Полный текст (679 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعن «أبي الهيثم» أنه قال: أجمع أمره جعله جمعياً بعدما كان متفرقاً، وتفرقته أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر محكم أجمع على جعله جميعا. قال: كذلك قال بعضهم. قال: ويقول: جمعت. أمري، والجمع أن يجمع شيئاً إلى شيء، والإجماع أن يجعل الشيء المتفرق جميعا كالرأي المعزوم عليه. اهـ. (فيكون الواو على هذا القول قد عطفت فعلاً مضمراً على فعل مظهر كما قال الشاعر:
(ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحا)
هذا أصل من أصول العربية، وفيه طرق: إحداها التقدير، وهو الطريق الذي ذكره المصنف، والثانية أن يضمن العامل المذكور معنى عامل آخر كحامل هنا، أو يتجوز به [عنه، والثالثة أن لا يقدر ولا يؤول ويدعي أنه من المشاكلة] وهذا ذكره «الثعالبي» في بعض كتبه، وله تفصيل. وفيه فوائد ذكرناها في كتابنا «طراز المجالس».
стр. 247
٥٦ - قولهم في أخدر، وحدر
ويقولون: أحدرت السفينة وقد آن إحدارها. ووجه الكلام أن يقال: حدرتها وقد آن حدرها، وهي في غد محدورة. وكذلك يقولون: أعلفت الدابة، والصواب فيه علفت كما قال الشاعر:
(إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب)
[يغلطون فيه ويحرفونه على حكمه. إنهم يوهمون].
стр. 248
[٥٧]- جمع فم أفواه
ويقولون في جمع فم أفمام. وهو من أوضح الأوهام. والصواب أن يقال أفواه كما قال : ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ وذلك أن الأصل في فم فوه على وزن سوط، فحذفت الهاء تخفيفاً لشبهها بحروف اللين فبقى الاسم على حرفين الثاني منهما حرف لين، فلم يروا إيقاع الإعراب عليه لئلا تثقل اللفظة، ولم يروا حذفه لئلا يجحفوا به فأبدلوا من الواو ميماً فقالوا فم؛ لأن مخرجها من الشفة. والدليل على ذلك أن الأصل في فم الواو وقولهم تفوهت بكذا، ورجل أفوه [ولم يقولوا: تفممت ولا رجل أفم، وأكثر ما يستعمل بالميم عند الأفراد فأما قول العجاج
(خالط من سلمى خياشيم وفا)
ــ
(ويقولون في جمع فم: أفمام، وهو من أوضح الأوهام، والصواب أن يقال: أفواه كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ... ﴾ وذلك أن الأصل في فم فوه على وزن سوط). ما زعمه غلطاً مما غلط فيه وإن كان على خلاف القياس، ولهذا قالوا: إن جمعه أفواه وأفمام؛ وقال للواحد لهما وأراد لا واحد لهما ملفوظ به على وفق القياس، إذ لا ثلاثي منه حتى يجمع، وقياس واحد أفمام أن يكون فمم بميمين أدغمت إحداهما في الأخرى، وهذا غير صحيح، ولو تركه كان أحسن كما سيجيء بيانه. (كما قال علي ﵁:
(هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه).
هذا بيت يضرب به المثل في كل من يؤثر في غير وقت الإيثار، وهو «العمرو بن
стр. 249
فقيل: إنه أراد وفاها، فحذف المضاف إليه، وقيل عنى وفما] وقولهم في تصغيره: فويه لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها كما يقال في تصغير حر: حريح لأن أصله حرح، ويقال في تصغير الست من العدد: سديسة لأن أصلها سدس لاشتقاقها من التسديس كما أن اشتقاق خمسة من التخميس، وألحقت الهاء بها عند التصغير لأنها من المؤنث الثلاثي. ثم إن العرب قصرت استعمال فم عند إفراده واختارت رده إلى أصله عند إضافته. فقالوا عند الإضافة: نطق فوه وقبل فاه وأدخل إصبعه في فيه. كما قال علي كرم الله وجهه:
(هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه)
إلا أنه قد سمع عنهم الإضافة إلى الميم كقول الراجز:
(يصبح عطشان وفي البحر فمه)
وأما قول الفرزدق:
(هما نفثا في في من فمويهما ... على النابح العاري أشد رجام)
فإنه جمع للضرورة بين العوض والمعوض كما فعل الراجز في قوله:
(إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهم)
ــ
عدي» ابن أخت «جذيمة الأبرش» الملك المشهور، وله حكاية مشهورة، وأصله أن «جذيمة» كان يحب الكمأة وكان يخرج إلى الصحراء ويضرب خيامه بها إذا خرجت. وكان «عمرو» صبياً، فكان يروح إلى المرجع مع غلمان «جذيمة» ليجتنوا له
стр. 250
فجمع بين ياء الندا والميم المشددة التي عند «الخليل» بدل من ياء المناداة.
ــ
الكمأة ويجيئوه بها، فرأى الغلمان يأكلون جيد الجني ويأتون ببقيته «لجذيمة» وهو لا يتعاطى منه شيئاً ويأتي به جميعه له، فإذا وضعه بين يديه قال هذا له، يعني به محبته له وإيثاره له على نفسه وأن غلمانه ليسوا كذلك، يريد أنه يبذل جهده في نصحه، ولا يألو جهداً فيه. فقول المصنف: (قال «علي» سهو منه، لأنه ليس «لعلي» كما عرفته، وما قيل في الاعتذار عنه من أن النساخ حرفوا «عديا» «بعلي» وسقطت من أقلامهم لفظة «ابن» لا يجدي، فإنه ضغث على إبالة. نعم «علي» تمثل به فتوهمه المصنف له، وهذا منشأ وعمه. وفي «كتاب الزهد لأحمد» -رحمة الله- أن «ابن النساج» أتى «عليا» ﵁ في خلافته وقال له: يا أمير المؤمنين قد امتلأ بيت المال من الصفراء والبيضاء، فقام متوكئاً عليه، حتى قام على بيت المال، فلما رآه قال: يا بن النساج، علي بإسباغ الوضوء، فتوضأ ثم قال: ادع أهل الكوفة فنودي بالناس، فلما اجتمعوا أعطاهم جميع ما فيه وهو يقول:
(هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه)
يا صفراء يا بيضاء غري غيري، وجعل يقول: ها وها، حتى لم يبق درهم، فأمر بنضحه، وصلى فيه ركعتين. قال «الواقدي»: وإنما فعل ذلك ليشهد له يوم القيامة أنه لم يحبس فيه شيئاً مما كان فيه عن المسلمين.
(يصبح عطشان وفي البحر فمه)
أوله:
(كالحوت لا يلهيه شيء يلهمه)
стр. 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروي بدل عطشان ظمآن. ويلهمه بمعنى يبتلعه. وهذا كما في «حياة الحيوان» مثل يضرب لمن عاش بخيلا شرها. وقوله: (الإضافة إلى الميم) تسمح، أو إلى فيه بمعنى مع. (وأما قول «الفرزدق»:
(هما نفثا في فيٌ من فمومهما ... على النابح العاوي أشد رجام)
هو من قصيدته الميمية المشهورة. وفي «شرح التسهيل» يجوز أن يقال: كلمته من فمي إلى فمه، وفم زيد أحسن من فم عمرو. وفي الحديث الصحيح «لخلوف فم الصائم». وهذا يدل على قلة علم من زعم أن
стр. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثبوت الميم لا يجوز مع الإضافة إلا في ضرورة الشعر كقوله:
(وطعن كفم الزق ... غدا والزق ملآن)
وقد عاب بعض أصحاب الرأي على «الحريري» قوله في مقاماته:
(أدخله في فمه وقرنه بتوءمه)
ولا عيب فيه كما ذكرته ولك أن تقول: إنما عيب عليه ما عابه على غيره «فكل شاة معلقة بعرقوبها» وفي سر الصناعة لابن جني: الميم في فم بدل من الواو بعد حذف لامه، وهو مفتوح الفاء وأما ما حكاه «أبو زيد» وغيره من كسر الفاء وضمها فضرب من التغيير، وأما قوله: «يا ليتها قد خرجت من فمه» ويروى بضم الفاء وفتحها وتشديد الميم فليس لغة لأنها لم تتصرف وإنما [هو] عارض لأنهم لما أبدلوها ميماً نقلوها في الوقف ثم أجروا الوصل مجرى الوقف فهذا حكم تشديدها عندي. اهـ. وإذا سمعت ما ذكرناه وعرفت ما في كلام المصنف وعرفت أن [قول] صاحب «القاموس» لا واحد له مما لا وجه له أصلاً. وهذا ما وعدناك به فاعرفه.
