← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

[٣٨]- القول في تيامن وتشاءم ويقولون لمن أخذ يمينا في سعيه: قد تيامن، ولمن أخذ شمالا: قد تشاءم، والصواب أن يقال فيهما: تيمن وتشأم، وأن يقال للمسترشد: يا من يا هذا وتشأم، أي أخذ يمينا وشمالا، فأما معنى تيامن وتشاءم فأن يأخذ نحو اليمين والشأم، وإذا أتاهما قيل: أيمن وأشأم، كما يقال: أنجد وأتهم إذا أتى نجدا وتهامة، وقد يقال في معنى آخر: تيمن الرجل إذا توسد يمينه، ويكنى به أيضا عمن مات لأنه إذا مات أضجع على يمينه، ومنه ما أنشده "ثعلب" في معانيه: (إذا المرء علبي ثم أصبح جلده ... كرخص فالتيمن أروح) ــ (ويقولون لمن أخذ يمينا في سعيه: قد تيامن، ولمن أخذ شمالا: قد تشاءم، والصواب أن يقال فيهما: يا من وشاءم). قال "ابن بري" لا ينكر أن يقال: تيامن إذا أخذ من ناحية اليمن أو اليمين لأن الأصل فيهما واحد، وقال ابن الكلبي": وإنما سميت اليمين بهذا الاسم لتيامنهم إليها، وقال "ابن عباس": لما انتشرت الناس تيامنت العرب إلى اليمين فسميت بذلك، وفي الحديث "أمرهم أن يتيامنوا عن الغميم" أي يأخذوا يمينا، كذا فسره في غريب الحديث، ولهذا السبب جاز أن يقال: أيمن الرجل وتيمن ويمن إذا أخذ في جهة اليمين

стр. 177

ومعنى "علبى" تشنجت علباؤه وهي العصبة في العنق، وأراد هذا الشاعر أنه إذا انتهى في الهرم إلى هذا الحد فالموت أروح له. ــ أو جهة اليمن، وقال "الزجاجي": قال أهل الأثر: وإنما سميت الشام بهذا الاسم لأن قوما من "كنعان" خرجوا عند التفرق فتشاءموا إليها أي أخذوا ذات الشمال فسميت بذلك، وقال "محمد": المانع من دخول التفاعل في هذا يمنع أن يكون التيامن مكنيا به عند الموت، بل هو دليل على جواز استعماله، وكذا قال "ابن بري". وقيل: سمي اليمن لأنه عن يمين الكعبة أو يمين مطلع الشمس، أو توالد "الهميسع" من يمن. والشام سميت بها لسكنى "سام بن نوح" فعربت بإعجام، عكس "دست ودشت"، وفي "المصباح": يمنه الله بيمنه من باب قتل إذا جعله مباركا، وتيمنت به مثل تبركت وزنا ومعنى، ويا من فلان وباسر أخذ ذات اليمين وذات الشمال كما قاله "الأزهري" وغيره. والأمر منه يا من بزنة قاتل، أي أخذ بهم يمنة كما قاله "ابن السكيت"، ولا يقال: تيامن بهم، وقال "الفارابي": تياسر وتيامن بمعنى ياسر ويامن، وبعضهم يرد هذين بقول "ابن الأنباري": العامة تغلط في معنى تيامن، فتظن أنه بمعنى أخذ عن يمينه وليس كذلك عن العرب، وإنما تيامن عندهم إذا أتى ناحية اليمن. اهـ.

стр. 178

[٣٩]- مشئوم لا مشوم ويقولون: هو مشوم، والصواب أن يقال: مشئوم بالهمز، وقد شئم إذا صار مشئوما، وشأم أصحابه إذا مسهم شؤم من قبله، كما يقال في نقيضه: يمن، إذا صار ميمونا، ويمن أصحابه إذا أصابهم يمنه، واشتقاق الشؤم من الشأمة وهي الشمال، وذاك أن العرب تنسب الخير إلى اليمين والشر إلى الشمال، ولهذا تختار أن تعطي بيمينها وتمنع بشمالها، وعليه فسر قوله تعالى: ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ [الصافات: ٢٨]، أي تصدوننا عن فعل الخير وتحولون بيننا وبينه، ومن كلام العرب فلان عندي باليمين، أي بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال، أي بالمنزلة الدنية، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله: (أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك) ــ (ويقولون: مشوم) بميم مفتوحة ثم شين مضمومة ثم واو ساكنة تليها الميم بزنة مقول. (والصواب مشئوم بالهمز بعد الشين الساكنة على وزن مضروب، وقوله الصواب ليس بصواب؛ فإن ما قالوله ليس بخطأ، وإن كان خلاف الأفصح، لأن نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ثم حذفها مقيس، وقد سمع هذه الكلمة كما ورد في قول "العباس بن الأحنف": "جسدي مبتلى بقلب مشوم" وفي الشعر القديم المشهور عند أهل العربية:

стр. 179

وقيل: إنه أراد أجعلتني مقدما عندك أم مؤخرا؟ لأن عادة العرب أن تبدأ باليمين فإذا أكملت عدة الخمسة وثنت عليها الخمس من اليمين، نقلت العدد إلى الشمال. ومما يكنى عنه بالشمال قولهم للمنهزم: نظر عن شماله، ومنه قول الحطيئة: (وفتيان صدق من عدي كأنهم ... صفائح بصرى علقت بالعوائق) (إذا فزعوا لم ينظروا عن شمالهم ... ولم يمسكوا فوق القلوب الخوافق) (وقاموا إلى الجراد الجياد فألجموا ... وشدوا على أوساطهم بالمناطق) ــ (إن من صاد عقعقا لمشوم ... كيف من صاد عقعقان وبوم) فالأصل مشئوم على وزن مفعول، ومشوم مخفف منه، والعامة تقول: ميشوم بياء بعد الميم وهو لحن قبيح. وقوله (وشأم أصحابه إذا مسهم شؤم من قبله) وهذا يقتضى أن "مشئوم" قد يكون مفعولا بمعنى قاعل، كحجابا مستورا بمعنى ساتر، عكس ماء دافق بمعنى مدفوق، لأنه

стр. 180

واختلف المفسرون في تأويل ﴿أصحاب الميمنة﴾ و ﴿أصحاب المشأمة﴾ [البلد: ١٨، ١٩] فقيل: كني بالفريقين عن أهل السعادة وأهل الشقاوة، وقيل: بل المراد بأصحاب الميمنة المسلوك بهم يمنة إلى الجنة، وأصحاب المشأمة المسلوك بهم شأمة إلى النار، وقيل: إن أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم، وأصحاب المشأمة هم المشائيم عليها، والمشائيم جمع مشئوم، ومنه قول الشاعر: ــ يقال: شأمهم وشأم عليهم إذا لحقهم الشؤم من قبله، وقد قال "الشريف المرتضى" في "الدرر والغرر": إنه مطعون فإن العرب لا تعرفه وإنما هو من كلام أهل الأمصار، وإنما تسمي العرب من حفه الشؤم مشئوما كما في قول "علقمة بن عبدة": (ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشئوم) (ومنه قول الشاعر: (مشانيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها) وللنحويين كلام في جر ناعب. هذا الذي سماه النحاة عطف التوهم، ومعناه أن يجري في موضع إعرابان فيعرب بأحدهما ويعطف عليه باعتبار الآخر كما هنا؛ فإن ليس يجر خبرها بالباء الزائدة كثيرا، فإذا نصب فقد يعطف عليه مجرور نظرا لحالته الأخرى، وأما عطف المنصوب على المجرور فهو المعطوف على الموضع، ومن قصيدة لي: (مررت على ربع الأحبة دارسا ... ففاح به عرف الحديث المنمنم)

