← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومن ذلك أنه جل اسمه لما ذكر أبواب جهنم ذكرها بغير واو لأنها سبعة فقال: ﴿حتى إذا جاءها فتحت أبوابها﴾ ولما ذكر أبواب الجنة بها الواو لكونها ثمانية، فقال سبحانه: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ وتسمى هذه الواو واو الثمانية. ومما ينتظم أيضاً في إقحام الواو ما حكاه "أبو إسحاق الزجاج" قال: سألت "ابا العباس المبرد" عن العلة في ظهور الواو في قولنا: سبحانك اللهم وبحمدك، فقال: إني لقد سألت "أبا عثمان المازني" عما سألتني عنه فقال: المعنى سبحانك اللهم وبحمدك سبَّحتك. ــ قال "ابن هشام": لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها؛ إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وإنما فيها ذكر الأبواب، وهو جمع لا يدل على عدد خاص، ثم الواو ليست داخلة عليه بل على جملة هو فيها، وقد مر أن الواو في قوله: وفتحت مفخمة عند قوم وعاطفة عند آخرين، وقيل: هي واو الحال، أي جاؤها [حال كونها] مفتحة قيل: وإنما فتحت لهم قبل مجيئهم إكراماً لهم عن أن يقفوا حتى تفتح لهم، وفيه كلام وفي "درة التأويل" فإن قيل: هل يختلف المعنيان إذا حذفت الواو أو أثبتت؟ قلنا: يختلفان بأن الفتح يقع عند مجيء أهل النار لأن قوله "فتحت" جزاء الشرط وحقه إذا كان فعلاً أن لا يدخله واو لا فاء ويكون عقيب الشرط، وإذا حذف الجزاء وعطف عليه فعل فقيل: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها كان التقدير حتى إذا جاءوها وأبوابها مفتوحة، وهذا حكم اللفظ. وأما حكم المعنى فإن جهنم لما كانت أشد المحابس، ومن عادة الناس إذا شددوا أمرها أن لا يفتحوا أبوابها إلا لداخل وخارج، وكانت جهنم أهولها أمراً وأبلغها عقاباً أخبر عنها الإخبار عما شوهد من أهوال الحبوس التي يضيَّق على محبوسها، فوقع الفتح يتشوق للقاء أهلها، ومن رسم المنازل إذا بشر من فيها بإتيان أهلها أن تفتح أبوابها استبشاراً بهم وتطلعاً إليهم، فيكون ذلك قبل مجيئهم، فأخبر عن المؤمن وحالهم على ما جرت به عادة الدنيا في أمثالهم، فيكون حذف الجزاء وإدخال الواو على الفعل المعطوف

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لذلك فاعرفه، وهذا من بديع اللطائف القرآنية وفقنا الله لفهمها. (قال سألت "أبا العباس المبرد" عن العلة في ظهور الواو في قولنا: سبحانك اللهم وبحمدك فقال: لقد سألت "أبا عثمان المازني" عما سألتني عنه فقال: المعنى سبحانك اللهم وبحمدك سبَّحتك). هذا مروي في صحيح البخاري وغيره عنه ﵇ والمعنى وبحمدك وسبحتك، وحمدك بمعنى توفيقك وهدايتك لا بحولي ولا بقوتي، ففيه شكر لله على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله. والواو في قوله "وبحمدك" إما للحال ولا يلزم فيه تقدير قد لتقدم معموله عليه، أو لعطف الجملة سواء قلنا إضافة الحمد إلى الفاعل والمراد لازمه مجازاً وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية أو إلى المفعول ومعناه سبحت متلبساً بحمدي لك. كذا قاله "الكرماني" في شرح "البخاري" وفي "المغني" في حرف الباء اختلف في قوله سبحانك الخ .. فقيل: هو جملة واحدة على أن الواو زائدة، وقيل جملتان على أنها عاطفة ومتعلق الباء محذوف أي وبحمدك سبحتك اهـ. وقد تقدم في الواو وجه ثالث وهو الحالية، والباء إما للمصاحبة أو للاستعانة. ومن هنا ظهر لك أن ما ذكره من السؤال والجواب مخالف لأن الاقحام معناه الزيادة، وعلى ما نقله "المبرد" ليس هي بزائدة لأن من يقول بالزيادة لا يقدر ففي كلامه خلل ظاهر لمن تأمله.

стр. 108

[١٩] قولهم ذهبت إلى عنده ويقولون ذهبت إلى عنده. فيخطئون فيه لأن عند لا يدخل عليه من أدوات الجر إلا من وحدها، ولا يقع في تصاريف الكلام مجروراً إلا بها، كما قال سبحانه: ﴿قل كل من عند الله﴾ وإنما خصت من بذلك لأنها أم حروف الجحر، ولأم كل باب اختصاص تمتاز به وتنفرد بمزيته، كما خصت إن المكسورة بدخول اللام في خبرها، وخصت كان بجواز إيقاع الفعل الماضي خبراً عنها، وخصت باء المقسم باستعمالها مع ظهور فعل القسم، وبدخولها على الاسم المضمر. فأما قول الشاعر: (كل عند لك عندي ... لا يساوي نصف عند) فمن ضرورات الشعر، كما أجرى بعضهم ليت وسوف وهما حرفان مجرى ــ (وخصت كان بجواز إيقاع الفعل الماضي خبراً عنها) وهو خلاف القياسح إذ مقتضاه أن لا يذكر معها الماضي لدلالتها على المضي، لكنه سمع كثيارً في كلام العرب لكونها أم الباب كقوله تعالى: ﴿إن كان قميصه قد من دبر﴾ الآية فتأمل. (وأما قول الشاعر: (كل عند لك عندي ... لا يساوي نصف عند) فإنه من ضوررالت الشعر كما أجرى بعضهم ليت وسوف وهما حرفان مجرى الأسماء المتمكنة في قوله: (ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتاً وإن سوفاً عناء) هذا لعدم تدربه في العربية، وما ذكره ليس من الضرورة في شيء؛ فإن كان كلمة أريد بلها لفظها تعرب وتحكى، ويجوز فيها الصرف وعدمه باعتبار اللفظ أو الكلمة قياساً

стр. 109

الأسماء المتمكنة فأعربهما في قوله: (ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتاً وإن سوفاً عناء) ــ مطِّرداً، وهل هي اسم حينئذ أو لا؟ فيه خلاف مفصل في محله. وفي "كافية ابن مالك": (وإن نسبت لأداة حكماً ... فابن أو أعرب واجعلنها اسماً) وفي الحديث "أن الله ينهاكم عن قيل وقال": روي بالإعراب والحكاية وقد قال المتنبي في عند: (ويمنعني ممن سوى ابن محمد ... أياد له عندي يضيق بها عند) قال الإمام الواحدي عند اسم مبهم لا يستعمل إلا ظرفاً فجعله المتنبي اسماً خالصاً كأنه قال يضيق بها المكان كما قال الطائي: (وما زال منشوراً على نواله ... وعندي الندى حتى بقيت بلا عند)

стр. 110

وقد تستعمل عند بعدة معان، فتكون بمعنى الحضرة كقولك: عندي زيد، وبمعنى المَلَكَة كقولك: عندي مال، وبمعنى الحكم كقولك: زيد عندي أفضل من عمرو أي في حكمي، وبمعنى الفضل والإحسان كما قال إخباراً عن خطاب شعيب لموسى ﵉: ﴿فإن أتممت عشراً فمن عندك﴾ أي من فضلك وإحسانك. ــ وهذا هو الذي جر المصنف لإبقائه "عند" على معناها الأصلي، ثم تأويلها بالمكان وهو وجه آخر لكنه لا ينبغي ارتكابه، لأنه لو أريد به لفظه لم يكن فيه تكلف ولا ضرورة، وذلك في البيت الذي ذكره أظهر، وأما في بيت "أبي الطيب" فالمعنى أن اللفظ والعبارة لا تفي بها وهو أشبه بمواقع أنظاره. وقال "الأزهري" في "تهذيبه": قال "الليث": "عند" حرف صفة يكون موضعاً لغيره وهو في التقريب شبه اللزق ولا يكاد يجيء في الكلام إلا منصوباً لأنه لا يكون إلا صفة معمولاً فيها أو مضمراً فيها فعل، إلا في حرف واحد وذلك أن يقول القائل لشيء بلا علم: هذا عندي كذا وكذا فيقال: أو لك عند؟ فيرفع، وزعموا أنه في هذا الموضع يراد به القلب وما فيه من معقول اللب، قلت: وأرجو أن يكون ما قاله "الليث" قريباً مما قاله النحويون اهـ، فتأمله فإنه جدير بالتأمل لخفائه.

