Полный текст (1 484 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
مستحقباتٍ رواياها جحافلها ... يسمو بها أشعري طرفه سام
والروايا: جمع راويةٍ, وهي إبل تحمل الماء؛ يريد أنهم قد جنبوا إليها الخيل؛ فجحافلها مستحقبة رواياها, ويحتمل أن تكون الروايا الإبل بعينها, والروايا أي: المزاد التي عليها, قال النابغة: [الطويل]
........................ ... تتلغ في أعناقها بالجحافل
يريد أنها إذا قرنت إلى الإبل رفعت جحافلها؛ لأن الإبل أعلى شخوصًا من الخيل. والباسل: الشديد, ويقال للشجاع: باسل, والبسالة: كراهة الوجه أيضًا.
وقوله:
كأن خلاص أبي وائلٍ ... معاودة القمر الآفل
ينبغي لمنشد هذا البيت أن ينون أبا وائلٍ حتى لا يظن السامع أنه مصرع, فإن كونه مصرعًا يضعفه؛ لأنه يصير كالإيطاء, إذ كان أبو وائلٍ قد تقدم ذكره, ووائل مشتق من وأل إذا نجا, ومنه قول الأعشى: [البسيط]
وقد أخالس رب البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم لا يئل
وقوله:
دعا فسمعت وكم ساكتٍ ... على البعد عندك كالقائل
يقول: إذا علمت بأن الإنسان مفتقر إلى نصرك سارعت إلى ما يأمله عندك, فهو ساكت لم يدعك, وكأنه قد دعاك.
وقوله:
خرجن من النقع في عارضٍ ... ومن عرق الركض في وابل
стр. 877
النقع: الغبار, شبهه بالعارض من السحاب, وجعل عرق الخيل كالوابل إذ كان قد شبه النقع بالسحاب.
وقوله:
فلما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحل
يقول: إن عرق الخيل أبيض, فلما يبس على ظهور لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل؛ أي: إنها مبيضة بالعرق, فكأن السياط تقع منها بأرضٍ بيضاء لم يصبها مطر.
يقال: بلد ماحل وممحل بمعنى.
وقوله:
شفن لخمسٍ إلى من طلبـ ... ن قبل الشفون إلى نازل
يقال: شفن فهو شافن إذا نظر نظرًا حادًا, وقيل: الشفن أن ينظر بعرض عينه. والمعنى أنهن سرن خمسًا وعليهن الفرسان لم ينزلوا عن ظهورهن, فكان النظر إلى أعدئهن قبل أن ينزل عنها الفرسان.
وقوله:
فدانت مرافقهن البرى ... على ثقةٍ بالدم الغاسل
دانت, أي: قاربت, ومرافقهن: يعني مرافق الخيل, والبرى: التراب, يريد أنهن مددن أيديهن في الجرحى (١٣٨/ب) حتى دنت مرافقهن من التراب, وادعى أنهن فعلن ذلك لعلمهن أن الدم يغسله عنهن.
وقوله:
وما بين كاذتي المستغير ... كما بين كاذتي البائل
الكاذتان: أعالي الفخذين, وشبه العرق ونزوله بنزول البول. وقد ذهب بعض من فسر هذا البيت إلى أن الفرس إذا أعيا باعد ما بين فخذيه كأنه قد فرجها ليبول, والأول أشبه.
وقوله:
فلقين كل ردينيةٍ ... ومصبوحةٍ لبن الشائل
стр. 878
أراد بالشائل: القليلة اللبن, وأكثر ما يقولون: ناقة شائلة إذا قل لبنها, والجمع شول, والمراد: أن هذه الخيل لكرمها على أصحابها تؤثر باللبن ويترك العيال, والعرب تفتخر بذلك, قال الأخطل: [الوافر]
إذا ما الخيل ضيعها أناس ... ربطناها فشاركت العيالا
نهين لها الطعام إذا شتونا ... ونكسوها البراقع والجلالا
وهذا الشعر يروى لعنترة, وغيره: [الكامل]
لا تذكري فرسي وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقًا فاذهبي
أي: إني أريد أن أغبق فرسي اللبن, وكذب: كلمة يغرون بها, وقد مضى ذكرها. والعتيق يعني به التمر؛ أي: كليه, ودعي اللبن للفرس.
وقوله:
وجيش إمامٍ على ناقةٍ ... صحيح الإمامة في الباطل
الذي أسر أبا وائلٍ رجل يقال: إنه من القرامطة, ويجوز أن يكون خارجيًا من غيرهم. وقيل: إنه كان يركب جملًا, ويشير بكمه إلى أصحابه يحثهم على القتال, وقد ذكر ذلك أبو الطيب.
وقوله:
فأقبلن ينجزن قدامه ... نوافر كالنحل والعاسل
ينحزن قدامه من الانحياز, شبهه بالعاسل الذي يجيء إلى النحل ليشتار العسل فينفر منه.
стр. 879
وقوله:
فلما بدوت لأصحابه ... رأت أسدها آكل الآكل
الهاء في أسدها راجعة إلى الأصحاب, ويجوز أن تكون راجعةً إلى الخيل؛ أي لما بدوت لأصحاب الخارجي رأت أسد أصحابه أسدًا يأكلها, كما كانت تأكل غيرها.
وقوله:
بضرب يعمهم جائرٍ ... له فيهم قسمة العادل
وصف الضرب بالجور, أي إنه يسرف فيكون كمن يجور, وقوله: له فيهم قسمة العادل؛ أي يقد الرجل فيجعله كالذي قسم جسمه, وهذا كما يروى عن علي ﵇ أنه كان إذا اعتلى قد وإذا اعترض قط.
وقوله:
وطعنٍ يجمع شذانهم ... كما اجتمعت درة الحافل
الشذان: ما شذ من الشيء, والهاء والميم في شذانهم راجعة إلى أصحاب الخارجي؛ أي يجمع من شذ منهم إلى معظمهم, كما اجتمعت درة الحافل؛ أي هذا الطعن يجمعهم ليستأصل أخذهم, كما أن الحالب يوفر اللبن ليحتلبه أجمع, وإنما يعني أن الطعن يجمعهم ليصيبهم القتل عن آخرهم, وهذا نحو من قول الأول: [البسيط]
من الجعافر يا قومي فقد صريت ... وقد يتاح لذات الصرية الحلب
يقال: صرى اللبن إذا جمعه في الضرع.
وقوله:
إذا ما نظرت إلى فارس ... تحير عن مذهب الراجل
يقول للممدوح: إذا نظرت إلى الفارس, وهو أقدر على الفرار من الراجل, تحير فلم يطق أن يذهب ذهاب الواحد من الرجالة.
стр. 880
وقوله:
فظل يخضب منها اللحى ... فتى لا يعيد على الناصل
يعني بالفتى: سيف الدولة, وجعل قتل أصحابه إياهم كأنه فعل له, إذ كان من إرادته واختياره فخصبت لحاهم بالدم (١٣٩/أ) كما يخضب الشيب بالحناء والكتم؛ إلا أن عادة من يخضب شيبه إذا نصل أن يعيد الخضاب, وهذا الخاضب لا يفعل ذلك, ويقال: نصل الخضاب إذا انجلى عن المخضوب. قال الشاعر: [الوافر]
وخاضبةٍ لأوبتنا يديها ... سينصل قبل أوبتنا الخضاب
وقوله:
ولا يزع الطرف عن مقدمٍ ... ولا يرجع الطرف عن هائل
يزع: يكف, والطرف: الفرس الكريم, ويقال للرجل: طرف تشبيهًا بالفرس, قال ابن أحمر: [الطويل]
عليهن أطراف من القوم لم يكن ... طعامهم حبًا بزغبة أسمرا
وبيت الطرماح يفسر على وجهين: [الطويل]
فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح
قيل: أراد بأطرافه أجداده من قبل أبيه وقبل أمه, وهم جمع طرفٍ, وقيل: أراد جمع طرفٍ وهو الرجل الكريم.
وقوله:
إذا طلب التبل لم يشأه ... وإن كان دينًا على ماطل
التبل أن يكون في قلب الرجل حقد على من قتل قريبًا له, ثم استعير التبل في كل ما يغلب على القلب, فيقال للحب: تبل, وكذلك الشوق, قال الشاعر: [البسيط]
стр. 881
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يجز مكبول
ولم يشأه؛ أي لم يسبقه. وإن كا ن عند رجل عظيم الشأن لم تجر العادة بأن يطلب عنده تبل؛ فهو عزيز ممتنع كالذي يماطل بالدين.
