً أن ستمار وقد استوفى النابغة الذبياني هذا الغرض فقال: [الطويل] إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب ولم يبالغ أبو الطيب في هذا البيت؛ لأنه جعل الوحش تتبع الجيش لتأكل من رذاياه. والرذايا: جمع رذيةٍ, وهي الناقة التي قد حسرها السير, ولم يقل كما قال الحكمي: [المديد] تتآيا الطير غدوته ... ثقةً بالشبع من جزره وقوله: ولو سرنا إليه في طريقٍ ... من النيران لم نخف احتراقا هذه مبالغة مستقصاة في سلامة القاصد لفضل المقصود, وسعوده الغالبة.

стр. 764

وقوله: إمام للأئمة من قريشٍ ... إلى من يتقون له شقاقا الأئمة: جمع إمامٍ. والأصل أإمة بهمزتين فجعلت الاهمزة الثانية ياءً لانكسارها, والأم: التقدم, يقال: أمهم إذا تقدمهم, وأمهم إذا قصدهم, وإذا قلت: هذا أفعل من هذا في (أم) قلت, على قول أبي الحسن سعيد بن مسعدة: هذا أوم من هذا, وعلى قول المازني: هذا أيم. والشقاق: المعاداة. وقوله: فلا تستنكرن له ابتسامًا ... إذا فهق المكر دمًا وضاقا إذا رويت بكسر الراء في تستنكرن (١١٨/أ) فهو خطاب لمؤنثٍ مبني على قوله: سلي عن سيرتي, وفتح الراء جائز على خروجه إلى خطاب المذكر؛ لأن البيتين متباعدان, وذلك كثير في الشعر وغيره, وفهق أي: امتلأ, يقال: فهو الحوض بالماء إذا امتلأ, وكذلك فهقت الجفنة بالطعام, قال الأعشى: [الطويل] تروح على آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق الجابية: الحوض الصغير, ويروى: الشيخ والسيح؛ فالشيخ: أحد الشيوخ, والسيح: الماء الجاري على وجه الأرض. وقوله: إذا أنعلن في آثار قومٍ ... وإن بعدوا جعلنهم طراقا أنعلن: يعني الخيل, يقول: إذا أنعلت خيله في طلب قومٍ أعداءٍ جعلن الأعداء طراقًا للنعال؛ أي: قتلنهم ووطئنهم بالحوافر. وطراق النعل: ما يجعل تحتها لتوقى به, فكل شيءٍ جعل تحت شيءٍ فهو طراق له. قال ذو الرمة: [الطويل] طراق الخوافي واقع فوق ريعةٍ ... سقيط الندى في ريشه يترقرق

стр. 765

وقوله: وإن نقع الصريخ إلى مكانٍ ... نصبن له مؤللةً دقاقا نقع الصريخ إذا ارتفع, قال الراجز: [الرجز] إذا عقيل رفعوا الرايات ... ونقع الصارخ للبيات أبوا فما يعطون شيئًا هات أراد: أبوا فما يعطون شيئًا من يقول هات. ومؤللة: أذن دقيقة الطرف, وذلك محمود في الخيل والإبل, قال الشاعر: [البسيط] يخرجن من مستطير النقع داميةً ... كأن آذانها أطراف أقلام وقال طرفة وذكر الناقة: [الطويل] مؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي شاةٍ بحومل مفرد وإنما أراد أنها تشبه الآلة في دقة طرفها, وهي الحربة. وقوله: فكان الطعن بينهما جوابًا ... وكان اللبث بينهما فواقا الفواق: ما بين الحلبتين, يقال: فوق الرجل فصيله, والمرأة رضيعها: إذا سقته فواقًا بعد فواقٍ. يقال: فواق, وفواق بفتح الفاء وضمها, وجمع الفواق: أفوقة, قال الراجز: [الرجز] أخشى عليها رجلًا ذا معلقه ... معودًا شرب ذوات الأفوقه وقال القطامي: [الوافر]

