← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وكثر استعمال رأى في الكلام حتى قالوا: أريت يا رجل؟ وهم يريدون همزة الاستفهام, قال الشاعر: [الخفيف] صاح هل ريت أو سمعت براعٍ ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب وقالوا: را, فجاؤوا بها على حرفين, وزنهما فل؛ لأنها فاء الفعل ولامه, قال الشاعر: [الوافر] ومن را مثل معدان بن ليلى ... إذا ما النسع جال على المطيه وقالت هند بنة عتبة: [مجزوء الكامل] من عاين الأخوين كالـ ... ـغصنين أم من راهما وأصل رقأ الدم الهمز, ولزمه تخفيفه في هذا البيت, وإذا كان التخفيف والحذف في القافية فهو أحسن منه في حشو البيت؛ لأن القوافي مواضع الحذف؛ ألا ترى أنهم يخففون المشدد في القوافي المقيدة ولا يتهيبون ذلك, وهو كثير جدًا, وتخفيفه على ثلاثة (١٢٥/أ) أضربٍ: منه ما يحدف منه حرف متحرك لا غير, كما قال الشاعر: [الرمل] سألتني جارتي عن أمتي ... وكذا من عي بالأمر سأل سألتني عن أناسٍ هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل أنشد الناس ولا أنشدهم ... إنما ينشد من كان أضل فهذا حذف لام أضل الآخرة. ومنه ما يحذف منه حرف متحرك وتنوين, كقول امرئ القيس: [المتقارب]

стр. 807

إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر ومنه ما يحذف منه حرف متحرك وياء, كقول لبيدٍ: [الرمل] يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل أراد المصلي. وقد جاء حذف رابع هو أشد من هذه الضروب, وهو أن يحذف المتحرك وألف بعده, كما قال: [الرمل] وقبيل من لكيزٍ حاضر ... رهط مرجومٍ ورهط ابن المعل وقال جرير في همز رقأ الدمع: [الطويل] بكى دوبل لا أرقأ الله دمعه ... ألا إنما يبكي من الذل دوبل وإنما سهل عليهم التخفيف أنهم يقفون على آخر الكلمة فيسكنونه, فإذا كان ما قبل الهمزة مفتوحًا جعلوها ألفًا, فقالوا في رقأ: رقا, وإذا كان ما قبلها مكسورًا جعلوها ياءً, فقالوا في يرقئ, يرقي, وفي راقئٍ: راقٍ. والمعنى أن هذه المرأة ترى كل جفنٍ رآها باكيًا غير جفنها فهي لا ترثي لأحدٍ. وقوله: أنت منا فتنت نفسك لكنـ ... نك عوفيت من ضنى واشتياق قوله: أنت منا؛ أي: أنت عاشقة نفسك, فقد ساويت غيرك في محبتك؛ إلا أنك معافاة من ضنى المحبين, وشوقهم إليك, وفتنت نفسك؛ أي: أحللت بها فتنةً, وأصل الفتن: قلب الشيء عما هو عليه.

стр. 808

وقوله: لو عدا عنك غير هجرك بعد ... لأرار الرسيم مخ المناقي يقال: مخ رار ورير ورير, وهو مخ الهزيل, ويدعى على الرجل فيقال: أرار الله مخه؛ أي: أذابه. قال الشاعر يخاطب ناقةً: [الوافر] أرار الله مخك في السلامى ... على من بالحنين تعولينا والسلامى: عظام الرجل, وآخر ما يبقى المخ في السلامى, وفي العين. قال الراجز: [السريع] لا يشتكين عملًا ما أنقين ... مادام مخ في سلامى أو عين والمعنى: لو أن الذي يبعدك منا شيء غير الهجر؛ يعني الأرض البعيدة؛ لأعملنا العيس إليك حتى يصير السير مخها ريرًا. والمناقي: جمع منقيةٍ, وهي السمينة, وربما قالوا: المنقية ذات النقي وهو المخ, والمعنى متقارب؛ لأن السمين لا يعدم نقيًا, والمنقي لا يعدم سمنًا. وقوله: ولسرنا ولو وصلنا عليها ... مثل أنفاسنا على الأرماق فهذا معنى يجوز أن يكون قائله لم يسبق إليه. والرمق: بقية النفس. يقول: لو أن المسير إليك ينفعنا عندك لسرنا ونحن على ظهور إبلنا, ولو صرنا كالأنفاس على الأرماق. والنفس يصعب إذا كان الإنسان في الرمق. وقوله: ما بنا من هوى العيون اللواتي ... لون أشفارهن لون الحداق الحداق: جمع حدقةٍ, وإنما قيل لها: حدقة؛ لأن ما حولها يحدق بها, يقال: حدقوا بالرجل, وأحدقوا إذا أطافوا به, قال الشاعر: [الوافر] ولما أحدقوا بي واستكفوا ... وإن ناديت ثم فلن أجابا

стр. 809

وقال الأخطل: [البسيط] المنعمون بنو حربٍ وقد حدقت ... بي المنية واستبطأت أنصاري هذا استفهام معناه معنى التعجب, كأنه قال: أي شيء بنا من هوى العيون, أي ما أعظمه وأكثره! ولو أنه استفهام خالص لبطل المعنى المقصود؛ لأن الإنسان لا يستفهم عما هو به عارف, ولو كانت (ما) في معنى الذي لكان المعنى صحيحًا, ولم يكن في البيت مبالغة. والأشفار: جمع شفرٍ, وهو الذي عليه هدب الأجفان, وكأن شفر الشيء آخره وطرفه, ومن ذلك قولهم: شفرة السيف؛ لأنها منتهى صفحه, وهو على شفيرٍ؛ أي: على آخر مكانٍ عالٍ, والمراد: أن هذه العيون أشفارها سود كسواد حداقها. وقوله: قصرت مدة الليالي المواضي ... فأطالت بها الليالي البواقي يقول: كانت ليالينا في زمان قربها قصارًا, فلما كان البعد طالت الليالي التي كانت في قربها قصيرةً, وهذا معنى كثير التردد (١٢٥/ب) , إلا أن لفظ أبي الطيب له مزية على سواه, وليس بخافٍ أن بيت أبي الطيب أشرف من قول الآخر: [السريع] ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير وفي قصرت ضمير يعود إلى الموصوفة, وكذلك في قوله: أطالت. وقوله: كاثرت نائل الأمير من الما ... ل بما نولت من الإيراق الإيراق: هاهنا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من قولهم: أورق الصائد إذا لم يصد شيئًا, وأورق طالب الحاجة إذا

стр. 810

لم يصل إليها, وأصل ذلك أن الصائد إذا خاب جمع ورق شجرٍ في مخلاته كأنه يريده لبهيمةٍ يملكها أو لغير ذلك مما يحتاج إليه بنو آدم. فيكون المعنى أن هذه المذكورة كاثرت نائل الأمير بضده؛ لأنه جواد, وهي بخيلة, فعطاؤه يعم وعطاؤها لا يوصل إليه. والآخر أن يكون من قولهم: أرق الرجل وأرقه غيره إذا أسهره؛ فيكون المعنى أن إيراقها للناس؛ أي: منعها إياهم من النوم كثير جدًا تكاثر به نائل الأمير, وكلا الوجهين حسن. وقوله: طاعن الطعنة التي تطعن الفيـ ... ـلق بالذعر والدم المهراق الأجود تحريك الهاء في المهراق. يقال: أرقت الماء وهرقته, والأصل الهمز فأبدلوا من الهمزة هاءً لقتارب المجريين, قال امرؤ القيس: [الطويل] وإن شفائي عبرة مهراقة ووزن مهراقٍ مهفعل في الأصل وموجوده مهفعل, والذين قالوا: مهراق, بسكون الهاء, يزعم النحويون أنهم جعلوا الهاء عوضًا من اعتلال العين, وقالوا للفاعل: مهريق, قال الشاعر, وهو العديل بن الفرخ العجلي: [الطويل] فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آلٍ فوق رابيةٍ صلد والمعنى: أن هذا المذكور يطعن الطعنة فتهول من يراها لسعتها وما تهريقه من الدم, وهذا الغرض يشاكه غرضه في قوله: [الخفيف] ما مضوا لم يقاتلوك ولكن ... ن القتال الذي كفاك القتالا

