← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ومن التي أولها لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي وهي من ثاني الطويل. قوله: ما يلقى الفؤاد: في موضع رفع بالابتداء, والتقدير: ما يلقى الفؤاد من أجل عينيك, وهذا الرفع هو الذي يسميه الكوفيون: خبرًا لصفةٍ؛ لأنهم يسمون حروف الخفض: حروف الصفات, ورفعه عند سعيد بن مسعدة بفعلٍ مضمرٍ كأنه قال: لعينيك حدث أو استقر ما يلقى الفؤاد. وقوله: وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق من: في موضع رفع, ولكن مقدرة بعدها هاء, كأنه قال: ولكنه, وإذا دخل على من التي يجازى بها عامل لم تعمل شيئًا, فإذا قلت: إن من يأتيني آتيه؛ فجعلت من في موضع نصب لم يقع الشرط والجزاء, فإن أردت ذلك نويت إضمار الهاء, كأنك قلت: إنه من يأتني آته, وعلى ذلك أنشدوا قول الشاعر: [الخفيف] إن من يدخل الكنيسة يومًا ... يلق فيها جآذرًا وظباء كأنه قال: إنه من يدخل الكنيسة, وقال الأعشى: [الخفيف] إن من لام في هوى ابنة حسا ... ن ألمه فأعصه في الخطوب كأنه قال: إنه من لامني. وهذا البيت ينسب إلى أمية بن أبي الصلت: [الطويل] ولكن من لم يلق أمرًا يخافه ... بعدته ينزل وهو أعزل

стр. 772

ويروى: لا يلق, كأنه قال: ولكنه, وفي الكتاب العزيز: ﴿إنه من يأت ربه مجرمًا﴾. وما يجري في ذلك مجرى من, يقول: ما تفعل أفعل, وفي التنزيل: ﴿وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله﴾ , فإن قلت: إنما تفعله من خيرٍ تجاز عليه لم يجز الشرط والجزاء إلا على إضمار هاءٍ. وقوله: وبين الرضى والسخط والقرب والنوى ... مجال لدمع المقلة المترقوق يقال: ترقرق الدمع إذا جرى على الخد, ووزن ترقرق عند سيبويه: تفعلل, وعند صاحب كتاب العين: تفعفع, وعند الفراء, وأبي إسحاق الزجاج: تفعفل. ويقال: دمع رقراق, قال امرؤ القيس: [المتقارب] فأسبل دمعي كفيض الجمان ... أو الدر رقراقه المنحدر وقوله: وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي ادعى أبو الطيب أن أحلى الهوى ما شك في الوصل ربه, وفي الهجر. وليس هذه الصفة صفة حلوٍ؛ بل هذا الفن يجب أن يوصف بالمرارة, وإنما حلاوة الهوى أن يكون سالمًا من الفراق والهجر, وقد وصفت ذلك الشعراء, قال الشاعر: [الطويل] إذ الناس ناس والأحبة جيرة ... جميع وإذ كل الزمان ربيع

стр. 773

وقال كثير: [الطويل] سقى الله أيامًا لنا لسن رجعًا ... إلينا وعصر الحاجبية من عصر ليالي أجررت البطالة مقودي ... تمر الليالي والشهور ولا أدري وقال كثير أيضًا في صفة تمكن المحب من هواه: [الوافر] إلا يا حبذا نفحات نجدٍ ... وريا روضه بعد القطار وأهلك إذ يحل الحي نجدًا ... وأنت على زمانك غير زار شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سرار وقال المجنون فيما رووا: [الطويل] تعلقت ليلى وهي ذات موصدٍ ... وليدًا, ولما يبد من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم ياليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهم المؤصد: مثل الأصدة, ويقال: إنها الصدرة أو نحو منها, قال الشاعر في صفة راعٍ (١١٩/ب): [البسيط]

стр. 774

مثل البرام غدا في أصدةٍ خلقٍ ... لم يستعن وحوامي الموت تغشاه وقوله: وغضبى من الإدلال سكرى من الصبى ... شفعت إليها من شبابي بريق ريق الشباب: أوله, وأصله من ذوات الواو؛ لأنه إن أخذ من الروق؛ أي: الأول, أو من راق يروق إذا أعجب فكأنه من ذوات الواو, وأصله ريوق, كما أن أصل سيدٍ: سيود, فقلبت الواو ياءً. وقوله: وأشنب معسول الثنيات واضحٍ ... سترت فمي عنه فقبل مفرقي وأجياد غزلانٍ كجيدك زرنني ... فلم أتبين عاطلًا من مطوق هذان البيتان من أحسن ما قيل في العفة, وقوله: معسول الثنيات؛ أي: كأن فيه العسل, والبيت الذي أوله: وأشنب: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعني بأشنب شخصًا, والآخر: أن يعني فمًا. والوجه الآخر أحسن؛ لأن الشنب مقصور على الفم والأسنان, ويقال: غزال أجيد أي: طويل الجيد, قال عمر بن أبي ربيعة: [المتقارب] دعاني من بعد شيب القذال ... غزال له عنق أجيد وهذا مما تفق فيه الجيد المراد به العنق, والجيد إذا كان جمع الأجيد؛ فجاءا على لفظٍ واحدٍ, لأنك إذا قلت: هذه غزلان جيد فالجمع مساوٍ للعنق في اللفظ. وقوله: وما كل من يهوى يعف إذا خلا ... عفافي ويرضي الحب والخيل تلتقي كانت نساء العرب تفتخر بشجاعة رجالها, وتذكر أنهم إن لم يقاتلوا لم يسمحن لهم

стр. 775

بالوصال, ومن ذلك قول القائلة, وهو يروى لهند بنت عتبة بن ربيعة, ولا مرأةٍ من إيادٍ لما تلاقوا هم والفرس: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق المسك في المفارق ... والدر في المخانق إن تقلبوا نعانق ... أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وقوله: سقى الله أيام الصبا ما يسرها ... ويفعل فعل البابلي المعتق البابلي: شراب منسوب إلى بابل, وهي كلمة ليست بالعربية, وليس في كلام العرب باءان بعدهما لام, وقد استعملت العرب بابل في أشعارٍ, قال: [الكامل] هذا ورب مسوفين صبحتهم ... من خمر بابل لذةً للشارب أراد بمسوفين قومًا عطاشًا, يقال لهم: سوف تسقمون وسوف تروون. وقد جرت عادة الشعراء أن يثنوا على ما سلف من الزمان, كما يثنون على من يعقل, وقد سلك أبو الطيب في هذا البيت مسلك غيره, فدعا لأيام الصبا أن تسقى ما يسرها, وليست مما يحس, نحو من هذا الفن ذمهم الزمان, وهو لا يعلم ولا يستطيع أن يفعل حسنًا ولا قبيحًا؛ وإنما يفعلون هذه الأشياء على معنى المجاز والاتساع في اللغة, كما قالوا: نام الليل؛ لأنه ينام فيه, ولا علم لليل بنومٍ, ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] فإن تحدث الأيام بيني وبينها ... بذي الأثل صيفًا مثل صيفي ومربعي أسد بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبنها لم تقطع إنما أراد أن يحدث في الأسام فجعل الإحداث منسوبًا إليها على السعة.