стр. 253
[٥٨]- صحة تصغير عقرب
ويقولون في تصغير عقرب: عقيربة. فيوهمون فيه وهم من لم يستقر كلام العرب، ولا عشا إلى جذوة الأدب. لأن العرب تصغرها على عقيرب كما تصغر زينب على زيينب، وذلك أن الهاء إنما ألحقت في تصغير الثلاثي نحو قدر وقديرة وشمس وشمسية، فأما الرباعي فإنه لما ثقل بكثرة حروفه نزل الحرف الأخير منه منزلة هاء التأنيث والدليل عليه منع «سعاد» من الصرف كما منع ما فيه الهاء. فلما حل الحرف الأخير من الرباعي المؤنث محل الهاء من الثلاثي لم يجز أن تدخل عليها الهاء كما لا يدخل على هاء التأنيث هاء أخرى.
تصغير ذا وذي
ومن أوهامهم في التصغير قولهم في تصغير ذي الموضوعة للإشارة إلى المؤنث: ذيا فيخطئون فيه؛ لأن العرب جعلت تصغير ذيا لذا الموضوعة للإشارة إلى المذكر، ولم تصغر ذي الموضوعية للإشارة إلى المؤنث على لفظها لئلا يلتبس بتصغير ذا، بل عدلت في تصغير الاسم الموضوع للإشارة إلى المؤنث عن ذي إلى تا. فصغرته على تيا قال «الأعشي»:
(أتشفيك تيا أم تركت بدائكا ... وكانت قتولا للرجال كذلكا)
ــ
(يقولون في تصغير عقرب: عقيربة فيوهمون فيه).
هذا بناء منه على أن العرب لم تقل: عقربة. والواهم فيه ابن أخت خالته، فإنها مسموعة، وتصغيرها حينئذ جار على القياس. وفي «القاموس» أنثى العقارب عقرباء بالمد وهي غير مصروفة كالعقربة. اهـ. وقوله: كالعقربة تمثيل للأنثى لا لعدم الصرف وإن أوهمه كلامه. (العرب جعلت تصغير ذيا «لذا» الموضوع للإشارة إلى المذكر ولم تصغر «ذي» الموضوعة للإشارة إلى المؤنث). لئلا يلتبس تصغير المذكر، فاستغنوا عنه بقولهم لمصغره: تيا، وهم كثيرا يفعلون مثله.
стр. 254
[٥٩]- النسب إلى دنيا
ويقولون: رجل دنيائي. بهمزة قبل ياء النسب فيلحنون فيه، لأن المسموع عن العرب في النسب إلى دنيا دنيي ودنيوي، وفيهم من شبه ألفها بألف بيضاء لكونهما علامتي تأنيث فقال دنياوي كما قيل في بيضاء بيضاوي، فأما إلحاق الهمزة بها فلا وجه له لأنه اسم مقصور غير مصروف، والهمزة إنما ألحقت بالمنسوب إلى الممدود المنصرف كما يقال في النسب إلى سماء وحرباء: سمائي وحربائي على أنه قد يجوز فيهما سماوي وحرباوي. ومن أوهامهم في لفظة دنيا أيضاً تنوينهم إياها فيقولون: هذه دنيا متعبة وهو من مشاين الوهم ومقابح اللحن، لأن دنيا وما هو على وزنها مما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، لا يدخله التنوين بوجه، وإنما لم ينصرف ما أنث بالألف في معرفة ولا نكرة، وانصرف مما أنث بالهاء في النكرة وكلتاهما علامة للتأنيث لأن التأنيث بالألف أقوى من التأنيث بالهاء بدليل أن الكلمة المؤنثة بالألف نحو حبلى
ــ
(ومن أوهامهم في لفظ دنيا أيضا تنوينهم إياها، فيقولون: هذه دنيا متعبة) أي بتنوين دنيا، ولذا أتي بها موصوفة بقوله متعبة ليظهر التنوين، فلا يذهب في حالة الوقف، والدنيا نقيض الآخرة، وقد ذكر أهل اللغة أن العرب قد تنونها فجعله وهماً وهم منه، والذي غره أن آخره ألف تأنيث فلا يتأتى صرفه بوجه من الوجوه، وسيأتي توجيهه. وقد روي منوناً في «البخاري»، فقال بعض شراحه: إنه غلط من الرواة، ورده بعضهم بأن «ابن الأعرابي» حكاه عن العرب سماعاً.
стр. 255
وسكري وحمراء وخضراء صيغت في بدئها وأول وضعها على التأنيث فقوى تخصصها بالأنوثة، ونابت هذه العلة مناب علتين فمنعت الصرف بالواحدة. والتأنيث بالهاء ملتحق بالكلمة بعد استعمالها في المذكر نحو قولك: عائش وعائشة وخديج وخديجة فلهذا حط من درجة ما أنث بالألف وصرف في النكرة.
ــ
وفي شرح «المقصورة» «لابن هشام اللخمي» سمع دنيا بالصرف، وهو كما قاله «ابن جني»: نادر وغريب، ولا نعلم شيئاً مما آخره ألف تأنيث مصروفاً غير هذا الحرف، فهو شاذ إن لم يقل بأنه ملحق. وقد سمع في قوله:
(في سعي دنيا طالما قد مدت)
وليس بضرورة لعدم اختلاف الوزن في الحالتين. وقال «أبو الفتح»: يجوز أن تكون الألف فيه للإلحاق بجحدب، ولما غلب على دنيا وأمثالها أن تكون ألفها للتأنيث أبقوا قلب الواو ياء، وأجروها على المعتاد فيها، ليس وزنها فعلى بل فعلل وجوز فيه أن يكون فعيل كقليب، وقد استضعفوا الوجهين. وقال «ابن هشام»: لا يسوغان عندي لأن فعللا لم يثبت عندنا خلافاً «لأبي الحسن». فأما «بهماة» فألفه للتكثير إلا أنها لم ترد في مثله للتكثير إلا مع تاء التأنيث، كما أن الواو لم ترد في «عرقوة» إلا معها.
стр. 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا فعيل بناء معدوم عند «سيبويه» وشاذ عند غيره، فلا ينبغي أن يحمل عليه، وأيضا المعنى شاهد بخلافه لوقوعه في مقابلة الأخرى. وحكي بعض اللغويين تنوين «خنثى» فإن صح ثبت أن ألف فعلى تكون لغير التأنيث كالتكثير، فيتضح أمر «دنيا» على قول «ابن الأعرابي»:
(ولعمري أن ذي الدنيا لقد ... حيرت باللفظ والمعنى الورى)
وما ذكره المصنف قبل هذا في النسبة إليها مفصل في علم التصريف؛ فلهذا أعرضنا عن بيانه لشهرته فاعرفه.