стр. 181

(مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها) وللنحويين كلام في جر ناعب، وخلاصته أن الشاعر توهم دخول الباء في مصلحين ثم عطف عليه كما أخذ "زهير" بمثل ذلك في قوله: (بدا لي أني لست ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جانيا) فجر لفظة سابق لتوهمه دخول الباء في مدرك المعطوف عليه ــ (وذكرنا عهد الصبابة والصبا ... هديل حمام في الربا مترنم) (فقلت لخلي: عج بنا ساعة عسى ... يحدثنا رسم الهوى المتقدم) (فعجنا له عطفا على موضع به ... هوانا، فكان العطف عطف التوهم) والبيت المذكور "للأحوص الرياحي" وهو من شواهد "الكتاب"، وقبله: (أليس بيربوع إلى العقل فاقة ... ولا دنس تسود منه ثيابها) (فكيف بنوكي مالك إن عقرتم ... لهم هذه أم كيف بعد سبابها؟ ) (فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بغايا بالأكف غيابها) (ستخبر ما أحدثتموا في أخيكم ... رفاق من الآفاق شتى إيابها) مشائيم ... البيت. وقد قيل في حرب وقعت بين بني "يربوع" وبني "دارم"، فقتل من بني "غدانة" رجل يقال له "أبو بدر" فقالت "بنو يربوع": لا نبرح حتى نأخذ بثأرنا، ولم يعلم القاتل، فأقبلوا يتفاوضون في أمر الدية، فقال "الأحوض" هذه القصيدة في ذلك. والإياب: الرجوع، والمآب: المرجع. يقول: سيأتي حديثكم الموسم وفيه يجتمع الرفاق من كل ناحية، فإذا رجعوا تفرقوا،

стр. 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو معنى قوله شتى إيابها، أي إذا رجعت تفرقت في كل وجه فتنقل ما تسمعه من قبيح صنعكم إلى من لم يسمعه. وقوله: "ولا ناعب إلا بشؤم غرابها" مثل كما يقال: هو مشئوم الطائر لمن هو مشئوم في نفسه. وقوله: (بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا) هو من شعر "زهير" في ديوانه، إلا أنه روي فيه: ولا سابقي بإضافته إلى ياء المتكلم ورفع شيء، فعليه لا شاهد فيه، وقوله: (كأني وقد خلفت سبعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا)

стр. 183

٤٠ - سرداب بكسر السين لا بفتحها ويقولون؛ اتخذت سردابا بعشر درج، فيفتحون السين من سرداب، وهي مكسورة في كلام العرب، كما يقال: شمراخ وسربال وقنطار وشملال، وما أشبه ذلك مما جاء على فعلال بكسر الفاء، ثم إن العرب فرقت بين ما يرتقى فيه وما ينحدر فيه إلى السفل فسموا ما يرتقى فيه إلى العلو درجا وما ينحدر فيه إلى السفل دركا، ومنه قوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥] وجاء في الآثار "أن الجنة درجات والنار دركات". ــ (ويقولون: اتخذت سردابا بغير درج فيفتحون السين من سرداب، وهي مكسورة في كلامهم). في "المصباح": السرداب المكان الضيق يدخل فيه، والجمع سراديب، وقد قيل: إنه معرب "سرداب" أي الماء البارد لأنه يعد لتبريد الماء، وأوله قبل التعريب مفتوح، ولذا قيل: إن فتحه على العجمية ليس بخطأ ولا وجه له. وقوله (مثل شملال) لأن الغالب في المعرب إجراؤه على قياس الأوزان العربية، وليس المراد أن فعلالا بالفتح معدوم في كلامهم لأنه كثير فيه، وإنما المراد أنه نادر فيما نحن فيه، وهو ما لم يضاعف كصلصال ووسواس. قال "ابن قتيبة": ليس في الكلام فعلال بفتح الفاء [غير المضاعف إلا حرف واحد، يقال: ناقة خزعال أي بها ظلع وقال الجوهري: ليس في الكلام فعلال] غير "خزعال وقهقار" يعني من غير ذوات التضعيف، وإلا فهو فيها كثير كما مر. والمضاعف إذا فتح فهو اسم، وإذا كسر فهو مصدر، وقال "ابن مالك": الحق أن المفتوح صفة، ورد على الزمخشري أنه مصدر.

стр. 184

[٤١]- تمييز كم الاستفهامية وكم الخبرية ويقولون في الاستخبار: كم عبيدا لك؟ مقايسة على ما يقال في الخبر: كم عبيد لك. فيوهمون فيه؛ إذ الصواب أن يوحد المستخبر عنه بكم فيقال: كم عبدا لك لأن كم لما وضعت للعدد المبهم أعطيت حكم نوعي العدد، فجر الاسم بعدها في الخبر تشبيها بالعدد المجرور في الإضافة، ونصب في الاستفهام تشبيها بالعدد المنصوب على التمييز، فلهذه العلة جاز أن يقع بعد كم الخبرية الواحد والجمع، كما يقال: ثلاثة عبيد وألف عبد، ولزم بعد الاستفهامية أن يقع بعدها الواحد كما يقع بعد أحد عشر إلى تسعة وتسعين، وامتنع أن يقع بعدها الجمع لأن العدد بعدها منصوب على التمييز، والمميز بعد المقادير لا يكون جمعا. ــ (ويقولون في الاستخبار: كم عبيدا لك؟ مقايسة على ما يقال في الخبر: كم عبيد لك. فيوهمون فيه؛ إذ الصواب أنه يوحد المستخب عنه). هذا لا وجه له، لأن ما منعه جوزه الكوفيون، واعترف بوروده البصريون، إلا أنهم قالوا: إنه مؤول، وفي "التسهيل": كم اسم لعدد مبهم، فيفتقر إلى مميز لا يحذف إلا بدليل، ثم قرر جواز جره، وقال: ولا يكون مميزها جمعا خلافا للكوفيين، وما أوهم ذلك فحال والمميز محذوف. وقال شراحه: مثاله "كم لك غلمانا؟ " وتقديره كم نفسا استقروا لك غلمانا؟ فحذف المميز، والجمع المنصوب حال من ضمير الظرف المستقر، والعامل فيه الظرف

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو عامله المحذوف، فلو قلت: كم غلمانا لك؟ لم يتمش [هذا] التخريج إلا على رأي "الأخفش" في تجويز تقديم الحال على عامله المعنوي في مثل ذلك وقياس من جوز في "اثنا عشر أسباطا" أن يكون أسباطا تمييزا، ومنهم "الزمخشري" فإنه جوزه هنا.

