← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (وكذلك اختاروا أن ألحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة وأقمت أيامًا معدودة، وألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء فقالوا: أقمت أيامًا معدودات وكسوته أثوابًا رفيعات). لأن جمع المؤنث السالم بدون الألف واللام للقلة عند الأكثر، فلهذا وصف به جمع القلة، ووصف جمع الكثرة بالمفرد فرقا بينهما، ولا يتوهم أن الإفراد لا يناسب الكثرة. وأما قول "المحشي" أن ما جمع بالألف والتاء قد يراد به الكثير كالمسلمين والمسلمات، وقد يراد به القليل كما في قول "أبي ذؤيب": خرت على ثفنات مخربلات ولذا يكون أيامًا معدودات للقليل والكثير. ليس بشاء، لأن هذا هو الأفصح. وتمثيله بالجمع المعرف أيضًا لا ينبغي. فإن قلت: أيام أفعال وهو جمع قلة فكيف مثل به للكثرة والقلة معا؟ قلت: إذا لم يكن للمفرد إلا جمع واحد استوت فيه القلة والكثرة، واستعمل لكل منهما كما صرحوا به. وقلت بديهة: (وإن لوم الناس في مثلهم ... يكثر ما قل وما يكره) (ونادر الجمع للفظ به ... فيه يساوي قلة كثرة) وقوله: رفيعات بمعنى رقيقات، والناس يقولون: ثوب رفيع بمعنى رقيق. كذا في "أدب الكاتب" وهو مجاز، ولذا أهملوه في كتب اللغة.

стр. 282

[٦٣]- خرمش صوابها خربش ويقولون: خرمش الكتاب: بالميم أي أفسده، والصواب أن يقال خربش بالباء، وجاء في بعض الحديث "وكان كتاب فلان [مخربشا]

стр. 283

[٦٤]- قولهم: ما رأيته من أمس ومنذ أمس ويقولون ما رأيته من أمس، والصواب أن يقال مذ أمس ومنذ أمس. لأن من تختص بالمكان ومذ ومنذ يختصان بالزمان، وأما قوله : » إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة «فإن "من" ها هنا بمعنى "في" الدالة على الظرفية بدليل أن النداء للصلاة المشار إليها يوقع وسط يوم الجمعة، ولو كانت "من" ها هنا هي التي تختص بابتداء الغاية لكان مقتضى الكلام أن يوقع النداء في أول يوم الجمعة. وأما قوله: » لمسجد أسس على التقوى من أول يوم «فهو على إضمار ــ (ويقولون: ما رأيته من أمس، والصواب أن يقال: منذ أمس أو مذ أمس؛ لأن من يختص بالمكان ومذ ومنذ يختصان بالزمان). هذا هو المشهور من مذهب البصريين. وأهل الكوفة يخالفونهم فيه. ومن البصريين من ذهب إلى أن [من] يكون لابتداء الغاية في الزمان والمكان والأحداث والأشخاص. تقول: أخذت من زيد وسرت من البصرة ورأيته من غدوة قال تعالى: » ومن آناء [الليل] فسبح «» ومن الليل فتهجد به «. وقال "الحصين": (من الصبح حتى تغرب الشمس لا ترى ... من القوم إلا خارجيا مسمومًا)

стр. 284

مصدر حذف لدلالة الكلام عليه. وتقديره: من تأسيس أول يوم، وعلى هذا قول "زهير": (لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر) أي من مر حجج ومن [مر] دهر. وقيل: إن من في هذا البيت زائدة على ما يراه "الاخفش" من زيادتها في الكلام الواجب فكأنه قال: "أقوين حججا ودهرًا". وأما قولهم: ما رأيته مذ خلق ومذ كان ففي الكلام حذف تقديره: مذ يوم خلق ومذ يوم كان. ــ وقال آخر: (من غدوة حتى كأن الشمسا ... بالأفق الغربي تكسي الورسا) وقد أولوه بما هو خلاف الظاهر، وألحق أحق أن يتبع، فأما قوله تعالى: » لمسجد أسس على التقوي من أول يوم «فهو على أضمار مصدر حذف لدلالة الكلام عليه وتقديره من تأسيس أول يوم كذا، أوله البصريون. وقال "أبو البقاء": إنه ضعيف لأن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى تكون من هنا لابتداء الغاية ويدل على جوازه قوله تعالى: » لله الأمر من قبل ومن بعد «ورده في "الدر المصون" بأنهم إنما فروا من كون من لابتداء الغاية في الزمان وليس في كلامهم ما يدل على أنها لا تكون لابتداء الغاية إلا في المكان حتى رد عليه ما ذكر. قلت: فعلى هذا ظهر تعبير المصنف بالتخصيص من القصور كما سيأتي، وقول "ابن عطية": الأحسن الاستغناء عن التقدير وأن من أول بمعنى من مبدأ الأيام لا

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حاصل له، وقال "نجم الأئمة": لا أدري معنى الابتداء في قوله تعالى» من أول يوم «إذ المقصود من معنى الابتداء أن يكون الفعل المتعدي بمن الابتدائية شيئًا ممتدًا كالسير والمشي، ويكون المجرور هو الشيء الذي ابتدأ من ذلك الفعل، نحو سرت من البصرة، أو يكون الفعل المتعدي بها أصلا للشيء الممتد، نحو تبرأت من فلان إلى فلان، وكذا خرجت من الدار لأن الخروج ليس شيئًا ممتدًا؛ إذ يقال: خرجت من الدار إذا انفصلت عنها ولو بأقل من خطوة، وليس التأسيس حدثًا ممتدًا ولا أصلاً للمعنى الممتد، بل هو حدث واقع فيما بعده، وهذا معنى في. فمن في الآية بمعنى في وهو كثير، وفي "المبسوطات" هنا كلام طويل بغير طائل، وتحقيقه أنه لما أرادوا بما ذكروه هنا أن من الابتدائية لا تدخل إلا على المكان، ومذ ومنذ لا تدخل إلا على الزمان كما فهمه "أبو البقاء" وهو ظاهر كلام المصنف وبعض النحاة. فما ذكروه من التأويلات لا يلاقيه. وإن أرادوا أن من لا تدخل على الزمان وإن دخلت على غيره من الأحداث والأشخاص، ومذ ومنذ لا تدخل على المكان كذلك فلا سؤال يحتاج للجواب. والظاهر أن هذا هو المراد كما في "الدر المصون". وما ذكره "الرضي" من أن الابتداء يقتضي أمرًا ممتدًا أو مبدأ له كلام حسن، لكن ما بناه عليه من أن التأسيس ليس كذلك لا وجه له، فإن التأسيس وهو وضع الأساس ممتد ومبدأ الأمر ممتد يقع في المؤسس كالعبارة هنا. وقوله: ما رأيته مذ خلق ومذ كان ظاهره أن مذ هنا حرفية جارة، وليس كذلك لأنها حينئذ تكون مضافة إلى الجمل كما في "المغني" وغيره. وعلى هذا قول