стр. 811

وقوله: ذات فرغٍ كأنها في حشى المخـ ... ـبر عنها من شدة الإطراق المراد أن هذه الطعنة إذا سمع بها المخبر عنها ظن أنها في حشاه؛ فاتصل إطراقه إلى الأرض, ويجوز أن يكون الإطراق هاهنا ليس من إطراق العين, ولكنه إلقاء نفسه في الطريق كأنه قد غشي عليه. وقوله: فوق شقاء للأشق مجال ... بين أرساغها وبين الصفاف الأشق: هاهنا فرس متباعد ما بين القوائم, وهم يحمدون ذلك في الخيل. وروى أصحاب الأخبار أن جيشًا من العرب غزا, فهزم, فجاء شيخ من الفل, فاجتمع إليه جواري الحي يسألنه عن أخبار آبائهن, فقال: أخبرنني عن خيل آبائكن أخبركن عنهم, فقالت إحداهن: كان أبي على شقاء مقاء طويلة الأنقاء, تمطق أنثياها بالعرق تمطق الشيخ بالمرق, فقال: سلم أبوك. تعني بالأنثيين: الأذنين. تريد أن العرق يخرج منهما قليلًا قليلًا؛ لأن العرق إذا كثر لم يحمد, وكذلك إذا أفرط في القلة. وقد مضى ذكر ذلك مع تمام الخبر فيما تقدم. وقد أسرف أبو الطيب في هذا البيت؛ لأنه جعل الأشف من الخيل له بين أرساغ هذه الفرس وصفاقها مجال, والصفاق جلد تحت الجلد الأعلى, أو لحم رقيق, وإنما جاء به للقافية, وهذا كذب لا يجوز أن يكون مثله ولا فائدة فيه. وقوله: همه في ذوي الأسنة لا فيـ ... ـها وأطرافها له كالنطاق يقول: هذا الفارس همه في قتل ذوي الأسنة, ولا يحفل بأن أطرافها مطيفة بخصره, فقد صارت كالنطاق. وقوله: ثاقب العقل ثابت الحلم لا يقـ ... ـدر أمر له على إقلاق ثاقب العقل: أي: إذا أبهمت الأمور, ولم يكن منفذ؛ فعقله يجعل لها منافذ. والثاقب: في القرآن يفسر على وجهين: قيل: المضيء, وقيل: المرتفع, وإنما قيل

стр. 812

للمضيء: ثاقب؛ لأنه كالذي يثقب في الظلمة ثقبًا, وكذلك ثقبت النار إذا ظهر ضوؤها؛ لأنهم كانوا يوقدونها في الظلام, ثم قالوا: حسب ثاقب؛ أي: مضيء. وقوله (١٢٦/أ): بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي هذا مقارب قول أبي تمام: [البسيط] لم يرم قومًا ولم ينهد إلى بلدٍ ... إلا تقدمه جيش من الرعب وقوله: وإذا أشفق الفوارس من وقـ ... ـع القنا أشفقوا من الإشفاق هذه مبالغة لطيفة, وهو يشبه قولهم: فلان قد تاب من التوبة, وكذلك هؤلاء القوم إذا أشفق الفوارس من لقاء الرماح أشفقوا من أن يكونوا مشفقين من وقع القنا كغيرهم من الناس. وقوله: كل ذمرٍ يزيد في الموت حسنًا ... كبدورٍ تمامها في المحاق الذمر: الشجاع, وهو من قولهم: ذمر نفسه إذا حضها على الشيء, والقوم يتذامرون إذا حث بعضهم بعضًا على القتال, قال عنترة: [الكامل] لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم ادعى أن هؤلاء القوم يحسنون في الموت فكأنهم بدور, تمامها في ليالي المحاق. والمعنى يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكونوا في الوقت الذي يحذر فيه الموت أحسن ما يكونون في أيام الحياة, لأن وجوههم تحسن وتشرق إذا اصفرت وجوه الشجعاء. والآخر: أنهم إذا لقوا الموت في الحرب حسن ذكرهم بين الناس, وحمدوهم على الصبر ولقاء الحمام.

стр. 813

وقوله: جاعلٍ درعه منيته إن ... لم يكن دونها من العار واق هذا معنى لطيف, والغرض فيه أن هذا الذمر لا يلبس درعًا, لأن العرب تفضل الذي يشهد الحرب حاسرًا على الذي شهدها دارعًا, قال الشاعر: [الطويل] فلم أر يومًا كان أكثر سالبًا ... ومستلبًا سرباله لا يناكر وأكثر منا ناشئًا يطلب العلى ... يجالد قرنًا دارعًا وهو حاسر ويقال: إن كثيرًا لما أنشد عبد الملك قوله في مدحه: [الطويل] على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها وأذالها قال له عبد الملك: ما قال الأعشى أحسن مما قلت؛ يعني قوله: [الكامل] وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... شهباء يخشى الدارعون نكالها كنت المقدم غير لابس جنةٍ ... بالسيف تضرب معلمًا أبطالها والذي أراد أبو الطيب أن هذا الفارس جعل منيته مثل الدرع يتقي بها الذم. وقوله: كرم خشن الجوانب منهم ... فهو كالماء في الشفار الرقاق يريد أنهم كرام وكرمهم خشن جوانبهم فهو محمود في التخشين, كما أن الماء يخشن شفار السيوف فلها به فخر, وقد وصفت الشعراء الكريم, وشبهته بالسيف في خشونته ولينه, قال الشاعر: [الطويل] كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان وكالسيف إن لاينته لان مسه ... وحداه إن خاشنته خشنان

стр. 814

وقوله: يابن من كلما بدوت بدا لي ... غائب الشخص حاضر الأخلاق شبهه بأبيه, وهذا يشبه قوله: [الطويل] وأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا بنه ... تشابه مولود كريم ووالد يقول: أنت تشبه أباك في الخلق والخلق, فكلما بدوت فكأنه لي بادٍ, إلا أن شخصك؛ وإن كان مثل شخصه, فليس هو شخص الأب, وإنما هو مشابه له؛ لأن أباك غائب, وأخلاقك مثل أخلاقه. وقوله: لو تنكرت في المكر لقومٍ ... حلفوا أنك ابنه بالطلاق يقول: لو تنكرت في المكر لئلا يعرفك من جرت عادته بعرفانك لحلفوا أنك ابن المكر, لا ابن والدك المشهور, وإنما حملهم على ذلك أنهم يجدونك فيه سالمًا, فكأنه أب لك يشفق عليك من أن يصيبك جرح من سيفٍ أو طعنةٍ. وإن حمل على أنهم يريدون أنه ابن أبيه لشبهه به فهو يحتمل ذلك. وقوله: كيف يقوى بكفك الزند وإلآ ... فاق فيها كالكف في الآفاق هذه مبالغة ليست بالخافية, فهي مع إسرافها مستحسنة لا يلحقها ما لحق مبالغته في ذكر الفرس؛ لأن من يمدح يجتهد في وصفه بما لا يقدر عليه من سعة النفس والشجاعة والكرم. وقوله (١٢٦/ب): قل نفع الحديد فيك فما يلـ ... ـقاك إلا من سيفه من نفاق اللقاء على ضربين: لقاء مسالمٍ, ولقاء محاربٍ, فلقاء المسالم يجوز أن يكون فيه صادقًا فيما يظهره ويخفيه, ولا يمتنع أن يكون يتقي بالنفاق. والمحارب لا يمكنه أن يلقى هذا الممدوح إلا بسيفٍ من منافقةٍ, كأنه يستأمن إليه, ويقول: أنا وليك وعبدك, وإنما يريد بذلك سلامة نفسه.

стр. 815

وقوله: إلف هذا الهواء أوقع في الأنـ ... ـفس أن الحمام مر المذاق هذا البيت, والذي بعده يفضلان كتابًا من كتب الفلاسفة؛ لأنهما متناهيان في الصدق, وحسن النظام, ولو لم يقل شاعرهما سواهما, لكان فيهما له جمال وشرف. وقوله: والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق يقول: ينبغي للإنسان أن يسهل أمر العاجلة على نفسه, فإذا كان حيًا فما ينبغي أن يحزن؛ لعلمه أن فراق نفسه يكون؛ لأنه لم يكن بعد, وإذا فارقته نفسه فقد أمن من الأسف, ورجع إلى حال العدم, وفراق الحس. وقوله: كم ثراءٍ فرجت بالرمح عنه ... كان من بخل أهله في وثاق جعل ثراء البخل كأنه في وثاقٍ عنده, وذكر أن هذا الممدوح طعن ذلك المثري فقتله, وخلص ماله من الوثاق؛ لأن هذا الممدوح فرقه على العفاة. وقوله: والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق يقول: غنى اللئيم يستقبح بمقدار ما يسمج إملاق الكريم, وقد أحسن الحكمي كل الإحسان في قوله: [الطويل] كفى حزنًا أن الجواد مقتر ... عليه ولا معروف عند بخيل وقوله: ليس قولي في شمس فعلك كالشمـ ... ـس ولكن في الشمس كالإشراق جعل لفعل الممدوح شمسًا, وفضل نورها على نور ما يقول, أي: إن شمس فعلك لا يحسنها قولي, وهي تحسنه, كما أن الإشراق يحسن الشمس.

