Полный текст (679 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقالوا من الأفعال: ذففت على الجريح ودففت، أي أجهزن [عليه]، وخرذلت اللحم خردلته، أي قطعته وفرقته. واقذحر الرجل واقدحر إذا غضب وتهيأ للشر، وامذقر القوم وامدقروا إذا تفرقوا، واذرعفت الإبل وادرعفت إذا ندت، وجذف الطائر وجدف الطائر وجذف إذا أسرع تحريك جناحيه في طيرانه، وما دقت عذوقا ولا عدوقا إي ما ذقت شيئا، وقد قيل فيهما عذافا وعدافا، وقد استذف الشيء واستدف بمعنى اطرد واستتب.
إلا أن "عبد الرحمن بن عيسى الهمداني" نص في ألفاظه على أنه بالذال لمعجمة لاشتقاقه من الذفيف وهو السريع الحركة.
وحكى "أبو القاسم بن الحسن بن بشر الآمدي" مصنف كتاب "الموازنة بين الطائيين" قال: سألت "أبا بكر بن دريد" عن الكاغذ. فقال: يقال بالدال والذال والظاء المعجمة، وطابق "ثعلب" عليه.
ــ
كما في "الحواشي"، وقد يقال: إن مما يلتحم بهذا الفصل أي يتصل به، من اللحمة إشارة إلى ذلك
стр. 142
ويقال أيضا: جذ الحبل وجده أي قطعه، ومنه قوله تعالى: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨] ويقال: شيء جديد وجذيذ، ومن أبيات المعاني:
(أبى حبي سليمى أن يبيدا ... وأمسى حبلها خلقا جديدا)
أي مقطوعا، ومما يلتحم بهذا الفصل قول الراجز:
(كيف تراني أذرى وأدرى)
فالأول بذال معجمة لأنه "افتعل" من ذريت تراب المعدن، والثاني بدال مهملة لأنه "افتعل" من دراه أي خلته. فيقول: كيف تراني أذري التراب وأختل مع ذلك هذه امرأة بالنظر إليها إذا غفلت؟ يقال: ذرته تذروه وتذريه.
стр. 143
[٢٩] هوش لا شوش
ويقولون: شوشت الأمر وهو مشوش. والصواب أن يقال فيه: هوشت وهو مهوش؛ لأنه من الهوش وهو اختلاط الشيء ومنه الحديث "إياكم وهوشات الأسواق". وجاء في خبر آخر "من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر"
ــ
(ويقولون: شوشت الأمر، وهو مشوش، والصواب أن يقال: هوشته فهو مهوش لأنه من الهوش وهو اختلاط الشيء. ومنه الحديث "إياكم وهو شاب الأسواق". وجاء في حديث آخر "من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر" يعني بالهاوش التخليط وبالنهابر المهالك، وقد روي من أصاب مالا من نهاوش وهو بمعناه). وفسره السلف بمن جمع مالا من جهات مختلطة لا يعل حلها وحرمتها قطعه الله عليه من الهوش والهر، وإن لم يسمع نهوش ونهبر لأن من الجموع ما لم يسمع له مفرد، وقد روي الحديث على وجوه متقاربة المعاني، فروي مهاوش بالميم وهو المشهور عن أهل اللغة، ويروى تهاوش بالمثناة وضم الواو، وروي بالنون وكسر الواو، وأنكره بعض أهل اللغة، وقالوا: إنها من غلط الرواة، وكلها ترجع إلى الهوش أي الاختلاط، وأما أن نهابر من الهبر بمعنى القطع فليس بمعروف في اللغة وإنما هو مستعار من النهابر والنهابير وهي تلال الرمل للمهالك ومنه قول "ابن العاص" "لعثمان" إنك بمنزلة من كلفهم ركوب تلال الرمل لأن
стр. 144
يعني بالمهاوش التخاليط وبالنهابر المهالك، وقد روي "من أصاب مالا من نهاوش" وهو في معناه.
ــ
المشي يشق عليها، والصحيح أن لها واحدن، وهو نهبور. وما ذكره من التشويش، وإن كان تبع فيه بعض أهل اللغة فقد أشتهر ووقع في كلام "الزمخشري" وأهل المعاني كقولهم لف ونشر مشوش، وقد شاع من غير نكير وفي شعر الطغرائي:
(بالله يا يح إن مكنت ثانية ... من صدغه فأقيمي فيه واستتري)
(وإن قدرت على تشويش طرته ... فشوشيها ولا تبقي ولا تذري)
والعامة تقول لذؤابة الرأس: شوشة، وهي عامية قبيحة، وما أنكروه أثبته "الجوهري" فقال: التشويش التخليط وقد تشوش عليه الأمر. وكذا قال "الليث"، وقال صاحب "القاموس": إنه وهم. وقال "ابن بري": إنه من كلام المولدين ولا أصل له في العربية، إلا أن "الليث" أثبتها وهو ثقة، وهي لفظة مشوشة، سرى معناها إلى لفظها، كما قاله بعض مشايخنا، في "جزاف" وتثليث جيم جزاف.
стр. 145
[٣٠] الدعاء بقولهم: بلغك اف المأثور
ويقولون في ضمن أذعيتهم لمن يخاطب أو يكاتب: بلغك الله المأثور، ويعنون به ما يؤثره المدعو له، فيوهمون فيه؛ إذ ليس هو في معنى المؤثر ولا اشتقاق لفظه منه، لأن المأثور هو ما يأثره اللسان لا ما يؤثره الإنسان.
واشتقاق لفظه من أثرت الحديث أي رويته، لا من آثرت الشيء أي اخترته، وعلى معنى الرواية فسر قوله تعالى: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر﴾ [المدثر: ٢٤] أي يرويه واحد بعد واحد وينقله مخبر إلى مخبر.
ــ
(بلغك الله المأثور)
لا وجه لإنكاره كما لا يخفي، وقد أنطقه الله بالحق في آخر كلامه.
ثم إنه أنكر قولهم: [ومن أوهامهم أيضا قولهم: قلب متعوب] ورجل مبغوض. وقال: ووجه القول: مبغض، أي لكونه من "أبغض" المزيد.
قال "الجوهري": ما أبغضه شاذ، وفي حواشيه "لابن بري": إنما جعله شاذا لا يقاس عليه لأنه جعله من أبغض، والتعجب لا يكون من أفعل إلا بأشد ونحوه، وليس كما ظن، بل هو من بغض فلان إلي، وقد حكاه النحاة واللغويون وقالوا: يقال ما أبغضني له إذا كانت أنت المبغض له، وما أبغضني إليه إذا كان هو المبغض لك. اهـ. فعلم أنه له ثلاثيا إلا أن مبغوضا لم يسمع ولو سمع كان كان في الحذف والإيصال كمشترك، وفي "الأفعال للسرقسطي": بغض الشيء بغاضة صار بغيضا.
стр. 146
وقد يشتمل الخبر على المفروح به والمحزون منه. فلا يدل معنى المأثور على إخلاص الدعاء لمن دعا له به لتجويز أن تؤثر المذمات والمساءات عنه. اللهم إلا أن يجعل صفة لدعاء محبوب فيقال: أولاك الله اللطف المأثور وما أشبه ذلك، فتصير حينئذ الدعوة دعوتين، والمدعو له بصدد حسنتين.
فائدة:
ومن أوهامهم أيضا في تغيير صيغة المفاعيل. وهو من مفاضح اللحن الشنيع. قولهم: قلب متعوب وعمل مفسود ورجل مبغوض، ووجه القول أن يقال: قلب متعب، وعمل مفسد، ورجل مبغض، لأن أصول أفعالها رباعية، ومفعول الرباعي يبني على مفعل، فكما يقال: أكرم فهو مكرم، وأضرم فهو مضرم، كذلك يقال: أتعب فهو متعب، وأفسد فهو مفسد، وأبغض فهو مبغض، وأخرج فهو مخرج.
ــ
ويقولون: بغض جدك في الشتم كعثر جدك. اهـ ..