стр. 111

[٢٠] قولهم لمن تغير وجهه غضباً: تمغَّر ويقولونه لمن تغير وجهه من الغضب. قد تمغَّر وجهه بالغين المعجمة. والصواب فيه تمعر بالعين المغفلة ذكر ذلك "ثعلب" واستشهد عليه بما روي عن "ابن عباس" ﵁ أن الله أمر "جبريل" ﵇ بأن يقلب بعض المدائن فقال: يا رب إن فيها عبدك الصالح، فقال: يا جبريل ابدأ به إنه لم يتمعَّر ــ (ويقولون لمن تغير وجهه من الغضب قد تمغر وجهه بالغين المعجمة والصواب تمعر بالعين المغفلة ذكر ذلك ثعلب). في "الحواشي" الرواية في الحديث على ما ذكر، ثم إن من استعمل هذه اللفظة بإعجام الغين قد تشبيه الوجه المحمر غضباً بالمطلي بالمغرة. وله وجه صحيح كما يقال تحمم وجهه إذا اسود حتى كأنه سُوِّد بالحمم، أقول: ضعف الطالب والمطلوب إذ لم يصيبا في إنكار الإعجام وقد ورد ذلك في الحديث وأثبته الثقات قال في "النهاية الأثيرية" في الحديث هو الأمغر، أي الأحمر مأخوذ من المغرة، وهو هذا المدر الأ؛ مر الذي تصبغ به الثياب، وقيل: أراد الأبيض لأنهم يسمون الأبيض الأحمر، ومنه حديث الملاعنة إن جاءت به أميغر، وفي حديث يأجوج ومأجوج: فخرت عليهم متمغرةً دماً أي محمرة اهـ. وفي "التهذيب" تمغر لونه تغير وعلته صفرة، وقال "ابن الأعرابي" المغمور: المقطب غضباً، فإن قلت فيما ذكروه مجيء التفعيل للتشبيه لأن معنى تمغر صار كالمغرة، وهذا مما قال بعض أهل المعاني أنه لا نظير له في العربية حتى بنوا عليه

стр. 112

لي وجهه قط، أي لم يغضب لأجلي فرواه بالعين المهملة، ثم قيد الرواية بأن غلَّط من رواه بالغين المعجمة ونسبه إلى التصحيف في الكلمة. ــ عدم صحة تخريج "سرج" على معنى أشرق كالسراج، وأهل الصرف لم يثبتوه في معاني الأبنية، قلت: هو كثير في كلام العرب نحو "قوَّس الشيخ" صار كالقوس انحناء "وهلل البعير" استقوس من الهزال، أي صار كالهلال، "ودَنَّر وجهه" صار كالدينار، وفي "المجمل": "ثوب مبرَّج" عليه صور كالبروج "وفرس مدمَّى" اشقَرَّ لونه كلون الدم "وقدم مُلَسَّن" فيه طولٌ ودقة اللسان، إلى غير ذلك مما لا يحصى، ولولا خوف السأم أوردت لك منه ما يملأ المسامع فلا يغرنك من أنكره فإنه ضيق العطن أو عدم الفطن.

стр. 113

[٢١] استعمال اصفرَّ واحمرَّ واصفارَّ واحمارَّ ويقولون من هذا النوع أيضاً: قد اصفرَّ لونه من المرض واحمرَّ خدُّه من الخجل. وعند المحققين أنه إنما يقال: اصفر واحمر ونظائرهما فلي اللون الخالص الذي قد تمكن واستقر وثبت واستمر، فأما إذا كان اللون عرض لسبب يزول ومعنى يحول ــ (إنما يقال أصفرّ واحمرّ ونظائرهما في اللون الخالص الذي قد تمكن واستقر وثبت واستمر، فأما إذا كان اللون عرض بسبب يزول ومعنى يحول فيقال فيه: أصفارَّ واحمارَّ). قال "ابن بري": هذا غير معروف عند أحد من البصريينز الا ترى أن "الخليل" و"سيبويه" وجميع أصحابه يرون أن احمرَّ مقصور من احمار، وادهمَّ من ادهامَّ، كما أن مفعلاً مقصور من مفعال كمقول من مقوال؟ ، وهما عندهم بمعنى، وكذا احمر واحمارَّ لا فرق بينهما، وقد سوى بينهما "ابن عصفور"، وقيل افعالَّ أبلغ من أفعلَّ، والفرق الذي ذكره من قال به صرح بأنه أكثري. ومن اللزوم في الألف "مدهامتان". ومن العروض مع عدمهما نحو اصفرَّ وجهه خجلاً. وإذا كان لازماً عنده ففلم قال في المقامة "الكوفية". (حتى انثنى محقوقفاً مصفراً) وقال في "الحرامية": فازورت مقلتاهن واحمرت وجنتاه .. وقال اسودَّ العيش الأبيض.

стр. 114

فيقال فيه: اصفارَّ واحمارَّ ليفرق بين اللون الثابت والمتلون العارض، وعلى هذا جاء في الحديث "فجعل يحمارَّ مرة ويصفارُّ أخرى". ــ ثم أن افعلّ وافعالّ بابهما الألوان والعاهات والألوان أكثر مثل أحمر واعورَّ. وقد يجيء في غير ذلك كقولهم. انهارَّ الليل إذا انتصف واقطارَّ النبت إذا طال.

стр. 115

[٢٢] اجتمع فلان وفلان لا مع فلان ويقولون: اجتمع فلان مع فلان، فيؤهمون فيه. والصواب أن يقال: اجتمع فلانٌ وفلان، لأن لفظة اجتمع على وزن افتعل وهذا النوع من وجوه افتعل، مثل اختصم واقتتل، وما كان أيضاً على وزن تفاعل مثل تخاصم وتتجادل وتقتضي وقوع الفعل من أكثر من واحد، فمتى أُسند الفعل منه إلى أحد الفاعلين لزم أن يعطف عليه الآخر بالواو لا غير، وإنما اختصت الواو بالدخول في هذا الموطن لأن صيغة هذا الفعل تقتضي وقوع الفعل من اثنين فصاعداً، ومعنى الواو يدل على الاشتراك ــ (ويقولون: اجتمع فلان مع فلان فيوهمون فيه؛ إذ الصواب أن يقال اجتمع فلان وفلان؛ لأن فلظ اجتمع على وزن افتعل، وهذا النوع من وجوه افتعل مثل اختصم واقتتل وما كان أيضاً على وزن تفاعل مثل تخاصم وتجادل يقتضي وقوع الفعل من أكثر من واحد. في "الحواشي" لا يمتنع في قياس العربية أن يقال: اجتمع زيد مع عمرو، واختصم جعفر مع بكر، بدليل جواز اختصم زيدٌ وعمراً، واستوى الماء والخشبة، وواو المفعول معه بمعنى مع ومقدرة بها، فكما يجوز استوى الماء والخشبة كذلك يجوز استوى الماء مع الخشبة، واستوى في هذا مثل اختصم فإن المساواة تكون بين اثنين فصاعداً كالاختصام، فإذا في جاز هذه الأفعال دخول [واو المفعول معه جاز دخول] مع، كقولهم: استوى الحر والعبد في هذا الأمر. وقال "ابن مالك" في "التسهيل": تختص الواو بعطف ما لا يستغني. قال "ابن عقيل" في شرحه: نحو هذا زيدٌ وعمروٌ وبكرٌ نجباء، وسواء عبد الله وبشر. وأجاز "الكسائي" في ظننت عبد الله وزيداً مختصمين، ثم والفاء وأو، وأوجب البصريون و"الفرَّاء" الواو، وقال "الفراءُ": رأيت أنه دخل عليه أن يقول: اختصم عبد الله فزيد اهـ وهذا مؤيد لما ذكره المحشي. وأُورد على قوله: تنفرد به الواو أم