стр. 186

[٤٢]- القول في أرض جمع ويقولون في جمع أرض: أراض، فيخطئون فيه لأن الأرض ثلاثية والثلاثي لا يجمع على أفاعل، والصواب أن يقال في جمعها: أرضون بفتح الراء، وذلك أن الهاء مقجرة في أرض فكان أصلها أرضة وإن لم ينطق بها، ولأجل تقدير هذه الهاء جمعت بالواو والنون على وجه التعويض لها عما حذفت منها، كما قيل في جمع عضة عضون وفي جمع عزة عزون، وفتحت الراء في الجمع لتؤذن الفتحة بأن أصل جمعها أرضات، كما يقال: نخلة ونخلات، وقيل: بل فتحت ليدخلها ضرب من التغيير، كما كسرت السين في جمع سنة فقيل: سنون. ــ (ويقولون في جمع أرض: أراض، فيخطئون فيه؛ لأن الأرض ثلاثية، والثلاثي لا يجمع على أفاعل، والصواب أن يقال في جمعها: أرضون بفتح الراء). قال "أبو سعيد السيرافي": يقال: أرض وأراض كأهل وأهال، كما قالوا: ليلة وليال كأن الواحدة ليلاة وأرضاة، وقال: إنه كذا في "كتاب سيبويه" في أصح الروايتين، وإنما قال في أصح الروايتين؛ لأنه روى في الكتاب: آهال وآراض على وزن أفعال، يعني أنه جمع لمفرد مقدر غير ثلاثي، كما قالوا في ليال، وبه علم الجواب عن قول المصنف أن الثلاثي لا يجمع على أفاعل. وفي "القاموس": والجمع أرضات وأرضون وأروض وأراض والأراضي على غير قياس، وأرضون بفتح الراء على خلاف القياس أيضا، لأنه مع تغيير مفرده لا يعقل، ومثله لا يجمع هذا الجمع. (ولأجل تقدير هذه الهاء جمعت بالواو والنون على جمعه التعويض لها عما حذف منها. كما قالوا في جمع عضة: عضون، وفي جمع عزة: عزون، وفتحت الراء في الجمع لتؤذن الفتحة بأن أصل جمعها أرضات، كما قيل: نخلة ونخلات، وقيل: بل فتحت ليدخلها ضرب التغيير كما كسرت السين في جمع سنة فقيل: سنون). هذا إشارة إلى ما حقق في العربية وشروح "الكتاب" من أن هذا الجمع للمذكر

стр. 187

[وهذا الجمع الذي بالواو والنون وضع في الأصل لمن يعقل من الذكور، إلا أنه قد جمع عليه عدة من الأسماء المحذوف منها على وجه جبرها والتعويض لها، فقالوا: سنة وسنون، وعشرة وعشرون وثبة وثبون وكرة وكرون وعضة وعضون، وفي القرآن ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ [الحجر: ٩١]. وقد اختلف في المحذوف، فقيل: إنه الهاء لاشتقاقه من العضيهة وهو البهتان، وقيل: بل الواو لاشتقاقه من التعضية التي بمعنى التجزئة، أي عضئوا القرآن أعضاء فآمنوا منه ببعض وكفروا ببعض، ونسبوا بعضه إلى سحر وبعضه إلى شعر]. ــ وسمع في غيره شذوذا، إلا أنه شاع في أسماء الدواهي لتهويلها وتنزيلها منزلة من يعقل، وفيما حذف من حرف "كعضة" تعويضا عما حذف وجبرا له، إلا أن المذكور في كتب العربية أنه فيما حذف أحد حروفه الأصول المعتد بها على كلام فيه في شروح "التسهيل" وتاء التأنيث ليست كذلك. ففي كلامه خلل ظاهر. وقوله: (وفتحت .. ) إلى آخره، يعني لما كان مؤنثا والتاء مقدرة فيه جعلوها كالموجودة، وما فيه التاء يفتح في جمع المؤنث كجفنة وجفنات فحملوا عليه جمع المذكر إشارة إلى أنه هو الأصل في شرح الكتاب. وقوله: (وقيل .. ) كلام لا محصل له، وتركه خير من ذكره.

стр. 188

[٤٣]- الصواب حدث لا حدث ويقولون: قد حدث أمر، فيضمون الدال من "حدث" مقايسة على ضمنها في قولهم: أخذه ما حدث وما قدم، فيحرفون بنية الكلام المقولة، ويخطئون في المقايسة المعقولة، لأن أصل بنية هذه الكلمة حدث على وزن فعل بفتح العين، كما أنشدني بعض أدباء "خراسان"، "لأبي الفتح البستي": (جزعت من أمر فظيع قد حدث ... أبو تميم وهو شيخ لا حدث) (قد حبس الأصلع في بيت الحدث) وإنما ضمت الدال من حدث حين قرن بقدم لأجل المجاورة والمحافظة على ــ (إنما ضمت الدال من حدث حين قرن بقدم لأجل المجاورة والمحافظة على الموازنة) حدث بمعنى تجدد بعدما كان معدوما، وهو من باب "قعد" فضم داله خطأ إلا إذا كان للإزدواج، وهو باب واسع، وفيه بحث لأنه ضرب من المشاكلة وهي من أقسام المجاز. فهل هذا أيضا مجاز أو حقيقة؟ والظاهر أنه حقيقة، والفرق بينه وبين المشاكلة المشهورة أن التصرف والنقل فيها في الصيغة، وفيه في مجرد الهيئة وإن لم يجز استعماله بغير قرينة قريبة، وقد قيل: إنه مقصور على السماع، فيكون موضوعا له بشرط، فتأمله: (جزعت من أمر فظيع قد حدث ... أبو تميم وهو شيخ لا حدث) (قد حبس الأصلع في بيت الحدث)

стр. 189

الموازنة، فإذا أفردت لفظة حدث زال السبب الذي أوجب ضم دالها [في الازدواج] وجب أن ترد إلى أصل حركتها وأولية صيغتها. مطلب مفيد وقد نطقت العرب بعدة ألفاظ غيرت مبانيها لأجل الازدواج، وأعادتها إلى ــ فيه كناية بديعة ونكاية فظيعة ترميه بالداء العضال، والحدث الحالة المناقضة للطهارة شرعا، والجمع أحداث، ويقال للفتى حديث السن [وإن حذفت السن] قلت: حدث بفتحتين وجمعه على أحداث، وفيه تجنيس لطيف. ثم استطرد وذكر ألفاظا استعملوها في الازدواج خاصة، فقال: [فقالوا] (الغدايا والعشايا إذا قرنوا بينهما، فإذا أفردوا الغدايا ردوها إلى أصلها وقالوا: الغدوات). قال "ابن بري": حكى "ابن الأعرابي" أنه يقال: غدية وغدايا، وأنشد شعرا: (ألا ليت شعري من زياد أمية ... غديات قيظ أو عشيات أندية)

стр. 190

أصولها عند الانفراد، فقالوا: الغدايا والعشايا إذا قرنوا بينهما، فإذا أفردوا الغدايا ردوها إلى أصلها فقالوا: الغدوات. وقالوا: هنأني الشيء ومرأني، فإن أفرداو مرأني قالوا: أمرأني. وقالوا: فعلت به ما ساءه وتاءه، فإن أفردوا قالوا: أناءه. وقالوا أيضا: هو رجس نجس، فإن أفردوا لفظة نجس، ردوها إلى أصلها فقالو: نجس، كما قال. : ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]. وكذلك قالوا للشجاع الذي لا يزال مكانه: أهيس أليس، والأصل في ــ فإذا سمع في مفدرة غدية كان جمعه على غدايا قياسا من غير احتياج إلى الازدواج، وقوله في "القاموس" - بعدما حكى في مفرده غداة وغدية-: ولا يقال: غدايا إلا مع عشايا فيه خلل" بل زلل. وفي شرح "بانت سعاد" "لابن هشام" غداة وزنها فعلة بالتحريك ولامها واو لقولهم في جمعه غدوات كصلاة وصلوات، ولأنها من غدوت، ولقولهم: غدوة وقولهم يأتينا بالغدايا والعشايا. قال "الجرجاني" و"ابن سيده": إنما جاءت الياء فيها لتناسب عشايا.