وكما لم يسمع مبغوض لم يسمع باغض. كما قاله "الصفدي" في "أعوان النصر"، وخطأ [فيه] من قال:
(وبه يقول المسلمون وهل ترى ... عين لآل محمد من باغض؟ )
стр. 147
[٣١] أضيف لا انضاف، وفسد لا انفسد
ويقولون: انضاف الشيء إليه وانفسد الأمر عليه. وكلا اللفظين معرة لكاتبه والمتلقط به؛ إذ لا ماغ له في كلام العرب ولا في مقاييس التصريف. ووجه القول أن يقال: أضيف الشيء إليه وفسد الأمر عليه، والعلة في امتناع "انفعل" منهما أن مبنى على فعل المصوغ على "انفعل" أن يأتي مطاوع الثلاثية المتعدية كقولك سكبته فانسكب وجذبته فانجذب وقدته فانقاد وسقته فانساق ونظائر ذلك.
ــ
(ويقولون: انضاف الشيء إليه وانفسد الأمر عليه، وكلا اللفظين معرة لكاتبه والمتلفظ به). قد تقرر في التصريف أن مطاوع فعل انفعل وافتعل نحو شويته فانشوى واشتوى، ومطاوع أفعل فعل نحو أدخلته فدخل [فلا وجه لقول المصنف لا ماغ] له في كلام العرب ولا في مقاييس التصريف، وما ورد منه فهو شاذ. وقول "ابن بري" في "الحواشي" ردا على المصنف: انشلى وانشال واندمق واندخل هي مطاوعة لقولك أشليته وأشلته وأدمقته وأدخلته وكذا أجلته فانجال كما قال:
(ولا يدي في حميت القوم تندخل)
стр. 148
وضاف وفسد إذا عديا بهمزة الثقل فقيل: أضاف وأفسد صارا رباعيين فلهذا امتنع بناء "انفعل" منهما فإن قيل: نقل عن العرب ألفاظ من أفعال المطاوعة بنوها من "انفعل" فقالوا انزعج وانطلق وانقحم وانحجر وأصولها أزعج وأطلق وأقحم وأحجر.
فالجواب عنه أن هذه شذت عن القياس المطرد والأصل المنعقد كما شذ قولهم: انسرب الشيء المبني من سرب وهو لازم. والشواذ تقصر على السماع ولا يقاس عليها بالإجماع.
ــ
وقال الفرزديق:
(وأبي الذي ورد الكلاب مسؤما ... بالخيل تحت عجاجها المنجال اهـ)
مع أنه يلزم من ورودها لازمة أن تكون مطاوعة، ولذلك رد "الزمخشري" على من قال: أطب مطاوع كب فصله في سورة "تبارك". (ومن الشاذ انسرب) بالسين المهملة. قال "ابن بري": لا يجوز أن يأتي انفعل لفعل لازم، فأما انسرب الوحش وسرب فيه إذا دخل، فهو مطاوع لأسريه، كما أن انطلق مطاوع لأطلقه اهـ.
وما ذكره المصنف هو مذهب "أبي علي الفارسي"، والصحيح ما اختاره غيره وهو المذكور في "الحواشي" واختاره "ابن عصفور" وقال ردا على غيره: وأما ما جاء من منهوى ومنغوى من هوى (سقط) وغوى (ضل) فيجوز أن يكونا مطاوعين لأهويته وأغويته كأدخلته فاندخل، وليس ذلك بشاذ فهو عنده مقيس. وهذا مخالف لما ذكره المصنف، ولكل وجهة هو موليها.
стр. 149
[٣٢] صحة ضبط الأمر من بر وشم
ويقولون للمأمور بالبر والشم: بر والدك بكسر الباء وشم يدك بضم الشين، والصواب أن يفتحا جميعا، لأنهما مفتوحان في قولك: يبر ويشم، وعقد هذا الباب أن حركة أول فعل الأمر من جنس حركة ثاني الفعل المضارع إذا كان متحركا، منفتح الباء في قولك: بر أباك لانفتاحها في قولك يبر، وتضح الميم في قولك مد الحبل لانضمامها في قولك: يمد، وتكسر الخاء في قولك خف في العمل لانكسارها في قولك: يخف.
وإنما اعتبر بحركة ثانية دون أوله، لأن أوله زائد والزائد لا اعتبار به. اللهم إلا أن يسكن ثاني الفعل المضارع كالضاد من يضرب والسين من يستخرج فتجتلب همزة الوصل لفعل الأمر المصوغ منه ليمكن افتتاح النطق به كقولك: اضرب، استخرج، وهذا الحكم مطرد في جميع أمثلة الأمر المصوغة من الأفعال المضارعة، وإنما صيغ مثال الأمر من الفعل المضارع دون الماضي لتماثلهما في الدلالة على الزمان المستقبل.
وأما جنس حركة آخر الفعل المضعف من الأمر والجزم كبيت جرير: فغص
(الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا)
فقد جوز كسر الضاد من "غض" لالتقاء الساكنين، وفتحها، لخفة وضمها على إتباع الضمة قبلها، وهو أضعفها.
стр. 150
[٣٣] يقال، شر ولا يقال: أشر
ويقولون فلان أشر من فلان، والصواب أن يقال: [هو] شر من فلان بغير ألف كما قال تعالى: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم﴾ [الأنفال: ٢٢] وعليه قول الراجز:
(إن بني ليس فيهم بر ... وأمهم مثلهم أو شر)
(إذا رأوها نبحتني هروا)
وفي البيت الأخير شاهد على أن المسموع: نبحته الكلاب لا كما تقول العامة: نبحت عليه. وكذلك يقال: فلان خير من فلان بحذف الهمزة لأن هاتين اللفظتين كثر استعمالهما في الكلام، فحذفت همزتاهما للتخفيف، ولم يلفظوا بهما إلا في فعل التعجب خاصة، كما صححوا فيه المعتل فقالوا: ما أخير زيدا وما أشر عمرا، كما قالوا: ما أقول زيدا، وكذلك أثبتوا الهمزة في لفظ الأمر فقالوا: أخير
ــ
(ويقولون أشر من فلان والصواب أن يقال شر من فلان بغير ألف كما قال تعالى: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم﴾ هذا أيضا من الطراز الأول:
(ولكن عين السخط تبدي المساويا)
فإن ورد في الكلام الفصيح كثيرا أشر، وإن كان شر بدونها أكثر، وقد قرى قزله تعالى: ﴿سيعلمون غدا من الكذاب الأشر﴾ [القمر: ٢٦] بالأول، فقول المصنف: إنه لحن مما أخطأ فيه وكذلك ورد في خير أخير وعليه قول "رؤية":
(بلال خير الناس وابن الأخير)
وقال "الجوهري": إنها لغة قليلة وهو الحق، وقد صح وروده نثرا في أحاديث وقع بعضها في "صحيح البخاري" وقال "الكرماني": إنها تدل على أنه فصيح صحيح، خلافا لما أنكره:
стр. 151
بزيد وأشرز بعمرو، كما قالوا: أقول به، والعلة في إثباتها في فعلي التعجب والأمر أن استعمال هاتين اللفظتين اسما أكثر من استعمالها فعلا، فحذفت في موضع الكثرة وبقيت في موضع القلة، فأما قراءة "أبي قلابة": "سيعلمون غدا من الكذاب الأشر" فقد لحن فيها ولم يطابقه أحد عليها.
ــ
"فحسبك من غنى شبع وري"
(على أن المسموع نبحته الكلاب لا كما تقول العامة: نبحت عليه الكلاب) ادعى أن نبح لم يسمع إلا متعديا بنفسه، واستشهد عليه بقوله:
"إذا رأوها نبحتني هروا"
وقوله: "ركلب ينبح الأضياف عندي .. "
والحق أنه ورد لازما ومصدره النبوح، ومتعديا، وفي "تهذيب الأزهري" و"لسان العرب" عن "شمر" يقال: نبحه ونبح عليه، واختاره "علم الهدى" في "الدرر
стр. 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والغرر" واستشهد له بقول "هلال بن جعشم":
(وإني لعف عن زيارة جارتي ... وإني لمشنوء إلى اعتبابها)
(إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زءورا ولم ينبح على كلابها)
فقد عرفت ورود كل منهما في الكلام الفصيح وأن تحت اللبن الصريح فلا حاجة إلى أن يقال: إنه ضمن معنى "صاح" أو حمل عليه.
