Полный текст (679 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
[١٢] آل حم وآل طس لا الحواميم والطواسين
ويقولون: قرأت الحواميم والطواسين. ووجه الكلام فيهما أن يقال: قرأت آل حم وآل طس.
كما قال "ابن مسعود" ﵀: "آل حم ديباج القرآن".
وكما روي عنه أنه قال: "إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن" وعلى هذا قول "الكميت بن زيد" في "الهاشميات".
ــ
(قرأت الحواميم والطواسين ووجه الكلام أن يقال قرأت آل حم وآل طس، كما قال "ابن مسعود" آل حم ديباج القرآن). قد تبع المصنف في هذا بعض من تقدمه، والصحيح خلافه فإنه ورد ما أنكره في الآثار، وسمع في فصيح الأشعار كقوله وأنشده "أبو عبيدة":
(حلفت بالسبع اللواتي طولت ... وبمئين بعدها قد أمنيت)
(وبمثان ثنيت وكررت ... وبالطواسين اللواتي ثلثت)
стр. 72
(وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقئ ومعرب)
يعني بالآية قوله تعالى في حم عسق ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾.
ــ
(وبالحواميم اللواتي سبعت ... وبالمفصل التي قد فصلت)
وهذا حجة على من أنكره، وقال "ثعلب" في "أماليه": الطواسين مثل القوابيل جمع قابيل، وحكى الطواسيم أيضاً على أن الميم بدل من النون وأنشد الرجز السابق كذلك، وقد يستعمل جمعه من غير آل، وأنشد "ابن عساكر" في "تاريخه":
(هذا رسول الله في الخيرات ... جاء بين وحميمات)
وروي له جمع آخر وعن "سيبويه" في نحو طس [مما كان] على وزن مفرد كقابيل يجعل اسماً فتجوز حكايته وإعرابه ومعاملته معاملة الأسماء، وقال "العبسي" في السجاد وقد قتله:
стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(يذكرني حم والرمح شاجر ... فهلا تلا حم قبل التقدم)
فأعرب حم ومنعها الصرف بخلاف ما ليس فيه إلا الحكاية نحو كهيعص، وقوله: ديباج القرآن يعني زينته لما فيها من أمور الآخرة، والروضة معروفة، ودمثات جمع دمثة أي لينة سهلة، ومعنى أتأنق فيها أنتزه بالنظر لما فيها من أنيق المعاني التي هي كالأنوار والثمار.
واعلم أن آل في قوله آل حم ليس بمعنى الآل المشهورة الذي مر بيانه وهو الأهل، بل هو لفظ يذكر قبل ما لا يصح تثيته وجمعه من الأسماء المركبة ونحوها كتأبط شراً فإذا أرادوا تثنيته أو جمعه وهو جملة لا يتأتى فيها ذلك، إذا لم يعهد مثله في كلام العرب زادوا قبله لفظة آل أو ذو، فيقال: جاءني آل تأبط شراً أو ذو تأبط شراً، أي الرجلان أو الرجال المسمون بهذا الاسم.
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما قالوا: آل حم بمعنى الحواميم فهو هنا بمعنى ذوو المراد به ما يطلق عليه، ويُستعمل فيه هذا اللفظ وهو مجاز عن الصحبة المعنوية، وفي كلام "الرضي" وغيره إشارة إلى هذا [إلا] أنهم لم يصرحوا بتفسيره. فعليك بحفظه فإنه من الفوائد التي لا توجد في غير كتابنا هذا.
(وعلى هذا قوله:
(وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقي ومعرب)
هذا من قصيدة "للكميت بن زيد" في "هاشمياته" وهي قصائد في مدح أهل البيت أفردها بالتدوين لمغلاته في محبتهم، وأولها:
(طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب ... ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب)
(ولم يلهني دلّ ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب)
(ولا أنا ممن يزجر الطير همُّه ... أصاح غرابٌ أم تروَّغ ثعلب)
(ولا السائحات البارحات عشية ... أمَرَّ صحيح القرن أم مرّ أعضب)
(ولكن إلى أهل الفضائل والنهى ... وخير بني حواء والخير يطلب)
(إلى النفر البيض الذين يحبهم ... إلى الله فيما نابني أتقرب)
(بني هاشم رهط النبي فإنني ... بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب)
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهي طويلة وفيها شواهد منها قوله: وجدنا لكم في آل حم. البيت. والمراد بالمعرب المظهر لمحبته لآل الرسول ﷺ ، من أعرب بحجته إذا أفصح بها ولم يخش أحداً، ويقابله التقيّ، وهو من يتقي ذلك فيخفيه، وإخفاؤه يُسمَّى تقية، والمراد بالآية قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ والمراد بتأويلها معرفة ما يؤول إليه من لزوم محبة أهل رسول الله وخاصته من بني هاشم فإنه لا ينكره مسلم، وخطاب لكم لبني "فاطمة" السابق ذكرهم.
стр. 76
[١٣] تعدية أدخل بالباء
ويقولون: أدخل باللص السجن، فيغلطون فيه، والصواب أن يقال: أدخل اللص السجن، أو دُخل به السجن.
لأن الفعل يُعدَّى تارة بهمزة النقل كقولك: خرج وأخرجته وتارة بالباء
ــ
(يقولون: أدخل باللص السجن، فيغلطونه فيه، والصواب أن يقال: أدخل اللص السجن أو دخل به السجن).
إن كانت الباء للتعدية فالأمر كما قال، وإن كانت زائدة كما في الآية فالأمر سهل.
وقد قرئ قوله تعالى: ﴿يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار﴾ بضم الياء التحتية على زيادة الباء الموحدة، وهو كقولهم: بعينه.
(فقال الأكثرون: هما بمعنى واحد، وقال "المبرد": بينهما فرق، وهو أنك إذا قلت: أخرجت زيداً كان بمعنى حملته على الخروج، وإذا قلت: خرجت به فمعناه أنك خرجت واستصحبته).
وقيل: الهمزة أعمُّ من الباء، وفي "المثل السائر": "كل من ذهب بشيء فقد أذهبه وليس كل من أذهب شيئاً ذهب به". وقد وافق "المبرد" جماعةٌ منهم "السهيلي" ورده "ابن هشام" بهذه الآية، وبأن الهمزة والباء يتعاقبان، ولهذا لم يجز
стр. 77
كقولك: خرج وخرجت به، فأما الجمع بينهما فممتنع في الكلام كما لا يجمع بين حرفي استفهام، وقد اختلف النحويون: هل بين حرفي التعدية فرق أم لا؟ فقال الأكثرون: هما بمعنى واحد، وقال "أبو العباس المبرد": بل بينهما فرق، وهو أنك
ــ
أقمت بزيد ولو أفادت الباء ما تفيده الهمزة مع زيادة جاز الجمع بينهما؛ لأن اجتماع حرفين في أحدهما زيادة غير مستنكر نحو لقد، وهذا غير جائز، وقيل: إن الحق الفرق بينهما لولود الباء في مواطن الأخذ والاستصحاب، وقد استعمل كل منهما في مقام الآخر فإذا تعذر المعنى الحقيقي كما في قوله تعالى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ الآية، وجب المصير إلى التجويز، ولهذا قال نجم الأئمة "الرضي": الباء في هذه الآية للتوكيد كأنه لما أذهبه ذهاباً لا يرد كان كمن استصحبه [فإن من استصحب] شيئاً لا يفارقه فأتى بالياء إشارةً إلى عدم الرد، فهو كما قيل: مجازٌ متفرع على الكناية. وإنما لم يجز جمع التعديتين لأن استعمال كل منهما في مقام غير مقام الآخر صيرهما كالمتنافيتين، وفي "الجني الداني": وأجيب عن الرد بالآية بأنه تعالى وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به كما وصف نفسه بالمجيء في قوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك﴾ وهو ظاهر البعد اهـ. وفي الكشاف: الفرق بين أذهب تعالى: ﴿وجاء ربك والملك﴾ وهو ظاهر البعد اهـ. وفي الكشاف: الفرق بين أذهب وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً، ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى معه، وذهب السلطان بماله: أخذه ﴿إذاً لذهب كل إله بما خلق﴾. ومنه ذهبت به الخيلاء، والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه ﴿وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾، وفيه إشارة إلى الجواب عن الآية، وأنه معنى آخر لذهب مع الباء لا محذور في نسبته إليه تعالى.