وقوله:
أمام الكتيبة تزهى به ... مكان السنان من العامل
يعني أن سيف الدولة يتقدم أصحابه فيكون أمامهم وعليه معولهم, كما أن الغرض في حمل الرمح إنما هو السنان, فالكتيبة تزهى به أي يداخلها الزهو.
وقوله:
وإني لأعجب من آملٍ ... قتالًا بكم على بازل
أقال له الله لا تلقهم ... بماضٍ على فرسٍ حائل
إذا ما ضربت به هامةً ... براها وغناك في الكاهل
العرب تحمد الحائل من الخيل والإبل لأنها أقوى على السير والركض, قال امرؤ القيس: [مخلع البسيط]
تحملني نهدة سبوح ... صلبها العض والحيال
العض: علف الأمصار. يقول: حتى المحارب إذا كان بطلًا أن يلقى عدوه على أجود ما يجد من الخيل, ويكون معه سيف إذا ضرب به هامةً براها كما يبرى القلم, ونزل حتى تسمع صوته في الكاهل, وهو مركب العنق في الظهر, وعجب الشاعر مما فعله الخارجي لما ركب بازلًا من الإبل, وجعل يشير إلى أصحابه بكمه؛ لأن ذلك سفه من الرأي.
وقوله:
يشمر للحج عن ساقه ... ويغمره الموج في الساحل
وصف الخارجي بجهلٍ وإقدامٍ على غير خبرة, فمثله مثل من يشمر عن ساقه ليخوض في اللج, وذكره التشمير يدل على أنه طمع في خوض اللوج, وقد غمره الموج في الساحل
стр. 882
الذي لم تجر عادة الموج أن يصل إليه.
وساحل البحر: قيل: هو في معنى مسحولٍ, لأن الماء يسحل عنه التراب, ويجوز أن يعني بساحل الماء الذي يقرب من شاطئه؛ لأنه الذي يسحل ترب الشاطئ, ثم سميت الأرض التي تقرب منه ساحلًا كما يسمى الشيء بما قاربه من الأشياء.
وقوله:
تركت جماجمهم في النقا ... وما يتحصلن للناخل
هذا إسراف في الصفة؛ لأن الجمجمة يجوز أن تبقى دهرًا قبل أن تصير رميمًا, وإنما هذه دعوى يستحسن مثلها قالة النظم, وغيرها أحسن وأشبه.
وقوله:
وأنبت منهم ربيع السباع ... فأثنت بإحسانك الشامل
جعل قتل الممدوح إياهم كإنباته ربيعًا للسباع, وهذا المعنى يتردد كثيرًا, ونحو منه قول الطائي: (١٣٩/ب) [الطويل]
فإن ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يؤدي شكرها الذيب والنسر
وقوله:
وكم لك من خبرٍ شائعٍ ... له شية الأبلق الجائل
شية الأبلق: لونه, وأصل ذلك من وشيت الثوب, وينبغي أن تكون شية الفرس شيئًا يخالف لونه, قال الشاعر: [الطويل]
عطفت عليهم وردة اللون لا ترى ... بها شيةً إلا حجول القوائم
والأبلق يوصف بالاشتهار, قال الشاعر: [الطويل]
ترى الأبلق الشمراخ ينشد وسطنا ... ليالي عشرًا وهو في الجيش غابر
стр. 883
وقالوا في المثل: «أعز من الأبلق العقوق» يريدون ما يمنع من الأشياء, وقالوا في تفسيره بأن الأبلق ذكر, والعقوق من صفات الإناث؛ فكأن ذلك معنى لا يوجد, لأن الذكر لا يكون عقوقًا, يقال: أعقت الحامل إذا عظم بطنها للحمل, وأنشد ابن حبيب: [الخفيف]
طلب الأبلق العقوق فلما ... لم ينله أراد بيض الأنوق
وقال ابن الأعرابي: إنما أرادوا بقولهم: أشهر من الأبلق العقوق: الصبح؛ لأنه يعق الليل؛ أي يشقه, وهذا أشبه من القول الأول.
وقوله:
ويوم شراب بنيه الردى ... بغيض الحضور إلى الواغل
يقول: وكم لك من خبرٍ ومن يومٍ شراب بنيه الموت, فهو بغيض الحضور إلى الواغل, وهو الذي يدخل على القوم في شرابهم ولم يدع إليه, واسم الشراب: الوغل, قال عمرو بن قميئة: [السريع]
إن أك مسكرًا فلا أشرب الـ ... ـوغل ولا يسلم مني البعير
وقوله:
تفك العناة وتغني العفاة ... وتغفر للمذنب الجاهل
العناة: جمع عناةٍ, وهو الأسير, والمرأة عانية في يد الرجل, وفي الحديث المأثور: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوانٍ في أيديكم». ويقال للخمر: عانية؛ لأنها كالأسيرة في الدن, وإنما قيل: عانية بالتشديد, وإذا قيل لها: عانية؛ فهي منسوبة إلى عانة هذا الموضع الذي يقرب من رحبة مالك بن طوقٍ.
стр. 884
وقوله:
فهنأك النصر معطيكه ... وأرضاه سعيك في الأجل
الكاف والهاء في قوله: معطيكه مفعولان, ويجوز في غير الشعر: معطيك إياه, والآجل: وقت له أجل محدود. والآجل في غير هذا من قولهم: أجل الشيء؛ إذا أخره كالقتل ونحوه, وهذا البيت ينسب إلى خوات بن جبيرٍ الأنصاري: [الطويل]
وأهل خباءٍ صالحٍ ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجلٍ أنا آجله
أي: جانيه.
فأقبلت في الساعين أسأل مالهم ... سؤالك بالأمر الذي أنت جاهله
ويقال: إنه مر بصبيةٍ يتضاربون؛ فاستغاثه بعضهم على بعض, فضربه فمات الصبي, فجاء إلى أهل المقتول فسألهم عن الخبر: ما هو.
وقوله:
فذي الدار أخون من مومسٍ ... وأخدع من كفة الحابل
стр. 885
المومس: المرأة الفاجرة, ويقال إن اشتقاقها من الومس وهو حك الشيء, قال جرير: [الكامل]
لعن الإله مجاشعًا وقراهم ... والمومسات إذا وردن زرودا
وقافيتها من المتدارك وهي قوله: دلي من العادل, وهي عند الخليل من عين عاذل إلى آخر البيت.
ومن التي أولها
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقبل
الوزن من البسيط الأول.
والأسل: الرماح, والأسل أيضًا نبت تعمل منه الحصر, وواحد الأسل أسلة, قال الأفوه: [الكامل]
وكأنما أسلاتهم مطلية ... بالمهل من عرق الكلوم إذا جرى
وإنما أخذ الأسل من الأسل, ويقال: وجه مأسول إذا كان ناعمًا غير كثير اللحم, ومن ذلك قيل لخد الفرس: أسيل, وإنما هو في معنى مأسولٍ. وقال: والطعن عند محبيهن؛ لأنه جعل الطعن جمع طعنةٍ, والأشبه به أن يكون مصدر طعن, ولو أنه في غير الشعر لكان الوجه أن يقول: والطعن عند محبيه, ومثل ذلك: الضرب (١٤٠/أ) حمله على أن يكون مصدر ضرب أوجه من حمله على أن يكون جمع ضربة, مثل: تمرة وتمر.
وقوله:
وما تقر سيوف في ممالكها ... حتى تقلقل دهرًا قبل في القلل
تقلقل من القلقلة وهي الحركة العنيفة, ويقال: رجل قلقل وهو الكثير الحركة, والقلل جمع قلةٍ وهو أعلى الرأس, ويقال لقبيعة السيف: قلة, وسيف مقلل, قال أبو كبير الهذلي: [الكامل]
стр. 886
ولقد شهدت الحي بعد هدوهم ... تعلى جماجمهم بكل مقلل
وقوله:
على الفرات أعاصير وفي حلبٍ ... توحش لملقى النصر مقتبل
أعاصير: جمع إعصارٍ, وهو غبار تلفه ريح شديدة, وفي الكتاب العزيز: ﴿إعصار فيه نار فاحترقت﴾ , وينشد لحسان بن ثابتٍ: [البسيط]
كأنهم قصب جفت أسافله ... مجوف نفخت فيه الأعاصير
ويقال في المثل: «إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارا» يقال للرجل الذي يلقاه أشد منه.
