← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقوله: وما لونه مما تحصل مقلة ... ولا حده مما تجس الأنامل يقول: تحير هذا الرسول في سيفٍ, ربيعة أصله؛ يعني الممدوح, وطابعه الرحمن؛ أي خالقه وهذا كقوله في الأخرى: سرى السيف مما تطبع الهند صاحبي ... إلى السيف مما يطبع الله لا الهند ولون هذا السيف, الذي هو الممدوح, ليس كلون اليسف؛ لأن السيوف تعرف ألوانها. ولون هذا الممدوح لا يحصل؛ لأنه من هيبته لا يستطاع أن ينظر إليه, كما قال في الأخرى: كأن شعاع عين الشمس فيه ... ففي أبصارنا عنه انكسار ولا حده مما تجس الأنامل؛ أي هذا المسمى باليسف لا يمكن أن تجسه الأنامل؛ لأنه إذا كان النظر لا يصل إليه فبعد الأنامل أشد, والسيف المضروب يمكن أن تجس حده الأنامل. وقوله: رجا الروم من ترجي النوافل كلها ... لديه ولا ترجى لديه الطوائل (١٥١/ب) النوافل: العطايا التي لا تجب على المعطي. والطوائل: جمع طائلةٍ وطائلٍ. يقال لفلان عند فلان طائلة؛ أي أمر يطالبه به من قتل أو غيره. واشتقاق الطائلة فيه وجهان: أحدهما أن يكون من قوله: طال مكثه في الصدر, والآخر يكون من: طال غيره من الأمور أي ارتفع عنها, وهذا فعل معتل في الأصل. والأول لا تتعدى الأفعال منه, ومن الوجه الثاني قول الأول: [الكامل] إن الفرزدق صخرة عادية ... طالت فليس تنالها الأوعالا أي طالت الأوعال فليس تنالها. وقوله: فإن كان خوف القتل والأسر ساقهم ... فقد فعلوا ما القتل والأسر فاعل فخافوك حتى ما لقتلٍ زيادة ... وجاؤوك حتى ما تراد السلاسل

стр. 947

يقول: إن كان ساقهم إليك خوف أسرٍ وقتلٍ؛ فقد فعلوا ما كان يفعل القتل والأسر الواقعان بهم, وربما كان انتظار الشيء أشد من مباشرته. ومن أمثال الأصمعي الموضوعة في كتاب الأمثال: «الحذر أشد من الوقعية». وقوله: فخافوك حتى ما لقتل زيادة؛ أي خافوك خوفًا لا يزيد خوفهم القتل عليه, وجاؤوك حتى لا حاجة إلى السلاسل التي تجعل في أعناق الأسرى. وهذا البيت كالتفسير للبيت الأول. وقوله: كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك باذل رفع كريمًا على تقدير قوله: أنت كريم, ووصفه أنه لو سئل ما هو راكب على ظهره في الحرب لوهبه للسائل. ولقحت الحرب إذا كان أمر يهيجها, وإنما شبهت بالناقة اللاقح. وكانت العرب تضن في الحروب بأن يردف الرجل على الفرس خوفًا أن تقصر عن حمل رجلين, ومن ذلك قول الفرار السلمي: [الطويل] عدمت أناسًا بالجليل كأنما ... رئيسهم ليث ببيشة أفدع كأن ابنة الشقراء لما ابتذلتها ... بذي الرمث ظبي في تبالة أخضع غداة يقول القين هل أنت مردفي ... وما بين ظهر القين والرمح إصبع فقلت له يابن الخبيثة إنها ... برب خفيفٍ واحدٍ هي أسرع فإن يك عارًا يوم ذاك أتيته ... فراري فذاك الجيش قد فر أجمع

стр. 948

الجليل يجوز أن يكون موضعًا ينبت الثمام؛ لأن الثمام يقال له الجليل. وبيشة موضع يوصف بكثرة الأسد. وظبي أخضع؛ أي في عنقه اطمئنان, وتبالة موضع يوصف بالخصب. قال لبيد: [الكامل] فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبًا أهضامها ومن أمثالهام: «ما هبطت بطن تبالة لتحرم الأضياف» يقال ذلك لمن يجب عليه أن يفعل جميلًا فيضن به. وقوله: أذا الجود أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل ناداه بهمزة النداء؛ أي ياذا الجود أعط الناس مالك ولا تعطهم شعري؛ أي لا تجعلهم في طبقتي؛ فتقول للشاعر: أنت مثل فلان, أو شعرك مثل شعره. وقوله: أفي كل يومٍ تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الضبن: ما تحت الإبط إلى الخاصرة, ويقال: هو مثل الكشح. قال أوس بن حجر: [المتقارب] وأبيض بض عليه النسور ... وفي ضبنه ثعلب منكسر ويقاويني: يفاعلني من القوة. وقوله: وما التيه طبي فيهم غير أنني ... بغيض إلي الجاهل المتعاقل

стр. 949

أصل الطب: العلم بالشيء, يقال: فلان طب بكذا وطبيب به. قال عنترة: [الكامل] إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم وقال علقمة: [الطويل] فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب ثم اتسعوا في هذه (١٥٢/أ) الكلمة حتى سموا الداء طبًا؛ لأنه يفتقر إلى طب؛ أي دواء, وطبيب أي مداو. والطب في بيت أبي الطيب في معنى الداء, قال الشاعر: [الوافر] ألا من مبلغ حسان عني ... أسحر كان طبك أم جنون وقوله: لعل لسيف الدولة القرم هبةً ... يعيش بها حق ويهلك باطل يقال: هب السيف هبةً إذا اهتز في الضريبة, قال امرؤ القيس: [الطويل] وأبيض كالمخراق بليت حده ... وهبته في السوق والقصرات يجوز رفع هبةٍ على الابتداء, ونصبها معطوفةً على قوله: بليت حده؛ يعني سوق الإبل وقصراتها؛ لأنه كان يعقرها. والقصرات جمع قصرةٍ وهي أصل العنق, ويجوز أن تجعل القصرات هاهنا قصرات الناس؛ فيكون قد وصف نفسه بعقر الإبل للأضياف, وقتل الرجال في الحرب. والشاعر يشتكي في هذا البيت أنه لا ينصف في الرتبة, وهو ينتظر نظرًا من سيف الدولة يعيش به حقه, ويموت باطل سواه. وقوله: رميت عداه بالقوافي وفضله ... وهن الغوازي السالمات القواتل

стр. 950

القوافي هاهنا مراد بها الأبيات التي فيها القوافي, وقد جعلوا البيت قافيةً, وكذلك القصيدة. قال حسان بن ثابت: [الوافر] فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء فسروا القوافي في هذا البيت: الأبيات, ولا يبعد أن يراد بها القصائد. وقال كعب بن زهير: [الطويل] فمن للقوافي بعد كعبٍ يحوكها ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول وإذا جاء في شعر العرب ذكر القافية أو القوافي؛ فالمراد الأبيات التي فيها القوافي, ومذهب سعيد بن مسعدة: أن القافية الكلمة التي في آخر البيت, ويحتج أن قائلًا لو قال لغيره: اجمع لي قوافي على اللام؛ لقال له: منزل, وحومل, ونحو ذلك, فالقافية على مذهبه تزيد وتنقص, فمن قوافي: «قفا نبك»: حومل وشمأل والقرنفل والتدلل, ومن قوافي كلمة زهير التي على الميم في قوله: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم: معصم والدم ونحو ذلك. وقد ذهب قوم إلى أن القافية النصف الآخر من البيت, وسئل بعض العرب عن القافية في قول الراجز: [الرجز] بنات وطاءٍ علي خد الليل فقال: خد الليل؛ فجعل الكلمة وما أضيف إليها قافيةً. وقال قطرب: القافية حرف الروي, وإلى هذا ذهب أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب, وقال قوم: القافية ما لزم الشاعر إعادته من الحروف والحركات وهذا أشبه أقوالهم بالقياس. وقوله: وهن الغوازي السالمات القواتل, يريد أنها تسير في البلاد ولا تخاف الهلكة, وهي مع ذلك قواتل: أي يذم

