← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقوله: وأن لها شرفًا باذخًا ... وأن الخيام بها تخجل الخجل في بني آدم استرخاء يلحق من الحياء فاستعاره للخيام؛ أي هذه الخيمة إذا نظرت الخيام إلى عظيم شرفها خجلت, وعلمت أنها مفتضحة إذا قيست بهذه الخيمة, وإنما أخذ خجل بني آدم من قولهم: خجل الوادي إذا كثر نبته وطال, ومن شأن النبت إذا طال أن ينعطف ويضعف. وذكر ابن السكيت في كتاب «الأضداد» أن الخجل يكون النشاط ويكون الكسل, وأنشد في الخجل إذا أريد به النشاط, عن أبي تمام الباهلي: [الرجز] إذا دعا الصارخ غير المتصل ... جاءك منهم كل ذيالٍ خجل وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال للنساء: «إذا جعتن دقعتن, وإذا شبعتن خجلتن» , وقال أصحاب اللغة: الدقع سوء احتمال الفقر, والخجل سوء احتمال الغنى, وينشد قول الكميت: [المتقارب] ألم يدقعوا عندما نابهم ... لعض زمانٍ ولم يخجلوا وقوله: ولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل تطنيبها مد أطنابها, وأشيع الشيء إذا ظهر؛ يقال: شاع الخبر وأشاعه الناس, وقولهم: أشاع الخبر بغير باء أحسن من قولهم: أشاع بالخبر.

стр. 912

وقوله: فما العاندون وما أثلوا ... وما الحاسدون وما قولوا يقال: أثل الرجل الشيء إذا جعل له أصلًا, وبناء أثيل إذا أحكم؛ وإنما أخذ ذلك من الأثلة. والأثل شجر عظيم؛ فشبه ما يؤثله الرجل ويسعى له في الزيادة بالأثلة لأنها شجرة قوية. وقولوا: من كثرة القول, ومنه قولهم: تقول فلان كلامًا إذا اختلقه. وقوله: وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل جعل الزرد ثوبًا وجعل القنا خمله, وتشبيههم الدرع بالثوب قديم. قال قيس بن الخطيم: [الطويل] ولما رأيت الحرب حربًا تجردت ... لبست مع البردين ثوب المحارب مضاعفةً يغشى الأنامل ريعها ... كأن قتيريها عيون الجنادب وقال القطامي: [البسيط] نقريهم لهذمياتٍ نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد فجعل الزراد خياطًا للدروع, وصير الشاعر القنا خملًا للزرد, استعاره من خمل القطيعة وغيرها, وهو ما يظهر من الهدب. وهذا البيت يقارب معنى البيت الآخر: [الوافر] فلو أنا شهدناكم نصرنا ... بذي لجبٍ أزب من العوالي (١٤٥/أ) فقال: أزب أي كثير الشعر. وزعم أن الزرد والقنا كالثوب الذي يكون له خمل. وقوله: يفاجئ جيشًا بها حينه ... وينذر جيشًا بها القسطل يفاجئ أي يلاقي لقاءً على غفلة, وينذر جيشًا بها قسطلها؛ أي غبارها. يقول: مرة يفجأ الجيش فيكون حينه قد حضر, ومرة ينذر أعداءه بالقسطل المثار؛ أي الغبار.

стр. 913

وقوله: جعلتك بالقلب لي عدة ... لأنك باليد لا تجعل يقول: جعلتك في قلب الجيش لي عادة؛ لأنك لا تجعل في شمال الجيش ولا يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب, فهذا وجه. ووجه آخر, وهو أجود, أن يريد الشاعر قلب نفسه؛ أي جعلتك عدتي بقلبي لأنك أجل من أن تجعل بايد؛ لأنها إنما تتصرف فيما صغر من الأشياء, والقلب يتسع في الضمير حتىإنه يضمر ما لا يدرك. وقوله: فإن طبعت قبلك المرهفات ... فإنك من قبلها المقصل يقال: أرهف السيف إذا حدد وأرق, والمقصل من: قصل الشيء إذا قطعه. وقوله: وكيف تقصر عن غايةٍ ... وأمك من ليثها مشبل يقال: أسد مشبل إذا كان له أولاد, وكذلك لبؤة مشبل, يستوي في ذلك الذكر والأنثى, وقال تأبط شرًا: [الطويل] كأن الذي يأوي إلى بنفسه ... يلوذ بصنعاء الذراعين مشبل والأضبط الذي يعمل بكلتي يديه؛ وإنما أخذ ذلك من قولهم: ضبطت الشيء إذا أمسكته فلم يقع من يدك, ويقال في المثل: " هو أضبط من عائشة بن عثمٍ ", وهو رجل أورد إبله ماءً فوقعت منها بكرة في البئر, فأدرك ذنبها فأخذه ومنعها من الوقوع. والأسد يوصف بالضبط, ويقال إن نادبة روح بن حاتمٍ المهلبي قالت: [مجزوء الرمل]

стр. 914

أسد أضبط يمشي ... بين طرفاء وغيل لبسه من نسج داو ... د كضحضاح المسيل وقوله: وقد ولدتك فقال الورى ... ألم تكن الشمس لا تنجل يقال: نجل الرجل ولده, وكذلك المرأة إذا ولداه, قال الأعشى: [المنسرح] أنجب أزمان والداه به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا يفسر هذا البيت على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: أنجب والده به أزمان إذ نجلا. وقوله: فتبًا لدين عبيد النجوم ... ومن يدعي أنها تعقل تبًا: أي خسرانا لقوم يعبدون النجوم ويزعمون أنها تعقل, وقد ادعت الصائبة ذلك وغيرها؛ فكان في الجاهلية من يعبد الشعرى. وقوله: تأمل في آخر القصيدة لا يجوز ترك همزة؛ لأنه يصير سنادًا, وكذلك همز مأسلٍ في قول امرئ القيس: [الطويل] وجارتها أم الرباب بمأسل والقافية من المتدارك.

стр. 915

ومن التي أولها أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل وزنها من البسيط الأول. يقول: دعا دمعي الطلل, وهو ما شخص من آثار الديار؛ فأجابه قبل أن يجيبه الركب والإبل؛ يريد أن دمعه سبق قبل أن يقف به الركب. وقوله: ظللت بين أصيحابي أكفكفه ... وظل يسفح بين العذر والعذل يقال: ظللت أفعل كذا إذا فعله بالنهار, وكفكف الرجل دمعه وغيره إذا حبسه, ويقال: سفح الدمع وسفحه غيره إذا أساله, قال كثير: [الطويل] لعزة هاج القلب فالدمع سافح ... مغانٍ عفت منها مبين وماصح ويقال: سفح الرجل الدم إذا سفكه, وكذلك سفح الماء من المزادة, وقيل: إنما سمي السفاح سفاحًا لأنه أراق ما كان معه من الماء, وقال لأصحابه: إن لم تردوا ماء الكلاب وإلا متم عطشًا؛ فسمي السفاح, وافتخر به الأخطل فقال: [الكامل] فأخوهما السفاح ظمأ خيله ... حتى وردن جبا الكلاب نهالا وأبو العباس السفاح من بني العباس: سمي بذلك لأن أصحابه سفحوا الدماء. وقوله: أشكو النوى ولهم من عبرتي عجب ... كذاك كانت وما أشكو سوى الكلل

стр. 916

(١٤٥/ب) يقول: أشكو النوى وأصحابي يعجبون من عبرتي, وليس ينبغي أن يعجبوا لذلك؛ لأنها كانت على ما شهدوه الآن. والذين أحب قريب ليس بيني وبينهم سوى الكلل: جمع كلةٍ وهي الستر, فكيف بي إذا اجتمعت الكلل مع البعد. وقوله: متى تزر قوم من تهوى زيارتها ... لا يتحفوك بغير البيض والأسل يقول: متى تزر قوم هذه المرأة جعلوا ما يتحفونك به سلهم السيوف ليقتلوك, وإشراعهم الرماح إليك, وهذا كقول الآخر: [الخفيف] ليس بيني وبين قيسٍ عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرقاب وقوله: ما بال كل فؤادٍ في عشيرتها ... به الذي بي وما بي غير منتقل أجود ما يتأول في هذا المعنى أن يجعل الذي يجده من الشوق كأنه شخص, والشخص إذا حصل في مكان شغله ولم يشغل غيره, فإذا اعتقد ذلك صح إنكاره لثبات وجده؛ لأنه في أماكن كثيرةٍ, والشخص لا يشغل مكانين, وأما العرض فلا يشغل مكانًا؛ فإذا كان في قلبٍ واحدٍ جاز أن يكون في قلوب عالمٍ كثيرٍ. وقوله: مطاعة اللحظ في الألحاظ مالكة ... لمقلتيها عظيم الملك في المقل جعل هذه المذكورة مطاعة اللحظ في الألحاظ؛ كأن مقلتيها ملكتان في المقل, وإنما يراد بذلك تفضيل مقلتيها على غيرها, كفضل الملك على السوقة, فأما المقلة فلا يصح كونها ملكةً في المقل إلا على مذهب الشعراء وادعاء الباطل. وقوله: وقد أراني الشباب الروح في بدني ... وقد أراني المشيب الروح في بدلي