وقوله (فحذفت همزنها) يعني به أن التعجب والتفضيل من باب واحد، لكنه خالفه لكثره استعماله، وما اعترض به المحشي عليه من أنه يقتضي أن الهمزة في قولهم: ما أشره هي الهمزة التي كان يجب أن تظهر في قولك: هو أشر منه، لو نطق بها، فليس كذلك؛ لأن الهمزة في "ما أشره" همزة التقل للتعدية اللازمة لكل [فعل] متعجب منه.
وأما الهمزة في "أشر منه" فليست همزة نقل، وتركه خير منه كما لا يخفى.
стр. 153
[٣٤] جمع ريح أرواح لا أرياح
ويقولون: هبت الأرياح مقايسة على قولهم: رياح، وهو خطأ بين ووهم مستهجن. والصواب أن يقال: هبت الأرواح كما قال" ذو الرمة":
(إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به أهل "مي" هاج قلبي هبوبها)
(هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث كان حبيبها)
والعلة في ذلك أن أصل ريح "روح" لاشتقاقها من الروح، وإنما أبدلت الواو ياء في ريح للكسرة التي قبلها، فإذا جمعت على أرواح فقد سكن ما قبل الواو
ــ
(ويقولون: هبت الأرياح مقايسة على قولهم رياح، وهو خطأ بين ووهم مستهجن، والصواب أن يقال: هبت الأرواح).
في شرح "بانت سعاد" "لابن هشام": من العرب من يقول: أرياح كراهة الاشتباه بجمع روح. كما قالوا في جمع عيد: أعياد كراهة الاشتباه بجمع عود.
فقول المصنف: الأرياح في جمع ريح لحن مردود، وحكي قول "الجوهري"
стр. 154
وزالت العلة التي توجب قلبها ياء، فلهذا وجب أن تعاد إلى أصلها كما أعيدت لهذا السبب في التصغير فقيل: رويحة.
ونظير قولهم ريح وأرواح قولهم في جمع ثوب وحوض: ثياب وحياض، فإذا جمعوها على أفعال قالوا: أثواب وأحواض، فإن قيل: فلم جمع عيد على أعياد وأصله الواو بدلالة اشتقاقه من عاد يعود؟ فالجواب عنه أن يقال: إنهم فعلوا ذلك لئلا يلتبس جمع عيد بجمع عود، كما قالوا: هو أليط بقلبي منك، وأصله الواو ليفرقوا بينه وبين قولهم: هو ألوط من فلان، وكما قالوا: هو نشيان للخبر ليفرقوا بينه وبين قولهم: هو ألوط من فلان، وكما قالوا: هو نشيان للخبر ليفرقوا بينه وبين نشوان من السكر.
ومما يقصد أن جمع ريح على أرواح ما روي أن "ميسون بنت بحدل" لما اتصلت بمعاوية. ﵀. ونقلها من البدو إلى الشام، وكانت تكثر الحنين إلى ناسها والتذكر لمسقط رأسها فاستمع عليها ذات يوم وهي تنشد:
ــ
الريح واحدة الرياح والأرباح وقد يجمع على أروح، وقال: إنه يقتضي أن الأرباح هو الكثير، وليس كذلك، وإنما الكثير أرواح. وقال "ابن بري": لم يحك الأرياح أحد من أهل اللغة غير "الليحاني" ووردت في شعر "عمارة بن عقيل" اهـ ..
[وفي "النهاية الأثيرية" جمع نار نيران ويجمع على أنيار وأصله أنوار لأنه واوي كما جاء في ريح وعيد أرياح وأعياد. اهـ].
إذا عرفت هذا عرفت أن ما قاله المصنف لا أصل له، ثم إنه بقي في كله شيء. فقوله (وإنما أبدلت الواو [ياء] في ريح) إلخ. قيل عليه: إن الوجه في قلبها في المفرد سكونها بعد كسرة كما في ميزان، وفي الجمع الكسرة قبلها والألف بعدها واعتلالها في
стр. 155
(لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف)
(وليس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف)
(وأكل كسيرة في كسر بيتي ... أحب إلي من أكل الرغيف)
(وأصوات الرياح بكل فج ... أحب إلي من نقر الدفوف)
(وكلب ينبح الطراق عني ... أحب إلي من قط ألوف)
(وبكر يتبع الأظعان صعب ... أحب إلي من بغل زفوف)
(وخرق من بني عمي نحيف ... أحب إلي من علج عليف)
ــ
المفرد، ومن ثمة صحت في أرواح لانتفاء الشرط الأول، وفي كورة وجمعها كور لانتفاء الثاني، وفي طوال لانتفاء الثالث. قيل: وإنما قلبت في سياط للأولين وسكونها في مفرده القائم مقام إعلالها، بخلاف ديار المعل مفرده وهو دار. وأما قوله:
(وإن أعزاء الرجال طيالها .. فشاذ)
وقوله (إنهم فعلوا ذلك لئلا يلتبس جمع عيد بجمع عود) فرق بما هو مشترك بينهما فإن أرياح أيضا قلبت لئلا يلتبس بجمع روح.
وقوله: (كما قالوا: هو أليط بقلبي) إلخ .. [الذي] في كتب اللغة مخالف [لما] قاله، وإن كان ما قال أظهر، وقال "الكسائي": لاط الشيء بقلبه يلوط ويليط، ويقال: هو ألوط وأليط أي ألصق بقلبي حبا. وفي "القاموس" رجل نشوان ونشيان سكران بين النشوة بالفتح ونشيان بالأخبار بين النشوة بالكسر، أي يتخبر الأخبار أول ورودها، وهو مخالف لما هنا.
стр. 156
فلما سمع "معاوية" هذه الأبيات قال لها: ما رضيت ابنه "بحدل" حتى جعلتني علجا عليفا.
ــ
ومثله "قيل" بفتح القاف وسكون الياء الملك أو مخصوص بملوك "حمير" سمي به لنفوذ قوله، وجمع على أقيال على اللفظ، وعلى أقوال على الأصل.
وقيل: له اشتقاقان، فمن قال أقوال أخذه من القول لما مر، ومن قال أقيال فهو عنده من تقيل أباه إذا اتبعه، فهو بمعنى تبع، ولو كان من القول لم يجز فيه إلا أقوال كميت وأموات.
وقال "ابن الشجري": هو على اللفظ ورده "الدماميني" على ما فصل في شرح "المغني" واختار "السهيلي" أنه من القول، وقال: لم يجمع على أقوال لئلا يلتبس بجمع قول، فهو مما نحن فيه، وقال: إن ريحا وأرباحا لغة لبني أسد.
وقوله (منسون) بالميم والسين المهملة بزنة "جيحون" علم لميسون بنت بحدل زوجة معاوية، وميسون وبحدل - كجعر - علمان مرتجلان، ميسون يحتمل اشتقاقه من مسنه إذا ضربه بالسوط، كما قاله "ابن السيد" في كتاب "الحلل" أو من ماس بمعنى تبختر.
و(يخفق) بكسر الفاء، من خففت الريح إذا تحركت وهبت.
و(المنيف) العالي، و (الشفوف) جمع شف بالفتح وهو الثوب الرقيق.
و(كسر البيت) والحباء بكسر الكاف ما يلي الأرض منه.
و(الفج) الطريق الواسع، و (الدفوف) جمع دف بالفتح والضم.
و(البكر) بفتح الياء فتي الإبل، و (الخرق) بكسر الخاء الكريم، وتقابل في هذه
стр. 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأبيات ما تألفه الحاضرة وأهل البادية، و (البغل الزفوف) المسرع.
و(عليف) روي باللام بمعنى معلوف، وبالنون من العنف.
وهذا من حنين أهل البادية إليها وتبرئة من الحضر.