стр. 116

في الفعل أيضاً. فلما تجانسا من هذا الوجه وتناسب معناهما فيه استعملت الواو خاصةً في هذا الموضع، ولم يجز استعمال لفظة مع فيه لأن معناها المصاحبة، وخاصيتها أن تقع في الموطن الذي يجوز أن يقع الفعل فيه من واحد، والمراد بذكرها الإبانة عن المصاحبة التي لو لم تذكر لما عرفت؛ وقد مثل النحويون في الفرق بينها وبين الواو، فقالوا: إذا قال القائل: جاء زيدٌ وعمرو كان إخباراً من المشاركة في المجيء، على احتمال أن يكونا جاءا في وقت واحد أو سبق أحدهما، فإن قال: جاء زيدٌ مع عمروٍ كان إخباراً عن مجيئهما متصاحبين وبطل تجويز الاحتمالين الآخرين، فذكر لفظة مع ها هنا أفاد إعلام المصاحبة. وقد استعملت حيث يجوز أن يقع الفعل فيه من واحد، فأما في الموطن الذي يقتضي أن يكون الفعل فيه لأكثر من واحد، فذكرها فيه خلف من القول وضرب من اللغو، ولذلك لم يجز أن يقال: اجتمع زيدٌ ــ المتصلة في: سواء عليّ أقمت أم قعدت فتدبر. (ونظيره أيضاً امتناعهم من أن يقولوا: اختصم الرجلان كلاهما) قال في "التسهيل": كلا وكلتا قد يؤكدان ما لا يصح في موضعه واحدٌ خلافاً "للأخفش" فيمتنع مثل: اختصم الرجلان كلاهما لعدم الفائدة؛ إذ لا يحتمل الموضع الإفراد، وكذا قولك: المال بين الزيدين كليهما، ووافق الأخفش على المنع الفراد و"ابن هشام" و"أبو علي"، ومذهب الجمهور الجواز. فرد المصنف مردودٌ عليه. ثم ذكر تسكين عين مع. وقد نطق بإسكانها كما قال: (فريشي منكم رهوى معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما) هذا البيت لجرير من قصيدة مدح بها هشام بن عبد الملك، والريش بالكسر الغنى واللباس الجميل وإصلاح الحال، من رشته أريشه إذا أصلحت حاله، وهو استعارة من

стр. 117

مع عمرو، كما لم يجز أن يقال: اصطحب زيد وعمروٌ معاً؛ للاستغناء عن لفظة مع بما دلت عليه صيغة الفعل، ونظيره امتناعهم أن يقال: اختصم الرجلان كلاهما؛ للاستغناء بلفظة اختصم التي تقتضي الاشتراك في الخصومة عن التوكيد، لأن وضع كلا وكلتا أن تؤكدا المثنى في الموضع الذي يجوز فيه انفراد أحدهما بالفعل ليتحقق معنى المشاركة، وذلك في مثل قولك: جاء الرجلان كلاهما، لجواز أن يقال: جاء الرجل. فأما فيما لا يكون فيه الفعل لواحد فتوكيد المثنى بهما لغو، ومثل ذلك أنهم لا يؤكدون بلفظة كل إلا ما يمكن فيه التبعيض، فلهذا أجازوا أن يقال: ذهب المال كله، كلون المال مما يتبعضن ومنعوا أن يقال: ذهب زيد كله، لأنه ما لا يتجزأ. وفي "مع" لغتان، أفصحهما فتح العين منها، وقد نطق بإسكانها، قال "جرير": (وريشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما) ــ ريش الطائر؛ لأنه يقوى بتمام ريشه، ولذا قال الشاعر: (أراشوا جناحي ثم بلُّوه بالندى ... فلم أستطع من أرضهم طيرانا) أو من أراش السهم لأنه ينهض بريشه أيضاً، ولهذا قالوا: فلان يريش ويبرى، بمعنى يضر وبنفع، ويفتق ويرتق، ويصدر ويورد. واللمام: الزيارة أحياناً كالغِب، وفي الحديث "زر غباً تزدد حباً" وعليه قولي في الحمى: (وحمى قد أتت مثواي غباً ... ولكن لا تزيد بذاك حباً) وتسكين عين "مع" لغة عند بعض، وقال "سيبويه": إنه ضرورة وليس بلغة، وفي "التسهيل" إنه لغة "ربيعة"، وق ٥ يل: إنه لغة "بني تميم"، وهي اسم دائماً، وذهب بعض النحاة إلى أنها إذا سكنت حرف جر، والصحيح الأول.

стр. 118

[٢٣] قل لقيتها وحدهما، ولا تقل: لقيتهما اثنيهما ويقولون: لقيتهما اثنيهما، مقايسة على قولهم: لقيتم ثلاثيتهم، فيوهمون في الكلام والمقايسة وهمين، ويختل عليهم الفرق بين الكلامين، وذلك أن العرب تقول في الاثنين: لقيتهما من غير أن تفسر الضمير، فإن أرادت إن تخبر عن إفرادهما باللقاء قالت: لقيتهما وحدهما، وتقول في الجميع: لقيتم ثلاثتهم ورايتهم خمستهم، وما أشبه ذلك، فتفسر الضمير. والفرق بين الموضعين أن الضمير في قولك: "لقيتهما" ضمير مثنى، والمثنى لا تختلف عدته ولا تلتبس حقيقته، فاستغنى عن تفسير يبينه، والضمير في قولك "لقيتهم" ضمير جمع، والجمع مبهم غير محصور العدة لاشتماله على الثلاثة وعلى ما لا يحصى كثرة، فلو لم يفره المخبر عنه بما يبين عدته ويزيل الإبهام عنه لما عرف السامع حقيقته ولما علم كميته. وحكى "أبو علي الفارسي" أي "مروان بن سعيد المهلبي" سأل "أبا الحسن الأخفش" عن قوله. : ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾. ما الفائدة في هذا الخبر؟ فقال: أفاد العدد المجرد من الصفة. واراد مروان بسؤال أن الألف في كانتا تفيد الاثنين، فلأي معنى فسر ضمير المثنى بالاثنتين، ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يقال: فإن كانتا ثلاثاً ولا أن يقال: فإن كانتا خمساً؟ ــ (حكي "أبو علي الفارسي": إن "مروان بن سعيد المهلبي" سأل "أبا الحسن الأخفش" عن قوله - تعالى - ﴿فإن كانتا ... ﴾ الخ: ما الفائدة في هذا الخبر؟ فقال: أفاد العدد المجرد من الصفة. فأراد "مروان" بسؤاله أن الألف في كانتا تفيد الاثنين فلأي معنى فسر ضمير المثنى بالاثنين، ونحن نعلم أنه لا يقال: فإن كانتا ثلاثاً ولا أن يقال: فإن كانتا خمساً؟