стр. 776

وقوله: إذا ما لبست الدهر مستمتعًا به ... تخرقت والملبوس لم يتخرق هذا البيت إذا طولب الشاعر بحسن الأدب وجب ألا يقابل الممدوح بمثله, وقد أنكر عبد الملك بن مروان على جريرٍ ما هو دون هذا, وذلك أنه لما أنشده: [الوافر] أتصحو أم فؤادك غير صاح قال له عبد الملك: بل فؤادك, أنكر عليه مخاطبته إياه بالكاف. ولا ريب أن الشاعر لم يرد بهذا إلا نفسه أو غيره من المخاطبين دون الممدوح, ولكن يكره مثل هذ خيفةً من التطير. وقوله: أدرنا عيونًا حائراتٍ كأنها ... مركبة أحداقها فوق زئبق أراد أنهم يبكون؛ فالمدمع يجول في العيون كانه زئبق فشبه به الدمع؛ لأنهم إذا وصفوا الماء بالصفاء قالوا: كأنه دموع, وأراد أن نظرهم لا يثبت لكثرة البكاء. وقوله: نودعهم والبين فينا كأنه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق الفيلق: الكتيبة العظيمة كأنها تفلق هام من يحارب؛ ولذلك قيل للداهية: فلق وفلقة؛ (١٢٠/أ) لأنها كالتي تفلق الرأس, قال الأعشى: [السريع] في فيلقٍ شهباء ملمومةٍ ... تعصف بالدارع والحاسر

стр. 777

القنا: ليس بين واحده وجمعه فرق إلا الهاء, فإذا كان الجمع كذلك جاز أن يجمع نعته وأن يوحد, فلو قال القائل: قنًا ماضٍ قاضٍ, فوحد الصفة لكان مصيبًا, وكذلك لو قال: قنًا قواضٍ مواضٍ. وقوله: قواضٍ يجوز أن يكون رفعًا على البدل من قنا ابن أبي الهيجاء, أو إضمار هي, فيكون خبر ابتداءٍ محذوفٍ. والدروع: تنسب إلى داود, وقد نسبها بعضهم إلى سليمان على معنى الغلط, قال النابغة الذبياني: [الطويل] وكل صموتٍ نثلةٍ تبعيةٍ ... ونسج سليمٍ كل قضاء ذائل النثلة: الدرع القصيرة, وقال الحطيئة: [البسيط] وما رضيت لهم حتى رفدتهم ... من ائلٍ رهط بسطامٍ بأصرام فيه الرماح وفيه كل سابغةً ... قضاء محكمةٍ من نسج سلام بنى سليمان على فعالٍ, وجعله كالأسماء العربية. وقد نسبوا الدروع إلى فرعون, قال الشاعر: [السريع] وكل فرعونيةٍ لونها ... مثل غدير الديمة الغاديه وقد جعل أبو ذؤيب تبعًا صنعًا للسوابغ, وإنما كانت تصنع له. قال: [الكامل] وعليهما مسرودتان قضاهما ... داوود أو صنع السوابغ تبع وهذا من جنس قولهم: قتل الأمير فلانًا, وهو لم يك قتله بنفسه وإنما أمر غيره بذلك. والخدرنق: ذكر العناكب, وربما قالوا: هو العنكبوت, وفيه لغات: خدرنق وخدرق وخذرق.

стр. 778

وقوله: هوادٍ لأملاك البلاد كأنها ... تخير أرواح وتنتقي اللام في قوله: لأملاك الجيوش (*): في معنى إلى كأنها تهدي الفوارس إلى طعن الأملاك. وقوله: تفك عليهم كل درعٍ وجوشنٍ ... وتفري إليهم كل سورٍ وخندق الجوشن في كلام العرب: الصدر, وقد مر ذكره, وليس في كلامهم الجشن فيكون مشتقًا منه. وإن كان الجوشن من الحديد عربيًا, فاشتقاقه من الجوش, ووزنه فعلن, وتفري إذا ضمت التاء فهو قطع على جهة الإفساد, وقد قالوا: فرى في معنى أفرى, وكثر قولهم: تفري, بفتح التاء في معنى الإصلاح, قال زهير: [الكامل] ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يفري والسور: إذا أريد به سور المدينة: فهو مأخوذ من السورة؛ أي: الارتفاع, ومن قولهم: سار يسور إذا وثب, وبيت النابغة ينشد على وجهين: [الطويل] ألم تر أن الله أعطاك سورةً ... ترى كل ملكٍ دونها يتذبذب ومنه قولهم: رجل مسور؛ أي: ذو سورة. والخندق ليس له أصل في كلام العرب, إلا أنهم قد تكلموا به قديمًا, واحتفر أصحاب النبي ﷺ خندقًا في المدينة, قال الراجز: [الرجز] فصدهم عن لعلعٍ وبارق ... ضرب يشظيهم عن الخنادق وقال النابغة: [الوافر] فدوخت البلاد فكل قصرٍ ... يجلل خندقًا منه وحامي وليس في كلامهم الخدق, فيشتق منه الخندق, وتكون نونه زائدةً.

стр. 779

وقوله: يغير بها بين اللقان وواسطٍ ... ويركزها بين الفرات وجلق اللقان: اسم أعجمي, وقد وافق من العربية الفعال من: لقنت الشيء إذا فهمته وحفظته, وجلق: اسم لدمشق وبلادها, ويقال: إنه في الأصل اسم صنمٍ. وفعل: بناء قليل في كلام العرب, وقد وافق جلق لفظ قولهم: جلق رأسه: إذا حلقه. والفرات, بالتاء لا غير, وإنما ذكر ذلك, لأن كثيرًا من البادية اليوم يقولون: الفراه, بالهاء؛ وذلك على سبيل الغلط, وقد تردد الفرات في القرآن وغيره, ولم يستعمل منه فعل, ومن الدليل على أن تاءه أصلية قول الأعشى: [السريع] ما يجعل الجد الظنون الذي ... جنب صوب المسبل الماطر مثل الفراتي إذا ما طما ... يقذف بالبوصي والماهر فثبات الياء في النسب يدل على أنها أصلية, لا يجب أن يوقف عليها بالهاء. وقوله: ويرجعها حمرًا كأن صحيحها ... يبكي دمًا من رحمة المتدقق هذا من أحسن ما وصفت به الرماح, ولم يسبق إليه قائله؛ لأنه وصف أن الدماء تجري عليها وهي متدققة, كأن سالمها يبكي على ما هلك منها, وكلاهما قد وصف بجريان الدم. والكلام (*) (٢٠/ب) المشقق: يجوز أن يريد به الذي اشتق بعضه من بعضٍ, فيكون ذلك مدحًا للكلام, وصفةً للممدوح بأن ما صعب لديه هين, فهو كالذي يلعب به, ويحتمل أن يعني بالمشقق: الكلام الذي كأنه مكسر من قولك: شققت العود, وغيره, ويكون هذا الكلام لما ينظمه الشعراء في مدحه؛ لأن ذمه لهم قد تكرر مثل قوله: والشعر تهذي طماطمه

стр. 780

وقوله: رأى ملك الروم ارتياحك للندى ... فقام مقام المجتدي المتملق المتملق: الذي يخضع ويلين كلامه, وهو مأخوذ من الصخرة الملقة, وهي الملساء, قال الهذلي: [الوافر] أتيح لها أقيدر ذو حشيفٍ ... إذا سامت على الملقات ساما ويقال: ملق جلده: إذا غسله, قال الراجز: [الرجز] رأت غلامًا جلده لم يملق ... بماء حمامٍ ولم يخلق وقوله: وخلى الرماح السمهرية صاغرًا ... لأدرب منه بالطعان وأحذق الرماح السمهرية: فيها قولان: بعض الناس يزعم أن ردينة كان لها زوج يقال له: سمهر, فنسبت الرماح إليه. وقال غيرهم: إنما هو من اسمهر الشيء إذا اشتد, وجاء هذا الاسم منسوبًا, كما قالوا للقوي من الإبل: قيسري, كأنه منسوب إلى قيسر, وكما قالوا للشاب: قنسري كأنه منسوب إلى قنسرٍ, قال رؤبة: [الرجز] فازجر بني النجاخة الفشوس ... عن مسمهر ليس بالفيوش وقوله: ولم يثنك الأعداء عن مهجاتهم ... بمثل خضوعٍ في كلامٍ منمق يقال: كلام منمق؛ أي: محسن, ويقال: نمق الكتاب إذا كتبه, ونظر بعض العرب إلى رجل قد كتب شيئًا, ثم محاه فقال: نمنقه ثم لمقه. واللمق عندهم من الأضداد, ويكون في معنى كتب, وفي معنى محا.