стр. 917

معنى هذا البيت: أني كنت في حال شبيبتي على حالٍ فغيرها تقادم الدهر؛ لأني شبت, وكان شعري حالكًا, وقل ماء وجهي, وكان كثيرًا, وضعفت أعضائي بعد قوةٍ, فكأن جسمي قد بدل, وهذا معنى يتردد في الشعر كثيرًا, ومنه قول النمر بن تولبٍ: [الطويل] لعمري لقد أنكرت نفسي ورابني ... مع الشيب أبدالي الذي أتبدل فضول أراها في أديمي بعدما ... تكون كفاف اللحم أو هو أجمل كأن محطا في يدي حارثيةٍ ... صناعٍ علت مني به الجلد من عل وقال كثير: [الطويل] وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير وقال آخر: [الكامل] الدهر أبلاني وما أبليته ... والدهر غيرني وما يتغير والدهر قيدني بحبلٍ مبرمٍ ... ومشيت فيه فكل يومٍ يقصر وقد ذهب قوم إلى أن معنى بيت أبي الطيب: أنه كان شابًا, فلما ذهب الشباب عنه رآه في غيره من الناس. والقول الأول أجود. وقوله: وقد طرقت فتاة الحي مرتديًا ... بصاحبٍ غير عزهاةٍ ولا غزل يعني بالصاحب هاهنا: السيف. وذكر أنه مرتديه لأن العرب تسمي السيف رداءً, والعزهاة: الذي يحب حديث النساء, يقال: رجل عزهاة وعزهى على وزن فعلى, والغزل الذي يحب حديث النساء, يقول: صاحبي هذا لا يوصف بهذين الوصفين.

стр. 918

وقوله: فبات بين تراقينا ندفعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل هذا من نحو معنى بيتٍ يروى لامرئ القيس وغيره, وهو: [الطويل] تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وتدني علينا السابري المضلعا وقوله: ثم اغتدى وبه من ردعها أثر ... على ذؤابته والجفن والخلل الردع من قولهم: ردعت المرأة نفسها بالزعفران إذا اطلت به, وكذلك ارتدع الرجل بالدم والطيب. والمعنى: أنه دنا من هذه المرأة حتى لصق الطيب الذي تطيبت به بسيفه؛ فصار بذلك له فضيلة عند الصاحب. وقوله: لا أكسب الذكر إلا من مضاربه ... أو من سنانٍ أصم الكعب معتدل (١٤٦/أ) كان كالملغز في صفة السيف, ثم أبان مراده بقوله: لا أكسب الذكر إلا من مضاربه. وينبغي أن يضاف سنان إلى أصم فذلك أجود من التنوين؛ لأن في السنان نونين؛ فإذا لحقه التنوين صار في الكلمة ثلاث نونات, ومع هذا فإن السنان لو نون لكان معناه: ومن سنان أصم كعبه, والكعب ليس للسنان وإنما هو للرمح, فإن كان ذلك جائزًا على الاستعارة كان كونه للرمح أشبه وأليق. وقوله: والمدح لابن أبي الهيجاء تنجده ... بالجاهلية عين العي والخطل تنجده أي تعينه, وتنجده في موضع نصب على الحال. والمعنى: والمدح لابن أبي الهيجاء إذا أنجدته بذكر الجاهلية والرؤساء الذين كانوا فيها عين العي أي حقيقته. والخطل: اضطراب الكلام وكثرته, ومنه قيل: رمح خطل أي يهتز, والمعنى: أن المادح له لا يحتاج إلى غيره من قديمي الآباء ولا حديثهم.

стр. 919

وقوله: ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول المناقب: جمع منقبةٍ, وأصل ذلك أن الملك كان إذا استولى على الأمور حفر الأنهار وفتح العيون؛ يعد ذلك من عظيم أفعاله ومما يحمد عليه, فقيل: قد فعل منقبةً؛ أي أظهر شيئًا نقب عنه, ثم كثر ذلك حتى سميت المكرمة منقبةً وإن لم يكن ثم حفر. وقوله: فما كليب يريد: فأي شيءٍ, ودخلت ما على الإنس؛ لأن المراد السؤال عن صفة كليبٍ مع الاحتقار لشأنه, أي فأي وصفٍ ما يوصف به كليب؟ ! يريد أنه قليل محتقر. وقوله: وقد وجدت مكان القول ذا سعةٍ ... فإن وجدت لسانًا قائلًا فقل قوله: وجدت يجوز أن يكون خطابًا لغيره, لأنه قال: والمدح لابن أبي الهيجاء تنجده, ويحتمل أن يكون خطابًا لنفسه؛ لأن ذلك كثير في الشعر؛ يكون الشاعر في الظاهر مخاطبًا لغيره, وإنمان يعني نفسه, ومن ذلك قول سحيمٍ: [الطويل] تريك غداة البين كفًا ومعصمًا ... ووجهًا كدينار الأعزة صافيا يريد أنها أرته كفها ومعصمها لا لغيره. قال آخر: [البسيط] تامت فؤادك لم تقض الذي وعدت ... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا إنما أراد أنها تامت فؤاده لا فؤاد غيره. وقوله: إن الهمام الذي فخر الأنام به ... خير السيوف بكفي خيرة الدول قوله: فقل يحتمل أن يكون موصولًا بالبيت الذي بعده, وأن يكون منقطعًا منه. وإذا كان غير موصولٍ به؛ فالمراد: قد وجدت القول متسعًا؛ فإن وجدت لسانًا يسعدك فانطق بما تقدر عليه, ويكون أول البيت الثاني في موضع رفعٍ على الابتداء. وإذا جعل قل متصلًا بما بعده؛ فأول البيت الثاني في موضع نصب.

стр. 920

وقوله: بكفي خيرة الدول, والخيرة كلمة كالشاذة؛ لأنهم قالوا: فلان خير من فلانٍ, وهم يريدون أخير منه, ثم حذفوا الهمزة لكثرة الاستعمال, وإذا قالوا: هذا أخير من فلان وجب أن يقولوا: هذه الخورى, كما أنهم إذا قالوا: هذا أطيب من هذا وجب أن يقولوا في الأنثى: الطوبى, ولما كثر استعمالهم خيرًا في معنى أخير أدخلوا الهاء عليه, وكذلك قالوا: هذا شر من هذا؛ فلما كثر طرح الهمزة أدخلوا الهاء على شر فقالوا: هذه اشرة الدور, وأنشد السيرافي: [الخفيف] لعن الله شرة الدور كوثى ... وبلاها بالذل والإمعار لست أعني كوث العراق ولكن ... شرة الدور دار عبد الدار وقوله: انظر إذا اجتمع السيفان في رهجٍ ... إلى اختلافهما في الخلق والعمل يعني بالسيفين: سيف الدولة والسيف الذي يقاتل به, وهما مختلفان في الخلق والعمل؛ لأن بني آدم لا يشبهون السيوف في الخلق, والسيف في الحقيقة لا يعمل شيئًا, وإنما تعمل به الأشياء. وقوله: هذا المعد لريب الدهر منصلتًا ... أعد هذا لرأس الفارس البطل

стр. 921

(١٤٦/ب) يقول: سيف الدولة هو المعد لريب الدهر منصلتا؛ أي ماضيًا, وقيل: السيف المنصلت: المجرد, ويقال للماضي السريع: منصلت. وأعد هذا؛ يعني السيف الذي يضرب به؛ أي أعده سيف الدولة للقتال. وقوله: فالعرب منه مع الكدري طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل الكدري: ضرب من القطا كدر الألوان, يقال قطا كدر وكدري, والحجل هذا الطائر المعروف, الذكر يعقوب والأنثى حجلة, قال الراجز: [الرجز] قد علمت يا قفي التتفله ... ومرسن العجل وساق الحجله وقال امرؤ القيس: [المنسرح] قوم يحاجون بالبهام ونسـ ... ـوان صغار كأفرخ الحجل وقالوا: الحجلى بكسر الحاء: صغار الحجل. قال الشاعر: [الكامل] وارحم أصيبتي الذين كأنهم ... حجلى بأكناف الشربة وقع ومن شأن الحجل أن تكون في الجبال.