стр. 119

وأراد "الأخفش" بقوله إن الخبر أفاد العدد المجرد من الصفة: اي قد كان يجوز أن يقال: فإن كانتا صغيرتين فلهما كذا، أو كبيرتين فلهما كذا، أو صالحتين فلهما كذا، أو طالحتين فلهما كذا. فلما قال: فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان افاد الخبر أن فرض الثلثين للأختين تعلق بمجرد كونهما اثنتين على أية صفة كانتا عليها من كبر أو صغر أو صلاح أو طلاح أو غنى أو فقر، فقد تحصل من الخبر فائدة لم تحصل من ضمير المثنى. ولعمري لقد أبدع "مروان" في استنباط سؤاله، وأحسن "أبو الحسن" في كشف إشكاله. ــ وأراد "الأخفش" بقوله: إن الخبر أفاد العدد من الصفة أي قد كان يجوز أن يقال: فإن كانتا صغيرتين فلهما كذا، أو كبيرتين فلهما كذا، أو صالحتين فلهما كذا، فلما قال: فإن كانتا اثنتين ... الخ أفاد الخبر أن فرض الثلثين للأختين معلق بمجرد كونهما اثنتين على أي صفة كانتا من صغر أو كبر أو صلاح أو غنى أو فقر، فقد تحصل من الخبر فائدة لم تحصل من ضمير المثنى). وحاصل السؤال أن من شأن الخبر أن يفيد غير ما أفاد المبتدأ، وهذا عينه، ولذا منع "الفارسي": سيد الجارية مالكها. فأجاب "الأخفش" بأن الإخبار بالاثنينية يفيد أن الحكم متعلق بمجرد التعدد لا يغيره من الأوصاف، وهذا غير ما أفاده المبتدأ، ورده "أبو حيان" بأن ضمير التثنية دل على ذلك من غير قيد أيضاً فلا يندفع السؤال. وأجيب عنه بأن الضمير قائم مقام معرف بأل، وتقديره: فإن كانت الأختان. والمعرف يوهم التعيين فالخبر مزيل لذلك الإيهام، وهذا ما عناه "الأخفش"، لا سيما وقد قيل: إن الآية نزلت في معين، وإن كان خصوص السبب لا يخصص الأحكام، لكنه لا يدفع الإيهام. وقال "الزمخشري": الأصل فإن كان من يرث بالأخوة ذكوراً أو إناثاً، وإنما قيل كانتا كما قيل: من كانت أمك فأنت ضمير من لتأنيث الخبر، ولذلك ثنى وجمع ضمير من يرث في كانتا وكانوا لمكان تثنيته وجمعه. ورده في "البحر" بأنه ليس نظير من كانت أمك. ومدلول الخبر في هذا مخالف لمدلول الاسم، بخلاف الآية فإن المدلولين فيهما واحد، ولم يؤنث في من كانت أمك

стр. 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لتأنيث الخبر؛ إنما أنث مراعاة لمعنى من إذا أريد به مؤنث؛ ألا ترى أنك تقول: من كانت فتؤنث مراعاة للمعنى إذا كان السؤال عن مؤنث؟ ولا خبر هنا، و"اثنتين" خبرٌ مقيد بصفة محذوفة، أي: فإن كانت الوارثتان اثنتين من الإخوة، وهذا مقيد، وحذف الصفة لفهم المعنى كثيرز وفي "الحواشي" خير من هذا أن يصرف إلى كونهما شقيقتين أو لأبٍ أو كانت إحداهما شقية والأخرى لأب، فإن هذه الأحوال يتغير فيها حكم الميراث، ولكن الرجل لم يعن بالفقه. ولنا هنا مباحث فيما قالوه يضيق عنها المقام، وستراها إذا أفضت إليها النوبة إن شاء الله تعالى.

стр. 121

[٢٤] في الإخبار عن لعل بالفعل الماضي ويقولون: لعله ندم ولعله قدم. فيلفظون بما يشتمل على المناقضة، وينبى عن المعارضة ووجه الكلام أن يقال: لعله يفعل، أو لعله لا يفعل لأن معنى "لعل" التوقع لمرجو او لمخوف، والتوقع إنما ــ "ويقولون: لعله ندم ولعله قدم، فيلفظون بما يشتمل على المناقضة وينبى عن المعارضة، ووجه الكلام أن يقال: لعله يفعل أو لا يفعل؛ لأن معنى "لعل" التوقع لمرجو أو مخوف، والتوقع إنما يكون لما يتجدد). [وهذا مما سبقه إليه بعض النحاة، فتوهم أن لعل لا تدخل على الماضي] لأن التوقع - وهو ترقب الوقوع - إنما يكون لما يستقبل وينتظر، فهذا فاسدٌ لما فيه من الجمع بين الضب والنون. وهو مردود، فإن "لعل" وإن كان معناها ما ذكر، لكن المترقب لما كان وقوعه غير محقق، بل مشكوك فيه ومظنون. وهذا مما يلزمها فتجوَّز بها عن لازمها وهو الشك والظن، وذلك يكون في الماضي والمستقبل على حد سواء، وهذا هو المصحح له بحسب الرواية كما قاله "ابن بري" وتبعه "ابن هشام" وغيره، وأما بحسب الرواية فإنه ورد في الكلام الفصيح كثيراً، كقول "الفرزدق": (لعلك في حدراء لمت على الذي ... تخيرت المعزى على كل حالب) وقول "امرئ القيس":

стр. 122

يكون لما يتجدد ويتولد، لا لما يتقضى ويتصرم، فإذا قلت: خرج فقد أخبرت عما قُضي الأمر فيه واستحال معنى التوقع له، فلهذا لم يجز دخول "لعل" عليه. ــ (وبدلت قرحاً دامياً بعد صحة ... لعل منايانا تحولن أبؤسا) وكقول النبي ﷺ : "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، كما رواه "البخاري" وغيره. ومثله في النثر والنظم أكثر من أن يحصر. وقال "ابن هشام": إن الماضي يصح وقوعه بعدها سواء كانت عاملة أو مكفوفة، كما في قوله: (أعد نظراً يا عبد قيس لعلما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا) لأن شبهة المانع أن "لعل" للاستقبال، وأن ذلك يلزمها بحسب المعنى، فلا تدخل على الماضي، فلا فرق بين كون الماضي معمولاً لها أو لا. ومما يدل على بطلان قوله ثبوت ذلك في خبر ليت، وهي مثل "لعل" في الإنشاء واستلزام الاستقبال. ولكونها منبئة عن الشك لم يصح نسبتها إلى الله تعالى، وصرف ما ورد منه "إلى المخاطبين، وأول بما هو معروف في أمثاله.

стр. 123

[٢٥] في التعجب من الألوان والعاهات ويقولون في التعجب من الألوان والعاهات: ما أبيض هذا الثوب وما أعور هذا الفرس! ، كما يقولون في الترجيح بين اللونين والعوين: زيد أبيض من عمرو، وهذا أعور من ذاك. وكل ذلك لحنٌ مجمعٌ عليه وغلطٌ مقطوع به، لأن العرب لم تبن فعل التعجب إلا من الفعل الثلاثي الذي خصته بذلك لخفته، والغالب على أفعال الألوان والعيوب التي يدركها العيان أن تتجاوز الثلاثي، نحو أبيض واسودَّ واعورَّ واحولَّ، ولهذا لم يجز أن ينبنى منها فعل التعجل من فعل ثلاثي يطابق من المدح والذم، ثم أتى بما يريد أن يتعجب منه كقولهم: ما أحسن بياض هذا الثوب وما أقبح عور هذا الفرس! وحكم أفعل الذي للتفضيل حكم فعل التعجب في ما يجوز فيه ويمتنع منه فكما لا يقال: ما أبيض هذا الثوب ولا ما أعور هذا الفرس لا يجوز أن يقال أيضاً: ــ (ويقولون في التعجب من الألوان والعاهات: ما أبيض هذا الثوب وما أعور هذا الفرس .. ). هذا مما اختلفوا فيه، فأجاز الكوفيون التعجب من البياض والسواد لأنهما أصول الألوان، كما ورد في حديث الحوض الذي قال أهل الحديث: إنه متواتر، ماؤه أبيض من الورق بكسر الراء وهو الفضة، وفي بعض شروحه: إنه لغة قليلة وأنشدوا عليه: (إذا الرجال شتوا واستد أكلهم ... فأنت أبيضهم سربال طباخ) وقوله: (جارية في درعها الفضفاض ... أبيض من أخت بني بياض) فلما جاء منهما أفعل التفضيل جاز بناء صيغتي التعجب منه لاستوائهما في أكثر