وقوله:
يلقى الملوك فلا يلقى سوى جزرٍ ... وما أعدوا فلا يلقى سوى نفل
الجزر أصله في الشاء, الواحدة جزرة, ثم شبهت القتلى بالجزر من الشاء, قال عنترة: [الكامل]
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم
وخصت الجزور بهذا الاسم فلم يقال لها جزرة كما أن الشاة لا يقال لها جزور.
وقوله:
صان الخليفة بالأبطال مهجته ... صيانة الذكر الهندي بالخلل
الخلل: ضرب من الثياب تبطن بها غمود السيوف وتغشى بها, قال الشاعر: [مجزوء الوافر]
стр. 887
لخولة موحشًا طلل ... يلوح كأنه خلل
يقول: الخليفة قد صان مهجته بالأبطال؛ فهم كالخلل للسيف, وهذا البيت مدح للخليفة وانتقاص بالأبطال, والأشبه أن تكون الهاء في مهجته عائدةً إلى سيف الدولة؛ لأنها إن عادت إلى الخليفة كان ذلك كالإزراء بالممدوح لأنه بعض الأبطال.
وقوله:
الفاعل الفعل لم يفعل لشدته ... والقائل القول لم يترك ولم يقل
يقول: أفعال سيف الدولة يتركها الناس لأنها مستصعبة, وقوله: القائل القول لم يترك ولم يقل؛ أي إنه ينطق بالحكمة التي لم يصل إليها سواه. وقوله: لم يترك؛ أي لم يترك القائلون طلبه, ولما لم يصلوا إليه كان كأنه لم يقل.
وقوله:
والباعث الجيش قد غالت عجاجته ... ضوء النهار فصار الظهار كالطفل
غالت: أي أهلكت, والعجاجة: الغبار؛ أي هذه العجاجة قد سترت الشمس, فالظهر كآخر النهار الذي قد دنا منه الليل.
وقوله:
الجو أضيق ما لاقاه ساطعها ... ومقلة الشمس فيه أحير المقل
الجو: ما بين السماء والأرض, وهذا إسراف في المبالغة, وقد خرج إلى الإحالة؛ لأنه جعل ما بين السماء والأرض أضيق ما لا قاه هذا الساطع, وما الشيء الذي يكون أوسع من الجو؛ فاستعار المقلة اللشمس لما كانوا يقولون: طلعت عينها ونحو ذلك.
وقوله:
قد عرض السيف دون النازلات به ... وظاهر الحزم بين النفس والغيل
стр. 888
ظاهر الحزم؛ أي جعل بعضه فوق بعضٍ [كما] (*) يظاهر الرجل بين درعين, قال علقمة: [الطويل]
مظاهر سربالي حديدٍ عليهما ... عقيلا حروبٍ مخذم ورسوب
والغيل: جمع غيلةٍ, وهي ما يغول الإنسان؛ أي يهلكه, والحزم: جودة الرأي وقوته, وهو من قولهم: حزم الرحل إذا أحكم شده.
وقوله:
ووكل الظن بالأسرار وانكشفت ... له ضمائر أهل السهل والجبل
أي وكل ظنه بأسرار الناس, فظنه كعلم غيره, فالأسرار ليست بالخافية عليه.
وقوله:
هو الشجاع يعد البخل من جبنٍ ... وهو الجواد يعد الجبن من بخل
(١٤٠/ب) وصفه بالشجاعة, وزعم أنه يرى البخل جبنًا من قلة المال؛ فهو يتركه لأنه شجاع يرى البخل جبنًا, ويعد الجبن من بخل؛ أي إنه إذا جبن فقد بخل بنفسه عن الحمام.
وقوله:
يعود من كل فتحٍ غير مفتخرٍ ... وقد أغذ إليه غير محتفل
أراد بالفتح ما يفتحه من البلاد, والفتح مصدر؛ فيجوز أن يقع على البلد, كما يقع اسم الشيء على ما قاربه, والإغذاذ من قولهم: أغذ السير إذا جد فيه وأسرع, قال الراجز: [الرجز]
لما رأيت السير في إغذاذ ... جئت مسلمًا على معاذ
تسليم طرماذٍ على طرماذ
стр. 889
وقوله:
بذي الغباوة من إنشادها ضرر ... كما تضر رياح الورد بالجعل
يقال إن الجعل يألف المواضع الكريهة الرائحة, وتشق عليه الرائحة الطيبة, قال جرير: [البسيط]
يا مرفقي إن الجعل يألف المواضع الكريهة الرائحة, وتشق عليه الرائحة الطيبة, قال جرير: [البسيط]
يا مرفقي جعلٍ يدعى لشر أبٍ ... في الصيف يدخل بيتًا غير مكنوس
وقوله:
يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذل
يعني بالناظرين: ناظري الممدوح, أي له فيما يراه حكم ناظريه [كما له] (*) حكم القلب في الجذل أي الفرح, فإذا تمنى قلبه شيئًا وصل إليه. ومن روى: الناظرين في معنى المنجمين فله معنى, ولا يبنغي أن يعدل عن الوجه الأول, لأن قوله: حكم القلب في الجذل يشهد بأن الناظرين عينا الممدوح.
وقوله:
ينظرن من مقلٍ أدمى أحجتها ... قرع الفوارس بالعسالة الذبل
الأحجة: جمع حجاجٍ وحجاجٍ, وهو عظم الحاجب, قال الراجز: [الرجز]
تغدو إذا ما لحمها تفرجا ... إذا حجاجا مقلتيها هججا
يقال: هجت العين إذا غارت, وأراد إذا حجاجا مقلتيها غارت المقلتان اللتان فيهما الحجاج لا يهجج, فحمله على حذف المضاف. والعسالة: الرماح لأنها تعسل, أي تضطرب كما يضطرب متن الذئب والثعلب. قال ساعدة بن جؤية في صفة الرمح: [الكامل]
لدنٍ بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
والقافية من المتراكب وهي أسل من قوله: والأسل, والقافية عند الخليل أولها.
стр. 890
ومن التي أولها
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
الوزن من الطويل الأول.
يخاطب ميتًا ويقول: إن بنا منك, وإن كنا فوق الأرض, مثل ما بك وأنت تحتها؛ أي إنك تبلى في قبرك ونحن نفنى في بيوتنا.
وقوله:
تركت خدود الغانيات وفوقها ... دموع تذيب الحسن في الأعين النجل
تبل الثرى سودًا من المسك وحده ... وقد قطرت حمرًا على الشعر الجثل
النجل: الواسعة؛ يستعمل ذلك في العين والطعنة والمزادة, يقال: عين نجلاء, وكذلك الطعنة والمزادة. وسنان منجل إذا كان واسع الطعنة, وقد قالوا: نجال في جمع أنجلٍ, وجمع أفعلٍ على فعالٍ قليل, وقد جاء في حروف مثل قولهم: أبطح وبطاح, وأعجف وعجاف, وقال بعضهم في كلامه: أيدٍ طوال وأعين نجال.
وفي قوله: تبل الثرى سودًا من المسك وحده: شبه من قوله: يضعن النقس أمكنة الغوالي, وذلك أن الدموع توصف بالصفاء؛ فيقال: ماء صافٍ مثل الدموع؛ فأراد أنهن يتطلين بالمسك ويجعلنه في شعورههن, وقد حملهن الحزن على أن قلبن ذوائبهن فصرن قدام رؤوسهن؛ فيمر بالمسك الذي في الذوائب فيسودها بلونه, ولو كانت الذوائب خلفهن لم يكن للدموع إليها سبيل. ويقال: شعر جثل؛ أي كثير الأصول أثيثها, وليس هو مع ذلك بطويل.