стр. 78
إذا قلت: أخرجت زيداً كان بمعنى حملته على الخروج، فإذا قلت: خرجت به، بمعناه أنك خرجت واستصحبته معك.
ــ
وفيه كلام فصلناه في كتابنا "عناية القاضي".
ثم إن المصنف أورد ما يخالف مدعاه من قوله تعالى: ﴿تنبت بالدهن﴾ فقال: (أنبت بمعنى نبت، والهمزة فيها أصلية لا للنقل، كما قال "زهير":
(رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل)
هذا البيت من قصيدة "لزهير بن أبي سلمى" يمدح بها "سنان بن أبي حارثة" أولها:
(صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق والنقل)
وهي طويل، ومنها:
(إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال في الحجرة الأكل)
(رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل)
стр. 79
والقول الأول أصح، بدلالة قوله تعالى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ فإن اعترض معترض في جواز الجمع بين حرفي التعدية بقراءة من قرأ ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء تُنبِت بالدهن﴾ بضم التاء.
ــ
(هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن يسروا يعلوا)
(وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية بنثابها القول والفعل)
(على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل)
(وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل)
(وهل بنيت الخطِّي إلا وشيجه ... وتُغرس إلا في منابتها النخل)
الخ ...
وما ذكره المصنف من أن أنبت في بيت "زهير"، إحدى روايتين فيه. قال "السرقسطي" في "أفعاله": نبت البقل نباتاً وأنبت، وأنشد بيت "زهير" نبت بدون همزة، وقال: روى أنبت، وأنكره "الأصمعي".
ورأيت بفتح تاء الخطاب بتصحيح "الصاغاني" وهوظاهر. قال "الطيبي": وكثير ينشده بضم التاء، وذوو الحاجات الفقراء والمساكين. وقطين جمع قاطن بمعنى مقيم ويكون القطين بمعنى الخدم والأتباع أيضاً، يقول: ذوو الحاجات يقيمون حول بيوتهم
стр. 80
فقد قيل فيها عدة أقوال: أحدها أن أنبت بمعنى نبت والهمزة فيها أصلية لا للنقل كما قال زهير:
(رأيت ذوي الحاجات حول بيوتنا ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل)
فعلى هذا القول تكون هذه القراءة بمعنى من قرأ: (تنبت بالدهن) بفتح التاء، والمعنى أن الدهن ينبتها وقيل في القرآن: إن الباء زائدة كزيادته في قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلا التهلكة﴾ وكزيادتها في قول الراجز:
(نحو بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج)
ــ
لقضاء أوطارهم لأنها معاهد الكرم وموارد النعم، وكني بنبات البقل عن الخصب وزوال الجدب وحينئذ ينصرف المقلون من عندهم للانتجاع، ومعنى البيت الأخير أنه لا يلد الكريم إلا كريم ولا يترقى إلى موضع كريم إلا عظيم كما تنبت القناة إلا القناة ولا ينبت النخل في غير مغارسه فضرب ذلك مثلاً لأنهم كرماء أولاد كرماء، وهو في غاية البلاغة واللطف. والخطِّي بفتح الخاء: الرمح نسبه إلى الخط ساحل بالبحرين تنسب إليه الرماح، والوشيج بالمعجمة الأصل وعروق الشجر وسيأتي الكلام على الباء الزايدة. ثم أنشد شاهداً على زيادة الباء قول الراجز:
(نحن بنو ضبة اصحاب الفلج ... نضرب بالصيف ونرجو بالفرج)
وهو بيت لا يعرف قائله، ولم يُعز في شرح الشواهد، و"صبَّة" علم رجل، وهو عم أو ابن عم "التميم بن مر"، والفلج هنا بمعنى الظفر والفرح، ولم يحك فيه "الجوهري" غير سكون اللام، ولذا قال "الدماميني" في شرح "المغني" أن فتح اللام
стр. 81
فيكون تقدير الكلام على هذا التأويل: تنبت الدهن أي يخرج الدهن.
وقيل: إن الباء متعلقة بمفعول محذوف تقديره تنبت ما تنبته وفيه دهن، كما تقول: ركب الأمير بسفيه، أي وسيفه معه، وخرج زيد بثيابه، أي وثيابه عليه.
وقيل. وهو أحسن الأقوال: إنما زيدت الباء لأن إنباتها الدهن بعد إنبات الثمر الذي يخرج منه الدهن، فلما كان الفعل في المعنى قد تعلق بمفعولين يكونان في حال بعد حال، وهي الثمرة والدهن احتيج إلى تقويته في التعدي بالباء.
ــ
اتباعاً لفتح الفاء ضرورة، وهو من عدم الاطلاع؛ فإنه بفتحتين لغة أصلية فيه، وفي شرح العلامة "الزمخشري" لمقاماته الفلج، والفلج كالرشد والرشد الظفر وفلج على خصمه وفلجه بالحجة غلبة وفي المثل "من يأت الحكم وحده يفلج" وفي حديث "علي": "كالياسر الفالج" اهـ. (وقيل وهو أحسن الأقوال: إنما زيدت الباء لأن إنباتها الدهن بعد إنباتها الثمر الذي يخرج الدهن منه، فلما كان الفعل في المعنى قد تعلق بمفعولين يكونان في حال بعد حال وهما الثمرة والدهن احتيج إلى تقويته في التعدي بالباء). وقوله: الهمزة أصلية فيه تسمح. والمراد أنها في أصل بناء الكلمة لا عارضة للتعدية بقرينة قوله لا للنقل.
وقوله (تكون هذه القراءة بمعنى قراءة من قرأ تنبت بالدهن بفتح التاء) هذا على ما اختاره، فأما إذا قيل أن الباء للتعدية على الفتح ومتعلقة بمحذوف، وهو حال أي تنبت ثمرتها دهنه، فلا يكونان بمعنى، وعلى الحالية هو كخرج بسلاحه أن متسلحاً، فموضع الباء وما بعدها نصب على الحال، ولو كانت الباء للتعدية كان معناه أخرج السلاح، وإن جعلت الباء زائدة في الضم تشارك المعنيان. وقوله (والمعنى إن الدهن ينبتها) [ليس بصحيح، بل المعنى أنها تنبت الدهن إذا الدهن لا ينبتها] وإنما ينبتها الماء والقلب بعيد،
стр. 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله (احتيج إلى تقوية في التعدي بالباء) هو بعينه كلام "الجوهري"، و [قد] قيل عليه: إنه غلط منه وممن تأوله، لأن الباء ليست للتعدية هنا عند أحد من النحويين على ضم التاء. وإنما هو على أن المفعول محذوف والجار والمجرور حال والتقدير تنبت ثمرتها ودهنها فيها فليس ها هنا مفعولان يكون التعدي إلى الثاني بالباء، وإنما هو مفعول وحال اهـ.
