Полный текст (679 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشيخ "عبد القاهر" و"السكاكي" متعديا، وفي شروح "المفتاح" استعمل المصنف الإثمار متعديا بنفسه في مواضع من هذا الكتاب، فلعله ضمنه بمعنى الإفادة، أو جعله متعديا بنفسه، وفيه نظر.
(قد فرق أهل اللغة بين القيمة والثمن، فقالوا: القيمة ما يوافق مقدار الشيء ويعادله، والثمن ما يقع به التراضي مما يكون وفقا له أو أزيد عليه أو أنقص منه).
هذا الفرق موافق لاستعمال العرف ولأصل وضع اللفظ، لأن القيمة مأخوذة من المقاومة، وفي "المصباح": القيمة الثمن الذي يقاوم المتاع أي يقوم مقامه، والجمع قيم، كسدرة وسدر، ووقوعهما بمعنى لا يضر؛ لأن التجوز والتسمح باب واسع، وقول بعض الفقهاء: مثمون بمعنى مثمن غلط كما في "المغرب".
(فأما قول الشاعر:
(فألقيت سهمي وسطهم حين أوحشوا ... فما صار لي في القسم إلا ثمينها)
هذا من شعر "لابن الطثرية" وأوحشوا بمعنى ردوا سهان الميير في خريطتها، والقسم بالفتح بمعنى المقاسمة، كما قاله "ابن بري".
стр. 212
[٤٧] يقولون: هو قرابته والصواب ذو قرابته
ويقولون هو قرابتي، والصواب أن يقال: هو ذو قرابتي كما قال الشاعر:
(يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور)
حكاية عجيبة
وأورد "أبو بكر محمد بن أبي القاسم الأنباري" هذا البيت في مساق حكاية هي من طرف الأعاجيب وعير التجاريب، فروى بإسناده إلى "هشام ابن الكلبي" قال: عاش "عبيد بن سرية الجرهمي" ثلاثمائة سنة، وأدرك الإسلام فأسلم، ودخل على "معاوية" بالشام وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت. قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع، فتمثلت بقول الشاعر:
ــ
(ويقولون: هو قرابتي، والصواب ذو قرابتي).
ما أنكره صحيح فصيح وشائع نظما [ونثرا] ووقع في كلام أفصح من نطق بالضاد في حديث صحيح قال فيه: "هل بقي أحد من قرابتها" قال في "النهاية": أي أقاربها، فسموا بالمصدر كالصحابة، والوصف بالمصدر مقيس مطرد، وفيه من الحسن والبلاغة ما هو أشهر من أن يذكر، وفي الكتاب المجيد ﴿ولكن البر من اتقى﴾ [البقرة: ١٨٩] وعلى هذا يستوي فيه الواحد وغيره. قال في "الأساس": هو قريبي وقرابتي [وهم أقربائي وقرابتي] وفي "تسهيل ابن مالك": قرابة يكون اسم جمع لقريب، وفعالة يكون اسم جمع لنحو صاحب أو
стр. 213
(يا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر، وهل ينفعك اليوم تذكير)
(قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد ... حتى جرت لك إطلاق محاضير)
(لست تدري، وما تدري أعاجلها ... أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير)
(فاستقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذا دارت مياسير)
(وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير)
(يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحب مسرور)
قال: فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: إن قائله هذا الذي دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولست تعرفه، وهذا الذي سار عن قبره هو أمس الناس رحما به وأسرهم بموته، فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا، فمن الميت؟ قال: "عثير بن لبيد العذري"، وقيل: "عثمان بن لبيد العذري" وفي كتاب "المعمرين" إن الميت "حريث بن جبلة".
ــ
قريب، وظاهره أنه معنى حقيقي وضعي، وما قبله مجازي ولك أن توفق بينهما.
(كما قال الشاعر) هو كما في "الإصابة" "عثمان لن لبيد العذري" كما رواه "عبيد الجرهمي بن سرية" أحد المعمرين بوزن عطية. روى "أبو موسى" أنه عاش مائتين وأربعين سنة، وقيل: ثلاثمائة سنة، وأسلم روفد على "معاوية" فقال له: أخبرني بأعجب ما رأيت، فأخبره بهذه القصة، وفي رواية: "عمير" بدل "عبيد"، والمشهور خلافه وكأنه تصحيف و"عبيد" هذا عاش إلى خلافة "عبد الملك" وهو معدود في الصحابة، وقد أنشد المصنف الشعر بتمامه، وأتى بالقصة بحذافيرها، والبيت المذكور فيه من شواهد "الكتاب".
وفي شرحه: المحاضير: جمع محضر بمعنى شديد الجري سريعه، والأطلاق جمع طلق وهي التي لا تعقل، وفيه أن الشاعر من "بني عذرة" واسمه "حريث بن جبلة"، واستقدر الله بمعنى اطلب أن يقدر لك.
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذه القصة من غريب الاتفاق وهي مما يدخل تحت قوله "البلاء موكل بالمنطق" ومثلها ما حكاه بعض الأدباء فقال: إنه اجتاز بدار "الشريف الرضي" ببغداد وهو لا يعرفها، فرأى دارا ذهبت بهجتها، وأخلقت ديباجتها، وفيها رسوم تشهد لها بالنضارة وحسن الثنا والشارة فوقف عليها متعجبا من ظروف الزمان وطوارق الحدثان وتمثل بشعر خطر على خاطره، [في هذا الأمر ونظائره] وهو:
(ولقد وقفت على ربوعهم ... وطلولها يد البلى نهب)
(فبكيت حتى ضج من لغب ... ضوي ولج بعذلي الركب)
(وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب)
فسمعه رجل صادفه، فقال له: أتعرف هذه لمن؟ فقال: لا. قال هذه الدار لصاحب هذه الأبيات. وهو "الشريف الرضي" فتعجبا من حسن هذا الاتفاق، وفي معنى الشعر الذي ذكره المصنف قول "الشريف الرضي" أيضا:
(غيري أضلكم فلم أنا ناشد؟ ... وسواي أفقدكم فلم أنا واحد؟ )
(عجبا لكم يأبى البكاء أقاربي ... منكم وتشرق بالدموع أباعد)
стр. 215
[٤٨]- صحة جمع رحى وقفا
ويقولون في جمع رحى وقفا: أرحية وأقفية، والصواب فيهما أرحاء وأقفاء، كما روى "الأصمعي" أن أعرابيا ذم قوما فقال: أولك قوم سلخت أقفاؤهم بالهجو، ودبغت جلودهم باللؤم [وأنشد "ابن حبيب":
(دعتني النساء الهاملات عيونها ... وما لي من بعد النساء بقاء)
(على حالة لا يعرف الكلب أهله ... لهن أنين تارة وعواء)
(فقلت لهم: خلوا سبيل نسائنا ... فقالوا: وأنى للذليل نساء؟ )
(فقلت: أبينا ما يقولون إننا ... بنو الحرب فينا للإباء إباء)
(إذا الحجفات السمر كن وقاءكم ... فليس لنا إلا الصدور وقاء)
(فولوا بأقفاء الإماء كأنهم ... لدى الروع معزى ما لهن رعاء)
ــ
(ويقولون في جمع رحا وقفا: أرحية وأقفية، والصواب فيهما أرحاء وأقفاء).
قال "ابن بري": ما أنكره ورد السماع به، فقالوا: أرحاء وأرحية، وأقفاء وأقفية كندى وأنجية وسدى وأسدية ولوى وألوية وشرى وأشرية، وهذا مما حملوا فيه المقصور على الممدود، كما عكسوا فقالوا: هباء وأهباء وأحياء وفناء وأفناء ودواء وأدواه. وأيضا رحا وقفا سمع فيهما المد، فيكون هذا على لغة من مدهما، وعلى كل حال "فإذا جاء نهر الله يطل نهر معقل" وما بعد السماع إلا ما يصم الأسماع ويعني الطباع.