وقوله:
فإن تك في قبر فإنك في الحشى ... وإن تك طفلًا فالأسى ليس بالطفل
(١٤١/أ) حدث رجل ثقة أن أبا الطيب لما أنشد هذا البيت قيل له: هذا من قول الأول: [مجزوء الرمل]
إن تكن مت صغيرًا ... فالأسى غير صغير
стр. 891
فقال: الشعر طريق وربما وقع الحافر على الحافر. ويقال للصغير: طفل, وربما بقي هذا الاسم عليه فاستعمل له بعد أن يصير رجلًا؛ فجائز أن يقال للفوارس إذا رؤوا وهم شباب أو كهول: هؤلاء أطفال فلانٍ؛ أي أولاده الذين كانوا أطفالًا. فأما قول زهير: [الطويل]
لأتحلن في الصبح ثم لأدأبن ... إلى الليل إلا أن يعرجني طفل
أي: إلا أن تلقي ناقتي ولدًا فيمنعني من السير.
وقوله:
ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
الاستفهام هاهنا تحقيق, وقوله: ألست من القوم؛ أي أنت منهم, كما يقول الرجل لصاحبه: ألم أعطك دينارًا؛ أي قد أعطيت إياه. وقوله: الذي, يجوز أن يريد به: الذين؛ فيحذف النون, كما قال الأشهب بن رميلة: [الطويل]
إن الذي حانت بفلجٍ دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
فإذا حمل هذا على الوجه؛ فالذي وما بعده موضع خفضٍ لأنه نعت للقوم. وفيه وجه آخر وهو أن يكون الذي مبتدأ, وقوله: من رماحهم صلته, ونداهم: خبر الذي, وتكون الجملة في موضع حالٍ؛ لأن الجملة تنعت بها النكرة, وتكون حالًا للمعرفة.
وقوله:
بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفضل
стр. 892
يقول: طفل هؤلاء القوم لا يقدر على النطق, لأنه كغيره من الأطفال؛ إلا أن من نظر إليه دلته المخيلة في أعطافه على أنه يكون منطيقًا, وقد يجوز أن يكون المراد: أن هذا المولود كأن فضله ينطق وإن كان صامتًا.
وقوله:
تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل
المصاب في هذا البيت يحتمل أن يكون الطفل الذي أصيب, ويحتمل أن يكون المصيبة نفسها؛ إلا أن الفعل الماضي إذا كان على أربعة أحرف استوى فيه لفظ المفعول والمصدر والزمان والمكان, وكذلك جميع الأفعال الرباعية بزوائد كانت أو غير زوائد.
وقوله:
أقل بلاءً بالرزايا من القنا ... وأقدم بين الجحفلين من النبل
البلاء مصدر باليت, وهذا اللفظ مطرد في مصدر فاعلت؛ إلا أن مصدر باليت غير مترددٍ في الشعر. يقول: هؤلاء القوم لا يبالون برزايا الحرب. وجعلهم أصبر على ما يلقون من الرماح؛ لأنها لا تحس بانحطامٍ ولا كسرٍ ولا تحفل بذلك, وجعلهم أسرع إلى حرب العدو من النبل وهو من أسرع ما يكون.
وقوله:
عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل
نصب عزاءك على الإغراء, كأنه قال: عليك عزاءك؛ أي استعمله, وخبره أنه نصل, والشدائد إنما تلقاها النصال؛ وذلك أن السيف هو الذي يضرب به؛ فيلقى شدة الدرع والجوشن, وطال ما نحطم وانفل كما قال القائل: [الطويل]
وإنا لنعطي المشرفية حقها ... فتقطع في أيماننا وتقطع
وكذلك السنان ربما طعن به فانحطم أو نصل, قال أبو دوادٍ: [المتقاربٍ]
ووالى ثلاثًا فخر السنا ... ن إما نصولا وإما انكسارا
стр. 893
وقوله:
ولم أر أعصى منك للحزن عبرةً ... وأثبت عقلًا والقلوب بلا عقل
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل
قوله: أعصى منك وصف لموصوف قد حذف, كأنه قال: ولم أر رجلًا أعصى منك؛ فلذلك جاء (١٤١/ب) مجيء الهاء في سليله وهي عائدة على المحذوف.
وقوله:
ويبقى على مر الحوادث صبره ... ويبدو كما يبدو الفرند على الصقل
الفرند: جوهر السيف وماؤه, يقال فرند وبرند وهو معرب, وليس له في كلام العرب نظائر؛ لأن نونه إن جعلت أصلية فوزنه: فعل؛ وإنما جاء فعل بالتشديد مثل قولهم: فرس طمر, وحمر في اسم موضع؛ فإن جعلت النون زائدة فوزنه فعنل وليس في كلامهم مثل ذلك؛ إلا أن يكون شاذًا. ولقائل أن يقول: إن النون في فرند زائدة, وإنه مأخوذ من انفراد؛ أي إن هذا الشيء مما ينفرد به السيف, وقد قالوا: فرنداد في اسم موضعٍ, قال ذو الرمة: [البسيط]
تنفي الطوارف عنه دعصتا بقرٍ ... ويافع من فرندادين ملموم
وقوله:
يرد أبو الشبل الخميس عن ابنه ... ويسلمه عند الولادة للنمل
هذا البيت مثل في أن العظيم القدر يجوز أن تجيئه الرزية من الحقير الذليل, كما أن الأسد تهابه الوحوش والأنعام وبنو آدم, وربما قتلت ولده النمل, وربما تجتمع عليه حين يولد فلا يقدر الأسد على دفعهن. وكأنه أراد أن الموت كالسارق ليس له شخص يدرك, وكذلك عبر المفسرون اللص إذا رئي في المنام بأنه ملك الموت, ولو ظهر الموت في صورة شخص لجاز أن يدفعه هذا الممدوح.
وقوله:
بنفسي وليد عاد من بعد حمله ... إلى بطن أم لا تحرق بالحمل
стр. 894
الناس يقولون: بنفسي فلان؛ فيرفعون. وهو كلام فيه حذف, وقد يجوز أن يكون على تقدير قولهم: المفدى بنفسي وليد؛ فيرتفع بأنه اسم ما لم يسم فاعله, وهذا إخبار, وكأن فيه معنى التمني؛ أي: ليتني فديته بنفسي. وأراد بالأم: الأرض؛ أي إنها وإن كانت أمًا فهي لا تطرق بالحمل؛ يقال: طرقت الوالدة إذا تعسر عليها خروج الولد, وكذلك القطاة إذا صعب عليها خروج البيضة, قال الشاعر: [الطويل]
وقد جعلت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفًا كأفخوص القطاة المطرق
وقال النابغة الجعدي ووصف أسدًا: [الطويل]
كأن زفير القوم من خوف شره ... وقد بلغت نفس الجبان التراقيا
زفير المتم بالمشيأ طرقت ... بكاهله فما يريم الملاقيا
المشيأ: المختلف الخلق, والملاقي: جوانب الرحم, وهي جمع ملقى.
وقوله:
بدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل
يقال: ماء روي: أي مروٍ بكسر أوله والقصر, وإذا فتح أوله مد, قال الراجز: [الرجز]
يا إبلي ما ذنبه فتأبيه ... ماء رواء ونصي حوليه
وقوله:
وقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الركاب من النعل
стр. 895
يقول: بدا هذا المولود وهو يعدنا أن يروينا بالجود. وصد: أي مال عنا, وبنا غلة البلد الماحل؛ أي: عطشه, وكان ذلك والخيل قد مدت عيونها تنتظر أن يضع هذا المولود رجله في الركاب فتفتخر بذلك, وجعل الركاب يبدل من النعل؛ لأن الطفل أول مشيه إنما يكون بنعلٍ خفيفةٍ, وادعى للخيل ذلك على سبيل المبالغة.
وقوله: وعد السحابة بالروى: جاء بالباء مع الوعد؛ وإنما تجيء مع الوعيد, ولا يقولون: وعدثه بكذا؛ إنما يقال: وعدته خيرًا وشرًا, فإذا قالوا: أوعدت جاؤوا بالباء, قال الراجز: [الرجز]
أوعدني بالسجن والأداهم ... رجلي ورجلي شثنة المناسم
ويجوز أن يحمل قوله: بالروى على تقدير: له في الروى وعد السحابة, ولا يكون الوعد موصولًا بالباء, وتكون الباء مؤديةً معنى «في».
وقوله:
وريع له جيش العدو وما مشى ... وجاشت له الحرب الضروس وما تغلي
(١٤٢/أ) الضروس توصف به الحرب, وأصل ذلك قولهم: ضرسه إذا عضه بضرسه, يقال: فرس ضروس, وكذلك ناقة.