стр. 922

وقوله: وما الفرار إلى الأجبال من أسدٍ ... تمشي النعام به في معقل الوعل النعام يكون في السهول, والأوعال تكون في الجبال, ومن أمثالهم: «لا يجتمع الأروي والنعام» , يريدون بالأروي جمع أرويةٍ وهي أنثى الوعل. يقول: إن النعام والأوعال لا يجتمعان لأن موضعيهما متضادان. والمراد أن الخيل أو الإبل التي يعملها هذا الممدوح تمشي في معاقل الأوعال. وقوله: جاز الدروب إلى ما خلف خرشنةٍ ... وزال عنها وذاك الروع لم يزل فكلما حلمت عذراء عندهم ... فإنما حلمت بالسبي والجمل الدروب: الأبواب, ويقال للموضع الضيق الذي يؤدي إلى غيره: درب, قال امرؤ القيس: [الطويل] بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا وخرشنة: اسم أعجمي وليس لها اشتقاق يشبه اشتقاق العربية, وقوله: فكلما حلمت عذراء؛ أي إذا أبصرت في النوم شيئًا فإنما تبصر أنها قد سبيت وحملت على جمل. وقوله: إن كنت ترضى بأن يعطوا الجزى بذلوا ... منها رضاك ومن للعور بالحول الجزى: جمع جزيةٍ, وهو ما يأخذه السلطان من عدو الإسلام, وما يجبيه من أهل الذمة الذين بين المسلمين, وفي الكتاب العزيز: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون﴾ , وهو مأخوذ من قولهم: جزيته بفعله؛ فكأن هذه الجزية جزاء للسلطان إذا كف عن غزوهم, أو رضي بأخذ القليل من الذين في بلاده.

стр. 923

ومن للعور بالحول؛ أي: من للأعور أن يكون أحول؛ لأن الحولاء من العيون قد تنظر. فأما قولهم في المثل: «أشأم من الحولاء وأشأم من رغيف الحولاء» , فإنها امرأة كان بها حول خبزت خبزًا وحملته بين قوم؛ فأخذ بعضهم منه رغيفًا, فهاج بينهم شر عظيم قتل فيه جماعة من الناس. وقوله: ناديت مجدك في شعري وقد صدرا ... يا غير منتحل في غير منتحل يقول: مجدك يا سيف الدولة غير منتحلٍ, وكذلك شعري؛ أي كلانا مهذب فيما هو فيه. وقوله: وعرفاهم بأني في مكارمه ... أقلب الطرف بين الخيل والخول عرفاهم: يعني مجد سيف الدولة وشعره, والخيل اسم لا واحد له من لفظه, وهي مأخوذة من الخيلاء؛ لأنها كالتي تختال في مشيها, والخول: ما يملكه الرجل من الخيل والعبيد وغير ذلك. وكل ما خوله الله عبيده, فهو خول, من الذهب والفضة وجميع الأشياء؛ إلا أن الأصل في ذلك ما يحتاج إلى خائلٍ؛ أي داعٍ, وفي الحديث: «كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة»؛ أي ينتظر بنا الأوقات التي تصلح لذلك. وقولهم: للمرأة: خولة: زعم بعضهم أن الظبية يقال لها: خولة. وقوله: ما كان نومي إلا فوق معرفتي ... بأن رأيك لا يؤتى من الزلل يقول ما نمت إلا (١٤٧/أ) وتحتي فراش وطيء من معرفتي بأن رأيك لا يقدح فيه كلام الواشين ولا أخاف من زلله في. وقوله: أقل أنل أقطع احمل على سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل

стр. 924

أقل من إقالة العثرة, وأنل من النيل, وأقطع من إقطاع الضياع والأرضين, احمل من الحمل على الخيل, عل من التعلية, وسل من السلوان أي سل فؤادي مما كان فيه, أعد أي أعد علي أفضالك وعطاءك, زد من الزيادة, وهش من الهشاشة وهي البشر, وبش نحو منها, تفضل من الفضل, وأدن أي أدنني منك, وسر من السرور, وصل من الصلة. فلما أنشد هذا البيت رأى من حضر المجلس يعد حروفه فقال: أقل أنل أن صن احمل عل سل أعد ... زد هش بش هب اغفر أدن سر صل أن من الأون وهو الرفق, وصن من الصيانة, وهب من الهبة؛ وإنما أراد أبو الطيب أن يزيد في عدد ألفاظ البيت, وقد وضع بعد ذلك بيتًا لم يسبقه إلى مثله أحد من كثرة الألفاظ, وهي يجيء بعد هذه القصيدة. وقوله: أنت الجواد بلا من ولا كدرٍ ... ولا مطالٍ ولا وعدٍ ولا مذل أصل المذل أن يقلق الرجل على فراشه فلا يستقر, قال الراعي: [الكامل] ما بال دف بالفراش مذيلا ... أقذى بعينك أم أردت رحيلا يقال: فلان مذل بشره أي لا يكتمه, ومذل بماله إذا كان سخيا, قال الأسود بن يعفر: [الكامل] ولقد أروح على البجاد مرجلًا ... مذلًا بمالي لينًا أجيادي والذي أراد أبو الطيب بالمذل أنه لا يقلق لما يلقاه من الشدائد كما يقلق غيره. وقوله: أنت الشجاع إذا ما لم يطأ فرس ... غير السنور والأشلاء والقلل

стр. 925

السنور يقال إنها الدروع, وقيل: كل سلاح يتقى به فهو سنور, قال الراجر: [الرجز] كأنهم إذ خرجوا من عرعر ... مستلئمين لابسي السنور نشء سحابٍ ناشئ كنهور الكنهور سحاب متراكب, ويجب أن يكون السنور معربًا. وإذا قيل إن السنور السيئ الخلق لم يمتنع أن يكون السنور منه؛ لأنه شدة لا يفتقر إليه إلا في الحرب, وقيل للمهر: سنور من ذلك, والسنور من الفرس عظم بين كاهله وعنقه. قال الراجز: [الرجز] كأن جذعًا خارجًا من صوره ... مقذيه إلى سنوره والأشلاء: جمع شلو وهي البقية من اللحم, والقلل: جمع قلة وهي أعلى الرأس. وقافية هذه القصيدة من المتراكب. وقال - وقد جرى ذكر بيت يتضمن أكثر ما يمكن من الحروف - بيتين وهما: عش, ابق, اسم, سد, جد, قد, مر, انه, ر, ف, اسر, نل غظ, ارم, صب, احم, اغز, سب, رع, زع, د, ل, اثن, بل وهذا دعاء لو سكت كفيته ... لأني سألت الله فيك وقد فعل البيت الأول والذي يليه من الطويل الثاني, ولم يعلم أن من قبل أبي الطيب جاء بمثل هذا البيت. والطويل من الشعر إنما سمي طويلًا لأنه أطول الأوزان, وإذا صرع ضربه الأول كان ثمانيةً وأربعين حرفًا, وإذا لم يصرع, فهو سبعة وأربعون حرفًا.