стр. 216
وإنما جمع رحى وقفا على أرحاء وأقفاء لأنهما ثلاثيان، والثلاثية على اختلاف صيغها تجمع على أفعال لا على أفعلة، وإنما فعال على اختلاف فائه يجمع على أفعلة نحو قباء وأقبية وغراب وأغربة وكساء وأكسية، وعلى معادل هذا الأصل لا يجمع ندى على أندية، فأما قول "ابن محكان":
(في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا)
فقد حمله بعضهم على الشذوذ، وبعضهم على وجه ضرورة الشعر، وقال آخرون: بل هو جمع الجمع، فكأنه جمع ندى على نداء مثل جمل وجمال، ثم جمع نداء على أندية مثل: رشاء وأرشية. وجوز "أبو علي القارسي" أن يكون جمع ندى على أند
ــ
(روى "الأصمعي" أن أعرابيا ذم قوما فقال: أولئك قوم سلخت أقفاؤهم بالهجاء ودبغت جلودهم باللؤم) وتتمته: فلباسهم في الدنيا الملامة وفي الآخرة الندامة، وهو من بديع الاستعارة.
ومن فصول رسائلي في بعض الناس: لحومهم لست تلاك بفم الغيبة، ولا أعراضهم تهجم عليها الظنون المريبة، لا حسب ولا نسب؛ فباهلة عندهم قريش العرب.
(ماذا يفيد الذم من معشر ... ذكرهم في كل حلق شجا)
(جلودهم باللؤم مدبوغة ... من بعدما قد سلخت بالهجا)
فأما قول "ابن محكان":
(في ليلة من جمادي ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا)
فهو "مرة بن محكان التميمي" من شعراء "الحماسة" وهذا البيت من قصيدة له، وقبله:
стр. 217
كما يجمع فعل على أفعل نحو زمن وأزمن، ثم ألحقه علامة التأنيث التي تلحق الجمع في مثل قولك ذكورة وجمالة، فصار حينئذ أندية.
وكان "أبو العباس المبرد" يرى أنه جمع "ندي" وهو المجلس لا جمع ندى، واحتج في ذلك بأن عادة العرب عند اختلاف الأنواء وإمحال السنة الشهباء أن تبرز أماثل كل قبيلة إلى ناديهم، فيواسوا بفضلات الزاد ويصرفوا ما يقمر في الميسر إلى محاويج الحي، وهذا هو نفع الميسر المقرون بنفع الخمر في قوله تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩].
ــ
(يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... أمي إليك رجال القوم والقربا)
والمراد بجمادي زمن جمود الماء، وخص الكلب لأنه أبصر الحيوانات ولأنه يربض عند الخباء، وما ذكره من أن أندية جمع الندى قول، وقد وجه بأنه لما كان بمعنى الرذاذ والرشاش الذي يجمع هذا الجمع حمل على نظيره الذي هو بمعناه، وكان "المبرد" يقول: هو جمع ندي - فعيل - بمعنى مجلس، لأنهم كانوا في الشتاء والقحط يجلسون للنظر في أحوال الضعفاء، فلا وجه لما قيل من أنه غير مناسب لمعنى هذا الشعر.
وقيل: إنه جمع ندى على نداء بزنة كساء، ثم جمع هذا على أندية، ورده "السهيلي" بأن فعالا جمع كثرة فلا يجمع هذا الجمع الذي هو للقلة، وقيل: هو أفعل بالضم كزمن وأزمن فكسر لاعتلال آخره، ثم لحقته تاء المبالغة، قاله "المرزوقي". وقال آخرون: هو جمع الجمع، وقد سمعت آنفا ما يرد به "السهيلي" فتذكر، فإن الذكرى تنفع.
стр. 218
[٤٩]- جمع أوقية
ويقولون في جمع أوقية أواق على وزن أفعال، فيغلطون فيه لأن ذلك جمع أزق وهو الثقل، فأما أوقية فتجمع على أواقي بتشديد الياء، كما تجمع أمنية على أماني وقد خفف بعضهم فيها التشديد، فقال أواق كما قيل في تخفيف صحاري: صحار.
ــ
(ويقولون في جمع أوقية: أواق، فيغلطون فيه لأن ذلك جمع أوق وهو الثقل، فأما أوقية فالجمع على أواقي).
أوقية وزن معروف وأصله أوقوية أفعولة كأعجوبة، وإعلالها ظاهر، وقيل: فعليه من الأوق وهو الثقل ..
وحكى "اللحياني" فيها وفيه بفتح الواو، وحكى "الصغاني" ضمها، والتخفيف والتشديد يجوز قياسا مطردا في مثل هذا الجمع كأثفية وأثاف.
стр. 219
[٥٠]- اسم المفعول من صان
ويقولون لما يصان: هو مصان، والصواب فيه مصون، كما قال الشاعر:
(بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين)
(يبيحك منه عرضا لم يصنه ... يرتع منك في عرض مصون)
والأصل في مصون مصوون على وزن مضروب، فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها، فاجتمعت واوان ساكنتان فحذفت إحداهما، وعند "سيبويه" أن المحذوفة الواو الثانية التي هي واو المفعول الزائدة، وأن الباقية هي الواو الأصلية المجتلبة من الصون.
وعند "أبي الحسن الأخفش" أن المحذوفة هي الأولى، وأن الباقية هي واو المفعول التي تدل على المعنى، فإن قيل: لأي معنى فعلوا ذلك؟ فالجواب أنهم قصدوا إعلال المفعول كما أعل الفعلان والفاعل، وذلك أن الأصل في صان
ــ
(بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين)
(يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون)
هذا الشعر "لعلي بن الجهم" قاله في "أبي السمط مروان" لما هجاه بقوله:
(لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر ... وهذا علي بعده يصنع الشعرا)
(ولكن أبي قد كان جارا لأمه ... فلما تعاطة الشعر أوهمني أمرا)
(الخليل بن أحمد عاد تلميذا له، فقال له تلميذه: إن زرتنا فيفضلك، وإن زرناك فلفضلك فلك الفضل زائرا ومزورا).
стр. 220
صون بفتح العين، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها كما فعل في قال الذي أصله قول، والدليل على أن الأصل فيه فعل بفتح العين أنك تقول: صنت الثوب، فتعديته إلى المفعول تدل على أنه فعلت، لأن فعلت بضم العين لا يتعدى إلى المفعول بحال؛ إذ لا يقال: كرمت زيدا، ثم إنهم قالوا في مضارعه يصون، والأصل على وزن يحزن، فنقلوا حركة الواو إلى ما قبلها، ثم إنهم أعلوا الفاعل منه فقالوا: صائن والأصل فيه صاون، فلما أعلوا الفعلين والفاعل أعلوا المفعول به أيضا ليلحق في الإعلال بحيزه.
ــ
وحكى أيضا أن "يحيى بن معاذ" زار علويا ببلخ، فقال العلوي: ما تقول فينا أهل البيت؟ فقال: ما أقول في طين عجن بماء الوحي، وغرست فيه شجرة النبوة، وسقي بماء الرسالة، فهل يفوح منه إلا مسك الهدى وعنبر التقى؟ .
فقال له العلوي: إن زرتنا فبفضلك وإن زرناك فلفضلك فلك الفضل زائرا ومزورا.
وحكي أن مثله وقع بين "الشافعي" و"أحمد بن حنبل" وقد نظم هذا بعض العصريين فقال:
стр. 221
ومن هذا الباب قولهم: رجل مأووف العقل فيلفظون به على الأصل، ووجه القول أن يقال: مئوف العقل على وزن مخوف، وكذلك يقال: زرع مئوف، وكلاهما مأخوذ من الآفة، ونقلت الكلمة في مخوف على ما بيناه في مصون.
وشذ من هذا الباب قولهم: مسك مدؤوف وثوب مصوون فلفظوا به على الأصل، وهو مما لا يعبأ به ولا يقاس عليه.