стр. 816

وقوله: شاعر المجد خدنه شاعر اللفـ ... ظ كلانا رب المعاني الدقاق إنما قيل للشاعر: شاعر؛ لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره؛ أي: يعلم. وقول الناس: ليت شعري؛ أي: ليت علمي, فجعل القائل الممدوح يشعر من المجد بما لا يشعر به سواه من الأمجاد. وقوله: لم تزل تسمع المديح ولكن ... ن صهال الجياد غير النهاق يقال: صهيل وصهال, ونهيق ونهاق. وفعيل وفعال يشتركان كثيرًا, كما قالوا: طويل وطوال, وسريع وسراع, وإذا كان فعيل نعتًا جاء فيه فعال وفعال بالتشديد, وأنشد الفراء: [الرجز] جاؤوا بصيدٍ عجبٍ من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب وكان يعتقد أن سيدًا وطيبًا أصله فعيل, كأن أصل سيدٍ سويد, واحتج بانهم قالوا: طيب وطياب, كما قالوا: طوال, وأنشد: [الرجز] إنا بذلنا دونها الضرابا ... لما وجدنا ماءها طيابا وقوله: ليت لي مثل جد ذا الدهر في الأد ... هر أو رزقه من الأرزاق أنت فيه وكان كل زمانٍ ... يشتهي بعض ذا على الخلاق هذا معنى لم يسبق إليه أحد من الشعراء؛ لأنه جعل الدهر الذي فيه الممدوح له جد؛ أي: حظ لم يرزقه سواه, وجعل الأزمنة كلها تشتهي بعض ذلك على الخلاق جلت عظمته. وقافية هذه القصيدة من المتواتر, وهي القاف والياء التي بعدها, وهي على رأي الخليل من آخر ساكنٍ في البيت إلى أول ساكنٍ يليه مثل قوله: شاقي, من العشاق, وهاقي, من النهاق ونحو ذلك (١٢٧/أ).

стр. 817

ومن قطعة أولها لام أناس أبا العشائر في ... جود يديه بالعين والورق وهي من أول المنسرح. أراد بالعين: الذهب, وقد يعبر بالعين عن الفضة الخالصة. والورق: الفضة, يقال: ورق وورق وقد قرئ بالوجهين, وقال بعضهم: ورق كما قالوا في كبد: كبد. ويقال للورق: رقة, حذفوا منه الواو, كما حذفوها من عدة؛ فلو صغرت رقة لقلت: وريقة, فرددت الواو. وقوله: قالوا ألم تكفه سماحته ... حتى بنه بيته على الطرق يقول: جاد أبو العشائر بالذهب والورق, وكان ذلك كافيًا للناس, وقال لائموه: ألم يكفه بذله ما يغني به العلم فينالون به الكسوة والطعام وغيرهما من المرادات؛ حتى بنى بيته على الطرق؛ ليطعم من يرد عليه ويضيفه. والعرب تفتخر بكون بيوتها على الطرق, قال الشاعر: [الكامل] أغشى الطريق بغبتي ورواقها ... وأحل في نشز الربى فأقيم إن امرأ جعل الطريق لبيته ... طنبًا وأنكر حقه للئيم وقوله: فقلت إن الفتى شجاعته ... تريه في الشح صورة الفرق الفتى هاهنا معنى به أبو العشائر؛ وذلك أبلغ من أن يكون الفتى شائعًا في الفتيان؛ لأنه إذا شاع فيهم كان أبو العشائر كواحدٍ منهم, وإذا خص بالفتوة فهو مميز من كل الفتيان. ووصفه بالشجاعة, وادعى أن شجاعته توهمه أنه يفرق من الشح فتريه صورة الفرق, فكأنه يقتل تلك الصورة. وقوله: بضرب هام الكماة تم له ... كسب الذي يكسبون بالملق يريد أنه, على ما يلحق بالأعداء, محبوب كأنه يتملقهم؛ أي: يلين لهم الكلام.

стр. 818

وقوله: كن لجة أيها السماح فقد ... آمنه سيفه من الغرق يقول: كن أيها السماح كلجة البحر, فسيف هذا الممدوح يؤمنه من أن يغرق؛ فادعى أن سيفه يؤمنه من كل الحوادث, وهذا إفراط في المبالغة ومضاء الحد. وقافية هذه الأبيات من المتراكب, وهي ثلاثة أحرف متحركة بعدها ساكن كقوله: غريق وفرقي, والقافية عند الخليل قوله: نلغرقيي وتلفرقي. ومن التي أولها ما للمروج الخضر والحدائق وهي من رابع الرجز الذي يسمى المشطور. المروج: جمع مرجٍ يراد به الأرض الواسعة, التي تمرج فيها الخيل بعضها مع بعضٍ, وهي من قولهم: أمر مريج؛ أي: مختلط؛ أي: مختلط, ومن قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان﴾ , وقال الشاعر: [الطويل] وقد شهد الصفين عمرو بن مالكٍ ... فضاق عليه المرج والمرج واسع وقالوا: مرج الدين إذا اضطرب واختلط. وقوله: يشكو خلاها كثرة العوائق الخلا: ما تنبته الأرض من النبات قبل أن يأخذ في الجفوف, يقال: خليته أخليه خليًا. يريد أن الشتاء اشتد برده فلم يطل هذا النبت؛ لأن القر منعه من ذلك, ويقال: عاقني عن الأمر وعاقني عنه إذا منعني منه, وأنشد أبو زيدٍ: [الوافر]

стр. 819

فلو أني شهدتك حين تدعو ... لعاقك عن لقاء الحي عاق يقال: عاقني, وهي اللغة المعروفة, وعقاني, وقد يستعمل (عقا) في معنى ارتفع. وقوله: أقام فيها الثلج كالمرافق يعقد فوق السن ريق الباصق ذكر ما عاق النبت عن الظهور, وأخبر أن الثلج أقام فوق الأرض. ويقال: بصاق, بالصاد, وهو أفصح (٢٧/ب) اللغات, وقد حكي بالسين والزاي, ويروى: يعقد بفتح الياء, ومنهم من يضم, يأخذه من: أعقدت العسل, ومن فتح الياء أخذه من عقد العقدة, وكلا القولين جائز في القياس. وقوله: ثم مضى لا عاد من مفارق بقائد من ذوبه وسائق في (مضى) مضمر يعود إلى الثلج, ووصف أنه ذاب؛ فكأن الذوب كان سبب فراقه, وجعله قائدًا وسائقًا؛ لأن الثلج إذا أخذ في الذوب جعل يذوب من خلفٍ وأمامٍ. وقوله: كأنما الطخرور باغي آبق يأكل من نبتٍ قصيرٍ لاصق كقشرك الحبرمن المهارق الخرور: اسم مهرٍ كان له, وإنما سماه بالطخرور من قولهم: بالسماء طخرور؛ أي: شيء من غيم, والغيم إذا كان رقيقًا قليلًا فهو أسرع لسيره, وإذا كان بطيء السير فهو مثقل بماء السحاب, وقال قوم: إنما يقال: ما في السماء طخرور في حال النفي, وقد جمعوه على طخارير, وجاؤوا به غير منفي, قال الراجز: [الرجز]

стр. 820

إنا إذا قلت طخارير القزع ... وصدر الشارب منها عن جرع ويقال: إن أبا الطيب كان له فرسان: الجهامة, وهي أثنى, والطخرور. والجهامة: السحابة التي قد أراقت ماءها, فذلك أسرع لمسيرها, وقد رويت له أبيات لم تثبت في ديوانه, وفيها: [البسيط] إن الجهامة والطخرور ما اجتمعا ... إلا لأمرٍ عظيمٍ سوف ينكشف وشبه الطخرور بباغي آبقٍ؛ أي: هاربٍ؛ لأنه ينظر إلى الأرض ليصيب نبتًا يرعاه, ومن شأن باغي الآبق أن يديم النظر ليتبين الآثار. وزعم أنه يأكل من نبتٍ قصيرٍ, وبالغ في الصفة فجعل رعي الطخرور كقشرك الحبر من المهارق, وهي القراطيس, وأصلها فارسي معرب. ويقال: المهاريق, بالياء, وقال بعضهم: المهاريق خرق كانت تصقل ويكتب فيها. وقوله: أروده منه بكالسوذانق ... بمطلق اليمنى طويل الفائق أروده: يعني الكلأ؛ أي: يطلب مرعى لفرسه, وهو من قولهم: بعث القوم رائدًا؛ إذا بعثوا من يعرف لهم مواضع الكلأ, وأصله من: راد يرود إذا ذهب وجاء, كأنه يمشي بين الأماكن المعشبة لينظر أيها أولى بالرعي, ثم قالوا: ردت الكلأ إذا كنت له رائدًا. وقوله: بكالسوذانق أي بمثلٍ؛ أدخل الباء على الكاف, كما أدخل رؤبة عليها مثل في قوله: [السريع] فصيروا مثل كعصفٍ مأكول والسوذانق: الشاهين الذي يصاد به, وهو السوذق والسوذنيق, وأصله فارسي معرب. والفائق: عظم بين الرأس والعنق, يقال: فئق الرجل إذا اشتكى فائقه.