стр. 951

بهن الإنسان؛ فيكون ذلك كالقتل له, ولذلك قال القائل: [المتقارب] وجرح اللسان كجرح اليد بل جرح اللسان أبقى على ممر الأيام, والجرح باليد قد يندمل في كثير من الأوقات. وقوله: قريب عليه كل ناءٍ على الورى ... إذا لثمته بالغبار القنابل القنابل: جمع قنبلةٍ وهي الجماعة من الفرسان. قال النابغة الذبياني: [الطويل] يحث الجياد جالزًا بردائه ... يقي صاحبيه ما تثير القنابل جالزًا بردائه؛ أي قد عصب به رأسه, وأصل الجلز: العقد الشديد المحكم. وقوله: إذا العرب العرباء رازت نفوسها ... فأنت فتاها والمليك الحلاحل العرباء صفة للعرب؛ أي: الخالصة, وهو من جنس قولهم: داهية دهياء, فأما قولهم: العرب العاربة؛ فأصحاب النسب يفسرون هذا اللفظ بأن المراد به قبائل من العرب درجت فلم يبق منها أحد يعرف؛ كعاد وثمود وجرهم وطسم وجديس وأميم, ويقال: أميم. وقولهم: العاربة توكيد لهم؛ كما يقال: شيب شائب, وموت مائت, وكذلك شغل شاغل, قال امرؤ القيس: [السريع] حلت لي الخمر وكنت امرأً ... عن شربها في شغلٍ شاغل وقال الراجز: [الرجز] يخضبن بالحناء شيبًا شائبا ... يقلن كنا مرةً شبائبا وقوله (١٥٢/ب): أطاعتك في أرواحها وتصرفت ... بأمرك والتفت عليك القبائل وكل أنابيب القنا مدد له ... وما تنكت الفرسان إلا العوامل

стр. 952

القبائل في آخر البيت مرفوعة بقوله: التفت, والهاء في أرواحها راجعة إلى العرب العرباء, وفي تصرفت ضمير يرجع إلى العرب أيضًا, وضرب أنابيب القنا مثلًا, وجعل العوامل هي التي تنكت الفرسان؛ أي تلقيهم, يقال: انتكت الرجل إذا وقع على رأسه, وأنشد ابن السكيت: [المنسرح] منتكت الرأس فيه دامية ... جائشة لا تردها الفتل أراد أن العرب كلها مدد لسيف الدولة؛ إلا أنه كعامل القناة, وما تنكت الفرسان إلا عوامل الرماح. وقوله: رأيتك لو لم يقتض الطعن في الوغى ... إليك انقيادًا لاقتضته الشمائل يقال: فلان حسن الشمائل والشمال؛ يريدون حسن السجية والأخلاق. والأصل في ذلك أن الإنسان يشتمل على ما فيه مما يحمد, ويجوز أن تجعل الأخلاق مشتلمةً عليه, والناس يستعملون الشمائل في حسن الخلقة والقد, وهذا البيت ينسب إلى امرئ القيس: [الكامل] فلئن كبرت لقد علمت بأنني ... حلو الشمائل ماجد الأصل وقال النحويون: الشمائل واحدها شمال, ويجوز أن يكون شمال جمعًا؛ لأنهم يقولون دلاص للواحد والجمع؛ إذ كان فعيل وفعال يتقاربان, فإذا قيل: دلاص جاز أن يكون واحدًا وجمعًا لدلاصٍ مثل لفظه, وإذا صح قول امرئ القيس: [الطويل] كنائن يجري فوقهن دليص فيجوز أن يكون الدلاص جمع دليصٍ. وقال صخر بن معاوية بن الشريد: [الطويل] ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليل وما لومي أخي من شماليا وقافيتها من المتقارب.

стр. 953

ومن بيتين أولهما فديت بماذا يسر الرسول ... وأنت الصحيح بذا لا العليل وزنهما إن أطلقا من أول المتقارب, وإذا قيدا فهما من ثانيه, وقافيتهما إن أطلقا من المتواتر وإن قيدا فقافيتهما من المترادف لاجتماع الساكنين. ومن التي أولها إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... تكن الأفضل الأعز الأجلا وزنها من أول الخفيف. قوله: أنت يا فوق أن تعزى عن الأحـ ... ـباب فوق الذي يعزيك عقلا قوله: يا فوق يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قد حذف المنادى لعلم السامع بما يريد؛ كأنه قال: أنت يا سيف الدولة, أو يا ملك, أو يا أمير, أو نحو ذلك. وحذف المنادى يكثر في شعر العرب, قال الشاعر: [الطويل] ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحياتٍ وإن لم تكلمي والآخر: أن يكون جعل فوق نعتًا لسيف الدولة؛ فكأنه أخرجه من باب الظروف إلى باب الأسماء, وهذا القول أحسن في نقد الشعر, لأن فوق الأولى والثانية في الوجه الأول: ظرفان, وفي الوجه الآخر: الأول منهما اسم, والثاني ظرف. ولو كان فوق في موضع رفع على هذا الوجه لرفع فقيل: أنت فوق أن تعزى, وقد أدخلوا الباء على فوق وأنشدوا بيتًا ينسبونه إلى

стр. 954

سحيمٍ عبد بني الحسحاس وليس في ديوانه: [الطويل] لقيت النساء الحارثيات غدوةً ... بوجه براه الله غير جميل فشبهنني كلبًا ولست بفوقه ... ولا دونه إن كان غير بخيل وقوله: وبألفاظك اهتدى فإذا عز ... زاك قد الذي له قلت قبلا العرب تستعمل قبل مضافةً, فإذا فعلوا ذلك نصبوها على الظرف, فإذا حذفوا المضاف إليه فأكثر ما يستعملونها مضمومةً يجعلونها غايةً, وفي الكتاب العزيز: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ , وقل ما يستعملونها غير ظرف إذا انفكت من الإضافة, قال الشاعر: [الوافر] فلذ لي الشراب وكنت قبلًا ... أكاد أغص بالماء الحميم أراد بالحميم هاهنا: البارد, وإنما شبهه بحميم الإنسان الذي يحتم له أي يهتم, والاحتمام مثل الاهتمام, وقيل: إنه يكون مع سهرٍ, وقد جاؤوا ببعد مضمومة منونة وذلك قليل شاذ, وأنشد الفراء: [الطويل] ونحن قتلنا الأزد أزد شنوءةٍ ... فما شربت بعد على لذاةٍ خمرا وقوله: وقتلت الزمان علما فما يغـ ... رب قولًا ولا يجدد فعلا (١٥٣/أ) ادعى للممدوح أنه قد قتل الزمان علمًا, فالزمان لا يغرب عليه قولًا, ولا

стр. 955

يجدد فعلًا لم يمرر به, وهذه الدعوى توجب الاستغفار, ولا يحل أن يوصف بها مخلوق, ولكن الشعراء مصطلحون علي هذه المبالغات. وقوله: إن خير الدموع عينًا لدمع ... بعثته رعاية فاستهلا يقال: استهل الدمع إذا تهيأ لأن ينهل, وانهلاله انصبابه بالمطر, واستفعل يستعمل على هذا الوجه, يقال: استسر الهلال إذا حصل في السرار, واستجد الرجل صديقًا إذا أخذه جديدًا, وربما قال المفسرون: الاستهلال رفع الصوت؛ وإنما قالوا ذلك لأن السحاب إذا استهل طال ما سمع معه رعد, وقالوا: أهل الرجل إذا رفع صوته بدعاءٍ أو تسبيح, قال ابن أحمر: [السريع] يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر وإنما قيل لرافع الصوت مهل؛ لأن الهلال إذا طلع فمن شأن من رآه أن يذكر الله؛ فيرفع لسانه بذلك, وقالوا: استهل الصبي إذا بكى بعد ولاده, وأصله ما تقدم. وقال الشاعر: [الطويل] أهل به لما استهل بصوته ... حسان الوجوه ناعمات الأنامل وقوله: قاسمتك المنون شخصين جورًا ... جعل القسم نفسه فيه عدلا كان لسيف الدولة أختان؛ إحداهما التي رثاها أبو الطيب بالقصيدة التي أولها: يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أب وكانت الكبرى من أختيه فماتت الصغرى قبلها, وهي المرثية بهذه القصيدة, وفضل أبو الطيب الباقية على الذاهبة في هذه القصيدة وفي الأخرى فقال: قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... وعاش درهما المفدي بالذهب وقوله: فإذا قست ما أخذن بما أغـ ... ـدرن سرى عن الفؤاد وسلى

стр. 956

يقال: أغدر بالشيء وغادره إذا تركه. ويقال: أخذ فلان كذا وترك منه غدارة, قال الأفوه الأودي: [السريع] في مضر الحمراء لم يترك ... غدارةً غير النساء الجلوس وقال الراجز: [الرجز] هل لك والعائض منك عائض ... في مائةٍ يغدر منها القابض وقوله: وكم انتشت بالسيوف من الدهـ ... ـر أسيرًا وبالنوال مقلا يقال: انتشت الشيء أنوشه إذا تناولته, وربما قيل: نوش الشيء أخذه بعد طلبٍ, قال الراجز: [الرجز] فهي تنوش الحوض نوشًا من علا ... نوشًا به تقطع أجواز الفلا والسباع تنوش القتيل؛ أي تأخذ لحمه, قال عنترة: [الكامل] فتركته جزر السباع ينشنه ... مما بين قلة رأسه والمعصم ويقال: انتاش فلان الرجل من الهلكة إذا خلصه منها, قال القطامي: [البسيط] فانتاشني لك من غبراء مظلمةٍ ... حبل تضمن إصداري وإيرادي وقوله: عدها نصرةً عليه فلما ... صال ختلًا رآه أدرك تبلا