стр. 191

الأهيس الأهوس لاشتقاقه من هاس يهوس، إذا دق، فعدلوا به إلى الياء ليوافق لفظة أليس. وقد نقل عن النبي ﷺ ألفاظ راعى فيها حكم الموازنة وتعديل المقارنة، فروي عنه ﷺ أنه قال للنساء المتبرزات في العيد: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" وقال في عوذته "للحسن والحسين". كرم الله وجهيهما. "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة". ــ والصواب أن الذي فعل للازدواج إنما هو جمع غداة على غدايا فإنها لا تستحق هذا الجمع بخلاف عشية فإنها كقضية ووصية وأما الياء فتستحقها بعد أن جمعت هذا الجمع، وهي مبدلة من همزة فعائل لا من لام غداة التي هي الواو. وبيانه أن أصل عشايا "عشاو" بواو متطرفة هي لامها، وتلك الواو بعد همزة منقلبة عن الياء الزائدة في عشية، كما في صحيفة وصحائف، ثم قلبوا الكسرة فتحة للتخفيف، كما فعلوا في صحازى وعذارى، إلا أنهم التزموا التخفيف في الجمع الذي أعلت لامه وقبلها همزة لأنه أثقل، ثم انقلبت اللام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم أبدلت الهمزة تخفيفا لاجتماع الأشباه، إذ الهمزة تشبه الألف وقد وقعت بين ألفني، ثم لما جمعت غداة على فعائل للمناسبة، وكان كل شيء جمع على فعائل ولامه همزة أو ياء أو واو لم تسلم في الواحد مستحقا لأن تبدل من همزته ياء كخطايا ووصايا فعلوا ذلك في غدايا لأن واو غداة لم تسلم فإن قلت: قدروا الغدايا جمعا لغدرة وقد صح كلاهما لأن الواو قد سلمت في الواحد فكان القياس غداوى كما يقال: هراوة وهراوى، قلت: يأباه أمران: أحدهما: أنهما إنما قالا جمع غداة فكيف يحمل كلامهم على خلاف ما صرحوا به؟

стр. 192

والأصل في مأزورات موزورات لاشتقاقها من الوزر، كما أن الأصل في لامة ملمة لأنها فاعل من ألمت، إلا أنه ﷺ قصد أن يعادل بلفظ مأزورات لفظ مأجورات، وأن يوازن بلفظ لامة لفظتي تامة وهامة [ومثله قوله. ﵇ "من حفنا أو رفنا فليقتصد" أي من خدمنا أو أطعمنا، وكان الأصل أتحفنا فأتبع حفنا رفتا]. ويروى في قضايا "علي" ﵇ أنه قضى في القارصة والقامصة والواقصة بالدية أثلاثا، وتفسيره أن ثلاث جوار ركبت إحداهن الأخرى فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة ووقصت، فقضى للتي وقصت أي اندق عنقها ــ الثاني: أنه إذا دار الأمر بين إسناد الحكم إلى المناسبة وإسناده إلى أمر مقتض الكلمة نفسها تعين الثاني. وزعم "ابن الأعرابي" أن الغدايا لم تقل للمناسبة، وإنما هي جمع غدية، واستدل لثبوته بقوله: "ألا ليت شعري ... " البيت السابق، ولا دليل فيه لجواز أن يكون إنما جاز غديات لمناسبة عشيات، لا لأنه يقال: غدية. اهـ. وما قاله "ابن الأعرابي" إن لم يكن له دليل غبر ما أنشده - ورد عليه "ابن هشام" ما قاله - فلا يتم كلام المحشي الذي قدمناه والظاهر خلافه. (وقالوا: هنأني الشيء ومرأني، فإن أفردوا قالوا: أمرأني) قال "ابن بري": حكى أهل اللغة مرأني وأنرأني لغتين. أقول: ما ذكره المصنف بغينه من "أدب الكاتب" كما هو شأنه في كتابه هذا، وعبارته عليه بأن حكى في باب فعلت وأفعلت بلا اشتراط ازدواج، وكذا قال "الزجاج" وأجاب بأن الحكم أن يقال: أنه إذا انفرد جاز فيه اللغتان، فإذا ذكر مع هنأ قيل: مرأ بلا ألف لا غير على الاتباع.

стр. 193

بثلثي الدية على صاحبتها، وأسقط الثلث باشتراك فعلها فيما أفضى إلى وقصها، والواقصة هنا بمعنى الموقوصة، وأنشد "الفراء" في هذا النوع: هناك أخبية ولاج أبوبة ... يخلط بالجد منه البر واللينا ــ ولعمري إن هذا الصلح ليس بخير، فالأحسن أن يقال - كما في "النهاية الأثيرية"-: لإن فيه قولين لأهل اللغة: [أحدهما] قول "للفراء" وهو ما ذكره المصنف وصاحب "أدب الكاتب" في أحد البابين. والآخر: قول "الزجاج" وعليه مشى في باب آخر، وعلى كل حال فما هنا غير متفق عليه. (وقالوا: فعل به ما ساءه وناءه) أي أثقله، وقال "الزمخشري" في شرح مقاماته: ناء به أماله، ومنه ﴿لتنوء بالمعصبة﴾ [القصص: ٧٧] أي تميلهم لثقلها فلا يقدرون على النهوض، ومنه قولهم: أفعل كذا على ما يسؤوه وينوؤه. قال "الفراء": أراد ينيئه، ولكن قال ينوؤه للازدواج، ويجوز أن يكون اتباعا للتأكيد لا غير. أقول: هذا بناء على ما اختاره من جواز العطف في الاتباع وبعضهم يمنعه، ففيه اختلاف كما قال "ابن فارس" في فقه اللغة: حياك الله وبيلك، معنى بياك أضحكك، وقيل: هو اتباع، وقول "العباس": زمزم لشاربها حل وبل بمعنى مباح وشفاء، وقيل: هو اتباع. وقال في "المزهر": عندي أنه ليس باتباع لأنه لا يكاد يكون بالواو، مع أنه لما سرد أمثلته أتى فيها بأمور كثيرة معطوفة، ثم إن الاتباع على قسمين: - ما لا معنى له أصلا غير التقوية كحسن بن.

стр. 194

فجمع الباب على أبوبة ليزاوج لفظ أخبية. ــ - وما له معنى ظاهر كقسيم وسيم، أو غير ظاهر كشيطان ليطان، أي لاصق بالشر، وهو كما قال "ابن فارس": إما معرب بإعرابه كسحن بسن، أو مركب معه كحيص بيص فإنه اتباع، كما صرح به "ابن فارس". - وقد يكون بأكثر من لفظ وفي غير الأسماء نحو: لا بارك الله فيك ولا تارك ولا دارك. قال "ابن الدهان" في "الغرة": وهو عند الأكثرين قسم من التأكيد، وبعضهم، وهو الأكثر، جعله قسما من التوابع على حدة، لجريانه على المعرفة والنكرة. قلت: إذا كان تأكيدا يحتمل أن يكون معنويا ولفظيا على أنه أبدل منه حرف لدفع صورة التكرار كما أشار إليه "الرضي". (وقالوا: هو رجس نجس، فإذا أفردوا لفظ نجس ردوه إلى أصله، كما قال تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]. يعني أن نجس بكسر أوله وسكون ثانيه إنما يكون لأجل مقارنته للرجس، فإنه موضوع على هذه الزنة ابتداء، وقد سبق المصنف إلى هذا غيره، وفي "طلبة الطلبة": النجس بالكسر والسكون اتباع للرجس على نظمه، فإذا أفردوا قالوا: نجس بفتح النون والجيم إذا أرادوا الاسم فإذا أريد النعت [به] فهو بفتح النون وكسر الجيم. اهـ. وهو مردود لثبوت ما يخالفه، وقد قال "ابن هشام": إنه لا يثبت ما ذكروه من الازدواج، وإنما يتم لو كانوا في حال المقارنة لم يقولوا نجس بفتحة وكسرة، وحينئذ يكون الازدواج والمشاكلة، فإنما هو في التزام ذلك، وإلا فكل اسم على وزن [فعل] يجوز فيه