وقوله:
أيفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
هذا استفهام لا يحتاج إلى جواب؛ لأن فيه معنى الإنكار, كما تقول للرجل يفعل فعلًا تنكره: ويحك أفعلت كذا؛ أي: لم يجب أن تفعله, والفطم يستعمل في قطع الرضاع عن الولد, وقد استعمل ذلك في الناس وغيرهم, قال الراجز: [الرجز]
من كل كوماء السنام فاطم ... تشحى لمستن الذنوب الرادم
شدقين في رأسٍ لها صلادم
والتوراب من أسماء التراب.
стр. 896
وقوله:
وقبل يرى من جوده ما رأيته ... ويسمع فيه ما سمعت من العذل
الصواب أن يقول: وقبل أن يرى فحذف أن, ولابد من تقديرها ليصير الكلام في معنى المصدر. و «أن» تحذف في مواضع كثيرة, وحذفها في موضع النصب أيسر من حذفها في موضع الرفع والخفض, على أنه مكروه في كل المواضع. ومما حذفت فيه والموضع موضع نصبٍ قول طرفة: [الطويل]
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغا ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
سيبويه يرفع أحضر, وأجاز غيره النصب بإضمار أن, ومما حذفت فيه أن والموضع موضع رفعٍ قول ذي الرمة: [الوافر]
وحق لمن أبو موسى أبوه ... يوفقه الذي رفع الجبالا
كأنه أراد: حق له أن يوفقه؛ فأن وما بعدها في محل رفع بما لم يسم فاعله. ومما حذفت فيه أن وهي في موضع خفضٍ بيت ينسبه بعض الناس إلى مدرج الريح وهو: [الرمل]
انظرا قبل تلوماني إلى ... طللٍ بين النقا والمنحنى
ومن نصب أحضر الوغي جاز أن ينصب يسمع في قوله: ويسمع فيه ما سمعت من العذل.
وقوله:
هل الولد المحبوب إلا تعلةً ... وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل
стр. 897
التعلة مصدر عللت, كأنه قال: عللته تعللةً ثم ادغم, وهذا مطرد في المضاعف من هذا الجنس؛ يقال: رببت المرأة ولدها تربة أي تربية, وحلل الرجل يمينه تحلة إذا فعل ما يخرجه من الحنث.
وقوله:
وقد ذقت حلواء البنين على الصبى ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل
يقال: حلوى وحلواء بالمد والقصر, وهي مأخوذة من الشيء الحلو. وقد يجوز أن تكون الحلاوة في المطعم مأخوذةً من قولهم: حلوته الشيء إذا أعطيته إياه, قال الشاعر: [الطويل]
فهل راكب أحلوه كوري وناقتي ... يبلغ عني الشعر إذ مات قائله
وقافيتها من المتواتر وهي اللام والياء, والقافية عند الخليل من راء رمل إلى آخر المصراع.
ومن التي أولها
لا الحلم جاد به ولا بمثاله ... لولا ادكار وداعه وزياله
وزنها من الكامل الأول.
لا هاهنا في معنى ليس كما قال الشاعر: [الطويل]
قضت وطرًا من أرضها ثم آذنت ... ركائبها ألا إلينا رجوعها
أي: ليس إلينا رجوعها, وكذلك أراد: ليس الحلم جاد به, وقد يجوز أن يريد: لا جاد به الحلم, وهم يستعملون لا فعل في معنى: لم يفعل, والوجه الأول أجود. قال الراجز: [الرجز]
стр. 898
لا هم إن عامر بن جبله ... زنا على والده وقتله
وركب الشادخة المحجله ... وكان في جارته لا عهد له
وأي شيء سمج لا فعله
أي لم يفعله. زنا على والده؛ أي ضيق عليه, وأصله الهمز, والهاء في: مثاله وبه عائدة إلى المحبوب, وأضمره قبل الذكر لأن المراد بين للسامع.
وقوله: لولا ادكار وداعه وزياله, يقول: لولا ادكارنا الوداع والزيال لم نره في النوم لأن الحلم لا يجود به ولا بمثله.
وقوله:
إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت إعادته خيال خياله
رفع المنام بفعله؛ لأن المراد: الذي أعاد لنا المنام خياله, وقوله: كانت إعادته خيال خياله: هذه مبالغة في هجران (١٤٢/ب) الخيال الأول؛ أي إن النوم لا يجود بخياله الأول؛ وإنما هذا الذي نراه خيال ذلك الخيال الذي كنا نعهده.
وقوله:
نجني الكواكب من قلائد جيده ... وننال عين الشمس من خلخاله
ذكر أن النوم يريه أنه قد وصل إلى أشياء ليس يصلها في اليقظة؛ فكأنه إذا رأى في الرقاد أنه قد مس قلائد من يحب؛ فكأنه قد جنى الكوكب كما تجنى الثمرة, وكأنه ينال من خلخاله عين الشمس, وهذا ما لا يجوز أن يكون بحال الانتباه.
стр. 899
وقوله:
بنتم عن العين القريحة فيكم ... وسكنتم ظن الفؤاد الواله
يقول: بنتم عن العين التي هي قريحة من البكاء عليكم, وسكنتم الفؤاد الواله؛ فكأنه جاء بالضدين في المصراعين, فجعل العين التي تبكيهم لا تصل إلى رؤيتهم, وهم مع ذلك قد سكنوا ظن الفؤاد الذي به الولد من فقدهم. والوله: ذهاب العقل والحيرة. وجاء بالهاء الأصلية وصلًا مع الهاء التي هي للضمير, وقد جاء ذلك في شعره مرارًا, وربما استعملت الشعراء ذلك, قال الشاعر: [مجزوء الكامل]
أبلغ أبا عمرو أحيـ ... ـحة والخطوب لها تشابه
أني أنا الليث الذي ... تخشى مخالبه ونابه
وقوله:
فدنوتم ودنوكم من عنده ... وسمحتم وسماحكم من ماله
الهاء في عنده وماله راجعة إلى الفؤاد؛ أي إنه تخطر به الأماني فيراكم في النوم, وأنه قد نال منكم ما لم يكن راجيًا؛ فالفؤاد كأنه يسمح بسماحتكم؛ إذ كانت أمانيه تجلب وصالكم إليه, وإذا منحتموه عطيةً فكأنها مال سمح به.
وقوله:
إني لأبغض طيف من أحببته ... إذ كان يهجرنا زمان وصاله
قال في أول القصيدة: لا الحلم جاد به ولا بمثاله؛ فزعم أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال, ثم ذكر بعد ذلك أنه يبغض طيف من أحبه, وهذا يشبه أقوال الشعراء الشيء ثم رجوعهم عنه, وهو الذي يسمى الإكذاب, ومنه قول زهير: [البسيط]
قف بالديار التي لم يعفها القدم ثم قال:
بلى وغيرها الأرواح والديم
ونحو منه قول كثير: [الطويل]
стр. 900
ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
وذكر أبو الطيب ما أوجب بغضه الطيف, وهو أنه يهجره أيام الوصال, وشبهه بالصبابة والكآبة والأسى الكائنات عند الفراق, فقال:
مثل الصبابة والكآبة والأسى ... فارقنه فحدثن من ترحاله
وقوله:
وقد استقدت من الهوى وأذقته ... من عفتي ما ذقت من بلباله
استقدت: استفعلت من القود, وأصل ذلك أن الرجل يقتل الآخر؛ فيقاد قاتله إلى أهله؛ فربما قتلوه وربما عفوا عنه. يقول: إن كان الهوى قد لحقتني منه بلابل فقد استقدت منه, وأذقته من عفتي ما هو جزاء له.
والهوى في البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد به الهوى الذي هو عرض؛ فيكون هذا من مبالغة الشعراء التي ليس لها حقيقة, لأن القول لا يصح من شيء يخطر في القلب.
والآخر: يريد بالهوى المرأة التي شبب بها؛ لأنهم يقولون: فلانهة هواي؛ أي التي أهواها وهذا على حذف المضاف؛ كأنهم يريدون ذات هواي. والبلبال ما يجده الرجل في قلبه من حب أو حزنٍ, وأصل البلبلة: الحركة السريعة, وربما كان معها عنف, ويقال: قوم بلابل أي أصحاب سرعة وحركة, قال الشاعر: [الطويل]
سيمنع ما تحوي الحمارة وابنها ... قلائص رسلات وشعث بلابل
والحمارة اسم حرةٍ.
