Полный текст (1 484 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
ومن قطعة أولها
قالوا لنا مات إسحق فقلت لهم ... هذا الدواء الذي يشفي من الحمق
ووزنها من البسيط الأول.
والمعنى أن الحمق لا دواء له إلا الموت, وروى بعضهم أن المسيح ﵇ لما أبرأ الأكمه والأبرص جاؤوه بأحمق فقالوا: أبرئ لنا هذا, فقال: هو من عمل الأب, فإذا صح أنه كان يعبر عن الله جلت عظمته بالأب, فإنما أراد أنه يفعل أشياء لا يفعلها غيره, ومن شأنهم إذا ظهر من الإنسان خلق كالسماحة والشجاعة جعلوه أبًا لذلك الخلق, كما قالوا للذي يضيف الناس: هو أب الأضياف, فجعله أباهم وإن كانوا غربا لم يروه قط, ولم يرهم, وقد أبان ذلك القائل في صفة الأضياف: [البسيط]
أدعى أباهم ولم أقرف بأمهم ... وقد عمرت ولم أعرف لهم نسبا
وجعل امرأته أما لهم, فقال: [البسيط]
وقلت لما غدوا أوصي قعيدتنا ... غدي بنيك فلن تلقيهم حقبا
وقوله (١٣٢/أ):
تستغرق الكف فوديه ومنكبه ... وتكتسي منه ريح الجورب العرق
تستغرق: تستفعل من الغرق في الماء, ثم قيل: استغرق الرجل كذا إذا أخذه أجمع فصار المأخوذ كأنه غريق في الماء باحتواء الآخذ عليه, والفودان جانبا الرأس, وأسرف القائل في صفة هذا المذكور بصغر الرأس وضؤولة الخلق. والجورب يوصف بكراهة الرائحة, وأنشد ابن السكيت: [الكامل]
ومؤولقٍ داويت نخوة رأسه ... وتركته ذفرًا كريح الجورب
ومؤولقٍ: أي: به أولق, وهو الجنون. وقافية هذه الأبيات من المتراكب وهو ثلاثة أحرف
стр. 842
متحركة بعدها ساكن, كقوله: خرقي, ونحو ذلك. واللام في الخرق من القافية عند الخليل وأول حرف فيها الفاء من في.
ومن قطعة أولها
وجدت المدامة غلابةً ... تهيج للمرء أشواقه
ووزنها من المتقارب الثالث.
قوله:
وأنفس مال الفتى لبه ... وذو اللب يكره إنفاقه
هذا البيت حث على الإنسان بترك الخمر؛ لأنه ذكر أن أفضل ما في المرء لبه, ومن له لب يكره أن ينفقه.
وقوله:
وقد مت أمس بها موتةً ... ولا يشتهي الموت من ذاقه
جعل السكر موتًا, واحتج بأن الموت إذا ذاقه الإنسان ثم عاش لم يشته أن يذوقه ثانيةً, وكان بعض الأدباء الرؤساء يرفع الموت في هذا البيت؛ فيجوز أن يكون على معنى السهو, فإن كان قاله عامدًا فله معنى صحيح؛ وذلك أن الموت إذا ذاق الإنسان مرةً لم يعد إليه. وقافية هذه الأبيات من المتدارك, وهي القاف والهاء والواو وعند الخليل: ذاقه.
ومن أبيات أولها
أي محل أرتقي ... أي عظيمٍ أتقي
وزنها من ثالث الرجز.
قوله:
وكل ما قد خلق الـ ... ـله وما لم يخلق
محتقر في همتي ... كشعرةٍ في مفرقي
وقافيتها من المتدارك, وهي رقي من مفرقي, والقافية عند الخليل مفرقي بكليتها.
* * *
стр. 843
ذكر ما جاء على قافية الكاف
من قطعة أولها
رب نجيعٍ بسيف الدولة انسفكا ... ورب قافيةٍ غاظت به ملكا
وهي من البسيط الأول. ولم يزاحف أبو الطيب زحافًا تنكره الغريزة إلا في هذا الموضع, ولا ريب أنه قاله على البديه, ولو أن لي حكمًا في البيت لجعلت أوله: كم من نجيع؛ لأن رب تدل على القلة, وإنما يجب أن يصف كثرة سفكه دماء الأعداء, ويحسن ذلك أن رب جاءت في النصف الثاني, وهي ضد كم.
وقوله:
من يعرف الشمس لا ينكر مطالعها ... أو يبصر الخيل لا يستكرم الرمكا
يقال: استكرم الشيء إذا قال: هو كريم, واستعظمه إذا شهد له بالعظمة, والرمكة: أنثى البرذون, والبرذون: أصله أعجمي, وقد استعملته العرب, قال الراجز: [الرجز]
إن ابراذين إذا جرينه ... مع الجياد مرةً أعيينه
وقالوا: برذونة للأنثى, قال الشاعر: [الطويل]
برذونة بل البراذين ثفرها ... وقد شربت من آخر الصيف إيلا
والرمكة: لم تجئ في الشعر إلا أن تكون شاذةً؛ لأنها إذا جات في حشو البيت اجتمعت فيها أربعة أحرفٍ متحركة, وذلك مستثقل, وقد جاء جمعها في قول الراجز: [الرجز]
стр. 844
ضخم المقذين كبرذون الرمك
ويجوز أن تكون سميت رمكةً؛ لأنها ليس لها سرعة الجياد, فتكون مأخوذةً من قولهم: رمك بالموضع إذا أقام به, أرادوا أنها بطيئة الانتقال, وقافيتها من المتراكب, وهي قوله: ملكا, ويلزم الخليل أن يكون أول القافية الهاء من قوله: به إلى آخر البيت.
ومن أبيات أولها
إن هذا الشعر في الشعر ملك ... سار فهو الشمس والدنيا فلك
وزنها من ثالث الرمل.
قوله: ملك يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون فعلًا ماضيًا من قولهم: ملك يملك إذا غلب, وصار ملكًا, والآخر أن يدعى له (١٣٢/ب) أنه ملك من الملائكة.
وقافيتها يشترك فيها جنسان: المتراكب والمتدارك, فالمتراكب مثل قوله: في الشعر ملك, فالقافية من الراء إلى آخر البيت, ويلزم الخليل أن تكون القافية من شين الشعر إلى آخر البيت. والمتدارك كقوله: والحمد لك فالقافية قوله: «دلك» , ويلزم الخليل أن تكون القافية أولها الحاء من الحمد وآخرها الكاف.
ومن قطعة أولها
لئن كان أحسن في وصفها ... لقد ترك الحسن في الوصف لك
وزنها من ثالث المتقارب.
قوله:
كأنك سيفك لا ما ملكـ ... ت يبقى لديك ولا ما ملك
стр. 845
وصفه بالجود, ووصف سيفه بكثرة القتل؛ فجعله إذا ملك شيئًا يصلح أن يوهب وهبه, وجعل سيفه كالذي يملك الناس إذا قدر على قتلهم, فهو لا يبقي على من ملكه, وإنما المعنى صاحب السيف. وذهب بعض أهل اللغة إلى أن اشتقاق السيف من السواف؛ أي: الهلاك, يقال: أساف الرجل إذا ذهب ماله, قال حميد بن ثور: [الطويل]
فما لهما من مرسلين لحاجةٍ ... أسافا من المال التلاد وأعدما
فكأنهم ذهبوا إلى أن أصل السيف: سيف, وهو من ذوات الواو, فلما خفف قيل: سيف, كما قالوا في ميت: ميت, وهو من: مات يموت. والبركة يجوز أن يكون اشتقاقها من البركة؛ لأنها لا تتخذ إلا في أرضٍ مأمولة النفع, وقيل: إنما قيل لها بركة؛ لأن الإبل تبرك حولها, وقد أنشد بعضهم قول زهيرٍ: [البسيط]
حتى استغاثت بماءٍ لا رشاء له ... من ذي الأباطح في حافاته البرك
بكسر الباء يريد جمع بركة, ومن ضم الباء ذهب إلى أن البرك جنس من البط. وقافيتها من المتدارك, وهي ملك, وعلى رأي الخليل هي: ما ملك.
ومن بيتين أولهما
قد بلغت الذي أردت من البر ... ر ومن حق ذا الشريف عليكا
وزنهما من الخفيف الأول. وكان أبو الطيب يردد ذا في شعره كثيرًا حتى عابه عليه بعض الناس. وقوله: ذا الشريف أي هذا, والشريف من الناس: الذي له آباء شراف, ويقال: إن أهل اليمن يخاطبون من كان من أهل المملكة في حمير بالشريف. والقافية من المتواتر, وعند الخليل: أن أول القافية من إليك.