стр. 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ "زهير" [في قصيدة له يمدح بها "هرم بن سنان" وهي]: (لمن الدياء بقنة الحجر ... أفوين مذ حجج ومذ شهر) (لعب الزمان بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر) (فقر بمندفع النجائب من ... ضفوى أولات الضال والسدر) (دع ذا وعد القول في هرم ... خير البداة وسيد الحضر) (تالله قد علمت سراة بني ... ذبيان عام الجيش والأسر) (أثني عليك بما علمت وما ... أسلفت في النجدات والذكر) (لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة القدر) وهي طويلة. والقنة بضم القاف وتشديد النون أعلى الجبل، والحجر بكسر الحاء وسكون الجيم يليها راء مهملة ويجوز فتح أوله. قال "ابن السيد": إنه المروي هنا، وأقوين صرن قواء أي خالية غير معمورة، والحجج بكسر الحاء جمع حجة وهي السنة، وقوله: لمن بكسر اللام الجارة لمن الاستفهامية

стр. 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا الاستفهام مشهور في أشعار الجاهلية، وهو تعجب من شدة خرابها حتى كأنها لا تعرف ولا يعرف أصحابها وسكانها. والعجب أن هذا مع ظهوره خفي على بعض المصنفين فظنها من الجارة، وقال إن في الأبيات شاهدًا لدخول من الجارة على المكان وهو غريب في خلله.

стр. 288

[٦٥]- الفرق بين "تتابعت" وتتابعت ويقولون: تتابعت النوائب على فلان، ووجه الكلام أن يقال: تتابعت بالياء المعجمة باثنتين من تحت، لأن التتابع يكون في الصلاح والخير، والتتابع يختص بالمنكر والشر كما جاء في الخبر (ما يحملكم على أن تتايعوا في الكذب كما تتابع الفراش في النار)، وكما روي أنه لما كثر شرب الخمر في عهد "عمر" ﵁ جمع الصحابة رحمة الله عليهم وقال: إني أرى الناس قد تتابعوا في شرب الخمر واستهانوا بحدها، فماذا ترون؟ فقال له "علي" ﵁: أرى أن أحده ثمانين، لأني أراه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأحده حد المفتري فاستصوب "عمر" رأيه وأخذ به. فوائد نفسية وقد جاءت في لغة العرب ألفاظ خصت بالاستعمال في الشر دون الخير. كلفظة "تهافت" التي لا تستعمل إلا في المكروه والحزن وكلفظة "أشفى" التي لا تقال إلا لمن أشرف على الهلكة، و"كالأرق" الذي لا يكون إلا في المكروه، لأن السهر يكون في المكروه والمحبوب، وكقولهم في مدح الميت "التأبين"، ولكلما يثور ــ (يقال: تتابعت النوائب على فلان، ووجه الكلام أن يقال: تتابعت بالياء المعجمة باثنتين من تحت، لأن التتابع يكون في الصلاح والخير والتتابع يختص بالمنكر والشر). إن أراد اختصاص التتابع - بالموحدة - بالخير فغير صحيح. ألا ترى قوله تعالى» فأتبعنا بعضهم بعضا «. وقال "ابن بري": كل عام لا مانع من استعمال في بعض أفراده بقرينة كما في هذه الآية، وقد فسره أهل اللغة بالتوالي مطلقًا، والتتابع بالياء التحتية: التهافت في الشر والنكر، واستعمله "الزمخشري" في سورة "هود" في الطاعة، وقال في

стр. 289

للضرر "هاج" ولأخبار السوء: "صاروا أحاديث" وللمذموم ممن يخلف "خلف" وللمتساويين في الشر " سواس وسواسية" كما جاء في المثل: سواسية كأسنان الحمار". وكما قال الشاعر: (سود سواسية كأن أنوفهم ... بعر ينظمه الصبي بملعب) (لا يخطبون إلى الكرام بناتهم ... وتشيب أيمهم ولما تخطب) وقد اختلف في سواسية، فقيل: هو جمع سواء، وقيل: بل وضعت موضع سواء. ومما ينتظم في هذا السلك استعمالهم لفظه أزننته بمعنى اتهمته في المقابح دون المحاسن. "الفائق": إنه من تاع إذا عجل، ولا يبعد أن يكون من تاع بمعنى إذا سال، كأن المتتابع يسرع إسراع السيول، وخص بالشر لأن التؤدة والرفق صفة كمال، ولهذا ذم بالعجلة وقيل: العجلة من الشيطان، وفي "الأساس": تتابع في الأمر رمى نفسه فيه بغير تثبت وتتابع في الشر تهافت، وفي "التهذيب" قال "أبو عبيد" التتابع التهافت في الشر والمتابعة عليه، ولم يسمع التتابع في الخير، وإنما سمعناه في الشر كما في "فقه اللغة" للصاحبي،

стр. 290

واستعمالهم الهنات، والهنوات في الكنايات عن المنكرات كقول الشاعر: (فنعم الحي كلب غير أنا ... وجدنا في جوارهم هنات) وكقول الآخر: (يزيد هنات من هنين فتلتوي ... علينا وتأتي من هنين هنات) قال الشيخ الإمام: وأنشدني والدي ﵀ قال: أنشدني" أبو الحسين بن زنجي" اللغوي قال: أنشدني "أبو عبد الله النمري" لنفسه يرثي "أبا عبد الله الأزدي" وكانت بينهما ملاحاة في عهد الحياة: (مضى الأزدي والنمري يمضي ... وبعض الشكل مقرون ببعض) (أخي والمجتني ثمرات ودي ... وإن لم يجزني قرضي وفرضي) (وكانت بيننا أبدًا هنات ... توفر عرضه فيها وعرضي) (وما هانت رجال الأزد عندي ... وإن لم تدن أرضهم من أرضي) ــ والنوائب لا تختص بالشر وإن كثر استعمالها فيه. وفي حديث "مسلم" "تعين على نوائب الحق قال النووي: النائبة الحادثة وتكون في الخير والشر قال "لبيد": (نوائب من خير وشر كلاهما ... فلا الخير ممدود ولا الشر لازب) ثم إن المصنف ذكر ألفاظًا اختصت بالشر في الاستعجال كلفظة: تهافت. ليس هذا

стр. 291

[وحكي أن "أبا الحسن بن وهب" كتب إلى أخ له يداعبه: (ظبيك هذا حسن وجهه ... وما سوى ذاك جميعًا يعاب) (فافهم كلامي يا أبا عامر ... ما يشبه العنوان ما في الكتاب) فأجابه: (وراء ما راقك من حسنه ... منافع مخبرها مستطاب) (من طيب مسموع إذا ما شدا ... يجلو به العيش ويصفو الشراب) (وعشرة محمودة حفها ... مساعدات وهنات عذاب) قال الشيخ السعيد ﵀: وليس وصفه الهنات بالعذوبة يخرجها عن وصفها بالذم كما أوهم بعضهم، بل كما تسمى الخمر اللذة مع كونها إحدى الكبائر وأم الخبائث]. ومما لا يستعمل إلا في الشر قولهم: ندد به وسمع به، وقولهم: قبض له كذا وكذا، ومثله» وباؤوا بغضب من الله «أي رجعوا، وذكر أهل التفسير أنه لم يأت في القرآن [قط] لفظة الإمطار ولا لفظة الريح إلا في الشر وكما لم يأت لفظ ــ بلازم كما ادعاه قال في "النهاية": التهافت من الهفت وهو السقوط وأكثر ما يستعمل في الشر. اهـ. (ولكل ما يثور به الضرر هاج) هذا أكثري أيضًا. يقال: هاج البحر والفحل والشوق إذا تحرك تحركًا شديدًا، ولم يخصه "الجوهري" وغيره بالشر. (وللمذموم ممن يخلف خلف بسكون اللام" هذا قول لبعضهم. وفيه أقوال أخر، قال "البغوي": قال "أبو حاتم": الخلف بسكون اللام الأولاد الواحد والجمع فيه سواء لأنه