стр. 257
[٦٠]- الفرق بين آليت والوت
ويقولون: ما آليت جهداً في حاجتك، فيخطئون الكلام فيه لأن معنى ما آليت ما حلفت، وتصحيح الكلام فيه أن يقال: ما ألوت أي ما قصرت [لأن العرب تقول: ألا الرجل يألو إذا قصر وفتر]. وحكي «الأصمعي» قال: إذا قيل لك ما ألوت في حاجتك فقل: بلى أشد الألو. وقد أجاز بعضم أن يقال: ما أليت في حاجتك بتشديد اللام، واستشهد عليه بقول «زهير بن جناب»:
(وإن كنائني لمكرمات ... وما ألي بني ولا أساؤا)
ولفظة «ألوت» لا تستعمل في الواجب البتة. مثل لفظة أحد وقط وصافر وديار، كمثل لا جرم ولا بد ونظائره، وكذلك لفظة الرجاء الذي بمعنى الخوف
ــ
(ويقولون: ما آليت جهداً في حاجتك) بمد الهمزة كغاليت (فيخطئون فيه، لأن معنى ما آليت ما حلفت، وتصحيح الكلام فيه أن يقال: ما ألوت أي ما قصرت لأن العرب تقول: ألا الرجل يألو إذا قصر). ألا بالقصر بمعنى قصر، كما في قوله في «المقامات»: سرنا لا نألو جهداً ولا نستفيق جهدا.
стр. 258
كما جاء في القرآن: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ أي لا تخافون وكما قال «أبو ذؤيب»:
(إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل)
يعني لم يخف لسعها، وأراد بالنوب التي قد شابهت بسوادها النوبة، وقيل: بل أراد به جمع نائب. ومما لا يستعمل أيضا إلا في الجحد قولهم: ما زال وما برح وما فتئ وما انفك ومادام بمعنى ما برح في أكثر الأحوال وعليه قول «الأعشى»:
(أيا ابتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم)
حكاية لطيفة
وبهذا البيت استعطف «أبو عثمان المازني» «الواثق» بالله حين أشخصه من
ــ
وهو لازم، وجهدا بضم الجيم بمعنى الاجتهاد منصوب معه تمييزاً وبنزع الخافض، وهو «عن» لما في «الأساس» ما ألوت عن الجهد، أو «في» لقولهم: قصر في كذا أو لكون الألو بمعنى الترك مجازاً أو تضميناً، فينصب ما بعده مفعولاً واحداً له، وقد قالوا: إنه جاء متعدياً لمفعولين كقوله:
(فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق)
فعلى هذا أحد مفعوليه محذوف، وأصله: ما أوتك جهداً، أي لم أمنعكه، وهذا أيضا إما مجاز أو تضمين، ويحتمل الحقيقة. وفي «شرح المقامات» «للمطرزي» يقال: ألا
стр. 259
البصرة إلى حضرته حتى اهتز لإحسان صلته وعجل تسريحه إلى ابنته. وخبره يشهد بفضيلة الأدب ومزيته، ويرغب الراغب عنه في اقتباسه ودراسته. ومساقه ما رواه «أبو العباس المبرد» قال: قصد بعض أهل الذمة «أبا عثمان المازني» ليقرأ عليه «كتاب سيبويه» وبذل له مائة دينار على تدريسه إياه، فامتنع «أبو عثمان» من قبول بذله، وأصر على رده قال: فقلت له جعلت فداءك. أترد هذه النفقة مع فاقتك وشدة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا آية من كتاب الله ، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً غيرة على كتاب الله تعالى وحمية له. قال: فاتفق أن غنت جارية بحضرة «الواثق» بقول «العرجي»:
ــ
في الأمر يألو ألواً وألياً وألوا إذا قصر فيه. ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحا ولا آلوك جهداً بمعنى لا أمنعك نصحاً ولا انقصكه. اهـ. فله مصادر: ألو كضرب، وألو كقعود، وألى كحلي. فلا وجه لما قيل: من [أن] الظاهر أن مصدر ألا بمعنى قصر: الألو بضم الهمزة واللام وتشديد الواو على وزن فعول لأنه الغالب في مصدر فعل اللازم، وقوله: أشد الألو كما في «الأساس» ضبط بضمتين وتشديد الواو، وفي بعض النسخ بفتح فسكون «كدلو» لأن مصدر اللازم قد يجيء على فعل. وقد قال «الفراء»: إن مصدر ما لم يسم مصدره عند أهل الحجاز على فعل كضرب متعدياً كان أو لازماً:
(وإن كنائني لمكرمات ... وما آلى بني ولا أساءوا)
стр. 260
(أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام إليكم ظلم)
فاختلف من بالحضرة في إعراب «رجل»، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها «أبا عثمان المازني» لقنها إياه بالنصب، فأمر «الواثق» بإشخاصه. قال «أبو عثمان» فلما مثلت بين يديه، قال ممن الرجل؟ قلت من بني مازن. قال: أي الموازن مازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة. فكلمني بكلام قومي قال لي: با اسمك؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما إذا كان في أول الأسماء. قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر. فقلت: بكر يا أمير المؤمنين. ففطن لما قصدته وأعجب به، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر:
(أظلوم إن مصابكم رجلا ... )
أترفع رجلا أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذلك؟ فقلت: إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم، فأخذ «اليزيدي» في معارضتي فقلت: هو بمنزلة قولك إن ضربك زيداً ظلم، فرجلا مفعول مصابكم، ومنصوب به، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم فيتم الكلام. فاستحسنه «الواثق» وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم بنية يا أمير المؤمنين قال: ما قالت لك عند مسيرك؟ قلت: [أنشدت] قول «الأعشى»:
ــ
هو من شعر «الزهير بن جناب» وقبل: «للربيع بن ضبع الفزاري». والكنائن جمع كنانة بمعنى العشيرة مستعار من كنانة السهم.
стр. 261
(أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم)
(أرانا إذا أضمرتك البلا ... قد نجفى وتقطع منا الرحم)
قال فما قلت لها؟ [قال] قلت [لها] قول «جرير»:
(ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح)
قال: علي النجاح إن شاء الله، ثم أمر لي بألف دينار وردني مكرماً، قال «أبو العباس» فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس رددنا لله مائة فعوضنا ألفاً.
ــ
وبني بتشديد الياء جمع ابن مضاف إلى ياء المتكلم.