стр. 957

في عدها ضمير يعود على الدهر, والهاء والألف في عدها عائدة على أفعال سيف الدولة التي هي تخليص الأسرى بالسيوف, وإراحة المقلين من العدم بالنوال؛ فكأن الدهر رأى ذلك نصرةً عليه, فلما ختل الممدوح, فأخذ بعض أهله, ظن أنه قد أدرك ثأرًا. وقوله: قارعت رمحك الرماح ولكن ... ترك الرامحين رمحك عزلا يقول: قارعت الرماح رمحك فترك الرامحين عزلًا؛ أي لا سلاح معهم, والواحد أعزل, وإنما قيل له ذلك لأنه إذا فقد السلاح انعزل عن الحرب, وأكثر ما يستعمل فيمن فقد الرمح, [و] يقال له: أجم, والأجم الذي لا قرن له, والرماح يقال لها: قرون الخيل, قال عنترة: [الوافر] ألم تعلم لحاك الله أني ... أجم إذا لقيت ذوي الرماح ويقال: فرس جماء إذا لم يكن مع فارسها رمح, وكذلك خيل جم, قال الأعشى: [المتقارب] متى تدعهم للقاء الصباح ... تأتك خيل لهم غير جم ويقال في جمع الأعزل: عزل, وكذلك في المصدر, وهو مثل قولهم: أحمق للواحد, والجمع: حمق, وقالوا: هو بين الحمق, قال الهذلي: [الطويل] فما هو إلا بزه وسلاحه ... وما بكم فقر إليه ولا عزل والعزل هاهنا مصدر أعزل, قال النابغة في الجمع: [الوافر] فوارس من منولة غير ميلٍ ... ولا عزل إذا هفت العقاب وقوله (١٥٣/ب): لو يكون الذي وردت من الفجـ ... ـعة طعنًا أوردته الخيل قبلا

стр. 958

توصف الخيل بالقبل؛ فيقول قوم: القبل حول خفي. وقال آخرون: القبل ضد الحول, لأن الحول أن تخالف إحدى العينين الأخرى, والقبل أن تقبل إحداهما على الأخرى, وقيل: القبل أن يقبل أعلى العين على أسفلها. قال الهذلي: [الطويل] فلو سمعوا منه دعاءً يروعهم ... إذًا لأتته الخيل أعينها قبل وقوله: خطبة للحمام ليس لها رد ... وإن كانت المسماة ثكلا ذكر أن خطبة الحمام نفوس بني آدم وغيرها لا يمكن ردها؛ إذ كانت الخطبة طال ما ردها المخطوب إليه. وأصل الخطبة في التزوج, ويجوز أن يقال لكل من طلب شيئًا قد خطبه. قال الراجز: [الرجز] قد خطب النوم إلي نفسي ... همسًا وأدنى من خفي الهمس وما بأن أطلبه من بأس وحسن ذكر الخطبة هاهنا لأن المرثاة امرأة, وبين ذلك الشاعر بقوله: وإذا لم تجد من الناس كفوًا ... ذات خدرٍ أرادت الموت بعلا أبدًا تسترد ما تهب الدنـ .. ـيا فياليت جودها كان بخلا فكفت كون فرحةٍ تورث الغمـ ... ـم وخل يغادر الوجد خلا وهذ يشبه قول أبي الطيب في موضعٍ آخر: ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب وللترك للإحسان خير لمحسنٍ ... إذا جعل الإحسان غير ربيب يقول: لولا أيادي الدهر, أي نعمه, في الجمع بيننا لم ن شعر بذنوبه التي هي فراق وغيره من حوادث الدهر, ثم قال: ترك الإحسان أجمل بالمحسن إذا جعل إحسانه غير مربوبٍ؛ أي

стр. 959

غير مرهون, بما ينقضه؛ فإنما مثل الدهر فيما فعل مثل رجلٍ وهب لآخر شيئًا فرح به, ثم أخذه منه, فكان أسفه عليه أضعاف فرحه به إذ أعطي. وقوله: وهو الضارب الكتيبة والطعـ ... ـنة تغلو والضرب أغلى وأغلى يقول: الطعن وإن كان صعبًا على الطاعن فهو أيسر من الضرب؛ لأن بعد الطاعن من عدوه أكثر من بعد الضارب منه, كما أن الرامي أبعد من الطاعن, وقد رتب هذا الغرض زهير في قوله: [البسيط] يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا وقافية هذه القصيدة من المتواتر, ولو لم يكن للمتنبي غير هذه القصيدة في سيف الدولة لكان كثيرًا, وأين منها قصيدة البحتري التي أولها: [الخفيف] إن سير الخليط لما استقلا ومن التي أولها ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا وزنها كالتي قبلها. ذي في موضع نصب, والأجود أن تكون منصوبةً بفعلٍ مضمرٍ يفسره قوله: فليعلون. وذهب قوم إلى أنك إذا قلت: فلانًا فاضرب؛ فالعامل في المفعول الفعل الذي بعد الفاء, والقول الأول أشبه. وقوله: هكذا هكذا أي ليعلو الناس مثل هذا العلو. وحسن ترديده "لا" لما ردد هكذا.

стр. 960

وقوله: شرف ينطح النجوم بروقيـ ... ـه وعز يقلقل الأجبالا استعار للشرف روقين, ولما استعارهما حسن أن يذكر النطح لأنه يكون بالروق, وقد سبقت الشعراء إلى هذا المعنى, وصفتهم المجد أنه قد بلغ السماء والنجوم ونحو ذلك. والقلقلة: الحركة العنيفة. وقوله: ولتمضن حيث لا يجد الرمـ ... ـح مدارًا ولا الحصان مجالا لما قال: حالفته صدورها, يعني صدور الخيل, جاء بحكاية اليمين فقال: لتخوضن فجاء بالتاء وقال: ولتمضن يكون معطوفًا على قوله: لتخوضن, وإنما يجب أن يقول: وليمضين؛ فيظهر الياء, كما يقال: حلفت الجماعة لتدخلن الدار, ولتمضين في الحاجة, ولو قال في غير الشعر: لتخضن دونه الأهوال لحسن أن يقول: وليمضن فيحذف الياء. وقوله: وتوافيهم بما في القنا السمـ ... ـر كما وافت العطاش الصلالا (١٥٤/أ) وتوافيهم بما في القنا السمـ ... ـر كما وافت العطاش الصلالا (١٥٤/أ) الصلال جمع صلةٍ. يقال: أرض صلة إذا أصابها المطر ولم يصب ما حولها, ومن ذلك قول الراعي: [الوافر] سيكفيك الإله ومسنمات ... كجندل لبن تطرد الصلالا ويجوز أن تسمى الأمطار صلالًا أيضًا. ومعنى البيت: توافي العدو بالخيل تسير في القنا السمر وهي عطاش إلى دماء الأعداء, فهي توافيهم كما يوافي الظمآن الأرض الممطورة, فيجد بها الماء الذي يزيل العطش. وقوله: وقسي رميت عنها فردت ... في قلوب الرماة عنك النصالا

стр. 961

القسي: جمع قوسٍ على القلب, وجمعها في غير المقلوب: قياس في الأكثر, وأقوس في الجمع القليل. قال الراجز: [الرجز] ووتر الأساور القياسا صغديه تنتزع الأنفاسا وقال آخر في الجمع القليل: [البسيط] طرن انقطاعة أوتار محظربة ... في أقوس نازعتها أيمن شملا محظربة أي محكمة الأوتار. وأصل قسي: قسو, وإذا جمعوا ذوات الواو والياء على فعولٍ قالوا: دلو ودلي فأجازوا ضم الدال وكسرها, وكذلك ثدي وثدي, ولم يحكوا في قسي إلا كسر القاف. وقوله: أخذوا الطرق يقطعون بها الرسـ ... ـل فكان انقطاعها إرسالا يقول: قطعوا الطرق كي تخفى أخبارهم؛ فأنكر الممدوح ذلك, وعلم أنهم في مكرٍ؛ فكان انقطاع الطرق كأنه إرسال إلى الممدوح بأخبارهم. وقوله: وهم البحر ذو الغوارب إلا ... أنه صار عند بحرك آلا غوارب البحر: ما ارتفع منه إذا زخر. وعظم أمر الروم لما جعلهم كالبحر, ثم صغرهم وذكر أن بحرهم صار آلًا عند بحر سيف الدولة, والآل: أول السراب في أول النهار؛ لأنه يرفع الشخوص. قال الجعدي: [البسيط] حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلا أراد: يرفعه الآل فقلب.