стр. 821

ومطلق اليمنى: أراد أن قوائمه الثلاث فيها تحجيل, وليس في اليمنى كما في غيرها من الثلاث, فكأنها مطلقة؛ لأن التحجيل مأخذ من الحجل, وهو القيد, والفرس يحتاج إلى أن يقيد؛ فكأن تشبيه تحجيله بالقيود أوجب من أن يشبه بالخلاخيل؛ لأن الخلخال يسمى حجلًا. وقوله: عبل الشوى مقارب المرافق ... رخو اللبان نائه الطرائق العبل: ضد الشخت, ومقارب المرافق: مثل قول الآخر: [المنسرح] في مرفقيه تقارب وله ... بركة زورٍ كجبأة الخزم والجبأة: خشبة يحذو عليها الحذاء, والخزم: ضرب من الشجر تتخذ منه الحبال. واللبان: مجرى اللبب من الفرس. ونائه: من قولهم هو نائه الذكر؛ أي: خبره شائع. والطرائق هاهنا: تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من الطريقة التي هي الشيمة والخلة, والآخر: أن يكون من الطريقة؛ أي: اللحمة المستطيلة. وقوله: ذي منخرٍ رحبٍ وإطلٍ لاحق (١٢٨/أ) يقال: منخر الأنف ومنخر, وحكي: منخر, بكسر الميم, وفتح الخاء, ويقال للدواب: نخرة ونخرة, والجمع نخر ونخر, وأنشد أبو عمرو الشيباني: [الطويل] كأن رداءيه إذا قام علقا ... على جعلٍ يغشى المآزف بالنخر المآزف: المواضع التي يقضي فيها الناس حوائجهم, وهي نحو من المزابل. ويحمد في الفرس سعة المنخر؛ لأنه إذا ضاق منخره حدث به الربو, ولذلك قال امرؤ القيس: [المتقارب] لها منخر كوجار الضباع ... فمنه تريح إذا تنبهر وقال بشر بن أبي خازم: [الوافر]

стр. 822

كأن خفيف منخره إذا ما ... كتمنا الربو كير مستعار والإطل: الخاصرة, يقال: إطل, وإطل, وأيطل. وقوله: محجلٍ نهدٍ كميتٍ زاهق ... شادخة غرته كالشارق زاهق: أي: يتقدم الخيل, ويحتمل أن يكون هاهنا في معنى الذي كأنه قد أخذ في السمن, ويقال: غرة شادخة إذا انتشرت في الوجه. والشارق: يعني الشمس في أول طلوعها. وقوله: كأنها من لونه في بارق ... باقٍ على البوغاء والشقائق شبه لون الفرس بلون البارق, والبوغاء: تراب دقيق, قال الشاعر: [الطويل] لعمرك لولا حاجة ما تعفرت ... ببغدان في بوغائها القدمان يقول: لون هذا الفرس كلون بارق, فكأنه برق قد تخلف على الأرض. والشقائق: جمع شقيقة, وهي أرض صلبة بين رملين, ومن أمثالهم: «قد كان بين الأميلين شقيقة» , وقال بعض العرب يخاطب بنته: [الطويل] رزقتك بعد الأربعين وبعدما ... بدا شامل في الرأس بين المفارق أحبك والرحمان يعلم أنني ... بموتك مسرور حذار البوائق فليتك قد قدمت قبلي وليتني ... دفنتك قبل الموت بين الشقائق فالشقائق في هذا البيت: يحتمل وجوهًا: يجوز أن يعني الشقيقة التي بين الرملتين, والشقائق من النبت الذي يسمى شقائق النعمان, والشقائق جمع شقيقةٍ, وهي الأخت, أي: ليتني دفنتك بين أخواتك, ويجوز أن يعني أخوات نفسه.

стр. 823

وقوله: والأبردين والهجير الماحق يعني بالأبردين: الغداة والعشي, قال الشماخ: [الوافر] إذا الأرطى توسد أبرديه ... خدود جوازئٍ بالرمل عين أراد بالأبردين الظل في أول النهار والفيء في آخره. وزعم أن البارق الذي شبه به الفرس طال مكثه في الأرض, وليس ذلك من عادة البرق, فهو باقٍ على الأبردين, وفي الهجير الماحق: أي: الشديد, كأنه يمحق ما تحته من النبات ونحوه. قال ساعدة بن جؤية: [البسيط] ظلت صوافن بالأرزان صاويةً ... في ماحقٍ من نهار الصيف محتدم صوافن: أي: قد ثنت سنابكها, والأرزان: جمع رزنٍ, وهو مكان غليظ, ويقال: هو ما يجتمع في غلظٍ من الأرض, والصاوية: العطاش, يقال: احتدم الحر إذا اشتد. وقوله: للفارس الراكض منه الواثق ... خوف الجبان في فؤاد العاشق يصف هذا الفرس بأنه عظيم السرعة, غزير الجري؛ فالفارس الذي يركضه لا يأمن أن يسقط عنه, فهو يخاف من ذلك مثل خوف الجبان, على أنه يحب هذا الفرس حب العاشق. وقوله: كأنه في ريد طودٍ شاهق ... يشأى إلى المسمع صوت الناطق الريد: حرف ناتئ من الجبل, قال أبو ذؤيب: [الطويل] تهال العقاب أن تمر بريده ... وترمي دروء دونه بالأجادل يريد أن الفارس كأنه على ريد جبلٍ فهو يخالف أن يسقط فيهلك. ويشأى أي: يسبق

стр. 824

يقال: شآه يشآه إذا سبقه, ومنه اشتقاق الشأو؛ أي: الطلق, قال امرؤ القيس: [الطويل] إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول: هزيز الريح مرت بأثأب الأثأب: ضرب من الشجر. وقوله: يشأى إلى المسمع صوت الناطق: مبالغة لم يوصف بمثلها الفرس؛ وذلك (١٢٨/ب) يؤدي إلى أن الصائح إذا كان على بعدٍ من السامع فصاح سبقه هذا الفرس إلى سمع السامع. وقوله: يترك في حجارة الأبارق ... آثار قلع الحلي في المناطق الحجارة, بالهاء: أفصح من الحجار, والأبارق: جمع أبرق, وهي أرض فيها حجارة وطين. وقوله: مشيًا وإن يعد فكالخنادق يقول: آثاره إذا مشى كآثار قلع الحلي في المناطق, وإذا عدا كان الذي يغادر من الأثر أوسع من ذلك. وقوله: لو أوردت غب سحابٍ صادق ... لأحسبت خوامس الأيانق أي: هذه الخنادق لو أوردت غب مطرٍ قد ملأها ماءً لأحسبت أي: كفت خوامس الأيانق؛ أي: التي ترد خمسًا وهي توصف بكثرة الشرب. وقد بالغ القائل في صفة ما تغادره من الآثار حوافر فرسه؛ لأن الحافر يوصف بأنه وأب, ليس بالواسع ولا الضيق, وإنما ينبغي للمبالغ في صفة الفرس بالخفة أن يدعي لحوافره أنها لا تقع على الأرض من خفته؛ إذ كانوا يشبهون الفرس بالبازي والصقر وغيرهما من الطيور. وقوله: إذا اللجام جاءه لطارق ... شحا له شحو الغراب الناغق

стр. 825

أي: لطارقٍ يوجب ركوب الخيل من خوف عدو أو نحوه. يصف الفرس بحسن الأدب, وأنه قد عرف ما يراد منه فإذا جاءه الملجم فتح له فاه, يقال: شحا فاه إذا فتحه, وشحا فوه إذا انفتح, قال الراجز: [الراجز] كأن فاها واللجام شاحيه ... شرخا غبيطٍ فرجت نواحيه وهم يصفون الخيل والإبل بمعرفة ما يحتاج إليه الفارس أو الراكب, ومن ذلك قول الراعي في صفة الناقة: [المتقارب] ولا تعجل المرء قبل الركو ... ب وهي بركبته أبصر والناغق: من قولهم نغق الغراب إذا صاح, وقال قوم: النغيق: يتيمن به, والنعيب يكره, وقد حكوا: نعق الغراب, بالعين, ولكن الغين أكثر, والنغيق: خاص للغربان, والنعيق مستعمل للإنسان وغيره. وقوله: كأنما الجلد لعري الناهق ... منحدر عن سيتي جلاهق الفرس يوصف بأن نواهقه عارية من اللحم, وهي عظام في رأسه, وقيل: هي عروق, ويجب أن يكون أصل النواهق في حمار الوحش, ثم استعير للخيل. وسيتا القوس: طرفاه. والجلاهق: قوس الرجل, وليس أصل الكلمة عربيًا. وقوله: بذ المذاكي وهو في العقائق ... وزاد في الساق على النقانق بذ: سبق, قال زهير: [البسيط] يطلب شأو امرأين قدما حسنًا ... نالا الملوك وبذا هذه السوقا والمذاكي من الخيل: جمع مذك, وهو الذي قد تمت سنه وذكاؤه وقوته, ومن أمثالهم:

стр. 826

«جري المذكيات غلاب» , وسكن الياء من المذاكي ضرورةً. والعقائق: جمع عقيقةٍ, وهي الشعر الذي يخرج على المولود. والمعنى: أن أمه سبقت الجياد وهو في بطنها, وذلك لغزارة جريها؛ لأنها إذا سبقت وهي حامل فكيف بها إذا كانت مضمرةً, وهذا مثل قول الآخر في صفة فرسٍ: [الرجز] قد سبق الجياد وهو رائض ... فكيف لا يسبق وهو راكض أي: يرتكض في بطن أمه, وهم يشبهون ساقي الفرس بساقي النعامة, قال امرؤ القيس: [الطويل] له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفل وقوله: وزاد في الأذن على الخرانق ... وزاد في الحذر على العقاعق أذن الفرس توصف بالصغر, والتأليل, واللين, ولذلك قال الأنماري في صفة الفرس: (١٢٩/أ) [الوافر] كأن مسيحتي ورقٍ عليها ... نمت قرطيهما أذن خذيم أي كأنها مقطوعة قد خذمت. والعقاعق: جمع عقعقٍ, وهو هذا الطائر المعروف, ويقال: «أحذر من عقعقٍ». وقوله: يميز الهزل من الحقائق ... وينذر الركب بكل سارق لم يوصف الفرس بمثل هذه الصفة؛ لأنه ادعى له فهمًا كفهم الإنسان, وهذا يشابه قوله: [الطويل] وأدبها طول القتال فطرفه ... يشير إليها من بعيدٍ فتفهم وقوله: وينذر الركب بكل سارق: هذه صفات ما علمت أحدًا سبق إليها أبا الطيب, فرحمه الله, لقد كان عوامًا في بحار الفكر على جواهر القول.

стр. 827

وقوله: يريك خرقًا وهو عين الحاذق أصل الخرق أن يكون الرجل غير صنعٍ, والمرأة ليست بالصناع, فيقال: رجل أخرق وامرأة خرقاء, قال ابن علبة الحارثي: [الطويل] ولا أن قلبي يزدهيه وعيدهم ... ولا أنني بالمشي في القيد أخرق وقال آخر: [الطويل] فما شنتا خرقاء واهيتا الكلى ... سقى بهما ساقٍ ولم يتبللا والمعنى أن هذا الفرس إذا رأيت خلقه ذلك على أنه بهيمة, وإذا نظرت إلى معرفته بالأشياء علمت أنه صاحب معرفةٍ وحذاقةٍ. ويقال: فلان عين الكريم, أي: هو كريم حقيقي. وقوله: يحك أنى شاء حك الباشق ... قوبل من آققةٍ وآفق ادعى له أن عدوه يجري مجرى طيران الباشق؛ فهو يحك أي موضع شاء, والباشق معروف عند العامة, وغير مذكور في الشعر القديم, ولم يصرفوا منه الفعل فيقولون: بشق, وقوبل, أي: نتج بين فرسين كريمين, والآفق من الرجال والخيل الذي هو غاية في الفضل, ويجوز أن يكون مأخوذًا من قولهم: أفق السماء ناحية منها؛ فيكون معنى الآفق أنه قد ارتفع في المكارم حتى كأنه في أفق, قال زهير: [البسيط] لو نال قوم ذوو مجدٍ ومكرمةٍ ... أفق السماء لنات كفه الأفقا

стр. 828

وقالوا للأنثى: أفق, قال الشاعر: [الوافر] أمشي في بني عدس بن زيدٍ ... وتحمل شكتي أفق كميت وقوله: فعنقه يربي على البواسق يقال: عنق وعنق, وقال قوم: إذا سكنت النون ذكر, وإذا ضمت أنث, قال الشاعر: [الوافر] فلولا طول عنقي سدت قومي ... ولكن طال عنقي فاستمالا يقال: إنه أراد أن عنقي يتطاول ويميل لينظر إلى النساء. والبواسق: جمع باسقٍ يقال: بسق الجبل إذا طال, وكذلك بسق الشجر. ويربي, أي: يزيد. وقوله: وحلقه يمكن فتر الخانق وصفه بأن الفتر يجمع حلقه, يقال: خنق يخنق خنقًا, وبلغ منه الأمر المخنق؛ أي: الموضع الذي يخنق فيه الإنسان. وقوله: يحملني والنصل ذو السفاسق السفاسق الطرائق في صفح السيف, وتستعمل السفاسق في القسي, قال الشاعر: [الكامل] مأطورة السيتين رابٍ عجسها ... صفراء ذات أسرةٍ وسفاسق

стр. 829

وقوله: أي كبت كل حاسدٍ منافق أي: حرف ينادى به, فيقال: أي فلان أقبل, قال الشاعر: [الطويل] ألم تسمعي أي عبد في رونق الضحى ... بكاء حماماتٍ لهن هدير خاطب الفرس فقال: يا كبت كل حاسدٍ, والكبت من قولهم: كبت العدو يكبته كبتًا إذا رده وهو كئيب مغلوب, وقال بعضهم: التاء في الكبت بدل من دال؛ لأنه يقال كبده الغيظ إذا آلم كبده فهو مكبود, وقد يجوز ذلك, وأنشد أبو زيد للأسود بن يعفر: [الطويل] فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم ... قلوبًا وأكبادًا لهم وئينا يعني جمع رئةٍ. وقافية هذه القصية من المتدارك, وهو حرفان متحركان بعدهما ساكن كقوله: فقي من منافق, ولقي من الخالق, وهو عند الخليل: نافقي من منافقي وخالقي من الخالق. ومن التي أولها (١٢٩/ب) هو البين حتى ما تأنى الحزائق ... ويا قلب حتى أنت ممن أفارق وهي من الطويل الثاني. وقوله: هو البين: أي هذا الذي تكرهه وتشكوه هو البين, والتأني في الأمور التلبث فيها؛ وإنما يريدون بقولهم: تأنى أنه تمكث حتى بلغ إني الشيء؛ أي: وقته وإدراكه, ومنه قولهم: قد أنى له, أي: قد حان, قال الراجز: [الرجز] تقول بنتي قد أنى إناكا ... يا أبتا علك أو عساكا

стр. 830

وقوله: وقد صارت الأجفان قرحى من البكا ... وصار بهارًا في الخدود الشقائق ذكر أبو الفتح بن جني ﵀ في أول «كتاب الفسر» هذا البيت في حكاية معناها: أنه سأل أبا الطيب: أينشد هذا البيت قرحى في وزن جرحى: جمع قريحٍ, أم قرحًا جمع قرحةٍ بالتنوين؟ فقال أبو الطيب: قرحًا منونًا أما ترى إلى قولي: بهارًا؛ فكان أبو الفتح يستحسن هذا القول؛ لأن قرحًا إذا كان جمع قرحةٍ فليس بينه وبين واحده إلا الهاء, وبهار كذلك, والأحسن أن يكون الجمعان من جنسٍ واحدٍ. وقوله: سل البيد أين الجن منا بجوزها ... وعن ذي المهارى أين منها النقانق البيداء: الأرض المقفرة, وكأنها سميت بذلك لأنها تبيد من يسلكها, أو تبيد زاده وماءه. وجوزها: أي: وسطها, وهذا كلام يستحسن في المنظوم, والمراد به: سل البيداء أين الجن منا إذا سلكناها, فإنا أخبر منهم بالطرق, وأصبر على السير. وسلي عن ذي المهارى: أي: عن هذه العيس التي هي من إبل مهرة بن حيدان. وروي أن يونس بن حبيبٍ كان يعجبه قول ذي الرمة: [الطويل] وليلٍ كجلباب العروس ادرعته ... بأربعةٍ والشخص في العين واحد أحم علافي وأبيض صارم ... وأعيس مهري وأروع ماجد أراد أن الإبل التي يركبونها في البيداء أسرع من النقانق التي هي النعام. وقوله: وليل دجوجي كأنا جلت لنا ... محياك فيه فاهتدينا السمالق ينشد بكسر الكاف في محياك وفتحها. والمحيا: الوجه, وإنما قيل له: محيا؛ لأنه يلقى بالتحية, والتحية تختلف فتكون كلامًا, وتكون غيره؛ فإذا قيل للرجل: سلام عليك أو