واعلم أن صاحب "اللباب" قال: باء المصاحبة لا تكون إلا ظرفاً مستقراً ولا مانع من الإلغاء فيها عندي كما في باب الاستعانة، فإذا قلت اشترى الفرس بسرجه جاز تعلق الباء باشترى على جهة المصاحبة كما: كتبت بالقلم فإن وجوه التعلق مختلفة فحينئذ لنا أن نقول: الباء متعلقة بتنبت معدية له لأن التعلق والتعدي يكونان بمعنى. فلا يرد رد "ابن بري" على المصنف و"الجوهري"، ولا يبعد أن يتعدى أنبت بالباء لمفعول ثان وإسناد الشيء إلى ما ذكر مجاز.
стр. 83
[١٤] القول في مائدة وخوان
ويقولون لما يُتَّخذ لتقديم الطعام عليه: مائدة، والصحيح أن يقال له: خوان إلى أن يحضر عليه الطعام فيسمى حينئذٍ مائدة، يدل على ذلك أن الحواريين حين تحدوا "عيسى". ﵇. بأن يستنزل لهم طعاماً من السماء، فقالوا: ﴿هل يستطيع ربك أن يُنَّزل علينا مائدة من السماء﴾ ثم بينوا معنى المائدة بقولهم: ﴿نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا﴾.
ــ
(ويقولون لما يُتَّخذ لتقديم الطعام عليه: مائدة، والصحيح أن يقال له: خوان إلى أن يحضر الطعام فيسمى: مائدة).
لا مانع من أطلاقه عليه باعتبار أنه وضع عليه أو سيوضع مجازاً، والأمر في مثله سهل، ولذا منع بعضهم دلالة مقالة الحواريين على مدَّعاه، وحكاية "الأصمعي" على ما ذكره من تسمية المحضر عليه الطعام مائدة، لجواز أن تكون المائدة نفس الطعام، و"من" في قوله تعالى: ﴿نريد أن نأكل منها﴾ تبعيضية لا ابتدائية، وقد نقل عن "الأخفش" و"أبي حاتم" أن المائدة نفس الطعام وإن لم يكن معه خوان كما نقله في "التقريب"، فقول المصنف إثباتاً لما ادعاه: (ثم بينوا اسم المائدة بقولهم: نريد أن نأكل منها) ليس بمسلمٍ كما لا يخفى.
اختلاف الأسماء باختلاف الأوصاف:
ثم ذكر ألفاظاً تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها فقال: (فمن ذلك أنهم لا يقولون للقدح: كأسٌ إلا إذا كان فيها شراب) هذا برمته من كتاب "فقه اللغة"، وأكثره مدخول، فالكأس لا تطلق على الإناء بل على الشراب وعلى مجموعهما، فيقال كأس لمملوءة شراباً. قال تعالى: ﴿يسقون فيها كأساً﴾ و ﴿كأساً من معين﴾ وإطلاقه على ما فيه مجاز بعلاقة الحلول، وإطلاقه عليها فارغة حقيقة أو مجاز في إطلاق المقيد على المطلق وقوله:
стр. 84
وحكى "الأصمعي" قال: غدوت ذات يوم إلى زيارة صديق لي فلقيني "أبو عمرو بن العلاء" فقال لي: إلى أين يا "أصمعي" فقلت: إلى صديق لي فقال: إن كان لفائدة أو لعائدة أو لمائدة وإلا فلا.
وقد اختلف في تسميتها بذلك فقيل: سميت به لأنها تميد بما عليها، أي تتحرك مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم﴾ وقيل: بل هو من ماد اي أعطى، ومنه قول رؤبة بن العجاج:
إلى أمير المؤمنين الممتاد أي المستعطي. فك أنها تميد حواليها مما أحصر
ــ
(أصبحت ألطف من مرس النسيم سرى ... على الرياض يكاد الوهم يؤلمني)
(من كل معنى لطيف أجتلي قدحاً ... وكل ناطقة في الكون تطربني)
فإن سُلِّم أن القدح يختص بما ليس فيه شراب فهو مجاز أيضاً باعترا ما كان عليه أو ما يؤول إليه. وأما قوله (ولا للبئر ركية إلا إذا كان فيها ماء ولا للدلو سجل إلا وفيها ماء وإن قل. ولا يقال لهما ذنوب إلا إذا كانت ملأى).
فقد قال "الجوهري".: الركية البئر من غير تفرقة بين ما فيها ماء وما ليس فيها ماء، وفي "المطالع" سوّى بين السجل والذنوب والتجويز فيه سهل ظاهر، وقوله: (ولا يقال للبستان: حديقة إلا إذا كان عليه حائط). وهو أحد قولين لأهل اللغة فيه وفي "عمدة الحفاظ" في تفسير قوله تعالى: ﴿حدائق وأعنابا﴾: إن الحديقة القطعة من الأرض المستديرة ذات النخل والماء تشبيهاً بحدقة الإنسان في الهيئة. وفي "الصحاح" إنها الروضة ذات الشجر من غير تفرقة بين ما أحاط به الحائط وغيره، وإن كان أصله بحسب الاشتقاق
стр. 85
عليها وقد أجاز بعضهم أن يقال فيها: ميدة. واستشهد عليه بقول الراجز:
(وميدة كثيرة الألوان ... تصنع للجيران والإخوان)
[مطلب مفيد]
وفي كلام العرب أشياء تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها. فمن ذلك أنهم لا يقولون للقدح: كأس إلا إذا كان فيه شراب. ولا للبئر: ركيَّة إلا إذا كان فيها ماء ولا للدلو: سجل إلا وفيها ماء ولو قل، ولا يقال لها: ذنوب إلا إذا
ــ
يقتضيه لأنه من أحدق به إذا أحاط وطاف به كما قاله "ابن دريد" وأنشد.
(المنعمون "بنو حرب" وقد حدقت ... بي المنية واستبطأت أنصاري)
وقوله: (لا يقال للمجلس ناد وفيه أهله). فليس بمُسلَّم لجواز إلا إطلاقه على غيره مجازاً كما يطلب على أهله كما في قوله تعالى: ﴿فليدع ناديه﴾ وكذلك المجلس في قوله:
(نبئت أن النار بعدم أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس)
وقيل: إنه على تقدير مضاف اي أهل نادية وأهل المجلس.
стр. 86
كانت ملأى، ولا يقال أيضاً للبستان: حديقة إلا إذا كان عليه حائط، ولا للإناء: كوز إلا إذا كانت له عروة وإلا فهو كوب، ولا للمجلس: نادٍ إلا وفيه أهله، ولا للسرير: أريكة إلا إذا كانت عليه حجلة، ولا للمرأة: ظعينة إلا ما دامت راكبة في المهودج، ولا للستر: خدر إلا إذا اشتمل على امرأة، ولا للقدح: سهم إلا إذا كان فيه نصل وريش، ولا للطبق: مهدى إلا ما دامت فيه الهدية، ولا للشجاع: كمي إلا إذا كان شاكي السلاح، ولا للقناة: رمح إلا إذا ركِّب عليها السنان. وعليه قول "عبد القيس خفاف بن البرجمي":
(وأصبحت أعددت للنائبات ... عِرضا بريئاً وغضباً صقيلا)
(ووقع لسانٍ كحد السنان ... ورمحاً طويل القناة عسولا)
ــ
وقوله: (ولا للسرير أريكة إلا إذا كانت عليها حجلة) قال "ابن بري": قد سموا الفراش أرائك كما في قوله:
(خدود خفت في الستر حتى كأنما ... تناشرن بالغراء دمس الأرائك)
وقوله: (ولا للمرأة ظعينة إلا ما دامت راكبة في ال هودج ولا للستر خدراً إلا إذا اشتمل على امرأة).