стр. 962

وقوله: والثبات الذي أجادوا قديمًا ... علم الثابتين ذا الإجفالا يقول: أجادوا الثبات فيما سلف من الدهر؛ فأداهم ذلك إلى القتل؛ فكأنه علم الثابتين السالمين أن يجفلوا حذار أن يصيبهم كما أصاب من تقدم. وقوله: تحمل الريح بينهم شعر الها ... م وتذري عليهم الأوصالا يقول: نزل هذا الجيش في موضع جيشٍ أولٍ أوقع به, وكان في الجيش الهالك أقارب هؤلاء القوم؛ فجعلوا يندبونهم, والريح تحمل بينهم شعر الهام وتذري الأوصال, وهي جمع وصلٍ أي عضوٍ, وإنما قيل للعضو: وصل لأنه يوصل بغيره. وقوله: أبصروا الطعن في القلوب دراكًا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا يقول: اعتبر المتأخرون منهم بالمتقدمين؛ فكأنهم أبصروا الطعن دراكًا بقلوبهم, وبينهم وبين من يطلبهم مسافة بعيدة, ففروا قبل أن ينظروا إلى خيال الرماح. وقوله: بسط الرعب في اليمين يمينًا ... فتولوا وفي الشمال شمالا المعنى: أنهم رعبوا وخافوا أن يصيبهم كما أصاب من قبلهم؛ فكأن الرعب بسط في اليمين من جيشهم؛ أي ميمنته؛ ميمنةً تقاتلهم, وفي الشمال شمالًا, أي في ميسرته ميسرةً. وقوله: أقسموا لا رأوك إلا بقلبٍ ... طال ما غرت العيون الرجالا أي حلفوا أنهم لا يروك إلا بقلوبهم, وقد علموا أن الغلبة لك, فهم لا يثبتون للقاء, فينظرون إليك بعيونهم؛ لأن العين طال ما غرت الناظر, فيتوهم ما لاح له شيئًا غيره. وقوله: أي عينٍ تأملتك فلا قتـ ... ـك وطرفٍ رنا إليك فآلا

стр. 963

الرنو: إدامة النظر في سكونٍ, ومن أبيات المعاني: [الطويل] إذا نظر الرائي إليها بطرفه ... غروب ثناياها أهل وأظلما (١٥٤/ب) أهل يجوز أن يكون من قولهم: أهل إذا رفع صوته بالدعاء والتسبيح, ويحتمل أن يكون من: أهل الرجل إذا رأى الهلال, قال الشاعر: [الطويل] إذا ما سلخت الشهر أهللت غيره ... كفى حزنًا سلخي الشهور وإهلالي وقيل: أهل من قولهم: ما جاء بهلةٍ ولا بلةٍ؛ أي بشيء قليل, ويكون أهل في البيت أنه رأى ريقها. وأحسن هذه الوجوه أن يكون أهل من رؤية الهلال؛ لأن وجهها يشبهه, وأظلم أي نظر إلى ظلم الأسنان وهو حسنها وشدة بياضها, ألغز به عن الظلام لما قال: أهل. وقوله: ما لمن ينصب الحبائل في الأر ... ض ومرجاه أن يصيد الهلالا يروى مرجاه بإضافة مرجى إلى الهاء, ومرجاة على أن الهاء للتأنيث, وكونه بالإضافة أحسن؛ لأن الهاء ترجع إلى من, وهذا أقوى في اللفظ من أن تكون من لا عائد إليها. وقوله: إن دون التي على الدرب والأحـ ... ـدب والنهر مخلطأ مزيالا يقال: فلان مخلط مزيل, ومخلاط مزيال؛ إذا وصف بالشجاعة وجودة الرأي في الزيال. ووصفوا الفرس فقالوا: مخلط مزيل: أي إنه طلب الخيل الفارة خالطها, وإذا طلبته الخيل وجدته مزيلًا؛ أي لا تلحقه, وهذا البيت يروى لأبي دوادٍ الإيادي: [الخفيف] مخلط مزيل معن مفن ... أجولي ذو ميعةٍ إضريج

стр. 964

معن؛ أي يعرض الجري, ومفن؛ أي يفتن فيه. ويجوز أن يكون مفن من قولهم: فن الوحش إذا طردها؛ أي هذا الفرس يصطاد عليه الوحش. والأجولي الذي يجول, وهو الذي يميل في أحد شقيه من النشاط. والميعة: النشاط أيضًا, وإضريج [الذي] ينضرج في أحد جانبيه, وهو نحو الأجولي. وقوله: في خميس من الأسود بئيس ... يفترسن النفوس والأموالا الخميس: الجيش العظيم, وقد تكلمت به العرب قديمًا, وأما قولهم للجيش: خميس في الإسلام؛ فقد وافق قولهم: خمس الإمام الغنيمة؛ إذا أخذ خمسها؛ لأن في الكتاب العزيز: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ , فكأن خميسًا في معنى مخموسٍ. وكانوا في الجاهلية يعطون صاحب الجيش المرباع؛ أي ربع الغنيمة, قال الشاعر: [الوافر] لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول أراد بالصفايا: ما يصطفيه لنفسه؛ أي يختاره. وحكمك أي تحتكم عليه بما اخترت. والنشيطة: ما يصيبه الجيش في طريقه مما لم يكن في ظنه أنه يصيبه. والفضول: جمع فضل, وهو ما فضل فلم ينقسم بين الجيش لتعذر القسمة؛ كالفرس الرائع والمرأة المسبية ونحو ذلك. ويحتمل أن يكون في الدهر الأول حكم للرؤساء أن يأخذوا خمس الغنيمة, ثم تغيرت تلك السيرة بالمرباع, وبقي اسم الخميس على حاله. وقوله: كل غادٍ لحاجةٍ يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا الغضنفر: من صفات الأسد وهو الغليظ الجلد, ووصف بعضهم اللبن الخاثر بالغضنفر, وهو من طريف الكلام. وقافية هذه القصيدة من المتواتر.

стр. 965

ومن التي أولها ما لنا كلنا جوٍ يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول وزنها من الخفيف الأول. والأجود أن ترفع كلنا على الابتداء, ويكون جوٍ خبره. وكان بعض الناس يخفض كلنا ويجعله تأكيدًا للضمير في لنا, وهذا وجه رديء؛ لأنه يوجب نصب جوٍ على الحال, فيقال: ما لنا كلنا جويًا؛ فإن لم يفعل ذلك فهو ضرورة. وقوله: أفسدت بيننا الأمانات عينا ... ها وخانت قلوبهن العقول زعم أنه أرسل رسولًا يثق به, فلما نظر إلى عينينها تغير عن حال الأمانة. والهاء في قلوبهن تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون راجعةً إلى الأمانات, ويكون قد استعار للأمانات قلوبًا؛ وإنما يعني قلوب المؤتمنين. والآخر: أن (١٥٥/أ) تكون الهاء والنون راجعتين إلى القلوب, كما يقدم المضمر الذي في المفعول فيقال: لبس ثوبه فلان, والمعنى متقارب. والعقول في هذا القول فاعلة, وكذلك في القول الأول؛ إلا أن الضمير هاهنا للعقول. وقوله: تشتكي ما اشتكيت من طرب الشو ... ق إليها والشوق حيث النحول تشتكي تحتمل وجهين: أحدهما خطابًا للرسول الذي ناداه في أول القصيدة؛ أي تشتكي ما اشتكيت وأنت كاذب لأنك لست ناحلًا, وإنما الشوق حيث النحول. ومثل هذه القصة التي ذكرها أبو الطيب جرى لأبي ذؤيبٍ الهذلي مع خالد بن زهير؛ فقال أبو ذؤيب: [الطويل] ما حمل البختي يوم غياره ... عليه الوسوق برها وشعيرها بأثقل مما كنت حملت خالدًا ... وبعض أمانات الرجال غرورها

стр. 966

وكان أبو ذؤيب قد أفسد هذه المرة على سواه فقال له خالد بن زهير أبياتًا منها: [الطويل] فلا تجزعن من خطةٍ أنت سرتها ... فأول راضٍ خطةً من يسيرها وكان خالد إذا عاد إلى أبي ذؤيب يشم عطفه ويمس ثوبه لينظر أعلق به منها طيب. وخالد الذي يقول: [الرجز] يا قوم مالي وأبا ذؤيب ... كنت إذا أتيته من غيب يشم عطفي ويمس ثوبي ... كأنما أربته بريب وقال أبو ذؤيب: [الطويل] تريدين كيما تجمعيني وخالدًا ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد دعاك إليها مقلتاها وجيدها ... فملت كما مال المحب على عمد فآليت لا أنفك أحدو قصيدةً ... تكون وإياها بها مثلًا بعدي والوجه الآخر أن يكون قوله: تشتكي إخبارًا عن المرأة, والأول أشبه.