стр. 766

وصاف غلامنا رجلًا عليها ... مخافة أن يفوقها رضاعا يقال: الولد رجل مع أمه إذا لم يمنع من الرضاع في حالٍ. وقوله: ملاقية نواصيها المنايا ... معاودة فوارسها العناقا يجوز في ملاقيةٍ ومعاودةٍ الرفع والنصب, فالرفع على تقدير قوله: هي ملاقية, والعناق مصدر عانق الفارس الآخر إذا أخذ كل واحد بعنق صاحبه, وذلك أشد ما يكون من القتال, وإنما يفعلون ذلك إذا أرادوا الإسار, وقد أحسن زهير في قوله: [البسيط] يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا وقال الراعي: [الطويل] وكان لها في سالف الدهر فارس ... إذا ما رأى قيد المئين يعانقه يعني إذا رأى رجلًا يفدي نفسه إذا أسر بالمئين من الإبل عانقه, وقال آخر: [المتقارب] تركت النزال لأهل النزال ... وأكرهت نفسي على ابن الصعق جعلت يدي وشاحًا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق وقال آخر: [الطويل] أعانق في القوم الكرام وأبتغي ... قيود المئين في الصباح وفي الدهم

стр. 767

وقوله: تبيت رماحه فوق الهوادي ... وقد ضرب العجاج لها رواقا الهوادي: جمع هادٍ, وهو العنق, قال القطامي: [البسيط] إني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة الهادي مثنٍ عليك بما استبقيت معرفتي ... وقد تعرض مني مقتل باد ويقال للهادي: هادية أيضًا, وفي الحديث: «أن ضباعة, وهي امرأة من بني عبد المطلب, ذبحت شاةً قبعث النبي ﷺ إليها يسأل إن كان بقي منها شيء فقالت: مابقي منها إلا الرقبة وأنا أكره أن أبعث إلى رسول الله ﷺ بها, فقال: ابعثيها فإنها هادية الشاة, وهي أبعد الشاة من الأذى» واستعار الرواق هاهنا للغبار؛ لأنهم يركزون الرماح إلى رواق البيت, والهاء في لها يجوز أن تعود على الرماح, وعلى الهوادي. وقوله (١١٨/ب): تميل كأن في الأبطال خمرًا ... عللن به اصطباحًا واغتباقا في (تميل) ضمير يعود إلى الرماح؛ أي: كأنها قد شربت خمرًا بالدم الذي يخرج من الطعن. والاصطباح: الشرب مع الصبح, والاغتباق الشرب ليلًا. وقوله: تعجبت المدام وقد حساها ... فلم يسكر وجاد فما أفاقا يقول: هذا الممدوح لا تسكره الخمر؛ لأن عقله يرتفع عن ذلك, وهو مع أنه لا تلحقه من الراح نشوة كأنه إذا جاد أخو سكرٍ لا يفيق؛ لأنهم يصفون أنفسهم ببذل أموالهم في حال الانتشاء, قال عنترة: [الكامل] وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي, وعرضي وافر لم يكلم

стр. 768

وهم يقرون بتغير العقل عند السكر. قال المنخل اليشكري: [مجزوء الكامل] وإذا شربت فإنني ... رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير وقوله: وزنا قيمة الدهماء منه ... ووفينا القيان به الصداقا الدهماء: فرس كان أعطاها إياه, وقد ذكرها في قوله: [الطويل] وما تنكر الدهماء من رسم منزلٍ ... سقتها ضريب الشول فيه الولائد يريد أنه وهب له الفرس, فكأنه وزن قيمتها من الشعر. وقوله: ووفينا القيان به الصدقا: القيان: جمع قينةٍ, وهي الأمة, وربما خص بها المغنية. يريد أنه وهب له جواري لما مدحه فكأنه أعطاهن الصداق من الشعر, وإنما جاء بالصداق للقافية, والقيان لا يعطين صداقًا, وهذا فن يستحسن من المنظوم؛ لأن القيان إنما يشترين بالأثمان, فأكرمهن عن ذلك, وجعلهن يعطين صداقًا كالحرائر, ويقال: صداق المرأة, وصداقها, وصدقتها, وصدقتها. وقوله: وحاشى لارتياحك أن يبارى ... وللكرم الذي لك أن يباقى يقال: حاشى فلانٍ وحاشى لفلانٍ, وحاشة تتصرف, ولذلك نصبوا بها إذا فقدت اللام, قال النابغة في تصرفها: [البسيط] ولا أرى فاعلًا في الناس يشبهه ... وما أحاشي من الأقوام من أحد