وقوله:
ولقد ذخرت لكل أرضٍ ساعةً ... تستجعل الضرغام عن أشباله
стр. 901
يقول: ذخرت لكل أرضٍ مخوفةٍ ساعةً أكون فيها شجاعًا أفزع من أمر به؛ حتى إني لأفزع الليث فيفر عن الأشبال. وأستجفله أي: أحمله على أن يجفل. يقال: جفل الرجل وغيره وأجفل إذا هرب فزعٍ, قال أبو كبير الهذلي: [الكامل]
ومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي نعاجٍ مجفل
وقوله:
تلقى الوجوه بها الوجوه وبينها ... ضرب يجول الموت في أجواله
(١٤٣/أ) الهاء في بها عائدة على الأرض, ولا يمتنع أن تكون عائدةً على الساعة المذخورة, واستعار الجولان للضرب, وإنما هو للحيوان كالخيل وغيرها. وأجوال الشيء جمع جولٍ وهو ناحيته, وكذلك جاله, يقال: جول البئر والقبر وجاله, وقالوا: ليس لفلانٍ جول ولا جال؛ أي ليس له عقل يعتمد عليه؛ لأن البئر إذا كان لها جول؛ أي طي بحجارةٍ كان ذلك آمن لها. قال طرفة: [الطويل]
وكائن ترى من ألمعي محظربٍ ... وليس له عند العزائم جول
أي ليس له عقل يرجع إليه. وقالوا: رماه فلان من جول الطوي؛ إذا كاده فرجع كيده عليه, وهذا الشعر ينسب إلى ابن أحمر: [الطويل]
ولما رأى سفيان أن قد منعته ... من الماء مرأى الحائم الوحدان
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريًا ومن جول الطوي رماني
стр. 902
وقوله:
ولقد خبأت من الكلام سلافه ... وسقيت من نادمت من جرياله
سلاف الخمر أول ما يسيل منها عند العصار, ويقال: هو ما سال من غير عصارٍ وإنما أخذ من: سلف الشيء إذا تقدم. وسلاف الجيش الذين يتقدمونه, وكذلك السلف, قال أبو دواد: [الخفيف]
عين ماءٍ يبين من سلف أر ... عن جلسٍ لرعنه قدام
والجريال يختلف في العبارة عنه, وربما قالوا: هو ماء الذهب, وقيل: هو صبغ أحمر يلقى في الخمر. وقيل: الجريال لون الخمر شبه بغيره؛ إما من ماء الذهب, وإما من الصبغ الأحمر. ويقال: جريال باللام وجريان بالنون؛ فأما قول الأعشى: [الكامل]
وسبيةٍ مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها
فمعناه أنه شربها حمراء وبال بولًا أبيض فكأنه سلبها لونها.
وقوله:
وحكمت في البلد العراء بناعجٍ ... معتاده مجتابه مغتاله
الناعج من النعجان وهو ضرب من السير, وقيل: إن أصل الناعج أنه الذي يصطاد عليه نعاج الوحش لسرعته, ثم سمي بعض السير نعجانًا.
والعراء: ظهر الأرض, ويقال: هو المكان الواسع, والمعنيان متقاربان, ويجوز أن يكون قيل له: عراء لأنه لا شجر فيه كأنه عري منه. وفي الكتاب العزيز: ﴿لنبذ بالعراء وهو مذموم﴾ , فأما العرى بالقصر فهو فناء الدار.
معتاده: من العادة, ومجتابه: من جاب البلد إذا قطعه, ومغتاله: أي يغوله ويفنيه, والهاءات الثلث في النصف الثاني راجعات إلى العراء, وقال الشاعر في العراء بالمد: [الكامل]
فرفعت رجلًا لا أخاف عثارها ... ونبذت بالبلد العراء ثيابي
стр. 903
وقوله:
وتراع غير معقلاتٍ حوله ... فيفوتها متجفلًا بعقاله
ادعى لبعيره أنه يسبق الأباعر المطلقة, وهو معقول, وهذا من المبالغة المقدم ذكرها, وأكثرها كذب.
وقوله:
وشركت دولة هاشم في سيفها ... وشققت خيس الملك عن ريباله
أصل الخيس: الشجر المتلف, يقال لغابة الأسد: خيس؛ لأنه لا يكون إلا في موضع فيه قصباء وما هو جارٍ مجراها, فيكون ذلك سترًا له. قال الأفوه: [السريع]
ويحضرون الناس يغشونه ... غشيان أسد الخيس آساد خيس
وقال آخر: [المنسرح]
تغدو المنايا على الغضنفر في الـ ... ـخيس وفيه الطرفاء والأسل
والريبال: أصله الأسد, يقال: رئبال بالهمز ويخفف؛ فيقال: ريبال, ويختلف في العبارة عنه؛ فيقال: الرئبال الكثير اللحم الشديده, وهو من قولهم: جسد ربل إذا كان كثير اللحم, قال القطامي: [البسيط]
وقد أبيت إذا ما شئت مال معي ... على الفراش الضجيع الأغيد الربل
وقيل: الريبال الذي يولد وحده لأن التوأم يضعف أخاه؛ ويقال: الرئبال في الأسد مثل القارح في الخيل, وإنما يريدون أنه قد أسن فكملت قوته؛ إلا أنه يلقي سنًا بعد سن, وكانوا يسمون تأبط شرًا والشنفرى ومن جرى مجراهما مثل السليك بن السلكة: رآبيل العرب؛ يريدون جمع ريبال, قال جرير: [الوافر]
стр. 904
رآبيل البلاد تخاف مني ... وحية أريحاء لي استجابا
يقول: شققت خيس الملك عن الملك الذي كأنه رئبال.
وقوله:
عن ذا الذي حرم الليوث كماله ... ينسي الفريسة خوفه بجماله
أصل الفرس: دق العنق, ثم سمي كل قتلٍ فرسًا, وأتى بعن في أول البيت؛ لقوله في آخر الذي قبله: عن ريباله (١٤٣/ب) وهم يفعلون ذلك كثيرًا, وفي الكتاب العزيز: ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾ , فجاء باللام مع من لما جاء بها في قوله: ﴿للذين استضعفوا﴾ , ويفعلون ذلك في حروف الخفض لأنها تتصل بما بعدها كاتصال ما هو منه. وادعى للممدوح أنه ينسي الفريسة خوفه لماتشاهده من جمال وجهه, وهذا ادعاء لا يجوز أن يكون مثله.
وقوله:
وتواضع الأمراء حول سريره ... وتري المحبة وهي من آكاله
وتواضع: أراد تتواضع فحذف إحدى التاءين؛ وجاء بالمستقبل في أل البيت لأنه عطفه على قوله: ينسي الفريسة, وذكر أن الأمراء تريه المحبة وهي من آكاله, يعني: جمع أكلٍ, وهو ما يأكله الإنسان, ويقال: لفلان أكل من السلطان إذا كان له رزق يأكل منه, وفلان ذو أكل إذا كان له حظ من دنياه, قال الأعشى: [السريع]
حولي ذوو الآكال من وائل ... كالليل من بادٍ ومن حاضر
وقوله: وتري المحبة يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها تري المحبة ولا تعلم ما يحدث من الأقضية, وجائز أن يسخط عليها فيكون كالذي أكلها إلا أنها لم تعلم بذلك.
стр. 905
والآخر: أن تكون تظهر محبةً وهي عالمة بأنه لها مهلك؛ فيكون هذا المعنى مثل قوله في الأخرى:
ومن شرف الإقدام أنك فيهم ... على القتل موموق كأنك شاكل
وقوله:
إن الرياح إذا عمدن لناظرٍ ... أغناه مقبلها عن استعجاله
يقول: الرياح إذا عمدن للناظر لم يحتج إلى أن يستعجلها, وإنما ضرب هذا مثلًا لأن الممدوح ينيل قبل أن يسأل.