ومن شجون هذا النوع قولهم: فرس مقاد وشعر مقال وخاتم مصاغ وبيت مزار، والصواب أن يقال فيها: مقود ومقول ومصوغ ومزور.
كما حكي أن "الخليل بن أحمد" عاد تلميذا له فقال تلميذه: إن زرتنا فبفضلك أو زرناك فلفضلك فلك الفضل زائرا ومزورا. ومثله قول "جميل":
ــ
(حيثما زرتنا وزرناك يا من ... لم نزره زورا ولا زار زورا)
(فلفضل هذا وذاك بفضل ... فلك الفضل زائرا ومزورا)
وللإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وكانت بينهما مودة رحمهما الله تعالى:
(قالوا: يزورك أحمد وتزوره ... قلت: الفضائل لا تفارق منزله)
(إن زراني فبفضله أو زرته ... فلفضله، فالفضل في الحالين له)
(ومن هذا النمط قولهم: مبيوع ومعيوب، والصواب أن يقال فيهما: مبيع ومعيب على الحذف).
هذا أيضا مما جاء على طرازه وليس كما قال؛ فإنه سمع عن العرب مبيوع ومعيوب على خلاف القياس، وفي "القاموس" هو معيب ومعيوب، وفيه أيضا مبيع، وكل هذا على الأصل، فما ذكره إلا من ضيق العطن [ويقال لمن أصابته العين: معين ومعيون، قال الشاعر:
стр. 222
(زوروا بئينة والحبيب مزور ... إن الزيارة للحبيب يسير)
أراد بالزيارة المزار، فلهذا ذكر الخبر على المعنى، كما ذكر آخر الحوادث حين أراد بها الحدثان فقال:
(فإن تسأليني عن لمتي ... فإن الحوداث أزرى بها)
ومن هذا النمط قولهم: مبيوع وعيوب، والصواب أن يقال فيهما: مبيع ومعيب على الحذف، كما جاء في القرآن [الكريم] في نظائرهما: ﴿وقصر مشيد﴾ [الحج: ٤٥] ﴿وكانت الجبال كثيبا مهيلا﴾ [المزمل: ١٤] فقال: مشيد ومهيل على الحذف، والأصل فيهما مشيود ومهيول.
ــ
(نبئت قومك يزعمونك سيدا ... وإخال أنك سيد معيون])
وقال "ابن الشجري" في أماليه: اختلف العرب في اسم المفعول من ذوات الياء، فتممه بنو تميم وقالوا: معيوب ومخيوط ومكيول ومزيوت، وقال أهل الحجاز: معيب ومخيط ومكيل ومزيت. وأجمع الفريقان على نقص ما كان من ذوات الواو، إلا ما جاء على جهة الشذوذ، وهو قولهم: ثوب مصوون ومسك مدووف وفرس مقوود ولفظ مقوول. والأشهر مصون ومدوف ومقود ومقول.
وقال "أبو العباس محمد بن يزيد": يجوز تمام ما كان من ذوات الياء في الشعر،
стр. 223
وعند "سيبويه" أن المحذوف هو الواو، ثم كسر ما قبل الياء للتجانس، وقد شذ من ذلك قولهم: رجل مدين ومديون، ومعين ومعيون، أي أصابته العين، ومنه قول الشاعر:
(نبئت قومك يزعمونك سيدا ... وإخال أنك سيد معيون)
[وجميع ذلك مما يهجن استعماله إلا في ضرورة الشعر التي يجوز فيها ما حظر لإقامة الوزن].
ــ
وأنشد في ذلك قول علقمة: ... (يوم الرذاذ عليه الدجن مغيوم*
(رجل مدين ومديون) ... إلخ.
في "أدب الكاتب": رجل دائن إذا كثر ما عليه من الدين، ولا يقال من الدين" دين فهو مدين ولا مديون إذا كثر عليه الدين، ولكن يقال: دين الملك فهو مدين إذا دان له الناس، وفي شرحه "لابن السيد": أن "الخليل" حكى أنه يقال: رجل مدين ومديون ومدان، ودادن وادان واستدان إذا أخذ الدين.
وفي "المصباح" بعد ما ذكر ما يقرب منه قال جماعة: إنه يستعمل لازما ومتعديا، فيقال: دنته إذا أقرضته فهو مدين ومديون، واسم الفاعل دائن، فيكون الدائن من يأخذ الدين على اللزوم، ومن يعطيه على التعدي.
وقال "ابن القطاع": ذنته: أقرضته، ودنته: استقرضت منه. اهـ ..
فعلى هذا يتمشى المشهور
стр. 224
[٥١]- بين لا تضاف إلى مفرد
ويقولون: المال بين زيد وبين عمرو بتكرير لفظة بين فيوهمون فيه، والصواب أن يقال: بين زيد وعمرو، كما قال. سبحانه: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾، والعلة فيه أن لفظة (بين) تقتضي الاشتراك فلا تدخل إلا على مثنى أو مجموع، كقولك: المال بينهما والدار بين الإخوة، فأما قوله. تعالى: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فإن لفظة ذلك تؤدي عن شيئين وتنوب مناب لفظتين، وإن كانت مفردة، ألا ترى أنك تقول: ظننت ذلك، فتقيم لفظة ذلك مقام مفعولي ظننت، وكأن
ــ
(ويقولون: المال بين زيد وبين عمرو بتكرير لفظة بين فيوهمون، والصواب أن يقال: بين زيد وعمرو). هذا أيضا من النمط السابق. وقال «ابن بري»: إعادة بين هنا جائزة على جهة التأكيد وهو كثير في كلام العرب، كقول «الأعشى»:
(بين الأشج وبين قيس باذخ ... بخ لوالده وللمولود)
وقال «عدي بن زيد»: (بين النهار وبين الليل قد فصلا)
(فبين النهار وبين الليل من عقد ... على جوانبه الأوساط والهدب)
في أبيات كثيرة تشهد لذلك فعلم من هذا أن إعادة بين لا تفسد النظم ولا المعنى كما توهمه المصنف.
стр. 225
تقدير الكلام في الآية مذبذبين بين الفريقين، وقد كشف. سبحانه. هذا التأويل بقوله: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾، ونظيره لفظ «أحد» في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾، وذلك أن لفظة «أحد» تستغرق الجنس الواقع على المثنى والجمع، وليست بمعنى واحد، بدليل قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ وكذلك إذا قلت: ما جاءني أحد، فقد اشتمل هذا النفي على استغراق الجنس من المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع، فإن اعترض معترض بقول «امرئ القيس»:
( ..... بين الدخول فحومل)
فالجواب: «أن الدخول اسم واقع على عدة أمكنة، فلهذا جاز أن يعقب بالفاء، كما يقال: المال بين الإخوة فزيد. ومثله قوله تعالى: ﴿يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، وإنما ذكر السحاب وهو جمع لأنه من قبيل الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء، وهذا النوع من الجمع مثل الشجر والسحاب والنخل والنبات يجوز تذكيره وتأنيثه. كما قال سبحانه في
ــ
(فأما قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فإن لفظة ذلك تؤدي عن شيئين، وإن كانت مفردة تنوب مناب لفظتين، ألا ترى أنك تقول: ظننت ذلك، فتقيم ذلك مقام مفعولي ظننت). وفي «إيضاح ابن الحاجب» سمع من العرب ظننت ذلك، وقد اعترض عليه بأن فيه اقتصاراً على أحد مفعولي هذا الباب، وهو ممتنع، وأجيب بأنه إشارة إلى الظن المدلول عليه
стр. 226
سورة القمر: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ وقال. ﵎. في سورة الحاقة: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. قال الشيخ الرئيس «أبو محمد» ﵁: وأظن أن الذي وهمهم لزوم تكرير لفظه بين مع الظاهر ما رأوه من تكريرها مع المضمر في مثل قوله : ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ وقد وهموا في المماثلة بين الموطنين، وخفي عليهم الفرق الواضح بين الموضعين، وهو أن المعطوف في الآية قد عطف على المضمر المجرور الذي من شرط جواز العطف عليه عند النحويين من أهل البصرة تكرير الجار فيه كقولك: مررت بك وبزيد، ولهذا لحنوا «حمزة» في قراءته ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ حتى قال «أبو العباس المبرد»: لو أني
ــ
لظننت والمفعولان محذوفان؛ لأن ذلك إنما يقال بعد تقدم ما يصح أن يكون مفعولين كقول قائل: ظننت زيداً قائماً فتقول: ظننت ذلك -أي ظننت ذلك الظن أي ظناً مثله، ولما أشير إلى ظن مخصوص وجب أن يكون مفعولاه مثلهما في المعنى، فيحذفان للعلم بهما، ومن ثم وهم بعضهم في قوله: إن ذلك إشارة إلى المفعولين جميعاً. اهـ. فما عده وهما مردوداً هو ما اختاره المصنف، فعلم ما فيه. (ونظير ذلك لفظة أحد في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ وذلك أن لفظة أحد تستغرق الجنس الواقع على المثنى والمجموع، وليست بمعنى واحد). يشير إلى ما تقرر في العربية من أن لأحد معنيين واستعمالين: أحدهما، أن يختص بالنفي وشبهه كالنهي والاستفهام، وهمزته فيه أصلية، وتفيد استغراق الجنس قليلاً كان أو كثيراً مجتمعين أو مفترقين، نحو لا أحد في الدار، ويختص بالعقلاء، وقد يشمل غيرهم بطريق التبعية وهو الذي يصح إضافة بين إليه.