стр. 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جوازا مطردا فتح أوله وكسر ثانيه على الأصل نحو كتف، ويجوز تسكين عينه مع فتح، فإنه يقال: كتف بوزن ضرب، يجوز كسر أوله مع سكون ثانيه فيقال كتف بوزن علم، فإن كانت عينه حرف حلق كفخذ ففيه لغة رابعة وهي اتباع الحرف لحركة العين لقوتها) فإذا جاز هذا فيه فالازدواج بالتزامه لا بأصله، وفيه حينئذ مسامحة ما. (وكذلك قالوا للشجاع الذي لا يزايل مكانه: أهيس أليس، والأصل في الأهيس الأهوس لا شتقاقه من هاس يهوس إذا دق، فعدلوا به إلى الياء ليوافق أليس). في "الصحاح" قال "الأصمعي": يقال: حمل فلان على عسكرهم فهاسهم مثل حاسهم أي داسهم، والأهيس: الشجاع مثل الأهوس، وكذا في "القاموس"، ولذا ذكره في الياني والواوي، فما قاله المصنف ليس بمسلم عند أهل اللغة. ثم ذكر من الازدواج ما ورد في الحديث من قوله ﵊: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" - مأزورات من الوزر فقياسه موزورات، وإنما همز ليشاكل مأجورات من الأجر، إلا أن "أبا علي" قال في "التذكرة": لا يصح أن يكون هذا القلب هنا للإتباع، لأنه إنما يتأتى إذا جاء الأول على القياس والإتباع في الثاني، وإنما قال مأزورات على حد قولهم يأجر، ويعني أبدلت همزة كما في يأجر من غير اتباع، والظاهر أنه لا يلزم على حد قولهم يأجر، ويعني أبدلت همزة كما في يأجر من غير اتباع، والظاهر أنه لا يلزم تقدم الجاري على القياس فيما نحن فيه، وقد صرح بهذا علماء البيان في المشاكلة، واستشهدوا له بقوله: (أوما إلى الكوماء: هذا طارق ... تنحرني الأعداء إن لم تنحري)

стр. 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا من حديث قاله النبي ﷺ للنساء في نهيهن عن زيارة القبور، ثم أذن فيها بعد، فالحديث منسوخ. (أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن شر كل عين لامة). الشاهد في قوله لامة، فإنه كان قياسه ملمة لكنه غير للازدواج، وليس بمسلم أيضا. قال "ابن بري": عين لامة أي ذات لمم واللمم الجنون، وأصابه من الجن لمة، وقد تكون لامة من لم به إذا زاره لغة في ألم به. وفي "القاموس": العين اللامة المصيبة بسوء وكل ما يخاف من فزع أوشر. وعلى هذا فلا ازدواج، والكلمات التامة فسرت بالقرآن. ومثله قول امرأة من العرب: من حفنا أو رفنا فلينزل، أي من خدمنا ومدحنا أو أطعمنا فلينزل عندنا فإننا نكرمه، وكان الأصل رفانا. وفي "القاموس": من حفنا أو رفنا فليقصد، أي من طاف بنا واعتنى بأمرنا أو خدمنا ومدحنا فلا يغلون، ومنه قولهم: ما له حاف ولا راف، وذهب من كان يحفه ويرفه. وفي "الصحاح" أيضا - بعدما ذكر هذا المثل - قال: أي من خدمنا أو تعطف علينا وحاطنا، وذكر في مادة (ر ف ف): وقد رففت أرف بالضم، وفلان يرفنا أي يحوطنا. (وفي المثل الخ ... ) وظاهره أنه ليس من الازدواج، وفي "المجمل" يقال: ما لفلان حاف ولا راف، فالحاف الذي يضمه والراف الذي يطعمه، ورف فلان بفلان أكرمه.

стр. 197

[٤٤] هل تقع كلمة "نفر" تمييزا لعشرين وثلاثين ؟ ويقولون: هم عشرون نفرا وثلاثون نفرا فيوهمون فيه؛ لأن النفر إنما يقع على الثلاثة من الرجال إلى العشرة، فيقال: هم ثلاثة نفر وهؤلاء عشرة نفر، ولم يسمع عن العرب استعمال النفر فيما جاوز العشرة بحال، ومن كلامهم في الدعاء الذي لا يراد وقوعه بمن قصد به: لا عد من نفره. كما قال "امرؤ القيس": (فهو لا تنمي دميته ... ماله لا عد من نفره) ــ (ويقولون: هم عشرون نفرا وثلاثون نفرا فيوهمون فيه؛ لأن النفر إنما يقع على الثلاثة من الرجال إلى العشرة). ما ذكره وإن كان مشهورا ففي كلام البلغاء وأهل اللغة ما يخالفه، ولهذا قال بعضهم: النفر يطلق على ما فوق الثلاثة، كما في "القاموس" وغيره. وفي كلام "الشعبي": حدثني بضعة عشر نفرا. ولا يختص بالرجال بل ولا بالإنسان لقوله تعالى: ﴿قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن﴾ [الجن: ١]. وفي "المجمل": النفر والرهط يستعمل إلى الأربعين، والفرق بينهما أن الرهط يرجعون إلى أب واحد بخلاف النفر. وبيت "امرئ القيس" المذكور شاهد على غير ما قاله المصنف لا له، فهو كما قيل في المثل "كالحافر على حتفه بظلفه" لأنه فسر النفر فيه

стр. 198

فظاهر كلامه أنه دعاء عليه بالموت الذي به يخرج عن أن يعد من قومه، وأخرج هذا القول مخرج المد له والإعجاب بما بدا منه لأنه وصفه بسداد الرماية وإصماء الرمية وهو معنى قوله: لا تنمي رميته، لأنهم قالوا في الصيد: رماه فأصماه إذا قتله مكانه ورماه فأنماه إذا غاب عن عينيه ثم وجده ميتا، وفي الحديث: أن رجلا أتاه. ﵇. فقال: إني أرمي الصيد فأصمي وأنمي، فقال له: "ما أصميت فكل، وما أنميت فلا تأكل" وإنما نهاه عن أكل ما أنماه لجواز أن يكون مات من غير مرماه. ونظير قولهم: لا عد من نفره قولهم للشاعر المغلق: قاتله الله، وللفارس المحرب: لا أب له، وعلى هذا فسر قوله ﷺ لمن استشاره في النكاح: ــ بالقوم، وهو المتبادل من قوله تعالى: ﴿وأعز نفرا﴾ [الكهف: ٣٤]، كما يشهد له مقام الافتخار، ومن الغريب ما وقع في الحديث من استعماله بمعنى رجل وبه صرح الإمام "الكرماني" فقال: للنفر معنى آخر في العرف وهو الرجل، والمراد بالعرف عرف اللغة لأنه فسر به الحديث الصحيح، وقد غفل عن هذا بعض أهل العصر فقال في بعض تآليفه: فإن قلت: قال صاحب "التقريب" في تفسير قول من قال: لو ههنا أحد من أنفارنا أي رجالنا مقتضاه وقوع النفر على الرجل الواحد فليكن قولهم عشرون نفرا على معنى "عشرون

стр. 199

"عليك بذات الدين تربت يداك" وإلى هذا المعنى أشار القائل بقوله: (أسب إذا أجدت القول ظلما ... كذاك يقال للرجل المجيد) يعني أنه يقال له عند إجادته واستحسان براعته: قاتله الله فما أشعره! ولا أب له فما أمهره! . وعند أكثر أهل اللغة أن الرهط بمعنى النفر في أنه لا يتجاوز العشرة، كما جاء في القرآن [الكريم]: ﴿وكان في المدينة تسع رهط﴾ [النمل: ٤٨] إلا أن الرهط يرجعون إلى أب واحد بخلاف النفر، وإنما أضيف العدد إلى النفر والرهط لأنهما اسمان ــ رجلا" قلت: قد قال هذا صاحب "مطالع اللغة" وهو "ابن قرقول" في هذا التفسير، إلا أنه قال في "المطالع": لم يرد أن النفر بمعنى الرجل والأنفار بمعنى الرجال، وإنما هو بيان لحاصل المعنى. وقد علمت مما قدمناه لك ما في كلامه فتنبه له. كما قال "امرؤ القيس": (فهو لا تنمي رميته ... ما له لا عد من نفره) هو من قصيدة في ديوانه أولها: (رب رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره) وهي من غرر قصائده لعذوبة لفظها وخفة وزنها، ولهذا عارضه كثيرون من الشعراء المتقدمين "كعلي بن جبلة" في قوله يمدح "أبا دلف": (يا دواء الأرض إن فسدت ... وبديل الير من عسره)