стр. 124

هذه أبيض من تلك ولا هذا أعور من ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً﴾ (الإسراء: ٧٢) فهو ها هنا من عمى القلب الذي تترك الضلالة منه، لا بد من عمى البصر الذي تحجب المرئيات عنه وقد صدع بتبيان هذا العمى قوله تعالى: ﴿فإنها لا تعمي الأبصار ولمن تعمي القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: ٤٦]. وقد عيب على "أبي الطيب قوله في صفة الشيب: ــ الأحكام. فقول المصنف أنه لحن مجمع عليه ليس بصحيح، وقد توزعوا في الدليل فإنه مع إنه ليس بمقيس فأبيض في الأول محتمل للوصفية. وفي الثاني محتمل لأن يكون من البيض، وهو كناية عن أن أولادها لغير رشدهم كالبيض الذي لا يدرى مم حصل كما في "كشف المشكل". (والغالب على أفعال الألوان والعيوب التي يدركها العيان أن نتجاوز الثلاثي نحو ابيض واحول). وهذا ليس بمرضي لتوجيه ما ادعاه، وإنما المرض عندهم أن الوصف منه جاء على زنة أفعل، فلو صيغ منه اسم تفضيل التبس في بعض الأحوال. (فأما قوله تعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى﴾ [الإسراء: ٧٢] الآية. فهو ههنا من عمى القلب الذي تتولد الضلالة منه لا من عمى البصر).

стр. 125

(أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم) ومن تأول له فيه جعل أسود ها هنا من قبيل الوصف المحض الذي تأنيثه سوداء، أو أخرجه عن حيز أفعل الذي للتفضيل والترجيح بين الأشياء، ويكون على هذا التأويل قد تم الكلام وكملت الحجة في قوله: "لأنت أسود في عيني"، وتكون "من" التي في قوله: "من الظلم" لتبين جنس السواد لا أنها صلة أسود ومعنى قوله: "بياضا لا بياض له" أي ما له نور ولا عليه طلاوة ــ جواب عن سؤال يرد على ما قالوه من أنه لا يبنى من الألوان ولا من العيوب المحسوسة بالبصر. كما في "الحواشي" لا وجه لقوله من عمى القلب؛ لأن الفعل - وإن كان ثلاثيا منهما - إلا أنه يقال: عمي وعمه قلبه، والأول للبصر وهو في القلب استعارة. وقد قال "أبو عبيدة" - في قوله تعالى: ﴿فهو في الآخرة أعمى﴾ [الإسراء: ٧٢]: معناه أشد عمى، لأنه كقوله: وأضل سبيلا. قلت: هو على ما فيه من الخلل غير مسلم؛ فإنه سمع عمى قلبه من العرب. وفي "تهذيب الأزهري" العمه: التحير، وقال بعضهم: العمه في الرأي والعمي في البصر. قلت: ويكون العمى في القلب، فيقال: رجل عم إذا كان لا يبصر بقلبه. اهـ. فإذا سمع قديما وكان غير مرئي بحاسة البصر سواء كان حقيقة أو مجازا فالاعتراض من العمى أو التعامي. وفي "أصول ابن السراج" - بعدما أورد السؤال بالآية - أجيب عنه بجوابين: أحدهما، أنه من عمى القلب وإليه ينسب أكثر أهل الضلال فيقال: ما أعماه، كما يقال: ما أحمقه! والآخر، أن يكون من عمى العين، ولا يراد به أعمى من كذا، بل إنه أعمى كما

стр. 126

وذكر شيخنا "أبو القاسم الفضل بن محمد النحوي" ﵀ أنط إذا قلت: ما أسود زيدا وما أسمر عمرا وما أصفر هذا الطائر وما أبيض هذه الحمامة وما أحمر هذا الفرس فسدت كل مسألة منها من وجه وصحت من وجه. فتفسد جميعها إذا أردت بها التعجب من الألوان وتصح كلها إذا أردت بها التعجب من سؤدد زيد ومن سمر عمرو ومن صفير الطائر ومن كثرة بيض الحمامة ومن حمر الفرس وهو أن ينتن فوه من البشم ــ كان في الدنيا أعمى، وهو في الآخرة أضل سبيلا. اهـ. فإن قلت: كيف يكون في الآخرة أعمى وقد تظاهرت الأخبار بأن الخلق يحشرون كما بدءوا، كما قال تعالى: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾؟ [الأنبياء: ١٠٤] قلت: قد أورد هذا "السيد المرتضى" قدس الله روحه في "الدرر والعزر" وأجاب عنه بأجوبة منها: أنه إذا كان من عمى البصر فهو كناية عن كونهم لا يهتدون إلى محجة الصواب وسواء الطريق، وإلا فهو ظاهر مع كلام آخر لا يخلو من نظر لمن له بصر. وقد جاءت ألفاظا من هذا الباب تجوز على وجه وتمتنع على وجه آخر، فمنها أنك تقول زيد أسمر من عمر فإن كان من اللون لم يجز، وإن كان من السمر جاز وهذه الدجاجة أبيض من تلك فإن كان من البياض لم يجز وإن كان من البيض جاز، وهذا أسود من هذا فمن السواد لا يجوز ومن السيادة يجوز وله نظائر كثيرو. وقد عيب على أبي الطيب قوله في الشيب: (أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم) هو من قصيدة أولها: (ضيف ألم برأس غير محتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللمم)

стр. 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال في شرح "شواهد المغني": امتناع هذا مذهب البصريين. وذهب "الكسائي" و"ابن هشام" إلى جواز بناء اسم التفضيل من الألوان مطلقا، وتقدم المذهب الثالث قبيل هذا، وأنه مذهب الكوفيين، و"المتنبي" كوفي فلا اعتراض عليه وقوله: أبعد بفتح العين، أمر من بعد بكسر العين يبعد بفتحها، إذا هلك. وبياضا تمييز محول عن الفاعل، والعرب تكني بالبياض عن الحسن، ومنه لفلان اليد البيضاء، أي أهلكك الله من بياض لا يسر، والظلم جمع ظلمة وتكون اسما لثلاث ليال من آخر الشهر، وقد قيل: إنه المراد هنا. والمحتشم: المستحيي، وفيه كلام في "شرح أدب الكاتب"، والمعنى أن شبيه ظهر دفعة بغير تراخ كما قاله "الواحدي". ومعنى المطلع من [قول] "البحتري": (رددت بياض السيف يوم لقيتني ... مكان بياض الشيب حل بمفرقي) وقد أجاد "صاحب البردة" في تضمينه بقوله:

стр. 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا أعدت من الفعل الجميل قرى ... ضيف ألم برأسي غير محتشم وقد غير إعرابه، ومثله جائز في التضمين، وهو في الاقتباس أحسن.