стр. 967

وقوله: من رآها بعينها شاقه القطا ... ن فيها كما تشوق الحمول يقول: من رأى الدنيا بالعين التي يجب أن ينظر إليها بها فإنه يراها زرية, فالعين في هذا الوجه للإنسان, ويجوز أن تكون العين الدنيا من قولهم: هذا عين الشيء؛ أي حقيقته, فيكون المعنى: من رأى الدنيا بحقيقة نفسها شاقه القطان, وهم جمع قاطن أي مقيم, كما تشوق الحمول؛ أي القوم المتحملون, وأكثر ما تستعمل الحمول في الأحمال, ثم يصير ذلك أمرًا عامًا للأحمال وغيرها من المتحملين. يقول: يجب أن يشوق القطان من هو معهم؛ لأنه يعلم أنهم مفارقوه لا محالة؛ فيحق له أن يأسف لذلك. وقوله: إن تريني أدمت بعد بياضٍ ... فحميد من القناة الذبول يقال: أدم الرجل وأدم إذا تغير لونه فاسمر من بعد بياض, ولذلك قالوا: لاحته الشمس أي غيرت لونه. يقول: إن كان لوني تغير؛ فالقناة يحمد سمرتها وذبولها. وقوله: صحبتني على الفلاة فتاة ... عادة اللون عندها التبديل يعني بالفتاة الشمس, وهي قديمة كأنها فتاة لم يغيرها القدم, ويجوز أن يجعلها فتاة؛ لأنها تطلع كل يوم فكأنها شيء محدث. وقوله: عادة اللون عندها التبديل أي تغيره. وقوله: سترتك الحجال عنها ولكن ... بك منها من اللمى تقبيل اللمى: سمرة الشفتين وسوادهما, ومنه قولهم: ظل ألمى وشجرة لمياء إذا كانت ذات ظل, قال حميد بن ثورٍ: [الطويل] إلى شجرٍ ألمى الظلال كأنه ... رواهب أحرمن الشراب عذوب يريد أنك مستورة عن هذه الفتاة, لا تغيرك فكأنها قبلتك فصيرت اللمى في شفتيك.

стр. 968

وقوله: مثلها أنت لوحتني وأسقمـ ... ـت وزادت أبهاكما العطبول لوحتني: أي غيرت لوني كما تغير النار ما لوح عليها, قال الشاعر: [الطويل] رأيتكما يا بني أخي قد سمنتما ... ولا يدرك الأوتار إلا الملوح يقول للمرأة: أنت مثل الشمس لوحتني أي فعلت بي فعلًا يسيرًا وأسقمتني, والسقم أشد من التلويح, وزادت أبهاكما العطبول, أي زدت أنت؛ لأنك أبهى من الشمس, والعطبول الطويلة العنق, ويقال في الجمع: عطابيل وعطابل, قال أبو ذؤيبٍ: [الطويل] رآها الفؤاد فاستضل ضلاله ... نياف من البيض الحسان العطابل نياف أي طويلة. وقوله: نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ ... أقصير طريقنا أم يطول يقول (١٥٥/ب) نحن أدرى وقد سألنا عن الطريق لما هو عليه: أطويل هو أم قصير, قد طال علينا لشدة شوقنا إلى من نحن إليه سائرون. وقوله: وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل أي إن الإنسان إذا اشتاق إلى الشيء سأل عنه علم أنه بعيد منه. وكثير من أجابة المسؤول تعليل للسائل ولا حقيقة له؛ لأنه ربما وعده وعدًا لم يصح يريد به التعليل وتفريج الهم. وقوله: لا أقمنا على مكانٍ وإن طا ... ب ولا يمكن المكان الرحيل

стр. 969

لا أقمنا في معنى لم نقم, ومنه قول الشاعر: [الوافر] وأية ليلةٍ لا كنت فيها ... كحادي النجم يحرق ما يلاقي أي لم يكن فيها. ويجوز أن يكون قوله: لا أقمنا على معنى القسم, كأنه قال: والله لا أقمنا, والمكان لا يمكنه أن يرحل معنا, وقد أبان هذا المعنى فيما بعده فقال: كلما رحبت بنا الروض قلنا ... حلب قصدنا وأنت السبيل كأنهم يعتذرون إلى الأماكن والروض إذا رحب بهم؛ لأنه مسرور بنزولهم, وهم لا يقدرون على الإقامة وهو لا يمكنه الرحيل. وقوله: فيك مرعى جيادنا والمطايا ... وإليها وجيفنا والذميل أي إنا لا نقصدك وإنما نستعين بما فيك من المراتع لنصل إلى حيث نريد. والوجيف والذميل ضربان من السير كلاهما سريع. وقوله: الذي زلت عنه شرقًا وغربًا ... ونداه مقابلي ما يزول ومعي أينما سلكت كأني ... كل وجهٍ له بوجهي كفيل يقول: هذا الأمير زلت عنه مسافرًا في المشرق والمغرب ولم يزايلني معروفه ونداه؛ فهو معي أينما سلكت كأن كل وجهٍ له بوجهي كفيل. الهاء في له تحتمل وجهين: أن يعودا إلى الندى وإلى الممدوح. وقوله: كل وجه؛ يريد: كل وجه أتوجه إليه من البلاد كأنه كفيل بوجهي للندى أو للممدوح, ويجوز أن يكون قوله: كل وجهٍ؛ يعني وجوه من يلقاه من الناس. والوجه كلمة عامة يجوز أن يدخل فيها الوجه من الأرض والوجه من وجوه الأنيس. وقوله: فإذا العذل في الندى زار سمعًا ... ففداه العذول والمعذول المعنى: أن هذا الممدوح لا يجسر أحد أن يعذله في نداه لأنه يرهب أن يعاقبه على ذلك. يقول: فإذا العذل زار سمعك في الجود ففداه العذول والمعذول؛ لأن المعذول يجوز أن يقبل

стр. 970

العذل, ولم تزل الشعراء تذكر أن الجواد يعذل على الجود, قال زهير: [الطويل] غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودًا لديه بالصريم عواذله يفدينه طورًا وطورًا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخالته جعلهن يفدينه؛ [أي] يتقربن إليه بالتفدية ثم يجئن باللوم في أثر ما قلن. وأبو الطيب أوجب أن العذل في الجود لا يجسر أحد أن يجريه للممدوح. وقوله: وموالٍ تحييهم من يديه ... نعم غيرهم بها مقتول الموالي في هذا البيت في معنى العبيد. يقول: وينعم على العبيد, وغيرهم بتلك النعم مقتول, وقد فسر الشاعر ما النعم فقال: فرس سابق ورمح طويل ... ودلاص زغف وسيف صقيل الفرس اسم يقع على الأنثى والذكر, قال زيد الخيل: [الرمل] يا بني الصيداء ردوا فرسي ... إنما يفعل هذا بالذليل عودوا مهري كما عودته ... دلج الليل وإيطاء القتيل وتقول العرب: خير المال فرس في بطنها فرس تتبعها (١٥٦/أ) فرس, والفرس هاهنا الأنثى. والدلاص الدرع يقع على الواحد والجمع, والدلاص البراق وقيل الأملس, قال الراجز: [الرجز] لأصبحن العاصي ابن العاصي سبعين ألفًا عاقدي النواصي مستلئمين حلق الدلاص آساد غيلٍ حين لا مناص والزغف: الواسعة, وقيل: اللينة.