стр. 200

للجماعة، فكان تقديره قوله تعالى: ﴿تسعة رهط﴾ [النمل: ٤٨] أي تسعة رجال، ولو كان بمعنى الواحد لما جازت الإضافة إليه كما يقال: تسعة رجل، وذكر "ابن فارس" في كتاب "المجمل" أن الرهط يقال إلى الأربعين كالعصبة. ــ (كل من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره) (مستعير منك منقبة ... يكتسبها يوم مفتخره) وقول "أبي نواس": (أيها المنتاب عن عفره ... لست من ليلى ولا سمره) [ومنها]: [لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره] وفي شرح دبوان "امرى القيس" أنمى بمعنى: توارى عن الرامي مات أو لم يمت، والضمير للرامي، وقال "ابن بري": النفر هنا بمعنى القوم فلا يناسب مدعاه فإن قومه "بنو ثعل" وهم خلق كثير، وورد في الحديث "ثلاثة أرهط" فسمى الواحد

стр. 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رهطا، وهو كالذود الذي يراد به الواحد، وهو في أصلخ جمع كما في النفر. وقوله (تربت يداه) دعا عليه بالفقر كأنه ليس عنده غير التراب، ومثله أرمل المأخوذ من الرمل، وقال في "الكشاف": قولهم: قاتله الله ونحوه كأنه بلغ مبلغا يحسد فيه ويدعو عليه حاسدوه، وهو استعارة كما حققه أهل المعاني. (ثم إن الرهط يقال إلى الأرعين كالعصبة) ولم يبين ابتداء ذلك في العصبة، وظاهر تسويته بالرهط أنه يطلق على ما دون العشرة، والمصرح به في كتب اللغة أن العصبة من العشرة إلى الأربعين، وفي التفاسير: العصبة والعصابة العشرة فصاعدا لأنهم تعصب بهم الأمور وتستكفي النوائب، وقيل: ذلك مردود بما في مصحف "حفصة" ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ [النور: ١١]، وأجيب: [عنه بأنه من ذكر البعض بعد الكل لنكتة أو هو مجاز وما قاله ابن فارس قول آخر مخالف للمشهور].

стр. 202

[٤٥] صحة جمع "حاجة " ويقولون في جمع حاجة: حوائج، فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين في قوله: (إذا ما دخلت الدار يوما ورفعت ... ستورك لي فانظر بما أنا خارج) (فسيان بيت العنكبوت وجوسق ... رفيع إذا لم تقص فيه الحوائج) والصواب أن يجمع في أقل العدد على حاجات، كقول الشاعر: ــ (ويقولون في جمع حاجة: حوائج، فيوهمون فيه، كما وهم بعض المحدثين في قوله: (إذا ما دخلت الدار يوما ورفعت ... ستورك لي فانظر بما أنا خارج) (فسيان بيت العنكبوت وجوسق ... رفيع إذا لم تقض فيه الحوائج) رد ما ذكره، وصحة ما ادعى الوهم فيه أشهر من "قفا نبط"، وحاجة عند "الخليل" كما في "العين" أصلها حائجة، فلهذا جمعت على حوائج، وكذا قاله "ابن دريد" و"أبو عمرو بن العلاء" وقالوا: حائجة مسموعة من العرب كحاجة كما حكاه "الأصمعي" إلا أن المشهور حاجة، واستعمال حائجة نادر جدا، ولهذا قال "ابن جني": إنه لم يسمع، وحوائج جمع لمفرد مقدر، وذهب بعض اللغويين إلى أن حوائج جمع "حوجاء" بمعنى حاجة، وهو مفرد مستعمل أيضا. قال "قيس بن رفاعة": من كان في نفسه حوجاء يطلبها. والقياس فيه أن يجمع حوجاء على حواجي، مثل صحراء وصحاري، فقدمت الياء فيه على الجيم قلبا فصارت حوائج. والقلب في كلام العرب كثير، ففيه ثلاثة أقوال:

стр. 203

(وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين) (وأن يجمع في أكثر العدد على "حاج" مثل هامة وهام، وعليه قول "الراعي": (ومرسل ورسول غير متهم ... وحاجة غير مزجاة من الحاج) وأنشدت "لأبي الحسين بن فارس اللغوي": ــ أولها: أنه جمع حائجة المقدر. وثانيها: أنه سمع مفرده. وثالثها: أنه جمع حوجاء. ثم إن حوائج كثر استعماله في الكلام الفصيح كقول النبي ﷺ : "استعينوا على أنجاح الحوائج بالكتمان [لها] ".

стр. 204

(وقالوا: كيف أنت فقلت: خير ... تقضى حاجة وتفوت حاج) (إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا: ... عسى يوما يكون لها انفراج) (نديمي هرتي وسرور قلبي ... دفاتر لي ومعشوقي السراج) ــ وحكى "سيبويه" أنه يقال: تنجز فلان حوائجه واستنجزها، وفي الحديث: "اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه". وما أحسن قول "الصرصري" في بعض قصائده النبوية: (ألا يا رسول الإله الذي ... هدانا به الله غي كل تيه) (سمعنا حديثا من المسندات ... يسر فؤاد النبيل النبيه) (بأنك قلت فيه اطلبوا الحوائج ... عند حان الوجوه) (ولم أر أحسن من وجهك ... الكريم فجد لي بما أرتجيه) ومما استشهدوا به لصحة جمع الحوائج من كلام العرب قول "الأعشى": (الناس حول فنائه ... أهل الحوائج والمسائل) وقول "الشماخ": (تقطع بيننا الحاجات إلا ... حوائج تعتسفن مع الجرير) وقول "الفرزدق": (ولي ببلاد السند عند أميرها ... حوائج جمات وعندي ثوابها) إلى غير ذلك مما لا يحصى نثرا ونظما، ولو أورد كله لمكان كتابا ضخما.

стр. 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمصنف كما في مسائل "ابن بري" تبع فينا ذكره "الأصمعي" وهو مما عد من سقطاته وغلطاته، وحكى عنه "الرقاشي" و"السجستاني" أنه رجع عن هذا القول، ولو أن "الحريري" سلك مسالك النظر السديد، وحاد عن مذهب التسليم والتقليد، كان الحق إليه أقرب من حبل الوريد. والشعر الذي أورده نسب "لابن عنين" ووقع في بعض نسخ ديوانه، وهو من الهفوات وأوهام الرواة "وما آفة الأخبار إلا رواتها". وهو "لأبي سعد بن هبة الله بن الوزير المطلب" وهو كما قال "العماد" في "الجريدة" من بيت السؤود والفضل وله خط رائق وأدب فائقـ وكان يلقب بالجرذ، وإلى ذلك يشير بقوله: (فديت من في وجهها سنة ... أشهى إلى قلبي من الفرض) (تنسى عهودا سلفت بيننا ... كأنها قد أكلت قرضي) وأنشد قوله: (تنانيركم للنمل فيها مدارج ... وفي قدركم للعنكبوت مناسج) (وعندكم للضيف يوم يزوركم ... حوالات سوء كلها وسفاتج) (إذا سهل الإذن العسير ورفعت ... ستورك فانظر لي بما أنا خارج) (فسيان بيت العنكبوت وجوسق ... رفيع إذا لم تقض فيه الحوائج) وقضاء الحاجة غني عن البيان، إلا إذا كني به في العرف عن دخول بيت الخلاء