ألفاظ لا تستعمل إلا في النفي
ثم إنه ذكر ألفاظاً خصت العرب استعمالها بالنفي. والكلام عليها مفصل في علم اللغة والنحو وقد مر الكلام على قط والصافر بالصاد المهملة والفاء المصوت يقال: ما في
(الدار صافر أي أحد ولا جرم ... تفصيله في النحو مشهور)
وذكر مما يختص بالنفي. (الرجاء) بمعنى الخوف، وأنشد شاهداً عليه قوله:
(إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواسل)
هو من قصيدة «لأبي ذؤيب الهذلي» أولها:
(أسألت رسم الدار أم لم تسائل ... عن السكر أم عن عهده بالأوائل)
стр. 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضمير لسعته لمجتني عسل النحل المذكور قبله، وفي شرح ديوان «أبي ذؤيب» للإمام «المرزوقي» إذا لسعته الدبر، والدبر النحل وجمعه دبور. يقول: إذا لسعت النحل هذا المشتار لم يرج لم يخف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً﴾ وكما وضعوا الرجاء موضع الخوف وضعوا الخوف موضع الرجاء كما قال:
(ولو خفت أني إن كففت تحيتي ... تنكب عني رمت أن يتنكبا)
أي لو رجوت. وقوله: وحالفها بالحاء المهملة والفاء قال «الأصمعي» أي صار حليفها في بيتها وهي نوب، ولم يرد حالفها في بيت غيرها. ورواه «أبو عمرو» وخالفها بخاء معجمة وفسره «ابن دريد» بقوله: جاء إلى معسلها من ورائها لما سرحت في المراعي. والنوب: النحل ولا واحد له. وقال «ابن الأعرابي» واحده نوبي. سموها بذلك لسوادها، وقال «الأصمعي»: جمع نائب كما يقال: عائذ: وعوذ: يريد أنها تختلف بأن تجيء وتذهب وتنتاب المراعي ثم تعود. وعواسل: أي تعمل العسل، وروي نوب بفتح النون يجعله مصدر نابه، أو يجعله كالسفر والبحر. وما ذكره المصنف من أن الرجاء بمعنى الخوف يختص بالنفي قول «الفراء» وخالفه غيره مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قيل: والآية المذكورة هنا لا دليل فيها لاحتمال أن يكون معناها: افعلوا ما ترجون حسن عاقبته، فأقيم السبب مقام المسبب. وقد قالوا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أنه محتمل للوجهين أي يؤمل لقاء ربه
стр. 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو يخافه، وقال «ابن القواس» في شرح «الألفية»: إنه مجاز في الخوف حقيقة في الأمل، وفسر الأمل بطلب الحصول مع خوف الفوت، فإذا أريد به الخوف وحده كان إطلاقا له على جزء معناه، وليس حقيقة فيها، لأن الأصل عدم الاشتراك، والمجاز أولى منه. وقد قيل: إنه صحيح إن ساعده النقل. وأما الرجاء بمعنى الأمل فلا خلاف في استعماله في الإثبات والنفي. (يقول «العرجي»:
(أظلوم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم)
«العرجي» بعين مهملة مفتوحة وراء مهملة ساكنة وجيم تليها ياء النسب نسبة إلى «العرج» موضع بمكة، أو بين مكة والمدينة. واسمه «عبد الله بن عمرو» وهو ابن عم أمير المؤمنين «عثمان بن عفان» ﵁. وإنما عرف «بالعرجي» لأنه كان يسكن ذلك الموضع [إذ كان] ماله به. وقد أخطأ المصنف في نسبة هذا الشعر له، فإنه كما صححه الثقات «للحارث بن خالد المخزومي» لما قاله صاحب الأغاني، وناهيك به وتبعه غيره من الأدباء وقد قال شراح الشواهد: إنه الصواب والشعر هو قوله:
стр. 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(أقوى من آل ظليمة الحرم ... فالعيرتان وأوحش الحطم)
(فيما أرى شخصاً بها حسنا ... في الدار ان تحتلها نعم)
(إذ ودها صاف ورؤيتها ... أمنية وكلامها سقم)
(خمصانة قلق موشحها ... رود الشباب علابها عظم)
(هيفاء ممكور مخدمها ... عجزاء ليس لعظمها حجم)
(وكأن غالية تباشرها ... دون الثياب إذا صفا النجم)
(أظليم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم)
(أقصيته داراً وأسلمكم ... إذ جاءكم فليهنه السلم)
(تخطو بخلخالين حشوهما ... ساقان نار عليهما اللحم)
الرواية فيه «أظليم» والذي في الكتاب «أظلوم» واسمها «ظليمة» وهي «أم عمران» زوجة «عبد الله بن مطيع» وكان «الحارث» يشبب بها، ولما مات عبد الله
стр. 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تزوجها، ويجوز ضم ميمه وفتحها لأنه منادى مرخم. وروي بدل أهدى السلام رد السلام. وكان الذي سأله: لم نصب رجلاً؟ «يعقوب بن السكيت» قاله له في مجلس «الواثق» فقال «المازني»: نصب بمابكم. فما فهم عنه «ابن السكيت» حتى قال له: هو مثل قولك: إن ضربكم رجلاً من أمره كذا وكذا ظلم. فلما سمع ذلك «الواثق» وعلم قصور «يعقوب» قال المازني: ألق عليه شيئا. فقال له «المازني»: ما وزن نكتل في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ قال له «ابن السكيت»: نفعل. قال له «المازني»: أخطأت، إنما وزنه نفتعل، لأن أصله نكتيل أعلت الياء فسكنت، ولما سكنت سقطت لالتقاء الساكنين، فقال له «الواثق»: أقم عندنا، فاعتذر فعذره. فلما خرج من عنده قال له «يعقوب» ما دعاك إلى تخطئتي بين يدي «الواثق»؟ قال: ما سألتك عن شيء أظن بأحد جهله، كذا في «الحواشي» وفي شرح «الجامع للعلوي» وما حكوه من أن المعارض «للمازني» هو «اليزيدي» فيه نظر لأن «اليزيدي الإمام أبا محمد» كان يؤدب «المأمون للرشيد» وتوفي سنة اثنتين وستين ومائة و «الواثق» توفي بعد موت أبيه «المعتصم» سنة سبع وعشرين ومائتين. وقال «الصفدي» بعد أن ذكر هذا: ولعل هذا «اليزيدي» المذكور في هذه القصة أحد أولاده فإنهم كانوا خمسة كلهم علماء أدباء شعراء رواة أخبار. والذي ذكر «أبو حيان»،
стр. 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في كتاب «البصائر» أن المعارض «للمازني» في ذلك هو «يعقوب بن السكيت» وهذا هو الأقرب كما مرت الإشارة إليه. وقال بعض الأدباء: إن القصة الأولى مع «المبرد» وأنه الذي أرسل إليه بريداً لإشخاصه وأنه أجاز الرفع على أنه خبر وظلم خبر مبتدأ محذوف. وفي «المغني» رفع رجل يفسد المعنى وفي شرحه: بل له معنى صحيح وذلك أن يجعل المصاب اسم مفعول لا مصدراً ميمياً وهو اسم إن ورجلاً خبرها، وجملة أهدى السلام صفة رجل وظلم خبر مبتدأ محذوف أي هذا ظلم، والمعنى: أن الذي أصبتموه بما فعلتم هو رجل أهدى إليكم سلامه تحية وتودداً، فحقه أن لا يكون مصاباً لأن من حيى وتودد جدير بأن يكرم، لا أن يصاب بمصيبة. فهذا الذي فعلتموه ظلم. ويمكن جعل «ظلم» صفة أخرى لرجل على حد رجل عدل، وهو معنى تبرق من أساريره أشعة الصحة. نعم تعيين «اليزيدي» الرفع لا وجه له إلا أن الرواية مع أن كانت فهو «حذام». وذكر «ابن خلكان» أن قصة نكتل بين «المازني وابن السكيت» جرت في مجلس «ابن الزيات».
стр. 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واعلم أن المصدر غير الميمي يعمل عمل الفعل وأما الميمي فإعماله قليل، ومن أجازه استشهد بهذا الشعر، وسماه بعض النحاة اسم مصدر. (قول «الأعشى»:
(أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم)
هو من قصيدة له مدح بها «قيس بن معدي كرب» وأولها:
(أتهجر غانية أم تلم ... أم الحبل واه بها منجذم)
(وصهباء طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها ختم)
(وقابلها الريح في دنها ... فصلى على دنها وارتسم)
وسيأتي هذا البيت في هذا الكتاب ومنها:
(تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم)
(فيا أبتا لم تزل عندنا ... فإنا نخاف بأن نخترم)
(ويا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم)
ويروى لا تزال ومعنى لا ترم لا تبرح.