стр. 846
ومن قطعة أولها
بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا ... وجدت بي وبدمعي في مغانيكا
الوزن من ثاني البسيط.
قوله:
فعم صباحًا لقد هيجت لي شجنًا ... واردد تحيتنا إنا محيوكا
الذين قالوا: عم يريدون الأمر من وعم يعم, ودعوا للربع بذلك, يقال: وعم الإنسان إذا كان في خيرٍ. وقد ذهب قوم إلى أن: عم صباحًا من قولهم: نعم ينعم, فحذفوا النون من ينعم, والقول الأول أشبه.
وقوله:
ولو نقصت كما قد زدت من كرمٍ ... على الورى لرأوني مثل قاليكا
ولو نقصت نقصًا مثل زيادتك في كرمك لرآني الناس مثل مبغضك, والقلى البغض. يقال: قلى بكسر القاف مقصورًا, فإذا فتحوا القاف مدوا فقالوا: قلاء, قال الشاعر: [الطويل]
لك الله عندي لاجفيت ظعينةً ... ومالك مني إن قليت قلاء
وقوله:
مازلت تتبع ما تولي يدًا بيدٍ ... حتى ظننت حياتيمن أياديكا
يقال ليد الإنسان: يد, وجمعها في القلة: أيدٍ, وجمعو الجمع فقالوا: أيادٍ.
واستعاروا اليد في النعمة فقالوا: لفلانٍ عندي يد؛ أي: قد أحسن إلي, وأصل ذلك أن الرجل إذا أعطى الفقير شيئًا أعطاه إياه بيده, وإذا قال الإنسان للآخر: لك عندي يد احتمل وجهين:
أحدهما: أنك أعطيتني ملء يدك.
стр. 847
والآخر: أن يعني الموهوب له يد نفسه؛ أي: أعطيتني يدي.
وفي حكايةٍ معناها أن أبا الخطاب الأخفش كان عند أبي عمرو بن العلاء, فقال أبو عمروٍ كلامًا يدل على أن الأيادي لا تستعمل إلا في النعم. وأنكر أن تكون جمع أيدٍ من الأيدي التي هي الأكف, فلم يقل له أبو الخطاب شيئًا, فلما انصرف أبو الخطاب قال لأصحابه: والله إنها لفي حفظه, ولكنه نسي, وأنشدهم: [الخفيف]
ساءها ما تأملت في أياديـ ... ـنا وأشناقها إلى الأعناق
يعني: جمع شنقٍ, وهو ما يشد به الشيء إذا قرن بغيره, أخذ من شناق القربة. وقالوا في جمع يدٍ: يدي, وأنشد أبو زيدٍ (١٣٣/أ): [الطويل]
فلن أذكر النعمان إلا بصالحٍ ... فإن له عندي يديًا وأنعما
فقالوا: جمع يدًا على يدي, كما يقال: كلب وكليب, وعبد وعبيدٍ, وققيل: جمعها على مثال: ثدي وثدي واستثقل الضمة على الياء ففتحها, وقيل: هو فعيل في معنى مفعولٍ, كما قالوا: مرمي ورمي؛ وذلك أنهم قالوا: يديت إليه يدًا, قال الشاعر: [الوافر]
يديت على ابن حسحاس بن وهبٍ ... بأسفل ذي الجذاة يد الكريم
وحكى أبو زيد: اليدى في وزن الرحى, وأنشد [الكامل]
قد أقسموا لا يمنحونك نقرةً ... حتى تمد إليهم كف اليدا
стр. 848
وقالوا في التثنية: يديان, قال الشاعر: [الكامل]
يديان بيضاوان عند محجرٍ ... قد يمنعانك أن تضام وتضهدا
والقافية من المتواتر وهي كا, وعلى رأي الخليل: لوكا من: يعلوكا.
ومن بيتين أولهما
أما ترى ما أراه إليها الملك ... كأننا في سماءٍ ما لها حبك
وزنهما من البسيط الأول.
الحبك: أثر الصنعة في السماء وغيرهما, ويقال: لهذا الماء حبك إذا كانت فيه طرائق, قال زهير وذكر ماءً: [البسيط]
مكللٍ بأصول النبت تحفزه ... ريح حريق لصافي مائه حبك
ويقال في صفة القوم: هم يضربون حبيك البيض؛ أي: الذي فيه أثر الصنعة, قال زهير: [البسيط]
هم يضربون حبيك البيض عن عرضٍ ... تحت العجاج إذا ما استلحموا وحموا
وقوله:
الفرقد ابنك والمصباح صاحبه ... وأنت بدر الدجى والمجلس الفلك
جعل ابنه كالفرقد, والمصباح كالفرقد الآخر. والهاء في صاحبه يجوز أن تعود على الابن, والأجود أن تكون عائدةً على الفرقد. وقافيتهما من المتراكب, وهي حبك, وأول القافية على رأي الخليل: الهاء من لها إلى آخر البيت.
стр. 849
ومن التي أولها
فدى لك من يقصر عن مداكا ... فلا ملك إذًا إلا فداكا
الوزن من أول الوافر.
يقال: فدى لك وفدى لك, ويمدون إذا كسروا الفاء, ويقصرون, والمراد الذي قصده الشاعر أن الخلق كلهم فداء للممدوح؛ لأنهم يقصرون عن مداه.
وقوله:
ولو قلنا فدى لك من يساوي ... دعوانا بالبقاء لمن قلاكا
يقول: لو قلنا فدى لك من يساويك لكان ذلك دعاء لأعدائك بطول البقاء إذ كنت ليس لك مساوٍ في الخلق.
وقوله:
وآمنا فداءك كل نفس ... وإن كانت لمملكة ملاكا
يقال: هو ملاك الشيء؛ أي: قوامه, وكسر الميم أفصح, وقد تفتح, وهو مأخوذ من قولهم: ملكت العجين إذا شددته, وملك فلان كفه بالطعنة إذا طعن طعنةً منكرةً, قال قيس ابن الخطيم: [الطويل]
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دنها ماء وراءها
وهذا البيت معطوف على ما قبله؛ أي: لو قلنا: فدى لك من يساويك؛ لآمنا كل نفس أن تفديك وإن كانت نفس ملك.
وقوله:
ومن يظن نثر الحب جودا ... وينصب تحت ما نثر الشباكا
يقال: يطن بطاءٍ مشددةٍ, وبظاءٍ فيها تشديد, وبظاءٍ وطاءٍ, وكل تاء افتعالٍ وما تصرف منه مثل: افتعل ويفتعل ومفتعل إذا كان قبلها ظاء أو طاء قلبت طاءً, وجاز فيها ثلاثة أوجه, وهي التي تقدم ذكرها وبيت زهير ينشد على ذلك, وهو قوله: [البسيط]
стр. 850
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوًا ويظلم أحيانًا فيظلم
ينشد بطاءٍ مشددةٍ فيقال: يطلم, وبظاء مع تشديد, فيقال: يظلم, وبظاء بعدها طاء, فيقال: يظطلم. وقوله: ومن في أول البيت موضعها نصب لأنها معطوفة على قوله: كل نفسٍ, ويجوز أن تكون مخفوضةً معطوفةً على نفسٍ كأنه يومئ بهذا القول إلى الذي قال فيه: [السريع]
لو كان ذا الآكل أزوادنا ... ضيفًا لأوليناه إحسانا
لكننا في العين أضيافه ... يوسعنا زورًا وبهتانا
فليته خلى لنا طر قنا ... أعانه الله وإيانا
والمعنى: أن بعض الملوك مثله مثل من ينثر الحب للطير كي يوقعها في الشبكة, ويظن أن ذلك جود, وإنما هو احتيال ومكر.
وقوله:
ومن بلغ التراب به كراه ... وقد بلغت به الحال السكاكا
من: هاهنا في موضعها مثل من في البيت الذي تقدم, والأجود أن تكونا جميعًا في موضع نصبٍ. والسكاك: الهواء بين السماء والأرض, يقول: لو قلنا: فدى لك من يساوي لأمنت هذه الجماعة أن تفديك, وفيهم من ك أنه (١٣٣/ب) في كرى من غلفته فقد خفض ذلك منزلته, وإن كانت حاله قد رفعته في الهواء.