стр. 227
صليت خلف إمام فقرأ لقطعت صلاتي. ومن تأول فيها «لحمزة» جعل الواو الداخلة على لفظة الأرحام واو القسم لا واو العطف. وإنما لم يجز البصريون تجريد العطف على المضمر المجرور لأنه لشدة اتصاله بما جره يتنزل منزلة أحد حروفه أو التنوين منه، فلهذا لم يجز العطف عليه، كما لا يجوز العطف على التنوين ولا على أحد حروف الكلمة، فإن قيل: كيف كيف جاز العطف على المضمرين المرفوع والمنصوب بغير تكرير، وامتنع العطف على المضمر المجرور إلا بالتكرير؟ فالجواب عنه أنه لما جاز أن يعطف ذانك الضميران على الاسم الظاهر في مثل قولك: قام زيد وهو، وزرت عمراً وإياك، جاز أن يعطف الظاهر عليهما فيقال: قام هو وزيد، وزرتك وعمرا، ولما لم يجز أن يعطف المضمر المجرور على الظاهر إلا بتكرير الجار في مثل قولك: مررت بزيد وبك لم يجز أن يعطف الظاهر على المضمر إلا بتكريره أيضا، نحو مررت بك وبزيد، وهو من لطائف العربية ومحاسن الفروق النحوية.
والثاني، بمعنى واحد، ولا يختص بالنفي ولا يضاف إليه بين، وهمزته يدل من الواو لدلالته على معنى الوحدة، وهو الواقع في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وله تفصيل في العربية، وفيه مباحث سنية ليس هذا محلها. (فإن اعترض معترض بقول «امرئ القيس» ... بين الدخول فحومل. فالجواب أن الدخول اسم واقع على عدة أمكنة، فلهذا جاز أن يعقب بالفاء). يعني أن قول «امرئ القيس» في معلقته:
(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل)
وارد على ما مر لإضافة بين فيه لغير متعدد، وهو سؤال مشهور، وقد أجيب عنه بأجوبة كثيرة. منها، ما ذكره المصنف وهو أن الدخول اسم مكان واسع -مشتمل على أمكنة باعتبارها وقع مضافا إليه هنا، ومنها، أن الفاء بمعنى الواو. وكان «الأصمعي» لا
стр. 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقول بهذه الرواية ويرويه: بين الدخول وحومل بالواو، وعليه يستغنى عن الجواب، واختاره المحققون من أهل العربية -كما بيناه في حواشي الرضي- أن العرب تقول: سرت ما بين «زبالة فالثعلبية» بمعنى إلى الثعلبية، فالفاء بمعنى إلى، وهو معنى آخر غير المعنى المقصود بقولهم: ما بين كذا أو كذا. وفي «الروض الأنف» قولهم (مطرنا بين مكة فالمدينة): الفاء فيه تعطي الاتصال بخلاف الواو، إذ لا يصل المطر من هذه إلى هذه. اهـ. وهو معنى دقيق قل من يتنبه له. والسقط: ما تساقط من الرمل [واللوى: منقطع الرمل]، والدخول بفتح الدال اسم موضع، وحومل: اسم موضع أو رملة. (ومثل قوله تعالى ﴿ويزجي سحاباً ثم يؤلف بينه﴾ ... ). يعني أضيف فيه بين إلى مفردٍ لفظاً متعدد معنى، كما في البيت، و [في] قوله (من قبيل الجمع): أراد به الجمع اللغوي، أو سماه جمعاً مسامحه، وقال «ابن بري»: إنما ذكر السحاب لأنه اسم جنس، واسم الجنس مفرد مذكر، ومن أنثه فلأنه جمع سحابة، فأشبه جمع التكسير فتدبر. (ولهذا لحظ «حمزة» في قراءته: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، حتى قال «أبو العباس المبرد»: لو أني صليت خلف إمام يقرؤها لقطعت صلاتي، ومن تأول فيها «لحمزة» جعل الواو الداخلة على الأرحام واو القسم). هذا من جملة سقطاته وعظيم هفواته، فإن هذه القراءة من السبعة المتواترة، وقد وقع في ورطة وقع مثلها بعض النحاة بناء على أن القراءات السبع عندهم غير متواترة، وأنه يجوز أن يقرأ بالرأي وهو مذهب باطل وخيال فارغ؛ فإنه لا يشك عاقل في تواترها فيما ليس من قبيل الأداء عند «ابن الحاجب» على ما فيه، وقد أساء صاحب «الكشاف»،
стр. 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال صاحب «الكشف»: قراءة صحيحة، وإنما يؤخذ منها صحة العطف والإضمار، والثاني أقرب عند أكثر البصريين لثبوته في نحو: الله لأفعلن، وقول «رؤية» خير. وفي نحو: ما مثل عبد الله وأخيه يقولان ذلك، ومطرداً في نحو: إلا علالة أو بداهة سابح نهد الجزارة. وفي نحو: ﴿أنى لك هذا﴾، والحمل على ما ثبت هو الوجه. وقال بعضهم: إن الواو للقسم على نحو [قوله]: اتق الله فوالله إنه مطلع عليك. وترك الفاء لأن الاستئناف أقوى الوصلين وهو وجه حسن. اهـ. وفيه بحث، لأن البيت الذي ذكره من حذف المجرور لا من حذف الجار فليس مما نحن فيه، وكذا قوله: أني لك هذا لا حذف فيه إلا على وجه غير مرضي عندهم. (وهذا من لطائف علم العربية ومحاسن الفروق النحوية). هذا نحيل لا أصل له لأن المرفوع والمنصوب يكون متصلا ومنفصلا، فلذا جاز عطف المنفصل، وأما المجرور فلا يكون منفصلا، فلذا لم يصح عطف بدون العامل، وأما ما ذكره فلا وجه له.