стр. 268
[٦١]- الضبع لا الضبعة
ويقولون: الضبعة العرجاء، ووجه الكلام أن يقال: (الضبع العرجاء لأن الضبع يختص بأنثى الضباع والذكر ضبعان، ومن أصول العرية أن كل اسم يختص بجنس المؤنث مثل حجر وأتان وضبع وعناق لا تدخل عليه هاء التأنيث بحال، وعلى هذا جميع ما يستقري من كلام العررب. وحكي «ثعلب» قال: أنشدني «ابن الأعرابي» في «أماليه»:
(تفرقت غنمي يوماً فقلت لها ... يارب سلط عليها الذئب والضبعا)
فسألته حين أنشدنيه: أدعا لها أم عليها؟ فقال: إن أراد أن يسلطا في وقت واحد فقد دعا لها لأن الذئب يمنع الضبع والضبع تدفع الذئب فتنجو هي، وإن أراد أن يسلط عليها الذئب في وقت والضبع في وقت فقد دعا عليها.
مسألة لطيفة
وفي مسائل الضبع مسألة لطيفة قل من طلع على خبئها، وانكشف له قناع سرها، وهي من أصول العربية التي يطرد حكمها ولا ينحل نظمها، أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غلب حكم المذكر على المؤنث، لأنه الأصل والمؤنث فرع
ــ
(ويقولون: الضبعة العرجاء، ووجه القول: الضبع العرجاء؛ لأن الضبع اسم يختص بأنثى الضباع والذكر منه ضبعان) بزنة سندان والضبع بفتح الضاد وضم الباء أو سكونها مختص بالمؤنث عند بعض أهل اللغة.
стр. 269
عليه إلا في موضعين: أحدهما: أنك متى أردت تثنية الذكر والأنثى من الضباع قلت: ضبعان فأجريت التثنية على لفظ المؤنث الذي هو ضبع، لا على لفظ المذكر الذي هو ضبعان، وإنما فعل ذلك فرارا مما كان يجتمع من الزوائد أن لو ثني على لفظ المذكر، والموضع الثاني: أفهم في باب التاريخ أرخوا بالليالي [التي هي مؤنثة دون الأيام التي هي مذكورة]، وإنما فعلوا ذلك مراعاة للأسبق، والأسبق من الشهر ليلته ومن كلامهم: سرنا عشرا من بين يوم وليلة.
ــ
وفي «عين الحياة» عن «ابن الأنباري»: الضبع يطلق على الذكر والأنثى، وكذا حكاه «ابن هشام الخضراوي» عن «المبرد» وكونه لا يقال ضبعة مشهور، وفي «القاموس»: ضبعان بكسر الضاد وسكون الباء، والأنثى ضبعانة وضبعة عن «ابن عباد». (ومن أصول العربية أن كل اسم يختص بالمؤنث مثل حجر وأتان وضبع وعناق لا تدخل عليه هاء التأنيث). هذا لا أصل له إن كان ذلك في أسماء الأجناس الجامدة ورد عليه ناقة ورمكة لأنثى البراذين، وإن أراد أنه في الصفات فلا يناسبه ما مثل به، وهو ليس كذلك، وإن نقل عن الكوفيين في نحو حائض وطامث فإن مذهب «سيبويه» والبصريين خلافه. وردوا مذهبهم بإثبات التاء في الأوصاف المختصة بالإناث كامرأة مصبية وكلية مجرية، ومنهم من قال: إن هذا الأمر عندهم مجوز لا موجب. فإن قلنا بمثله في كلام المصنف لا يتم مدعاه. والعرجاء يوصف بها الضبع وليست عرجاء وإنما يتخيل ذلك للناظر لتمايلها إذا مشت لسمنها ولين مفاصلها، والحجر بكسر الحاء وسكون الجيم أنثى الخيل والهاء فيها لحن كما في «القاموس» و «حياة الحيوان». إلا أنه يرد عليه ما قاله بعض فضلاء عصرنا من أنه روي في «الكامل» «لابن عدي» عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في حجرة ولا
стр. 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بغلة زكاة» قال: وهو يدل على أنه يقال: حجرة بالهاء، قلت: الاستدلال بالحديث هنا إنما يتم بعد تسليمه، إذا لم يكن هنا أتى به لمشاكلة بغلة في التأنيث، والأتان الحمارة وفي «القاموس» أنه يقال أتانة في لغة قليلة، فلا يصح ما قاله المصنف. والعناق بفتح العين أنثى المعز وبكسرها مصدر عانقة إذا ضمه ولهذا خطيء القاتل:
(أضافني بالجذي قلت اتئد ... ما القصد يا مولاي إلا العناق)
إذ لم تتم له التورية التي قصدها والإبهام من تحريف الكلام. (ومن أصول العربية التي يطرد حكمها ولا ينحل نظمها أنه متى اجتمع المؤنث والمذكر غلب المذكر على المؤنث لأنه الأصل). التغليب باب واسع من المجاز قد حققه أهل المعاني بما ليس في إعادته إفادة، وليس الكلام فيه إلا فيما ذكره المصنف وهو أنه إذا اجتمع مذكر ومؤنث وأريد فيه التغليب فإنه يغلب المذكر، كما إذا اجتمع العقلاء وغيرهم وأريد التغليب [فإنه] يغلب العقلاء، وقد استثنى من الأول أمور ذكر المصنف منها موضعين: (أحدهما أنه متى أريد تثنية الذكر والأنثى من الضياع قلت ضبعان فأجريت التثنية على لفظ المؤنث الذي هو ضبع لا على لفظ المذكر الذي هو ضبعان وإنما فعل ذلك فراراً مما كان يجتمع من الزوائد لو ثني على لفظ المذكر). فيثقل، وكذا جمعه قيل فيه ضباع ولم يقل ضباعين، وهذا بناء على أن ضبع مخصوص بالمؤنث وضبعان بالمذكر وقد عرفت ما فيه. (الثاني أنهم في باب التاريخ أرخوا بالليالي دون الأيام وإنما فعلوا ذلك مراعاة للأسبق، والأسبق من الشهر ليله ومن كلامهم: سرنا عشر من بين يوم وليلة). قال «ابن هشام»: إن هذا ذكره «الزجاجي» وجماعة من النحاة، وهو سهو، فإن حقيقة التغليب أن يجتمع شيئان فيجري حكم أحدهما على الآخر، ولا يجتمع الليل والنهار،
стр. 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وليس هنا تعبير عن شيء بلفظ أحدهما. وإنما أرخت العرب بالليالي لسبقها؛ إذ كانت أشهرهم قمرية، والقمر إنما يطلع ليلاً، وإنما المسألة الصحيحة قولك: كتبت لثلاث بين يوم وليلة. وضابطها أن يكون معنا عدد مميز بمذكر ومؤنث، وكلاهما مما لا يعقل وقد فصلا من العدد بكلمة بين كقوله: فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة. وفيما قاله نظر لا يخفى؛ فإن قوله: لا يجتمع الليل والنهار. إن أراد في الوجود فمسلم، لكنه لا يفيد؛ لأن المراد بالاجتماع في التغليب الاجتماع في الحكم، وإرادة المتكلم لدلالة اللفظ الواقع فيه التغليب عليهما. والضابطة التي ذكرها أيضا غير تامة لأن التغليب وقع فيما لا يشمله كما قرره في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إذ المراد عشرة أيام بلياليهن، لكن أنث لتغليب الليالي. وأجيب عنه بأن هذه الضابطة إنما هي لتغليب الليالي على الأيام [في التاريخ لا لتغليب الليالي على الأيام] مطلقاً، نعم مقتضى التغليب في هذه الآية أنه لا اختصاص لتغليب المؤنث على المذكر بالمسألتين، وهذا كلام واه جدا، لأن ما مثل به ليس من قبيل التاريخ، والمقصود بالضابطة خلاف ما ذكره، فكيف الصلح بما لا يريده الخصم؟ فالظاهر أن يقول في العدد وإن رجع على كلامه بالنقض، وعلى كل حال فالضابطة المذكورة غير مستقيمة وإن تبع فيها «الجوهري». وقال «ابن بري»: ليس باب التاريخ مما غلب فيه المؤنث كالضبع، بل هو محمول على الليالي فقط، كقولك: كتبت لخمس خلون، فإن قلت: سرت خمسة عشر ما بين يوم وليلة فقد غلب المؤنث على المذكر. اهـ. ومنه أخذ «ابن هشام» يعني أنه من قبيل الاكتفاء لا من قبيل التغليب، وبقى هنا أمور: منها أنه قال في «الكشاف»: وقيل عشراً ذهابا إلى الليالي، ولا تراهم قط