стр. 926

الضرب الثاني من الطويل متساوي النصفين, وأجزاؤه ثمانية, وكذلك الأول؛ فإذا سلمت من الثاني أجزاؤه الستة التي ليس فيها العروض ولا الضرب؛ فعدده ستة وأربعون حرفًا, وهو الذي قبله في هذا النوع الذي قصد له أبو الطيب؛ سواء كان الأول مصرعًا أو غير مصرعٍ, وأكثر ما يمكن أن يجمع في كل واحد منهما ثلاث وعشرون كلمة, وذلك أن في الأول إذا كان مصرعًا ثانية أوتادٍ واثني عشر سببًا, وكل وتدٍ تجتمع فيه كلمتان, والسبب لا يمكن (١٤٧/ب) أن يكون إلا من كلمة واحدة. مثال ذلك: أنك إذا أردت أن تجيء بكلمتين في الوتد جئت بكلمة أصلها ثلاثة أحرف وتصير في الأمر إلى حرف واحد. مثال ذلك قولك: ولي يلي؛ فإذا أمرت حذفت الواو, والياء التي في آخر الفعل فبقيت اللام مفردة, وتضيف إليها فعلًا أصله ثلاثي يكون على أحد نوعين: إما أن يكون معتل الأوسط مثل قولهم: قام يقوم, وباع يبيع؛ فيصير في الأمر على حرفين كقولك: قم وبع, وإما أن يكون معتل الثاني مثل قولك: يعد كان أصله: يوعد؛ فحذفت الواو في قولك: عد فيمكنك أن تقول في كل وتدٍ في البيت: عد, أو: ل, أو: قد, في الأمر من الولاية والقود. فإذا صرت إلى السبب جئت به من كلمتين؛ إما معتلة الأوسط: جد وسر, وإما معتلة الواو مثل: وعد ووجد؛ فتقول في الأمر: عد وجد. فالضرب الأول إذا صرع دخلت فيه كلمتان في العدة المتقدم ذكرها, وهي ثمان وعشرون, وإذا لم يصرع صارت عروضه مفاعلن فيها وتد أصلي يركب فيه كلمتان, وسببا الجزء قد صارا في وزن الوتد؛ فيركب منهما كلمتان, ويتساوى في البنية المصرع وغيره. والضرب الثاني عروضه مفاعلن وكذلك ضربه, ولم ينقص عدة ما يضمه من الكلم لأنه قد سقط منه حرفان؛ إذا كان السبب أن الذي حذف ثاني الأول منهما قد صار حكمهما في الجمع بين كلمتين. عش أمر من العيش. ابق أمر بالبقاء. اسم من السمو أي ارتفع. سد دعاء بالسيادة. جد دعاء بالجود. قد دعاء: أمر بقود العساكر. مر دعاء بأن يأمر فينفذ أمره؛ لأنهم يقولون: مر

стр. 927

غلامك فيحذفون, وأمر عبدك, وإثبات الهمزة هي اللغة التي جاء بها القرآن في قوله: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾. انه دعاء بأن يكون نهيه مقبولًا. والحرف المصور براءٍ هو دعاء بأن يري عدوه من قوله: وأري عدوًا, والوري داء يصيب في الجوف وقد مر. والفاء المقصورة دعاء من وفى يفي؛ كأنه أراد: ليف لك العمر, ويجوز أن يكون من الوفاء الذي هو ضد الغدر. واسر دعاء بالتوفيق في السرى من سرى الليل. ونل: إن فتحت النون فهو: نال الأمور ينالها, وإن ضمت النون فهو ناله بالخير ينوله مثل أناله. غظ أي غظ عدوك. ارم من الرمي. صب من قولهم: صاب السهم يصيب في معنى أصاب وهو حرف نادر, وإنما القياس صاب يصوب. واحم من الحماية. واغز من الغزو. واسب من سبيت العدو. ورع من الروع أي الفزع. وزع من وزع يزع, إذا كف, والدال المصورة دالة على أمر من: ودى القتلى يديهم, واللام بعدها من قولهم: ولي يلي إذا تولى الأمور, ويجوز أن يكون: ولى يلي إذا جاد بعطاءٍ بعد عطاءٍ كالمطر الذي يلي الأرض كما قال الشاعر: [الطويل] لني ولية تمرع جنابي فإنني ... لما نلت من معروف كفك شاكر واثن من ثنى يثني إذا كرر العطاء. بل: إذا كسرت الباء فهو من وبل المطر, وإذا فتحت الباء احتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من بللت بالشيء إذا ظفرت به. والآخر: أن يكون من بل من المرض يبل. وإذا كسرت الباء ففي البيتين سناد على رأي الخليل, وغيره لا يجعل ذلك سنادًا. وإذا فتحت الباء فلا سناد فيهما. وقافية هذين البيتين من المتدارك.

стр. 928

ومن أبيات أولها شديد البعد منه شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل وزنها من الوافر الأول. يقال أترج وهي اللغة الفصيحة والواحدة أترجة, قال علقمة: [البسيط] يحملن أترجة نضخ العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم وحكى بعض العلماء: ترج وترنج, ويجوز أن يكون اشتقاق الأترج من قولهم للموضع الذي فيه الأسد: ترج؛ لأن شجر الأترج كثير الشوك يمتنع من يد جانبيه حتى يدخن تحته بالكبريت فيقع, ولا يبعد أن يكونوا شبهوه بموضع الأسد؛ لأن شجره ملتف, وهي مخشية المخالب والأنياب؛ فهذا أشبه به من أن يكون مأخوذًا من الأرج, وهو طيب الرائحة (١٤٨/أ)؛ لأنه إذا أخذ من هذا الوجه فأصله أروج فجعلت الواو تاءً, ووزنه على هذا القول: فعلل, وعلى القول الآخر: أفعل. وقدم الخبر في قوله: شديد البعد, ولو جعل النصف الآخر مكان الأول كان حسنًا, وكلا الوجهين سائع. وقوله: وميدان الفصاحة والقوافي ... وممتحن الفوارس والخيول يقال إن الميدان ليس أصله بعربي, وقد وافق من العربية فعلان من: ماد يميد إذا مال, وماد يميد إذا مار, فيكون على الوجه الأول إذا اشتق من العربية مأخوذًا من: ماد الفارس يميد إذا مال؛ لأنه يحتاج إلى ذلك إذا لعب بالرمح أو غيره. وإذا كان من ماد إذا مار؛ أريد أنه كالذي يمير الفارس؛ أي يقويه على الحرب, كما أن الميرة تقوية لمن يمار, ومنه سميت المائدة مائدة لأنها تمير من عليها بالطعام؛ أي: عندك أيها الممدوح ميدان الفوارس والقوافي من

стр. 929

الشعر. وممتحن الفوارس: يحتمل أن يراد به المصدر, ووقت الامتحان, ومكانه. وقد مضى القول في هذا النحو, ويوافق الأفعال التي عدد ماضيها على أربعة أحرف في لفظ المصدر, والزمان, والمكان, والمفعول. وقافيتها من المتواتر. ومن التي أولها أتيت بمنطق العرب الأصيل ... وكان بقدر على ما عينت قيلي وزنها كوزن التي قبلها, وكذلك قافيتها. وقوله: وهذا الدر مأمور التشظي ... وأنت السيف مأمون الفلول قوله: وهذا ابتداء, والدر نعت للمبهم, والمبهمات تنعت بما فيه الألف واللام. ومأمون التشظي خبر هذا, والمعنى: وهذا الدر الذي أقوله مأمون التشظي؛ أي يبقى على ممر الدهر, والدر إذا طال الأمر عليه فلابد من التغير, ولو جعل هذا مبتدأً والدر خبرًا لكان الوجه نصب مأمون على الحال. ومن قطعة أولها لقيت العفاة بآمالها ... وزرت العداة بآجالها وزنها من المتقارب الثالث.

стр. 930

وقوله: وأقبلت الروم تمشي إليـ ... ـك بين الليوث وأشبالها يقال: إن رسول الروم ورد على سيف الدولة فوافق ذلك مجيء قوم بأسد قد قتلوه؛ فأوجب ذلك أن قال أبو الطيب هذه الأبيات. وقافيتها من المتدارك. ومن قطعة أولها وصفت لنا ولم نره سلاحًا ... كأنك واصف وقت النزال الوزن من أول الوافر. قوله: وصفته لنا ولم نره: قدم المضمر لعلم السامع, والمراد: وصفت لنا سلاحًا ولم نره. وقوله: تا في معنى هذه, وقياس قول النحويين أن تكون "تا" نعتًا للنار؛ لأنهم يقولون: ضربت زيدًا هذا؛ فيجعلون هذا نعتًا لزيد؛ لأن المعنى: ضربت زيدًا هذا المشار إليه, ولو جعل هذا بدلًا جاز, وقافيتها من المتواتر. ومن التي أولها ليالي بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل وزنها من الطويل الثالث. قوله: شكول أي ضروب مختلفة.