стр. 230
[٥٢]- قل: بين بين، ولا تقل بين البينين
ويقولون للمتوسط الصفة: هو بين البينين، والصواب أن يقال: هو بين بين كما قال» عبيد بن الأبرص»:
(إنا إذ عض الثقاف برأس صعدتنا لوينا ... نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين نينا)
أي بين العالي والمنخفض، وقد كان الأصل في هذا الكلام أن يضاف «بين»، فلما قطع عن الإضافة وضم أحد الاسمين إلى الآخر وحذفت واو العطف المعترضة بينهما بنياً كما بني العدد المركب، نحو: أحد عشر ونظائره، واختيرت له الفتحة عند بنائه؛ لأنها أخف الحركات، وليست هذه الفتحة التي في قولك بين بين من
ــ
(والصواب أن يقال: هو بين بين كما قال «عبيد بن الأبرص»:
(إنا إذا عض الثقاف برأس صعدتنا لوينا ... تحمي حقيقتنا وبعض القوم بسقط بين بينا)
[ما ذكره ظاهر ومنه تسمية الهمزة المسهلة بين بين، أي بين الهمزة المخففة وبين حرف المد الذي يجانس حركتها، كما قاله «الجوهري»]. وقوله (يسقط بين بينا) بمعنى يتساقط ضعيفا غير معتد به كما قاله «الجوهري» أيضا، بناء على أن من كان ضعيفاً لا يقدر على حماية حقيقته وهي ما يحق ويجب على الرجل أن يحميه. وقد يفسر قولهم بين بضعفه أيضاً.
стр. 231
جنس الفتحة التي في لفظ بين عند الإضافة؛ لأن هذه فتحة إعراب، بدلالة اعتقاب الجر عليها في مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾. ومن خصائص بين الظرفية أن الضم لا يدخل عليها بحال. فأما من قرأ ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالرفع، فإنه عنى بالبين الوصل، كما عنى الشاعر به البعد في قوله:
(لقد فرق الواشون بيني وبينها ... فقرت بذاك الوصل عيني وعينها)
والثقاف بالمثلثة تقويم الرماح، وهو تمثيل، يريد: إذا خاف غيرنا خوفاً برتدع به عن جهله فإنا نزيد قوة بحيث نتعاصى عن ذلك. وفي شرح «الحماسة» «للمرزوقي»: العرب تذكر القناة وصلابتها واعوجاجها وأنها لا تلين ولا تقبل التثقيف ضاربة بها المثل في الخلاف والإباء والامتناع والتعسر على من يريد إكراههم والتعصب على بغض منهم، والمعنى قناتنا لا تستقيم لمقوم وحاملها لا ينقاد لمجتذب كما قال:
(كانت قناتي لا تلين لغامز ... ألانها الإصباح والإمساء)
(من خصائص بين الظرفية أن الضم لا يدخلها بحال، فأما قراءة من قرأ: «لقد تقطع بينكم» بالرفع فإنه عنى بالبين الوصل.)]. هذا مما خالف فيه المحققين من أهل العربية، فقد قال «ابن مالك» وغيره: إن بين من الظروف المتصرفة فيصح رفعها على كل حال. وقال «ابن بري»: الرفع في بين جائز على أي معنى أردت، قال:
стр. 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(فيشرق بين الليت منها إلى الصقل)
رفعه كما يرفع إذا كان مصدر بان يبين بينا، وحكي «ابن السراج» الرفع والنصب في بين في قولهم: هذه امرأة أحمر ما بين عينيها، برفع بين بأحمر وما زائدة، والنصب على أن يكون ما بمعنى الذي والبين من الأضداد فيكون بمعنى الوصل والفراق، وهو في البيت الذي أنشده المصنف بمعنى الوصل.
стр. 233
[٥٣]- حكم مجيء إذ بعد بينا
ويقولون: بينا زيد قام إذ جاء عمرو. فيتلقون بينا بإذ، والمسموع عن العرب بينا زيد قام جاء عمرو بلا «إذ» لأن المعنى فيه: بين أثناء الزمان جاء عمرو، وعليه قول «أبي ذؤيب»
(بينا تعانقه الكماة وروغه ... يوماً أتيح له جريء سلقع)
فقال: أتيح ولم يقل: إذا أتيح. وهذا البيت ينشد بجر تعانقه ورفعه، فمن جره جعل الألف في بينا ملتحقة لإشباع الفتحة [كالألف في قول الشاعر:
(فأنت من الغواية حين تدعى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح)]
لأن الأصل فيها بين. وجر تعانقه على الإضافة، ومن رفع رفعه على الابتداء وجعل الألف زيادة ألحقت ببين ليوقع بعدها الجملة. كما زيدت ما في بينما لهذه العلة، وذكر «أبو محمد بن قتيبة» قال: سألت «الرياشي» عن هذه المسألة فقال:
ــ
(ويقولون بينا زيد قائم إذ جاء عمرو فيتلقون بينا بإذ، والمسموع عن العرب بينا زيد قام جاء عمرو يلا إذ، لأن المعنى فيه بين أثناء الزمان جاء عمرو). هذا أيضاً غير مسلم. قال «نجم الأئمة الرضي»: قد تقع إذا وإذ جواب بينا وبينما وكلتاهما إذن للمفاجأة والأغلب مجيء إذ في جواب بينا قال:
стр. 234
إذا ولى لفظة بين الاسم العلم رفعت فقلت: بينا زيد قام جاء عمرو، وإن وليها المصدر فالأجود الجر كهذه المسألة. وحكي «أبو القاسم الآمدي» في أماليه عن «أبي عثمان المازني» قال: حضرت أنا و «يعقوب بن السكيت» مجلس «محمد بن عبد الملك الزيات» فأفضنا في شجون الحديث إلى أن قلت: كان «الأصمعي» يقول: بينا أنا جالس إذ جاء عمرو محال، فقال «ابن السكيت»: أخطأ. هذا كلام الناس قال: فأخذت في مناظرته عليه وإيضاح المعنى له فقال لي «محمد بن عبد الملك» دعني حتى أبين له ما اشتبه عليه، ثم التفت إليه وقال له: ما معنى بينا؟ فقال: حين. قال: أفيجوز أن يقال حين جلس زيد إذا جاء عمرو؟ فسكت. فهذا حكم بينا، وأما بينما فأصلها أيضا بين فزيدت عليها ما ليؤذن بأنها خرجت عن بابها بإضافة ما إليها، وقد جاءت في الكلام تارة غير متلقاة بإذ مثل بينا، واستعملت تارة متلقاة بإذ وإذا اللذين للمفاجأة كما قال الشاعر:
(فبينما العسر إذ دارت مياسير)
ــ
(فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتكفف)
ولا يجيء بعد إذ إلا الماضي وبعد إذا إلا الاسمية. والأصل تركهما في جواب بينا وبينما لكثرة مجيء جوابهما بدونهما، والكثرة لا تدل على أن المكثور غير فصيح، بل تدل على أن الأكثر أفصح وفي الحديث: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أتانا رجل» وفي كلام أمير المؤمنين «علي» ﵁ «بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته». والعجب من المصنف أنه قال في مقاماته «فبينا أنا أطوف وتحتي فرس قطوف إذ رأيت» وقال أيضا «فبينا أنا عند حاكم الإسكندرية إذ دخل شيخ
стр. 235
وكقوله في هذه القطعة:
(وبينما المرء في الأياء مغتبط ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير)
فتلقى هذا الشاعر بينما في البيت الأول بإذ وفي الثاني بإذا.
وليس ببدع أن يتغير حكم بين بضم «ما» إليه لأن التركيب يزيل الأشياء عن أصولها ويحيلها عن أوضاعها ورسومها، ألا ترى أن رب لا يليها إلا الاسم فإذا اتصلت بها ما غيرت حكمها وأولتها الفعل كما جاء في القرآن: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ وكذلك حرف لم فإذا زيدت عليها ما. وهي أيضا حرف. صارت لما اسماً في بعض المواطن بمعنى حين ووليها الفعل الماضي نحو قوله تعالى: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطا﴾. وهكذا قل وطال لا يجوز أن يليهما الفعل إلا إذا دخلت ما عليهما كقولك: طالما زرتك وقلما هجرتك ..
ــ
إلخ» وقال أيضا «فبينا أنا أسعى وأقعد وأهب وأركد إذ قابلني شيخ يتأوه» فكأنه نسي ما قاله هنا وفي المثل «من غير ابتلي».