стр. 292

الرياح إلا في الخير. قال في الإمطار: » وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل «وقال عز اسمه في الريح: » وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم «وقال في الرياح» ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات «وهذا هو معنى دعائه ﵇ عند عصوف الريح: "اللهم اجعلنا رياحًا ولا تجعلها ريحًا" وأخبرني "أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد بن المعدل" قراءة عليه قال حدثنا القاضي الشريف "أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي" قال حدثنا "أبو العباس محمد بن أحمد الأثرم" قال حدثنا "أحمد بن يحيي وهو "السوسي" قال: حدثنا "علي بن عاصم" قال: أخبرني "أبو علي الرجي" قال: حدثنا "عكرمة" ــ مصدر في الأصل نعت به فيعم، وقيل: إنه جمع لغوي أسم جمع فلا يطلق على الواحد، فلا يرد عليه أنه ليس من أبنية الجمع كما توهم. والخلف بفتح اللام البدل، ولذا كان أولاً وقال "ابن الأعرابي" الخلف بالفتح الصالح وبالسكون الطالح، وقال "ابن شميل": الخلف بفتح اللام وسكونها يذكر في القرن السوء، وأما في القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير.

стр. 293

عن "ابن عباس" ﵀ قال: هاجت ريح أشفق منها رسول الله ﷺ ، ثم استقبلها، وجثا على ركبتيه ومد يديه إلى السماء ثم قال: » اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا ... «وذكر "ابن عمر" ﵁ أن الرياح المذكورة في القرآن ثمان، أربع رحمة وأربع عذاب، فأما التي للرحمة فالمبشرات والمرسلات والذاريات والناشرات، وأما التي للعذاب فالصرصر والعقيم وهما في البر، والعاصف والقاصفات وهما في البحر. ــ وقال "محمد بن جرير": أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام وبالذم بسكونها، وقد يحرك في الذم ويسكن في المدح. اهـ. والحاصل أنه بالفتح والسكون. فهل هما بمعنى واحد شامل للصالح والطالح؟ أو بينهما فرق فيختص الأول بالصالح والثاني بالطالح دائمًا أو أكثريًا؟ أو الخلف بالفتح الصالح والطالح وبالسكون الطالح لا غير؟ أقوال، واشتقاقه هل هو من الخلافة أو من الخلوف وهو الفساد والتغير؟ قولان أيضًا، وعليه مبنى الخلاف. وخلف الله عليك، أي كان خليفة أبيك عليك أو من فقدته ممن لا يتعوض كالعم، وأخلف عليك رد عيلك مثل ما ذهب عنك، هكذا فرق بينهما بعض اللغويين على خلاف فيه. [وللمتساويين في الشر سواس وسواسية كما جاء في المثل [سواسية كأسنان الحمار، وكما قال الشاعر] (شبابهم وشيبهم سواء ... سواسية كأسنان الحمار) سواس وسواسية بمعنى متساوين وهو مأخوذ من التساوي والاستواء، ويقال: قوم سواء، ولا يثنى ولا يجمع، لأنه في الأصل مصدر، ووزن سواسية عند "الأخفش" فعافلة جمع لسواء على غير قياس، ووزن سوا فعا، ووزن سية فعة أو

стр. 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فله رفعة لأن أكثر ما يلغون موضع اللام. وأصل سية سوية فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها صارت الواو ياء، ثم حذفت إحدى اليائين تخفيفًا فصار سية، وكونه جمعًا هو المشهور وقيل: إنه اسم مفرد مثل كراهية، وضع موضع سواء وورد في المثل: "سواسية كأسنان الحمار". وقال "الخنساء": (اليوم نحن ومن سوا ... نا مثل أسنان القوارح) واختصاصه بالتساوي في الشر والذم ليس بمسلم. وكذا ادعاء أكثريته لتوقفه على الاستقراء، وفيه ما فيه، وقد ورد في الحديث ما يخالفه كقوله ﷺ : "سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي ولا عجمي وإنما الفضل بالتقوي". ولم يخصه الجوهري بالشر. (ومما ينتظم في هذا السلك استعمالهم لفظ أزننته بمعنى اتهمته في المفاضح) لا يخفي أنه لما كان بمعنى التهمة لم يتصور استعماله في الخير بناء على تفسيره بما ذكر، لكنه ليس كذلك قال "السرقسطي" في أفعاله زننت الرجل زنا وأزننته ظننت به خيرًا أو شرًا أو نسبتهما إليه. اهـ، وفي "الكامل" للمبرد في قول الشاعر: (إن كنت أزننتني بها كذبًا ... جزء، فلاقيت مثلها عجلاً) يقال: فلان يزن بكذا أي يسمى به وينسب إليه. اهـ. وفي "القاموس" زن فلانًا بخير أو شر ظنه به كأزنه وأزننته بكذا اتهمته. اهـ. فإذا كان بمعنى الظن أو النسية لم يختص بالشر ومن هنا ظهر وجه الاختلاف فيه. [وأستعمالهم الهنات والهنوات في الكناية عن المنكرات). قال "ابن بري": في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان في سفر فقال لسلمة بن

стр. 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأكوع: "ألا تنزل فتقول من هناتك" فهي يكنى بها عما يعسر التصريح به ولا يمكن تعيينه من معروف أو منكر. والتفرقة بين الهنات والهنوات تحكم محض لأن الهنات جمع هنة وهي منقوصة وأصلها هنوة. والهنوات جمع على أصله. اهـ. والحق أن الهنات لا تختص بما ذكره فإنها قد يكنى بها عن معين وفي "النهاية": ستكون هنات أي شر وفساد .. ويقال: في فلان هنات أي خصال شر، ولا يقال في الخير، وواحدها هنة وقد يجمع على هنوات، وقيل: واحدها هنة تأنيث هن، وهو كناية عن كل اسم جنس وفي حديث "عمر": "وفي البيت هنات من قوظ"، أي قطع متفرقة وفي حديث "ابن الأكوع": ألا تسمعنا من هناتك أي من كلماتك أو من أراجيزك. وفي رواية من هنياتك وفي أخرى من هنيهاتك على قلب الياء هاء. (وذكر بعض أهل التفسير أنه لم يأت في القرآن لفظ الإمطار) بكسر الهمزة مصدر أمطر (ولا لفظ الريح إلا في الشر، كما لم يأت لفظ الرياح إلا في الخير). أمطر في الخير جاء في الكتاب المجيد كقوله» هذا عارض ممطرنا «لأنهم لم يريدوا به إلا الرحمة. وفي "الكشاف" الفرق بين مطر وأمطر أنه يقال: مطرتهم السماء إذا أصابتهم بمطر كفايتهم، وأمطرت عليهم أرسلته إرسال المطر، قال تعالى: » وأمطرنا عليهم حجارة «.