стр. 931

قوله: وإن رحيلًا واحدًا حال بيننا ... وفي الموت من بعد الرحيل رحيل إذا كان شم الروح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضة وقبول دل كلام أبي الفتح بن جني ﵀ على أن المتنبي أراد: فلا برحت روضةً, فقدم الخبر كأنه دعا لنفسه بأن يكون بعض الرياض. وقال غيره: ليس الخبر مقدمًا؛ وإنما أراد: لازايلتني روضة وقبول. والقبول هي ريح الصبا, ومهبها من مطلع الشمس. ولم يكشف معنى هذا البيت إلا رجل يعرف بالمخزومي له تصنيف في شعر أبي الطيب, وذلك (١٤٨/ب) أن الشاعر قال: إن رحيلًا واحدًا حال بيننا, وهو الرحيل في الدنيا, وبعده رحيل ثانٍ وهو الموت, فأن يكون بيننا رحيل واحد أقرب من أن يكون بيننا رحيلان, فدعا لنفسه بالحياة, لأنه ما دام يشم الروح فهو أقرب إليهم منه إذا صار تحت الأرض. وقوله: وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول الرواية بنصب تذكر مصدر تذكرت تذكرا, وأشبه ما يقال فيه: إنه مفعول له أو مفعول من أجله, كأنه قال: وما شرقي بالماء إلا لتذكر أو لأجل تذكرٍ, ولو رفع تذكرًا لم يبعد. وقوله: يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه وصول قد ذكرت الشعراء حاجتها إلى الورد وامتناعهم منه للمخافة كقول القائل: [الطويل] رأى برد ماءٍ ذيد عنه وروضةً ... برود الضحى فينانةً بالأصايل وقال آخر: [الطويل] وإني وتهيامي بزينب كالذي ... يحاول من أحواض صداء مشربا يرى دون برد الماء هولاً وزادةً ... إذا شد صاحوا قبل أن يتحببا التحبب: أول الري.

стр. 932

وقوله: ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي ... فتظهر فيه رقة ونحول الاستفهام في هذا البيت يجوز أن يكون عن شيء قد وقع, كما تقول للرجل: ألم أفعل معك جميلًا؛ أي قد فعلته, وهذا الذي يسمى التقرير, ولا يمتنع أن يكون عن شيء لم يقع بعد, وإذا دخل الاستفهام على حرف النفي قلبه في بعض المواضع إلي الإيجاب, وفي الكتاب العزيز: ﴿أولم ننهك عن العالمين﴾ , أي قد نهاك, واختلف في قوله: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ , فذهب منهم قوم إلى أن معناه: أما فيكم رجل رشيد, وذهب قوم إلى أنه أراد: أليس منكم نبيكم وهو رشيد, وقول امرئ القيس يحتمل وجهين: [الطويل] فقالت سباك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي يحتمل أن تريد: أأنت لا بصر لك فأنت لا ترى من حولي, وهي لا تعلم أيبصر أم لا يبصر, ويجوز أن تريد أنه قد رأى الناس فلم ينته, ويجوز أن يكون الاستفهام في بيت أبي الطيب على هذين الوجهين, ويكون الليل في أحدهما لم ير عيني المرأة, وفي الآخر قد رآهما؛ فوجب عليه أن يرق وينحل. وقوله: لقيت بدرب القلة الفجر لقيةً ... شفت كمدي والليل فيه قتيل يريد أنه أصبح فزال عنه الليل, فكان كأنه قد شفى كمده منه بقتله, ويحسن ذلك أن الفجر يشبه بالسيف؛ فكأنه قتل الليل. وزعم قوم أن سيف الدولة أوقد نيرانًا عظيمةً بدرب القلة فكأنه أزال بها الليل, وقد يجوز مثل هذه الحكاية.

стр. 933

وقوله: ويومًا كأن الحسن فيه علامة ... بعثت بها والشمس منك رسول عطف يومًا على قوله: لقيت الفجر, وهذا معنى لطيف. أراد أن الحسن في هذا اليوم كأنه علامة بعثت بها هذا المذكورة إليه, وأن الغبار ثار وستر الشمس؛ فكأنها رسول من حبيبه مستخفٍ. وقوله: وما قبل سيف الدولة اتار عاشق ... ولا طلبت عند الظلام ذخول هذا البيت يقوي حكاية من زعم أن سيف الدولة أوقد نيرانًا في درب القلة؛ إذ كان كأنه قد قتل الليل وجلاه بإيقاد النار. واتار: افتعل من قولهم: فعل كذا تارةً بعد تارةٍ؛ أي مرة بعد مرة, فكأنهم يقولون: اتار فلان إذا كانت الغلبة له تارة أي مرة. ويجوز أن يكون اتار من قولهم: اتار إذا أخذ ثأره, ويكون الأصل: اثأر فادغمت الثاء في التاء؛ إلا أنه إذا حمل على هذا الوجه كانت الهمزة قد جعلت فيه ألفًا كما قال بعضهم: (١٤٩/أ) سال في معنى سأل, وأكثر ما يقال في افتعل من الثأر: اتأر بالهمز. قال لبيد: [البسيط] والنيب إن تعرمني رمةً خلقًا ... بعد الممات فإني كنت أتئر يقول: إن بليت عظامي فاتفق أن تأكلها الإبل فإني كنت أتئر في حياتي, أي أنحرها؛ فكأني أخذت ثأري منها من قبل أن تسدي إلى شرًا. وقوله: شوائل تشوال العقارب بالقنا ... لها مرح من تحته وصهيل يقال: شالت العقرب بذنبها تشول شولًا؛ فشبه القناة بشولة العقرب, وقد سبقه إلى هذا المعنى بشار بن برد فقال في صفة الخيل: [الكامل] مثل العقارب شولت أذنابها والهاء في تحته راجعة إلى القنا, ولا يمتنع أن ترد إلى الممدوح.

стр. 934

وقوله: وخيل براها الركض في كل بلدةٍ ... إذا عرست فيها فليس تقيل التعريس أكثر ما يستعمل في نزول الراكب آخر الليل, قال الشاعر: [الطويل] فلو كانت ماءً كنت ماء غمامةٍ ... ولو كنت نومًا كنت تعريسة الفجر وتقيل؛ أي تقيم في الهاجرة, وكان الواجب أن يقول: فليست تقيل فيؤنث, ويجعل الضمير راجعًا إلى الخيل, ولكنه جعل ليس في معنى ما؛ فلم يحتج إلى ضمير, وقد حكى سيبويه ذلك في أحد قوليه لما ذكر قول هشام بن عقبة أخي ذي الرمة: [البسيط] وليس منها شفاء الداء مبذول وقوله: على طرقٍ فيها على الطرق رفعة ... وفي ذكرها عند الأنيس خمول يريد أنها طرق في جبالٍ فهي مرتفعة؛ إلا أنها مع رفعتها خاملة عند الأنيس؛ أي إنهم لا يسلكونها. وقوله: فما شعروا حتى رأوها مغيرةً ... قباحًا وأما خلقها فجميل يريد أنهم رأوها قباحًا لأنها جاءتهم بالقتل والأسر, وأما خلقها فمستحسن, وهذا المعنى ضد قوله في الأخرى: [الكامل] ينسي الفريسة خوفه بجماله وقوله: سحائب يمطرن الحديد عليهم ... فكل مكانٍ بالسيوف غسيل الأشبه بالسحائب أن يريد بها هاهنا الخيل, وشبهها بالسحائب لسرعة سيرها, وصير

стр. 935

ضرب الفوارس إياهم بالسيوف كالأمطار, فقد غسلت كل مكان؛ أي قتلت من فيه وسبتهم؛ فكأنما قد غسلته من أهله. ويجوز أن يعني بالسحائب الغبار الثائر, ويكون في الكلام حذف؛ أي رأوا سحائب, وكل ذلك جائز. وقوله: وأمسى السبايا ينتحبن بعرقةٍ ... كأن جيوب الثاكلات ذيول أي قد شققن جيوبهن فصرن كالذيول, ويجوز ضم جيم الجيوب وكسرها, وكذلك في ذال الذيول, وذلك مطرد في جميع ذوات الياء مثل: بيتٍ وشيخٍ وعيبٍ. وقوله: وعادت فظنوها بموزار قفلًا ... وليس لها إلا الدخول قفول موزار لا شك أنها كلمة أعجمية, وقد وافقت من كلام العرب: فوعالًا من المزارة, يقال: رجل مزير إذا كان ذا حلمٍ ورزانةٍ, قال الشاعر: [الوافر] ترى الرجل الضعيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد مزير والقفول يستعمل للجيش إذا رجع من الغزو, وكذلك للمسافر إذا رجع من سفره. وأهل العلم باللغة يعيبون قول العامة للرفقة العازمة على السفر: قافلة؛ لأن القافلة عندهم هي العائدة إلى المحل والوطن. ولكلام العامة وجه حسن؛ وذلك أنهم يسمونها قافلة على سبيل الفأل بالقفول, أي هي تقفل على السلامة, ولا يمتنع في الكلام أن يقال: هذه قافلة أي إنها تقفل بعد مدة, كما يقال فلان مدرك كذا, وهو لم يدركه بعد, وذلك مطرد في اسم الفاعل (١٤٩/ب) إذا أريد به الاستقبال, وكلام العرب يتسع ويتردد فيه المجاز, ونحون من قول العامة للرفقة قافلة قوله: وليس لها إلا الدخول قفول قد جعل الدخول قفولًا كما قالوا: تحيته الضرب وعتابه السيف.