(بينا تعانقه الكماة وروغه ... يوماً أتيح له جريء سلقع)
وهو من قصيدة «أبي ذؤيب الهذلي» المرثية التي أولها:
(أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجرع؟ )
وفي شرح ديوانه «للمرزوقي» روى «الأصمعي» بينا تعنقه مجروراً بغير ألف وكان يقول: بينا تضاف إلى المصادر خاصة، وهو تفاعل من المعانقة بعين مهملة وهي معروفة،
стр. 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروغه بغين معجمة من المراوغة والمعنى: كان هذا بين تعنقه الكماة وروغانه حتى قدر له ما قدر، وأتيح بالحاء المهملة بمعنى قدر، والنحويون يخالفون «الأصمعي» ويقولون: بينا وبينما عبارتان للحين، وهما مبهمتان لا تضافان إلا إلى الجمل التي بينهما، وذكر «سيبويه» أن إذ تقع بعدهما للمفاجأة وغيره ينكر ويقول: لا حاجة إلى إذ لأن بينما بمنزلة حين وهي لا تحتاج إليها معها ويشهد «لسيبويه» قوله:
(بينما نحن بالكثيب ضحى ... إذ أتى راكباً على جمله)
ولإبهامها تحتاج إلى الجمل، ويرويه النحويون تعانقه بالرفع بالابتداء وخبره مقدر، أي حاصل معهود ومعتمد مألوف، أتيح له يوماً رجل جريء المقدم ثابت القدم، والمعنى أن هذا اللابس الدرع حزماً وقت معانقته للأبطال ومراوغته للشجعان قدر له رجل هكذا. والسلفع الجريء، وأكثر ما يوصف به ويستعمل لاشتهاره بغير هاء، وقد جاء في حديث «أبي الدرداء» بالهاء وهو «وشركم السلفعة البلقعة الذي يسمع لأضراسها قعقعة ولا تزال جارتها مفزعة» والبلقعة مثل السلفعة في أنه لحقته الهاء، والأكثر عدمه وروي: تعانقه. اهـ. وقول «ابن بري» في حواشيه»: الصواب تعنقه لأن التعانق لا يتعدى وهم منه؛ لصحة روايته، وأما ما ذكره من أمر التعدي ففيه كلام في كتب النحو. (وجعل الألف زائدة ألحقت ببين ليوقع بعدها الجملة كما زيدت «ما» في بينما لهذه العلة). اختلف النحاة في ألف بيتا، فقيل: إنها كافة، وهي مثل «ما» وقيل: إشباع، وهي مضافة إلى الجملة، ويؤيده أنها أضيفت إلى المفرد في قوله: بينا تعنقه الكماة
стр. 237
وروغه ... كما مر. وقال «الرضي»: لما قصدوا إضافة اللازم .. إضافته إلى مفرد. إلى جملة، والإضافة إلى جملة كلا إضافة، زادوا عليها ما الكافة لأنها تكف المقتضي عن الاقتضاء، وأشبعوا الفتحة فتولدت ألف لتكون الألف دليل عدم اقتضائه المضاف إليه لأنه كأنه وقف عليه. وما ذكره «ابن الزيات» في المناظزة يدفعه أنه لا يلزم كون لفظ بمعنى لفظ آخر أن يعطى جميع أحكامه. وفي «صحيح البخاري»: «بينا أنا مع رسول الله ﷺ فقال ... » إلى آخره. فقرن جوابها بالفاء. قال «الكرماني»: أقامها مقام إذا والجواب مقدر. وهذا تفسيره. (لم حرف فإذا زيدت عليها «ما» وهي أيضاً حرف صارت لما اسماً في بعض المواطن بمعنى حين). لما الحينية حرف عند بعض النحاة، وعند بغضهم اسم كما فصله النحاة، وأما تركيبها من لم وما وصيرورتها بسبب التركيب اسماً فتكلف ضعيف.
стр. 238
[٥٤]- تفل وثفل
ويقولون: ثفل في عينه بثاء معجمة بثلاث. فيصحفون فيه لأن المنقول عن العرب تفل بإعجام اثنتين من فوق. وحكي «الفراء» عن «الكسائي» أن العرب تقول: تفل في عيني. ونفث. فالتفل ما صحبه شيء من الريق، والنفث النفخ بلا ريق، ومنه قوله ﷺ : «إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» ونظير هذا التصحيف قولهم في الفرصاد توث بالثاء المعجمة بثلاث كما قال بعضهم:
(لروضة من رياض الحزن أو طرف ... من القرية حزن غير محروث)
ــ
(فالتفل ما صحبه شيء من الريق، والنفث والنفخ بلا ريق) هنا قول لبعض اللغويين، وخالفهم آخرون، وفي تفسير «البيضاوي» في قوله ﴿من شر النفاثات﴾ النفث النفخ مع ريق. (ونظير هذا التصحيف قولهم في الفرصاد: توث بالثاء المعجمة بثلاث). جعل المثلثة تصحيفا وصحح أنه بالمثناة، قال «ابن بري»: حكي «أبو حنيفة الدينوري» أنه بالتاء والثاء، والثاء من كلام الفرس، والمثناة من كلام العرب، وفي
стр. 239
(أحلى وأشهى لعيني إن مررت به ... من كرخ بغداد ذي الرمان والتوت)
والصحيح بالتاء المعجمة باثنتين من فوق. وعند بعض أهل اللغة أن الفرصاد اسم للثمرة والتوت اسم للشجرة. ونقيض هذين التصحيفين قولهم: يتفل ما يعصر: تجيء بإعجام اثنتين من فوق، وهو بالثاء المعجمة بثلاث، وقولهم أيضا للوعل المسن تيتل بتائين تكتنفان الياء كلتاهما معجمة باثنتين من فوق، وهو في كلام العرب [الثيتل] بإعجام الأول منهما بثلاث. فأما قول الشاعر:
(وعدت فكان الخلق منك سجية ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب)
فأكثر الرواة يروونه بيثرب ويعنون به المدينة. وأنكر ابن الكلبي ذلك وحقق أن الرواية بيترب بالتاء المعجمة باثنتين من فوق وهو موضع يقرب من اليمامة ويتاخم منازل العمالقة واحتج في ذلك بأن «عرقوبا» كان من العمالقة الذين لم ينزلوا المدينة.
ــ
شرح «أدب الكتاب» أنهما لغتان وفي كتاب «المعربات» أن «أبا حنيفة» قال: لم أسمع أحداً بقوله بالمثناة، وأنشد الشعر المذكور وهو «لمحبوب النهشلي» كما صححه الرواة وتمامه هكذا:
(لروضة من رياض الحزن أو طرف ... من القرية حزن غير محروث)
(للنور فيه إذا حج الندى أرج ... يشفي الصداع ويشفي داء ممغوث)
стр. 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(أحلى وأشهى لعيني إن مررت به ... من كرخ بغداد ذي الرمان والتوث)
(والليل نصفان نصف للهموم فما ... أقصى الرقاد ونصف للبراغيث)
(أبيت حيث تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحا بتغويث)
(سود مدالج في الظلماء مؤذنة ... وليس ملتمس منها بمبثوث)
وروى بدل قوله لعيني: لقلبي. والحزن بفتح الحاء المهملة ضد السهل، والكرخ محلة معروفة بغداد و «المؤذنة» بضم الميم يليها همزة ساكنة قال «ابن المكرم» هو القصير، وبغير همز الذي يولد ضاويا نحيفاً. فأما قول الشاعر:
(وعدت وكان الخلف منك سجية ... مواعيد «عرقوب» أخاه بيثرب)
فأكثر الرواة يروونه بيثرب ويعنون بها المدينة وأنكر «ابن الكلبي» ذلك وحقق أن الرواية بيترب بتاء معجمة باثنتين من فوق وهو موضع بقرب اليمامة يتاخم منازل العمالقة واحتج لذلك بأن «عرقوباً» كان من العمالقة الذين لم ينزلوا المدينة). «عرقوب» يضرب به المثل في خلف المواعيد وقصته مشهورة وهو رجل من العمالقة وهو «عرقوب بن زهير» أحد بني عبد شمس بن ثعلبة، أو «عرقوب بن صخر» المكنى «بأبي مرجب» على اختلاف فيه. قال الحافظ «أبو الخطاب» سميت المدينة يثرب باسم الذي نزلها من العماليق وهو «يثرب بن عبيد» ويروى البيت «لعلقمة الأشجعي» وروي «وكان» بالواو والفاء.