في "النهاية" الظعينة المرأة في الهودج ويقال للمرأة بلا هودج وللهودج بلا امرأة، وفي "الجمهرة" الخدر خدر المرأة وهو ثوب يمدر في عرض الخباء تستتر به المرأة، ثم كثر في كلامهم فصار كل ما واراك خدراً. والهودج محمل معروف [وقول "عبد القيس بن خفاف البرجمي":
стр. 87
ولو كان الرمح هو القناة لقال: رمحاً طويلاً لأن الشيء لا يضاف إلى ذاته. ومن هذا النمط أيضاً أنه لا يقال للصوف: عهن إلا إذا كان مصبوغاً، ولا للسرب: نفق إلا إذا كان مخروقاً، ولا للخيط: سمط إلا إذا كان فيه نظم، ولا للحطب: وقود إلا إذا اتقدت فيه النار، ولا للثوب: مطرف إلا إذا كان في طرفه علمان، ولا لماء الفم: رضاب إلا ما دام في الفم، ولا للمرأة: عانس ولا عاتق إلا ما دامت في بيت أبويها، وكذلك لا يقال للأنبوبة: قلم إذا إذا بُريت.
وأنشدني أحد شيوخنا ﵏ "لأبي الفتح كشاجم":
ــ
(وأصبحت أعددت للنائبا ... عرضاً بريئاً وعضباً صقيلا)
(ووقع لسان كحد السنا ... ورمحاً طويل القناة عسولا)
خُفاف كغُراب علم والبرجمي بفتح الموحدة وسكون الراء وجيم وميم نسبة للبراجم وهم قوم من تميم، وعسول بمعنى متحرك ومضطرب، ولذا قيل للرمح عسل ومعسال.
وقوله: (لأن الشيء لا يضاف إلى ذاته)، أي نفسه ليس بصحيح لأنه من إضافة العام إلى الخاص كشجر الأراك، ولو كان رمح القناة صح ما توهمه.
[ولا يقال للشجاع: كمي إلا إذا كان شاكي السلاح] الكمي الشجاع مطلقاً ولابس السلاح من كمي بمعنى استتر.
قال "السهلي": سمي به لأن من شأنه أن يخفي شجاعته فلا يظهرها إلا في محلها، وشاكي السلاك بمعنى تام السلاح، وقيل السلاح مشبه بالشوك، ويقال: شاك بكسر الكاف وضمها فمن كسره جعله منقوصاً مثل قاضي وفيه قولان، قيل: أصله شائك فقلب كهار واشتقاقه من الشوك. وقيل [أصله] شاكك من الشكة مشددة وهي السلاح أبدل ثاني مثليه حرف علة للتخفيف وأعل إعلال قاض. وضمُّه على وجهين: أحدهما أن
стр. 88
(لا أحب الدواة تحشى يراعا ... تلك عندي من الدوى معيبه)
(قلمٌ واحدٌ وجودة خط ... فإذا شئت فاستزد أنبوبه)
(هذه قعدة الشجاع عليها ... سيره دائباً وتلك جنيبه)
ــ
أصله شوك فانقلبت واوه ألفاً، وقيل: هو محذوف من شائك كما قيل هارٌ بضم الراء، وفيه لغة ثالثة شاكّ بتشديد الكاف من الشكة لا غير كما في شرح "أدب الكاتب" "لابن السيد".
"لأبي الفتح كشاجم":
(لا أحب الدواة تحشى يراعاً ... تلك عندي من الدويّ معيبه)
الخ الأبيات.
و"كشاجم" شاعر مشهور في "توضيح ابن هشام" أنه بفتح الكاف، وفي "القاموس" أنه بضمها كعلابط علم مرتجل. قالوا: إنه مأخوذ من صفاته وصناعاته فالكاف من كاتب والشين من شاعر والألف من أديب والجيم من جميل والميم من منجم، ومعنى الشعر ظاهر، أي لا أحب كثرة الأقلام في الدواة، وتحشى من الحشو المعروف، ودوي بضم الدال وكسرها للاتباع وكسر الواو وتشديد الياء جمع دواة، بل يلقى قلمان لها يكون أحدهما كالفرس يركب للسير عليه والآخر يجنب للحاجة إذا اقتضته. ووجه كونه لا يسمى قلماً حقيقة ما لم يبر ويقطع لأنه مأخوذ من القلم وهو القطع، وقيل لأعرابي: ما القلم؟ فقال لا أدري فقيل له: توهمه، فقال: عود قلم من جانبيه كتقليم الظفر فسمى قلماً.
ثم عقب هذا بما يناسبه فقال:
стр. 89
[١٥] في النسب إلى دواة
ويقولون لمن يحمل الدواة: دواتي بإثبات التاء. وهو من اللحن القبيح والخطأ الصريح. ووجه القول أن يقال فيه: دووي لأن تاء التأنيث تحذف في النسب كما يثال في النسب إلى فاطمة فاطمي وإلى مكة مكي، وإنما حذفت لمشابهتها ياء النسب من عدة وجوه. أحدهما أن كلتيهما تقع طارفة فتصير هي حرف الإعراب ويجعل ما دخلت عليه حشواً في الكلمة.
والوجه الثاني أن كل واحدة منهما قد جعل ثبوتها علامة للواحد وحذفها علامة للجمع، فقالوا في تاء التأنيث: تمرة وتمر، كما قالوا في ياء النسب: زنجية وزنج.
والوجه الثالث أن كل واحدة منهما إذا التحقت بالجمع الذي لا ينصرف صيَّرته منصرفاً نحو: صيارف وصيارفة، ومدائن ومدائني، فلما اشتبها من هذه الأوجه الثلاثة لم يجز أن يجمع بينهما كما لا يجمع بين حرفي معنى في كلمة واحدة.
ولما حذفت التاء بقي الاسم على "دوا" الموازن للثلاثي المقصور، فقلبت ألفه واواً كما تقلب في الثلاثي المقصور، فقيل: دووي، كما قالوا في النسب إلى فتى: فتوي، ولا فرق في هذا الموطن بين الألف التي أصلها الواو كألف "قفا" المشتق من قفوت، والألف التي أصلها الياء كألف ٥ "حمى" المشتق من حميت، وحكمها فيه بخلاف حكمها في التثنية التي ترد فيها الألف إلا أصلها، كقولك في تثنية "قفا": قفوان، وفي تثنية "حمى": حميان.
ــ
(ويقولون: داوتي لمن يحمل الدواة بإثبات التاء وهو من اللحن القبيح والخطأ الصريح ووجه القول فيه: دووي).
هذا من اللحن الذي لا يصدر عن كثير من العوام فضلاً عن الخواص، ولا خلاف في أنه خطأ وإنما الخلاف في علته. فقال المصنف: لأن التاء تشبه ياء النسب لما ذكره، فلو جمع بينهما كان كالجمع بين المثلين. وقال "ابن بري" إن الاسم لما نقل عن مسماه إلى
стр. 90
والفرق بين الموضعين أن علامة التثنية خفيفة وما قبلها يكون أبداً مفتوحاً، فلا يجتمع في الكلمة المثناة ما يثقل، وعلامة النسب ياء مشددة تقولم مقام يائين، وما قبلها لا يكون إلا مكسوراً، فلو قلبت الألف في النسب ياء لتوالى في الكلمة من الكسر والياءات ما استثقل التلفظ بها لأجله.