стр. 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام، فيقول أحدهم: صمت عشرا، ولو ذكر خرج عن كلامهم. ومن البين فيه قوله تعالى: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا﴾ و ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾. وحاصله أنه في باب العدد سواء في التاريخ وغيره يعتبر الليالي لأنه يسقط فيه التاء ويشبه تغليب المذكر، فإذا اعتبرا معا فإما أن يكون عد أحدهما لسبقه واكتفى به عن عد الآخر، فلا تغليب كما مر. وإما أن يغلب الليالي لما يبق من النكتة، ويكون من تغليب المؤنث على المذكر كما فصل في شرح «الكشاف». ومنها أنه لا يختص تغليب المؤنث بهاتين الصورتين وإن أوهمه كلامهم فقد غلب في مواضع أخر، منها قولهم: المروتان في «الصفا» و «المروة» كما صرح به في «المغني» وغيره. قال «ابن دريد»:
(ثمت طاف وانثنى مستلما ... ثمت جاء المروتين وسعى)
قال «ابن هشام اللخمي» في شرحه: المروتان هنا الصفا والمروة تغليباً كالعمرين والقمرين. فمن قال: الظاهر أن يقال بدل المروتين: الصفوان لم يصب لأنه سمع كذلك من العرب. وأما قول «أبي طالب»: أشواط بين المروتين إلى الصفا فليس مما نحن فيه، لأن المراد -كما في «الروض الأنف -بالمروتين المروة وحدها، وثنيت باعتبار أجزائها، كما قالوا في الرقمة: الرقمتان لقوله إلى الصفا. ومنها ما أضيف من الأبناء والبنات لغير الإناس من الحيوان وغيره فإنه يجمع مذكره ومؤنثه على بنات فيقال في ابن لبون وابن آوى وابن عرس بنات لبون وبنات آوى وبنات
стр. 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عرس، ولا يجمع على بنين إلا شذوذاً كبني نعش في بنات نعش وبني برج في بنات برج وهي الداهية كما في كتاب «المرصع»، وهذا أحد ما غلب فيه المؤنث على المذكر وفرقوا فيه بين المؤنث والمذكر فيما يؤلف كابن مخاض وبنت مخاض واقتصروا على المذكر في غيره كابن عرس لأنه أخف. ومنها: أماك للأم والأب وفي «القاموس» هما أماك أي أبواك أو أمك وخالتك. ومنها: باب العطف نحو تقوم هند وزيد كما في شرح «الكشاف» وأما ما في «المزهر» من أن النفس مؤنثة وتقول ثلاثة أنفس على لفظ الرجال ولا يقال ثلاث إلا إذا قصد النساء ففيه نظر، وإن عده فيه من تغليب المؤنث ومنها: الثيبان للرجل والمرأة بناء على أن الثيب لا يطلق على الرجل كما في «القاموس» وأنت إذا استقرأت مواقعه علمت أن ما ذكروه اغلبني. ألا تراهم يقولون في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ النازل في حق الإمام أنه شامل للعبيد فإنه بطريق التغليب لا بدلالة النص أو إشارته كما لا يخفى، وقال بعض فضلاء السلف: هذا خلاف المعهود لأن المعهود أن يدخل النساء تحت حكم الرجال بالتبعية وكأنه بناء على أن أسباب السفاح فيهن ودعوتهن غالبة كما قد مر في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ وفي النص المحمدي من قوله ﷺ : «حبب إلى من دنياكم ثلاث ... الحديث» أنه غلب فيه التأنيث على التذكير لأنه قصد التهمم بالنساء دون الطيب، وإن كان في ذكر الثلاث كلام مشهور، وفيه بحث لأن هذا فيه مؤنث عاقل ومذكر غير عاقل وفي مثله هل يرجح العقل أو التذكير لتعارضهما؟ وهذا لم يصرحوا به ولم يحرره أهل المعاني، ولعل الأمر يفضي إلى أن أبسط المقال فيه إن شاء الله تعالى.
стр. 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن اللطائف الأدبية هنا قول "الأصفهاني" في رباعياته:
(هاتيك جبيبتي ازدهتني طيبا ... أوسعت بها "ابن هاني" تكذيبا)
(لو أمعنت النحاة فيها - نظرا ... لم تدع للمذكر التغليبا)
وقلت:
(لحا الله [الزمان] فقد تعدى ... وأخطأ فعله خفضا ورفعا)
(يغلب غير ذي عقل على من ... زكا عقلا إذا مات زاد جمعا)
стр. 275
[٦٢]- أوهامهم في التاريخ
ويقولون لأول يوم من الشهر: مستهل الشهر فيغلطون فيه على ما ذكره "أبو علي الفارسي" في تذكرته، واحتج فيه [على ذلك] بأن الهلال إنما يرى بالليل، فلا يصلح أن يقال [مستهل] إلا في تلك الليلة، ولا أن يؤرخ بمستهل الشهر إلا ما يكتب فيها، ومنع أن يؤرخ ما يكتب فيها بليلة خلت لأن الليلة ما انقضت بعد، كما منع أن يؤرخ ما يكتب في صبيحتها بمستهل الشهر، لأن الاستهلال قد انقضى. ونص على أن يؤرخ بأول الشهر أو بغرته أو بليلة خلت منه.
ومن أوهامهم في التاريخ أنهم يؤرخون لعشرين ليلة خلت ولخمس وعشرين خلون. والاختيار أن يقال من أول الشهر إلى منتصفه خلت وخلون، وفي النصف الثاني بقيت وبقين، على أن العرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون: لأربع خلون ولإحدى عشرة خلت، نعم ولهم اختيار آخر أيضًا وهو أن يجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشددة. كما نطق القرآن في قوله تعالى: » إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم «فجعل ضمير الأشهر الحرم الهاء والنون لقلتهن وضمير
ــ
(ويقولون لأول يوم من الشهر: مستهل الشهر، فيغلطون فيه على ما ذكره "أبو علي الفارسي" في "تذكرته"، واحتج على ذلك بأن الهلال إنما يرى بالليل فلا يصح أن يقال مستهل إلا في تلك الليلة، ولا أن يؤرخ بمستهل إلا ما يكتب فيها، ومنه أن يؤرخ ما يكتب فيها بليلة خلت، لأن الليلة ما انقضت بعد، كما منع أن يكتب في صبيحتها بمستهل الشهر لأن الاستهلال قد انقضى، ونص على أن يؤرخ بأول الشهر أو بغرته أو بليلة خلت منه).
قال أهل اللغة: القمر يسمى هلالاً لليلتين من الشهر وقيل لثلاث وقيل إلى السابعة
стр. 276
شهور السنة الهاء والألف لكثرتها. وكذلك اختاروا أيضًا أن ألحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة وأقمت أيامًا معدودة. وألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء، فقالوا: أقمت أيامًا معدودات وكسوته أثوابًا رفيعات وأعطيته دراهم يسيرات. وعلى هذا جاء في التنزيل في سورة البقرة: » وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة «وفي سورة آل عمران: » إلا أيامًا معدودات «كأنهم قالوا أولا بطول المدة التي تمسهم فيها النار ثم تراجعوا عنه فقصروا تلك المدة.