стр. 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال «ابن دريد»: اختلفوا في «عرقوب» فقيل: إنه من الأوس، فيصح على هذا أن يكون «يثرب» في الشعر بالمثلثة والراء مكسورة، وقيل: من العماليق فيكون «يترب» بالمثناة والراء؛ لأن العماليق كانت ديارهم من اليمامة إلى «وبار» و «يترب» هناك. قال: وكانت العماليق أيضاً بالمدينة. ففي البيت روايتان. أقول: قد ثبت أن الأنصار من العمالقة وأصلهم من اليمن بغير شك، فلا وجه للتردد بما ذكر، وإنما الكلام في قصة «عرقوب» هل كانت باليمن أم لا؟ فالذي ينبغي أن يصحح هو هذا. وكره النبي ﷺ تسمية المدينة بيثرب لأنه من التثريب وهو التقريع والتبكيت، قال تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، وأما قوله ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ فحكاية عمن قاله من المنافقين، كما نبه عليه «ابن هشام» فلا يقدح في الكراهة. وقيل كره لأنه اسم رجل جاهل، وقوله: يتاخم مضارع تاخم بتاء مثناة فوقية وخاء معجمة، بمعنى يلاصقها ويقرب من حدودها.
стр. 242
[٥٥]- قولهم: أزمعت المسير
ويقولون: أزمعت على المسير، ووجه الكلام: أزمعت المسير كما قال «عنترة»:
(إن كنت أزمعت المسير فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم)
وفي معنى أزمعت لفظة أجمعت، إلا أنه يجوز في أجمعت خاصة تعديتها بنفسها وبلفظة على، فيقال: أجمعت الأمر وأجمعت عليه، وفي «القرآن»: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾، وسئل عن وجه انتصاب لفظة وشركاءكم إذ العطف ممتنع هنا، لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، وأجيب عنه بجوابين:
ــ
(ويقولون: أزمعت على المسير، ووجه الكلام: أزمعت السير)
في «تهذيب الأزهري» يقال: هو الشجاع إذا أزمع الأمر لم ينثن عنه والمصدر الزماع، وأثبت أبو عبيد. عن «الكسائي»: أزمعت الأمر وأنكر أزمعت عليه [و «شمر» وغيره يجيز أزمعت عليه. اهـ]. وقال «ابن بري»: أجاز «الفراء» أزمعت الأمر وعلى الأمر، وأما «الكسائي» فلم يجز إلا أزمعت الأمر، والحجة «للفراء» أن الأفعال قد يحمل بعضها على بعض إذا تقاربت معانيها، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فتنة﴾ فعدى خالف بعن من جهة أن المخالفة خروج عن الطاعة، وكذا الإزماع هو المضي في الأمر والعزم عليه. وقد قال بعض أهل اللغة: أزمع الأمر وعليه وبه بمعنى، وكذا قال «الفراء» وكذا عزمت الأمر وعزمت عليه عنده [كما قال عنترة
стр. 243
أحدهما: إذا انتصب انتصاب المفعول معه فتكون الواو بمعنى «مع» لا أنها واو العطف ويكون تقدير الكلام اجتمعوا مع شركائكم على تدبير أمركم. والجواب الثاني: أنه انتصب على إضمار فعل حذف لدلالة الحال عليه، وتقديره. لو ظهر. وادعوا شركاءكم فتكون الواو على هذا القول قد عطفت فعلا مضمراً على فعل مظهر، كما قال الشاعر:
(ورأيت زوجك في الوغا ... متقلداً سيفاً ورمحاً)
والرمح لا يتقلد به، وإنما تقديره وحاملاً رمحاً. ويضاهي لفظة أجمعت في تعديتها بنفسها تارة وبحرف الجر أخرى لفظة عزمت فيقال عزمت على الأمر وعزمته كما قال : ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
ــ
(إن كنت أزمعت المسير فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم)
هو لعنترة من معلقته المشهورة، وروي بدل المسير الفراق، والرحيل، وزمت بمعنى شدت بالأزمة، والركاب يختص بالإبل. وقال «ابن كيسان»: يقال هذا أمر أسري عليه بليل إذا أحكم، وإنما خص الليل لأنه وقت صفاء الأذهان. (ويسأل عن وجه انتصاب لفظة وشركاءكم، إذ العطف يمتنع هنا لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، وقد أجيب عنه بجوابين: أحدهما، أنه انتصب انتصاب المفعول معه فتكون الواو بمعنى مع لأنها واو العطف، ويكون تقدير الكلام اجتمعوا مع شركائكم على تدبير أمركم.
стр. 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجواب الثاني، أنه انتصب على إضمار فعل حذف لدلالة الحال عليه وتقديره لو ظهر: وادعوا شركاءكم). هذا كله على تقدير قطع همزة أجمعوا، وقد قرى بوصلها أيضاً من جمع وهو مشترك بين المعاني والذوات بخلاف أجمع فإنه مختص بالمعاني حتى وجه «ابن هشام» الآية على قراءة القطع بتقدير مضاف أي وأمر شركائكم أو فعل، أي واجمعوا شركاءكم بالوصل إلى أن قال: وموجب التقدير أن أجمع لا يتعلق بالذوات بل بالمعاني، بخلاف جمع فإنه مشترك بينها وفي «عمدة الحفاظ» حكاية القول بأن أجمع أكثر ما يقال في المعاني وجمع في الأعيان. فيقال أجمعت أمري وجمعت قومي. وقد يقال بالعكس فعلى هذا لا تحتاج الآية إلى تقدير. وفي «المحكم» أنه يقال: جمع الشيء عن تفرق يجمعه جمعاً وأجمعه، فإذا ثبت أن أجمع بمعنى جمع صح العطف وخرجت الآية عن أن تكون مثالا لهذه المسألة، إذ تالي الواو فيها وهو «شركاءكم» يليق به الفعل المذكور وهو أجمع، فيكون همزته همزة وصل، لكن هذا مبني على استعمال المشترك في معنييه جميعاً؛ إذ أجمع مشترك بين العزم وضم المتفرق، فباعتبار تسليطه على الأمر يكون مراداً به المعنى [الأول وباعتبار تسليطه على الشركاء يكون مراداً به المعنى] الثاني، وفيه نظر. ووقع في الحديث «فأجمعهم على قتالنا» قال «حواشي السيرة» يقال: جمع في الأجرام جمعاً، نحو جمع ماله. وفي المعاني نحو جمع كيده، وأجمع في المعاني خاصة، نحو «فأجمعوا أمركم» هكذا يقول أهل اللغة، وعلى هذا يشكل قوله «فأجمعهم على قتالنا» فإن صح لفظ الحديث كذا وجب تأويله على حذف مضاف أي فأجمع رأيهم. اهـ. ويعلم ما فيه مما مر. وفي «تهذيب الأزهري» قال «الفراء»: الإجماع: الإعداد والعزيمة على الأمر، ونصب
стр. 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشركاء في الآية بفعل مضمر أي وادعوا شركاءكم. قال: وكذلك هي قراءة «عبد الله» وأنشد:
(ياليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوماً وأمري مجمع)
قال القراء: إذا أردت جمع المتفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون كما قال تعالى: ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ وإذا أردت جمع المال قلت جمعت ويجوز تخفيفه، وقال «أبو إسحاق»: الذي قاله «الفراء»: غلط في إضماره «وادعوا شركاءكم» لأن الكلام لا فائدة فيه لأنهم كانوا يدعون شركاءهم لأن يجمعوا أمرهم قال: والمعنى فأجمعوا أمركم مع شركائكم وإذا كان الدعاء لغير شيء فلا فائدة فيه. قال: والواو بمعنى مع، كقولك: تركت الناقة وفصيلها لترضعه، أي مع فصيلها. قال: ومن قرأ «فأجمعوا أمركم» بألف موصولة، فإنه يعطف شركاءكم على أمركم، ويجوز: فاجمعوا مع شركائكم أمركم. قال «الأصمعي»: جمعت الشيء إذا جئت به من هنا ومن هنا، وأجمعته إذا صيرته جميعاً. قال «أبو ذؤيب»: وأولات ذي العوجاء نهب مجمع. وقال «الفراء» في قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾: الإجماع الإحكام والعزيمة على الشيء. تقول: أجمعت الخروج وأجمعت على الخروج. ومن قرأ فاجمعوا فمعناه: لا تدعوا من كيدكم شيئاً إلا جئتم به.