ومثله ما ذكره "الراغب" [من] أن امرأة ضبية تسمى أم حسابه قعدت على بركة في روضة بين الرياحين والأزهار في ألطف زمان، فقيل لها: كيف حالك هنا؟ أليس هذا أطيب مما كنت فيه بالبادية؟ فأطرقت ساعة ثم تنفست، وقالت:
(أقول لأدنى صاحبي أبوه ... اللعين دمع يحدر الكحل ساكبه)
(لعمري لنهر باللوى نازح القذى ... بعيد النواحي غير طرق مشاربه)
(أحب إلينا من صهاريج ملئت ... للعب ولم تملح لدى ملاعبه)
(فيا حبذا نجد إذا ما تنسمت ... ضحى أو سرت جنح الظلام خبائبه)
(فأقسم لا أنساه ما دمت حية ... وما دام ليل من نهار يعاقبه)
(فلا زال هذا القطر يسفر لوعة ... بذكراه حتى يترك الماء شاربه)
ثم ذكر كلمات بنى منها اسم المفعول من الفعل اللازم على خلاف الصواب عنده فقال:
стр. 158
[٣٥]- صحة النطق في مدود ومسوس ومكرج
ويقولون: باقلي مدود وطعام موس وخبز مكرج ومتاع مقارب، ورجل موسوس، فيفتحون ما قبل الحرف الأخير من كل كلمة، والصواب كسرة، فيقال: طعام موس ورجل موسوس ونظائرهما.
ويقال في الفعل من المدود: داد واداد ودود وديد، ومن هذا النوع قولهم للبسرة إذا بدا الإرطاب في أسفلها مذنبة بفتح النون، والصواب أن يقال فيها: مذنبة بكسر النون.
ــ
(ويقولون: باقلاء مدود وطعام مسوس وخبز مكرج ومتاع مقارب ورجل موسوس، فيفتحون ما قبل الآخر من كل كلمة، والصواب كسره).
مدود ومسوس من الدود والسوس ظاهر المعنى. ومكرج - بكاف وراء مهملة يليها جيم - من كرج الخبز كفرح. وأكرج وكرج وتكرج فسد فعلته خضرة - والمقارب - بقاف وراء مهملة وموحدة ما بين الجيد والردى. وما ذكره كله ظاهر للزوم أفعالها، والقياس ألا يبنى منه اسم مفعول، إلا أنه لما ذكر مقارب وفسره بما مر وضبطه بالكسر قال: ومتاع مقارب بالفتح.
وقول المصنف: (ويقال في الفعل من المدود ... ) بتقدير مضاف أي من مادة المدود، فلا يرد قول "المحشي": الصواب أن يقال في الفعل من المدود: دود، ومن الدائد: داد يداد، ولو قال: من الدرد لم يكن عليه انتقاد، وفي أفعال "السرقسطي": داد الطعام يداد ويدود، وديد الطعام أيضا، وطعام داد، وأداد يديد إدادة إذا وقع فيه الدود. اهـ.
وفي "الكشاف" رجل مسوس بكسر الواو، ولا يقال: موسوس بالفتح، ولكن موسوس له وإليه. اهـ.
стр. 159
من مناظرات العلماء.
ويحكى أن "الرشيد". ﵀. لما جمع بين "أبي الحسن الكسائي" و"أبي محمد اليزيدي" لتناظرا عنده، علم "اليزيدي" أنه يقصر عنه في النحو، فابتدره فقال: كيف تقول تمرة مذنبة أو مذنبة؟ فلم يأبه "الكسائي" لقوله تمرة، بل ظن أنه قال بسرة، فقال: أقول مذنبة. فقال له: إذا كان ماذا؟ قال: إذا بدا الإرطاب من أسفلها.
فضرب "اليزيدي" بقلنسوته الأرض وقال: أنا "أبو محمد اليزيدي" وقد أخطأت ياشيخ، التمرة لا تذنب وإنما البسرة تذنب.
ــ
ويخالفه قول "الكرماني" في شرح "البخاري" الموسوس بفتح الواو وكسرها من وسوست إليه نفسه، فإن ظاهره أنه مروي فيه، لا أنه على الحذف والإيصال فإنه سماعي، فعلى هذا ما ادعاه المصنف غير مسلم له.
(ويحكى أن الرشيد لما جمع بين "أبي الحسن الكسائي" و"أبي محمد اليزيدي" إلى آخر ما حكاه قال "أبو محمد البلخي": المجلس الذي جرى بينهما إنما كان في بيت شعر، سأل "اليزيدي" عن إعرابه وهو:
(ما رأينا خربا تفر ... عنه البيض صقر)
(لا يكون العبر مهرا ... لا يكون المهر مهر)
فقال "الكسائي": يجب أن يكون المهر منصوبا على أنه خبر كان، ففي البيت على هذا إقواء قال "اليزيدي": الشعر صواب؛ لأن الكلام تم عند قوله لا يكون، ثم
стр. 160
فغضب عليه الرشيد، وقال: أتكتني بمجلسي وتسفه على الشيخ؟ والله إن خطأ "الكسائي" مع حسن أدبه لأحب إلي من صوابك مع قبح أدبك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ، فأمر بإخراجه.
قال الشيخ الأجل الرئيس: وليس سهو "الكسائي" فيما أزلقه فيه "اليزيدي" مما يقدح في فضله، أو يبني عن قصور علمه إذ لا خفاء باشتمال علمه على أن البسرة إذا أرطبت من قبل ذنبها قيل لها: مذنبة، فإذا بلغ الإرطاب نصفها قيل لها: مجزعة، فإذا بلغ ثلثيها قيل لها: حلقانة ومحلقنة، وإذا أرطبت جميعها قيل لها: معوة.
ــ
استأنف فقال: المهر مهر. وضرب الأرض بقلنسوته، إلى آخر ما ذكره المصنف ووقع في عبارته هنا.
فائدة: هل يتأخر اسم الاستفهام؟
(فقال له: إذا كان ماذا؟ ) فإن قلت: كيف قدم الفعل على اسم الاستفهام مع أن له صدر الكلام؟ قلت: ها أنا أبين لك ذلك بما لا مزيد عليه، فإنه من الفوائد النفيسة وقد خفي على كثير من فحول السلف المصنفين.
قال سيبويه زمانه "أبو حيان" - أفاض الله على مثواه شابيب الرحمة والغفران: مذهب البصريين أن المفعول إذا كان اسم استفهام يجب تقديمه، وحكى غيرهم أن العرب قد تقدم العامل على اسم الاستفهام شذوذا نحو: أضرب من؟ وما؟ وإذا كان استفهاما عن
стр. 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شيء جرى ذكره نحو قولك في ضربت رجلا: ضربت من؟ جاز، وقد خص بمن وما، وحكي في أين في الاستثبات أيضا، وهذا لا يعرفه البصريون، وقد سمع من العرب: كان ماذا؟ ووقع في شعر "لابن المرحل" شيخ "أبي حيان" فأنكره ابن "أبي الربيع"، فلما بلغه ذلك صنف في الرد عليه مصنفا أنشد فيه لنفسه:
(عاب قوم كان ماذا ... ليت شعري لم هذا)
(وإذا عابوه جهلا ... دون علم كان ماذا؟ )
كذلك نقلته من خط ابن "أبي سبع" تلميذ "أبي حيان" - رحمه الله تعالى، وقد رأيته مصرحا به في كثير من كتب العربية، وقالوا: إنه سمع في "ماذا" كثيرا، ووقع في عبارة "للزمخشري" في كشافه من سورة "آل عمران" فيقولون ماذا؟ وكذا في "المفتاح" في قوله: يشبه ماذا؟ .