وقوله:
فلو كانت قلوبهم صديقًا ... لقد كانت خلائقهم عداكا
الصديق: يستعمل للواحد والاثنين والجمع, والمذكرو المؤنث, وجمعه صدقان وصدقان, ويقال: إن رؤبة كان جالسًا وحوله جماعة يوم الجمعة بعد انصرافهم من الصلاة, والجماعة كثيرة قد سدت الطريق, وأقبلت عجوز ومعها شيء قد اشترته, فقال رؤبة: [الرجز]
تنح للعجوز عن طريقها ... قد أقبلت رائحةً من سوقها
دعها فما النحوي من صديقها
стр. 851
فيجوز أن يكون أراد من أصدقائها فاستعمل الواحد مكان الجمع, ويجوز أن يكون أراد مضافًا فحذفه كأنه قال: من جنس صديقها أو من صحب صديقها, وقال جميل: [الطويل]
كأن لم نحارب يا بثين لو انها ... تكشف غماها وأنت صديق
يقول: لو كانت قلوب هؤلاء القوم صادقةً في محبك وموالاتك لكانت أخلاقهم أعداء لك؛ لأنك شجاع, وهم جبناء, وجواد وفيهم بخل, ونحو ذلك.
وقوله:
لأنك مبغض حسبًا نحيفًا ... إذا أبصرت دنياه ضناكا
الحسب: من يعده الرجل من آبائه, وما يحسبه من مكارمه, واستعار النحافة للحسب, وقد سبقت الشعراء إلى نحو ذلك, فقالوا: بنو فلان أدقاء؛ أي: ليس لهم شرف. وفلان مهزول الحسب, قال الشاعر: [الرمل]
رب مهزولٍ سمينٍ عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
والضناك: قد مر ذكرها, وهي المرأة التي يكثر لحمها حتى يرجم بعضه بعضًا, قال جميل: [الطويل]
ضناك على نيرين أمست لداتها ... بلين بلا الريطات وهي جديد
ويقال: نخلة مضانك إذا زاحمت النخلة التي إلى جانبها, قال غالب بن الحر الجعفي: [الطويل]
يقول لها الزوار أين خيارها ... أهاتيك أم هاتي التي لم تضانك
ومن ذلك قيل: رجل مضنوك: إذا أصابه زكام كأنه يضيق أنفه.
стр. 852
وقوله:
أحاذر أن يشق على المطايا ... فلا تمشي بنا إلا سواكا
السواك: مشي ضعيف, وربما قالوا: هو مشي الجائع, وقال بعض الخوارج: [الطويل]
إلى الله أشكو ما أرى من جيادنا ... تساوك هزلى مخهن قليل
وحدث أبو الحسين علي بن الحسين المغربي ﵀ أن عضد الدولة كان فيما حمله إلى أبي الطيب خمسون ألف درهمٍ, وزن كل درهمٍ درهم ونصف, جعلها في شقة ديباجٍ, وأعطاه سوى ذلك من البخاتي, وغيرها.
وقوله:
أتتركني وعين الشمس نعلي ... فتقطع مشيتي فيها الشراكا
هذا استفهام ليس عن جهلٍ, وإنما هو تقرير وإعلام أن ما يفعله خطأ, ولكنه مضطر إلى فعله, كما تقول للرجل: أتكرمني هذه الكرامة وأفارقك؛ أي: إن ذلك لا يجب, ولا يحسن؛ لأنك قد رفعتني حتى جعلت عين الشمس نعلي فأمشي فيها مشيًا يقطع الشراك؛ أي: لا ينبغي أن أفعل ذلك. ويجوز نصب تقطع ورفعها؛ فالرفع عطف على تتركني, والنصب على إضمار أن؛ لأنه جواب استفهام بالفاء.
وقوله:
أرى أسفي وما سرنا شديدًا ... فكيف إذا غدا السير ابتراكا
الابتراك: أن يعتمد في أحد جانبيه إذا عدا, قال زهير: [البسيط]
مرًا كفيتًا إذا ما الماء أسهلها ... حتى إذا ضربت بالسوط تبترك
وهذا المعنى يتردد كثيرًا. ومن أحسن ما قيل فيه بيت ينسب إلى جميلٍ, وهو: [الطويل]
стр. 853
أشوقًا ولما تمض لي بعد ليلة ... رويد الهوى حتى تغب لياليا
وقوله:
وهذا الشوق قبل البين سيف ... وها أنا ما ضربت وقد أحاكا
يقول: شوقي كأنه سيف ولم أرتحل بعد, ولم أضرب بذلك السيف, وقد أحاك في؛ أي: أثر, وهذه مبالغة في صفة الشوق.
وقوله (١٣٤/أ):
إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا
يقول: إذا هممت بالتوديع أمرني قلبي بالصمت, ودعا علي فقال: لا صاحبت فاك؛ أي: ليتك لا فم لك تنطق به فتودع.
وقوله:
ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا
مناك: في موضع نصب؛ لأنها كالمعطوفة على قوله: فاك؛ أي: لا صاحبت فمك, ولا أمانيك, وإنما يريد مناه التي تخطر بقلبه لا الأماني التي تبلغ؛ لأنه بخل عليه بأن يتمنى شيئًا لم يكن بعد؛ لأن الأماني ربما تعلل بها أخو الهم, ومن ذلك قول القائل: [البسيط]
إذا تمنيت بت الليل مغتبطًا ... إن المنى رأس أموال المفاليس
ومنه قول مالك بن الريب: [الطويل]
فيا زيد عللنا بمن يسكن الغضا ... وإن لم يكن يا زيد إلا أمانيا
стр. 854
وقوله:
قد استشفيت من داءٍ بداءٍ ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا
يقول قلبه: قد استشفيت من داءٍ, وهو فراق هذه الحضرة, بداءٍ, وهو الوداع, وأقتل ما أعلك الذي يشفيك فيما تظن, وهو وداعك.
وقوله:
فأستر منك نجوانا وأخفي ... همومًا قد أطلت لها العراكا
هذه الأبيات كلها حكاية عن القلب. نجوانا: أي: سرارنا؛ يعني القلب مناجاته للهموم.
وقوله:
إذا عاصيتها كانت شدادًا ... وإن طاوعتها كانت ركاكا
الركاك: جمع ركيكٍ, وهو الضعيف, وكل ضعيفٍ ركيك, ومنه قولهم: مطر رك إذا كان ضعيفًا, قال الشاعر: [الرجز]
كأن فاها عبقر بارد ... أو ريح روضٍ مسه تنفاح رك
العبقر: البرد.
وقوله:
وكم دون الثوية من حزين ... يقول له قدومي ذا بذاكا
ومن عذب الرضاب إذا أنخنا ... يقبل رحل تروك والوراكا
تروك: اسم بختيةٍ كان وهبها له عضد الدولة, والوراك: ما يتورك عليه الراكب من أديمٍ أو غيره, والثوية: أرض قريب من الكوفة.
وقوله:
يحرم أن يمس الطيب بعدي ... وقد عبق العبير به وصاكا
العبير: الزعفران, ويقال: بل هو أخلاط من الطيب تجمع. وصاك به الطيب إذا علق.
وكأن (عبق) مستعمل في الرائحة. وصاك الطيب بالجسد إذا تبين أثره عليه.
стр. 855
وقوله:
ويمنع ثغره من كل صب ... ويمنحه البشامة والأراكا
يقال: يمنح ويمنح, وكسر النون أفصح, وأصل المنيحة العارية, ثم سموا العطية منحةً ومنيحةً, والبشام والأراك والضرو والنعض والعتم كل ذلك يستعمل في السواك. والضرو: البطم, والعتم: زيتون البر. وحدث بعض التجار أنه كان بطبرية فجاءت بدوية تشتري لابنةٍ لها كفنًا فرأوا فيها شيئًا من فصاحةٍ, فقالوا: أرثيت ابنتك بشيءٍ؟ فأنشدتهم:
ألا حبذا أنياب مرضية العلى ... إذا ظل يجري بينهن قضيب
قضيب بشامٍ لا قضيب أراكةٍ ... تخيره الجانون وهو رطيب
وقوله:
يحدث مقلتيه النوم غني ... فليت النوم حدث عن نداكا
وإن البخت لا يعرقن إلا ... وقد أنضى العذافرة اللكاكا
خبر عن الذي وصفه بعذوبة الرضاب يحدثه النوم عنه؛ فتمنى أنه النوم يحدث عن ندرى الممدوح, ويعلم المشتاق أن العيس لا يعرقن, أي: يصلن إلى العراق إلا وقد أنضاها ما هي حاملة من المال, وغيره؛ أي: جعلها أنضاءً.