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعن «أبي الهيثم» أنه قال: أجمع أمره جعله جمعياً بعدما كان متفرقاً، وتفرقته أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر محكم أجمع على جعله جميعا. قال: كذلك قال بعضهم. قال: ويقول: جمعت. أمري، والجمع أن يجمع شيئاً إلى شيء، والإجماع أن يجعل الشيء المتفرق جميعا كالرأي المعزوم عليه. اهـ. (فيكون الواو على هذا القول قد عطفت فعلاً مضمراً على فعل مظهر كما قال الشاعر:
(ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحا)
هذا أصل من أصول العربية، وفيه طرق: إحداها التقدير، وهو الطريق الذي ذكره المصنف، والثانية أن يضمن العامل المذكور معنى عامل آخر كحامل هنا، أو يتجوز به [عنه، والثالثة أن لا يقدر ولا يؤول ويدعي أنه من المشاكلة] وهذا ذكره «الثعالبي» في بعض كتبه، وله تفصيل. وفيه فوائد ذكرناها في كتابنا «طراز المجالس».
стр. 247
٥٦ - قولهم في أخدر، وحدر
ويقولون: أحدرت السفينة وقد آن إحدارها. ووجه الكلام أن يقال: حدرتها وقد آن حدرها، وهي في غد محدورة. وكذلك يقولون: أعلفت الدابة، والصواب فيه علفت كما قال الشاعر:
(إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب)
[يغلطون فيه ويحرفونه على حكمه. إنهم يوهمون].
стр. 248
[٥٧]- جمع فم أفواه
ويقولون في جمع فم أفمام. وهو من أوضح الأوهام. والصواب أن يقال أفواه كما قال : ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ وذلك أن الأصل في فم فوه على وزن سوط، فحذفت الهاء تخفيفاً لشبهها بحروف اللين فبقى الاسم على حرفين الثاني منهما حرف لين، فلم يروا إيقاع الإعراب عليه لئلا تثقل اللفظة، ولم يروا حذفه لئلا يجحفوا به فأبدلوا من الواو ميماً فقالوا فم؛ لأن مخرجها من الشفة. والدليل على ذلك أن الأصل في فم الواو وقولهم تفوهت بكذا، ورجل أفوه [ولم يقولوا: تفممت ولا رجل أفم، وأكثر ما يستعمل بالميم عند الأفراد فأما قول العجاج
(خالط من سلمى خياشيم وفا)
ــ
(ويقولون في جمع فم: أفمام، وهو من أوضح الأوهام، والصواب أن يقال: أفواه كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ... ﴾ وذلك أن الأصل في فم فوه على وزن سوط). ما زعمه غلطاً مما غلط فيه وإن كان على خلاف القياس، ولهذا قالوا: إن جمعه أفواه وأفمام؛ وقال للواحد لهما وأراد لا واحد لهما ملفوظ به على وفق القياس، إذ لا ثلاثي منه حتى يجمع، وقياس واحد أفمام أن يكون فمم بميمين أدغمت إحداهما في الأخرى، وهذا غير صحيح، ولو تركه كان أحسن كما سيجيء بيانه. (كما قال علي ﵁:
(هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه).
هذا بيت يضرب به المثل في كل من يؤثر في غير وقت الإيثار، وهو «العمرو بن
стр. 249
فقيل: إنه أراد وفاها، فحذف المضاف إليه، وقيل عنى وفما] وقولهم في تصغيره: فويه لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها كما يقال في تصغير حر: حريح لأن أصله حرح، ويقال في تصغير الست من العدد: سديسة لأن أصلها سدس لاشتقاقها من التسديس كما أن اشتقاق خمسة من التخميس، وألحقت الهاء بها عند التصغير لأنها من المؤنث الثلاثي. ثم إن العرب قصرت استعمال فم عند إفراده واختارت رده إلى أصله عند إضافته. فقالوا عند الإضافة: نطق فوه وقبل فاه وأدخل إصبعه في فيه. كما قال علي كرم الله وجهه:
(هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه)
إلا أنه قد سمع عنهم الإضافة إلى الميم كقول الراجز:
(يصبح عطشان وفي البحر فمه)
وأما قول الفرزدق:
(هما نفثا في في من فمويهما ... على النابح العاري أشد رجام)
فإنه جمع للضرورة بين العوض والمعوض كما فعل الراجز في قوله:
(إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهم)
ــ
عدي» ابن أخت «جذيمة الأبرش» الملك المشهور، وله حكاية مشهورة، وأصله أن «جذيمة» كان يحب الكمأة وكان يخرج إلى الصحراء ويضرب خيامه بها إذا خرجت. وكان «عمرو» صبياً، فكان يروح إلى المرجع مع غلمان «جذيمة» ليجتنوا له
стр. 250
فجمع بين ياء الندا والميم المشددة التي عند «الخليل» بدل من ياء المناداة.
ــ
الكمأة ويجيئوه بها، فرأى الغلمان يأكلون جيد الجني ويأتون ببقيته «لجذيمة» وهو لا يتعاطى منه شيئاً ويأتي به جميعه له، فإذا وضعه بين يديه قال هذا له، يعني به محبته له وإيثاره له على نفسه وأن غلمانه ليسوا كذلك، يريد أنه يبذل جهده في نصحه، ولا يألو جهداً فيه. فقول المصنف: (قال «علي» سهو منه، لأنه ليس «لعلي» كما عرفته، وما قيل في الاعتذار عنه من أن النساخ حرفوا «عديا» «بعلي» وسقطت من أقلامهم لفظة «ابن» لا يجدي، فإنه ضغث على إبالة. نعم «علي» تمثل به فتوهمه المصنف له، وهذا منشأ وعمه. وفي «كتاب الزهد لأحمد» -رحمة الله- أن «ابن النساج» أتى «عليا» ﵁ في خلافته وقال له: يا أمير المؤمنين قد امتلأ بيت المال من الصفراء والبيضاء، فقام متوكئاً عليه، حتى قام على بيت المال، فلما رآه قال: يا بن النساج، علي بإسباغ الوضوء، فتوضأ ثم قال: ادع أهل الكوفة فنودي بالناس، فلما اجتمعوا أعطاهم جميع ما فيه وهو يقول:
(هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه)
يا صفراء يا بيضاء غري غيري، وجعل يقول: ها وها، حتى لم يبق درهم، فأمر بنضحه، وصلى فيه ركعتين. قال «الواقدي»: وإنما فعل ذلك ليشهد له يوم القيامة أنه لم يحبس فيه شيئاً مما كان فيه عن المسلمين.
(يصبح عطشان وفي البحر فمه)
أوله:
(كالحوت لا يلهيه شيء يلهمه)
следующие страницы →