стр. 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمقصود كما في "الانتصاف" الرد على من قال: مطر في الخير وأمطر في الشر، وتوهم أنه تفرقة وضعية لورود ما يخالفه كقول "رؤبة": (أمسى "بلال" كالربيع المدجن ... أمطر في أكتاف غيم معين) فبين أن معنى أمطرت أرسلت شيئًا على نحو المطر وإن لم يكن إياه، حتى لو أرسل الله من السماء أنواعًا من الخيرات والأرزاق كالمن جاز أن يقال فيه أمطرت السماء خيرات أي أرسلتها إرسال المطر، فليس للشر خصوصية بالمزيد، لكن اتفق أن السماء لم ترسل شيئًا سوى المطر إلا وكان عذابًا فظن أن الواقع اتفاقًا مقصود في الوضع. فنبه العلامة على تحقيقه وأحسن وأجمل. اهـ. فما نقل عن "أبي عبيدة" وأهل اللغة من الفرق مؤول بما ذكر وهو الذي غر المصنف فلا وجه لرده بقوله: "عارض ممطرنا" لأنهم عنوا به الرحمة ولا إلى انتقاده بأن الكلام في الفعل، فإنه كله من ضيق العطن وقلة الفطن. وأما كلامه في الريح والرياح فهو مما ذهب أدراج الرياح، وفي "الإتقان" عن "أبي بن كعب": كل شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة، وكل شيء من الريح فهو عذاب. وورد في الحديث أنه كان يدعو عند عصوف الريح بقوله: » اللهم اجعلنا رياحًا ولا تجعلها ريحًا «. ووجه بأن رياح الرحمة مختلفة الصفات والماهيات، فإذا هاجت ريح منها أثير في مقابلتها ما يعدلها ويكسر سورتها فتلطف وتنفع الحيوانات وتنمي النباتات.

стр. 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما في العذاب فتأتي من وجه بلا معارض ومدافع. وقد خرج عن هذا قوله تعالى في سورة "يونس": » وجرين بهم بريح طيبة «لوجهين: - لأنه وقع في مقابلة قوله جاءتها ريح عاصف فأفرد للمشاركة. - ولأن الرحمة تقتضي هنا وحدة الريح، فإن السفينة إنما تسير بريح واحدة، ولو اختلفت الرياح عليه هلكت، ولهذا أكده بوصف الطيبة، ومثله قوله تعالى: » إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره «. ففي سكونها الضرر كاختلافها وأورد عليه قوله تعالى: » ولسليمان الريح «وهي كما ورد في الحديث: الصبا وهي ريح الأنبياء. إذا لم تكن عقوبة بل رحمة، وجاء في الحديث: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور". وجوابه ظاهر فإن تسخير الرياح "لسليمان" ليحمل كرسيه لمقصده، فهي كريح السفن يضر اختلافها، فالاعتراض ناشئ من عدم التدبر، وأما إيراد قوله: » إنا أرسلنا عليهم حاصباً «. فوهم لأن الكلام في لفظ الريح لا في معناه.

стр. 298

[٦٦]- القسم بقولهم: وحق الملح ويقولون في ضمن أقسامهم: وحق الملح. إشارة إلى ما يؤتدم به فيحرفون المكنى عنه لأن الإشارة إلى الملح فيما تقسم به العرب هو الرضاع لا غير، والدليل عليه قول وفد "هوازن" للنبي ﷺ : "لو كنا ملحنا للحارث أو للنعمان لحفظ ذلك فينا" أي لو أرضعنا له، وعليه قول "أبي الطمحان" في قوم أضافهم فلما أجنهم الليل اشتاقوا نعمة: (وأني لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبر) والقطعة مجرورة وأولها: (ألا حنت المرقال واشتقاق ربها ... تذكر أزمانا واذكر معشري) يريد إني لأرجو أن تؤاخذوا بغدركم في مقابلة ما شربتهم من لبنها الذي أسمنكم وحسن بدنكم. وأما قولهم ملحه على ركبته، فقيل: المراد به أنه من يضيع حق الرضاع كما يضيع الملح ممن يضعه على ركبته. ــ (ويقولون في ضمن أقسامهم: وحق الملح، إشارة إلى ما يؤتدم به فيحرفون المكني عنه، لأن الإشارة إلى الملح فيما يقسم به العرب هو الرضاع لا غير). الملح [مشترك] بين المعروف والرضاع، والوارد في كلام العرب بالمعنى الثاني، وأما قصد العامة الأول كناية عن حقوق العشرة والمودة، وقسمهم بذلك لتنظيمه، فلا ضير فيه، كما في بعض النتف فيمن يخون.

стр. 299

وقيل: المعنى به السييء الخلق الذي تطيشه أقل كلمة كما أن الملح الموضوع فوق الركبة يتبدد بأدنى حركة. وأما قول "مسكين الدارمي": (لا تلمها إنها من معشر ... ملحها موضوعة فوق الركب) ــ قلت في الإخوان: (لا يعرف الخبز ولا الملح إذا ... يأكل في غيبته لحم أخيه) (وإني لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبرا) هو من قصيدة "لأبي الطمحان" أولها: (ألا حنت المرقال واشتاق ربها ... يذكر أزمانًا وأذكر معشرًا) (والدليل على ذلك قول وقد "هوازن" للنبي ﷺ : لو كنا ملحنا "للحارث" أو "للنعمان لحفظ ذلك فينا. أي لو أرضعنا له). أي الدليل على أن ملح بمعنى أرضع، وهو ظاهر، وسبب هذت أن النبي ﷺ لما سبى "هوازن" في غزوة "حنين" على ما هو معروف في السير فذكروه حرمة رضاعة فيهم من لبن "حليمة فإنها كانت من "هوازن".

стр. 300

فقيل: عنى بها أنها من قوم هم في الغدر وسوء العهد كمن ملحه فوق ركبته، وقيل: أشار به إلى أنها سوداء زنجية كقولهم: ملح الزنجي على ركبته. والملح مؤنثة في أكثر الكلام فلهذا قال ملحها موضوعة وقد نطق في بعض اللغات بتذكيرها. ــ قصة هوازن: حكى "ابن إسحاق" أن "هوازن" لما سببت وغنمت أموالهم "بحنين" قدمت وفودهم على النبي ﷺ مسلمين وهو "بالجعرانة" فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا من الله عليك، ثم قال منهم "أبو صبرة زهير بن صرد". فقال: يا رسول الله إن في الخظائر عماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا "للحارث بن شمر" أو "النعمان بن المنذر" ثم نزلا بمثل المنزل الذي نزل رجونا عطفه وعائدته، أونت خير الكفيلين. ثم أنشد شعرًا قاله وهو: (امنن علينا رسوله الله من مكرن ... فإنك المرؤ نرجوهوندخر) إلخ ... [فأطلق ﵇ جميع أسراهم، كما فصل في السير .. و"الحارث" و] "النعمان" ملكان من ملوك العرب، يعني إذا صدر هذا منهما فأنت أحق وأعظم وأكرم. (ملحه على ركبته) هو مثل في شرعة الغضب، كما في شرح "الفصيح" ويروى: فوق ركبته. ويضرب للغادر، وما ذكره "المصنف"معنى آخر، ووقال"الميداني":