والعذافرة, بفتح العين: جمع عذافرةٍ, واللكاك: كأنه جمع لكيكةٍ. واللكيك: اللحم, ويقال: ناقة لكية؛ أي كثيرة اللك وهم اللحم. قال المثقب العبدي: [السريع]
حتى تلافيت بلكيةٍ ... مشرفة الحارك والمقحد
يعني بالمقحد: أصل السنام, وهي القحدة, يقال: ناقة مقحاد, والجمع: مقاحيد.
стр. 856
وقوله:
وما أرضى لمقلته بحلمٍ ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا
توهمه: يعني العذب الرضاب. والابتشاك: الكذب.
وقوله:
فلا إلا بأن يصغي وأحكي ... فليتك لا يتيمه هواكا
بعد (لا) كلام (١٣٤/ب) محذوف, كأنه قال: ولا أرضى بما يراه في المنام, إلا بأن أحكي ويصغي؛ أي يميل أذنه إلى الاستماع, ويتيمه؛ أي: يستعبده.
وقوله:
وذاك النشر عرضك كان أولى ... وذاك الشعر فهري والمداكا
النشر: الرائحة الطيبة. والفهر: مؤنث, وتصغيره فهيرة, والعطار يستعمل الفهر في سهك الطيب, والمداك: صلاءة الطيب, وهي مفعل من داك الشيء يدوكه إذا دلكه, وعركه.
وقوله:
فلا تحمدهما واحمد همامًا ... إذا لم يسم حامده عناكا
يعني بالهمام: البعيد الهمة؛ أي: فلا تحمد فهري والمداك, واحمد نفسك فأنت الذي إذالم يسمه حامده فإنما عناك. يقال: أسميت الرجل وسميته.
وقوله:
أغر له شمائل من أبيه ... غدًا يلقى بنوك بها أباكا
أغر: نعت لهمامٍ, والمعني به الممدوح, وذكر أن لهذا الأغر شمائل من أبيه؛ أي: أخلاقا. وقوله: غدًا يلقى بنوك بها أباك؛ أي: عن قربٍ يكون بنوك يشابهون أباك فيلقون شمائله بمثلها.
وقوله:
أذمت مكرمات أبي شجاعٍ ... لعيني من نواي على ألاكا
نواي: أي: بعدي, وأذمت من الذمام؛ أي: إنه أعطاني ذماما على ألاك - يعني أهله - فزال بعدي عنهم.
стр. 857
وقوله:
فلو سرنا وفي تسرين خمس ... رأوني قبل أن يروا السماكا
السماك يطلع في أول تسرين, وفي كتاب أبي حنيفة الدينوري الموضوع في الأنواء أنه يطلع لتسع يمضين من تسرين الأول, وقال غيره: يطلع لأربع مضين من تسرين. وبيت أبي الطيب يصح إذاحمل على حكاية الدينوري ويستحيل في القول الآخر؛ لأنه ذكر أنه إذا سار بعد خمس رأوه قبل أن يرى السماك, وهو يطلع لأربع, فهذا يتناقض.
قوله:
وألبس من رضاه في طريقي ... سلاحًا يذعر الأبطال شاكا
السلاح: اسم يجمع السيف والرمح والسهام, والغالب على السلاح التذكير, وربما أنث, وينشد قول الطرماح في صفة ثورٍ وحشي كر على كلاب الصيد: [الطويل]
يهز سلاحًا لم يرثها كلالةً ... يشك بها منها أصول المغابن
والشاك: سلاح ذو شوكةٍ؛ أي: حد, يقال: سلاح شائك, وهو فاعل من شاك يشوك, وشاكٍ في وزن قاضٍ, وشاك على حذف الهمزة؛ فيجوز أن يكون أصله على فعلٍ مثل شوكٍ, أو على فعلٍ مثل شوكٍ. والواو إذا كانت متحركةً, وقبلها فتحة قلبت ألفًا. وقالوا: اشتكى الرجل في لأمة الحرب إذا لبسها, وهذا مأخوذ من قولهم: هو شاكٍ في السلاح, قال حميد بن ثور: [الطويل]
فلما اشتكى في بزة الحرب واستوى ... على ظهر محبوك القرا عتدٍ عبل
وقوله:
حيي من إلهي أن يراني ... وقد فارقت دارك واصطفاكا
стр. 858
ذكر محمد بن سعدٍ راوية أبي الطيب أنه رأى هذا البيت بخط أبي الفتح بن جني بكسر الطاء في اصطفاكا على قصر الممدود. والأشبه بأبي الطيب أن يكون قال: واصطفاك, وهو يريد فعلًا ماضيًا, كأنه قال: وقد فارقت دارك وقد اصطفاك الله سبحانه, وكان يذكر أنه سمعه يقول: ليس في شعري قصر ممدودٍ إلا قولي:
خذ من ثناي عليك ما أسطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا
وقافية هذه القصيدة من المتواتر, وهي الكاف وما بعدها, والقافية على رأي الخليل: من فاء اصطفاك إلى آخر البيت.
ومن قطعة أولها
نهني بصورٍ أم نهنئها بكا ... وقل الذي صور وأنت له لكا
وهي من ثاني الطويل.
خفف الهمز وهمز في مصراعٍ, ويجوز أن يكون اعتقد حذف همزة الاستفهام, كأنه قال: أنهنئ بصورٍ. وقد تجيء أم تخرج كلامًا من كلامٍ, وإن لم تسبقها همزة الاستفهام, مثل قوله تعالى: ﴿الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون﴾. والمعنى: وقل الذي صور وأنت له أي من أصحابه, وكان بدر بن عمارٍ واليًا بصور من قبل محمد بن رائقٍ.
وقوله (١٣٥/أ):
وما صغر الأردن والساحل الذي ... حبيت به إلا إلى جنب قدركا
الأردن: الإقليم الرابع من أقاليم الشام, وهي خمسة أجنادٍ: جند قنسرين, وجند حمص, وجند جلق, وجند الأردن, وجند فلسطين. والأردن في اللغة: نعاس غالب, قال الراجز, أنشده ابن السكيت: [الرجز]
قد أخذتني نعسة أردن ... وموهب مبزٍ بها مصن
стр. 859
أي: لازم لها. وقافية هذه الأبيات من المتدارك, وهي بكا, وما جرى مجراها, ومذهب الخليل يوجب أن تكون القافية ميم فمٍ ثم إلى آخر البيت.
ومن بيتين أولهما
لم تر من نادمت إلاكا ... لا لسوى ودك لي ذاكا
وزنهما من ثالث السريع.
وعاب الصاحب بن عبادٍ على أبي الطيب قوله: إلاك؛ لأن الصواب عنده: إلا إياك, وكلا الوجهين جائز, وأنشد النحويون: [البسيط]
فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار
ولا ريب أن هذين البيتين قيلا بديهًا, وقائل البديه معذور. وقافيتهما من المتواتر, وهي الكاف والألف, والقافية على رأي الخليل: لاكا.
ومن أبيات أولها
أنا عاتب لتعتبك ... متعجب لتعجبك
وزنها من ثامن الكامل, ورويها لكاف على مذهب الخليل, وسعيد بن مسعدة, وغيرهما من المتقدمين, ولأبي العباس محمد بن يزيد كتابان في القوافي, دل كلامه في أحدهما على أن الروي عنده في مثل هذه الأبيات الباء, والكاف صلة, وقافيتها من المتدارك. يقال: تعتب الإنسان اجتلب عتابًا في غير موضعه, كما يقال: تكرم إذا أظهر كرمًا وليس بكريمٍ.
стр. 860
والعتاب مأخوذ من قولهم لما ارتفع من الأرض: عتبة, يراد أنه قد نبا عن المودة, قال أبو دوادٍ الإيادي: [المتقارب]
فلم ينفع الوحش منه النجاء ... ولا وثبهن عراض العتب
ويجوز أن يكون مأخوذًا من عتبة الوادي, وهي منقطعه, يقال: عتب القوم إذا نزلوا في العتبة, فيكون العتاب كالانعطاف عن الود.