ومن الشراح من لم يقف على ما قدمناه لك فقال: ما في كلام الثقات من قولهم: يكون ماذا؟ وصنع ماذا؟ وفعل ماذا؟ الوجه فيه أن يكون "ماذا" معمولا لمحذوف مدلول عليه بالعامل المذكور، أي ماذا يكون على طريقة التفسير بعد الإبهام. وهو تكليف لا حاجة إليه، لأن تقدم المفر لا نظير له في العربية، والمعروف تأخره، كما في نحو ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ [التوبة: ٦] وقد صرحوا بأنه إذا خرج عن حقيقته من الاستفهام جاز تقدم العامل عليه، كما في قولهم: انظر إلى كيف يصنع، أي إلى صتعه، فاحفظه فإنه من أمور المعالي.
стр. 162
٣٦ - غير لا تعرف بال
ويقولون: فعل الغير ذلك، فيدخلون على غير آلة التعريف والمحققون من النحويين يمنعون إدخال الألف واللام عليه، لأن المقصود في إدخاله آلة التعريف على الاسم النكرة أن تخصيصه بشخص بعينه، فإذا قيل: الغير اشتملت هذه اللفظة على ما يحصى كثرة، ولم تتعرف بآلة التعريف، كما أنه لا يتعرف بالإضافة، فلم يكن لإدخال الألف واللام عليه فائدة، ولهذا السبب لم تدخل الألف واللام على المشاهير من المعارف مثل "دجلة" و"عرفة" و"ذكاء" ونحوه لوضوح اشتهارها والاكتفاء عن تعريفها بعرفان ذاتها.
ــ
(ويقولون: فعل الغير ذلك، فيدخلون على غير آلة التعريف، والمحققون من النحويين يمنعون من إدخال الألف واللام عليه).
ما ادعاه من عدم دخول أل على غير - وإن اشتهر - فلا مانع منه قياسا، وإنما المهم فيه إثبات سماعه من العرب، وفي "تهذيب الأزهري" قال "ابن أبي الحسن" في "شامله": منع قوم دخول الألف واللام على غير وكل بعض، لأنها لا تتعرف بالإضافة فلا تتعرف باللام، قال: وعندي لا مانع من ذلك لأن اللام ليست فيها للتعريف، ولكنها اللام المعاقبة للإضافة، نحو قوله: "كان بين كفها والفك" أي وفكها، وقوله تعالى: ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات: ٤١] أي مأواه، على أن غير قد تتعرف بالإضافة في بعض المواضع، وقد يحمل الغير على الضد والكل على الجملة والبعض على الجزء، فيصح دخول اللام بهذا المعنى. اهـ. فبصح بطريق الحمل على النظير وهو شائع في كلامهم، وقال صاحب
стр. 163
ولا تدخل أل على كافة أيضا
ونظير هذا الوهم قولهم: حضرت الكافة، فيوهمون فيه أيضا على ما حكاه "ثعلب" فيما فسره من معاني القرآن، كما وهم القاضي "أبو بكر بن فريعة" حين استثبت عن شيء حكاه، فقال: هذا ترويه الكافة عن الكافة والحافة عن الحافة والصافة عن الصافة، والصواب فيه أن يقال: حضر الناس كافة، كما قال : ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ [البقرة: ٢٠٨] لأن العرب لم تلحق لام التعريف بكافة، كما لم تلحقها بلفظة "معا" ولا [لفظة] "طرا".
ومن حكم لفظة كافة أنها تأتي متعقبة، فأما تصديرها في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨] فقيل: إنه مما قدم لفظه وأخر معناه، وإن تقدير
ــ
"الهادي": لا يجوز إدخال اللام عليه لأنه لا بد له من الإضافة، والمضاف إليه إما مذكور أو منوي، ولا يجوز تثبيته ولا جمعه كما ذكره "سيبويه"، وفي بعض الحواشي صرحوا بأن غيرا وإن لم يتعرف لا يجوز إدخال اللام عليه لرعاية صورة الإضافة المعنوية، إلا أن المصنفين كثيرا ما يدخلونها عليه فكأنهم جعلوه بمعنى المغاير، لكنه لم يوجد في كلام العرب، وفي "ضرام السقط" أن لغير ثلاثة مواضع:
أحدها: أن تقع موقعا لا تكون فيه إلا نكرة، وذلك إذا أريد بها النفي الساذج، كما في مررت برجل غير زيد.
стр. 164
الكلام: وما أرسلناك إلا جامعا بالإنذار والبشارة للناس كافة، كما حمل عليه قوله تعالى: ﴿وغرايب سود﴾ [فاطر: ٢٧] على التقديم والتأخير، لأن العرب تقدم في هذا النوع لفظ الأشهر على الأغرب، كقولهم: أبيض يقق وأصفر فقاع وأسود حلكوك.
وقيل: إن كافة في الآية بمعنى كاف، وإلحاق الهاء به للمبالغة كالهاء علامة ونسابة.
ومن أوهامهم مما يدخلون عليه لام التعريف والوجه تنكيره قولهم: فعل ذلك من الرأس، لأن العرب تقول: فعله من رأس من غير أن تلحق الألف واللام به.
ــ
الثاني: أن تقع موقعا لا تكون فيه إلا معرفة، وذلك إذا أريد بها شيء قد عرف بمضادة المضاف إليه في معنى لا يضاده فيه إلا هو، كما إذا قلت: مررت بغيرك، أي المعروف بمضادتك، إلا أنها في هذه لا تجري صفة فتذكر غير جارية على الموصوف.
الثالث: أن تقع موقعا تكون فيه نكرة تارة ومعرفة أخرى، كما إذا قلت: مررت برجل كريم غير لئيم. اهـ.
وقد قيل: إنه إذا جاز أن تتعرف بالإضافة فلا مانع من تعريفها باللام أيضا. وكما لا يدخل عليه الألف واللام لا يثنى ولا يجمع، فلا يقال: غيران وأغيار إلا في كلام المولدين، كما صرح به "ابن هشام".
(ولهذا السبب لم تدخل الألف واللام على المشاهير من المعارف مثل دجلة وعرفة وذكاء ونحوه، لوضوح اشتهارها والاكتفاء عن تعريفها بعرفان ذواتها).
لا يخفي ما فيه، فإنه قياس مع الفارق، لأن ما ذكره أعلام، والأعلام جنسية أو شخصية لا تدخلها اللام، فما ذكره ليس مما نحن فيه.
وأما إدخال اللام على كل فنقل "المعري" في "رسالة الغفران" أن "أبا علي الفارسي" كما يجيزه وينقله عن "سيبويه"، وليس بشائع في قديم كلام العرب، وأنشد "لسحيم" شاهدا عليه وهو قوله:
стр. 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(رأيت الغني والفقير كليهما ... إلى الموت يأتي للكل معمدا)
وأما لإدخالها على بعض فأجازه في شرح "الهادي" وأنشد غليه لمجنون بني عامر:
(لا تنكر البعض من ديني فتجحده ... ولا تحدثني أن سوف تقضيني)
(ونظير هذا الوهم قولهم: حضرت الكافة، فيوهمون فيه أيضا على ما حكاه "ثعلب" فيما فسره من معاني القرآن).
يعني أنه لا بد من تنكيره ونصبه على الحال، وذو الحال من العقلاء، وهذا مما اشتهر وإن لم يصف من الكدر.
وتحريره بعد ذكر كلام النحاة وأهل اللغة فيه أنه قال في شرح "اللباب": من الأسماء ما يلزم النصب على الحال استعمالا نحو: طرا وكافة وقاطبة، واستهجنوا إضافتها في كلام "الزمخشري" و"الحريري" كقوله في خطبة "المفصل": محيطا بكافة الأبواب، وهو مما خطى فيه، ومخطئه هو المخطى، لأنا إذا علمنا وضع لفظ لمعنى عام بنقل من السلف وتتبع لموارد استعماله في كلام من يعتد به ويستشهد بكلامه، ورأيناهم استعملوع على حالة مخصوصة من الإعراب والتعريف [والتنكير] ونحوه، فهل يمتنع استعماله على خلاف ما ورد به مع صدق معناه الوضعي عليه أم لا؟ وعلى تقديره جوازه فهل نقول: إنه حقيق أو مجاز؟
ومثاله ما نحن فيه، فإن كافة ورد عن العرب بمعنى الجميع، لكنهم استعملوه منكرا منصوبا وفي الناس خاصة، ومقتضى لوضع ألا يلزمه ما ذكر فيستعمل كما استعمل "جميعا" معرفا ومنكرا بوجوه الإعراب في الناس وغيرهم، والظاهر الجواز. لأنا لو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعملته العرب العاربة والمستعربة حجرنا الواسع وعسر التكلم بالعربية على من بعدهم، ولما لم يخرج عما وضع له فهو حقيقة، والذي يشهد له العقل السليم أنه
стр. 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا محيد عما قلناه إلا لمكابر ومعاند.