ــ
المنسوب دخل في حيّز الصفات التي تذكَّر وتؤنث فأسقطت لئلا يجتمع علامتا تأنيث فيما إذا نسب المؤنث إلى مؤنث آخر كما لو قيل فاطميته، وهو قبيح ثقيل، وأيضاً [يلزم] وقوع تاء التأنيث حشواً وهي لا تكون كذلك.
стр. 91
[١٦] قولهم: بعثت به وأرسلت إليه
ويقولون بعثت إليه بغلام وأسلت إليه هدية، فيخطئون فيهما لأن العرب تقول فيما يتصرف بنفسه بعثته وأرسلته كما قال تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا﴾ وتقول فيما يحمل بعثت به وأرسلت به كما قال عن "بلقيس" ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية﴾ وقد عيب على "أبي الطيب" قوله:
ــ
(ويقولون: بعثت إليه بغلام وأرسلت إليه هدية، فيخطئون فيهما؛ لأن العرب تقول: فيما يتصرف بنفسه: بعثته وأرسلته. كما قال الله تعالى: ﴿ثم أرسنا رسلنا﴾.
(ويقولون فيما يحمل: بعثت به وأرسلت به). ما زعمه ممنوعاً صرح "ابن جني" بجوازه في شرح "ديوان المتنبي"، وليس الفرق ما ذكره كما سنذكره. وقال "ابن بري": بعثت يقتضي مبعوثاً متصرفاً كان أو لا. تقول بعثت زيداً بغلام وبكتاب، فلهذا لزمته الباء وكذا أرسلت يقتضي مرسلاً ومرسلاً به متصرفاً كان أو غير متصرف، فلا إنكار لما أنكره المصنف، وليه قول "النابغة الجعدي":
(فإن يكن ابن عفان أميناً ... فلم يبعث بك البر الأمينا)
وقد عيب على "أبي الطيب" قوله:
стр. 92
(فآجرك الإله على عليل ... بعثت إلى المسيح به طبيبا)
ومن تأوَّل فيه قال: أراد به أن العليل لاستحواذ العلة على جسمه وحسه قد
ــ
(فآجرك الإله على عليل ... بعثت إلى المسيح به طبيبا)
وهو من قصيدة له يمدح بها "علي بن سيَّار" وكان له وكيل يتعرض للنظم فأرسله إلى "أبي الطيب" بقصيدة مدحه بها فلما أتاه قال هذه القصيدة وأولها:
(ضروب الناس عشاق ضروبا ... فأعذرهم أشفهم حبيبا)
[ومنها فآجرك الإله البيت وبعده].
(ولست بمنكر منك الهدايا ... ولكن زدتني فيها أديبا)
وقد حمل ما قاله "المتنبي" على أنه جعله من جملة الظرف والتحف المهداة له، ويشهد له ما بعده من قول: "ولست بمنكر" البيت، وما ذكره من تنزيله منزلة ما لا يعقل لا يناسب المقام كما يشهد له الذوق، ومثله قول "الخوارزمي" في قصيدة له:
(وما كنت في تركيك إلا كتارك ... طهوراً وأرضى بعده بالتيمم)
стр. 93
التحق بحيِّز ما لا يتصرف بنفسه. فلهذا عُدِّي الفعل إليه بحرف الجر كما يعدي إلى ما لا حس له ولا عقل.
ــ
(وذي علة يأتي طبيباً ليشتفى ... به وهو جار للمسيح بن مريم)
(ولم أر قبلي من يحارب بخته ... ويشكو إلى البؤس افتقاد التنعم)
(ولا أحد يحوي مفاتيح جنة ... ويقرع بالتطفيل باب جهنم)
стр. 94
[١٧] قولهم المشورة بوزن مفعلة خطا
ويقولون: المشورة مباركة فيبنونها على مفعلة.
والصواب أن يقال فيها مشورة على وزن مثوبة ومعونة كما قال "بشار":
(إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي لبيب أو فصاحة حازم)
(ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي رافدات القوادم)
وكان الأصل في مشورة مضورة على وزن مفعلة مثل مكرمة فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها وسكنت هي فقيل مشورة.
ــ
(ويقولون: المشورة مباركة فيبنونها على مفعلة) بفتحات لغير ثانية الساكن وآخره المعرب. (والصواب أن يقال: مشورة على وزن مثوبة ومعونة). ما ذكره ليس بصواب قال "ابن بري": أصل مثوبة مثوبة على وزن مفعلة بضم العين وقد قرأ بها "مجاهد". وضم الشين والثاء فيهما هو القياس، وقد حكى أهل اللغة فيهما الإسكان أيضاً تنبيهاً على أصله وإن شذَّ، وبهما نطقت العرب وقد قرى به ووردت المشورة على أصلها في حديث البخاري.
فالمشورة بالفتح وردت في فصيح الكلام على أنها من بابين، أو الفتح للتخفيف، أو
стр. 95
واختلف في اشتقاق اسمها فقيل: إنه من قولك: شرت العسل أشوره إذا جنيته فكأن المستشير يجتني الرأي من المشير، وقيل: بل أخذ من قولك: شرت الدابة إذا أجريتها مقبلة ومدبرة لتسبر حضرها وتخبر جوهرها، فكأن المستشير يستخرج الرأي الذي عند المشير، وكلا الاشتقاقين يتقارب معناه من الآخر ويلتحم به.
ــ
الفرار من ثقل الضمة على الواو، وفي "المصباح" المشورة فيها لغتان سكون الشين وفتح الواو وضم الشين وسكون الواو كمعوتة اهـ وكذا في "طلبة الطلبة" "للنسفي" وفي "الدر المصون" المثوبة فيها قولان:
أحدهما: أن وزنها مفعولة وأصلها مثووبة نقلت ضمة الواو لما قبلها وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وهو من المصادر التي جاءت على وزن مفعول كمعفول كما قاله "الوا حدي".
والثاني: أنها مفعلة بضم الواو نقلت ضمتها لما قبلها، ويقول مثوبة بسكون الثاء وفتح الواو، وكان من حقها الإعلال، وأن يقال: مثابة كمقامة، إلا أنهم صححوها كما صححوا في الأعلام، وبذلك قرأ "أبو السماك" مثوبة كما قيل مشورة. اهـ. فكيف يتجه تصويبه؟
وقد قرى بهما في القرآن المجيد ولو شذوذاً، فما هذا إلا من التربع في قصور القصور.
стр. 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال "الميداني" - في المثل: "أول الحزم المشورة" - إنه روي بالوجهين وهما لغتان.
والمشورة من شرت العسل واشترته، إذا اجتنيته من خلاياه؛ لأن المشاور يجتني شهد الصواب.
(قال "بشار"
(إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم)
هذا البيت من نتفة له كما طالعته في ديوانه وهي برمتها:
(إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي لبيب أو نصيحة حازم)
(ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي رافدات القوادم)
(وخل الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوماً فإن الحزم ليس بنائم)
(وما خير كفٍّ أمسك الغل أختها ... وما نفع سيف لم يؤيد بقائم)
(وحارب إذا لم تعط إلا ظلامة ... شبا الحرب خير من قبول المظالم)
(وأدن إلى القربى المقرب نفسه ... ولا تشهد الشورى امرءاً غير كاتم)
(فإنك لم تستطرد الهم كالمنى ... ولم تبلغ العليا بغير المكارم)
(وما قارع الأقوام مثل مشيع ... أريب ولا جلى العمى مثل عالم)
стр. 97
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والقوادم والقدامى - كحباري - أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح، واحدته قادمة. والخوافي ريش إذا إذا ضم الطائر جناحية خفيت، أو الأربع اللواتي بعد المناكب، أو سبع ريشات بعد السبع المقدمات.