стр. 781

وقوله: وكنت إذا كاتبته قبل هذه ... كتبت إليه في قذال الدمستق القذال: معروف, وهو منقطع منبت الشعر في مؤخر الرأس, ويقال: قذله الحجام إذا حجمه في ذلك الموضع. والدمستق: كلمة رومية لم تستعمل في الكلام القديم, وبناؤها لم يأت في أبنية العرب لأنه فعلل, ومن شأن أصحاب التصريف إذا جاء اسم على بناءٍ لم تستعمله العرب, وفيه حرف من حروف الزيادة؛ حكموا عليه بأنه؛ وإن لم يشتق منه ما يدل على زيادة الحرف, مثال ذلك أن يقولوا في الكنهبل, وهو الشجر العظام: نونه زائدة؛ لأنه ليس في كلامهم مثل فرزدق. وقد ذهب بعض الناس إلى أن كنهبلًا بناء كل حروفه أصلية, فوزنه على هذا القول: فعلل, وفي القول الأول: فنعلل؛ فل أن الدمستق عربي وحمل على هذا القياس لكان وزنه على أحد القولين: فعلل, وعلى القول الآخر فعلتل. وقوله: فإن تعطه بعض الأمان فسائل ... وإن تعطه حد الحسام فأخلق أخلق به: في معنى ما أخلقه, أي: أجدره؛ يقال: أخلق بفلانٍ أن يفعل كذا, وهذا لفظ موضوع للتعجب, وقد حذف الباء التي جرت عادتها أن تجيء بعد هذا اللفظ كما جاء في التنزيل: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ , لما جاء بقوله: «بهم» في اللفظ الأول حذفه في الثاني, ومثل ذلك قول الكميت: [الكامل] دار التي تركتك غير ملومةٍ ... كلفًا وأرع بها عليك وأشفق وقد يحذفون الباء, وإن لم تحذف في أول الكلام, قال عروة بن الورد: [الطويل]

стр. 782

فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدًا وإن يستغن يومًا فأجدر أي: ما أجدره بالغنى. وقوله: لقد وردوا ورد القطا شفراتها ... ومروا عليها رزدقًا بعد رزدق (*) الشفرات: جمع شفرةٍ, وهي معروفة, والشفرة هاهنا: حد السيف, وكان أصلها من شفير الشيء, يقال: هو على شفير كذا؛ أي: مشرف عليه؛ كأنه واقف على آخره. والرزدق (*): الصف الممدود, وأصله فارسي معرب. ووصف أنهم وردوا السيوف وردًا متتابعًا كورد القطا الماء, ويجوز أن يكون أراد أنهم سافروا إلى السيوف حتى وردوها, كما أن القطا الوارد يجيء من البلد البعيد ليصل إلى الماء. وقوله: (٢١/أ) بلغت بسيف الدولة النور رتبةً ... أنرت بها ما بين غربٍ ومشرق جعل النور وصفًا لسيف الدولة على سبيل المبالغة, وذكر أنه بلغ رتبةً أنار بها ما بين الشرق والغرب, وإنما أراد علو الذكر والنباهة الكائنة بعد الخمول. وقوله: إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ ... أراه غباري ثم قال له الحق سكن واو يلهو للضرورة, كما قال الشاعر: [الطويل] أترضون أن تغزو تميم بلادكم ... بألفي كمي ذي سلاحٍ مقاتل وقوله: ويمتحن الناس الأمير برأيه ... ويغضي على علمٍ بكل ممخرق

стр. 783

الممخرق: كلمة مولدة, وأصلها من المخراق, وهو ثوب يفتل ويلعب به الصبيان يتضاربون به كالتضارب بالسيوف, ولذلك قال عمرو بن كلثومٍ: [الوافر] كأن سيوفنا فينا وفيهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا وقال قيس بن الخطيم: [الطويل] أجالدهم يوم الحديقة معلمًا ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب ووزن مخراقٍ: مفعال, ووزن ممخرقٍ: ممفعل, وقد جاء نحو من هذا في قولهم: تمسكن الرجل, ووزن تمسكن: تمفعل, ومثله: تمدرع إذا لبس المدرعة. وقوله: وإطراق طرف العين ليس بنافعٍ ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق أطرق الرجل: إذا نظر إلى الأرض, واشتقاق ذلك من أنه ينظر إلى الطريق الذي يطؤه, ومن أمثالهم: «أطرق كرى أطرق كرى إن النعام في القرى» يضرب ذلك مثلًا للرجل يتكلم في موضعٍ, وفيه أحق بالكلام منه, والمعنى في ذلك أن النعام أعظم شخوصًا من الكروان, جمع كروانٍ, وكرى في المثل مراد به الكروان, ورخم على قول من قال: يا حار, وقد استعمله الفرزدق بالألف واللام, قال: [الطويل] على حين أن جربت وابيض مسحلي ... وأطرق إطراق الكرى من أحاربه وأطرقا اسم موضع, وقد جاء في شعر أبي ذؤيبٍ, قال: [المتقارب] على «أطرقا» باليات الخيا ... م إلا الثمام وإلا العصي

стр. 784

ويقال: إن هذا الموضع سمي بأطرقا؛ لأن ثلاثةً عبروا فيه فأحس أحدهم نبأةً, فقال لصاحبيه: أطرقا. والله العالم بيقين الأمور. واستعار أبو الطيب الإطراق لطرف القلب, والمستعار كثير في الشعر. وقوله: إذا سعت الأعداء في كيد مجده ... سعى مجده في جده سعي محنق المجد: الشرف. قال قوم: لا يقال ماجد للرجل حتى يكون شريف الآباء, وقال قوم: بل الماجد البين الفضل في نفسه, ومنه قولهم في المثل: «في كل شجرٍ نار واستمجد المرخ والعفار». ويقال: إن المجد مأخوذ من: أمجدت الدابة إذا أكثرت علفها. والجد: الحظ, والمحنق: المغتاظ. والمعنى: أن الأعداء إذا سعت في كيد مجد هذا الممدوح سعى حظه سعي مغضبٍ يجتهد في أن يفعل فيما يستقبل أكثر مما فعل في الزمان الأول. ومن التي أولها تذكرت ما بيت العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق العذيب, وبارق: موضعان بالعراق, ويتردد ذكرهما في الشعر, قال عمرو بن كلثوم: [الطويل]

стр. 785

ليهنئ تراثي تغلب ابنة وائلٍ ... إذا نزلوا بين العذيب وخفان وقال: مجر العوالي؛ لأنه اكتفى بها من ذكر الرماح, وإنما تجر سافلة الرمح؛ إلا أن يطعن بالعالية فيجرها المطعون, يقال: أجررته الرمح إذا طعنه, وترك الرمح فيه, ومنه قول الحادرة: [الكامل] نبني على سنن العدو بيوتنا ... ونجر في الهيجا الرماح وندعي وقوله: وصحبة قومٍ يذبحون قنيصهم ... بفضلات ما قد كسروا في المفارق هذا البيت يستحسن, وهو غير مسبوق إليه؛ يريد أنهم قاتلوا بسيوفهم حتى تحطمت نصالها, ثم ذبحها القنيص بفضلات السيوف, وسكن ضاد فضلاتٍ, وفتحها أحسن, وهي عند الضرورة تسكن, قال الراجز: [الرجز] عل صروف الدهر أو دولاتها ... تديلنا اللمة من لماتها فتستريح النفس من زفراتها (١٢١/ب) وقوله: وليلًا توسدنا الثوية تحته ... كأن ثراها عنبر في المرافق الثوية: موضع قريب من الكوفة, وفيه قبر زياد بن أبي سفيان, وقوله: كأن ثراها

стр. 786

عنبر في المرافق: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مدحًا للأرض؛ يريد أنها طيبة كأن ثراها عنبر. والآخر: أن يكون وصف نفسه وأصحابه بأنهم معيون, فهم لإيثارهم النزول والراحة؛ كأن ثرى الأرض عندهم عنبر, وإن كان الأمر على سوى ذلك, وقد تمنت الشعراء مباشرة تراب الأرض التي ينزل بها من يحبون, قال الشاعر: [الوافر] وددت وأبرق العيشوم أنا ... نكون معًا جميعًا في رداء أباشره وقد نديت رباه ... فألصق صحةً منه بدائي وقال آخر: [الطويل] يقر بعيني أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأجرع المتقاود وأن أرد الماء الذي شربت به ... سليمى إذا ما خف من كل وارد وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطًا بسم الأساود وقوله: بلاد إذا زار الحسان بغيرها ... حصى تربها ثقبنه للمخانق في الفرات مواضع يكون فيها حصًى متلون يستحسن, وربما جلبه المسافرون ليتحفوا به ولدانهم؛ فبالغ أبو الطيب في صفته حتى جعل الحسان تتخذه في المخانق. وقوله: سقتني بها القطربلي مليحة ... على كاذبٍ من وعدها ضوء صادق