стр. 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأصل فيه أن العرب تسمي الشحم ملحًا، فتقول: أملحت القدر إذا جعلت في هـ الشحم، وعليه قول "ملكين الدارمي": (لا تلمها إنها من نسوة ... ملحها موضوعة فوق الركب) يعني من نسوة همها السمن والشحم، فمعنى المثل: شر الناس من لا يكون عنده من العقل ما يأمره بما فيه محمدة، وإنما يأمره بما فيه طيش وخفة وميل إلى أخلاق - النساء وهو حب السمن. والملح يذكر ويؤنث. قال "الزمخشري": معناه أنه كثير الخصومة. ومصاكتة الركب قرح ركبتيه فهو يضع الملح عليهما ليداويهما به، ويؤيده شعر "مسكين" فإنه في امرأته كثيرة الصخب والخصام وهو: (أصبحت عاذلتي مقلقة ... قرمت، بل هي وخمى للصخب) (لا تلمها إنها من نسوة ... ملحها موضوعة فوق الركب) (كشموس الخيل يبدو شرها ... كلما قيل لها: هاب وهب) قال "الشريف الرضي": في "الدرر والغرر": يقول: إنها تكثر لومي فكأنها قرمة إلى اللوم، والقرم: الميل إلى اللحم، وهي وحمى تشتهي الصخب، والوحم شهوة الطعام عند الحمل، وشحم الذرى: الأسنمة. و"مسكين الدارمي" اسمه "ربيعة" ولقب "مسكينا" لقوله: (وسميت مسكينًا وكانت لحاجة ... وإني لمسكين إلى الله راغب)

стр. 302

[٦٧]- ها هو ذا لا هوذا ويقولون: هوذا يفعل وهوذا يصنع. وهو خطأ فأحش ولحن شنيع والصواب فيه أن يقال: ها هوذا يفعل، وكأن أصل القول هو هذا يفعل، فنزع حرف التنبيه الذي هو ها من اسم الإشارة الذي هوذا، وصدر في الكلام وأقحم بينهما الضمير، ويسمى هذا التقريب، إلا أنه إذا قيل: ها هوذا كتب حرف التنبيه بإثبات الألف لئلا يبقى على حرف واحد. والعرب تكثر الإشارة والتنبيه فيما يقصد به التفخيم، وفيما رواه النحويون أن غلامًا مر "بصفية بنت عبد المطلب"، فقال لها أين "الزبير"؟ قالت: وما ــ (ويقولون: هوذا يفعل، وهوذا يصنع، وهو خطأ فاحش ولحن شنيع، والصواب أن يقال فيه: ها هوذا يفعل، وكان أصل القول هو هذا). هو مما تبع فيه "ابن الأنباري" في كتابه "الزاهر" وهو سفساف القول وضرب من الهذيان والفضول؛ فإن هو مبتدأ وذا مبتدأ ثان خبره الجملة بعده، ويصح أن يكون ذا اسمًا موصولاً وإعرابه ظاهر وصحته كذلك، ونحوه قول "العجاج": (فهوذا فقد رجا الناس الغير ... من أمرهم على يديك والثؤر) وفي الحديث الشريف "هوذاكم" وفي شرح "التسهيل": إذا اجتمع اسم الإشارة وغيره يجعل اسم الإشارة مبتدأ وغيره خبرًا، فيقال: هذا القائم وهذا زيد؛ لأن العرب اعتنت بمكان التنبيه والإشارة فقدمته، ولا يجوز أن يجعل خبرًا إلا مع المضمر؛ فإن الأفصح فيه أن يقدم فيقال: ها أناذا، ويجوز أيضًا: هذا أنا. وفي كتاب "الزاهر": إنما يجعلون

стр. 303

تريد منه؟ قال: أريد أن أباظشه، فقالت له: ها هو ذاك، فصار إليه فباطشه فغلبه "الزبير"، فرجع الغلام مفلولاً، فلما مر "بصفية" قالت له: (كيف رأيت "زبيرًا"؟ أأقطًا ... أو تمرًا أم قرشيًا صقرًا؟ ) أرادت أوجدته طعامًا تأكله أم صقرًا يأكلك؟ ــ المكنى بين ها وذا إذا قربوا الخبر فيقولون: ها أنا ذا ألقى فلانًا، أي قد قرب لقائي إياه، وقد سماه الكوفيون تقريبًا. وفي أصول "ابن السراج" لا يجوز هذا هو وهذا أنت وهذا أنا، لأنك لا تشير لإنسان غيرك ولا إلى نفسك إلا إذا قصد التمثيل، أي هذا يقوم مقامك ويغني غناءك، فعلى هذا يجوز هذا أنت وهذا أنا، أي هذا مثلك وهذا مثلي، فإن هذا هو بمنزلة قولك: هذا عبد الله وما أشبهه؛ لأنك قد تكون في حديث إنسان فيسألك المخاطب عن صاحب القصة من هو؟ فتقول: هذا هو، وقال قوم: إن كلام العرب أن يجعلوا هذه الأسماء المكنية بين ها وذا، وينصبون أخبارهم فيقولون: ها هوذا] قائمًا وها أناذا جالسا. (وهذا يسمى التقريب) وهذا هو منشأ ما قال "ابن الأنباري"، والمصنف لم يقف على المراد منه فليحرر، فإن ما قاله ليس بشيء ينبغي أن يذكر.

стр. 304

٦٨ - تاعس لا متعوس ويقولون: رجل متعوس. ووجه الكلام أن يقال: تاعس، وقد تعس كما يقال: عاثر وقد عثر، والتعس الدعاء على العاثر بأن لا ينتعش من صرعته، وعليه فسر قوله تعالى: » فتعسًا لهم «، والعرب تقول في الدعاء على العاثر: [تعسًا له]، وفي الدعاء له: لعًا. كما قال "الأغشى": (بذات لوث عفرناة إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا) يعنى أنها تستحق أن يدعى عليها لا لها. واختار "الفراء" أن يقال للغائب: تعس بكسر العين وللمخاطب تعست بفتح العين، فأما في التعدية فيقال: أتعسه الله وعليه قول مجمع بن هلال: (تقول وقد أفردتها عن خليلها ... تعست كما أتعستني يا مجمع) من نوادر الأعراب وعلى ذكر التعس فإني رويت في أخبار "أبي أحمد العسكري" عن "أبي علي ــ (ويقولون: رجل متعوس، ووجه الكلام أن يقال: تاعس وقد تعس، كما يقال: عاثر وقد عثر). هذا مبني على غير أساس، فإنه إنما يمتنع إذا كان تعس لازمًا لم يتعد، فلم يبن منه اسم المفعول، وقد قال "الأزهري": في "تهذيبه" عن "أبي عبيدة": تعسه الله وأتعسه، من باب فعلت وأفعلت بمعنى واحد. وقال "شمر" - فيما أخبرني عنه "أبو بكر الإيادي"-: لا أعرف تعسه الله ولكن يقال: تعس نفسه وأتعسه الله، وقال "الفراء":