وروي: مسعدات بدل رافدات.
[وحضر الفرس بالحاء المهملة المضمومة والضاد المعجمة الساكنة، يليها راء مهملة ارتفاع عدوه وشدة جريه].
[وليس فيما ذكره شاهد لما ادعاه لما عرف فيه].
стр. 98
[١٨] قولهم في التحذير بإياك
ويقولون في التحذير: إياك الأسد إياك الحسد. ووجه الكلام إدخال الواو على الأسد والحسد كما قال النبي ﷺ : "إياك ومصاحبة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد ويبعد عنك القريب" وكما قال الشاعر:
(فإياك والأمر الذي إذا توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر)
والعلة في وجوب إثبات الواو في هذا الكلام أن لفظة إياك منصوبة بإضمار فعل تقديره اتق أو باعد، واستغنى عن إظهار هذا الفعل لما تضمن هذا الكلام من
ــ
(ويقولون في التحذير: إياك الأسد وإياك الحسد ووجه الكلام إدخال الواو على الأسد والحسد). هذا من جملة هناته قال "ابن مالك" في "التسهيل": لا يحذف العاطف بعد إياك والمحذور منصوب بإضمار ناصب آخر أو مجرور بمن وفي شرحه "للمرادي" مثال المنصوب إياك الشر، ولا يجوز أن يكون الشر منصوباً بما انتصب به إياك بل بفعل آخر تقديره دع الشر، وهذا مذهب الجمهور ومن ذلك قوله:
(فإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء وللشر جالب)
стр. 99
معنى التحذير، وهذا الفعل إنما يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا كان قد استوفى عمله ونطق بعده باسم آخر لزم إدخال حرف العطف في معموله عليه، كما لو قلت: اتق الشر والأسد، اللهم إلا أن يكون المفعول الثاني حرف جر كقولك إياك من الأسد، أي باعد نفسك من الأسد.
ــ
فأضمر بعد إياك ناصباً تقديره اتق. قال "ابن عصفور": إن حذفت الواو لم يلزم إضمار الفعل نحو قوله: فإياك إياك المراء البيت. ولو كان في الكلام لجاز إضمار هذا الفعل، وقال "ابن يعيش": المراد في البيت والمراء فحذف حرف العطف، أو من المراء فحذف حرف الجر، وقال "أبو البقاء": المختار عندي أن يقدر له فعل يتعدى إلى مفعولين نحو جنب نفسك الشر، فإياك في موضع نفسك اهـ.
وفي "كتاب سيبيويه" لو قلت إياك الأسد تريد من الأسد لم يجز كما جاز في أن، إلا أنهم زعموا أن "ابا إسحاق" أجاز هذا البيت: فإياك إياك المراء فإنه.
كأنه قال: إياك ثم أضمر بعد إياك فعلاً آخر فقال: اتق المراء، وقال "الخليل" لو أن رجلاً قال: إياك نفسك لم أعنفه اهـ. وبما قرع سمعك من كلام هؤلاء الفحول تعلم
стр. 100
فإن قيل: فكيف يجوز أن يقال إياك والأسد فيأتي بالواو التي معناها الجمع بين الشيئين، وأنت إنما أمرته أن يباعد نفسه ولم تامره أن يباعد الأسد، فالجواب عنه أنه إذا باعد نفسه من الأسد كان بمنزلة تبعيده الأسد، وقد جوز إلغاء الواو عند تكرير لفظة إياك كما استغنى عن إظهار الفعل مع تكرير الاسم في مثل قولن: الطريق الطريق وأشباهه، وعليه قول الشاعر:
(فإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء وللشر جالب)
فإن قلت: إياك أن تقرب الأسد فالأجود أن تلحق به الواو لأن أن مع الفعل بمنزلة المصدر فأشبهه قولك إياك ومقاربة الأسد، ويجوز إلغاء الواو فيه، على أنه
ــ
أن ما منعه المصنف أجازه (الخليل) وغيره من أئمة العربية على تقدير عامل آخر، أو فعل يتعدى لمفعولين، وإنما يمتنع على تقدير عامل واحد لئلا يحذف الجار أو العاطف، ولا يمتنع مطلقاً، وإن أوهمه كلام "ابن الحاجب" وغيره، وهذا تحقيق المقام بما يميط عنه لثام الشبه والأوهام، ومن الناس من قال: الكلام هنا على ما ذكره المصنف من وجوده:
الأول: أنا لا نسلم امتناع إياك الأسد، وإن سلم امتناعه على تقدير ناصب لكلا الجزئين فقد قال "ابن مالك": يقال إياك الأسد على تقدير أحذرك الأسد قائلاً بأنه مما وجب حذف فعله، وامتناع الشيء على تقدير لا ينافي صحته على تقدير آخر.
الثاني: أن دعواه حذف الواو في البيت غير متعينة لأن فيه احتمالين آخرين أحدهما ما نقله "الحديثي" عن "سيبويه" من أن إياك إياك مشتغل بالتحذير، وقد تم بفعله الواجب تقديره، ثم شرع في كلام آخر غير متعلق به فقال المراء أي احذر المراء، وهو مما جاز حذف عامله لأنه محذر منه مفرد، وثانيهما أن يكون المراء بدلاً كما فعل
стр. 101
تكون أن وما بعدها من الفعل للتعليل وتبيين سبب التحذير فكأنك قلت: أحذرك لأجل أن تقرب الأسد وعليه قول الشاعر:
(قبح بالسرائر في أهلها ... وإياك في غيرهم أن تبوحا)
فائدة:
ومما ينخرط في سلك هذا الفن أنهم ربما أجابوا المستخبر عن الشيء بلا النافية ثم عقبوها بالدعاء له فيستحيل الكلام إلى الدعاء عليه كما روي أن "أبا بكر الصديق" ﵁ رأى رجلاً بيده ثوب فقال له: أتبيه هذا الثوب؟ فقال: لا وعافاك الله فقال: لقد عُلِّمتم لو تتعلمون هلا قلت: لا وعافاك الله؟
ــ
بعضهم أن تحذف بدلاً من إياي في إياي أن يحذف لا مسبوقاً بمن المقدرة، وبهذين الاحتمالين بطل استدلال من استدل بالبيت المذكور على جواز: "إياك الأسد" بحذف "من"، أو "الواو" لأنه إذا كان بدلاً لم يكن "من" ولا "الواو" مقدرة، كما لو كان منقطعاً عما قبله، على أن حذف الجار داخلاً على الاسم الظاهر في مثل هذا التركيب على غير قياس استعمال الفصحاء إياه. لكن لم يصدر هذا البيت من فصيح، ومثله يرد فلا يثبت به أصل من أصول العربية. كذا في بعض شروح "الكافيه".
وفي "شرح الشواهد" إن هذا البيت من أبيت "الكتاب" مع تسليم صحة الاستشهاد به، فهو مما صدر عن الصفحاء إلا أن يثبت أنه استشهد به على لغة غير فصيحة، وهو أمر لم يثبت بعد.