وقوله:
والله يسعد كل يومٍ جده ... ويزيد من أعدائه في آله
قوله: ويزيد من أعدائه في آله: آل الرجل في الأصل هم أهله الذين يؤول إليهم؛ أي يرجع, ويجوز بعد ذلك أن يقال لمن التجأ إلى الرجل, أو كان من محبيه وأصدقائه: هذا من آل فلان. وقال عبد المطلب بن هاشم: [الرمل]
نحن آل الله في كعبته ... لم يزل ذاك على عهد ابرهم
أي نحن عبيده والمختصون بخدمته. وأجاز بعض النحويين أن يقال في تصغير آل الرجل: أويل وأهيل؛ لأن آلا عنده في معنى أهل؛ فجعلت الهاء الثانية همزةً, فلما اجتمعت الهمزتان جعلت الثانية ألفًا, وهذا قول قد يجوز مثله, ولكنه بعيد؛ لأنهم لا يجمعون في أول كلمة بين حرفين من جنس واحد إلا في ألفاظ نادرة, كقولهم للهو: ددن, وقولهم: ققت الدجاجة إذا صاحت. وإذا كان يفعلون ذلك في الحروف سوي الهمزة, فهم من الهمزة أشد نفارًا.
وكان بعض النحويين المتأخرين ينكر قول الناس: صلى الله على النبي وعلى آله؛ لأنه يرى أن «آلاً» ينبغي أن يضاف إلى اسم ظاهرٍ كقولك: آل محمدٍ وآل النبي وآل الرسول, ويكره
стр. 906
أن يضيفه إلى المضمر, وهذا قول يضعف. والذي أراد الشاعر بقوله: ويزيد من أعدائه في آله أنه دعاء للممدوح؛ أي ترغب أعداؤه في أن تصير من حزبه, أو يأسرهم فيصبحوا آله كالعبيد, وهذا موجود في الملوك؛ لأن سيف الدولة له غلمان أمراء كلهم روم ممن سباه أو اشتراه بماله.
وقوله:
فلمثله جمع العرموم نفسه ... وبمثله انفصمت عرى أقتاله
العرموم: الجيش العظيم, فعلعل من العرام وهو الشدة, ويقال للصبي إذا كانت فيه جرأة: هو عارم, قال الشاعر: [الخفيف]
فيهم للملاينين أناة ... وعرام إذا يرام العرام
ويقال: نظر فلان عارم إذا كان ينظر إلى من لا يحسن أن ينظر إليه, قال ابن أبي ربيعة: [الطويل]
نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولي نظر لولا التحرج عارم
وانفصمت العروة إذا انقطعت, والأقتال: الأعداء واحدهم قتل, وهو فعل من القتل؛ لأن المتعاديين يود كل واحدٍ منهما قتل الآخر, قال عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف]
واغترابي عن عامر بن لؤي ... في بلاد كثيرة الأقتال
(١٤٤/أ) وقوله:
وهب الذي ورث الجدود وما رأى ... أفعالهم لابن بلا أفعاله
هذا مأخوذ من قول اللهبي: [الكامل]
إنا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
стр. 907
والهاء في أفعاله راجعة على الابن, و "لا" في معنى غير, ورأى هاهنا تؤدي معنى رضي واختار, كما يقال: فلان يرى أن يكون كذا؛ أي يشير به ويرضاه.
وقوله:
وبأرعنٍ لبس العجاج إليهم ... فوق الحديد وجر من أذياله
الأرعن: الجيش الذي له مقدمة كرعن الجبل, والهاء في أذياله تحتمل أن تكون عائدةً إلى الجيش وإلى العجاج.
وقوله:
كل يريد رجاله لحياته ... يا من يريد حياته لرجاله
هذا البيت مبني على حكايةٍ تذكر عن سيف الدولة مع الإخشيد؛ وذلك أنه أراد أن يغلب على هذه البلاد, وجاء في جيش عظيم فطرد سيف الدولة ثم انصرف؛ فيقال: إن سيف الدولة وجه إليه بكلام مراده فيه: ابرز إلي ولا تقتل الناس بيني وبينك؛ فأينا غلب ملك. فوجه إليه الإخشيد: ما رأيت أعجب منك! إنما جمعت هذا الجيش العظيم لأقي به نفسي, أفتريد أن أبارزك؛ فهذا جهل.
ويقال للسيف: منصل ومنصل, وضم الصاد شاذ في القياس, وهو أكثر من منصلٍ, والقياس يدل على فتح الصاد, وأما منصل فهو على مثال: مدهنٍ ومسعطٍ, وهما على غير قياس.
وقافية هذه القصيدة من المتدارك وهي: اللام والهاء والياء, والقافية عند الخليل: واو واله من أهواله, وكذلك: تاله من أقتاله.
стр. 908
ومن أبيات أولها
يؤمم ذا السيف آماله ... ولا يفعل السيف أفعاله
وزنها من ثالث المتقارب.
قوله:
إذا سار في مهمه عمه ... وإن سار في جبل طاله
يصفه بكثرة الجنود؛ أي يملأ بالجيش المهمه. وقوله: وإن سار في جبل طاله, أي شرفه أعظم من شرف الجبل, ويجوز أن يعني عجاج الجيش وأنه يرتفع على الجبال فيطولها, والفضل في ذلك للممدوح؛ لأنه سبب ارتفاع العجاج.
وقوله:
وأنت بما نلتنا مالك ... يثمر من ماله ماله
نلتنا في معنى أنلتنا, ويقال ما كان من نولك أن تفعل كذا؛ أي لم يكن يجب أن تفعله, وقد كان نولك أن تنهى عن الباطل؛ أي قد كنت تنال ذلك. قال جرير يخاطب بشر ابن مروان بن الحكم: [الكامل]
يا بشر حق لوجهك التبشير ... هل لا عصيت لنا وأنت أمير
قد كان نولك أن تقول لبارقٍ ... يا آل بتارق فيم سب جرير
ويقال: ثمر الرجل ماله إذا أحسن القيام عليه, وأصل ذلك في الشجر الذي يثمر, واستعير ذلك في جميع الأموال.
وقوله:
كأنك ما بيننا ضيغم ... يرشح للفرس أشباله
стр. 909
يقال: رشح الضيغم شبله إذا علمه الفرس, ورشحت الوحشية ولدها إذا علمته المشي, وأرشحت الأم إذا مشى ولدها, وهو راشح, قال الشاعر: [البسيط]
كأن في جانبيه جلةً نتجًا ... من آخر الصيف قد همت بإرشاح
والقافية من المتدارك وهي اللام والهاء والواو, وقافيتها على مذهب الخليل: «باله» من أشباله.
ومن التي أولها
أينفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل
الوزن من المتقارب الثالث.
الخيمة التي تذكرها العرب في الشعر إنما هي عيدان تنصب وتظلل وتظلل بالثمام, ولم يكونوا يعرفون هذه الخيم, ويجوز أن يكون اسمها مولدًا, وهي مأخوذة من الاسم الأول على التشبيه, ويدلك على ذلك قول امرئ القيس: [المتقارب]
أمرج خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر
فدد ذلك على أن خيامهم شجرية. ويجوز أن يكون اشتقاق الخيمة أنها تخيم الحر عن المستظل بها أو البرد, من قولهم: خام الجبان عن الشيء إذا حاد, ثم اشتقوا من الخيمة اسمًا للإقامة, وقالوا: خيم بالمكان إذا أقام به, وأصل ذلك أن يبني به خيامًا, ثم قالوا: خيم إذا أقام وإن لم تكن له خيمة.
والعذل هاهنا جمع عاذل. وقد يقال عذل في جمع عاذلةٍ, ولم يرد هاهنا إلا الرجال
стр. 910
(١٤٤/ب) , وتشمل أي تضم, وتشتمل بمن يشمل دهرها يعني الممدوح, ويجوز رفع وتشمل على العطف ونصبها على إضمار أن؛ لأن الاستفهام قد تقدم في أول البيت, ويكون التقدير: أيجتمع عذل العذل واشتمال هذه الخيمة على الذي يشمل دهرها. والمراد أنه لا ينبغي أن تعذل لأنها قد بنيت لأمرٍ عظيم لم تطقه.
وقوله:
فلم لا تلوم الذي لامها ... وما فص خاتمه يذبل
يذبل جبل معروف, ويقال: فص الخاتم بالفتح وهو أفصح, ويقال بالكسر.
يقول: لم لا تلوم هذه الخيمة من لامها على السقوط, والذي لامها ليس فص خاتمه يذبل, وهذه مبالغة عظيمة؛ لأنه جعل الذي يجترئ على لوم هذه الخيمة يجب أن يكون فص خاتمه مثل هذا الجبل المستعظم, وكيف يلومها وهو حقير, إنما شخصه كشخص غيره من الناس.