стр. 787

قطربل: كلمة أعجمية, وليس في كلام العرب لها مشبه, ولا يوجد في الشعر القديم, وإنما ذكرها المحدثون. وقوله: على كاذبٍ من وعدها ضوء صادق, ما وصف الوعد الكاذب قط بأحسن من هذه الصفة. وقوله: وأغيد يهوى نفسه كل عاقلٍ ... عفيفٍ ويهوى جسمع كل فاسق الأغيد: الذي في عنقه طول مع لينٍ وانعطافٍ, ويقال: نبت غاد؛ أي: ناعم منعطف للينه, قال كثير: [الطويل] وصفراء رعبوبٍ كأن وشاحها ... على ناعمٍ من غاب دجلة غاد فوزن غادٍ هاهنا فعل أو فعل, كأنه في الأصل غيد أو غيد, وقد وافق لفظ غادٍ من الغدو وليس منه في شيء, قال ذو الرمة: [الرجز] وفتيةٍ مثل النشاوى غيد ... قد استحلوا قسمة السجود والمسح بالأيدي على الصعيد وأصل الفسق: خروج الشيء من مكانه ومحله, ويقال: فسق السيف إذا خرج من الغمد, وفسق الرطب إذا خرج من قشره, وفسق الصبح إذا ظهر من تحت الليل, ومنه اشتقاق الفاسق من بني آدم؛ لأنه يخرج عن الشرع. وقوله: أديب إذا ما جس أوتار مزهرٍ ... بلا كل سمعٍ عن سواها بعائق وصف هذا الأغيد بأنه مغن, والمزهر: العود, ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لأنه كثير النقوش, فكأن نقشه الزهر, ونعته بالأدب؛ لأنه ادعى له العلم بأخبار الناس لما قال: يحدث عما بين عادٍ وبينه ... وصدغاه في خدي غلامٍ مراهق

стр. 788

أي: هو حديث السن, وعلمه واسع, ومعرفته بسيطة, وتلك من مبالغات الشعراء التي تخرج إلى الكذب. وقوله: وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق هذا بيت قد جمع فيه بين صدقٍ وجودةٍ وسلامة لفظٍ, فقد فضل ما قبله من الأبيات, والبيت الذي بعده, وهو قوله: وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق هذا البيت قد ضعف بالتصريع ضعفًا بينًا, وهو كالمنقطع من معنى ما قبله, ولم تجر عادة أبي الطيب بالتصريع في غير الأوائل؛ فأما العرب فمنهم من يصرع في أول القصيدة, ومنهم من يبتدئها على غير تصريعٍ, فمما لم يصرع قول الأفوه: [الرمل] إن ترى رأسي فيه نزع ... وشواتي خلة فيها دوار وديوانه في الرواية اليمانية أربع قصائدة وقطعة, وكلها غير مصرعٍ, ومن ذلك قوله: (١٢٢/أ) [السريع] إما تري رأسي أزرى به ... مأس زمانٍ انتكاسٍ مؤوس وقوله: [البسيط] فينا معاشر لم يبنوا لقومهم ... وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا وقوله: [الكامل] أضحت فريعة قد تغير بشرها ... وتجهمت بتحية القوم العدى

стр. 789

وقوله: [الرمل] أيها الساعي على آثارنا ... نحن من لست بسعاءٍ معه ومن العرب من صرع في أول القصيدة, وفي غيره, ومنهم امرؤ القيس؛ لأنه قال: [الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل وقال فيها: [الطويل] أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل وقال: [الطويل] أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل وقال: [الطويل] ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي وهم يجيئون بذلك إذا خرجوا من وصفٍ إلى وصفٍ, والرواة تنشد قول امرئ القيس: [المتقارب] لا وأبيك ابنة العامري ... ي لا يدعي القوم أني أفر فجعله أول القصيدة, وفيها ثلاثة أبيات كلها مصرع, وهي قوله: تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضرك لو تنتظر أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر وشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر وبعض الرواة يروي هذه القصيدة لرجلٍ من النمر بن قاسطٍ, وينشد في أولها: [المتقارب] أحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر

стр. 790

ويقال: إن اسم الرجل ربيعة بن جشم. وقد ترك أبو زبيدٍ الطائي التصريع في أول القصيدة, فقال: [الخفيف] لمن العيس لابن أروى على طهـ ... ـر المرورى حداتهن عجال وصرع في آخر القصيدة, فقال: [الخفيف] كل شيءٍ تحتال فيه الرجال ... غير أن ليس في المنايا احتيال والمتقدمون يجعلون التصريع جنسًا واحدًا فيما أصله اعتدال النصفين, وما اختلف نصفاه فبعض المتأخرين يجعل ما أصله اعتدال النصفين إذا رددت فيه القافية مقفى, كقول طرفة: [الطويل] لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقول زهير: [الطويل] أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم ويجعل ما اختلف نصفاه إذا كررت فيه القافية مصرعًا, كقول امرئ القيس: [الطويل] ألا انعم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي وقوله: وجائزة دعوى المحبة والهوى ... وإن كان لا يخفى كلام المنافق المراد أن عادة بني آدم أن يظهروا المودة, وفي النفوس غيرها, إلا أن ذلك جائز؛ لأن العادة

стр. 791

جرت به, وادعى أن كلام المنافق ليس بخافٍ؛ وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات, ورب منافقٍ اتخذه الغر صفيًا, وحسب أن الصديق المخلص. وقوله: برأي من انقادت عقيل إلى الردى ... وإشمات مخلوقٍ وإسخاط خالق لما ذكر كلام المنافق جاز أن يصل به هذا البيت؛ لأنه جعل الذين ذكروا فيه من المنافقين, وذم من أشار عليهم بذلك. وقوله: أرادوا عليا بالذي يعجز الورى ... ويوسع قتل الجحفل المتضايق الجحفل: الجيش العظيم, وقال قوم: إنما قيل له: جحفل لأن فيه خيلًا كثيرةً, والجحفلة من الفرس كالشفة من الإنسان, وقد يجوز هذا الوجه, إلا أنهم قد اتسعوا في هذه اللفظة حتى وصفوا الرجل بالجحفل؛ أي: إنه يقوم مقام الجيش, قال أوس بن حجرٍ: [الطويل] عبيد ذوي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبدًا سيد الأمر جحفلا وقوله: ولما سقى الغيث الذي كفروا به ... سقى غيره في غير تلك البوارق يعني بكعبٍ أبا عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. والمعنى: أنه سقاهم غيثًا فأمطرهم به, وكفروا نعمه عندهم, فلما فعلوا ذلك سقاهم غيثًا هو ضد ذلك الأول؛ لأن الغيث الأول محيءٍ, والغيث الآخر مهلك مميت. وبروق الغيث المتقدم كانت البروق الدالة على المطر, وبروق الغيث المتأخر هي السيوف, وما بين الشكلين متباعد. وقوله: أتاهم بها حشو العجاجة والقنا ... سنابكها تحشو بطون الحمالق

стр. 792

واحد الحمالق: حملاق وقد حكي بالضم, والكسر أجود. والأحسن فيما ثبتت الألف قبل آخر حرفٍ فيه أو الواو أو الياء أن تجيء الياء في جمعه, فيقال: حملاق وحماليق, وعصفور وعصافير, وقنديل وقناديل, إلا أنهم تهاونوا بهذه الياء؛ لأنها زائدة, ولأنها في اسمٍ طال, فقالوا: مصابح في جمع مصباحٍ. قال الشاعر: [الطويل] فقد أدخل البيت المحجب تحته ... فتاة كأن الحلي منها المصابح أراد: المصابيح, وقالوا: مسمار, ومسامر, قال قيس بن الخطيم: [الطويل] فلا تجعلوا حرباتكم في صدوركم ... كما شد في عرض الرتاج المسامر وقوله: (١٢٢/ب) عوابس حلى يابس الماء حزمها ... فهن على أوساطها كالمناطق يعني بيابس الماء: العرق, وعرق الخيل يوصف بالبياض, فأما قول بشر بن أبي خازمٍ: [الوافر] تراها من يبيس الماء شهبًا ... مخالط درةٍ منها غرار فإنه عنى بيبيس الماء: الصقيع الذي يقع بالليل. وبيت أبي الطيب في غاية الصنعة؛ لأنه جعل حزم الخيل كالمناطق لها, وجعل العرق محليًا لها, وهو أبيض, فكأن الحزق مناطق حلبت بفضةٍ. وقوله: فليت أبا الهيجا يرى خلف تدمرٍ ... طوال العوالي في طوال السمالق السمالق: جمع سملقٍ, وهي الأرض البعيدة الواسعة. قال الأعشى: [الطويل] وإن امرأً أسرى إليك ودونه ... من الأرض أعلام وبيداء سملق لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفق

стр. 793

وأبو الهيجاء: هو عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة, تمنى له أن يكون حيًا فيرى ما فعل ولده بهذه القبائل وغلبه إياها. وقوله: قشير وبلعجلان فيها خفية ... كراءين في ألفاظ ألثغ ناطق البصريون يخفضون بلعجلان, وكذلك يوجب القياس, إلا أن المراد بنو العجلان, فحذفت النون, كما حذفت نون من في قول الشاعر: [المنسرح] أبلغ أبا دختنوس مألكةً ... غير الذي قد يقال ملكذب ويقال: إن أهل الكوفة يجيزون رفع العجلان في مثل هذا الموضع, يجعلونه مع ما قبله كالشيء الواحد, والراءان إذا اجتمعتا في ألفاظ من يلثغ بالراء كانتا خفيتين. وقوله: تخليهم النسوان غير فواركٍ ... وهم خلوا النسوان غير طوالق يقال: امرأة فارك إذا أبغضت زوجها, قال ذو الرمة: [الطويل] إذا الليل عن نشزٍ تجلى رمينه ... بأمثال أبصار النساء الفوارك ويقال: فركت المرأة زوجها إذا لم ترضه, وصلف الرجل امرأته إذا لم تحظ عنده, قال الشاعر: [الوافر] وقد خبرت أنك تفركيني ... وأصلفك الغداة ولا أبالي وقد جاء الفارك في صفات الرجل شاذًا, قال الراجز: [الرجز] إن العجوز فارك ضجيعها ... تنهل من غير أسى دموعها والمعنى أن نساءهم فارقنهم وهن رواغب فيهم. وخلوهن غير طوالق؛ لأنهم لم يزهدوا في صحبتهن, وهذا المعنى متردد في الشعر القديم, قال الشاعر: [الطويل]

стр. 794

وأرملةٍ تسعى بنعلين طلقت ... وأرماحنا آذنها بطلاق يريد أنهم فرقوا بينها وبين زوجها فكأن أرماحهم حكمت عليها بطلاقٍ. وقال آخر: [الطويل] وكلبيةٍ قط طلقتها رماحنا ... تلفت كالصيداء أودى جنينها وقوله: أتى الظعن حتى ما يطير رشاشه ... من الخيل إلا في نحور العواتق يقال: ظعن وظعن, بضم الظاء وفتحها؛ فإذا قيل: ظعن فهو جمع ظعينةٍ, مثل: سفينةٍ وسفنٍ, وإذا قيل للنساء الظاعنات: ظعن, فهو مصدر نعت به, والمعنى: ذوات ظعنٍ, كما يقال: نسوة زور؛ أي ذوات زيارةٍ, قال الراجز: [الرجز] كأنهن فتيات زور ... أو بقرات بينهن ثور والهاء في رشاشه عائدة على الظعن, ورشاشه ما تطاير منه, شبه برشاش المطر, وهذا نحو قوله في الأخرى: ظعائن طال ما سارت هوادجها ... منيعةً بين مطعونٍ ومضروب وهذا, وإن شابه المعنى الأول, فهو ضد له, لأن الأول ذم, وهذا مدح. والعاتق: جمع عاتقٍ وهي الجارية قد آن أن تزوج, شبهت بالفرخ العاتق الذي قد نبت ريشه, وآن له أن يطير, وقيل: العاتق: التي تقيم في بيت أبيها بعد بلوغها, أخذت من عتق الشيء إذا تقدم, قال أوس بن حجرٍ: [الطويل] علي ألية عتقت قديمًا ... فليس لها وإن سلفت غرام وقوله: بكل فلاةٍ تنكر الإنس أرضها ... ظعائن حمر الحلي حمر الأيانق

стр. 795

هذا مثل قوله: حمر الحلى والمطايا والجلابيب وأيانق: جمع؛ لأنهم قالوا: ناقة وأنوق, فكان الواجب أن يقولوا: أناوق فمالوا إلى الياء؛ لأنها أخف, وقال قوم: قلبوا أنوقًا فقالوا: أنقٍ؛ لأن الواو وقعت طرفًا وكان الأصل (أنقو) فقلبت إلى الياء, كما قالوا في جمع دلو: أدلٍ, والأصل أدلو, ثم قدموا الياء التي في آخر الكلمة إلى أولها فجعلوها بعد الهمزة؛ فوزن (١٢٣/أ) أيانق على هذا القياس: أعافل. وظعائن: مرفوعة بالابتداء على رأي البصريين, والخبر مقدم, كأنه قال: ظعائن في كل أرضٍ, ومذهب سعيد بن مسعدة أن ظعائن مرفوع بفعل مضمرٍ؛ لأنه كذلك يقول في مثل قولهم: عندك رجل, فالمعنى: عندك حل رجل أو استقر أو نحو ذلك, والكوفيون يسمون هذا الفن خبر الصفة؛ لأنهم يسمون حروف الخفض الصفات. وقوله: وملمومة سيفية ربعية ... تصيح الحصى فيها صياح اللقالق ملمومة: أي: كتيبة قد لم بعضها إلى بعض, وسيفية: نسبها إلى سيف الدولة, وربعية منسبوبة إلى ربيعة الفرس, وسيف الدولة من تغلب ابنة وائلٍ, وهي ترجع إلى ربيعة. واللقالق: جمع لقلقٍ, وهو طائر. وقيل: إنه الذي يقال له: أبو حديجٍ. واللقلقة: كل صوتٍ رفع. وفي الحديث: «من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي». يعني باللقلق اللسان, وبالقبقب البطن, وبالذبذب الفرج, وقيل: إن أعرابية قالت لبعلها: [مجزوء الرجز] يا حبذا ذباذبك ... إذ الشباب غالبك

стр. 796

فقال: يا حبذا مقرنفطك ... إذ أنا لا أفرطك والمقرنفط: المجتمع المتقبض. وقوله: بعيدة أطراف القنا من أصوله ... قريبة بين البيض غبر اليلامق اليلامق: جمع يلمقٍ, وأصله فارسي معرب, وهو القباء المحشو, وقيل: أصله بالفارسية يلمه, وقد استعملته العرب, قال جرير: [الكامل] سائل بني بكرٍ إذا لاقيتهم ... والأسد إذ ندبوا لنا مسعودا فأتاهم عشرون ألف مدججٍ ... متسربلين يلامقًا وسرودا وقوله: قريبة بين البيض: يعني بيضة الحديد أي: الفوارس تتقارب رؤوسهم لعظم الكتيبة وضيق ما تسلك فيه, وإن كان فضاءً رحبًا. ووصف القنا بالطول وتباعد أطرافه من أسافله؛ لأن الفارس إذا طالت قناته كان حملها أصعب من حمل ما قصر من الرماح, وهم يفتخرون بالرمح الطويل, قال الشاعر: [الوافر] لعمرك ما رماح بني قشيرٍ ... بطائشة الصدور ولا قصار والأجود خفض بين بإضافة قريبة إليه, ويجوز النصب على تقدير ما, والآية تقرأ على وجهين: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ , بالرفع, و «بينكم» بالنصب, فإذانصبت فهي ظرف, ويجب أن يكون ما على هذا الوجه نكرةً كثر استعمالهم في هذا الموضع. وهذا البيت ينشد رفعًا ونصبًا: [الطويل] يديرونني عن سالمٍ وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم

стр. 797

وإنما قيل لبيضة الحديد: بيضة؛ لأنها شبهت ببيضة النعامة, قال أوس بن حجرٍ: [الطويل] كأن نعام السي باض عليهم ... وقد جعجعوا بين الإناخة والحبس وقال النابغة: [الوافر] فصبحهم بها صهباء صرفًا ... كأن رؤوسهم بيض النعام وقوله: نهاها وأعناها عن النهب جوده ... فما تبتغي إلا حماة الحقائق الحقائق: جمع حقيقةٍ, وهي ما يحق على الرجل أن يحميه من الأشياء, وقال قوم: الحقائق: جمع حقيقةٍ, وهي الراية؛ لأنها إذا لم تحم فالجيش هزيم. وفي هذا شبه من قول عنترة: [الكامل] يخبرك من شهد الوقائع أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم إلا أن العبسي وصف نفسه بالقتال, ونزهها عن الرغبة في الغنيمة, وأبو الطيب لم يصف الجنود بالعفة عن المغنم, وإنما ذكر أن صاحب الجيش أغناهم بالجود عن النهاب. وقوله: توهمها الأعراب سورة مترفٍ ... تذكره البيداء ظل السرادق السورة: الوثبة. والمترف: المتنعم. أراد أنهم ظنوا أن سيف الدولة إذا سار في البيداء, وظهر للشمس تذكر ظل السرادق, والسرادق: ما حول الفسطاط, ويقال لما حول البناء: سرادق. وليس أصله بعربي, وقد يقال للغبار: سرادق, وإذا قيل للغبار ذلك جاز أن يجعل السرادق الدخان في قوله تعالى: ﴿أحاط بهم سرادقها﴾ ومن أبيات المعاني: [الطويل] ولما ركبنا صعبها وذلولها ... إلى أن توارت تحت ظل السرادق رمتنا بفلذٍ من سرارة قلبها ... فطفنا به من بين حاسٍ وذائق

стр. 798

توارت: يعني الشمس, وذكروا أن السرادق هاهنا: الغبار. والهاء في صعبها وذلولها (١٢٣/ب) راجعة على أرض سلكوها. وعنى بالفلذ شيئًا من ماءٍ قليلًا. والسرارة أكرم موضعٍ في الوادي, فطافوا بهذا الماء القليل؛ فمنهم من حسا حسوةً, ومنهم من لم يصل إلى الحسوة فذاقه باللسان. وقوله: فذكرتهم بالماء ساعة غبرت ... سماوة كلبٍ في أنوف الحزائق يعني أنه ذكر البادية بالماء؛ وذلك أنه طردهم حتى حصلوا بالسماوة, وهي قليلة الماء فاشتد بهم الظمأ. والحزائق: جمع حزيقةٍ, وهي الجماعة من الناس. وقوله: وكانوا يروعون الملوك بأن بدوا ... وأن نبتت في الماء نبت الغلافق الغلافق: جمع غلفقٍ, وربما عبروا عنه بأنه الطحلب, وقيل: الغلفق: ما سقط في الماء من ورق الشجر, ومنه قول أبي كبيرٍ الهذلي: [الكامل] فصدت عنه ظامئًا وتركته ... يهتز غلفقه كأن لم يكشف وقوله: فهاجوك أهدى في الفلا من نجومه ... وأبدى بيوتًا من أداحي النقانق هاجوك: أي: حملوك على أن طردتهم, فوجدوك أهدى في الفلا من النجوم؛ لأن الذين يسرون بالليل إنما يهتدون بالنجم في المفاوز البعيدة, ويذكرون الهداية بالفرقد والجدي وسهيلٍ وغيرهن من النجوم, قال الراجز: [الرجز] قلت له والجدي تحت الفرقد ... إنك إن لم تزجها بالفدفد لا ترد الأمواه إلا من غد وقال آخر: [الرجز]

стр. 799

لوح خليك الأداوى والنجم ... وطول تخويد المطي والسعم أراد أنهم يهتدون بالنجم فقد غير جسومهم ذلك. والسعم: ضرب من سير الإبل, وهذا الرجز ينشد على وجهين: منهم من يسكن الجيم في النجم, والعين في السعم, ومنهم من يحرك الحرفين. وأبدى: أفعل من قولهم: بدا القوم إذا صاروا باديةً, والأداحي: جمع أدحي, وهو حيث يبيض النعام. وإذا كانت هذه الياء مشددةً في الجمع كقولك: أمنية وأماني, وأوقية وأواقي, ولا اختلاف في أن التخفيف جائز في الشعر, قال مالك بن الريب: [الطويل] فيا زيد عللنا بمن يسكن الغضا ... وإن لم يكن يا زيد إلا أمانيا ويقال: إن يزيد بن القعقاع قرأ: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ , بتخفيف الياء, قال كثير: [الطويل] فمازلت أبغي الظعن حتى كأنهم ... أواقي سدى تغتالهن الحوائك فخفف ياء الأواقي. والبصريون يروون بيت زهير بتخفيف ياء الأثافي: [الطويل] أثافي سفعًا في معرس مرجلٍ ... ونؤيًا كجذم الحوض لم يتثلم والكوفيون يروونها بالتشديد. وبيت عدي بن زيدٍ ينشد على وجهين: [الخفيف] لم يعبه إلا الأداحي وقد وبـ ... بر بعض الرئال في الأفلاق ومنهم من يروى: إلا الأداحي قد وبر. والنقانق: جمع نقنقٍ ونقنقةٍ, وهو الظليم, والنعامة, وإنما قيل لهما ذلك؛ لأن النقنقة من أصواتهما. ولا يبيض النعام إلا في بلد بعيدٍ من الأنيس؛ فجعل بيوت هذا الممدوح أبدى من أداحي النعام, التي تختار لبيضعها ورئالها ما أقفر من البلاد.

стр. 800

وقوله: وأصبر عن أمواهه من ضبابه ... وآلف منها مقلةً للودائق الضب: يوصف بأنه لا يشرب الماء. ومما تذكره العرب على معنى الأمثال أنهم يقولون: «قال النون للضب: رد, فقال الضب: [مجزوء الرجز] أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا إلا عرادًا عردا ... وصليانًا بردا وعنكثًا ملتبدا» الصرد: البارد, والعراد: ضرب من الحمض, والصليان نبت تأكله الإبل وحمير الوحش. ومن أمثالهم في اليمين يحلفها الرجل مسارعًا: «جذها جذ العير الصليانة» والعنكث: قيل: هو عروق نبتٍ؛ ولذلك وصفوا الضب بأنه يألف قفار الأرض إذ كان غنيًا عن الماء, وحكى بعض من يصيد الضباب أنهم يجدون في بطن الضب شيئًا على نحو الشكية لا يزال فيه شيء مثل الماء, وقال الشاعر: [البسيط] وليس يألف شكلي شكلها أبدًا ... حتى يؤلف بين الضب والحوت الحوت في اللجة الخضراء مسكنه ... والضب يسكن في البيد الأماليت (٢٤/أ) والودائق: جمع وديقةٍ, وهي حين تدنو الشمس من الأرض, يقال: ودق الشيء من الشيء إذا دنا, قال ذو الرمة: [البسيط] كانت إذا ودقت أمثالهن لها ... فبعضهن عن الألاف مشتعب ويجوز أن يكون سمي المطر ودقًا؛ لأن قطره يدنو من الأرض؛ لأن الاشتقاق يدل على ذلك.