стр. 831

نحوه فهو تحية. ولم يقصر أبو عبادة في قوله: [الطويل] سلام وإن كان السلام تحيةً ... فوجهك دون الرد يكفي المسلما والتحية في كتاب الله سبحانه كلام؛ لأنه قال: ﴿وإذا حييتم بتحيةٍ فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾. ويقال: حياه بالريحان وبالورد, وبغير ذلك, فأما قول النابغة: [الطويل] تحييهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاجب فإنما يريد أن الولائد يحيينهم بالأزهار, ويجب أن يكون أصل التحية أن يدعى للرجل بالحياة, ثم استعمل ذلك في أشياء مختلفة, حتى سموا الملك تحيةً, قال زهير بن جنابٍ الكلبي: [مجزوء الكامل] من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه وقال عمرو بن معد يكرب: [الوافر] أسير بها إلى النعمان حتى ... أنيخ على تحيته بجند وخص الوجه بأن سمي محيًا؛ لأنه أجل شخص الإنسان, وهو الذي يلقى بالتحية من الكلام أو غيره؛ وإذا روي محياك, بكسر الكاف قوي ذلك أن يكون قوله: سلي بالياء, كأنه يخاطب مؤنثًا, وإذا كان سل مخاطبةً لمذكرٍ فهو خروج لم تجر عادة أبي الطيب بمثله؛ لأنه ترك النسيب, وخرج إلى ذكر الممدوح. وقوله: وهز أطار النوم حتى كأنني ... من السكر في الغرزين ثوب شبارق

стр. 832

الهز: من هزه يهزه؛ يعني هز السير إياه, والغرزان: تثنية غرزٍ, وهو ركاب الرحل, قال ذو الرمة: [البسيط] تصغي إذا شدها بالكور جانحةً ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب وثوب (١٣٠/أ) شبارق: أي: خلق, يروى بضم الشين وفتحها, فإذا ضمت فهو نعت لواحدٍ, وإذا فتحت الشين فهو جمع, كأن واحده شبرقة أو شبرقة, وأنشد أبو زيد للأسود بن يعفر: [الطويل] غنينا بسربال الشباب ملاوةً ... فأصبح سربال الشباب شبارقا وقوله: شدوا بابن إسحاق الحسين فصافحت ... ذفاريها كيرانها والنمارق شدوا أي: رفعوا أصواتهم بمدحه, والشدو: يستعمل في الغناء, وهو ما كان يسيرًا منه, وهو من قولهم: شدا شيئًا من علمٍ, أي: قليلًا, وبينه وبين فلان شدًى من خصومةٍ, أي: بقية, قال الشاعر: [الطويل] فلو كان في ليلى شدى من خصومةٍ ... للويت أعناق الخصوم الملاويا والذفاري: جمع ذفرى, وهي الناتئ خلف أذن البعير, وهي من الفرس معقد العذار, ويقال في الجمع: ذفاري وذفارٍ, وأكثر ما تستعمل الذفرى في الإبل والخيل, وقد جاءت في الإنس, قال ذو الرمة: [البسيط] والقرط في حرة الذفرى معلقه ... تباعد الحبل منه فهو مضطرب واشتقاق الذفرى من الذفر؛ لأنها تعرق من البعير, فتكون لها رائحة. والكيران: جمع كورٍ, وهو رحل البعير, وجمعه القليل: أكوار, والكثير: كيران. والمراد أن هؤلاء الركبان شدوا بابن إسحاق؛ فلما سعت الإبل ذكره ثنت رؤوسها إلى الركب لتسمع ثناءهم عليه, فقدمت ذفاريها من الكيران. والنمارق: التي تحت القوم. وفي هذا البيت أصناف من الدعاوي التي تستحسن وهي مختلقة. وقد بدأ الحكمي بوصف التفات الناقة؛ إلا أنه لم يستكمل هذه

стр. 833

الصفة في قوله: [الكامل] وكأنها مصغٍ لتسمعه ... بعض الحديث بأذنه وقر وقوله: فتى كالسحاب الجون تخشى وترتجى ... يرجى الحيا منها وتخشى الصواعق الأحسن في تخشى وترتجى أن تروى بالياء, يعني الممدوح, وقد تردد القول في أن الجمع إذا كان بينه وبين واحده الهاء جاز تذكيره وتأنيثه وحلمه على الواحد وعلى الجمع, وفي الكتاب العزيز: ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ , فهذا على التأنيث, وحمل الكلمة على الجمع, ولو أنه في غير القرآن لجاز: وينشئ السحاب الثقيل, وإذا رويت الجون, بضم الجيم, فهو جمع جونٍ, والجون هاهنا السود, ويدل على ضم الجيم قوله: يرجى الحيا منها, والحيا المطر العام, والجون يقع على الألوان كلها, فأما قول الراجز: [الرجز] غير يا بنت الحليس لوني ... كر الليالي واختلاف الجون وسفر كان قليل الأون فيجوز أن يكون الجون هاهنا الليل, ويجوز أن يكون النهار, ولعل الراجز أرادهما جميعًا. وقوله: إذا الهندوانيات بالهام والطلى ... فهن مداريها وهن المخانق يقال: سيف هندي على القياس؛ لأنه نسب إلى الهند, وسيف هنداوني, وهندكي على غير قياس. والطلى: جمع طليةٍ, وهي صفحة العنق ويقال لها: طلاة أيضًا, قال الأعشى: [الطويل] متى تسق من أنيابها بعد هجعةٍ ... من الليل شربًا حين مالت طلاتها والمداري: جمع مدرى, وأصله شيء تتخذه المرأة تستعين به على تسريح شعرها, ومنه قول سحيمٍ: [الطويل]

стр. 834

أشارت بمدراها وقالت لتربها ... أعبد بني الحسحاس يزجي القوافيا وإذا كان مع الرجل سلاح دقيق شبهه بالمدرى, قال الراجز: [الرجز] أنا سحيم ومعي مدرايه ... أعددته لفيك ذي الدوايه والحجر الأخشن والثنايه والمعنى: أن هذا الممدوح جعل الهندوانيات مغذاة بالطلى والهام؛ أي: أقامها لها مقام الغذاء, فهي تقع في الرؤوس كأنها مدارٍ, وفي الأعناق كأنها مخانق. وقوله: يجنبها من حتفه عنه غافل ... ويصلى بها من نفسه منه طالق يجنبها - يعني (١٣٠/ب) الهندوانيات - من غفل حتفه عنه, ويصلى بها من قولك: صلي بالنار إذا أصابه حرها. وقوله: من نفسه منه طالق: استعار الطلاق للنفس, وإنما هو للمرأة, وقد استعملت الشعراء الطلاق في غير النساء, قال الشاعر: [الطويل] مراجع نجدٍ بعد فركٍ وبغضةٍ ... يرى ساكتًا والسيف عن فيه ناطق الهاء في به راجعة إلى الممدوح, والمحاجاة: أصلها أن يسأل الرجل صاحبه عن شيءٍ يعميه عليه لينظر: أحجاه أفضل أم حجى الآخر, والحجى: العقل. يقال للكلام الذي يسأل عنه: أحجية وأحجوه. ومما يتحاجون به قولهم: أحاجيك: ما ذو ثلاث آذانٍ ... يسبق الخيل بالرديان

стр. 835

يعنون السهم. وقال الشاعر: [الطويل] أحاجيك: ما مستصحبات على السرى ... حسان وما آثارها بحسان يعني السيوف. وما: في قوله: ما ناطق, في معنى: أي شيءٍ هو ناطق, وإذا أجاب المسؤول عن هذه الأحجية فجوابه: الحسين بن إسحاق. وقوله: سيحيي بك السمار ما لاح كوكب ... ويحدو بك السفار ما ذو شارق السمار: جعل سامرٍ وهم الذين يتحدثون في ظل القمر, وزعموا أن الليل يسمى سمرًا, ومثل ذلك لا يجوز؛ لأن السمر يكون فيه, وكثر ذلك حتى صار الحديث بالليل سمرًا, وإن لم يكن في القمر, ويقولون: أحيا فلان ليله إذا بات ساهرًا؛ لأن النوم عندهم ضرب من الموت, وفي الكتاب العزيز: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾. فكأن الذي يبيت ساهرًا قد بات حيًا لم تصبه بالنوم وفاة. وقوله: هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق اصطلحت الشعراء على أن يقولوا: فلان الناس كلهم, ونحو ذلك من العبارات, وإنما يريدون خيار الناس؛ لأن الرجل لو كان مثل الناس كلهم لكانت فيه عيوب كثيرة؛ لأن فيهم من هو مجنون وصاحب عاهةٍ, ومن ذلك قول الشاعر: [السريع] إنما أراد العالم الذي له فضيلة, ولو لم يرد ذلك لكان هذا المدح كالهجاء, وقد شرح أبو الطيب الغرض في ذلك في غير هذا الموضع, وخص الفضلاء من الناس دن من هو مذموم الشيم قبيح الأخلاق, فقال: [الكامل]