стр. 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للبراز. ومن ملح "الشهاب الحجازي" قوله فيما يكتب على باب بيت الخلاء، كما جرت به عادة الملوك والرؤساء: (لذ ببابي استطابة ... عند ضيق المناهج) (فهو باب مجرب ... لقضاء الحوائج) وبهذا يظهر لك حسن قولي في هذا المعنى: (إذا القصر لم تقض المنى في جنابه ... ولم تنفتح عند المضيق المناهج) (ففبيت الخلا منه أحب لناظري ... فكم قضيت للنفس فيه حوائج)

стр. 207

[٤٦]- شيء ثمين لا مثمن ويقولون لما يكثر ثمنه: مثمن، فيوهمون فيه لأن المثمن على قياس كلام العرب هو الذي صار له ثمن ولو قل، كما يقال: غض مورق إذا بدا فيه الورق، وشجر مثمر إذا أخرج الثمرة، والمراد به غير هذا المعنى، ووجه الكلام أن يقال فيه: ثمين، كما يقال: رجل لحيم إذا كثر لحمه، وكبش شحيم إذا كثر شحمه، وفي كلام بعض البلغاء: قدر الأمين ثمين وقد فرق أهل اللغة بين القيمة والثمن فقالوا: القيمة ما يوافق مقدار الشيء ويعادله، والثمن ما يقع به التراضي مما يكون وفقا له أو أزيد عليه أو أنقص منه، فأما قول الشاعر: (وألقيت سهمي وسطهم حين أوخشوا ... فما صار لي في القسم إلا ثمينها) فإنه أراد به الثمن، كما يقال في النصف نصيف وفي العشر عشير. ــ (ويقولون لما يكثر ثمنه: مثمن، فيوهمون، لأن المثمن على قياس كلام العرب هو الذي له ثمن ولو قل، كما يقال: غصن مورق إذا بدا فيه الورق وشجر مثمر إذا أخرج الثمر، والمراد به غير هذا المعنى، ووجه الكلام فيه أنه يقال: ثمين). قال "ابن بري": وقياسه ثمين على لحيم وشحيم يقضي بأن فعله ثمن كشحم ولحم، ولم أر أحدا من أهل اللغة ذكره، فإن صح ثمن فهو على ما قاله، وإن لم يصح حمل على أثمنته في متاعه إذا غاليت ورفعت السوم فيه، فيكون على هذا مثمن بمعنى مغالى فيه ومرفوع سومه، ويكون ثمين ومثمن مثل عتيد ومعتد وحبيس ومحبس وبهيم ومبهم. اهـ يعني يكونان بمعنى. ولا يصح ما قاله "الحريري" من الفرق بينهما، ولكن أول كلامه غير ظاهر؛ لأن مثمنا في كلامه بكسر الميم كمورق ومثمر، فكيف يصح أن يكون من ثمن فإنه من أثمن؟ . وتمثيل "المحشي" بشحيم ولحيم إنما هو لمجرد كون فعيل للمبالغة، وفي "القاموس" أثمن له وأثمنه أعطاه الثمن، لازم ومتعد، فمثمن بكسر الميم بمعني ذي ثمن غاليا

стр. 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كان] أو رخيصا، ومثمن أيضا بفتحها كذلك لأنه ورد متعديا. نعم، استعماله في أحد أفراده وهو الغالي الثمن بقرينة لا بدع فيه، وعليه قوله "ابن النبيه": (ولم أر قبل مبسمه ... صغير الجوهر المثمن) وهو معنى بديع كرره فقال في بعض قصائده: (وما كنت أدري قبل جوهر ثغرها ... بأن نفيسات اللآلى صغارها) وكون أثمن بمعنى غالى في الثمن كما في "عمدة الحفاظ" وأهمله غيره، وقال "السرقسطي" في "أفعاله": أثمنت له متاعه وأثمنته غاليت، فيصح أن يقال: مثمن بالفتح لما كثر ثمنه، والشخص مثمن بالكسر والمتاع أيضا على النسبة أو المجاز، فمثمن في كلامهم جار على ذلك من غير تأويل، ويكون بمعنى شيء له ثمن كما في "المعرب". وثمين بالمعنى الذي ذكره أثبته في "الروض الأنف" وقال: ثمين ككريم وثمان ككرام، وأما قول من قال: ثمين من ثمن لكنهم أماتوا فعله فتكلف، ومنه علم جواب ما مر. بقي هنا بحث وهو أن المصنف ذكر أن فعيلا بمعنى مفعول يفيد المبالغة كثمين بمعنى كثير الثمن، وقد ذكره غيره من النحاة إلا أن "بدر الدين بن مالك" قال: إنهم قالوا: صيغة فعيل للمبالغة سواء كانت بمعنى فاعل أو مفعول، وليس كذلك، فإنها تفيد المبالغة

стр. 209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا كانت بمعنى فاعل، فإذا كانت بمعنى مفعول لا تدل عليها، ألا ترى أن قتيلا بمعنى مقتول بلا تفاوت بينهما بوجه من الوجوه؟ فالصواب ألا يطلق هذا الحكم. أقول: لك أن تقول: إنه بمعنى مفعول يفيد المبالغة أيضا، والمبالغة تكون كما وكيفا، بالقوة والكثرة، والقتل لما كان إزهاق الروح بفعل الغير وذلك غير متفاوت، وتفاوت الوسائل ليس ذاتيا، ولك أن تقول: المبالغة لأنه أمر عظيم مهول عند كل أحد ولا يلزم تفاوت أفراده فتدبر. وقوله (شجر مثمر إذا أخرج الثمر) استعمل فيه أثمر متعديا، وقد اتفق أهل اللغة على أنه لازم بمعنى صار ذا ثمر، قال تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾ [الأنعام: ١٤١] وقد استعمله بعض الفصحاء والثقات متعديا، إلا أنه لا يحتج بكلامه كقول "ابن المعتز" (وغرس من الأحباب غيبت في الثرى ... فأسقيه أجفاني بسح وقاطر) (فأثمر هما لا يبيد وحسرة ... بقلبي بجنيها بأيدي الخواطر) وقال "مهيار": (لنا في كفالات الأمير غرائس ... ستثمر خيرا والكريم كريم) وقول "ابن نباتة السعدي":

стр. 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (وتثمر حاجة الإنسان نجحا ... إذا ما كان فيها ذا احتيال) وفي "الدمية" "لمحمد بن الأشرس": (كأنما الأغصان لما علا ... فروعها تطر الندى ثرا) (ولاحت الشمس عليها ضحا ... زبرجد قد أثمر الدرا) وقال "أبو سعد": قوله: أثمر الدر لا يستقيم في النحو، لأنه لا يقال: أثمرت النخلة المثمرة، إنما أثمرت ثمرا بغير ألف ولام، بمعنى أثمرت بالثمر. اهـ. قلت: هو عجيب من مثله، فإنه إذا لم تعد [الفعل] بنفسه لم ينصب مفعولا سواء كان معرفة أو نكرة، وكذا إذا نصب بنزع الخافض، ففرقه بينهما على هذا لا وجه له. وقد يقال: إنه متعد ترك مفعوله فظن لازما، أو أنه ترك لعدم الحاجة إليه، فإذا احتيج إليه بأنه كان مفعولا مجازيا، كما في الأبيات المذكورة يذكر، وقد استعمله