стр. 971

وقوله: كلما صبحت ديار عدو ... قال تلك الغيوث هذي السيول يقول: هذه النعم إذا صبحت ديار العدو قال: تلك الغيوث التي هي نعم على قوم حدثت منها سيول هي نقم على آخرين؛ لأن السيل يغرق. وقوله: دهمته تطاير الزرد المحـ ... ـكم عنه كما يطير النسيل العدو يقع على الواحد والجميع, وقد أوقعه على الواحد في هذا البيت, ودهمته؛ أي جاءته بغتة, وتطاير في معنى تطير؛ كما قالوا: باعد في معنى بعد, وعالى رحله في معنى علاه, قال الشاعر: [الطويل] رأيت غرابًا واقعًا فوق بانةٍ ... ينتف أعلى ريشه ويطايره والنسيل والنسال: ما سقط من ريش الطائرة أو وبر البعير أو نحو ذلك. وقوله: وإذا الحرب أعرضت زعم الهو ... ل لعينيه أنه تهويل الهول كل ما يهول الإنسان. والتهويل يستعملونه في الشيء الذي يعظم وليس هو كذلك؛ وإنما هو على سبيل المكر والخديعة؛ يقال: هول عليه بالسيفس؛ أي أوهمه أنه يريد ضربه به, وليس في نيته أن يفعل. والرواية الصحيحة: أنه تهويل, والهاء راجعة إلى الهول, ومن روى أنها على التأنيث فالهاء راجعة إلى الحرب, والمعنى صحيح. ويقوي التذكير أن زعم للهول؛ فوجب أن يرجع الضمير إليه, ويقوي الرواية الأخرى أن أعرضت للحرب؛ فحسن أن يؤنث الضمير لأنه إلى الحرب يعود. وقوله: وإذا غاب وجهه عن مكانٍ ... فبه من نثاه وجه جميل

стр. 972

النثا: اسم يقع على ما يذكر به الرجل من خير وشر, وهو هاهنا من الخير. والمعنى: أن هذا الممدوح إذا غاب عن مكان فإنه يذكر فيه بذكرٍ حسنٍ فكأنه شاهد. وقوله: كيف لا تأمن العراق ومصر ... وسراياك دونها والخيول السرايا جمع سريةٍ, وأصل ذلك لقومٍ يبعثون ليلًا فيسرون فيه, ثم كثر ذلك حتى قيل للجماعة التي يرسلها الجيش إلى العدو: سرية, وإن كان سيرها بالنهار. وأنث العراق على معنى البلدة والأرض, وهذا البيت يجوز فيه وجهان: التذكير والتأنيث وهو: [البسيط] إن العراق لأهلي لم يكن وطنًا ... والباب دون أبي غسان مسدود وكذلك الشام يجوز فيه التذكير والتأنيث, قال الأعشى: [الخفيف] وصحبنا من آل جفنة أملا ... كًا كرامًا بالشام ذات الرفيف وأنشد الفراء في تذكير الشام: [الطويل] يقولون إن الشام يقتل أهله ... ومن لي إن لم آته بخلود تغرب آبائي فهلا صراهم ... من الموت أن لم يشئموا وجدودي وقوله: لو تحرفت عن طريق الأعادي ... ربط السدر خيلهم والنخيل يقول: لو ملت عن طريق الأعداء لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل, وكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيول الأعداء, كما تقول: سآني أمر كذا أي وقع السوء فيه, فهذا وجه. وفيه معنى آخر وهو أن يكون يصف الممدوح بالسعادة؛ فلو تحرف عن طريق من يعاديه؛ لكان السدر والنخيل يربط خيولهم أن تنفسخ في البلاد, وهذا نحو من قول الآخر: [الرمل] تركوا جارهم يأكله ... ضبع الوادي وترميه الشجر

стр. 973

وقوله: وسوى الروم خلف ظهرك روم ... فعلى أي جانبيك تميل يقول: أعداؤك كثير, وليس الروم أعداءك دون غيرهم فلأيهم تقاتل. وقوله (١٥٦/ب): قعد الناس كلهم عن مساعيـ ... ـك وقامت بها القنا والنصول أصل القعود ضد القيام, ثم قيل لكل من تخلف عن أمرٍ: قد قعد عنه. يقول: تخلف كل أحد عن مساعيك؛ فكأنهم قعود عنها؛ فيجوز أن يكون قعودهم باختيارهم, أو أنهم قعدوا لعجزهم عن بلوغ ما أرادوه, وقامت بها القنا والنصول؛ أي التي معك لأنك تعملها في الحرب, وغيرك لإعمالها مطرح. وقوله: ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول يقول: أنت مشغول بالحرب والملوك شغلهم بالراح. والشمول من صفات الخمر لأنها تشمل برائحتها, وقيل لأنها تعصف بالعقل كعصف الشمال, ويقال: رجل مشمول الخلائق إذا حمد, ويستعمل الشمول في معنى الذم, قال زهير: [الوافر] جرت سنحًا فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى اللقاء وقوله: نغص البعد عنك قرب العطايا ... مرتعي مخصب وجسمي هزيل يقول: مرتعي مخصب بعطاياك, وقد نغصها علي أني بعيد منك, فجسمي هزيل لذلك. وقوله: إن تبوأت غير دنياي دارًا ... وأتاني نيل فأنت المنيل

стр. 974

تبوأت المنزل إذا نزلت به, والمنزل مباءة, ويقال: بوأ إليه الرمح إذا هيأه للطعنة. وأصل باء أن يكون في معنى رجع. وقيل للمنزل: مباءة؛ لأن الرجل يرجع إليه, قال أبو ذؤيب في صفة النحل: [الطويل] تنمى بها اليعسوب حتى أقرها ... إلى عطنٍ رحب المباءة عاسل وقوله: من عبيدي إن عشت لي ألف كافو ... رٍ ولي من يديك ريف ونيل جمع الثلاثة في هذا البيت: كافورًا والريف والنيل, وزعم أن الممدوح إن عاش له فمن عبيده ألف مثل كافور, وله من نداه ريف ك ريف مصر, ونيل كنيلها الذي يسقي تلك البلاد ويغني عن المطر في مواضع كثيرة. ويقال لكل ما دنا من الأمصار: ريف؛ وكأنه مأخوذ من اللين والسهولة؛ لأن المواضع البعيدة من المياه والمدن تشتد بها المعيشة. وفي بابل نهر يقال له: النيل كأنه مشبه بنيل مصر. وقوله: ما أبالي إذا اتقتك المنايا ... من دهته حبولها والخبول الخبول: جمع خبلٍ وهو يستعمل في أشياء كثيرة, وليس يخرج عن معنى الفساد والنقصان. يقال: بنو فلان يطالبون غيرهم بخبلٍ؛ أي بقطع أيد وأرجلٍ, وقال متمم بن نويرة: [الطويل] وكل فتى في الناس بعد ابن أمه ... كذاهبة إحدى يديه من الخبل وأصل الخبل والخبال من هذا اللفظ, والحبول: جمع حبلٍ وهي الداهية, وبيت كثيرٍ ينشد على وجهين, وهو: [الطويل] فلا تعجلي يا عز أن تتبيني ... بنصحٍ أتى الواشون أم بحبول ويروى بالخاء, والقافية من المتواتر.

стр. 975

ومن التي أولها لا تحسبوا ربعكم ولا طلله ... أول حي فراقكم قتله وزنها من أول المنسرح. يقول: لا تحسبوا ربعكم أول قتيلٍ قتله فراقكم؛ فإنكم قد قتلتم نفوسًا كثيرة وأطلالًا متقدمة؛ أي إنكم إذا سرتم عن الربع فقد خلا منكم وزال جماله وبهجته, فكأنه قد مات أو قتل. وقوله: خلا وفيه أهل وأوحشنا ... وفيه صرم مروح إبله يقول: خلا منكم وفيه أهل سواكم؛ فلا فضيلة له ولا بهجة. وأوحشنا إذ رحلتمت عنه. وفيه صرم؛ أي بيوت من بيوت الأعراب ليست بالكثيرة, وهذا الصرم يروح إبله. وجمع الصرم: أصرام, قال النابغة الذبياني: [البسيط] لا ترجروا مكفهرًا لا كفاء له ... كالليل يخلط أصرامًا بأصرام وقوله: لو سار ذاك الحبيب عن فلكٍ ... ما رضي الشمس برجه بدله يقول: هذا الحبيب لو سار عن فلكٍ لم يرض البرج الذي سار عنه الشمس بدلًا به. والبروج التي في السماء وافقت أسماء البروج التي في (١٥٧/أ) أولها الحمل وآخرها الحوت؛ كما وافق اسم الحمل, الذي هو البرج, اسم الحمل الذي هو ولد الضائنة, والأسد من النجوم اسم الأسد الذي يفترس في الأرض. يقول: لو سار هذا الحبيب عن برجٍ من بروج السماء لم يرض برجه بالشمس بدلًا منه؛ لأن الشمس برجها الأسد, وليس ذلك لغيرها من الطالعات. وقوله: أحبه والهى وأدؤره ... وكل حب صبابة ووله

стр. 976

قوله: والهوى يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفًا على الهاء في أحبه؛ كأنه قال: وأحب الهوى, والآخر أن تكون الواو للقسم؛ كأنه قال: أحبه وحق الهوى, والوجه الأول أشبه. وأدؤره نسق على الهاء في أحبه, وهي جمع دارٍ, وهمزت الواو لأجل الضمة. وكان المازني يختار الهمز, وكان أبو حاتم يختار الواو. وقوله: ينصرها الغيث وهي ظامئة ... إلى سواه وسحبها هطله يقال: نصرها الغيث إذا سقاها, قال الشاعر: [الخفيف] نصر الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات يقول: هذه الدار ينصرها الغيث, وهي ظائمة إلى أهلها الذين رحلوا عنها, والسحب الهطلة ليست ترويها. وقوله: واحربا منك يا جدايتها ... مقيمةً فاعلمي ومرتحله الجداية: ولد الظبية إذا أتت عليه ستة أشهر ونحوها, يقع على الذكر والأنثى, وقال قوم: الجداية من الظباء مثل الجدي من المعز, قال عنترة: [الكامل] وكأنما التفتت بجيد جدايةٍ ... رشأٍ من الغزلان حر أرثم ونصب مقيمةً على الحال.