стр. 305

الأعرابي" قال حدثني بعض الأدباء قال: وقف علينا أعرابي في طريق الحج، وقد عن لنا سرب ظباء، فقال بكم تشترون واحدة منهن؟ فقلنا بأربعة دراهم، قال فتركنا وسعى نحوهن فما كذب أن جاء وعلى عاتقه ظبية وهو يقول: [وهي على البعد تلوي خدها] (تعيش شدي وأقيس شذها ... كيف ترى عدو غلام ردها) فقلت: (أراه قد أتعبها وكدها ... وأتعس الله لديه جدها) فأنت أشد الناس عدوًا بعدها قال: فتركها وانصرف، فقلت له: خذ حقك. فقال: سبحان الله أتمدحني وآخذ منك؟ ــ يقال: تعست إذا خاطبت الرجل فإذا صرت إلى أن تقول: فعل، قلت: تعس بكسر العين. قال "شمر": هكذا سمعته، والتعس: الهلاك، وقال "الزجاج": التعس في اللغة الانحطاط والعثور. إذا أصخت لما ذكرناه علمت أن ما قاله المصنف ناشيء عن قلة الاطلاع وقصور الباع. (والعرب تقول في الدعاء على العاثر: تعسًا له، وفي الدعاء له: لعًا). قد عرفت معنى تعسًا وهو ظاهر في الدعاء عليه، وأما لعًا فقال "ابن سيده": لعًا كلمة يدعى بها للعاثر معناها الارتفاع، وهي اسم فعل [مبني] وتنوينه للتنكير كصه، فيقال للذي عثر ووقع: لعًا، بمعنى رفعك الله وجبرك، وقال "أبو عثمان القزاز": يقال: لعًا لك أي نعشك الله ورفعك، فهي اسم فعل لنعش كهيهات لبعد، ولا لعًا نفي للدعاء فيكون دعاء عليه، ويكتب بالألف لأن لامه منقلبة عن واو كما قاله "الخليل"، وفي أمثال "أبي عبيد" من دعائهم: لا لعًا لفلان، أي لا أقامه الله فجعلها اسمًا لأقامه الله

стр. 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو قريب مما قدمناه، وقد قيل عليه: إنه لم يقله أحد قبله، وإنما قالوا: إنها كلمة تقال للعاثر بمعنى اسلم، وكذلك دعدع، وقد روي في حديث مرفوع أن النبي ﷺ كره قول العرب للعاثر: دعدع، وقال: لتقل له: اللهم ارفع وانفع. اهـ فلعًا ضد تعسًا. (واللوث) في البيت القوة. و (العفرناة) بعين مهملة وفاء ونون: الناقة القوية. (واختار "الفراء" أن يقال: تعس بكسر العين) في الماضي المسند لضمير الغائب، (وتعست بفتح العين) في الماضي المسند لضمير المخاطب، وقد نقلناه لك عن "التهذيب" ومر تفسيره وبيان معناه، وعلى تعس بكسر العين اقتصر في "عمدة الحفاظ" وفسره بالسقوط والعثار كما مر، وأورد قول "الفراء" المذكور واستغربه بأنه لا يختلف بناء الفعل لاختلاف الفاعل المسند إليه إلا في عسى فقط، لأنها يجوز كسر سينها إذا أسندت للمتكلم أو المخاطب أو نون الإناث. وبه قرأ "نافع". فإن لم تسند إلى هذه الضمائر فتحت سينها نحو» فعسى الله أن يأتي بالفتح «. وأما (عثر) فبالفتح لا غير، واستغرابه في محله إلا أنه يوجه بأنه جاء من بابين كما في كثير من الأفعال، إلا أنه اقتصر على استعمال كل منها في محل، ولا بعد فيه. (فما كذب أن جاء) كذب بالتخفيف أي ما لبث وأبطأ، وكأنه مجاز من الكذب المعروف، ويقال: حمل فلان فما كذب، أي صدق الحملة، وصدق هنا مشدد.

стр. 307

[٦٩]- شعر ولا شعر ويقولون: ما شعرت بالخير بضم العين، فيحيلون المعنى فيه، لأن معنى ما شعرت بضم العين: ما صرت شاعرًا، فأما الفعل الذي بمعنى علمت فهو شعرت بفتح العين، ومنه قولهم: ليت شعري أي ليت علمي. وعند "الفراء" أن لفظة شعري مصدر مثل علمي، وفي الكلام محذوف ترك إظهاره لكثرة أستعمال هذه اللفظة، وتقدير الكلام: ليت علمي، بلغة خبر فلان. وقال "ثعلب": بل المصدر من شعرت هو شعرة مثل فطنة فحذفت الهاء منه للإضافة، كما حذفت في قولهم للزوج الأول: هو أبو عذرها والأصل أبو عذرتها، ومثله قوله تعالى: » لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة «لأن الأصل إقامة فحذفت منه الهاء [للإضافة]. ــ (ويقولون: ما شعرت بالخير بضم العين، فيحيلون فيه لأن معنى ما شعرت ما صرت شاعرًا، فأما الفعل الذي بمعنى علمت فهو شعرت بفتح العين). هذا أيضًا من تحجير الواسع، فإن ما منعه قد صرح به أهل اللغة، وفي "القاموس" شعر به كنصر وكرم وعلم، فيصح في ماضيه ما أنكره، وقس عليه المضارع، وعلى هذا تتم التورية في قول بعضهم: (يا شعراء العصر لا تمدحوا ... شخصًا ولو أنكم معسرون) (فالله رب العرش سبحانه ... يرزقكم من حيث لا تشعرون) وقال بعضهم يعتذر عن اشتغاله بالشعر: ولعمري ما أنصفني من أساء بي الظن، وقال: كيف رضي مع درجة العلم والفتوى بهذا الفن؟ والصحابة كانوا ينظمون وينثرون، ونعوذ بالله من قوم لا يشعرون.

стр. 308

[٧٠]- من أخطاء النسب ويقولون في المنسوب إلى الفاكهة والباقلاء والسمسم: فاكهاني وباقلاني وسمسماني. فيخطئون فيه لأن العرب لم تلحق الألف والنون في النسب إلا بأسماء محصورة زبدتا فيها للمبالغة كقولهم للعظيم الرقبة: رقباني وللكثيف اللحية: لحياني وللوافر الجمة: جماني، وللمنسوب إلى الروح: روحاني وإلى من يرب العلم: رباني وإلى بائع الصيدل والصيدن [وهما في الأصل حجارة الفضة ثم جعلا اسمين للعقاقير]: صيدلاني وصيدناني. ووجه الكلام في الأول أن يقال للمنسوب إلى السمسم: سمسمي، كما يقال في المنسوب إلى ترمذ: ترمذي وأن يقال في المنسوب ــ ويقولون في النسبة إلى الفاكهة والباقلى والسمسم: فاكهاني وباقلاني وسمساني فيخطئون فيه). في "ذيل الدرة" لبعض علماء العصر: في كتب اللغة الفاكهاني الذي يبيع الفاكهة كما قاله "الأنصاري" وأما الباقلاني فهو وإن كان شاذًا كالصنعاني إذ القياس فيه صنعاوي، سمع أيضًا في "النبراس": الباقلي إذا شددت قصرت وأتيت بالنون قبل ياء النسب، وإذا مددت خففته وقلت: الباقلائي بهمزة يليها ياء مثناة تحتية بعد لام ألف. اهـ. ومثله الحلواني لشمس الأئمة. وقال "ابن حجر": إنه بهمزة بدل النون [وفي "القاموس": ونسب إلى الحلاوة شمس الأئمة "عبد العزيز بن أحمد الحلواني" بهمزة بدل النون] وهو غلط لأنه لو كان كذلك لقيل: حلاووي لاغير، فالصواب إلى الحلواء فاعرفه.