стр. 769

وقد يخفضون بحاشى, ويقال: إن الخفض فيها على معنى اللام, يقولون: فعلوا كذا وكذا وكذا حاشاي فيجيئون بالياء, والقياس يوجب أن يقولوا حاشاني, كما يقال: راعاني, وأنشد الفراء: [الكامل] في عصبةٍ عبدوا الصليب تخشعًا ... حاشاي إني مسلم معذور معذور: أي: مختون. ويباقى: يفاعل من البقاء؛ أي: إنه طويل المدة, تزول الأشياء وهو باقٍ. وقوله: ولكنا نداعب منك قومًا ... تراجعت القروم له حقاقا يقال: لكنا ولكننا, كما يقال: إنا وإننا, وكأنا وكأننا. ونداعب من المداعبة, وهي الممازحة. والقرم: أصله في فحل الإبل, ثم وصف به الرجل الرئيس. والحقاق: جمع حق, وهو الذي قد وفى ثلاث سنين, ودخل في الرابعة, قال الشاعر: [الوافر] وأرسل مهملًا جذعًا وحقًا ... بلا جحد النبات ولا جديب وإنما قيل له: حق؛ لأنه قد استحق أن يحمل عليه, وأن يركب, وقيل للأنثى: حقة؛ لأنها استحقت أن يضربها الفحل, قال الشاعر: [الرمل] قرن الظهر إلى العصر كما ... تقرن الحقة بالحق الذكر ويقال: حقاق في الجمع, فيجوز أن يكون جمع حقةٍ وحق, قال الشاعر: [الوافر] زووها عنكم وغلت عليكم ... وأعطينا بها مائةً حقاقا فإذا قيل: حقق فهي للإناث لا غير. قال المسيب بن علس: [الكامل] قد نالني منه على عدمٍ ... مثل الفسيل صغارها الحقق

стр. 770

وقوله: فأبلغ حاسدي عليك أني ... كبا برق يحاول لي لحاقا كبا: أي: عثر, وإنما ذلك للخيل, وغيرها من الحيوان, فاستعاره للبرق, وزعم أنه لا يلحق, وذلك من المبالغة التي تحيل الصدق إلى الكذب. وقوله: وهل تغني الرسائل في عدو ... إذا ما لم يطن ظبًى رقاقا الظبى: جمع ظبيةٍ, وهي حد السيف, وقيل: ظبة السيف: طرفة, ويقال في الجمع: ظبون وظبين, قال الكميت (١١٩/أ): [الوافر] يرى الراؤون في الشفرات منها ... كنار أبي الحباحب والظبينا وقوله: إذا ما الناس جربهم لبيب ... فإني قد أكلتهم وذاقا هذا البيت في غاية المبالغة, وحسن اللفظ؛ لأن الإنسان إذا أكل الشيء فقد خبر منه ما لا يخبر غيره, فجعل الذين جربوا الناس كأنهم قد ذاقوا طعامًا تفرد بأكله. والذوق: إنما يستعمل في الشيء القليل حتى إنه يقال: ذاقه بطرف لسانه, ويقال: ذاق القوس إذا مدها مدًا يسيرًا, قال الشماخ: [الطويل] وذاق فأعطته من اللين جانبًا ... كفى, ولها أن تغرق السهم حاجز وقوله: يقصر عن يمينك كل بحرٍ ... وعما لم تلقه ما ألاقا يقال: ألاق الشيء إذا أمسكه, وتلقه: يجوز أن تكون عائدةً على اليمين, وعلى الممدح, يقول: البحر يليق ماءه أي: يمسكه, ونوالك يقصر عنه ما ألاقه البحر. وقافية هذه القصيدة من المتواتر, وهو حرف متحرك بعده ساكن, فالقافية هاهنا القاف والألف على هذا القول. وعلى قول الخيل المتحرك الذي قبل الألف, ومعها القاف, والألف الثانية, والألف الأولى.