* * *
стр. 861
ذكر ما جاء على حرف اللام
من التي أولها
رويدك أيها الملك الجليل ... تأي وعده مما تنيل
وزنها من أول الوافر. ورويد عند البصريين قد رخمت ترخيم التصغير, وأصلها الإرواد, وهو ضد الإسراع, يقال: فرس حثيث المرود, وهذا البيت ينسب إلى امرئ القيس بن حجرٍ, وإلى امرئ القيس بن عابسٍ الكندي, وهو: [المتقارب]
وأعددت للحرب وثابةً ... جواد المحثة والمرود
أنشده الفراء بضم الميم من المرود وفتحها, وكذلك مذهبه فيما عدده أربعة أحرفٍ فيقول: الممسى والمصبح والممسى والمصبح.
ورويد: ينتصب الاسم بعدها على تقدير قولك: أرود زيدًا؛ أي: لا تعجله, قال الهذلي: [الطويل]
رويد عليًا جد ما ثدي أمهم ... إلينا ولكن ودهم متماين
متماين من المين, وهو الكذب, ويروى: متيامن؛ أي: يميل إلى اليمن. وقد يخفض ما بعد رويد في مثل قولك: رويدك ورويد كما, وقال قوم: تكبير رويدٍ: رود, وأنشدوا هذا البيت: [البسيط]
يكاد لا يثلم البطحء مشيته ... كأنه ثمل يمشي على رود
ويجوز أن يكون اشتقاق رويد من: راد الرائد إذا طلب الكلأ للقوم؛ لأنه يتأنى في مشيته ليعرف مكان الإخصاب. وقوله: تأي: من قولهم: تأيا في أمره, إذا تمكث ولم يستعجل
стр. 862
فيه, وقوله: عده: الهاء راجعة إلى التأيي, ومثل ذلك كثير, يقال: من كذب كان شرًا له؛ أي: كان الكذب, وقال جرير: [الطويل]
إذا اكتلحت عيني بعينك لم تزل ... بخير وجلى غمرةً عن فؤاديا
أراد: وجلى الاكتحال. ونصب جودك في قوله: وجودك بالمقام؛ لأنه عطفه على ما قبله كأنه قال: أرود وأعطنا جودك.
وقوله:
لأكبت حاسدًا وأري عدوا ... كأنهما وداعك والرحيل
أراد جد بالمقام لأكبت حاسدًا, وأري عدوًا من الوري, يقال: وراه وريًا, وهو داء في الجوف, قال الراجز: [الرجز]
قد اذلغفت وهي لا تراني ... إلى البيوت مشية السكران
وحبها في الصدر قد وراني
اذلغفت: أي: أسرعت. وسكن الياء من أري ضرورةً. وقوله: كأنهما وداعك والرحيل: يعني: العدو والحاسد؛ أي: أنا (١٣٥/ب) أبغضهما كما أكره وداعك ورحيلك.
وقوله:
ويهدأ ذا السحاب فقد شككنا ... أتغلب أم حياه لكم قبيل
وصف قوم الممدوح بالجود, فزعم أنه قد شك: أتغلب ابنة وائلٍ لكم قبيل أم هذا السحاب. وأصحاب اللغة يقولون: القبيلة من بني أبٍ واحدٍ, والقبيل: جماعة من الناس, يجوز أن يكونوا من ولد رجلٍ واحدٍ, أو من أبناء قومٍ مختلفين, ولما كان القبيل يجري مجرى الجماعة جاز أن يقع في هذا الموضع, كما يقال: صحب الرجل؛ فيجوز أن يكونوا من بني أبيه, ومن غيرهم, وكذلك القبيل في هذا البيت يجوز أن يستعمل في معنى القبيلة, وفي معنى الجمع الذين يكونون مع صاحب الجيش.
стр. 863
وقوله:
وكنت أعيب عذلًا في سماحٍ ... فها أنا في السماح له عذول
الهاء في له عائدة على السحاب, والمعنى: أني كنت أعيب عذلًا في السماح, فلما دام هذا المطر عذلته في الدوام؛ لأنه منعنا من السير, وهذا اللفظ على أن سيف الدولة أراد المسير فسأله الشاعر أن يتلبث.
وقوله:
وما أخشى نبوك عن طريقٍ ... وسيف الدولة الماضي الصقيل
لما أخبر عن السحاب بالهاء, فقال: فها أنا في السماح له عذول, رجع إلى خطاب سيف الدولة؛ لأنه ابتدأ في أول الأبيات بخطابه, ولو أمكنه أن يقول: وأنت سيف الدولة لكان ذلك أبين, ولكنه لم يمكنه الوزن من المراد, وهذا كقولك لرجل اسمه علي أو غيره: قد فعلت حميلًا, وعلي أهل لذلك. فاستغنى بعلم المخاطب بالمراد عن أن يقول: وأنت من أمرك.
وقوله:
وكل شواة غطريفٍ تمنى ... لسيرك أن مفرقها السبيل
الشواة: جلدة الرأس, واختلف أبو عمرو بن العلاء وأبو الخطاب الأخفش في بيت الأعشى, فرواه أبو عمروٍ: [مجزوء الكامل]
قالت قتيلة ما له ... قد جللت شيبًا شواته
وروى أبو الخطاب: سراته؛ أي: أعلى رأسه, والمعنى واحد. ويقال لجلد جميع الجسد: شواة, ومنه قوله تعالى: ﴿نزاعةً للشوى﴾ , وقال أمية بن أبي الصلت, وكان قد قرأ الكتب التي في أيدي أهل الملل فنظم شيئًا منها في شعره: [الطويل]
سينزع في النار التي هو داخل ... شوى كان في الدنيا به يتزين
وتمنى يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون تتمنى بتاءين, ويكون متمنيه الشواة, والآخر أن يكون تمنى فعلًا ماضيًا, وفيه ضمير يعود إلى الغطريف.
стр. 864
وقوله:
ومثل العمق مملوءٍ دماءً ... مشت بك في مجاريه الخيول
خفض مثل بواو رب, ومثل لا تتعرف بإضافتها إلى المعرفة, قال الشاعر: [الكامل]
يا رب مثلك في النساء غريرةٍ ... بيضاء قد متعتها بطلاق
خفض مملوءًا؛ لأنه نعت لمثلٍ. وقافية هذه القصيدة من المتواتر, وهي اللام والواو, والقافية عند الخليل: ليلو من قوله: الخليل, [و] وصولو من قوله: الوصول.
ومن أبيات أولها
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
وزنها من أول الوافر. وسكن الياء من العوالي للضرورة, وذلك من أسهل الضرورات؛ لأنهم قد سكنوا هذه الياء في حشو البيت, والقافية أحمل لما يحذف من جميع ألفاظ الموزون.
وقوله:
ونرتبط السوابق مقرباتٍ ... فما ينجين من خبب الليالي
مقربات: جمع مقربةٍ وهي الفرس الأنثى تكون قريبةً من البيت, ويقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك خيفة أن ينزو عليها فحل ليس بكريمٍ, والشعر يدل على أنهم كانوا يدنون الخيل من بيوتهم ليتيسير ركوبها عليهم إذا أغار مغير أو صرخ صارخ, فالذكر والأنثى فيه سواء, قال المقنع الكندي: [الطويل]
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
(١٣٦/أ) فمن فرسٍ نهدٍ عتيقٍ جعلته ... حجابًا لبيتي ثم أخدمته عبدا
стр. 865
وقالت أم تأبط شرًا وهي ترثيه:
وابناه ... وابن الليل ... ليس بزميل ... شروبٍ للقيل ... يضرب بالذيل ... كمقرب الخيل
وابناه ... ليس بعلفوف ... تلفه هوف ... حشي من صوف
فقولها: كمقرب الخيل: يدل على أنهم كانوا يقربون الذكور كما يقربون الإناث, والزميل: الضعيف الذي يتزمل في ثيابه وينام. والعلفوف: الجافي, والهوف: ريح حارة تأتي من قبل اليمن, والقيل: شرب نصف النهار. يقول: إن الخيل وإن كانت سوابق نواجي فإن الليالي تدركها وتدرك فوارسها بالسير الذي ليس بشديدٍ؛ لأن الخبب عندهم أول العدو وأخفه.