стр. 129

[٢٦] وجوب تذكير كلمتي بطن وأنف ويقولون: امتلأت بطنه، فيؤنثون البطن، وهو مذكر في كلام العرب بدليل قول الشاعر: (فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا) وأما قول الشاعر: (فإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر) فإنه عنى بالبطن القبيلة فأنثه على معنى تأنيثه، كما ورد في القرآن: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠]. فأنت المثل وهو مذكر لما كان بمعنى الحسنة، ونظير تأنيثهم البطن وهو مذكر تأنيثهم الألف أيضا في العدد، فيقولون: قبضت ألفا تامة، والصواب أن يذكر فيقال: ألف تام كما قالت العرب في معناه: ألف صتم وألف أقرع ــ (فيؤنثون البطن وهو مذكر في كلام العرب بدليل قول الشاعر: (فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا) ما ذكره ليس بمتفق عليه، فقد حكى "الأصمعي" و"أبو عبيدة" أنه يجوز تأنيثه وتذكيره، كما في "الصحاح". وهذا البيت من شعر لبعض الطائيين - ويروى "لحاتم" وهو: (أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا)

стр. 130

والدليل على تذكير الألف في قوله تعالى ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف﴾ (آل عمران: ١٢٥) والهاء في باب العدد تلحق بالمذكر وتحذف من المؤنث. وأما قولهم: هذه ألف درهم فلا يشهد ذلك بتأنيث الألف؛ لأن الإشارة وقعت على الدراهم وهي مؤنثة، فكان تقدير الكلام: هذه الدراهم ألف. ــ (وإني لأستحيي حياء يرني ... إذا اللوم من بعض الرجال تطلعا) (إذا كان أصحاب الإناء ثلاثة ... حييا ومستحي وكلبا مشجعا) (وإني لأستحيي أكيل أن يرى ... مكان يدي من طيب الزاد بلقعا) (أكف يدي عن أن تمس أكفهم ... إذا نحن أهوينا لحاجاتنا معا) (فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا) ويروى: وإنك مهما تعط. (عني بالقبيلة البطن فأنثه على تأنيثها) فإن قلت: هذا مخالف لكلام أهل اللغة، ففي "الصحاح" البطن دون القبيلة، ومثله في "نهاية ابن الأثير" وزاد فيها وفوق الفخذ، وهي تذكر وتؤنث باعتبارين كأسماء القبائل. قلت: تفسيره بالقبيلة قول بعضهم. ورجحه المصنف لأنه يفيد قوله هنا "وأنت يرى من قبائلها العشر". وبما سمعته من كلام "ابن الأثير" علمت أن ما ذكره المصنف غير متفق عليه، مع أن باب التأويل واسع. وسمت العرب القبيلة بطنا كما قالت فخذا لأنها جعلت الناس كجسم واحد والطوائف كأعضائه، كما قال الشاعر:

стр. 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الناس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الرأس ويقولون: قبضت ألفا تامة، والصواب أن يذكر فيقال: ألفا تاما). هذا ليس بمتعين، فإن صاحب "القاموس" جوز تأنيثه باعتبار الدراهم، وقد قيل: أمر التأنيث سهل. (ألف صتم أقرع) صتم، بصاد مهملة مفتوحة ومثناة فوقية ساكنة، وصتم بمعنى تام، ويقال: سقت إليه ألفا أقرع من الخيل وغيرها أي تاما، وهو نعت لكل ألف، كهنيدة اسم لكل مائة. (وأما قولهم: هذه الألف درهم فلا يشهد ذلك بتأنيث الألف لأن الإشارة وقعت على الدراهم). هذا كلام ناشى من قلة التدبر، فإنه عين ما منعه، لأن تأنيثه بتأويله بالدراهم؛ لأن الإشارة وإن كانت إليها، لكن من حيث إنها مدلول هذا اللفظ. ونظير هذا ما قالوه في تذكير الإشارة في قوله تعالى: ﴿هذا ربي﴾ [الأنعام: ٧٨]: إنه إشارة إل الجزم، ولذا ذكره، وقد قالوا فيه ما قالوا. فإن أردته فانظر إلى "حواشينا على القاضي".

стр. 132

[٢٧] حيازة لا إجازة ويقولون فعلته لإجازة الأجر. والصواب أن يقال: لحيازة الأجر بدليل أن الفعل المشتق منه حاز، ولو كانت الهمزة أصلا في المصدر لالتحقت بالفعل المشتق منه كما تلتحق بأراد المشتق من الإرادة وبأصاب المتفرع من الإصابة، فلما قيل في الفعل: حاز علم أن مصدره الحيازة مثل: خاط الثوب خياطة وصاغ الخاتم صياغة وحاد عن الحرب حيادة. وحكى "الأصمعي" قال: سألت بعض الأعراب عن ناقته فأنشد: ــ (سألت بعض الأعراب) وهو "المؤمل بن أميل المحاربي" كما قاله "الشريف المرتضى" في "الدرر والغرر" (عن ناقته فأنشد: (كانت تقيد حين تنزل منزلا ... فاليوم صار لها الكلال قيودا) (لا تستطيع عن القضاء حيادة ... وعن المنية لا تصيب محيدا) (القوم كالعيدان يفضل بعضهم ... بعضا كذاك يفوق عود عودا) في البيت الأول معنى لطيف، قال "علم الهدى": هو كثير في شعر المتقدمين والمحدثين كقول "جرير": (إذا بلغوا المنازل لم تقيد ... وفي طول الكلال لها قيود) و"لأبي نخيلة": قيدها الجهد ولم تقيد

стр. 133

(كانت تقيد حين تنزل منزلا ... فاليوم صار لها الكلال قيودا) (من تستطيع عن القضاء حيادة ... وعن المنية لا تصيب محيدا) (القوم كالعيدان يفضل بعضهم ... بعضا كذاك يفوق عود عودا) ــ وأنشد "أبو العباس ثعلب": (إذا بلغوا المنازل لم تقيد ... ركابهم ولم تشدد بعقل) (فهن مقيدات مطلقات ... تقضب ما تشدب في المحل) والأصل في هذا قول "امرى القيس": (وقد اغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل) وقوله: (سطوت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان) ومنه أخذ "مروان بن أبي حفيصة" قوله: (فما بلغت حتى حماها كلالها ... إذا عريت أصلابها أن تقيدا) مع أبيات أخر أنشدها "الشريف المرتضى" وقد تطفل على ذلك المحدثون، قال "أبو بكر البكري": (على يعملات كالحنايا ضوامر ... إذا ما أنيخت فالكلال عقالها) وقوله أيضا: (يقر بعيني الركب من نحو أرضكم ... يزجون عيسا قيدت بكلال)

стр. 134

فأما قولهم في المثل: "أساء سمعا فأساء جابة"، فالجابة هنا هي الاسم والمصدر الإجابة وهذا المصل يضرب لمن يخطى سمعا فيسيء الإجابة، وأصله أنه كان "لسهيل بن عمرو" ابن مضعوف، فرآه إنسان مارا فقال له: أين أمك يريد أين قصدك؟ فظن أنه يسأل عن أمه فقال: ذهبت تطحن فقال: أساء سمعا فأساء جابة، ونظير الجابة في كلامهم الطاقة والطاعة والغارة ومصادر أفعالها الإطاقة والإطاعة والإغارة. ــ ومما يقضي منه العجب [أن هذا المعنى] مع اشتهاره وسياحته في الدفاتر يقول "العماد" الكاتب في "خريدته" فيه: سمعت "أبا نصر الخطيبي" يقول: "للشريف أبي بكر" بيت ما قيل في معانه أحسن منه، وهو قوله: (على يعملات كالحنايا ضوامر ... إذا ما أنيخت فالكلال عقالها) ولفظ "حيادة" في المتن بحاء ودال مهملتين مصدر حاد بمعنى عدل وانثنى بزنة الحيازة والبطالة. (في المثل: أساء سمعا فأساء جابة). قد شرحه المصنف بما لا يزيد عليه، والجابة اسم مصدر بمعنى الإجابة، ولم يسمع في غير هذا المثل، وقوله: مضعوف بمعنى أحمق ضعيف الرأي والعقل، وفي "القاموس" أضعفه جعله ضعيفا فهو مضعوف، والقياس فيه مضعف.