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشيخ "عبد القاهر" و"السكاكي" متعديا، وفي شروح "المفتاح" استعمل المصنف الإثمار متعديا بنفسه في مواضع من هذا الكتاب، فلعله ضمنه بمعنى الإفادة، أو جعله متعديا بنفسه، وفيه نظر. (قد فرق أهل اللغة بين القيمة والثمن، فقالوا: القيمة ما يوافق مقدار الشيء ويعادله، والثمن ما يقع به التراضي مما يكون وفقا له أو أزيد عليه أو أنقص منه). هذا الفرق موافق لاستعمال العرف ولأصل وضع اللفظ، لأن القيمة مأخوذة من المقاومة، وفي "المصباح": القيمة الثمن الذي يقاوم المتاع أي يقوم مقامه، والجمع قيم، كسدرة وسدر، ووقوعهما بمعنى لا يضر؛ لأن التجوز والتسمح باب واسع، وقول بعض الفقهاء: مثمون بمعنى مثمن غلط كما في "المغرب". (فأما قول الشاعر: (فألقيت سهمي وسطهم حين أوحشوا ... فما صار لي في القسم إلا ثمينها) هذا من شعر "لابن الطثرية" وأوحشوا بمعنى ردوا سهان الميير في خريطتها، والقسم بالفتح بمعنى المقاسمة، كما قاله "ابن بري".

стр. 212

[٤٧] يقولون: هو قرابته والصواب ذو قرابته ويقولون هو قرابتي، والصواب أن يقال: هو ذو قرابتي كما قال الشاعر: (يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور) حكاية عجيبة وأورد "أبو بكر محمد بن أبي القاسم الأنباري" هذا البيت في مساق حكاية هي من طرف الأعاجيب وعير التجاريب، فروى بإسناده إلى "هشام ابن الكلبي" قال: عاش "عبيد بن سرية الجرهمي" ثلاثمائة سنة، وأدرك الإسلام فأسلم، ودخل على "معاوية" بالشام وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت. قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع، فتمثلت بقول الشاعر: ــ (ويقولون: هو قرابتي، والصواب ذو قرابتي). ما أنكره صحيح فصيح وشائع نظما [ونثرا] ووقع في كلام أفصح من نطق بالضاد في حديث صحيح قال فيه: "هل بقي أحد من قرابتها" قال في "النهاية": أي أقاربها، فسموا بالمصدر كالصحابة، والوصف بالمصدر مقيس مطرد، وفيه من الحسن والبلاغة ما هو أشهر من أن يذكر، وفي الكتاب المجيد ﴿ولكن البر من اتقى﴾ [البقرة: ١٨٩] وعلى هذا يستوي فيه الواحد وغيره. قال في "الأساس": هو قريبي وقرابتي [وهم أقربائي وقرابتي] وفي "تسهيل ابن مالك": قرابة يكون اسم جمع لقريب، وفعالة يكون اسم جمع لنحو صاحب أو

стр. 213

(يا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر، وهل ينفعك اليوم تذكير) (قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد ... حتى جرت لك إطلاق محاضير) (لست تدري، وما تدري أعاجلها ... أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير) (فاستقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذا دارت مياسير) (وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير) (يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحب مسرور) قال: فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: إن قائله هذا الذي دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولست تعرفه، وهذا الذي سار عن قبره هو أمس الناس رحما به وأسرهم بموته، فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا، فمن الميت؟ قال: "عثير بن لبيد العذري"، وقيل: "عثمان بن لبيد العذري" وفي كتاب "المعمرين" إن الميت "حريث بن جبلة". ــ قريب، وظاهره أنه معنى حقيقي وضعي، وما قبله مجازي ولك أن توفق بينهما. (كما قال الشاعر) هو كما في "الإصابة" "عثمان لن لبيد العذري" كما رواه "عبيد الجرهمي بن سرية" أحد المعمرين بوزن عطية. روى "أبو موسى" أنه عاش مائتين وأربعين سنة، وقيل: ثلاثمائة سنة، وأسلم روفد على "معاوية" فقال له: أخبرني بأعجب ما رأيت، فأخبره بهذه القصة، وفي رواية: "عمير" بدل "عبيد"، والمشهور خلافه وكأنه تصحيف و"عبيد" هذا عاش إلى خلافة "عبد الملك" وهو معدود في الصحابة، وقد أنشد المصنف الشعر بتمامه، وأتى بالقصة بحذافيرها، والبيت المذكور فيه من شواهد "الكتاب". وفي شرحه: المحاضير: جمع محضر بمعنى شديد الجري سريعه، والأطلاق جمع طلق وهي التي لا تعقل، وفيه أن الشاعر من "بني عذرة" واسمه "حريث بن جبلة"، واستقدر الله بمعنى اطلب أن يقدر لك.

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذه القصة من غريب الاتفاق وهي مما يدخل تحت قوله "البلاء موكل بالمنطق" ومثلها ما حكاه بعض الأدباء فقال: إنه اجتاز بدار "الشريف الرضي" ببغداد وهو لا يعرفها، فرأى دارا ذهبت بهجتها، وأخلقت ديباجتها، وفيها رسوم تشهد لها بالنضارة وحسن الثنا والشارة فوقف عليها متعجبا من ظروف الزمان وطوارق الحدثان وتمثل بشعر خطر على خاطره، [في هذا الأمر ونظائره] وهو: (ولقد وقفت على ربوعهم ... وطلولها يد البلى نهب) (فبكيت حتى ضج من لغب ... ضوي ولج بعذلي الركب) (وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب) فسمعه رجل صادفه، فقال له: أتعرف هذه لمن؟ فقال: لا. قال هذه الدار لصاحب هذه الأبيات. وهو "الشريف الرضي" فتعجبا من حسن هذا الاتفاق، وفي معنى الشعر الذي ذكره المصنف قول "الشريف الرضي" أيضا: (غيري أضلكم فلم أنا ناشد؟ ... وسواي أفقدكم فلم أنا واحد؟ ) (عجبا لكم يأبى البكاء أقاربي ... منكم وتشرق بالدموع أباعد)

стр. 215

[٤٨]- صحة جمع رحى وقفا ويقولون في جمع رحى وقفا: أرحية وأقفية، والصواب فيهما أرحاء وأقفاء، كما روى "الأصمعي" أن أعرابيا ذم قوما فقال: أولك قوم سلخت أقفاؤهم بالهجو، ودبغت جلودهم باللؤم [وأنشد "ابن حبيب": (دعتني النساء الهاملات عيونها ... وما لي من بعد النساء بقاء) (على حالة لا يعرف الكلب أهله ... لهن أنين تارة وعواء) (فقلت لهم: خلوا سبيل نسائنا ... فقالوا: وأنى للذليل نساء؟ ) (فقلت: أبينا ما يقولون إننا ... بنو الحرب فينا للإباء إباء) (إذا الحجفات السمر كن وقاءكم ... فليس لنا إلا الصدور وقاء) (فولوا بأقفاء الإماء كأنهم ... لدى الروع معزى ما لهن رعاء) ــ (ويقولون في جمع رحا وقفا: أرحية وأقفية، والصواب فيهما أرحاء وأقفاء). قال "ابن بري": ما أنكره ورد السماع به، فقالوا: أرحاء وأرحية، وأقفاء وأقفية كندى وأنجية وسدى وأسدية ولوى وألوية وشرى وأشرية، وهذا مما حملوا فيه المقصور على الممدود، كما عكسوا فقالوا: هباء وأهباء وأحياء وفناء وأفناء ودواء وأدواه. وأيضا رحا وقفا سمع فيهما المد، فيكون هذا على لغة من مدهما، وعلى كل حال "فإذا جاء نهر الله يطل نهر معقل" وما بعد السماع إلا ما يصم الأسماع ويعني الطباع.
следующие страницы →