وقوله:
وهان فما أبالي بالرزايا ... لأني ما انتفعت بأن أبالي
سكن الياء في أبالي, وقد مضى القول في ذلك. وأصل المبالاة: أن تستعمل في النفي, كما قال الأعشى: [الخفيف]
إن يعاقب يكن غرامًا وإن يعـ ... ـط جزيلًا فإنه لا يبالي
وربما استعملوه باليت في غير النفي؛ وذلك إذا جاء في آخر الكلام نفي, كما قال زهير: [الوافر]
لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالي
ولا يمتنع أن يكون قولهم: باليت مأخوذًا من بال الإنسان, وهو خلده, وما يجري فيه, ويكون محمولًا على القلب, كأن أصله باولته أي جرى على بالي, ثم قلبوا كما قالوا: لائث بالمكان أي مطيف به, ثم قالوا: لاثٍ وهي من باب قولهم: سلاح شائك وشاكٍ, قال العجاج: [الرجز]
لاثٍ به الأشاء والعبري
الأشاء: صغار النخل, والعبري: ما نبت من السدر على الأنهار.
стр. 866
وقوله:
وهذا أول الناعين طرًا ... لأول ميتةٍ في ذا الجلال
الناعين: جمع ناعٍ, وأصل النعي: رفع الصوت بالشيء وإظهاره, ويقولون: نعاء على مثال حذار, قال الفرزدق: [الطويل]
نعاء ابن ليلى للسماحة والندى ... وأضياف ليلٍ مقفعلي الأنامل
مقفعلي: جمع مقفعل, وهو الذي قد تقبضت يده من البرد. ونصب طر في مذهب قومٍ على الحال, وعلى مذهب آخرين على المصدر. واستعملوا قولهم: طرًا في معنى قولهم: جميعًا, وهو من قولهم: طر الإبل يطرها إذا جمعها من أطرارها؛ أي: نواحيها, وكذلك طررت النصل إذا أحددته.
وقوله:
صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال
حنوط الميت: ما حنط به, ويقال: إنه من قولهم: حنط الرمث إذا ظهر ورقه, كأنهم يريدون أن الحنوط يشبه لونه لون الرمث إذا حنط, وقد يجوز أن يكون اشتقاق الحنوط من الحنطة وألوانها تختلف.
وقوله:
وزلت ولم تري يومًا كريهًا ... تسر الروح فيه بالزوال
معنى هذا البيت أن الإنسان تمر به شدائد يتمنى معها الموت, ومن كلام العامة: شر من الموت ما يتمنى منه الموت؛ فكأن هذه المرثاة لو مات ولدها لكان ذلك عليها أشد من موتها. والروح تذكر وتؤنث.
وقوله:
رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال
الرواق مأخوذ من رواق البيت, وهو ما قدامه, والمسبطر: الممتد, وهو مشتق من السبطر,
стр. 867
يقال: رجل سبطر؛ أي: طويل, ويقال: اسبطرت الخيل إذا امتدت في الجري, وكذلك غيرها, قال عمرو بن معدي كرب: [الطويل]
ولما رأيت الخيل زورًا كأنها ... جداول زرعٍ أرسلت فاسبطرت
وقال عمر بن أبي ربيعة: [المنسرح]
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تمشي على إثري
وقوله (١٣٦/ب):
لساحيه على الأجداث حفش ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي
الساحي: الذي يسحى الأرض؛ أي: يقشرها, ويقال: حفش الغيث الأرض إذا استخرج ما فيها من ترابٍ أو نبتٍ, وحفش الفرس جريه إذا استخرج أقصى ما عنده, وقال زهير: [الطويل]
فأدبر آثار الشبام وليدنا ... كشؤبوب غيثٍ يحفش الأكم وابله
والمخالي: جمع مخلاةٍ, مفعلةٍ من الخلا, وهو الرطب المرعي, وأصلها مخلية, فقلبت الياء ألفًا.
وقوله:
أسائل عنك بعدك كل مجدٍ ... وما عهدي بمجدٍ منك خال
جعل المجد كأنه ربع للمفقودة فهو يسأل عنها. وخالٍ في القافية يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون في موضع خفضٍ؛ لأنه نعت لمجد, ويكون المعنى ليس لي عهد بمجدٍ خالٍ منك, والآخر أن يكون خالٍ في موضع نصبٍ على الحال, كأنه قال: وما عهدت مجدًا منك خاليًا.
وقوله:
نزلت على الكراهة في مكانٍ ... بعدت على النعامى والشمال
قد حذف من هذا البيت ضمير, والتقدير بعدت على النعامى والشمال فيه لأنهما لا تصلان إليك, والنعامى: الجنوب, وقيل: الصبا, قال أبو ذؤيبٍ الهذلي: [المتقارب]
стр. 868
مرته النعامى فلم يعترف ... خلاف النعامى من الشام ريحا
وقوله:
تحجب عنك رائحة الخزامى ... وتمنع منك أنداء الطلال
الطلال: جمع طل, وهو المطر الضعيف, ويقال: خزامى طلة, أي: قد بلها الطل أو الندى, قال جميل: [الطويل]
كأن الخزامى طلةً في ثيابها ... بعيد الكرى أو فأر مسكٍ يذبح
ويقال لامرأة الرجل: طلته؛ لأنه ينتفع بها كما ينتفع النبت بالطل, ويجوز أن تكون مأخوذةً من قولهم: طل على الشيء إذا أشرف عليه, كأنها تطل على زوجها, ويطل عليها, قال الشاعر: [الوافر]
ألا يا أم عمرو لا تلومي ... إذا اجتمع الندامى والمدام
أفي بكرين نالهما سواف ... تأوه طلتي ما إن تنام
وقوله:
يعللها نطاسي الشكايا ... وواحدها نطاسي المعالي
النطاسي: الطبيب, وإنما قيل له: نطاسي؛ لأنه يتنطس في الأشياء, أي: يجتهد في معرفتها ودوائها. قال الشاعر: [الطويل]
إذا آسها الآسي النطاسي أرعشت ... أنامل آسيها وجاشت كلومها
стр. 869
ويقال: رجل نطيس في معنى نطاسي, قال الراجز: [الرجز]
وقد أكون مرةً نقريسا
طبًا بأدواء الصبى نطيسا
ويقال: عللت المريض: إذا قمت عليه في مرضه. والمعنى: أن المرأة يعللها النطاسي الذي يداوي المرضى, وابنها نطاسي المعالي؛ أي: إذا خاف عليها المرض فدواؤها عنده, ثم شرح الشاعر كيف تداوى المكارم بقوله:
إذا وصفوا له داءً بثغرٍ ... سقاه أسنة الأسل الطوال
لما كان الطبيب يسقي المريض الأشربة استعار الشاعر السقيا للأسنة, فجعل مداوي الثغر يطلب شفاءه بالأسنة كطلب النطاسي شفاء العليل بالأدوية.
وقوله:
وليست كالإناث ولا اللواتي ... تعد لها القبور من الحجال
الحجال: جمع حجلةٍ, وهو بيت صغير في البيت الكبير من أبيات البادية, وقيل: هو الخدر, قال الراجز: [الرجز]
يارب بيضاء ألوف للحجل ... تسأل عن جيش سبيع ما فعل
جيش سبيعٍ سالم وقد قفل
وقال ذو الرمة: [الوافر]
كأن الناس حين تمر حتى ... عواتق لم تكن تدع الحجالا
قيامًا ينظرون إلى بلالٍ ... رفاق الحج تنتظر الهلالا
وقوله:
ولا من في جنازتها تجار ... يكون وداعها نفض النعال
стр. 870
يقال: جنازة وجنازة, قال الكميت: [الخفيف]
كان ميتًا جنازةً خير ميتٍ ... غيبته حفائر الأقوام
وقال قوم: الجنازة الميت, والجنازة النعش.
وقوله: (١٣٧/أ):
مشى الأمراء حوليها حفاةً ... كأن المرو من زف الرئال
المرو: حجارة محددة, ويقدح منها النار, والزف صغار الريش, والرئال: جمع رألٍ, وهو ولد النعامة, وخصها؛ لأن الرأل أنعم ريشًا من النعامة.
وقوله:
وأبرزت الخدور مخبآتٍ ... يضعن النقس أمكنة الغوالي
أي: جواري هذه المفقودة أبرزتهن الخدور, وكن يضعن الغالية على وجوههن فصرن يضعن النقس, وهو المداد, في مواضع الغالية.
وقوله:
أتتهن المصيبة غافلاتٍ ... فدمع الحزن في دمع الدلال
أراد أن هؤلاء الجواري كن في غفلة عما جاءهن, وكن يتدللن فيبكين؛ فوردهن الحزن آمناتٍ منه فبكين حزنًا لا دلالًا, فاختلط منهن الدمعان.