стр. 771

ومن التي أولها لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي وهي من ثاني الطويل. قوله: ما يلقى الفؤاد: في موضع رفع بالابتداء, والتقدير: ما يلقى الفؤاد من أجل عينيك, وهذا الرفع هو الذي يسميه الكوفيون: خبرًا لصفةٍ؛ لأنهم يسمون حروف الخفض: حروف الصفات, ورفعه عند سعيد بن مسعدة بفعلٍ مضمرٍ كأنه قال: لعينيك حدث أو استقر ما يلقى الفؤاد. وقوله: وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق من: في موضع رفع, ولكن مقدرة بعدها هاء, كأنه قال: ولكنه, وإذا دخل على من التي يجازى بها عامل لم تعمل شيئًا, فإذا قلت: إن من يأتيني آتيه؛ فجعلت من في موضع نصب لم يقع الشرط والجزاء, فإن أردت ذلك نويت إضمار الهاء, كأنك قلت: إنه من يأتني آته, وعلى ذلك أنشدوا قول الشاعر: [الخفيف] إن من يدخل الكنيسة يومًا ... يلق فيها جآذرًا وظباء كأنه قال: إنه من يدخل الكنيسة, وقال الأعشى: [الخفيف] إن من لام في هوى ابنة حسا ... ن ألمه فأعصه في الخطوب كأنه قال: إنه من لامني. وهذا البيت ينسب إلى أمية بن أبي الصلت: [الطويل] ولكن من لم يلق أمرًا يخافه ... بعدته ينزل وهو أعزل

стр. 772

ويروى: لا يلق, كأنه قال: ولكنه, وفي الكتاب العزيز: ﴿إنه من يأت ربه مجرمًا﴾. وما يجري في ذلك مجرى من, يقول: ما تفعل أفعل, وفي التنزيل: ﴿وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله﴾ , فإن قلت: إنما تفعله من خيرٍ تجاز عليه لم يجز الشرط والجزاء إلا على إضمار هاءٍ. وقوله: وبين الرضى والسخط والقرب والنوى ... مجال لدمع المقلة المترقوق يقال: ترقرق الدمع إذا جرى على الخد, ووزن ترقرق عند سيبويه: تفعلل, وعند صاحب كتاب العين: تفعفع, وعند الفراء, وأبي إسحاق الزجاج: تفعفل. ويقال: دمع رقراق, قال امرؤ القيس: [المتقارب] فأسبل دمعي كفيض الجمان ... أو الدر رقراقه المنحدر وقوله: وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي ادعى أبو الطيب أن أحلى الهوى ما شك في الوصل ربه, وفي الهجر. وليس هذه الصفة صفة حلوٍ؛ بل هذا الفن يجب أن يوصف بالمرارة, وإنما حلاوة الهوى أن يكون سالمًا من الفراق والهجر, وقد وصفت ذلك الشعراء, قال الشاعر: [الطويل] إذ الناس ناس والأحبة جيرة ... جميع وإذ كل الزمان ربيع