وقال "ابن بري": إنه "للفضل بن عبد الرحمن القرشي" يخاطب به ابنه، وقلبه:
(ومن ذا الذي يرجو الأباعد نفعه ... إذا لم تصلح عليه الأقارب)
стр. 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا كله خبط وخلط. وما ذكره المصنف غير وارد كما سمعته.
وقوله: (وهذا الفعل إنما يتعدى ... الخ) قد عرفت أنه يقدر له عامل آخر أو فعل يتعدى إلى اثنين.
وقوله: (وقد يجوز إلغاء الواو ... الخ) قد قدمنا لك أنه يجوز مع عدم التكرار أيضاً، وإنما التكرار سبب لوجوب الحذف، وهذه الواو إما عاطفة أو بمعنى مع.
فائدة:
(ومما ينخرط في سلك هذا الفن أنهم أجابوا المستخبر عن الشيء بلا النافية، ثم عقبوها بالدعاء له فيستحيل الكلام إلى الدعاء عليه، كما روي أن "أبا بكر الصديق" ﵁ رأى رجلاً بيده ثوب، فقال له: أتبيع هذا الثوب؟ فقال: لا عافاك الله. فقال: لقد عُلِّمت لو تتعلمون، هلا قلت: لا، وعافاك الله) ..
هذا من الآداب المأثورة عن الصحابة ﵃، وقال القاضي "عياض" في شرح "مسلم" [في] فضائل "سليمان" ﵁ في قوله: يا إخوتاه:
стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي.
روي عن "أبي بكر" ﵁ أنه نهى عن مثل هذه العبارة. وقال لقائل قال له: لا. عافاك الله: قل: عافاك الله لا تزد. لا تقل: لا قبل الدعاء فيصير الدعاء له في صورة نفيه وهو دعاء عليه.
وروي أنه قال له: قل: لا وعافاك الله. وفي كتب المعاني في "الفصل والوصل" ما يؤيده. فإن قلت: إن تقديره "لا يكون" ونحوه، وهو خبر، و"أيدك الله" في قولهم: لا وأيدك الله جملة دعائية إنشائية، والإنشائية لا يعطف على الخبر مطلقاً، أو في ما لا محل له من الإعراب، ومنه ذلك، فكيف جوزوه واستحسنوه فيما ذكر؟
قلت: إما أن يكون إطلاقهم مقيداً بما لا يكون لدفع الإيهام كما هو ظاهر كلام أهل المعاني، أو يقال: الواو زائدة لدفع الإيهام، أو استئنافية أو اعتراضية، وهم لم يتعرضوا لتفصيله، وقد جاء في الحديث أيضاً أن "هوزة" الحنفي كتب إلى النبي ﷺ ، يسأله أن يجعل الأمر له من بعده على أن يسلم ويصير إليه لينصره، فقال رسول الله ﷺ : "لا ولا كرامة، اللهم اكفنيه" فمات بعد قليل. اهـ.
فقد استعمل النبي ﷺ ذلك، وبه اقتدى "الصديق" ﵁.
واعلم أن المصنف استعمل الانخراط بمعنى النظم، وهو مضهور في كلام المولدين، إلا أني لم أجده في كتب اللغة بهذا المعنى ولا ما يقرب منه، فليحرر. و"السلك" ما ينظم فيه الدرر ونحوها.
стр. 104
قال الشيخ الأجل الرئيس "أبو محمد": والمستحسن في مثل هذا قول "يحيى بن أكثم" "للمأمون". وقد ساله عن أمر، فقال: لا وأيد الله أمير المؤمنين. وحكي أن "الصاحب أبا القاسم بن عبّاد" حين سمع هذه الحكاية قال: والله لهذه الواو أحسن من واوات الأصداغ على خدد المرد الملاح.
ومن خصائص لغة العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد، كما جاء في القرآن: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ وكما قال. سبحانه: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾.
ــ
(والمستحسن في مثل هذا قول "يحيى بن أكثم" للمأمون - وقد سأله عن أمر - فقال: لا وأيدك الله).
وفي "الحواشي" قول "يحيى" هو قول "أبي بكر" ﵁ فما معنى استحسانه؟
وقوله: (قول الصاحب: إن هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ في خدود المرد الملاح) سوءة له تستر منقبة تؤثر، ولو قال: في خدود الملاح سلم مما ذكر. لكن المصنف آثره لاشتهار "ابن أكثم" بمحبة الغلمان.
стр. 105
و"أكثم" اسم أبيه. وقد صبوه بالتاء المثناة وبالتاء المثلثة، وقالوا: إنهما لغتان فيه، ومعناه عظيم البطن.
وهو قاضي "المأمون" و"الرشيد"، وله مآثر في صحبة الخلفاء مشهورة.
و"الصاحب" الوزير، وإذا أطلق -[في كتب الأدب]- فالمراد به "ابن عبَّاد"، والأصداغ تشبه بالواو والهمزة وغير ذلك مما هو معروف في كتب الأدب كما قيل:
(أهواه مهفهفاً ثقيل الردف ... كالبدر يجلُّ حسنه عن وصف)
(ما أحسن واو صدغه حين بدت ... يا رب عسى تكون واو العطف)
(ومن خصائص لغات العرب إلحاق الواو في الثامن، كما جاء في "القرآن العظيم" ﴿التائبون ... ﴾ الآية، وتسمى واو الثمانية).
وفي "المغني" واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كـ "الحريري" ومن النحويين الضعفاء كـ "ابن خالويه" ومن المفسرين كـ"الثعلبي". وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا: ستة، سبعة، وثمانية إيذاناً بأن السبعة عدد تام وأن ما بعده عدد مستأنف، وقد جاء في القرآن: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾.
والظاهر أن العطف في هذا الوصف بخصوصه إنما كان من جهة أن الأمر والنهي من حيث هما أمر ونهي متقابلان، بخلاف بقية الصفات، أو لأن الآمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر وهو ترك المعروف، والناهي عن المنكر آمر بالمعروف، فأشير إلى الاعتدال بكل من الوصفين وأنه لا يكفي فيه ما حصل في ضمن الآخر، وفيه كلام آخر مفصل في "حواشي القاضي".
(ومن ذلك أنه جل اسمه لما ذكر أبواب جهنم ذكرها بغير واو، لأنها سبعة فقال: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ ولما ذكر أبواب الجنة بها الواو لكونها ثمانية فقال سبحانه: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾.
стр. 106
ومن ذلك أنه جل اسمه لما ذكر أبواب جهنم ذكرها بغير واو لأنها سبعة فقال: ﴿حتى إذا جاءها فتحت أبوابها﴾ ولما ذكر أبواب الجنة بها الواو لكونها ثمانية، فقال سبحانه: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ وتسمى هذه الواو واو الثمانية. ومما ينتظم أيضاً في إقحام الواو ما حكاه "أبو إسحاق الزجاج" قال: سألت "ابا العباس المبرد" عن العلة في ظهور الواو في قولنا: سبحانك اللهم وبحمدك، فقال: إني لقد سألت "أبا عثمان المازني" عما سألتني عنه فقال: المعنى سبحانك اللهم وبحمدك سبَّحتك.