وقوله:
ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال
إذا رويت على ما لم يسم فاعله فهو أبلغ في المدح, وأقوى في السمع؛ لأن التفضيل عام, وإذا قال: لفضلت, بفتح الفاء, فقد جعل التفضيل إنما يقع من نفسه خاصةً, وليس لفضلت في المسمع قوة فضلت, وإنما حاد أبو الطيب عن الضم؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد فضل أم سيف الدولة عليه.
وقوله:
وما التأنيث في اسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
стр. 871
احتج لتفضيل المرأة على الرجل بحجةٍ ما سبقه إليها شاعر؛ لأنه زعم أن الشمس مؤنثة, وهي النور الذي يزعم بعض الناس أنها تنير في السماء كما تنير في الأرض, ووصف الهلال بالتذكير, وهو كثير التنقل, يستسر, ويصيبه المحاق, فجعل ذلك كالنقص فيه.
وقوله:
يدفن بعضنا بعضًا وتمشي ... أواخرنا على هام الأوالي
أراد الأوائل, فقلب, كما قالوا: الليايل, والليالي, قال الشاعر: [الطويل]
ولدنك والبدر بن عائشة التي ... أضاء ابنها مسحنككات الليايل
وحكى أبو عبيدة: التراقي والترائق, وأنشد: [الطويل]
هم زودوني يوم قو حرارةً ... مكان الشجا تجول بين الترائق
وقوله:
وأنت تعلم الناس التعزي ... وخوض الموت في الحرب السجال
يقال: حرب سجال؛ أي: تكون مرةً لهؤلاء ومرةً لغيرهم, وهي مأخوذة من قولهم: ساجل المستقي غيره إذا استقى كل واحد منهما لينظر أيهما أكثر استخراجًا للماء, قال الشاعر: [الرمل]
من يساجلني يساجل ماجدًا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب
والسجل: مذكر, وهو الدلو الملأى ماءً.
وقوله:
فلا غيضت بحارك يا جمومًا ... على علل الغرائب والدخال
غيضت: أي: نقصت. يقال: غاض الشيء وغاضه غيره, قال الأسود بن يعفر: [الكامل]
стр. 872
إما تريني قد كبرت وغاضني ... ما نيل من بصري ومن أجلادي
والجموم: الذي يجم ماؤه؛ أي: يكثر. والغرائب: جمع غريبةٍ من الإبل, وهي التي ترد الحوض وليست من إبل صاحبه, يقولون في المثل: «ضربه ضرب غريبة الإبل». قال المثقب العبدي: [الوافر]
كأن نفي ما ترمي يداها ... قذاف غريبةٍ بيدي معين
والدخال: من قولهم: ناقة مداخل, وذلك أن الرجل إذا أورد إبله الماء فظن أن بعضها لم يستكمل الشرب أخذه فجعله بين بعيرين لم يشربا فيقال: أورد إبله دخالًا.
قال لبيد (١٣٧/ب): [الوافر]
فأوردها العراك ولم يذذها ... ولم يشفق على بعض الدخال
ويروى نغض الدخال, والنغض من تنغيض الشرب, والنغض من كثرة الحركة, وقال آخر: [الطويل]
ولا عيب في إيرادها غير أنها ... إذا أوردت كانت قليل دخالها
وقوله:
رأيتك في الذين أرى ملوكًا ... كأنك مستقيم في محال
فإن تفق الأنام وأنت منه ... فإن المسك بعض دم الغزال
أصل المستقيم والمحال في الكلام؛ فمستقيمه كقولك: اليوم الجمعة, وفلان كريم, والمحال
стр. 873
يحتمل وجهين:
أحدهما: ما كان غير صادق؛ وذلك يقع على مكذوبٍ, وإن كان يجوز مثله؛ لأنك إذا قلت: قدم فلان من سفره فمثل هذا لا ينكر أن يكون, فإن كان كذبًا فهو محال.
والآخر: مثل قولهم: أكلت غدًا عنبًا, فهذا مستحيل من وجهين؛ لأنه لم يأكل العنب, ولأنه زعم أنه فعل شيئًا ماضيًا في زمانٍ مستقبلٍ, وكذلك قول الرجل للآخر: سوف أزورك أمس قد جمع جمع تناقضًا من وجهين.
وحديث المسك وأخذه من الظباء مشهور. وبعض الفقهاء لا يرى أن يطيب به الميت لأن أصل الدم النجاسة, ولذلك مالوا إلى الكافور؛ لأنه يؤخذ من شجرٍ, وقد روي أن بعض من هلك في الإسلام قد طيب بالمسك ولكن الميل إلى الكافور.
والقافية من المتواتر, وهي اللام والياء, وعلى رأي الخليل: زالي من الغزال.
ومن التي أولها
إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقل
الوزن من ثالث المتقارب.
كثرت (ما) مع الحروف فحذفت منها الألف, وذلك كله في الاستفهام؛ نحو قولك: لم فعلت؟ وفيم جئت؟ وعلام صنعت؟ وإلا تسافر؟ وحتام تشار الناس؟ وربما أثبتوها في الضرورة. قال الشاعر: [الوافر]
علام أقام يشتمني علاما ... كخنزيرٍ تمرغ في دمان
стр. 874
الدمان هاهنا: الرماد, والاشتقاق يدل على أنه للبعر وما جرى مجراه. والطماعية مصدر طمع, والياء تجيء مزيدةً في هذا المثال, كقولهم: الرفاهية والعلانية والطواعية. ويقال: عذلت الرجل أعذله, بالضم, وهو أعلى اللغتين, وقد حكي: يعذل, والمصدر: العذل والعذل, ويجوز أن يكون اسمًا, ويجوز أن يكون مصدرًا, وتقول: عاذل وعذال, كما تقول: شواهد وشهاد, وعاذل وعذل, كما تقول: شاهد وشهد, ويقال للأنثى: عاذلة وعواذل, ويجوز عذل في النساء, يشترك المذكر والمؤنث في فعل, ولا يجوز أن يجمع فاعل من الرجال على فواعل إلا في ضرورة, وكذلك لا يجوز أن يجمع فاعلة من المؤنث على فعال إلا في ضرورة الشعر, قال القطامي: [البسيط]
أبصارهن إلى الشبان مائلة ... وقد أراهن عني غير صداد
وإنما الأصل: غير صواد, وقال رؤبة: [الرجز]
وقد أراني أصل القعادا
أي: القاعد من النساء. ويقال لعرقٍ في الرحم: العاذل, وفي الحديث: «ذلك العاذل يغذو» ويجوز أن يكون سمي عاذلًا؛ لأنه كالذي يعذل الرجل إذا أراد أن يطأ المستحاضة.
وقوله:
أينكر خدي دموعي وقد ... جرت منه في مسلكٍ سابل
لأول دمعٍ جرى فوقه ... وأول حزنٍ على راحل
стр. 875
قوله: أينكر: استفهام على معنى التقرير والإثبات؛ كأنه أنكر أن يكون خده منكرًا لدموعه, وقد يجوز أن يكون الإنكار هاهنا من العاذل, وهو يقول: إلام تبكي, وعلام أسفك؟ كأنه يدعي أن هذا الدمع الذي في خده ليس هو له إلف وصاحب؛ لأن هذا الدمع ليس بأول دمعٍ أجراه, وهذا الحزن ليس بأول أحزانه؛ أي: لو أنه أول دمعٍ, وأول حزنٍ لوجب أن ينكره الخد أو العاذل.
وقوله: (١٣٨/أ):
كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل
أراد أن عينه دائمة البكاء, فهي كالثاكل التي لا يرقأ لها دمع, وكأن جفونها ثياب ثاكلٍ شقتهن, فهن لا يخطن؛ يعني أنه يسهر فجفنه لا يطبق على الآخر.
وقوله:
ولو كنت في غير أسر الهوى ... ضمنت ضمان أبي وائل
يقول: لو أني مأسور في غير يد الهوى لخدعت آسري, كما خدع أبو وائلٍ من أسره, فمناه المال والخيل, فجاءته السوابح, وعليها الفرسان, فأهلكت الخارجي.
وقوله:
فدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذابل
قوله: فدى نفسه: يعني بالقول لا بالفعل. والنضار: الخالص من الذهب وغيره, ويقال للخلنج: نضار.