стр. 773

وقال كثير: [الطويل] سقى الله أيامًا لنا لسن رجعًا ... إلينا وعصر الحاجبية من عصر ليالي أجررت البطالة مقودي ... تمر الليالي والشهور ولا أدري وقال كثير أيضًا في صفة تمكن المحب من هواه: [الوافر] إلا يا حبذا نفحات نجدٍ ... وريا روضه بعد القطار وأهلك إذ يحل الحي نجدًا ... وأنت على زمانك غير زار شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سرار وقال المجنون فيما رووا: [الطويل] تعلقت ليلى وهي ذات موصدٍ ... وليدًا, ولما يبد من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم ياليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهم المؤصد: مثل الأصدة, ويقال: إنها الصدرة أو نحو منها, قال الشاعر في صفة راعٍ (١١٩/ب): [البسيط]

стр. 774

مثل البرام غدا في أصدةٍ خلقٍ ... لم يستعن وحوامي الموت تغشاه وقوله: وغضبى من الإدلال سكرى من الصبى ... شفعت إليها من شبابي بريق ريق الشباب: أوله, وأصله من ذوات الواو؛ لأنه إن أخذ من الروق؛ أي: الأول, أو من راق يروق إذا أعجب فكأنه من ذوات الواو, وأصله ريوق, كما أن أصل سيدٍ: سيود, فقلبت الواو ياءً. وقوله: وأشنب معسول الثنيات واضحٍ ... سترت فمي عنه فقبل مفرقي وأجياد غزلانٍ كجيدك زرنني ... فلم أتبين عاطلًا من مطوق هذان البيتان من أحسن ما قيل في العفة, وقوله: معسول الثنيات؛ أي: كأن فيه العسل, والبيت الذي أوله: وأشنب: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعني بأشنب شخصًا, والآخر: أن يعني فمًا. والوجه الآخر أحسن؛ لأن الشنب مقصور على الفم والأسنان, ويقال: غزال أجيد أي: طويل الجيد, قال عمر بن أبي ربيعة: [المتقارب] دعاني من بعد شيب القذال ... غزال له عنق أجيد وهذا مما تفق فيه الجيد المراد به العنق, والجيد إذا كان جمع الأجيد؛ فجاءا على لفظٍ واحدٍ, لأنك إذا قلت: هذه غزلان جيد فالجمع مساوٍ للعنق في اللفظ. وقوله: وما كل من يهوى يعف إذا خلا ... عفافي ويرضي الحب والخيل تلتقي كانت نساء العرب تفتخر بشجاعة رجالها, وتذكر أنهم إن لم يقاتلوا لم يسمحن لهم

стр. 775

بالوصال, ومن ذلك قول القائلة, وهو يروى لهند بنت عتبة بن ربيعة, ولا مرأةٍ من إيادٍ لما تلاقوا هم والفرس: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق المسك في المفارق ... والدر في المخانق إن تقلبوا نعانق ... أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وقوله: سقى الله أيام الصبا ما يسرها ... ويفعل فعل البابلي المعتق البابلي: شراب منسوب إلى بابل, وهي كلمة ليست بالعربية, وليس في كلام العرب باءان بعدهما لام, وقد استعملت العرب بابل في أشعارٍ, قال: [الكامل] هذا ورب مسوفين صبحتهم ... من خمر بابل لذةً للشارب أراد بمسوفين قومًا عطاشًا, يقال لهم: سوف تسقمون وسوف تروون. وقد جرت عادة الشعراء أن يثنوا على ما سلف من الزمان, كما يثنون على من يعقل, وقد سلك أبو الطيب في هذا البيت مسلك غيره, فدعا لأيام الصبا أن تسقى ما يسرها, وليست مما يحس, نحو من هذا الفن ذمهم الزمان, وهو لا يعلم ولا يستطيع أن يفعل حسنًا ولا قبيحًا؛ وإنما يفعلون هذه الأشياء على معنى المجاز والاتساع في اللغة, كما قالوا: نام الليل؛ لأنه ينام فيه, ولا علم لليل بنومٍ, ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] فإن تحدث الأيام بيني وبينها ... بذي الأثل صيفًا مثل صيفي ومربعي أسد بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبنها لم تقطع إنما أراد أن يحدث في الأسام فجعل الإحداث منسوبًا إليها على السعة.
следующие страницы →