стр. 936

وقوله: فخاضت نجيع القوم خوضًا كأنه ... بكل نجيعٍ لم تخضه كفيل النجيع هو الخالص من الدم, وربما قالوا: هو دم الجوف, وتكثر عبارتهم بأن يقولوا: النجيع الدم فلا يخصون شيئًا, وقال الشاعر: [الوافر] وتخضب لحية كذبت وخانت ... بأحمر من نجيع الجوف آن والمراد أن هذاا لنجيع الذي قد خاضته كفيل لها بكل نجيعٍ لم تخضه؛ أي إنها تقتل الأعداء الباقين فتخوض دماءهم. وقوله: وأضعفن ما كلفنه منا قباقبٍ ... فأضحى كأن الماء فيه عليل قباقب: اسم نهر جاوزته هذه الخيل بفرسانها, وأضعفن يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من الضعف, ويكون المعنى أن هذه الخيل أضعفت هذا الماء وكدرته, فكأنه عليل؛ أي به علة. والآخر: أن يكون من ضعف الشيء إذا قلت أضعفت له العطية إذا زدتها ضعفها؛ فيكون عليل هاهنا فعليلًا في معنى مفعولٍ من قولك: عللت الشرب إذا كررته؛ أي جاءت هذه الخيل فعبرت هذا الماء؛ فكأنها سيل من كثرتها وسرعتها؛ فصار النهر مثله. ويقوي ذلك قوله: ورعن بنا قلوب الفرات كأنما ... تخر عليه بالرجال سيول استعار للفرات قلبًا, وإنما يريد معظم مائه وخالصه. وقوله: تراه كأن الماء مر بجسمه ... وأقبل رأس وحده وتليل يقول: إن الفرس يغيب شخصه في الماء فلا يبين منه إلا رأسه وعنقه, وهذه صفة قلما فعلتها الملوك ولا يسمع بمثلها في الأخبار؛ إلا أن الكميت قال يفتخر في بعض أشعاره: [الوافر]

стр. 937

وخضنا بالقرات إلى تميمٍ ... وقد ظنت بنا مضر الظنونا بحورًا يغرق السبحاء فيها ... ترى الجرد بها سفينا القرات اسم ماء أو موضع فيه ماء, وبعض الناس يصحف فيقول: الفرات. وقد روي أن بعض جيوش المسلمين عبرت إلى جموع فارس دجلة أو الفرات مثل هذا المعنى الذي ذكره الكميت؛ فلم يصب منهم فارس ولا فرس, فلما عبروا الماء قال قائل منهم: كان معي قعب فذهب, فقال له بعض أصحابه: هذا قعبك وجدته فخذه. وقوله: وفي بطن هنزيطٍ وسمنين للظبى ... وصم القنا ممن أبدن بديل هنزيط اسم بعربي ولا يوافق العربية في الاشتقاق؛ لأن النون إن جعلت زائدة فاشتقاقه من الهزط, ولم يحكه أصحاب اللغة. وأما سمنين فهي موافقة لفعلين من السمن أو السمن, والمراد أن السيوف والقنا كانت قد أبادت من لقيته, فلها منه بديل في هذين الموضعين؛ أي سوف تجد فيهما من تقتله. وقوله: بتن بحصن الران رزحى من الوجا ... وكل عزيزٍ للأمير ذليل رزحى جمع رازح, وهو الذي لا يقدر على القيام من الهزال والضعف, وفعلى إنما هو جمع فعيل مثل: مريض ومرضى, وجريح وجرحى, فجرى رازخًا على هذا المثال, لأن فعيلًا وفاعلًا يشتركان؛ كقولك: عالم وعليم, وسالم وسليم, والرازح هو الذي أصابه الرزاح؛ فكأنه مفعول مثل جريحٍ في معنى مجروح. وقوله: ودون سميساط المطامير والملا ... وأودية مجهولة وهجول (١٥٠/أ) المطامير جمع مطمورةٍ, وهو ما حفر تحت الأرض ليستتر فيه, أو يعتصم به

стр. 938

من العدو, والملا الأرض الواسعة. قال الشاعر: [الطويل] ألا غنياني وارفعا الصوت بالملا ... فإن الملا عندي يزيد المدى بعدا والهجول جمع هجلٍ وهي أرض واسعة مطمئة وربما كان فيها غلظ, قال ابن ميادة: [الطويل] ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بحرة ليلى حيث ربتني أهلي وهل أسمعن الدهر أصوات هجمةٍ ... تطلع من هجلٍ خصيب إلى هجل وقوله: فودع قتلاهم وشيع فلهم ... بضربٍ حزون البيض فيه سهول الفل المنهزمون, وشيع من قولهم: شيعت المسافر إذا تبعته للوداع؛ وإنما هذه الكلمة مأخوذة من قولهم: آتيك غدًا أو شيعه؛ أي اليوم الذي يأتي بعده. ويقال لشبل الأسد: شيعه لأنه يتبعه؛ ومن ذلك قولهم: شيعة الرجل أي الذين يتبعونه, قال ابن أبي ربيعة: [الكامل] قال الخليط غدًا تصدعنا ... أو شيعه أفلا تودعنا والجزيل: الكثير؛ وإنما يستعمل في العطاء؛ فجعل البأس هاهنا جزلًا. وحزون البيض؛ أي صليها الذي يجري مجرى الحزون من الأرض. والمعنى: أن السيوف تشق البيض فكأنها حزون تجعلها سهولًا. وقوله: على قلب قسطنطين منه تعجب ... وإن كان في ساقيه منه كبول قسطنطين بن الدمستق, وكان سيف الدولة أسره في وقعة الأحيدب وأكرمه, وأقام عنده بحلب فاتفق أنه مات, فاغتم لذلك, فلما بلغ موته أباه دخلت الروم الحبوس التي فيها

стр. 939

المسلمون فقتلوا منهم جماعةً, وكان سيف الدولة يعيب عليهم ذلك؛ لأنهم ظنوا أنه قد سقاه سقيةٍ, ولم يكن الأمر كذلك. والكبول جمع كبلٍ وهو القيد, ويقال للمقيد: مكبل. وقوله: لعلك يومًا يا دمستق عائد ... فكم هاربٍ مما إليه يؤول نجوت بإحدى مهجتيك جريحةً ... وخلفت إحدى مهجتيك تسيل كان الدمستق ضرب في وجهه في الغزاة التي أسر فيها ابنه, فجعل له الشاعر مهجتين: إحداهما نفسه وهي التي نجا بها جريحة, والمهجة خالص النفس وقيل: هي دم القلب, والأخرى ولده قسطنطين, وجعلها تسيل فكأن ذلك كالطيرة بموته. وقوله: بوحهك ما أنساكه من مرشةٍ ... نصيبك منها رنة وعويل يقال: إنه استتر في قناة, وإن بعض غلمان سيف الدولة ضربه في وجهه ولم يعرفه. والرنة الواحدة من الرنين, وهو رفع الصوت عند فزعٍ أو مصيبة, هذا أصل ذلك, ثم استعمل في كل صوت شديد؛ فقيل: أرن الحمار الوحشي إذا نهق في آثار الأتن. قال الراجز: [الرجز] ترعى الخزامى هنةً وهنه في روضةٍ معشبةٍ مغنه فهي إذا راحت عشيهنه شممت من بين البيوت البنه وللجبال بينهن رنه البنة: الرائحة الطيبة في هذا الموضع, وقد جعلوا صوت الحمام رنينًا, قال الشاعر: [الوافر] إذا سعدانة الجبلين ناجت ... عزاهلها سمعت لها رنينا السعدانة: الحمامة, والعزاهل: الفراخ. والمرشة: الضربة التي يخرج منها رشاش الدم مثل رشاش المطر.