على أنه قد ورد في كلام البلغاء على خلاف ما ادعوه، كما في كتاب "عمر بن الخطاب" ﵁ "لآل بني كاكلة" فإن فيه: قد جعلت هكذا "لآل بني كاكلة" على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال عينا ذهب إبريزا. كتبه "عمر بن الخطاب" وختمه: كفى بالموت واعظا يا عمر.
قال الفاضل المحقق سعد الملة والدين في شرح "المقاصد": وهذا مما صح عنده والخط في آل "بني كاكلة" إلى الآن. ولما آلت الخلافة إلى أمير المؤمنين "علي بن أبي طالب" ﵁، عرض عليه الكتاب فنفذ ما فيه لهم، وكتب عليه بخطه: لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون، أنا أول من اتبع أمر من أعز الإسلام ونصر الدين والأحكام "عمر بن الخطاب" ﵁، ورسمت بمثل ما رسم لآل بني كاكلة في كل عام مائتي دينار ذهبا إبريزا واتبعت أثره، وجعلت لهم مثل ما رسم "عمر" إذ وجب علي وعلى جميع المسلمين اتباع ذلك. كتبه "علي بن أبي طالب". اهـ.
وهذا مع ما قبله موجود إلى الآن بديار العراق، فقد استعملها معرفة غير منصوبة لغير العقلاء، وهو من الفصحاة بمكان، وقد سمعه مثل "علي" ولم ينكره وهو واحد الأحدين، فأي إنكاؤ واستهجان؟
فقوله في "المغني": كافة مختص بمن يعقل، ووهم "الزمخشري" في تفسير قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨] إذ قدر كافة نعتا لمصدر محذوف أي إرسالة كافة؛ لأنه إضافة إلى استعماله فيما لا يعقل وأخرجه عما التزم فيه من الحالية كوهمه في خطبة "المفصل" الذي مر ذكره مما لا يلتفت إليه.
وإذا جاز تعريفه بالإضافة جاز بالألف واللام أيضا، ولا عبرة بمن خطأهم فيه كصاحب "القاموس" و"ابن الخشاب" في قوله: أخطأ "الحريري" في قوله في مقاماته: بقاطبة الكتاب، فإن قاطبة وطرا ومعا مثل كافة عندهم، وادعاء الغلط والشذوذ هنا غير مسموع.
стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي "المصباح المنير" جاء الناس كافة، قيل: إنها منصوب على الحال نصبا لازما ولا يستعمل إلا كذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨] أي إلا للناس جميعا، وقال "الفراء" في كتاب "معاني القرآن": نصبت لأنها في مذهب المصدر، ولذلك لا تدخل العرب فيها الألف واللام كقاموا معا وجميعا.
وقال "الأزهري": كافة منصوب على الحال وهو مصدر على "فاعلة" كالعاقبة والعافية ولا يثنى ولا يجمع، كما لو قلت: قاتلوا المشركين عامة أو خاصة، لا يثنى ذلك ولا يجمع. اهـ.
وقال "الجوهري": والكافة الجميع من الناس، يقال: لقيتهم كافة أي كلهم، وقيل: كافة اسم فاعل والتاء فيه للمبالغة، وإليه ذهب الإمام "الراغب" فقال في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للعالمين﴾ [سبأ: ٢٨] أي كافا لهم عن المعاصي والهاء فيه للمبالغة كراوية وعلامة، وقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة: ٣٦] قيل: معناه كافين لهم كما يقاتلونكم كافين لكم، وقيل: معناه جماعة، وذلك أن الجماعة يقال لهم: الوزعة لقوتهم باجتماعهم. اهـ.
والحاصل أنهم رواية ودراية لم يصيبوا فيما التزموه من تنكيره ونصبه واختصاصه بالعقلاء، وأنهم اختلفوا في أصله: هل هو مصدر أو اسم فاعل من الكف؟ وأن تاءه هل هي للمبالغة أو للتأنيث كتاء جماعة؟ ثم إنهم تصرفوا فيه واستعملوه للتعميم بمعنى جميعا؟ فلا يغرنك القيل والقال، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
(كما وهم القاضي "أبو بكر بن قربعة" حين استثبت عن شيء حكاه فقال: هذا يرويه الكافة عن الكافة والحافة عن الحافة والصافة عن الصافة).
قريعة مصغر قرعة قاض مشهور، ذكره "الثعالبي" في "اليتيمة"، وصاحب "نثر الدرر" وحكوا عنه في المجون وسرعة البديهة أمورا كثيرة شهيرة بين الأدباء، واستثبت
стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمعنى طلب منه ثبوت وتخقيق شيء ذكره، والظاهر أن الحافة والصافة اتباع للكافة والاتباع قد يعطف كما سيأتي بيانه.
(مما يدخل عليه التعريف والوجه تنكيره قولهم: فعل ذلك من الرأس، لأن العرب تقول: فعله من رأس، من غير أن يلحق الألف واللام فيه) وفي نسخة "به" بدل "فيه" ومعناه أوله.
وما ذكره ليس بمسلم. قال "ابن بري" عن "أبي الحسن كراع" يقال: أعد على كلامك من رأس ومن الرأس، فقد علمت أنهم جوزوا فيه إلحاق الألف واللام وعدمه، وقد نقل مثله عن "أبي حاتم" إمام اللغة، فهو في جواز التعريف مثل بتة في قولهم: لا أفعله بتة والبتة، لكل أمر لا رجعة فيه، كما قاله "الجوهري"، فإن قلت: ألف البتة أهي ألف وصل أم قطع؟ قلت: هي ألف وصل قطعا، وقيل: ألف قطع، وبه جزم "الكرماني" في شرح "البخاري" فقال: همزتها قطع على خلاف القياس، وقال "ابن حجر": لم أر ما قاله في كلام أحد من أهل اللغة، وفي شرح "توضيح ابن هشام": أل في البتة لازمة الذكر فلا يجوز تنكيره سماعا، وفي حواشيه "لعبد القادر المكي" يقال: لا أفعله بتة والبتة، أي أبته بتة والبتة، وفي "اللباب": لم يسمع في البتة إلا قطع الهمزة، والقياس وصلها، ومن هنا عرفت أن ما قاله "ابن حجر" غفلة عما ذكرناه.
стр. 169
[٣٧] قولهم في كبرى وصغرى
ويقولون: هذه كبرى وتلك صغرى، فيستعملونها نكرتين، وهما من قبيل ما لم تنكره العرب بحال، ولا نطقت به إلا معروفا حيثما وقع في الكلام، والصواب أن يقال فيهما: هذه الكبرى وتلك الصغرى، أو هذه كبرى اللآلي وتلك صغرى الجواري، كما ورد في الأثر: "إذا اجتمعت الحرمتان طرحت الصغرى للكبرى".
ــ
(ويقولون: هذه كبرى وصغرى فيستعملونها نكرتين وهما من قبيل ما لم تنكره العرب بحال).
ما أنكره صحيح فصحيح لأنه مخرج عن استعمال أفعل التفضيل مجردا عن المفاضلة، فيكون مطابقا مع تجرده عن أل والإضافة، كما جوزه علماء العربية، وما توهمه إنما هو إذا بقي على أصل معناه، وعليه خرج بيت "أبي نواس" وقول العروضيين: فاصلة صغرى وكبرى، وعليه قول "الفرزدق":
стр. 170
أي إذا اجتمع أمران في أحدهما مصلحة تخص وفي الآخر مصلحة تعم قدم الذي تعم مصلحته على ما تخص منفعته، وذكر شيخنا "أبو القاسم بن الفضل" النحوي. ﵀. أن فعلى بضم الفاء تنقسم إلى خمسة أقسام: أحدها أن تأتي اسما علما نحو حزوى ..