стр. 801

وقوله: وكان هديرًا من فحولٍ تركتها ... مهلبة الأذناب خرس الشقاشق قوله: وكان هديرًا؛ أي: كان العصيان الذي أجروا إليه هديرًا من فحول إبلٍ. والفحل إنما يهدر إذا صال أو أراد الصيال, ومن شأنه إذا هم بذلك أن يرفع ذنبه ويظهر شقشقته. فهذا الممدوح قد جعل الأذناب مهلبةً؛ أي: قد أخذ هلب أذنابها, وهو شعرها, وأخرس شقاشقها, والشقاشق: جمع شقشقةٍ, وهي شيء يخرجه البعير العربي من فمه, قال الراجز: [الرجز] وهو إذا جرجر بعد الهب ... جرجر في شقشقةٍ كالحب وهامةٍ كالمرجل المنكب وقال الآخر: [الرجز] أرسل فيها قطمًا لم يقفر ... يخرج بين مشفرٍ ومشفر شقشقةً مثل الجراب الأوفر ... في جنبها وهي كعين الأعور وقوله: فما حرموا بالركض خيلك راحةً ... ولكن كفاها البر قطع الشواهق يقول: هؤلاء القوم لم يحرموا بالركض خيلك راحةً؛ لأنك ركضتها في السهول, وكنت إذا غزوت الروم ركضتها في الجبال الشاهقة, وركضها فيما سهل من الأرض أقل مشقةً من ذلك, ويقال: جبل شاهق؛ أي مرتفع في السماء, ومنه شهيق الإنسان؛ لأنه نفس متعالٍ. وقوله: ولاشغلوا صم القنا بقلوبهم ... عن الذكر لكن عن قلوب الدماسق الدماسق: جمع دمستقٍ, وقد مضى القول: إنه لا مثال له في العربية, ولما قال النحويون في تصغير فرزدقٍ: فريزد, وأجازوا فريزقًا بحذف الدال, واحتجوا بأن حذفها حسن؛ لأن الدال

стр. 802

تشبه التاء, والتاء من حروف الزوائد, كان حذف التاء في دمستقٍ واجبًا لا يجوز غيره. وقوله: ألم يحذروا مسخ الذي يمسخ العدى ... ويجعل أيدي الأسد أيدي الخرانق يقول: ألم يخش هؤلاء العرب مسخ هذا الممدوح؛ الذي إذا حارب مسخ الأسد خرانق, وهي جمع خرنقٍ, وهي الصغيرة من أولاد الأرانب. والأرنب توصف بلين المس, وفي كلام بعض النساء المذكورات في حديث أم زرعٍ: [الرجز] المس مس أرنب ... والريح ريح زرنب أغلبه والناس يغب تصف زوجها بذلك. والزرنب: طيب من طيب البادية, وينشد لأعرابي يخاطب ابنه: [الرجز] يا بأبي أنت وفوك الأشنب ... كأنما ذر عليه زرنب أو زنجبيل عاتق مطيب وسكن أبو الطيب ياء أيدي في موضعين, وذلك جائز في الضرورة, وقلما يجتمع تسكين هذه الياء مرتين في بيتٍ واحدٍ, قال الراجز: [الرجز] كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي جوارٍ يتعاطين الورق يريد أن هؤلاء الجواري بنات قومٍ أغنياء, فهن يلعبن بالفضة وأيديهن مخضبات؛ يريد أن أيدي العيس قد دميت من السير فشبه أيديها بأيدي جوارٍ مختضباتٍ. وقوله: تعود ألا تقضم الحب خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق زعم أن هذا الممدوح لا تقضم خيله الحب؛ أي: الشعير - والقضم أكل الشيء اليابس -

стр. 803

إلا أن ترفع الهام جنوب العلائق: جمع عليقةٍ وعليقٍ, وهو ما يعلق على الفرس من العلف. وذكر أنه يجعل الهام كالمعالف؛ لأن المعالف يكون فوقه عليق الفرس. ويجوز: يرفع وترفع, وقد مضى القول في الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء, وأن تذكيره وتأنيثه جائزان, وفي التنزيل: ﴿أعجاز نخلٍ خاويةٍ﴾ , ﴿أعجاز نخلٍ منقعرٍ﴾. وقوله: ولا ترد الغدران إلا وماؤها ... من الدم كالريحن تحت الشقائق الماء يوصف بالسواد, ومن أسمائه: سويد, وبالزرقة. وإنما يوصف بالخضرة ماء البحر, فيقال: البحر الأخضر. والناس يخصون بالريحان ضربًا من النبت, وهو معروف؛ فأما أهل العلم فيجيزون أن يقع الريحان على كل نبتٍ طيب الرائحة, حتى اجازوا أني قال لولد الرجل: ريحان, وكذلك لامرأته, والحسن والحسين - صلى الله عليهما - ريحانتا رسول الله ﷺ . وفي كلام لخالد بن صفوان, يقوله للسفاح: عندك ريحانة من ريحان بني مخزومٍ, يعني امرأته. وينبغي أنيحمل بيت أبي الطيب على أنه أراد بالريحان أزهارًا بيضًا تشابه الماء في بعض الأحوال. وقد يجوز أن يقال للورد (١٢٤/ب) الأبيض: ريحان. وقوله: لوفد نميرٍ كان أرشد منهم ... وقد طردوا الأظعان طرد الوسائق

стр. 804

يعني بالأظعان: النساء في الهوادج, والوسائق: جمع وسيقةٍ, وهي الطريدة, قال عوف ابن الأحوص: [الوافر] ألم أظلف عن الشعراء عرضي ... كما ظلف الوسيقة بالكراع الوسيقة: ما طرد, ويقال: إن الطريد من الوحش يختار السلوك في الغلظ من الأرض لئلا يؤخذ أثره. وأصل الظعينة: الهودج, وبه سميت المرأة ظعينةً لركوبها فيه. وقد سمى طفيل الغنوي سرير الميت ظعنًا, فقال: [البسيط] حتى يقال وقد عوليت في ظعنٍ ... أين ابن عوفٍ أبو قران مجعول وقوله: تصيب المجانيق العظام بكفه ... دقائق قد أعيت قسي البنادق المجانيق: جمع منجنيقٍ, قال جرير في استعمال العرب المنجنيق: [البسيط] يلقى الزلازل أقوام دلفت لهم ... بالمنجنيق وصكًا بالملاطيس وعند قوم أن ميم منجنيق أصلية, وأن نونها زائدة, يدل على زيادتها حذفها في الجمع, والقياس لا يمنع أن تكون الميم زائدةً؛ لأنك إذا حذفت النون رجع الأصل إلى مجنقٍ, والميم كثيرة الزيادة في مفعلٍ حتى أوجب ذلك أن يحكم عليها بالزيادة كما يحكم على همزة أفعل, وقد روي في بعض كلام العرب ما يدل على أن الميم زائدة؛ لأن بعضهم قال: «كانت بيننا حروب عون, تفقأ فيها العيون, تجنق تارةً, وترشق أخرى». ووصف الشاعر الممدوح بأنه لطيف الحيلة يصيب بحجر المنجنيق, للطف رأيه, ما لا تصيبه

стр. 805

البندقة التي تخرج من قوس البندق, وإنما سميت قوس البندق؛ لأن ما يرمى عنها في مقدار البندق من الثمر, وهو كلمة لا أصل لها في العربية, ولم ينطقوا بالبدق فيحكم على أن النون زائدة. وحكى ابن سعدٍ, رواية أبي الطيب, أنه سئل عن أي القصيدتين أفضل: أهذه أم التي على الراء, وهي قوله في هذه الوقعة: [الوافر] طوال قنًا تطاعنها قصار ... ...................... فقال - يعني القافية -: هذه اختياري, وتلك اختيار سيف الدولة. وقافية هذه القصيدة من المتدارك, وهو حرفان متحركات بعدهما ساكن, كأنه رقي, من بارق, والقافية على رأي الخليل في هذا البيت, وفي القصيدة كلها من آخر ساكن في البيت إلى أول ساكنٍ يليه مع المتحرك قبل الساكن؛ فالقافية عنده: بارقي, وابقي, من السوابق؛ مرةً تكون الكلمة تامةً, ومرةً منقطعةً, وعند سعيد بن مسعدة أن القافية الكلمة بأسرها. ومن التي أولها أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقةً في المآقي وزنها من أول الخفيف. والعشاق: جمع عاشقٍ, وقال بعضهم: اشتقاق العاشق من العشقة, وهي نبت يصفر فشبهوا العاشق بها لصفرته. والمآقي: جمع مأقٍ على مثال مأوٍ, وهو على ذا القول مفعل, وقد مر ذكره. وقوله: كيف ترثي التي ترى كل جفنٍ ... راءها غير جفنها غير راق يقال: رأى وراء على القلب, كما قالوا: ناء ونأى إذا بعد, قال الشاعر: [الوافر] عليل راء رؤيا فهو يهذي ... بما قد راء منها في المنام ووزن رأى: فعل, ووزن راء في الأصل: فلع, والموجود منه فلع؛ لأن همزة رأى عين,