стр. 309

إلى الفاكهة: فاكهي، كما ينسب إلى السامرة سامري، فأما المنسوب إلى الباقلا فمن قصره قال في النسب إليه: باقلي، لأن المقصور إذا تجاوز الرباعي حذفت ألفه في النسب، كما يقال في النسب إلى حبارى حباري وإلى قبعثرى قبعثري، ومن مد الباقلاء جاز في النسب إليه باقلاوي وباقلائي، كما ينسب إلى حرباء وعلباء حرباوي وحربائي وعلباوي وعلبائي. وأما قولهم في النسب إلى صنعاء وبهراء ودستواء: صنعاني وبهراني ودستواني فهو من شواذ النسب والشاذ لا يعالج إليه ولا تحمل نظائره عليه. ــ (وللمنسوب إلى الروح روحاني) الروحاني بالضم لما فيه الروح (وإلى من يرب العلم رباني) نسبة إلى رب (وصيدنائي وصيدلاني) في شرح "الفصيح": الصيدنائي والصيدلاني بائع العقاقير كالعشاب والعطار، سمي بالصيدلاني وهو ضرب من الهوام يجمع حشيشًا ووريقات فيبني بها بيتًا له، شبه به جامع العقاقير، وعن "ابن درستوية" الصيدن والصيدل الفضة شبه بها حجارة العقاقير فنسب إليها، وزيدت الألف والنون للمبالغة. وقيل: هو بائع السقط. (وقبعثري) بغير تنوين علم، (وباقلاء) همزته للتأنيث فلا بد من قلبها واوًا، وأما همزة (علباء) فزائدة للإلحاق، إن شئت قلبتها وإن شئت تركتها همزة، كذا قاله "ابن بري" وكلامه ظاهر غني عن البيان.

стр. 310

[٧١]- من أسماء الذهب ويقولون للذهب: خلاص بفتح الخاء، والاختيار فيه أن يقال: خلاص بالكسر، واشتقاقه من أخلصته النار بالسبك، وكنت سمعت في روق الشبيبة ولدونة الحداثة القشيبة أدبيًا من أهل بست يعجب بقول "أبي الفتح البستي": إذا اقترن الولاء بالإخلاص صار كالذهب الخلاص، فارتحلت على البديهة وقلت: من طلب جانب الخلاص جانب طلب الخلاص فثناه عن استنانه وأغرق في استحسانه.

стр. 311

[٧٢]- إدغام الحرف المضعف ويقولون: سارر فلان فلانًا وقاصصه وحاججه وشاققه، فيبرزون التضعيف كما يظهرونه في مصادر هذه الأفعال أيضًا، فيقولون: المساررة والمقاصصة، والمحاججة والمشاققة، ويغلطون في جميع ذلك لأن العرب استعملت الإدغام في هذه الأفعال لاستخفاف اللفظ، واستثقالاً للنطق بالحرفين المتماثلين، ورأيت أن إبراز الإدغام بمنزلة اللفظ المكرر، والحديث المعاد، ثم لم يفرقوا بين ماضي هذه الأفعال ومستقبلها وتصاريف مصادرها فقالوا: سارره يساره مسارة وحاجه يحاجه محاجة. وقالوا في نوع آخر منه: تصام عن الأمر، أي أرى أنه أصم، وتضام القوم أي انضموا، وتراص المصلون أي تلاصقوا، وعلى هذا حمل مثل هذا الكلام، كما جاء في القرآن: «وحاجه قومه» وورد فيه «لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم ــ (ويقولون: سارر فلان فلانًا وقاصصه وحاججه وشاققه، فيبرزون التضعيف كما يبرزونه في مصادر هذه الأفعال) إلى آخر ما ذكره وهو ظاهر. وفي "الحواشي": مما رويناه أن النبي ﷺ قال: "ليت شعري أيتكن صاحبه الجمل [الأدبب] تخرج - أو قال: تسير - حتى تنبحها كلاب الحوءب" والأدبب هو الأدب. أقول: إن أراد المصنف الاعتراض بهذا فليس بشيء، فقد قال في "التسهيل": إنما جاز فك الإدغام لموازنة الحوءب ومشاكلته، والمشاكلة تسوغ في الكلمات غير مالها، والأدب بدال مهملة وباء موحدة مشددة - وفكه لما ذكرناه - الجمل الكثير وبر الرأس، ووقع في بعض النسخ الأزب بالزاي المعجمة وهو الكثير الشعر.

стр. 312

الآخر يوادون من حاد الله ورسوله» فاشتملت هذه الآية على الإدغام في الفعلين الماضي والمستقبل. وهذا الحكم مطرد في كل ما جاء من الأفعال المضاعفة على وزن فعل وأفعل وفاعل وافتعل وتفاعل واستفعل، نحو مد الحبل وأمد وماد وامتد وتماد واستمد، اللهم إلا أن يتصل به ضمير المرفوع، أو يؤمر فيه جماعة المؤنث، فيلزم حينئذ فك الإدغام في هذين الموطنين، لسكون آخر الحرفين المتماثلين، كقولك، زددت ورددنا ونظائره، وكقولك في الأمر لجماعة المؤنث: ارددن وامددن، وقد جوز الإدغام والإظهار في الأمر للواحد كقولك: رد واردد، وقاص وقاصص واقتص واقتصص، وكذلك جوز الأمران في المجزوم كما قال تعالى في سورة المائدة: «من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه» وفي سورة أخرى «ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر» كما قال سبحانه «ومن يشاق الله» وفي موطن آخر «ومن يشاقق الله» فأما فيما عدا هذه المواطن المذكورة فلا يجوز إبراز التضعيف إلا في ضرورة الشعر كما قال راجز في الاسم: (إن بنى للئام زهده ... مالي في صدورهم من موددة) فأظهر التضعيف في مودة لإقامة الوزن وتصحيح البيت ومثله قوله "قعنب بن أم صاحب" في الأفعال:

стр. 313

(مهلاً أعاذل قد جربت من خلقي ... إني أجود لأقوام وإن ظننوا) أراد ظنوا ففك الإدغام للضرورة. وقد شذ منه قولهم قطط شعره من القطط ومششت الدابة من المشش، ولججت عينه أي التصقت، وألل السقاء إذا تغيرت رائحته، وضبب البلد إذا كثر ضبابه، وصككت الدابة من الصكك في القوائم. وكل ذلك مما لا يعتد به ولا يقاس عليه. ــ