والثاني، أن تأتي مصدرا نحو رجعى.
والثالث، أن تأتي اسم جنس مثل بهمى. وهو نبت ..
والرابع، أن تأتي تأنيث "أفعل" نحو الكبرى والصغرى.
ــ
(إذا غاب عنكم أسود العين كنتم ... كراما وأنتم ما أقام ألائم)
أي لئام والكثير ألا يطابق كقوله:
(إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول)
على وجه فيه، والوجه الآخر أنه على أصله، والمراد أعز وأطول من دعائم غيره، ومقابلة الألاثم بالكرام تدل على أنه لم يرد المفاضلة.
(ومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿قسمة ضيزى﴾ [النجم: ٢٢] لأن الأصل فيها ضوزى) وفي نسخة ضيزى بالضم والياء، وقال "ابن بري" على النسخة الأولى: صوابه ضيزى فلهذا كسرت الضاد. يقال: ضازه يضيره إذا نقصه، ومن قال: ضازه فإنه يقول: ضوزى بضم الضاد لا غير. اهـ.
وفي مفردات "الراغب" ضيزى ناقصة، وأصله فعلى فكسرت الضاد للياء، قيل: وليس في كلامهم فعلى [يعني] بكسر الفاء صفة، فإنه من أبنية الأسماء كشعرى وذكرى، وقرى ضئزى بالهمز، على أنه مصدر ضأزه يضأزه ضئزى كذكرى، وأجاز بعضهم فيه أن يكون فعلى كبشرى، وعوملت الهمزة معاملة الحرف الذي تؤول إليه في
стр. 171
والخامس، أن تأتي صفة محضة ليست بتأنيث أفعل نحو حبلى، ومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿قسمة ضيزى﴾ [النجم: ٢٢] لأن الأصل فيها ضوزي، وإذا كانت لتأنيث أفعل تعاقب عليها لام التعريف والإضافة، ولم يجز أن تعرى من أحدهما، وذلك نحو قولك: الكبرى والصغرى وطولى القصائد وقصرى الأراجيز.
قال: ولم يشذ من ذلك إلا دنيا وأخرى، فإنهما لكثرة مجالهما في الكلام ومدارهما فيه استعملتا نكرتين، كما قالت "الحرقة بنت النعمان":
([فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف])
(فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تنقل تارات بنا وتصرف)
والغاية معروفة وأما طوبى في قولهم: طوبى لك، وجلى في قول "النهشلي":
ــ
التخفيف، ويحتمل هذا أيضا أن يكون من ضازه يضوزه ثم همز كما قالوا في موضى مؤسى لتحقيق حرف العلة، ومعناه قسمة ذات ظلم.
ووجه الياء عند "أبي عبيدة" أنه صفة على فعلى بالضم من ضازه يضيزه إذا نقصه، أي قسمه جائزة، وكسرت الفاء لتسلم العين كبيض على قياس عين، فعلى هذا ليست فعلى بالكسر إذا لم تأت صفة، وإنما جاءت مفتوحة أو ما حكى "ثعلب" من مشية
стр. 172
وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا)
فإنهما مصدران كالرجعى، وفعلى المصدرية لا يلزم تعريفها، وأما طوبى في قوله تعالى: ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ [الرعد: ٢٩] فقيل: إنها من أسماء الجنة، وقيل: بل هي شجرة تظل الجنان كلها وقيل: بل هي مصدر مشتق من الطيب، وعلى اختلاف هذا التفسير لا يحتاج إلى التعريف، وقد عيب على "أبي نواس" قوله:
(كأن كبرى وصغرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب)
ومن تأول له فيه قال: جعل من في البيت زائدة على ما أجازه "أبو الحسن
ــ
حيكى وغيرها من امرأة عزمى وسعلى وكيصى، والحمل على الأكثر أولى، وقال "أبو علي": قياسه ضوزى ليبعدها عن الطرف بالرابع بخلاف عين، لكنه عدل عنه تخفيفا مع أمن اللبس، وحكى "أبو عبيد" أيضا" ضازه يضوزه فيحتمل التخفيف السابق، ويجوز أن يكون مخففا من المهموز، وقال "الجعبري": فيه لغات: ضئزى، وضيزى، وضوزى، وضازى.
وقوله: (تأنيث أفعل) يريد مؤنث هذا البناء مطلقا مع قطع النظر عن تغريفه
стр. 173
الأخفش" من زيادتها في الجواب. وأول عليه قوله تعالى: ﴿من جبال فيها من برد﴾ [النور: ٤٣] وقال: تقديره: فيها برد.
طرفة أدبية
وقد اتفق بحضرة "المأمون" تحقيق هذا التشبيه المودع بيت "أبي نواس" على وجه المجاز، وذلك أنه حين بنى على "بوران بنت الحسن بن سهل" فرش له حصير منسوج بالذهب، ثم نثر عى قدميه لآلى كثيرة، فلما رأى تساقط اللآلى المختلفة على الحصير النسيج قال: قاتل الله "أبا نواس" كأنه شاهد هذا الحال حتى
ــ
وتنكيره، فلا يرد قول المحشي: الصواب الأفعل.
(ولم يشذ من ذلك شيء إلا دنيا وأخرى فإنهما لكثرة مجالهما في الكلام، ومدارهما فيه استعملا نكرتين).
قال "ابن بري": إنما لزمت الألف واللام في الأفضل والفضلى لتكون عوضا من لزوم منك في النكرة إذا قلت: أفضل منك، ولما كانت منك غير لازمة في أخر إذا قلت مررت برجل آخر لم تلزم الألف واللام في قولك أخرى وأما دنيا فإنها استعملت استعمال الأسماء فلذلك جاز تنكيرها. اهـ.
[و (حرقة) بحاء وراء مهملتين وقاف، بزنة همزة، وسيأتي هذا الشعر بتمامه.]
و(قول "نهشل":
стр. 174
شبه بها حباب كأسه، وأنشد البيت المستطرد به.
ويضاهى هذه الحكاية في طرفة اتفاقها وملحة مساقها ما حكي أن "عبد الله بن مروان" حين أزمع النهود إلى محاربة "مصعب بن الزبير" ناشدته "عاتكة بنت يزيد بن معاوية" ألا يخرج بنفسه وأن يستنيب غيره في حربه،
ــ
(وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا)
هذا من قصيدة لبعض بني "قيس بن ثعلبة"، وقيل: إنها "لبشامة بن حرب" وقيل "للمرقش" وأولها:
(إنا محيوك يا سلمى فحيينا ... وإن سقيت كرام الناس فاسقينا)
وإن دعوت ... البيت.
وقد عيب على "أبي نواس" قوله:
(كأن كبرى وصغرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب)
ومن تأول فيه قال: جعل من في البيت زائدة على ما أجازه "أبو الحسن الأخفش") في "المغني" قال بعضهم إن "من" زائدة [في الموضعين] وأنهما مصافان على حد قوله:
"بين ذراعي وجبهة الأسدة
стр. 175
ولم تزل تلح عليه في المسألة وهو يمتنع من الإجابة، فلما يئست منه أخذت في بكائها حتى أغول حشمها لإعوالها، فقال "عبد الملك": قاتل الله "ابن أبي جمعة" يعني كثيرا، كأنه رأى موقفنا حين قال:
(إذا ما أراد الغزو لم يئن عزمه ... خصان عليها نظم در يزينها)
(نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكني مما شجاها قطينها)
ثم عزم عليها أن تقصر وخرج.
ــ
يرده أن من لا تقحم في الإيجاب ولا مع تعريف المجرور.
والبيت من قصيدة "لأبي نواس" أولها:
(ساع بكأس إلى ناس على طرب ... كلاهما عجب من منظر عجب)
(قامت تريني وذيل الليل منسدل ... صبحا تولد بين الماء والعنب)
(كأن كبرى وصغرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب)
والقصيدة طويلة وهي من غرره.