стр. 135

[٢٨] الفرق بين الذاعر والداعر ويقولون للخبيث الداخلة: ذاعر بالذال المعجمة، فيحرفون المعنى فيه لأن الذاعر هو المفزع لاشتقاقه من الذعر، فأما الخبيث الدخلة فهو الداعر بالدال المهملة لاشتقاقه من الدعارة وهي الخبث ومنه قول "زميل بن أبير" "لخارجة بن ضرار": (أخارج هلا إذا سفهت عشيرة ... كففت لسان السوء أن تيدعرا) أي هلا حين سفهت عشيرتك كففت ألسنتهم عن التفوه بالسفه والتفلظ بخبائث القذع. ويقال للعود الكثير الدخان: عود داعر ودعر وهو يرجع إلى المعنى الأول ومنه ما أنشده "ابن الأعرابي" في أبيات المعاني: ــ (يقولون للخبيث: ذاعر بالذال المعجمة فيحرفون المعنى فيه لأن الذاعر هو المفزع لاشتقاقه من الذعر، فأما الخبيث الدخلة فهو الداعر بالدال المهملة. وفي نسخة المبهمة - وهما بمعنى). وما ذكره غير مسلم عند أهل اللغة، قال "ابن بري": ما المانع من كون الخبيث ذاعرا بالذال المرسومة المعجمة لأنه يذعر الناس أي يخيفهم؟ فإذا قصدوا هذا صح، وقد سبقه إلى هذا غيره [والحق يتبع وفيه نظر] و (زميل) مضغر بزاي معجمة وميم مخففة ولام، وقوله (أبير) بهمزة مضمومة موحدة وراء مهملة مصغر أيضا، وأصله "وبير" قلبت الواو المضمومة همزة على القياس، وبه سمي أيضا قاتل "ابن دارة" [وهو القائل:

стр. 136

(ولكل غرة معشر من قومه ... دعر يهجن سعيه ويعيب) (لولا سواه لجررت أوصاله ... عرج الضباع وصد عنه الذيب) وفسر قوله "لولا سواه" أي إنما يكرم لغيره الذي لولاه لقتل حتى يصير طعمة للضباع التي هي أضعف السباع. ونبه بقوله "وصد عنه الذيب" على أن الذئب يعاف فريسة غيره ولا يأكل إلا ما يفترسه بنفسه، ونظير هذا التحريف تحريفهم قول الشاعر: (حسدوا الفتى إذا لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم) (كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسد وبغيا إنه لذميم) فيتشدونه ذميم بالذال المعجمة لتوهمهم أن اشتقاقه من الذم، وهو بالدال ــ (أنا زميل قاتل ابن دارة ... والكاشف السبة عن فزارة] والدعر بالمهملة الخبث وأصله الدخان، لأنه مؤذ مكدر، وقد يراد به الخبث والنقص كقوله: (تريد مهذبا لا عيب فيه ... وهل عود يفوح بلا دخان) (كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا إنه لدميم) وبالدال المهملة يعنى قبيح، وذميم بالدال المعجمة بمعنى مذموم. وهذا من قصيدة مشهورة "لأبي الأسود الدؤلي" ومنها:

стр. 137

المهملة لاشتقاقه من الدمامة وهي القبح، وإلى هذا نحا الشاعر، إذ بقباحة الوجه تتعايب الضرائر. ونقيض هذا التصحيف أنهم يلفظون بالذال المغفلة في الزمرد والجرذ والنواجذ والجرذ وهو داء يعترض في قوائم الدابة، وهذه الكلمات الأربع هن بالذال المعجمة لا المهملة وقد ألحق بها "أبو محمد بن قتيبة" اسم "سذوم" المضروب به المثل في جور الحكم. ــ (أجسدوا الفتى إذا لم ينالوا سعيه ... فالكل أعداء له وخصوم) (كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا إنه لدميم) (فالوجه يشرق في الظلام كأنه ... قمر منير والعيون نجوم) (يلقى الخبيث مشتما لم يحترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم) (فاترك مجاراة السفيه فإنها ... ندم وعيب بعد ذاك وخيم) (وإذا عتبت على السفيه ولمته ... في مثل ما يأتي فأنت ظلوم) (لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم) (وابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم) (قهناك تقبل إن وعظت وبقتدى ... بالعلم من وينفع التعليم) وما ذكره هو المشهور، لكنه لو قيل للقبيح ذميم بالمعجمة لأنه من شأنه أن يذم لم يبعد، وفي الشعر أمور ومعان ليس هنا محل تفصيلها. (يلفظون بالدال المغفلة في الزمرد). إهمال داله لغة حكاها صاحب القاموس، وبعد ميمه راء مهملة مضمومة مشددة، وحكي فتحها. (والجرذ داء يعترض في قوائم الإبل). الجرذ بفتح الجيم والراء يليها ذال معجمة كل ورد في عرقوب الدابة، ولم يخصوه بالإبل، وبضم الجيم كصرد ضرب من الفئران، وجمعه جرذان.

стр. 138

من الكنايات المستحسنة: ومن الكنايات المستحسنة والمعاريض المستلحمة ما حكى أن عجوزا وقفت على "قيس بن سعد" فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان، فقال لها: ما أحسن هذه الكناية، والله لأكثرن جرذان بيتك، وأمر لها لها بأحمال من تمر ودقيق وأقط وزبيب. ــ [ونظيره ما ذكره من ملح العجائز، وقولها: أشكو إليك قلة الجرذان ما كتبت إلى بعض الإخوان وقد أرملت داري: (شكوت إلى مولاي ضيما أصابني ... وعفة فقر صيرتني كالخصي) (فلا الهر يخشى الكلب في باب منزلي ... وجرذان داري ماشيات على العصي) (اسم سدوم المضروب به المثل في جور الحكم). المثل المشار إليه هو قولهم: أجور من قاضي سدوم، قال "ابن بري": المشهور عند أهل اللغة سدوم بدال غير معجمة، وهي قرية قوم "لوط" ويمكن أن يكون بالذال المعجمة قبل التعريب، فلما عرب أبدلت ذاله دالا، فيتوجه قول "ابن قتيبة" إنه بالذال يريد أن أصله الذال ثم غيرته العرب، وفيه بعد، وذكر أهل الأخبار أن "سدوم" ملك سميت باسمه القرية، ومثله كبير. قال "عمرو بن دراك العيدي": (لهو في الفجر فوق أبي رغال ... وأجور في الحكومة من سدوم) وقيل: إن "سدوم" هنا اسم القرية والتقدير من أهل سدوم.

стр. 139

مطلب مفيد وقد نطقت العرب في عدة ألفاظ بالدال فقالوا لمدينة السلام: بغداد وبغداد، وللرجل المجرب: منجذ ومنجد، واللدواهي: القناذع والقنادع، وللضئيل الحقير الشخص: مذل ومدل، وللعنكبوت: الخذرنق والخدرنق، وللقنفذ: ابن انقذ وابن انقد، وللحمى: أم ملدم وملذم، فمن أعجمها فاشتقاقها من لذم به إذا اعتلق ــ والمضروب بهم المثل من القضاة: قاضي "منا" وقاضي "كسكر" وقاضي "أيدج" وقاضي "سكينة" وقاضي "جبول". ثم ذكر عدة ألفاظ وردت بالدال والذال فقال: (قالوا لمدينة السلام بغداد وبغداذ) فيجوز فيه الإعجام والإهمال، وقد ذكر بعضهم التسمية به لأن "بغ" اسم صنم، و"داد" بمعنى عطية، وسميت به لأن خصيا أهدي لكسرى فأقطعه إياها، فقال الخصي: أعطانيها صنمي، ثم صار اسما لها فهو بمهملتين في الأصل. ولما ذكرناه غير المنصور اسمها وسماها مدينة السلام ودار السلام، لأن ما حوالي دجلة يسمى وادي السلام، أو تشبيها لها بالجنة أو تفاؤلا بسلامة أهلها، وقيل: إنه لم يمت داخلها خليفة مع أنها كانت مقرا للخلفاء. ومن اللطائف في حسن التعليل قول "ابن سميعة البغدادي" فيها: (ود أهل الزوراء زورا ... فلا يسكن ذو خبرة إلى ساكنيها) (هي دار السلام لفظا فلا يبد ... رجاء في غير ما قيل فيها)