ــ
قال "ابن هشام": لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها؛ إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وإنما فيها ذكر الأبواب، وهو جمع لا يدل على عدد خاص، ثم الواو ليست داخلة عليه بل على جملة هو فيها، وقد مر أن الواو في قوله: وفتحت مفخمة عند قوم وعاطفة عند آخرين، وقيل: هي واو الحال، أي جاؤها [حال كونها] مفتحة قيل: وإنما فتحت لهم قبل مجيئهم إكراماً لهم عن أن يقفوا حتى تفتح لهم، وفيه كلام وفي "درة التأويل" فإن قيل: هل يختلف المعنيان إذا حذفت الواو أو أثبتت؟ قلنا: يختلفان بأن الفتح يقع عند مجيء أهل النار لأن قوله "فتحت" جزاء الشرط وحقه إذا كان فعلاً أن لا يدخله واو لا فاء ويكون عقيب الشرط، وإذا حذف الجزاء وعطف عليه فعل فقيل: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها كان التقدير حتى إذا جاءوها وأبوابها مفتوحة، وهذا حكم اللفظ. وأما حكم المعنى فإن جهنم لما كانت أشد المحابس، ومن عادة الناس إذا شددوا أمرها أن لا يفتحوا أبوابها إلا لداخل وخارج، وكانت جهنم أهولها أمراً وأبلغها عقاباً أخبر عنها الإخبار عما شوهد من أهوال الحبوس التي يضيَّق على محبوسها، فوقع الفتح يتشوق للقاء أهلها، ومن رسم المنازل إذا بشر من فيها بإتيان أهلها أن تفتح أبوابها استبشاراً بهم وتطلعاً إليهم، فيكون ذلك قبل مجيئهم، فأخبر عن المؤمن وحالهم على ما جرت به عادة الدنيا في أمثالهم، فيكون حذف الجزاء وإدخال الواو على الفعل المعطوف
стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لذلك فاعرفه، وهذا من بديع اللطائف القرآنية وفقنا الله لفهمها.
(قال سألت "أبا العباس المبرد" عن العلة في ظهور الواو في قولنا: سبحانك اللهم وبحمدك فقال: لقد سألت "أبا عثمان المازني" عما سألتني عنه فقال: المعنى سبحانك اللهم وبحمدك سبَّحتك).
هذا مروي في صحيح البخاري وغيره عنه ﵇ والمعنى وبحمدك وسبحتك، وحمدك بمعنى توفيقك وهدايتك لا بحولي ولا بقوتي، ففيه شكر لله على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله. والواو في قوله "وبحمدك" إما للحال ولا يلزم فيه تقدير قد لتقدم معموله عليه، أو لعطف الجملة سواء قلنا إضافة الحمد إلى الفاعل والمراد لازمه مجازاً وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية أو إلى المفعول ومعناه سبحت متلبساً بحمدي لك. كذا قاله "الكرماني" في شرح "البخاري" وفي "المغني" في حرف الباء اختلف في قوله سبحانك الخ .. فقيل: هو جملة واحدة على أن الواو زائدة، وقيل جملتان على أنها عاطفة ومتعلق الباء محذوف أي وبحمدك سبحتك اهـ. وقد تقدم في الواو وجه ثالث وهو الحالية، والباء إما للمصاحبة أو للاستعانة. ومن هنا ظهر لك أن ما ذكره من السؤال والجواب مخالف لأن الاقحام معناه الزيادة، وعلى ما نقله "المبرد" ليس هي بزائدة لأن من يقول بالزيادة لا يقدر ففي كلامه خلل ظاهر لمن تأمله.
стр. 108
[١٩] قولهم ذهبت إلى عنده
ويقولون ذهبت إلى عنده. فيخطئون فيه لأن عند لا يدخل عليه من أدوات الجر إلا من وحدها، ولا يقع في تصاريف الكلام مجروراً إلا بها، كما قال سبحانه: ﴿قل كل من عند الله﴾ وإنما خصت من بذلك لأنها أم حروف الجحر، ولأم كل باب اختصاص تمتاز به وتنفرد بمزيته، كما خصت إن المكسورة بدخول اللام في خبرها، وخصت كان بجواز إيقاع الفعل الماضي خبراً عنها، وخصت باء المقسم باستعمالها مع ظهور فعل القسم، وبدخولها على الاسم المضمر. فأما قول الشاعر:
(كل عند لك عندي ... لا يساوي نصف عند)
فمن ضرورات الشعر، كما أجرى بعضهم ليت وسوف وهما حرفان مجرى
ــ
(وخصت كان بجواز إيقاع الفعل الماضي خبراً عنها) وهو خلاف القياسح إذ مقتضاه أن لا يذكر معها الماضي لدلالتها على المضي، لكنه سمع كثيارً في كلام العرب لكونها أم الباب كقوله تعالى: ﴿إن كان قميصه قد من دبر﴾ الآية فتأمل.
(وأما قول الشاعر:
(كل عند لك عندي ... لا يساوي نصف عند)
فإنه من ضوررالت الشعر كما أجرى بعضهم ليت وسوف وهما حرفان مجرى الأسماء المتمكنة في قوله:
(ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتاً وإن سوفاً عناء)
هذا لعدم تدربه في العربية، وما ذكره ليس من الضرورة في شيء؛ فإن كان كلمة أريد بلها لفظها تعرب وتحكى، ويجوز فيها الصرف وعدمه باعتبار اللفظ أو الكلمة قياساً
стр. 109
الأسماء المتمكنة فأعربهما في قوله:
(ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتاً وإن سوفاً عناء)
ــ
مطِّرداً، وهل هي اسم حينئذ أو لا؟ فيه خلاف مفصل في محله. وفي "كافية ابن مالك":
(وإن نسبت لأداة حكماً ... فابن أو أعرب واجعلنها اسماً)
وفي الحديث "أن الله ينهاكم عن قيل وقال": روي بالإعراب والحكاية وقد قال المتنبي في عند:
(ويمنعني ممن سوى ابن محمد ... أياد له عندي يضيق بها عند)
قال الإمام الواحدي عند اسم مبهم لا يستعمل إلا ظرفاً فجعله المتنبي اسماً خالصاً كأنه قال يضيق بها المكان كما قال الطائي:
(وما زال منشوراً على نواله ... وعندي الندى حتى بقيت بلا عند)
стр. 110
وقد تستعمل عند بعدة معان، فتكون بمعنى الحضرة كقولك: عندي زيد، وبمعنى المَلَكَة كقولك: عندي مال، وبمعنى الحكم كقولك: زيد عندي أفضل من عمرو أي في حكمي، وبمعنى الفضل والإحسان كما قال إخباراً عن خطاب شعيب لموسى ﵉: ﴿فإن أتممت عشراً فمن عندك﴾ أي من فضلك وإحسانك.
ــ
وهذا هو الذي جر المصنف لإبقائه "عند" على معناها الأصلي، ثم تأويلها بالمكان وهو وجه آخر لكنه لا ينبغي ارتكابه، لأنه لو أريد به لفظه لم يكن فيه تكلف ولا ضرورة، وذلك في البيت الذي ذكره أظهر، وأما في بيت "أبي الطيب" فالمعنى أن اللفظ والعبارة لا تفي بها وهو أشبه بمواقع أنظاره.
وقال "الأزهري" في "تهذيبه": قال "الليث": "عند" حرف صفة يكون موضعاً لغيره وهو في التقريب شبه اللزق ولا يكاد يجيء في الكلام إلا منصوباً لأنه لا يكون إلا صفة معمولاً فيها أو مضمراً فيها فعل، إلا في حرف واحد وذلك أن يقول القائل لشيء بلا علم: هذا عندي كذا وكذا فيقال: أو لك عند؟ فيرفع، وزعموا أنه في هذا الموضع يراد به القلب وما فيه من معقول اللب، قلت: وأرجو أن يكون ما قاله "الليث" قريباً مما قاله النحويون اهـ، فتأمله فإنه جدير بالتأمل لخفائه.
следующие страницы →