стр. 806

وكثر استعمال رأى في الكلام حتى قالوا: أريت يا رجل؟ وهم يريدون همزة الاستفهام, قال الشاعر: [الخفيف] صاح هل ريت أو سمعت براعٍ ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب وقالوا: را, فجاؤوا بها على حرفين, وزنهما فل؛ لأنها فاء الفعل ولامه, قال الشاعر: [الوافر] ومن را مثل معدان بن ليلى ... إذا ما النسع جال على المطيه وقالت هند بنة عتبة: [مجزوء الكامل] من عاين الأخوين كالـ ... ـغصنين أم من راهما وأصل رقأ الدم الهمز, ولزمه تخفيفه في هذا البيت, وإذا كان التخفيف والحذف في القافية فهو أحسن منه في حشو البيت؛ لأن القوافي مواضع الحذف؛ ألا ترى أنهم يخففون المشدد في القوافي المقيدة ولا يتهيبون ذلك, وهو كثير جدًا, وتخفيفه على ثلاثة (١٢٥/أ) أضربٍ: منه ما يحدف منه حرف متحرك لا غير, كما قال الشاعر: [الرمل] سألتني جارتي عن أمتي ... وكذا من عي بالأمر سأل سألتني عن أناسٍ هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل أنشد الناس ولا أنشدهم ... إنما ينشد من كان أضل فهذا حذف لام أضل الآخرة. ومنه ما يحذف منه حرف متحرك وتنوين, كقول امرئ القيس: [المتقارب]

стр. 807

إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر ومنه ما يحذف منه حرف متحرك وياء, كقول لبيدٍ: [الرمل] يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل أراد المصلي. وقد جاء حذف رابع هو أشد من هذه الضروب, وهو أن يحذف المتحرك وألف بعده, كما قال: [الرمل] وقبيل من لكيزٍ حاضر ... رهط مرجومٍ ورهط ابن المعل وقال جرير في همز رقأ الدمع: [الطويل] بكى دوبل لا أرقأ الله دمعه ... ألا إنما يبكي من الذل دوبل وإنما سهل عليهم التخفيف أنهم يقفون على آخر الكلمة فيسكنونه, فإذا كان ما قبل الهمزة مفتوحًا جعلوها ألفًا, فقالوا في رقأ: رقا, وإذا كان ما قبلها مكسورًا جعلوها ياءً, فقالوا في يرقئ, يرقي, وفي راقئٍ: راقٍ. والمعنى أن هذه المرأة ترى كل جفنٍ رآها باكيًا غير جفنها فهي لا ترثي لأحدٍ. وقوله: أنت منا فتنت نفسك لكنـ ... نك عوفيت من ضنى واشتياق قوله: أنت منا؛ أي: أنت عاشقة نفسك, فقد ساويت غيرك في محبتك؛ إلا أنك معافاة من ضنى المحبين, وشوقهم إليك, وفتنت نفسك؛ أي: أحللت بها فتنةً, وأصل الفتن: قلب الشيء عما هو عليه.

стр. 808

وقوله: لو عدا عنك غير هجرك بعد ... لأرار الرسيم مخ المناقي يقال: مخ رار ورير ورير, وهو مخ الهزيل, ويدعى على الرجل فيقال: أرار الله مخه؛ أي: أذابه. قال الشاعر يخاطب ناقةً: [الوافر] أرار الله مخك في السلامى ... على من بالحنين تعولينا والسلامى: عظام الرجل, وآخر ما يبقى المخ في السلامى, وفي العين. قال الراجز: [السريع] لا يشتكين عملًا ما أنقين ... مادام مخ في سلامى أو عين والمعنى: لو أن الذي يبعدك منا شيء غير الهجر؛ يعني الأرض البعيدة؛ لأعملنا العيس إليك حتى يصير السير مخها ريرًا. والمناقي: جمع منقيةٍ, وهي السمينة, وربما قالوا: المنقية ذات النقي وهو المخ, والمعنى متقارب؛ لأن السمين لا يعدم نقيًا, والمنقي لا يعدم سمنًا. وقوله: ولسرنا ولو وصلنا عليها ... مثل أنفاسنا على الأرماق فهذا معنى يجوز أن يكون قائله لم يسبق إليه. والرمق: بقية النفس. يقول: لو أن المسير إليك ينفعنا عندك لسرنا ونحن على ظهور إبلنا, ولو صرنا كالأنفاس على الأرماق. والنفس يصعب إذا كان الإنسان في الرمق. وقوله: ما بنا من هوى العيون اللواتي ... لون أشفارهن لون الحداق الحداق: جمع حدقةٍ, وإنما قيل لها: حدقة؛ لأن ما حولها يحدق بها, يقال: حدقوا بالرجل, وأحدقوا إذا أطافوا به, قال الشاعر: [الوافر] ولما أحدقوا بي واستكفوا ... وإن ناديت ثم فلن أجابا

стр. 809

وقال الأخطل: [البسيط] المنعمون بنو حربٍ وقد حدقت ... بي المنية واستبطأت أنصاري هذا استفهام معناه معنى التعجب, كأنه قال: أي شيء بنا من هوى العيون, أي ما أعظمه وأكثره! ولو أنه استفهام خالص لبطل المعنى المقصود؛ لأن الإنسان لا يستفهم عما هو به عارف, ولو كانت (ما) في معنى الذي لكان المعنى صحيحًا, ولم يكن في البيت مبالغة. والأشفار: جمع شفرٍ, وهو الذي عليه هدب الأجفان, وكأن شفر الشيء آخره وطرفه, ومن ذلك قولهم: شفرة السيف؛ لأنها منتهى صفحه, وهو على شفيرٍ؛ أي: على آخر مكانٍ عالٍ, والمراد: أن هذه العيون أشفارها سود كسواد حداقها. وقوله: قصرت مدة الليالي المواضي ... فأطالت بها الليالي البواقي يقول: كانت ليالينا في زمان قربها قصارًا, فلما كان البعد طالت الليالي التي كانت في قربها قصيرةً, وهذا معنى كثير التردد (١٢٥/ب) , إلا أن لفظ أبي الطيب له مزية على سواه, وليس بخافٍ أن بيت أبي الطيب أشرف من قول الآخر: [السريع] ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير وفي قصرت ضمير يعود إلى الموصوفة, وكذلك في قوله: أطالت. وقوله: كاثرت نائل الأمير من الما ... ل بما نولت من الإيراق الإيراق: هاهنا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من قولهم: أورق الصائد إذا لم يصد شيئًا, وأورق طالب الحاجة إذا

стр. 810

لم يصل إليها, وأصل ذلك أن الصائد إذا خاب جمع ورق شجرٍ في مخلاته كأنه يريده لبهيمةٍ يملكها أو لغير ذلك مما يحتاج إليه بنو آدم. فيكون المعنى أن هذه المذكورة كاثرت نائل الأمير بضده؛ لأنه جواد, وهي بخيلة, فعطاؤه يعم وعطاؤها لا يوصل إليه. والآخر أن يكون من قولهم: أرق الرجل وأرقه غيره إذا أسهره؛ فيكون المعنى أن إيراقها للناس؛ أي: منعها إياهم من النوم كثير جدًا تكاثر به نائل الأمير, وكلا الوجهين حسن. وقوله: طاعن الطعنة التي تطعن الفيـ ... ـلق بالذعر والدم المهراق الأجود تحريك الهاء في المهراق. يقال: أرقت الماء وهرقته, والأصل الهمز فأبدلوا من الهمزة هاءً لقتارب المجريين, قال امرؤ القيس: [الطويل] وإن شفائي عبرة مهراقة ووزن مهراقٍ مهفعل في الأصل وموجوده مهفعل, والذين قالوا: مهراق, بسكون الهاء, يزعم النحويون أنهم جعلوا الهاء عوضًا من اعتلال العين, وقالوا للفاعل: مهريق, قال الشاعر, وهو العديل بن الفرخ العجلي: [الطويل] فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آلٍ فوق رابيةٍ صلد والمعنى: أن هذا المذكور يطعن الطعنة فتهول من يراها لسعتها وما تهريقه من الدم, وهذا الغرض يشاكه غرضه في قوله: [الخفيف] ما مضوا لم يقاتلوك ولكن ... ن القتال الذي كفاك القتالا
следующие страницы →