стр. 836

ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا نسقوا لنا نسق الحساب مقدمًا ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا وقافية هذه القصيدة من المتدارك وهي حرفان متحركان بعدهما ساكن كقوله: «ئقو» من: الحزائق و «رقوا» من: أفارق, والقافية عند الخليل أولها الزاي من: حزائق وآخرها الواو التي للترنم, وكذلك هي من الفاء في أفارق إلى الواو التي بعد القاف. ومن التي أولها أرق على أرقٍ ومثلي يأرق ... وجوى يزيد وعبرة تترقرق وهي من أول الكامل. الأرق: فقد النوم, يقال: أرقه تأريقًا, وأرقه إراقًا كما قالوا: كذبه كذابًا, وبيت تأبط يروى على وجهين, وهو قوله: [البسيط] يا عيد مالك من هم وإيراق فهذا مصدر: آرق يؤرق, ويروى: وإراق بتشديد الراء, ومثله قول الشاعر: [الطويل] لعمري لقد خلفتني عن صحابتي ... وعن حوجٍ قضاؤها من شفائيا يريد: مصدر قضيت. والجوى: الحزن (١٣١/أ) الذي يستبطن الإنسان, فيكون في حشاه. ويقال لفساد الجوف: جوى, والعبرة: تردد الدمع في العين. وقوله: جربت من نار الهوى ما تنطقي ... نار الغضى وتكل عما تحرق الغضى يوصف بأن جمره يبقى كثيرًا حتى يدعي له بعض الناس ما ينكره المعقول, قال سحيم: [الطويل]

стр. 837

كأن الثريا علقت فوق نحرها ... وجمر غضى هبت له الريح ذاكيا فإن كان سحيم أراد أن حليها ثابت عليها فكأنه جمر غضى؛ لأنه يلبث أكثر من جمر سواه؛ فقد أجاد في ذلك, وأما غيره فيشبه الحلي بالجمر, وقد سبق سحيمًا امرؤ القيس فقال: [الطويل] كأن على لباتها جمر مصطلٍ ... أصاب غضى جزلًا وكف بأجذال وقوله: وتفوج من طيب الثناء روائح ... لهم بكل مكانةٍ تستنشق يقال: مكان ومكانة, واشتقاقه من كان يكون مثل قولك: مقام ومقامه, وأصل مكانٍ: مكون, فألقيت حركة الواو على الكاف, وقلبت ألفًا, وكذلك يفعلون بالواو والياء في المصدر واسم الزمان والمكان إذا جرين على الفعل. وقالوا في جمع مكانٍ: أمكنة, وهذا يدل على أن الميم أصلية؛ فيجوز أن يكون ذلك من نحو قولهم: تمسكن الرجل, فأثبتوا ميم مسكينٍ, وإنما القياس أن يقولوا: تسكن, وإذا حمل مكان على أنه من الكون وجب أن يقال في جمعه: مكاون, كما قالوا في جمع مقامٍ: مقاوم, قال الشاعر: [الطويل] وإني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جريرٍ يقومها وقالوا: تمكن فلان في الموضع, فإن كان مكان من الكون فوزن أمكنةٍ: أمفلة؛ لأن عين الفعل سقط, ويجوز أن يكون مكان مشتقًا من مكن الضباب؛ أي: بيضها, قال الشاعر: [المتقارب] ومكن الضباب طعام العريـ ... ـب لا تشتهيه نفوس العجم والأشبه أن يكون قولهم: أمكنة على سبيل الغلط, وظنهم أن الميم أصلية, وإذا أخذ المكان من المكن؛ فالمراد أن المكان يقام فيه مقامًا دائمًا, كما أن مكن الضب يدوم في موضعه؛ فأما قول الشاعر: [الكامل]

стр. 838

بمجر منتحر الطلي تعفرت ... فيه الظباء بكل جو ممكن باض النعام به فنفر سكنه ... إلا المقيم على الدوى المتأفن أراد بالطلي الحمل من النجوم, شبهه بالحمل من الضأن؛ لأنهم يقولون: طليت الحمل إذا شددت رجله بالطلاء, وهو خيط, ويقال للطلاء: طلية, قال الرجز: [الرجز] ما زال مذ قرف عنه جلبه ... له من اللؤم طلاء يجذبه يريد أن الحمل من النجوم مطر في هذا الموضع فتعفرت فيه الظباء؛ أي: تمرغت فالتصقت بالعفر, وهو التراب. والجو: البطن من الأرض, والممكن يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون من مكن الضباب؛ أي: قد باضت فيه, والآخر أن يكون من المكنان, والمكنان: هو ضرب من النبت؛ أي: إنه قد نبت في هذا الموضع. وقوله: باض النعام, أي: مطر بنوء النعائم من النجوم, فجعل مطرها كبيض النعام على معنى الاستعارة, وسكنه؛ أي: أهله, قال أبو ذؤيب: [الطويل] أساءلت رسم الدار أم لم تسائل ... عن السكن أم عن عهده بالأوائل يقول: مطر النعام بذلك الموضع, ونوؤها وخم وبيل فاعتل المقيمون به, ونفر الأصحاء, ولم يتخلف فيه إلا من أقام على مريضٍ. والدوى في هذا الموضع: الذي به داء, والمتأفن: الذي قد ذهبت قوته, وهو مأخوذ من قولهم: أفنت الناقة إذا استقصيت حلبها, قال الشاعر: [الطويل] إذا أفنت أروى عيالك أفنها ... وإن حينت أوفى على الوطب حينها حينت: أي: خليت في حينٍ بعد حينٍ.

стр. 839

وقوله: (١٣١/ب) أمطر على سحاب جودك ثرةً ... وانظر إلي برحمةٍ لا أغرق يقال: أمطر ومطر, وكان أبو عبيدة يقول: إن أمطر لا يستعمل إلا في إمطار العقوبة, وقال غيره: يقال: مطر وأمطر بمعنى واحد, ويقال: سحابة ثرة؛ أي: كثيرة الماء بينة الثرارة والثرورة, وكذلك عين ثرة إذا كانت كثيرة الدمع, قال الراجز: [الرجز] يا من لعينٍ ثرة المدامع ... يحفشها الشوق بماءٍ هامع ويقال: فرس ثر؛ أي: كثير الجري, قال الشاعر: [الهزج] وقد أغدو إلى الهيجا ... ء بالمحتبك الثر ومن بيتين أولهما سقاني الخمر قولك لي بحقي ... وود لم تشبه لي بمذق وهما من أول الوافر. قوله: يمينًا لو حلفت وأنت ناءٍ ... على قتلي بها لضربت عنقي نصب يمينًا على تقدير قوله: حلفت يمينًا, أو أعني يمينًا, ونحو ذلك, وكثر تردد اليمين في كلامهم حتى سموا قول الإنسان «والله» يمينًا, قال الشاعر: [الوافر] فلا والله لا أولي عليها ... لتمنع سائلًا منها يمين وأصل ذلك أن أحدهم كان لا يحلف للآخر حتى يبسط اليد اليمنى من يديه إليه فيصافحه بها, ثم كثر ذلك حتى سموا الحلف يمينًا, وإن لم تبسط فيه اليد.

стр. 840

والوجه فتح التاء في قوله: حلفت؛ لأن الممدوح هو الذي حلف, وضم التاء له معنى, ولكن الشاعر لم يرده؛ لأنه يجعل نفسه الحالفة, وليس الأمر كذلك. وقافيتها من المتواتر. ومن أبيات أولها وذات غدائر لا عيب فيها ... سوى أن ليس تصلح للعناق وهي من أول الوافر. وهي في صفة لعبةٍ, وخبرها مذكور في ديوان أبي الطيب. والغدائر: جمع غديرةٍ, وهو مأخوذ من أغدرت الشيء إذا تركته؛ وذلك أن شأن الناس أن يحلقوا شعورهم, فإذا ترك الشعر حتى يصير ذؤابةً, فقد أغدره صاحبه؛ أي: تركه. وقد جرت عادة النساء بتوفير الشعر, فقيل لذوائبهن: الغدائر. وقوله: أمرت بأن تشال ففارقتنا ... وما ألمت لحادثة الفراق تشال من قولهم: أشلت الشيء إذا رفعته, وشال هو إذا ارتفع, قال الشاعر: [الكامل] فإذا وضعت أباك في ميزانهم ... رجحوا وشال أبوك في الميزان وإنما قيل للشهر: شوال؛ لأنه سمي بذلك حين تشول الإبل بأذنابها, وهو من باب قولهم: ليل نائم؛ أي: ينام فيه, وكذلك ليس الشهر بشائلٍ, وإنما تشول الإبل, قال امرؤ القيس: [السريع] حتى تركناهم لدى معركٍ ... أرجلهم كالخشب الشائل أراد أن القتيل إذا ترك لم يدفن انتفخ فشالت رجله. وقافية هذه الأبيات من المتواتر.