стр. 940

وقوله: إذا لم تكن لليث إلا فريسةً ... غذاه ولم ينفعك أنك فيل غذاه أي صار غذاءً له, والهاء عائدة إلى الليث, وأنك فيل فاعل غدا, وفي البيت تقديم وتأخير؛ كأنه قال: غذاه أنك فيل ولم ينفعك عظم خلقك. وقوله: إذا الطعن لم تدخلك فيه شجاعة ... هي الطعن لم يدخلك فيه عذول يقول: إذا لم تكن فيك شجاعة تدخلك في الطعن, أي تحملك على أن تطاعن فتصيب وتصاب؛ لم يحملك فيه من يعذلك, (١٥٠/ب) فيقول: هلا تطاعن, ولم لا تفعل فعل غيرك من الشجعان, وهذا كما قال الآخر: [الطويل] فقلت ذريني إنما تلك عادة ... لكل كريمٍ عادة يستعيدها وقوله: إذا كان بعض الناس سيفًا لدولةٍ ... ففي الناس بوقات لها وطبول البوق عربي وهو من قولهم: باقتهم الداهية إذا عمتهم, وقيل إذا فجئتهم, قال الراجز: [الرجز] داهية فيها شفاء العر صملت قران بها في الحر فبقته وقومه بشر وقال مالك بن زغبة الباهلي: [الوافر]

стр. 941

تراها حول قبتنا قصيرًا ... ونبذلها إذا باقت بؤوق وقيل لهذا الذي ينفخ فيه: بوق لأنهم كانوا لا يستعملونه إلا عند أمرٍ مهم. قال الشاعر: [الطويل] سحيف رحى طحانةٍ صاح بوقها والطبل معروف وقد تكلموا به قديمًا, وقالوا لمال الخراج: الطبلي لأنهم كانوا يجعلونه في شيء مثل الطبل, قال الشاعر: [الوافر] نفتكم دونها أفناء فهرٍ ... كما تنفى عن الطبل الفلوس والطبل ضرب من الثياب, ويقال: ما أدري أي الطبل هو أي: أي الناس هو, قال الراجز: [الرجز] ثم انصرفت بانطلاقٍ رسل ... قد علموةا أنا خيار الطبل وقال الشاعر في الطبل الذي يضرب به: [الطويل] ورملٍ عزيف الجن في حجراته ... هدوا كتضراب المغنين بالطبل وقوله: فتيهًا وفخرًا تغلب ابنه وائلٍ ... فأنت لخير الفاخرين قبيل يقولون في بعض القبائل: ابنة فلان وبنت فلان, ولا يقولونه في بعضها, والقياس يجيز ذلك في كل قبيلة, ولم تجر العادة أن يقولوا: كلاب بنت ربيعة ولا عقيل ابنة كعب, قال الفرزدق: [الكامل] لولا فوارس تغلب ابنة وائلٍ ... أخذ العدو عليك كل مكان

стр. 942

وقوله: شريك المنايا والنفوس غنيمة ... فكل مماتٍ لم يمته غلول ادعى أن الممدح للمنايا شريك, فإن مات ميت ليس في موته شرك فكأنه غلول. يقال: غل فلان من الغنيمة شيئًا إذا ستره عن أصحابه, وهو راجع إلى معنى الخيانة, يقال: أغل الجازر في الجلد إذا خبأ فيه شيئًا من اللحم, قال النمر بن تولب: [الطويل] جزى الله عنا جمرة ابن نوفلٍ ... جزاء مغل في الأمانة كاذب وقوله: فإن تكن الدولات قسمًا فإنها ... لمن ورد الموت الزؤام تدول الدولات جمع دولةٍ, وهي كالمملكة ينالها الرجل؛ يقال: دال الرجل يدول, ودالت الدولة, وإذا كان الاسم على فعلةٍ وثانيه ياء أو واو فجمع بالألف والتاء؛ فالوجه تسكين الواو والياء, وفي الكتاب العزيز: ﴿على عورات النساء﴾ , وقد قرئت بفتح الواو, ويقال إنها لغة هذلية وأنهم يقولون: بيضات في جمع بيضة, قال الشعر: [الطويل] أبو بيضاتٍ رائح متأوب ... رفيق بمسح المنكبين أريب وأكثر العرب على التسكين, قال سعد بن مالك بن ضبيعة: [مجزوء الكامل] فالهم بيضات الخدو ... ر هناك لا النعم المراح

стр. 943

وكذلك ينبغي أن ينشد بيت ابن أحمر: [المتقارب] فما بيضات ذي لبدٍ هجف ... سقين بزاجلٍ حتى روينا الزاجل: ماء الظليم. ينشد بتسكين الياء, وفتحها لا يخل بالوزن؛ لأن لغة ابن أحمر التسكين. والزؤام: الموت الشديد, ولم يصرفوا منه الفعل. وقوله: لمن هون الدنيا على النفس ساعةً ... وللبيض في هام الكماة صليل أعام اللام في أول البيت الآخر؛ لأن البيت الذي قبله فيه: لمن ورد الموت, وقد مضى مثل ذلك. وأصل الصليل في صوت الحديد وقد استعملوه في غيره, وقالوا للذي يرد الماء وهو عطشان: سمع صليله, قال الشاعر في صفة قطاةٍ (١٥١/أ): [الطويل] غدت من عليه بعدما تم ظمؤها ... تصل وعن قيضٍ بزيزاء مجهل وقافية هذه القصيدة من المتواتر. ومن أبيات أولها إن كنت عن خير الأنام سائلا وزنها مشطور الرجز وهو الرابع منه. قوله: الطاعنين في الوغا أوائلا نصب أوائل على الحال, وأوائل: جمع أوله, وأصله أواول, وإنما همزت الواو لوقوعها بعد واو وألف.

стр. 944

وكذلك رأي النحويين فيما كان كذلك. ولو سميت رجلًا عود أو سود لقلت في الجمع: سوائد وعوائد, فإن جمعت سيدًا جمع التكسير همزت ما بعد الألف في رأي البصريين؛ إلا سعيد بن مسعدة فإنه لا يرى الهمز إلا في أول, ومائة. وقافية هذه الأبيات من المتدارك. ومن التي أولها دروع لملك الروم هذي الرسائل ... يرد بها عن نفسه ويشاغل وزنها من ثاني الطويل. وقوله: ومن أي ماءٍ كان يسقي جياده ... ولم تصف من مزج الدماء المناهل المناهل: جمع منهلٍ, والنهل: الشرب الأول, والنهل: الموضع الذي يشرب منه أو فيه, قال الشاعر: [المديد] يورد الصعدة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه عل العل والعلل: الشرب الثاني, ويقال للظمآن: ناهل؛ لأنه محتاج إلى النهل, قال النابغة الذبياني: [السريع] والطاعن الطعنة يوم الوغى ... ينهل منها الأسل الناهل أي يشرب منها الأسل الظمآن. والأسل لا يشرب, وإنما ذلك على المجاز والتوسع.

стр. 945

وقوله: يقوم تقويم السماطين مشيه ... إليك إذا ما عوجته الأفاكل السماط: صف ممدود مشبه بالسمط الذي هو اللؤلؤ؛ لأنه متصل كاتصاله؛ يعني أن الناس قيام للممدوح وهم سماطان. يأخذه الأفكل أي الرعدة, ولم يتصرف من الأفكل فعل, ولا جمع على فكلٍ؛ وإنما استدلوا على أن همزته زائدة؛ لأن هذا المثال تكثر الهمزة في أوله زائدةً. وقوله: فقاسمك العينين منه ولحظه ... سميك والخل الذي لا يزايل يصف الرسول, وأنه ينظر إلى سيفك نصف نظرة, ويجعل نصفه الآخر إليك. وسميك يعني السيف, والخل مثل الخليل, والسيف يجعل خلا وخليلًا, قال الفرزدق: [الطويل] وإني كما قالت نوار إذا اجتلت ... على رجلٍ ما سد كفي خليلها أي سيفي, وكل ما قرب من الإنسان جاز أن يجعل خليلًا له, وقد سموا الأنف خليلًا, وينشد لأبي حية النميري: [الطويل] إذا نفخت من اجانبٍ نفخت له ... أتاه برياها خليل يواصله وقوله: وأكبر منه همةً بعثت به ... إليك العدى واستنظرته الجحافل الواو في قوله: وأكبر في معنى رب, ورفع أكبر على الإخبار أحسن ويكون مبتدأ. وقوله: بعثت به وما بعده خبر عنه, واستنظرته في معنى انتظرته.