стр. 977

وقوله: لو خلط المسك والعبير بها ... ولست فيها لخلتها تفله التفلة ضد العطرة. يقول: لو خلط المسك والعبير بمنازلك بعد أن تفارقيها لخلت أنها تفلة لم تقرب من طيبٍ. وقوله: أنا ابن من بعضه يفوق أبا الـ ... ـباحث والنجل بعض من نجله خرج من التشبيب إلى الافتخار, ولم يتصنع لذلك؛ لأن عادته جرت أن يتصنع لخروجه من النسيب إلى سواه. والنجل: الولد, ومن نجله أي ولده. والمعنى: أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث؛ أي الذي يبحث عن نسبي وأصلي. وبعضي (*) يفوق أباه وأنا بعض أبي. وقوله: وإنما يذكر الجدود لهم ... من نفروه وأنفدوا حيله يقول: أنا افتخر بنفسي؛ وإنما يفتخر بجدودٍ من القوم من ليس له فضيلة في نفسه؛ فهو مفتقر إلى فضيلة آبائه. وأصل المنافرة أن الرجلين كانا يحتكمان إلى من عرف بالرئاسة والصدق؛ فيقولان له: أي نفرينا أفضل؟ فإذا فضل أحدهما على الآخر فالمغلوب منفور, قال الأعشى لما ذكر منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة إلى هرم بن سنان: [السريع] بان الذي فيه تماريتما ... واعترف المنفور للنافر

стр. 978

وقوله: فخرًا لعضبٍ أروح مشتمله ... وسمهري أروح معتقله صرع في غير أول القصيدة, وذلك كثير في الأشعار القديمة والمحدثة, ونصب فخرًا بإضمار فعلٍ؛ كأنه قال: اذكر فخرًا أو نحو ذلك من الأفعال, ويجوز أن يعني: افخر فخرًا؛ أي إن سيفي إن لم ينطق فأنا أفخر عنه بلساني. ومشتمله أخذه من الشمال؛ لأن السيف يتقلد من ناحيتها. ويقال: اعتقل الرجل الرمح إذا ضمه إليه وربما جعله تحت فخذه, وإنما هو مأخوذ من عقلت الشيء إذا حبسته. وقوله: وليفخر الفخرإذ غدوت له ... مرتديًا خيره ومنتعله يقول: الفخر فوقي وتحتي فكأني مرتديه ومنتعل. وقوله: جوهرة تفرخ الشراف بها ... وغصة لا يسيغها السفله جوهرة بدل من الذي إذا تمت صلته في قوله: أنا الذي بين الإله به الـ ... أقدار [والمرء حيثما جعله] ويجوز أن ترفع جوهرة بإضمار أنا. والجوهرة التي تقع على (١٥٧/ب) الدرة والياقوتة, يقول أهل العلم: إنها ليست بعربية؛ فأما اشتقاقها فموجود في العربية؛ لأنها من قولك: جهر الشيء إذا ظهر كأن ضوءها بان للعيون. والجواهر في مذهب المتقدمين هي الأجسام, والمتكلمون يجعلون الجوهر في صناعة الكلام الجزء الذي لا يتجزأ, وربما قالوا: الجوهر ما استبد بصفة التحيز. والسفلة أصلها في أسافل الأشياء؛ يقال: سلفة البعير لما هو أسفل خلقه, ثم شبهوا بذلك سقاط العالم؛ فكثرت هذه الكلمة حتى كسر كثير من الناس السين وسكنوا الفاء؛ كما قالو في كبدٍ: كبد, وفي معدة: معدة. فأما قولهم للواحد: سفلة فهو كلام صحيح؛ لأنه شبه بالشيء المتسافل؛ فجاز أن يقع ذلك على الواحد وعلى الجميع.

стр. 979

وقوله: إن الكذاب الذي أكاد به ... أهون عندي من الذي نقله الكذاب, في الحقيقة, مصدر كاذب يكاذب كذابًا, وأصله أن يقع من اثنين. يقال: كاذب فلان فلانًا إذا تباريا في الكذب, وهذا يصح في بيت أبي الطيب إذا حمل على أن القوم يتبارون في الكذب عليه ليزيد بعضهم على بعضٍ. وقوله: فلا مبالٍ ولا مداجٍ ولا ... فانٍ ولا عاجز ولا تكله فلا مبال؛ أي فلا أنا مبالٍ, ولا مداجٍ وهو من المداجاة؛ أي المساترة والمنافقة, وهو مأخوذ من دجا الليل يدجو, وأصل الدجى إذا أريد به الليل أن يكون من ذوات الواو, فأما بيت الصائد فيقال له: دجية, ويقال للصادة: بنو الدجى, قال الهذلي: [المتقارب] فصادفن إذا عرمضٍ طاميًا ... به ابن الدجى لاصقًا كالطحال وقوله: لا فان؛ أي لست بعالي السن قد أفناني الكبر. ومن روى: ولا وانٍ فهو من ونى في الشيء إذا قصر فيه. والتكلة الذي يتكل على الناس في أموره, وأصل هذه التاء: واو, وهو وكلة فجعلت الواو تاءً, كما قالوا: تخمة وهي من الوخامة. وقوله: وداعٍ سفته فخر لقى ... في الملتقى والعجاج والعجله دارع: رجل عليه درع, والواو تدل على رب, وسفته أي ضربته بالسيف فخر أي سقط, ولقى أي ملقى وجمعه ألقاء. قال الشاعر: [الخفيف] فتأوت له قراضبة من ... كل حي كأنهم ألقاء

стр. 980

وقوله: وسامع رعته بقافيةٍ ... يحار فيها المنقح القوله المنقح الذي يخلص الشيء من غيره. ومن كلام العرب القديم: خير الشعر الحولي المنقح, ويستعمل بالخاء أيضًا, والتنقيخ يعبرون عنه بالتصفية والتنقية, ومن قولهم: ماء نقاخ؛ أي صافٍ, قال الشاعر: [الطويل] فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا وقيل: النقاخ: البارد. وقيل: إنه أراد بالبرد النوم. والقولة: الذي يكثر القول. وقوله: مستحييًا من أبي العشائر أن ... أسحب في غير أرضه حلله يقال: استحييت بياءين واستحيت بياء واحدة, وقد مر تفسير ذلك في حرف الراء. وقوله: أسحبها عنده لدى ملكٍ ... ثيابه من جليسه وجله الحلة لا تكون إلا من ثوبين, وقيل لأعرابي: تمن, فقال: خضله ونعلين وحله؛ يعني بالخضلة: المرأة, وقيل: الخضلة: النعمة, وأنشدوا: [الطويل] إذا قلت إن اليوم يوم خضلةٍ ... ولا شرز لاقيت الأمور البجاريا الشرز: الشر, والبجاري: الدواهي. وادعى أن ثياب هذا الممدوح وجلة من جليسه؛ لأنها تخاف أن يخلعها عليه؛ فينتقص بذلك شرفها؛ لأنها إذا كانت على الممدوح فهي أشرف منها إذا كانت على غيره. وقوله: وبيض غلمانه كنائله ... أول محمولٍ سيبه الحمله يقول: بيض غلمان هذا الرجل كنائله؛ لأنه يهبهم فيحملون المال وغيره إلى الجليس, والحملة: جمع حامل, وهم الغلمان الذين يحملون المواهب.