стр. 841

ومن قطعة أولها قالوا لنا مات إسحق فقلت لهم ... هذا الدواء الذي يشفي من الحمق ووزنها من البسيط الأول. والمعنى أن الحمق لا دواء له إلا الموت, وروى بعضهم أن المسيح ﵇ لما أبرأ الأكمه والأبرص جاؤوه بأحمق فقالوا: أبرئ لنا هذا, فقال: هو من عمل الأب, فإذا صح أنه كان يعبر عن الله جلت عظمته بالأب, فإنما أراد أنه يفعل أشياء لا يفعلها غيره, ومن شأنهم إذا ظهر من الإنسان خلق كالسماحة والشجاعة جعلوه أبًا لذلك الخلق, كما قالوا للذي يضيف الناس: هو أب الأضياف, فجعله أباهم وإن كانوا غربا لم يروه قط, ولم يرهم, وقد أبان ذلك القائل في صفة الأضياف: [البسيط] أدعى أباهم ولم أقرف بأمهم ... وقد عمرت ولم أعرف لهم نسبا وجعل امرأته أما لهم, فقال: [البسيط] وقلت لما غدوا أوصي قعيدتنا ... غدي بنيك فلن تلقيهم حقبا وقوله (١٣٢/أ): تستغرق الكف فوديه ومنكبه ... وتكتسي منه ريح الجورب العرق تستغرق: تستفعل من الغرق في الماء, ثم قيل: استغرق الرجل كذا إذا أخذه أجمع فصار المأخوذ كأنه غريق في الماء باحتواء الآخذ عليه, والفودان جانبا الرأس, وأسرف القائل في صفة هذا المذكور بصغر الرأس وضؤولة الخلق. والجورب يوصف بكراهة الرائحة, وأنشد ابن السكيت: [الكامل] ومؤولقٍ داويت نخوة رأسه ... وتركته ذفرًا كريح الجورب ومؤولقٍ: أي: به أولق, وهو الجنون. وقافية هذه الأبيات من المتراكب وهو ثلاثة أحرف

стр. 842

متحركة بعدها ساكن, كقوله: خرقي, ونحو ذلك. واللام في الخرق من القافية عند الخليل وأول حرف فيها الفاء من في. ومن قطعة أولها وجدت المدامة غلابةً ... تهيج للمرء أشواقه ووزنها من المتقارب الثالث. قوله: وأنفس مال الفتى لبه ... وذو اللب يكره إنفاقه هذا البيت حث على الإنسان بترك الخمر؛ لأنه ذكر أن أفضل ما في المرء لبه, ومن له لب يكره أن ينفقه. وقوله: وقد مت أمس بها موتةً ... ولا يشتهي الموت من ذاقه جعل السكر موتًا, واحتج بأن الموت إذا ذاقه الإنسان ثم عاش لم يشته أن يذوقه ثانيةً, وكان بعض الأدباء الرؤساء يرفع الموت في هذا البيت؛ فيجوز أن يكون على معنى السهو, فإن كان قاله عامدًا فله معنى صحيح؛ وذلك أن الموت إذا ذاق الإنسان مرةً لم يعد إليه. وقافية هذه الأبيات من المتدارك, وهي القاف والهاء والواو وعند الخليل: ذاقه. ومن أبيات أولها أي محل أرتقي ... أي عظيمٍ أتقي وزنها من ثالث الرجز. قوله: وكل ما قد خلق الـ ... ـله وما لم يخلق محتقر في همتي ... كشعرةٍ في مفرقي وقافيتها من المتدارك, وهي رقي من مفرقي, والقافية عند الخليل مفرقي بكليتها. * * *

стр. 843

ذكر ما جاء على قافية الكاف من قطعة أولها رب نجيعٍ بسيف الدولة انسفكا ... ورب قافيةٍ غاظت به ملكا وهي من البسيط الأول. ولم يزاحف أبو الطيب زحافًا تنكره الغريزة إلا في هذا الموضع, ولا ريب أنه قاله على البديه, ولو أن لي حكمًا في البيت لجعلت أوله: كم من نجيع؛ لأن رب تدل على القلة, وإنما يجب أن يصف كثرة سفكه دماء الأعداء, ويحسن ذلك أن رب جاءت في النصف الثاني, وهي ضد كم. وقوله: من يعرف الشمس لا ينكر مطالعها ... أو يبصر الخيل لا يستكرم الرمكا يقال: استكرم الشيء إذا قال: هو كريم, واستعظمه إذا شهد له بالعظمة, والرمكة: أنثى البرذون, والبرذون: أصله أعجمي, وقد استعملته العرب, قال الراجز: [الرجز] إن ابراذين إذا جرينه ... مع الجياد مرةً أعيينه وقالوا: برذونة للأنثى, قال الشاعر: [الطويل] برذونة بل البراذين ثفرها ... وقد شربت من آخر الصيف إيلا والرمكة: لم تجئ في الشعر إلا أن تكون شاذةً؛ لأنها إذا جات في حشو البيت اجتمعت فيها أربعة أحرفٍ متحركة, وذلك مستثقل, وقد جاء جمعها في قول الراجز: [الرجز]

стр. 844

ضخم المقذين كبرذون الرمك ويجوز أن تكون سميت رمكةً؛ لأنها ليس لها سرعة الجياد, فتكون مأخوذةً من قولهم: رمك بالموضع إذا أقام به, أرادوا أنها بطيئة الانتقال, وقافيتها من المتراكب, وهي قوله: ملكا, ويلزم الخليل أن يكون أول القافية الهاء من قوله: به إلى آخر البيت. ومن أبيات أولها إن هذا الشعر في الشعر ملك ... سار فهو الشمس والدنيا فلك وزنها من ثالث الرمل. قوله: ملك يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون فعلًا ماضيًا من قولهم: ملك يملك إذا غلب, وصار ملكًا, والآخر أن يدعى له (١٣٢/ب) أنه ملك من الملائكة. وقافيتها يشترك فيها جنسان: المتراكب والمتدارك, فالمتراكب مثل قوله: في الشعر ملك, فالقافية من الراء إلى آخر البيت, ويلزم الخليل أن تكون القافية من شين الشعر إلى آخر البيت. والمتدارك كقوله: والحمد لك فالقافية قوله: «دلك» , ويلزم الخليل أن تكون القافية أولها الحاء من الحمد وآخرها الكاف. ومن قطعة أولها لئن كان أحسن في وصفها ... لقد ترك الحسن في الوصف لك وزنها من ثالث المتقارب. قوله: كأنك سيفك لا ما ملكـ ... ت يبقى لديك ولا ما ملك

стр. 845

وصفه بالجود, ووصف سيفه بكثرة القتل؛ فجعله إذا ملك شيئًا يصلح أن يوهب وهبه, وجعل سيفه كالذي يملك الناس إذا قدر على قتلهم, فهو لا يبقي على من ملكه, وإنما المعنى صاحب السيف. وذهب بعض أهل اللغة إلى أن اشتقاق السيف من السواف؛ أي: الهلاك, يقال: أساف الرجل إذا ذهب ماله, قال حميد بن ثور: [الطويل] فما لهما من مرسلين لحاجةٍ ... أسافا من المال التلاد وأعدما فكأنهم ذهبوا إلى أن أصل السيف: سيف, وهو من ذوات الواو, فلما خفف قيل: سيف, كما قالوا في ميت: ميت, وهو من: مات يموت. والبركة يجوز أن يكون اشتقاقها من البركة؛ لأنها لا تتخذ إلا في أرضٍ مأمولة النفع, وقيل: إنما قيل لها بركة؛ لأن الإبل تبرك حولها, وقد أنشد بعضهم قول زهيرٍ: [البسيط] حتى استغاثت بماءٍ لا رشاء له ... من ذي الأباطح في حافاته البرك بكسر الباء يريد جمع بركة, ومن ضم الباء ذهب إلى أن البرك جنس من البط. وقافيتها من المتدارك, وهي ملك, وعلى رأي الخليل هي: ما ملك. ومن بيتين أولهما قد بلغت الذي أردت من البر ... ر ومن حق ذا الشريف عليكا وزنهما من الخفيف الأول. وكان أبو الطيب يردد ذا في شعره كثيرًا حتى عابه عليه بعض الناس. وقوله: ذا الشريف أي هذا, والشريف من الناس: الذي له آباء شراف, ويقال: إن أهل اليمن يخاطبون من كان من أهل المملكة في حمير بالشريف. والقافية من المتواتر, وعند الخليل: أن أول القافية من إليك.
следующие страницы →