ــ
حتى ينتهي ضوؤه. وقد نقل هذه الأقوال "الأنصاري"، ووافقوه في بعضه فلا يختص [المستهل] بأوله، وفي بعض شروخ "التسهيل" أنه يقال غرة من يوم إلى ثلاثة فأما المفتتح فيختص بأوله ويصح عند بعضهم أن يقال: مستهل في أول يوم وثانيه وثالثه كما يقال: غرة، ومنعه بعضهم فقد علمت مما قصصناه عليك أنه مختلف فيه، وعلى فرض اختصاصه بما ذكر يصح إطلاقه على اليوم لمجاورته لليلة وكلامهم يقتضي صحته. وفي "تذكرة ابن هشام" من تأمل أقيسة كلام العرب علم أن الواضع لم يحجر في ما منعه "أبو علي" من أنه لا يقال مستهل في أول يوم من الشهر، وذلك لأن استهلال الهلال إنما يكون في الليلة، وتبعه "الحريري".
وقد أجاز النحاة أن يقال في أول يوم من الشهر: مفتتح وهلال. قالوا: فإن [خفي] الهلال أول يوم منه قيل في الثاني: هلال.
واختلفوا: هل يصح استعمال هلال في الثاني ولو أنه ظهر أول يوم؟ وهل يستعمل أيضًا في الثالث؟ فالمحققون منعوه، وظاهر كلامهم أن الغرة تستعمل أول يوم والثاني والثالث بلا خلاف، كما في "شرح الجمل لابن عصفور" وتحريره أنك تؤرخ تارة تفصيلاً وتارة إجمالاً.
стр. 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ففي الإجمال يستعمل في الأول والثاني والثالث غرة وهلال عند بعضهم، والتفصيل أن يقال في الأول: مفتتح، وفي الثاني: ثاني، وهلم جرًا. وإن إطلاق المستهل على اليوم الأول جائز لأنه تابع لليلته وهي محل الاستهلال، وهو كذلك هلال. اهـ.
ثم إن مهل ومستهل بفتح الهاء على صيغة المفعول، فالأول من قولهم: أهل الهلال بالبناء للمفعول، والثاني من قولهم: استهل الهلال بالبناء للمفعول أيضًا، والمراد حينئذ بقولك: كتبت لمهل شهر كذا أو مستهله لوقت هلال الشهر أو استهلاله.
وقد أولع المتأخرون بكسر هائهما، حتى قال "ابن عبد الظاهر":
(لا تسلني عن أول للعشق إني ... أنا فيه قديم هجر وهجرة)
(أنا من أدمعي ووجهم أرخـ ... ـت غرامي بمستهل وغرة)
وقال "الدماميني": يمكن أن يكون المستهل بكسر الهاء اسم فاعل من قولهم: استهل الهلال، بمعنى تبين كما في "صحاح الجوهري" والمستهل حينئذ الهلال، وفي الكلام مضاف مقدر أي لوقت المستهل.
(ومن أوهامهم أنهم يؤرخون لعشرين ليلة خلت ولخمس وعشرين خلون، والاختيار أن يقال - من أول الشهر إلى منتصفه - خلت وخلون، وأن يستعمل في النصف الثاني: بقيت وبقين، على أن العرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون: لأربع خلون ولإحدى عشرة خلت).
هذا هو الأفصح وليس وهمًا كما زعمه، وفي تعبيره بالاختيار ما ينافي مدعاه، وحاصل هذا الباب ما قاله "ابن مالك" في "كافيته":
стр. 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(وراع في التاريخ ذي الليالي ... لسبقها بليلة الهلال)
(فقل: خلون وخلت وخلتا ... من بعد لام خافض ما أثبتا)
(وفوق عشر فضلوا خلت على ... خلون واعكس في الذي قد سفلا)
(وغرة الشهر ومستهله ... أوله وهكذا مهلة)
(فواحد منها انصبن بعد كتب ... أو قل لأولى ليلة من تصب)
(وفي انقضا الأكثر قالوا: بقيت ... ثم بقين كخلون وخلت)
(وسلخه قبل انسلاخه إذا ... ما آخرا عنيت - وقيت الأذي)
والتاريخ بالليالي لسبقها كما عرفت، فإنها كذلك عند الناس وفي حكم الشرع لا في عرفه.
ومن ملح "صردر" الشاعر قوله في جارية سوداء:
(علقتها سوداء مصقولة ... سواد عيني صفة فيها)
(ما انكسف البدر على تمه ... ونوره إلا ليحكيها)
(من أجل ذا الأزمان أوقاتها ... مؤرخات بلياليها)
وقلت أنا في العذار:
(ليلة ذا العارض لما بدت ... زاد على عشاقه تيها)
(وأقبلت أيام حن له ... مؤرخات بلياليها)
بدء التاريخ الهجري
هذا التاريخ الذي تعارفه الناس اليوم من الهجرة حدث أيام "عمر بن الخطاب"
стр. 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵁، وكانت قريش تؤرخ بموت "هشام بن المغيرة" لفخامة قدره عندهم، ويؤرخون أيضًا بعام الفيل، ولم يكن ابتداء السنة "المحرم" وفي "شرح البخاري" أن أول السنة كان أول "الربيعين" وبسبب هذا التبست بعض الأمور على الناس.
ولفظه قيل: إنه عربي مأخوذ من الأرخ وهو ولد البقرة الوحشية بفتح الهمزة وكسرها، كأنه شيء حدث، وقيل: هو الوقت، وقيل: إنه معرب.
وفي "نهاية الإدراك" أنه في اللغة تعريف الوقت، وأما في الاصطلاح فقيل: إنه تعيين وقت لينسب إليه زمان يأتي عليه، وقيل: هو يوم معلوم ينسب إليه زمان يأتي عليه.
وقيل: تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع كظهور ثلمة في الأمر أو دولة أو وقوع حادثة، ولكل وجه.
ولفظة التاريخ معربة مأخوذة من "ماه روز".
أصل التاريخ الهجري
والأصل فيه أن "أبا موسى الأشعري" كتب إلى "عمر بن الخطاب" -رضي الله
стр. 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنه: إنه تأتينا من أمير المؤمنين كتب لا ندري أيها نعمل بها، فقد قرأنا صكًا محله "شعبان" فلم ندر أي الشعبانين الماضي أم الآتي؟
وقيل: رفع إلى "عمر" صك محله "شعبان" فقال: أي "شعبان" هو؟ ثم قال: إن الأموال قد كثرت فينا وما قسمناه غير مؤقت، فكيف التوصل إلى ضبطه؟ فقال له ملك "الأهواز" - وكان أسر في فتح فارس وأسلم على يد "عمر": إن للعجم حسابًا يسمونه "ماه روز" يسندونه إلى من غلب من الأكاسرة، فعربوا لفظ "ماه روز" بمؤرخ، وجعلوا مصدر التاريخ وصرفوه، ثم شرحه له وبين كيفيته. فقال "عمر": ضعوا للناس تاريخًا يتعاملون عليه ويضبط أوقاتهم. فذكر له تاريخ اليهود فما ارتضاه، ثم تاريخ الفرس فما ارتضاه، فقال: نؤرخ من لدن هجرة النبي ﷺ ، لأنه لم يختلف فيها، بخلاف مبعثه وولادته.
وأما وقت وفاته - وإن تعين - يلا يحسن جعله أصلا. ووقت الهجرة وقت استقامة الإسلام وتوالي الفتوح وغلبة المسلمين، وكانوا يعينون قبل ذلك كل سنة باسم ما وقع فيها كسنة الإذن بالرحيل من مكة إلى المدينة وسنة الأمر بالقتال. اهـ.
وفي "النبراس" كانوا [على عهد النبي ﷺ ، يؤرخون بسنة المقدم وبأول شهر] منها وهو "ربيع الأول" على الأصح.