وقوله:
ومناهم الخيل مجنونةً ... فجئن بكل فتى باسل
مجنوبة: أي أوقع هذا في أمانيهم, والخيل المجنوبة لا يكون عليها فرسان, وكانت العرب في غزواتها وغاراتها تركب الإبل, وتجنب الخيل فلا تركبها إلا في وقت الغارة والقتال؛ ولذلك قال الحطيئة: [البسيط]
стр. 876
مستحقباتٍ رواياها جحافلها ... يسمو بها أشعري طرفه سام
والروايا: جمع راويةٍ, وهي إبل تحمل الماء؛ يريد أنهم قد جنبوا إليها الخيل؛ فجحافلها مستحقبة رواياها, ويحتمل أن تكون الروايا الإبل بعينها, والروايا أي: المزاد التي عليها, قال النابغة: [الطويل]
........................ ... تتلغ في أعناقها بالجحافل
يريد أنها إذا قرنت إلى الإبل رفعت جحافلها؛ لأن الإبل أعلى شخوصًا من الخيل. والباسل: الشديد, ويقال للشجاع: باسل, والبسالة: كراهة الوجه أيضًا.
وقوله:
كأن خلاص أبي وائلٍ ... معاودة القمر الآفل
ينبغي لمنشد هذا البيت أن ينون أبا وائلٍ حتى لا يظن السامع أنه مصرع, فإن كونه مصرعًا يضعفه؛ لأنه يصير كالإيطاء, إذ كان أبو وائلٍ قد تقدم ذكره, ووائل مشتق من وأل إذا نجا, ومنه قول الأعشى: [البسيط]
وقد أخالس رب البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم لا يئل
وقوله:
دعا فسمعت وكم ساكتٍ ... على البعد عندك كالقائل
يقول: إذا علمت بأن الإنسان مفتقر إلى نصرك سارعت إلى ما يأمله عندك, فهو ساكت لم يدعك, وكأنه قد دعاك.
وقوله:
خرجن من النقع في عارضٍ ... ومن عرق الركض في وابل
стр. 877
النقع: الغبار, شبهه بالعارض من السحاب, وجعل عرق الخيل كالوابل إذ كان قد شبه النقع بالسحاب.
وقوله:
فلما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحل
يقول: إن عرق الخيل أبيض, فلما يبس على ظهور لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل؛ أي: إنها مبيضة بالعرق, فكأن السياط تقع منها بأرضٍ بيضاء لم يصبها مطر.
يقال: بلد ماحل وممحل بمعنى.
وقوله:
شفن لخمسٍ إلى من طلبـ ... ن قبل الشفون إلى نازل
يقال: شفن فهو شافن إذا نظر نظرًا حادًا, وقيل: الشفن أن ينظر بعرض عينه. والمعنى أنهن سرن خمسًا وعليهن الفرسان لم ينزلوا عن ظهورهن, فكان النظر إلى أعدئهن قبل أن ينزل عنها الفرسان.
وقوله:
فدانت مرافقهن البرى ... على ثقةٍ بالدم الغاسل
دانت, أي: قاربت, ومرافقهن: يعني مرافق الخيل, والبرى: التراب, يريد أنهن مددن أيديهن في الجرحى (١٣٨/ب) حتى دنت مرافقهن من التراب, وادعى أنهن فعلن ذلك لعلمهن أن الدم يغسله عنهن.
وقوله:
وما بين كاذتي المستغير ... كما بين كاذتي البائل
الكاذتان: أعالي الفخذين, وشبه العرق ونزوله بنزول البول. وقد ذهب بعض من فسر هذا البيت إلى أن الفرس إذا أعيا باعد ما بين فخذيه كأنه قد فرجها ليبول, والأول أشبه.
وقوله:
فلقين كل ردينيةٍ ... ومصبوحةٍ لبن الشائل
стр. 878
أراد بالشائل: القليلة اللبن, وأكثر ما يقولون: ناقة شائلة إذا قل لبنها, والجمع شول, والمراد: أن هذه الخيل لكرمها على أصحابها تؤثر باللبن ويترك العيال, والعرب تفتخر بذلك, قال الأخطل: [الوافر]
إذا ما الخيل ضيعها أناس ... ربطناها فشاركت العيالا
نهين لها الطعام إذا شتونا ... ونكسوها البراقع والجلالا
وهذا الشعر يروى لعنترة, وغيره: [الكامل]
لا تذكري فرسي وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقًا فاذهبي
أي: إني أريد أن أغبق فرسي اللبن, وكذب: كلمة يغرون بها, وقد مضى ذكرها. والعتيق يعني به التمر؛ أي: كليه, ودعي اللبن للفرس.
وقوله:
وجيش إمامٍ على ناقةٍ ... صحيح الإمامة في الباطل
الذي أسر أبا وائلٍ رجل يقال: إنه من القرامطة, ويجوز أن يكون خارجيًا من غيرهم. وقيل: إنه كان يركب جملًا, ويشير بكمه إلى أصحابه يحثهم على القتال, وقد ذكر ذلك أبو الطيب.
وقوله:
فأقبلن ينجزن قدامه ... نوافر كالنحل والعاسل
ينحزن قدامه من الانحياز, شبهه بالعاسل الذي يجيء إلى النحل ليشتار العسل فينفر منه.
стр. 879
وقوله:
فلما بدوت لأصحابه ... رأت أسدها آكل الآكل
الهاء في أسدها راجعة إلى الأصحاب, ويجوز أن تكون راجعةً إلى الخيل؛ أي لما بدوت لأصحاب الخارجي رأت أسد أصحابه أسدًا يأكلها, كما كانت تأكل غيرها.
وقوله:
بضرب يعمهم جائرٍ ... له فيهم قسمة العادل
وصف الضرب بالجور, أي إنه يسرف فيكون كمن يجور, وقوله: له فيهم قسمة العادل؛ أي يقد الرجل فيجعله كالذي قسم جسمه, وهذا كما يروى عن علي ﵇ أنه كان إذا اعتلى قد وإذا اعترض قط.
وقوله:
وطعنٍ يجمع شذانهم ... كما اجتمعت درة الحافل
الشذان: ما شذ من الشيء, والهاء والميم في شذانهم راجعة إلى أصحاب الخارجي؛ أي يجمع من شذ منهم إلى معظمهم, كما اجتمعت درة الحافل؛ أي هذا الطعن يجمعهم ليستأصل أخذهم, كما أن الحالب يوفر اللبن ليحتلبه أجمع, وإنما يعني أن الطعن يجمعهم ليصيبهم القتل عن آخرهم, وهذا نحو من قول الأول: [البسيط]
من الجعافر يا قومي فقد صريت ... وقد يتاح لذات الصرية الحلب
يقال: صرى اللبن إذا جمعه في الضرع.
وقوله:
إذا ما نظرت إلى فارس ... تحير عن مذهب الراجل
يقول للممدوح: إذا نظرت إلى الفارس, وهو أقدر على الفرار من الراجل, تحير فلم يطق أن يذهب ذهاب الواحد من الرجالة.
стр. 880
وقوله:
فظل يخضب منها اللحى ... فتى لا يعيد على الناصل
يعني بالفتى: سيف الدولة, وجعل قتل أصحابه إياهم كأنه فعل له, إذ كان من إرادته واختياره فخصبت لحاهم بالدم (١٣٩/أ) كما يخضب الشيب بالحناء والكتم؛ إلا أن عادة من يخضب شيبه إذا نصل أن يعيد الخضاب, وهذا الخاضب لا يفعل ذلك, ويقال: نصل الخضاب إذا انجلى عن المخضوب. قال الشاعر: [الوافر]
وخاضبةٍ لأوبتنا يديها ... سينصل قبل أوبتنا الخضاب
وقوله:
ولا يزع الطرف عن مقدمٍ ... ولا يرجع الطرف عن هائل
يزع: يكف, والطرف: الفرس الكريم, ويقال للرجل: طرف تشبيهًا بالفرس, قال ابن أحمر: [الطويل]
عليهن أطراف من القوم لم يكن ... طعامهم حبًا بزغبة أسمرا
وبيت الطرماح يفسر على وجهين: [الطويل]
فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح
قيل: أراد بأطرافه أجداده من قبل أبيه وقبل أمه, وهم جمع طرفٍ, وقيل: أراد جمع طرفٍ وهو الرجل الكريم.
وقوله:
إذا طلب التبل لم يشأه ... وإن كان دينًا على ماطل
التبل أن يكون في قلب الرجل حقد على من قتل قريبًا له, ثم استعير التبل في كل ما يغلب على القلب, فيقال للحب: تبل, وكذلك الشوق, قال الشاعر: [البسيط]
следующие страницы →