وقوله:
رأت لون نورك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل
يقال: إن أصل الغزالة ارتفاع الشمس وهو وقت, ثم سميت الشمس غزالةً, قال ذو الرمة: [الوافر]
فأشرفت الغزالة رأس حوضى ... لرامتهم فما أغني قبالا
وقال الراجز: [الرجز]
قالت له وارتفقت ألا فتى ... يسوق بالقوم غزالات الضحى
وقيل: إنما سميت الشمس غزالةً لأنهم جعلوا حبالها كالغزل الذي تغزله المرأة. وأراد أن لون هذا الممدوح لا يلحقه التغير كلون الشمس الذي لا يزول عنها بالغسل.
стр. 911
وقوله:
وأن لها شرفًا باذخًا ... وأن الخيام بها تخجل
الخجل في بني آدم استرخاء يلحق من الحياء فاستعاره للخيام؛ أي هذه الخيمة إذا نظرت الخيام إلى عظيم شرفها خجلت, وعلمت أنها مفتضحة إذا قيست بهذه الخيمة, وإنما أخذ خجل بني آدم من قولهم: خجل الوادي إذا كثر نبته وطال, ومن شأن النبت إذا طال أن ينعطف ويضعف. وذكر ابن السكيت في كتاب «الأضداد» أن الخجل يكون النشاط ويكون الكسل, وأنشد في الخجل إذا أريد به النشاط, عن أبي تمام الباهلي: [الرجز]
إذا دعا الصارخ غير المتصل ... جاءك منهم كل ذيالٍ خجل
وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال للنساء: «إذا جعتن دقعتن, وإذا شبعتن خجلتن» , وقال أصحاب اللغة: الدقع سوء احتمال الفقر, والخجل سوء احتمال الغنى, وينشد قول الكميت: [المتقارب]
ألم يدقعوا عندما نابهم ... لعض زمانٍ ولم يخجلوا
وقوله:
ولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل
تطنيبها مد أطنابها, وأشيع الشيء إذا ظهر؛ يقال: شاع الخبر وأشاعه الناس, وقولهم: أشاع الخبر بغير باء أحسن من قولهم: أشاع بالخبر.
стр. 912
وقوله:
فما العاندون وما أثلوا ... وما الحاسدون وما قولوا
يقال: أثل الرجل الشيء إذا جعل له أصلًا, وبناء أثيل إذا أحكم؛ وإنما أخذ ذلك من الأثلة. والأثل شجر عظيم؛ فشبه ما يؤثله الرجل ويسعى له في الزيادة بالأثلة لأنها شجرة قوية. وقولوا: من كثرة القول, ومنه قولهم: تقول فلان كلامًا إذا اختلقه.
وقوله:
وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل
جعل الزرد ثوبًا وجعل القنا خمله, وتشبيههم الدرع بالثوب قديم. قال قيس بن الخطيم: [الطويل]
ولما رأيت الحرب حربًا تجردت ... لبست مع البردين ثوب المحارب
مضاعفةً يغشى الأنامل ريعها ... كأن قتيريها عيون الجنادب
وقال القطامي: [البسيط]
نقريهم لهذمياتٍ نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد
فجعل الزراد خياطًا للدروع, وصير الشاعر القنا خملًا للزرد, استعاره من خمل القطيعة وغيرها, وهو ما يظهر من الهدب. وهذا البيت يقارب معنى البيت الآخر: [الوافر]
فلو أنا شهدناكم نصرنا ... بذي لجبٍ أزب من العوالي
(١٤٥/أ) فقال: أزب أي كثير الشعر. وزعم أن الزرد والقنا كالثوب الذي يكون له خمل.
وقوله:
يفاجئ جيشًا بها حينه ... وينذر جيشًا بها القسطل
يفاجئ أي يلاقي لقاءً على غفلة, وينذر جيشًا بها قسطلها؛ أي غبارها. يقول: مرة يفجأ الجيش فيكون حينه قد حضر, ومرة ينذر أعداءه بالقسطل المثار؛ أي الغبار.
стр. 913
وقوله:
جعلتك بالقلب لي عدة ... لأنك باليد لا تجعل
يقول: جعلتك في قلب الجيش لي عادة؛ لأنك لا تجعل في شمال الجيش ولا يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب, فهذا وجه.
ووجه آخر, وهو أجود, أن يريد الشاعر قلب نفسه؛ أي جعلتك عدتي بقلبي لأنك أجل من أن تجعل بايد؛ لأنها إنما تتصرف فيما صغر من الأشياء, والقلب يتسع في الضمير حتىإنه يضمر ما لا يدرك.
وقوله:
فإن طبعت قبلك المرهفات ... فإنك من قبلها المقصل
يقال: أرهف السيف إذا حدد وأرق, والمقصل من: قصل الشيء إذا قطعه.
وقوله:
وكيف تقصر عن غايةٍ ... وأمك من ليثها مشبل
يقال: أسد مشبل إذا كان له أولاد, وكذلك لبؤة مشبل, يستوي في ذلك الذكر والأنثى, وقال تأبط شرًا: [الطويل]
كأن الذي يأوي إلى بنفسه ... يلوذ بصنعاء الذراعين مشبل
والأضبط الذي يعمل بكلتي يديه؛ وإنما أخذ ذلك من قولهم: ضبطت الشيء إذا أمسكته فلم يقع من يدك, ويقال في المثل: " هو أضبط من عائشة بن عثمٍ ", وهو رجل أورد إبله ماءً فوقعت منها بكرة في البئر, فأدرك ذنبها فأخذه ومنعها من الوقوع. والأسد يوصف بالضبط, ويقال إن نادبة روح بن حاتمٍ المهلبي قالت: [مجزوء الرمل]
стр. 914
أسد أضبط يمشي ... بين طرفاء وغيل
لبسه من نسج داو ... د كضحضاح المسيل
وقوله:
وقد ولدتك فقال الورى ... ألم تكن الشمس لا تنجل
يقال: نجل الرجل ولده, وكذلك المرأة إذا ولداه, قال الأعشى: [المنسرح]
أنجب أزمان والداه به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا
يفسر هذا البيت على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: أنجب والده به أزمان إذ نجلا.
وقوله:
فتبًا لدين عبيد النجوم ... ومن يدعي أنها تعقل
تبًا: أي خسرانا لقوم يعبدون النجوم ويزعمون أنها تعقل, وقد ادعت الصائبة ذلك وغيرها؛ فكان في الجاهلية من يعبد الشعرى. وقوله: تأمل في آخر القصيدة لا يجوز ترك همزة؛ لأنه يصير سنادًا, وكذلك همز مأسلٍ في قول امرئ القيس: [الطويل]
وجارتها أم الرباب بمأسل
والقافية من المتدارك.
стр. 915
ومن التي أولها
أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل
وزنها من البسيط الأول.
يقول: دعا دمعي الطلل, وهو ما شخص من آثار الديار؛ فأجابه قبل أن يجيبه الركب والإبل؛ يريد أن دمعه سبق قبل أن يقف به الركب.
وقوله:
ظللت بين أصيحابي أكفكفه ... وظل يسفح بين العذر والعذل
يقال: ظللت أفعل كذا إذا فعله بالنهار, وكفكف الرجل دمعه وغيره إذا حبسه, ويقال: سفح الدمع وسفحه غيره إذا أساله, قال كثير: [الطويل]
لعزة هاج القلب فالدمع سافح ... مغانٍ عفت منها مبين وماصح
ويقال: سفح الرجل الدم إذا سفكه, وكذلك سفح الماء من المزادة, وقيل: إنما سمي السفاح سفاحًا لأنه أراق ما كان معه من الماء, وقال لأصحابه: إن لم تردوا ماء الكلاب وإلا متم عطشًا؛ فسمي السفاح, وافتخر به الأخطل فقال: [الكامل]
فأخوهما السفاح ظمأ خيله ... حتى وردن جبا الكلاب نهالا
وأبو العباس السفاح من بني العباس: سمي بذلك لأن أصحابه سفحوا الدماء.
وقوله:
أشكو النوى ولهم من عبرتي عجب ... كذاك كانت وما أشكو سوى الكلل
следующие страницы →