وقوله: (على أن العرب ... إلخ) في "شرح الهادي" إذا كان الجمع لغير ذي العلم جاز إلحاق العلامة وتركها، تقول: ذهبت الأيام وذهب الأيام، ويجوز في مضمره التاء والنون فتقول: الأيام ذهبت وذهبن، لكن الأولى النون مع جمع القلة كقولك: الأجذاع انكسرن، والتاء مع جمع الكثرة، كالجذوع انكسرت، لأن جمع القلة لا يميز إلا بالجمع، فجيء بالنون للدلالة على الجمع، وجمع الكثرة يجري مجرى العدد الكثير، وذلك لا يميز إلا بالمفرد، فجيء بالتاء التي تكون للمفرد، فاتضح ما ذكره المصنف.
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(وكذلك اختاروا أن ألحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة وأقمت أيامًا معدودة، وألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء فقالوا: أقمت أيامًا معدودات وكسوته أثوابًا رفيعات).
لأن جمع المؤنث السالم بدون الألف واللام للقلة عند الأكثر، فلهذا وصف به جمع القلة، ووصف جمع الكثرة بالمفرد فرقا بينهما، ولا يتوهم أن الإفراد لا يناسب الكثرة.
وأما قول "المحشي" أن ما جمع بالألف والتاء قد يراد به الكثير كالمسلمين والمسلمات، وقد يراد به القليل كما في قول "أبي ذؤيب": خرت على ثفنات مخربلات
ولذا يكون أيامًا معدودات للقليل والكثير. ليس بشاء، لأن هذا هو الأفصح. وتمثيله بالجمع المعرف أيضًا لا ينبغي. فإن قلت: أيام أفعال وهو جمع قلة فكيف مثل به للكثرة والقلة معا؟ قلت: إذا لم يكن للمفرد إلا جمع واحد استوت فيه القلة والكثرة، واستعمل لكل منهما كما صرحوا به. وقلت بديهة:
(وإن لوم الناس في مثلهم ... يكثر ما قل وما يكره)
(ونادر الجمع للفظ به ... فيه يساوي قلة كثرة)
وقوله: رفيعات بمعنى رقيقات، والناس يقولون: ثوب رفيع بمعنى رقيق. كذا في "أدب الكاتب" وهو مجاز، ولذا أهملوه في كتب اللغة.
стр. 282
[٦٣]- خرمش صوابها خربش
ويقولون: خرمش الكتاب: بالميم أي أفسده، والصواب أن يقال خربش بالباء، وجاء في بعض الحديث "وكان كتاب فلان [مخربشا]
стр. 283
[٦٤]- قولهم: ما رأيته من أمس ومنذ أمس
ويقولون ما رأيته من أمس، والصواب أن يقال مذ أمس ومنذ أمس. لأن من تختص بالمكان ومذ ومنذ يختصان بالزمان، وأما قوله : » إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة «فإن "من" ها هنا بمعنى "في" الدالة على الظرفية بدليل أن النداء للصلاة المشار إليها يوقع وسط يوم الجمعة، ولو كانت "من" ها هنا هي التي تختص بابتداء الغاية لكان مقتضى الكلام أن يوقع النداء في أول يوم الجمعة. وأما قوله: » لمسجد أسس على التقوى من أول يوم «فهو على إضمار
ــ
(ويقولون: ما رأيته من أمس، والصواب أن يقال: منذ أمس أو مذ أمس؛ لأن من يختص بالمكان ومذ ومنذ يختصان بالزمان). هذا هو المشهور من مذهب البصريين. وأهل الكوفة يخالفونهم فيه. ومن البصريين من ذهب إلى أن [من] يكون لابتداء الغاية في الزمان والمكان والأحداث والأشخاص. تقول: أخذت من زيد وسرت من البصرة ورأيته من غدوة قال تعالى: » ومن آناء [الليل] فسبح «» ومن الليل فتهجد به «.
وقال "الحصين":
(من الصبح حتى تغرب الشمس لا ترى ... من القوم إلا خارجيا مسمومًا)
стр. 284
مصدر حذف لدلالة الكلام عليه. وتقديره: من تأسيس أول يوم، وعلى هذا قول "زهير":
(لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر)
أي من مر حجج ومن [مر] دهر. وقيل: إن من في هذا البيت زائدة على ما يراه "الاخفش" من زيادتها في الكلام الواجب فكأنه قال: "أقوين حججا ودهرًا". وأما قولهم: ما رأيته مذ خلق ومذ كان ففي الكلام حذف تقديره: مذ يوم خلق ومذ يوم كان.
ــ
وقال آخر:
(من غدوة حتى كأن الشمسا ... بالأفق الغربي تكسي الورسا)
وقد أولوه بما هو خلاف الظاهر، وألحق أحق أن يتبع، فأما قوله تعالى: » لمسجد أسس على التقوي من أول يوم «فهو على أضمار مصدر حذف لدلالة الكلام عليه وتقديره من تأسيس أول يوم كذا، أوله البصريون. وقال "أبو البقاء": إنه ضعيف لأن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى تكون من هنا لابتداء الغاية ويدل على جوازه قوله تعالى: » لله الأمر من قبل ومن بعد «ورده في "الدر المصون" بأنهم إنما فروا من كون من لابتداء الغاية في الزمان وليس في كلامهم ما يدل على أنها لا تكون لابتداء الغاية إلا في المكان حتى رد عليه ما ذكر.
قلت: فعلى هذا ظهر تعبير المصنف بالتخصيص من القصور كما سيأتي، وقول "ابن عطية": الأحسن الاستغناء عن التقدير وأن من أول بمعنى من مبدأ الأيام لا
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حاصل له، وقال "نجم الأئمة": لا أدري معنى الابتداء في قوله تعالى» من أول يوم «إذ المقصود من معنى الابتداء أن يكون الفعل المتعدي بمن الابتدائية شيئًا ممتدًا كالسير والمشي، ويكون المجرور هو الشيء الذي ابتدأ من ذلك الفعل، نحو سرت من البصرة، أو يكون الفعل المتعدي بها أصلا للشيء الممتد، نحو تبرأت من فلان إلى فلان، وكذا خرجت من الدار لأن الخروج ليس شيئًا ممتدًا؛ إذ يقال: خرجت من الدار إذا انفصلت عنها ولو بأقل من خطوة، وليس التأسيس حدثًا ممتدًا ولا أصلاً للمعنى الممتد، بل هو حدث واقع فيما بعده، وهذا معنى في. فمن في الآية بمعنى في وهو كثير، وفي "المبسوطات" هنا كلام طويل بغير طائل، وتحقيقه أنه لما أرادوا بما ذكروه هنا أن من الابتدائية لا تدخل إلا على المكان، ومذ ومنذ لا تدخل إلا على الزمان كما فهمه "أبو البقاء" وهو ظاهر كلام المصنف وبعض النحاة. فما ذكروه من التأويلات لا يلاقيه.
وإن أرادوا أن من لا تدخل على الزمان وإن دخلت على غيره من الأحداث والأشخاص، ومذ ومنذ لا تدخل على المكان كذلك فلا سؤال يحتاج للجواب. والظاهر أن هذا هو المراد كما في "الدر المصون". وما ذكره "الرضي" من أن الابتداء يقتضي أمرًا ممتدًا أو مبدأ له كلام حسن، لكن ما بناه عليه من أن التأسيس ليس كذلك لا وجه له، فإن التأسيس وهو وضع الأساس ممتد ومبدأ الأمر ممتد يقع في المؤسس كالعبارة هنا.
وقوله: ما رأيته مذ خلق ومذ كان ظاهره أن مذ هنا حرفية جارة، وليس كذلك لأنها حينئذ تكون مضافة إلى الجمل كما في "المغني" وغيره. وعلى هذا قول
следующие страницы →