стр. 946

وقوله: وما لونه مما تحصل مقلة ... ولا حده مما تجس الأنامل يقول: تحير هذا الرسول في سيفٍ, ربيعة أصله؛ يعني الممدوح, وطابعه الرحمن؛ أي خالقه وهذا كقوله في الأخرى: سرى السيف مما تطبع الهند صاحبي ... إلى السيف مما يطبع الله لا الهند ولون هذا السيف, الذي هو الممدوح, ليس كلون اليسف؛ لأن السيوف تعرف ألوانها. ولون هذا الممدوح لا يحصل؛ لأنه من هيبته لا يستطاع أن ينظر إليه, كما قال في الأخرى: كأن شعاع عين الشمس فيه ... ففي أبصارنا عنه انكسار ولا حده مما تجس الأنامل؛ أي هذا المسمى باليسف لا يمكن أن تجسه الأنامل؛ لأنه إذا كان النظر لا يصل إليه فبعد الأنامل أشد, والسيف المضروب يمكن أن تجس حده الأنامل. وقوله: رجا الروم من ترجي النوافل كلها ... لديه ولا ترجى لديه الطوائل (١٥١/ب) النوافل: العطايا التي لا تجب على المعطي. والطوائل: جمع طائلةٍ وطائلٍ. يقال لفلان عند فلان طائلة؛ أي أمر يطالبه به من قتل أو غيره. واشتقاق الطائلة فيه وجهان: أحدهما أن يكون من قوله: طال مكثه في الصدر, والآخر يكون من: طال غيره من الأمور أي ارتفع عنها, وهذا فعل معتل في الأصل. والأول لا تتعدى الأفعال منه, ومن الوجه الثاني قول الأول: [الكامل] إن الفرزدق صخرة عادية ... طالت فليس تنالها الأوعالا أي طالت الأوعال فليس تنالها. وقوله: فإن كان خوف القتل والأسر ساقهم ... فقد فعلوا ما القتل والأسر فاعل فخافوك حتى ما لقتلٍ زيادة ... وجاؤوك حتى ما تراد السلاسل

стр. 947

يقول: إن كان ساقهم إليك خوف أسرٍ وقتلٍ؛ فقد فعلوا ما كان يفعل القتل والأسر الواقعان بهم, وربما كان انتظار الشيء أشد من مباشرته. ومن أمثال الأصمعي الموضوعة في كتاب الأمثال: «الحذر أشد من الوقعية». وقوله: فخافوك حتى ما لقتل زيادة؛ أي خافوك خوفًا لا يزيد خوفهم القتل عليه, وجاؤوك حتى لا حاجة إلى السلاسل التي تجعل في أعناق الأسرى. وهذا البيت كالتفسير للبيت الأول. وقوله: كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك باذل رفع كريمًا على تقدير قوله: أنت كريم, ووصفه أنه لو سئل ما هو راكب على ظهره في الحرب لوهبه للسائل. ولقحت الحرب إذا كان أمر يهيجها, وإنما شبهت بالناقة اللاقح. وكانت العرب تضن في الحروب بأن يردف الرجل على الفرس خوفًا أن تقصر عن حمل رجلين, ومن ذلك قول الفرار السلمي: [الطويل] عدمت أناسًا بالجليل كأنما ... رئيسهم ليث ببيشة أفدع كأن ابنة الشقراء لما ابتذلتها ... بذي الرمث ظبي في تبالة أخضع غداة يقول القين هل أنت مردفي ... وما بين ظهر القين والرمح إصبع فقلت له يابن الخبيثة إنها ... برب خفيفٍ واحدٍ هي أسرع فإن يك عارًا يوم ذاك أتيته ... فراري فذاك الجيش قد فر أجمع

стр. 948

الجليل يجوز أن يكون موضعًا ينبت الثمام؛ لأن الثمام يقال له الجليل. وبيشة موضع يوصف بكثرة الأسد. وظبي أخضع؛ أي في عنقه اطمئنان, وتبالة موضع يوصف بالخصب. قال لبيد: [الكامل] فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبًا أهضامها ومن أمثالهام: «ما هبطت بطن تبالة لتحرم الأضياف» يقال ذلك لمن يجب عليه أن يفعل جميلًا فيضن به. وقوله: أذا الجود أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل ناداه بهمزة النداء؛ أي ياذا الجود أعط الناس مالك ولا تعطهم شعري؛ أي لا تجعلهم في طبقتي؛ فتقول للشاعر: أنت مثل فلان, أو شعرك مثل شعره. وقوله: أفي كل يومٍ تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الضبن: ما تحت الإبط إلى الخاصرة, ويقال: هو مثل الكشح. قال أوس بن حجر: [المتقارب] وأبيض بض عليه النسور ... وفي ضبنه ثعلب منكسر ويقاويني: يفاعلني من القوة. وقوله: وما التيه طبي فيهم غير أنني ... بغيض إلي الجاهل المتعاقل

стр. 949

أصل الطب: العلم بالشيء, يقال: فلان طب بكذا وطبيب به. قال عنترة: [الكامل] إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم وقال علقمة: [الطويل] فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب ثم اتسعوا في هذه (١٥٢/أ) الكلمة حتى سموا الداء طبًا؛ لأنه يفتقر إلى طب؛ أي دواء, وطبيب أي مداو. والطب في بيت أبي الطيب في معنى الداء, قال الشاعر: [الوافر] ألا من مبلغ حسان عني ... أسحر كان طبك أم جنون وقوله: لعل لسيف الدولة القرم هبةً ... يعيش بها حق ويهلك باطل يقال: هب السيف هبةً إذا اهتز في الضريبة, قال امرؤ القيس: [الطويل] وأبيض كالمخراق بليت حده ... وهبته في السوق والقصرات يجوز رفع هبةٍ على الابتداء, ونصبها معطوفةً على قوله: بليت حده؛ يعني سوق الإبل وقصراتها؛ لأنه كان يعقرها. والقصرات جمع قصرةٍ وهي أصل العنق, ويجوز أن تجعل القصرات هاهنا قصرات الناس؛ فيكون قد وصف نفسه بعقر الإبل للأضياف, وقتل الرجال في الحرب. والشاعر يشتكي في هذا البيت أنه لا ينصف في الرتبة, وهو ينتظر نظرًا من سيف الدولة يعيش به حقه, ويموت باطل سواه. وقوله: رميت عداه بالقوافي وفضله ... وهن الغوازي السالمات القواتل

стр. 950

القوافي هاهنا مراد بها الأبيات التي فيها القوافي, وقد جعلوا البيت قافيةً, وكذلك القصيدة. قال حسان بن ثابت: [الوافر] فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء فسروا القوافي في هذا البيت: الأبيات, ولا يبعد أن يراد بها القصائد. وقال كعب بن زهير: [الطويل] فمن للقوافي بعد كعبٍ يحوكها ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول وإذا جاء في شعر العرب ذكر القافية أو القوافي؛ فالمراد الأبيات التي فيها القوافي, ومذهب سعيد بن مسعدة: أن القافية الكلمة التي في آخر البيت, ويحتج أن قائلًا لو قال لغيره: اجمع لي قوافي على اللام؛ لقال له: منزل, وحومل, ونحو ذلك, فالقافية على مذهبه تزيد وتنقص, فمن قوافي: «قفا نبك»: حومل وشمأل والقرنفل والتدلل, ومن قوافي كلمة زهير التي على الميم في قوله: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم: معصم والدم ونحو ذلك. وقد ذهب قوم إلى أن القافية النصف الآخر من البيت, وسئل بعض العرب عن القافية في قول الراجز: [الرجز] بنات وطاءٍ علي خد الليل فقال: خد الليل؛ فجعل الكلمة وما أضيف إليها قافيةً. وقال قطرب: القافية حرف الروي, وإلى هذا ذهب أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب, وقال قوم: القافية ما لزم الشاعر إعادته من الحروف والحركات وهذا أشبه أقوالهم بالقياس. وقوله: وهن الغوازي السالمات القواتل, يريد أنها تسير في البلاد ولا تخاف الهلكة, وهي مع ذلك قواتل: أي يذم
следующие страницы →