وقوله (ثم عزم عليها) أي أقسم فقال: عزمت عليك إلا فعلت كذا، أي أقسمت.
стр. 176
[٣٨]- القول في تيامن وتشاءم
ويقولون لمن أخذ يمينا في سعيه: قد تيامن، ولمن أخذ شمالا: قد تشاءم، والصواب أن يقال فيهما: تيمن وتشأم، وأن يقال للمسترشد: يا من يا هذا وتشأم، أي أخذ يمينا وشمالا، فأما معنى تيامن وتشاءم فأن يأخذ نحو اليمين والشأم، وإذا أتاهما قيل: أيمن وأشأم، كما يقال: أنجد وأتهم إذا أتى نجدا وتهامة، وقد يقال في معنى آخر: تيمن الرجل إذا توسد يمينه، ويكنى به أيضا عمن مات لأنه إذا مات أضجع على يمينه، ومنه ما أنشده "ثعلب" في معانيه:
(إذا المرء علبي ثم أصبح جلده ... كرخص فالتيمن أروح)
ــ
(ويقولون لمن أخذ يمينا في سعيه: قد تيامن، ولمن أخذ شمالا: قد تشاءم، والصواب أن يقال فيهما: يا من وشاءم).
قال "ابن بري" لا ينكر أن يقال: تيامن إذا أخذ من ناحية اليمن أو اليمين لأن الأصل فيهما واحد، وقال ابن الكلبي": وإنما سميت اليمين بهذا الاسم لتيامنهم إليها، وقال "ابن عباس": لما انتشرت الناس تيامنت العرب إلى اليمين فسميت بذلك، وفي الحديث "أمرهم أن يتيامنوا عن الغميم" أي يأخذوا يمينا، كذا فسره في غريب الحديث، ولهذا السبب جاز أن يقال: أيمن الرجل وتيمن ويمن إذا أخذ في جهة اليمين
стр. 177
ومعنى "علبى" تشنجت علباؤه وهي العصبة في العنق، وأراد هذا الشاعر أنه إذا انتهى في الهرم إلى هذا الحد فالموت أروح له.
ــ
أو جهة اليمن، وقال "الزجاجي": قال أهل الأثر: وإنما سميت الشام بهذا الاسم لأن قوما من "كنعان" خرجوا عند التفرق فتشاءموا إليها أي أخذوا ذات الشمال فسميت بذلك، وقال "محمد": المانع من دخول التفاعل في هذا يمنع أن يكون التيامن مكنيا به عند الموت، بل هو دليل على جواز استعماله، وكذا قال "ابن بري".
وقيل: سمي اليمن لأنه عن يمين الكعبة أو يمين مطلع الشمس، أو توالد "الهميسع" من يمن.
والشام سميت بها لسكنى "سام بن نوح" فعربت بإعجام، عكس "دست ودشت"، وفي "المصباح": يمنه الله بيمنه من باب قتل إذا جعله مباركا، وتيمنت به مثل تبركت وزنا ومعنى، ويا من فلان وباسر أخذ ذات اليمين وذات الشمال كما قاله "الأزهري" وغيره.
والأمر منه يا من بزنة قاتل، أي أخذ بهم يمنة كما قاله "ابن السكيت"، ولا يقال: تيامن بهم، وقال "الفارابي": تياسر وتيامن بمعنى ياسر ويامن، وبعضهم يرد هذين بقول "ابن الأنباري": العامة تغلط في معنى تيامن، فتظن أنه بمعنى أخذ عن يمينه وليس كذلك عن العرب، وإنما تيامن عندهم إذا أتى ناحية اليمن. اهـ.
стр. 178
[٣٩]- مشئوم لا مشوم
ويقولون: هو مشوم، والصواب أن يقال: مشئوم بالهمز، وقد شئم إذا صار مشئوما، وشأم أصحابه إذا مسهم شؤم من قبله، كما يقال في نقيضه: يمن، إذا صار ميمونا، ويمن أصحابه إذا أصابهم يمنه، واشتقاق الشؤم من الشأمة وهي الشمال، وذاك أن العرب تنسب الخير إلى اليمين والشر إلى الشمال، ولهذا تختار أن تعطي بيمينها وتمنع بشمالها، وعليه فسر قوله تعالى: ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ [الصافات: ٢٨]، أي تصدوننا عن فعل الخير وتحولون بيننا وبينه، ومن كلام العرب فلان عندي باليمين، أي بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال، أي بالمنزلة الدنية، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله:
(أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك)
ــ
(ويقولون: مشوم) بميم مفتوحة ثم شين مضمومة ثم واو ساكنة تليها الميم بزنة مقول.
(والصواب مشئوم بالهمز بعد الشين الساكنة على وزن مضروب، وقوله الصواب ليس بصواب؛ فإن ما قالوله ليس بخطأ، وإن كان خلاف الأفصح، لأن نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ثم حذفها مقيس، وقد سمع هذه الكلمة كما ورد في قول "العباس بن الأحنف":
"جسدي مبتلى بقلب مشوم"
وفي الشعر القديم المشهور عند أهل العربية:
стр. 179
وقيل: إنه أراد أجعلتني مقدما عندك أم مؤخرا؟ لأن عادة العرب أن تبدأ باليمين فإذا أكملت عدة الخمسة وثنت عليها الخمس من اليمين، نقلت العدد إلى الشمال.
ومما يكنى عنه بالشمال قولهم للمنهزم: نظر عن شماله، ومنه قول الحطيئة:
(وفتيان صدق من عدي كأنهم ... صفائح بصرى علقت بالعوائق)
(إذا فزعوا لم ينظروا عن شمالهم ... ولم يمسكوا فوق القلوب الخوافق)
(وقاموا إلى الجراد الجياد فألجموا ... وشدوا على أوساطهم بالمناطق)
ــ
(إن من صاد عقعقا لمشوم ... كيف من صاد عقعقان وبوم)
فالأصل مشئوم على وزن مفعول، ومشوم مخفف منه، والعامة تقول: ميشوم بياء بعد الميم وهو لحن قبيح.
وقوله (وشأم أصحابه إذا مسهم شؤم من قبله) وهذا يقتضى أن "مشئوم" قد يكون مفعولا بمعنى قاعل، كحجابا مستورا بمعنى ساتر، عكس ماء دافق بمعنى مدفوق، لأنه
стр. 180
واختلف المفسرون في تأويل ﴿أصحاب الميمنة﴾ و ﴿أصحاب المشأمة﴾ [البلد: ١٨، ١٩] فقيل: كني بالفريقين عن أهل السعادة وأهل الشقاوة، وقيل: بل المراد بأصحاب الميمنة المسلوك بهم يمنة إلى الجنة، وأصحاب المشأمة المسلوك بهم شأمة إلى النار، وقيل: إن أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم، وأصحاب المشأمة هم المشائيم عليها، والمشائيم جمع مشئوم، ومنه قول الشاعر:
ــ
يقال: شأمهم وشأم عليهم إذا لحقهم الشؤم من قبله، وقد قال "الشريف المرتضى" في "الدرر والغرر": إنه مطعون فإن العرب لا تعرفه وإنما هو من كلام أهل الأمصار، وإنما تسمي العرب من حفه الشؤم مشئوما كما في قول "علقمة بن عبدة":
(ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشئوم)
(ومنه قول الشاعر:
(مشانيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها)
وللنحويين كلام في جر ناعب.
هذا الذي سماه النحاة عطف التوهم، ومعناه أن يجري في موضع إعرابان فيعرب بأحدهما ويعطف عليه باعتبار الآخر كما هنا؛ فإن ليس يجر خبرها بالباء الزائدة كثيرا، فإذا نصب فقد يعطف عليه مجرور نظرا لحالته الأخرى، وأما عطف المنصوب على المجرور فهو المعطوف على الموضع، ومن قصيدة لي:
(مررت على ربع الأحبة دارسا ... ففاح به عرف الحديث المنمنم)
следующие страницы →