стр. 981

وقوله: ما لي لا أمدح الحسين ولا ... أبذل مثل الود الذي بذله (*) (١٥٨/أ) في هذا البيت جزء إذا تم ثقل في الذوق, وإنما يزاد فيه حرف ساكن, وكونه فيه هو الأصل عند الخليل, وكان سعيد بن مسعدة يذهب إلى أن الأصل سقوطه, وهو واقع موقع الدال الأولى من الود, ولو خففت الدال لزال ما ثقل في الطبع. وقوله: أأخفت العين عنده خبرًا ... أم بلغ الكيذبان ما أمله هذا الاستفهام هو الذي يقلب الكلام حتى يجعله كالنفي؛ فكأن الشاعر قال: مالي لا أمدح الحسين ولم تخف العين عنده خبرًا, ولم يبلغ الكيذبان ما أمله لديه؛ أي إني إذا نظرت إلى الممدوح علمت أنه راضٍ عني؛ فتبينت عيني ما هو عليه. ويجوز أن تكون العين عين الممدح, وكلا المعنيين قد جاء في الشعر, قال الشاعر: [الطويل] تبين لي عيناك ما القلب كاتم ... ولاجن بالبغضاء والنظر الشزر وقال آخر: [البسيط] العين تعرف في عيني محدثها ... من كان من حزبها أو من أعاديها والكيذبان في معنى الكذاب؛ يقال بفتح الدال وضمها. وقوله: أم ليس ضراب كل جمجمةٍ ... منخوةٍ ساعة الوغى زعله الاستفهام في هذا البيت يؤدي إلى غير النفي, مثل الاستفهام الذي تقدم؛ كأنه قال: ولم يبلغ الكيذبان ما أمله, وهذا الممدوح ضراب كل جمجمة منخوةٍ؛ أي ذات نخوة وهي الكبر. والزعلة المفرطة في النشاط.

стр. 982

وقوله: وراكب الهول ما يفتره ... لو كان للهول محزم هزله جعل الممدوح يركب الهول, وركوبه إياه هو إقدامه عليه, ولو كان للهول محزم كمحزم الفرس لهزله هذا الراكب. وقوله: وفارس الأحمر المكلل في ... طيئٍ المشرع القنا قبله يعني بالأحمر المكلل: فرس الممدوح, والمكلل الذي عليه إكليل, والمشرع نعت للمكلل, والقنا في موضع خفضٍ بإضافة المشرع إليه, ويجوز أن تجعل القنا في موضع رفعٍ, كما تقول: مررت بالرجل المكرم الأب, كما تقول: مررت بالرجل الحسن الوجه, ويجوز أن يكون الأب في موضع رفعٍ, ويكون التقدير على مذهب البصريين إضمار منه, وعلى مذهب الكوفيين: المكرم أبوه, وإنما تحسن منه هاهنا إذا حملت على المعنى, فكأنه الأب القريب منه. ونصب الأب يجوز على التشبيه بالمفعول به؛ لأنه معرفة لا يجوز حمله على التمييز؛ وإنما جاز أن يكون المشرع نعتًا للمشرع المكلل لرجوع الهاء إليه. وقوله: لما رأت وجهه خيولهم ... أقسم بالله لا رأت كفله هذا المعنى يتردد في الشعر القديم؛ وإنما يريد القائل أن الفارس لا ينهزم فيولي ظهره العدو. وقد عبر الشاعر عنه في هذا البيت بعبارة مستحسنة مأخوذة من قول كعب بن زهير: [البسيط] لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... ومالهم عن حياض الموت تهليل ومن قول القطامي: [البسيط] ليست تجرح فرارًا ظهورهم ... وبالنحور كلوم ذات أبلاد وطيئ يزعم أصحاب النسب أنه سمي بذلك لأنه أول من طوى المناهل, وهذه العبارة

стр. 983

تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون المناهل مرادًا بها الآبار؛ أي هو أول من طوى الآبار بالحجارة. وقد زعم بعض الرواة أن هذا البيت من شعر طيئ واسمه جلهمة, والبيت: [الوافر] فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويب وقد ذكر هذا البيت حبيب بن أوس في اختياراته ونسبه إلى رجل يقال له: سنا. والآخر: أن تكون المناهل الموارد التي ينهل فيها أي يشرب, ويكون معنى طواها: أي جاوز بعضها إلى بعض كما يقال: طوى فلان البلاد إذا سار مرحلتين أو ثلاثًا ولمينزل. ويفسد هذا القول أن: طويت لا همز فيه وطيئ مهمو. ولقائل أن يقول: لما اجتمعت ثلاث ياءاتٍ في أصل الكلمة همزت إحداهن وهي الآخرة. ويروى عن الخليل أنه قال: طيئ من (١٥٨/ب) قولهم: طاء في الأرض إذا ذهب فيها على وزن جاء, فإن صح هذا القول فقد وضح أن اشتقاق طيئ من فعل مهموز. وقوله: فأكبروا فعله وأصغره ... أكبر من فعله الذي فعله أصغره: فعل ماض, والهاء فيه راجعة إلى الفعل الذي فعله الممدوح, والنصف الأول يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون في أصغر ضمير عائد إلى الممدوح؛ فيكون الكلام قد تم, ويكون أكبر خبر مبتدأٍ مقدمٍ؛ كأنه قال لما تم الكلام في النصف الأول: الذي فعله أكبر من فعله. والوجه الآخر: أن يكون أكبر فاعلًا, وتقديره: احتقر الفعل رجل أكبر من فعله, ويكون قوله: الذي نعتًا لفعله.

стр. 984

وقوله: القاتل الاصل الكميل فلا ... بعض جميلٍ عن بعضه شغله القاتل: أي يقتل أعداءه, والواصل: الذي يصل عفاته وسائله وأقربيه, والكميل في معنى الكامل, وينشد للعباس بن مرداس: [المتقارب] على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للهجر حولًا كميلا يذكرنيك حنين العجول ... وصوت الحمامة تدعو هديلا العجول: الناقة التي قد فقدت ولدها بمتٍ أو ذبحٍ. وقوله: فواهب والرماح تشجره ... وطاعن والهبات متصله فواهب على تقدير قوله: فهو واهب, والرماح تشجره أي تطعنه, وإنما يريد أصحاب الرماح؛ يقال: شجره الرجل بالرمح, ثم جعلوا الرمح شاجرًا على المجاز أي يشجر به, كما قيل: ليل نائم أي ينام فيه. وطاعن مؤد معنى: وهو طاعن, والمراد أنه لا تشغله الحرب عن الجود, ولا تشغله الهبات عن القتال. وقوله: فكلما آمن البلاد سرى ... وكلما خيف منزل نزله يقول: هذا الممدوح إذا آمن البلاد لم يمنعه ذلك من سرى الليل طلب المكارم, وغيره إذا آمن بلده أقام. والنصف الأول ضد النصف الثاني, والمعنيان صحيحان؛ لأنه جعل الممدوح إذا آمن البلاد فهو غير تاركٍ للسرى, وزعم أنه كلما خيف منزل نزل فيه. وقوله: وكلما جاهر العدو ضحى ... أمكن حتى كأنه ختله

стр. 985

وصفه بأنه لا يغتر العدو كما قال الحارث بن حلزة: [الخفيف] لم يغروكم غرورًا ولكن ... يرفع الآل جمعهم والضحاء وصفه بالبأس وحسن الظفر, وأنه إذا جاهر عدوه أمكنه العدو من نفسه حتى كأنه خلته, وليس ثم ختل, وهذا ضد قولهم في المثل: الحرب خدعة. وقوله: يحتقر البيض واللدان إذا ... سن عليه الدلاص أو نثله ذكر الدلاص هاهنا, وربما ذكرت الدرع, قال الراجز: [الرجز] كأنه في الدرع ذي التغصن وإذا كان المؤنث ليس حقيقي التأنيث اجترأت العرب على تذكيره. والتأنيث الحقيقي هو الذي يكون معه الولاد والنص, والتأنيث الذي لا حقيقة له كتأنيث الأرض والسماء والنار. ويقال: نثل عليه درعه إذا لبسها, وقيل: إن النثلة والنثرة هي الدرع القصيرة. وقوله: قد هذبت فهمه الفقاهة لي ... وهذبت شعري الفصاحة له الفقاهة: مصدر الفقيه وهو العالم بالشيء الحاذق به, ويروى عن العرب أنهم يقولون: فحل فقيه؛ أي حاذق بالضراب. وقوله: فصرت كالسيف حامدًا يده ... ما يحمد السيف كل من حمله المعنى: أن يد الممدوح يد شجاعٍ, وأنا سيف ماضٍ, فهي تحمدني وأنا أحمدها. واستعار الحمد للسيف الذي يضرب به وإنما يعني شعره. والقافية من المتراكب.
следующие страницы →