стр. 140

به، ومن لم يعجمها فاشتقاقه من اللدم وهو ضرب الوجه حتى يحمار، ولما يجذف به الملاح: المحذاف والمجداف، ولضرب من مشي الخيل: الهيذبي والهيدبي، ولأيام الحر المعروفة بوقدات سهيل: المعتذلات والمعتدلات. وذكر "المفضل بن سلمة الضبي، في كتاب "الطيب" أن من أسماء الزعفران: الجاذي والحادي. ــ وقلت أنا: (إن بغداد جنة الأرض لكن ... ساكنوها أخس قوم لئام) (ليس فيها غير السلام لراج ... ولذا سميت بدار السلام) (وللرجل المجرب: منجد ومنجذ) المنجذ بالإعجام من نواجذ الفم وهي أسنانه فهي في معنى قولهم: حنكته التجارب، وأما بالمهملة فمن النجدة. (والقناذع): في الأصل العنكبوت استعيرت للدواهي. (ومذل) كخذر له معان معروفة في اللغة، وهو من يضجر ومن لا يكتم سره. ولهذا الباب نظائر كثيرة. (والخلق) بفتحتين معروف، و (الجديد) نعته أو خبر بعد خبر. وما ذكره من (اذرى وادرى) ليس من هذا الباب لأن لكل منهما معنى على حدة،

стр. 141

وقالوا من الأفعال: ذففت على الجريح ودففت، أي أجهزن [عليه]، وخرذلت اللحم خردلته، أي قطعته وفرقته. واقذحر الرجل واقدحر إذا غضب وتهيأ للشر، وامذقر القوم وامدقروا إذا تفرقوا، واذرعفت الإبل وادرعفت إذا ندت، وجذف الطائر وجدف الطائر وجذف إذا أسرع تحريك جناحيه في طيرانه، وما دقت عذوقا ولا عدوقا إي ما ذقت شيئا، وقد قيل فيهما عذافا وعدافا، وقد استذف الشيء واستدف بمعنى اطرد واستتب. إلا أن "عبد الرحمن بن عيسى الهمداني" نص في ألفاظه على أنه بالذال لمعجمة لاشتقاقه من الذفيف وهو السريع الحركة. وحكى "أبو القاسم بن الحسن بن بشر الآمدي" مصنف كتاب "الموازنة بين الطائيين" قال: سألت "أبا بكر بن دريد" عن الكاغذ. فقال: يقال بالدال والذال والظاء المعجمة، وطابق "ثعلب" عليه. ــ كما في "الحواشي"، وقد يقال: إن مما يلتحم بهذا الفصل أي يتصل به، من اللحمة إشارة إلى ذلك

стр. 142

ويقال أيضا: جذ الحبل وجده أي قطعه، ومنه قوله تعالى: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨] ويقال: شيء جديد وجذيذ، ومن أبيات المعاني: (أبى حبي سليمى أن يبيدا ... وأمسى حبلها خلقا جديدا) أي مقطوعا، ومما يلتحم بهذا الفصل قول الراجز: (كيف تراني أذرى وأدرى) فالأول بذال معجمة لأنه "افتعل" من ذريت تراب المعدن، والثاني بدال مهملة لأنه "افتعل" من دراه أي خلته. فيقول: كيف تراني أذري التراب وأختل مع ذلك هذه امرأة بالنظر إليها إذا غفلت؟ يقال: ذرته تذروه وتذريه.

стр. 143

[٢٩] هوش لا شوش ويقولون: شوشت الأمر وهو مشوش. والصواب أن يقال فيه: هوشت وهو مهوش؛ لأنه من الهوش وهو اختلاط الشيء ومنه الحديث "إياكم وهوشات الأسواق". وجاء في خبر آخر "من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر" ــ (ويقولون: شوشت الأمر، وهو مشوش، والصواب أن يقال: هوشته فهو مهوش لأنه من الهوش وهو اختلاط الشيء. ومنه الحديث "إياكم وهو شاب الأسواق". وجاء في حديث آخر "من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر" يعني بالهاوش التخليط وبالنهابر المهالك، وقد روي من أصاب مالا من نهاوش وهو بمعناه). وفسره السلف بمن جمع مالا من جهات مختلطة لا يعل حلها وحرمتها قطعه الله عليه من الهوش والهر، وإن لم يسمع نهوش ونهبر لأن من الجموع ما لم يسمع له مفرد، وقد روي الحديث على وجوه متقاربة المعاني، فروي مهاوش بالميم وهو المشهور عن أهل اللغة، ويروى تهاوش بالمثناة وضم الواو، وروي بالنون وكسر الواو، وأنكره بعض أهل اللغة، وقالوا: إنها من غلط الرواة، وكلها ترجع إلى الهوش أي الاختلاط، وأما أن نهابر من الهبر بمعنى القطع فليس بمعروف في اللغة وإنما هو مستعار من النهابر والنهابير وهي تلال الرمل للمهالك ومنه قول "ابن العاص" "لعثمان" إنك بمنزلة من كلفهم ركوب تلال الرمل لأن

стр. 144

يعني بالمهاوش التخاليط وبالنهابر المهالك، وقد روي "من أصاب مالا من نهاوش" وهو في معناه. ــ المشي يشق عليها، والصحيح أن لها واحدن، وهو نهبور. وما ذكره من التشويش، وإن كان تبع فيه بعض أهل اللغة فقد أشتهر ووقع في كلام "الزمخشري" وأهل المعاني كقولهم لف ونشر مشوش، وقد شاع من غير نكير وفي شعر الطغرائي: (بالله يا يح إن مكنت ثانية ... من صدغه فأقيمي فيه واستتري) (وإن قدرت على تشويش طرته ... فشوشيها ولا تبقي ولا تذري) والعامة تقول لذؤابة الرأس: شوشة، وهي عامية قبيحة، وما أنكروه أثبته "الجوهري" فقال: التشويش التخليط وقد تشوش عليه الأمر. وكذا قال "الليث"، وقال صاحب "القاموس": إنه وهم. وقال "ابن بري": إنه من كلام المولدين ولا أصل له في العربية، إلا أن "الليث" أثبتها وهو ثقة، وهي لفظة مشوشة، سرى معناها إلى لفظها، كما قاله بعض مشايخنا، في "جزاف" وتثليث جيم جزاف.

стр. 145

[٣٠] الدعاء بقولهم: بلغك اف المأثور ويقولون في ضمن أذعيتهم لمن يخاطب أو يكاتب: بلغك الله المأثور، ويعنون به ما يؤثره المدعو له، فيوهمون فيه؛ إذ ليس هو في معنى المؤثر ولا اشتقاق لفظه منه، لأن المأثور هو ما يأثره اللسان لا ما يؤثره الإنسان. واشتقاق لفظه من أثرت الحديث أي رويته، لا من آثرت الشيء أي اخترته، وعلى معنى الرواية فسر قوله تعالى: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر﴾ [المدثر: ٢٤] أي يرويه واحد بعد واحد وينقله مخبر إلى مخبر. ــ (بلغك الله المأثور) لا وجه لإنكاره كما لا يخفي، وقد أنطقه الله بالحق في آخر كلامه. ثم إنه أنكر قولهم: [ومن أوهامهم أيضا قولهم: قلب متعوب] ورجل مبغوض. وقال: ووجه القول: مبغض، أي لكونه من "أبغض" المزيد. قال "الجوهري": ما أبغضه شاذ، وفي حواشيه "لابن بري": إنما جعله شاذا لا يقاس عليه لأنه جعله من أبغض، والتعجب لا يكون من أفعل إلا بأشد ونحوه، وليس كما ظن، بل هو من بغض فلان إلي، وقد حكاه النحاة واللغويون وقالوا: يقال ما أبغضني له إذا كانت أنت المبغض له، وما أبغضني إليه إذا كان هو المبغض لك. اهـ. فعلم أنه له ثلاثيا إلا أن مبغوضا لم يسمع ولو سمع كان كان في الحذف والإيصال كمشترك، وفي "الأفعال للسرقسطي": بغض الشيء بغاضة صار بغيضا.
следующие страницы →