стр. 314

[٧٣]- قولهم للاثنين: ازددا ومن أوهامهم في هذا الفن قولهم للاثنين: ارددا. وهو من مفاحش اللحن. ووجه الكلام أن يقال لهما: ردا كما يقال للجمع: ردوا، والعلة فيه أن الألف التي هي ضمير المثنى والواو التي هي ضمير الجمع تقتضيان لسكونهما تحريك آخر ما قبلهما، ومتى تحرك آخر الفعل حركة صحيحة وجب الإدغام، وهذه العلة مرتفعة في قولك للواحد: اردد، فلهذا امتنع القياس عليه. ــ (ومن أوهامهم في هذا الفن قولهم للاثنين: أرددا، وهو من مفاحش اللحن. ووجه الكلام أن يقال لهما: ردًا). ومثله قوله في البردة: (ما لعينيك إن قلت اكففا همتا ... وما لقلبك إن قلت استفق يهم) والضرورة تهله، ويحسنه عندي أنه لو قال: كفا، لتوهم أنه من كف البصر وهو العمى، وتفصيله أن هذا الحكم مطرد في كل ما جاء من الأفعال المضاعفة ووزن فعل وأفعل وفاعل وافتعل وتفاعل واستفعل. نحو مد الحبل وأمده وماده وامتد واستمد، إلا أن يتصل به ضمير مرفوع، أو يؤمر به جماعة مؤنثة كرددت وارددن، ويجوز الإدغام والإظهار في أمر الواحد نحو: رد، واردد، وما عداه يقع شذوذًا أو مزورة، [وأنشد "لقعنب بن أم صاحب" في أناس ناصبوه من قومه: (مهلا "أعاذل" قد جربت من خلقي ... في أجود لأقوام وإن ضننوا) (ولن يراجع قلبي ودهم أبدا ... وكنت منهم على مثل الذي ركنوا) (كل يداجي على البغضاء صاحبه ... ولن أعالنهم إلا كما علنوا) (صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا)

стр. 315

[٧٤]- معنى نقل فلان رحله ويقولون: نقل فلان رحله. إشارة إلى أثاثه وآلاته، وهو وهم ينافي الصواب، ويباين المقصود به في لغة العرب، إذ ليس في أجناس الآلات ما يسمونه رحلاً إلا سرج البعير [الذي عناه الشاعر بقوله: (مهما نسيت فما أنسى مقالتها ... يوم الرحيل لأتراب لها عرب) (سكن قلبي بأيديكن إن له ... هجًا يفوق ضرام النار واللهب) (ليت الفراق نعى روحي إلى بدني ... قبل التألف بين الرحل والقتب) وإنما رحل الرجل منزله، بدليل قوله ﵊: "إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال" أي صلوا في منزلكم عند ابتلال أحذيتكم من المطر، وقيل: إن النعال هنا جمع نعل وهو ما يصلب من الأرض. ومن كلام العرب للعشب: الربع، وللخصيب الرحل: هو أخضر النعل. ــ (ويقولون: نقل فلان رحله، إشارة إلى أثاثه وآلاته، وهو وهم ينافي الصواب، ويباين المقصود في لغة العرب؛ إذ ليس في أجناس الآلات ما يسمونه رحلاً إلا سرج البعير). هذا ما وهم فيه ابن أخت خالته أيضًا، فإن الرجل المنزل ومتاع الرجل وما يستصحبه من الأثاث كما في "الصحاح" وعليه قول "متمم بن نويرة":

стр. 316

ومما أنشده "ابن السكيت" في أبيات معانيه: (تلقاهم وهم خضر النعال كأن ... قد نشرت كتفيها فيهم الضبع) (لو صاب واديهم رسل فأثرعه ... ما كان للضيف في تغميره طمع) أراد أنهم لو أخصبت أرضهم حتي سال واديهم لبنًا لما سقوا الضيف مذقة منه، والتغمير أقل الشرب لاشتقاقه من الغمر وهو أصغر الأقداح. ــ (كريم الثنا حلو الشمائل ماجد ... صبور على الضراء مشترك الرحل) وقوله في بخيل: (سبط اليدين بما في رحل صاحبه ... جعد اليدين بما في رحله قطط) ومن شعر "عبد المطلب": (لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رجالك) قال "ابن هشام" في "تذكرته"- ومن خطه نقلت: رحله متاعه، وبعضهم يلحن العامة في قولهم: أخذت رحلي، يريدون به المتاع، وإنما الرحل للبعير كالسراج للفرس، والظاهر عندي خلافه لأجل هذا البيت، إذ لا وجه لتخصيص رحل البعير بالمنع في بيت عبد المطلب. اهـ. وقد فسر الرحل في قوله تعالى: » من وجد في رحله «بالأثاث، بدليل قوله» ثم استخرجها من وعاء أخيه «وهو في الاستعمال وفي كتب اللغة أكثر من أن يحصر وأشهر من أن ينكر.

стр. 317

[٧٥] الفرق بين سائل وسأل ويقولون لمن يكثر السؤال من الرجال: سائل ومن النساء: سائلة، والصواب أن يقال لهما: سأل وسألة، كما أنشد بعضهم في الخمر: (سأالة للفتى ما ليس في يده ... ذهابة بعقول القوم والمال) (أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى تفرق ترب الأرض أوصالي) يعني أقسمت بالله لا أسقيها فأضمر لها كما أضمرت في قوله تعالى: «تالله تفتأ تذكر يوسف» أي لا تفتأ، وأكثر ما تضمر في الأقسام قالت الخنساء (فآليت آسي على هالك ... وأسأل نائحة مالها) ــ (ويقولون لمن يكثر السؤال من الرجال: سائل، ومن النساء: سائلة، والصواب أن يقال: سأل وسألة). [قال "ابن بري": إنكار] إطلاق السائل على كثير السؤال ليس بصحيح، لأن باب "فاعل" كضارب وقاتل عام لكل من صدر منه الفعل قليلاً كان أو كثيرًا، فلا يمتنع أن يقع فاعل موقع فعال المختص بالكثير لعمومه؛ ألا ترى أن قوله تعالى: » وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم «لا يقتضي أن يكون السائل هنا من قل سؤاله؟ ومثله من صفات الباري والخلاق والرازق والرزاق، والمراد بأحدهما ما يراد بالآخر، يعني أن

стр. 318

أي لا آسى ولا أسأل، وقد تضمر في غير القسم لقول الراجز لابنه: (أوصيك أن يحمدك الأقارب ... ويرجع المسكين وهو خائب) أي ولا يرجع، وكما أنهم أضمروا "لا" فقد استعملوها زائدة على وجه الفصاحة وتحسين الكلام، كما قال سبحانه: » ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك «[والمراد به ما منعك أن تسجد] بدليل قوله تعالى في السورة الأخرى: » ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي «ومنه قول الراجز: (وما ألوم البيض أن لا تسخرا ... إذا رأين الشمط المنورا) أي لا ألوم البيض أن تسخر إذا رأين الشيب، والأصل في مباني الأفاعيل ملاحظة حفظ المعاني التي تتميز باختلاف وضع الأمثلة، فبنى مثال من فعل الشيء مرة على فاعل، نحو قاتل وفاتك، وبني مثال من كرر الفعل على فعال مثل قتال ــ فاعلاً لو اختص بالقليل لم يصح إطلاقه عليه - تعالى - في مثل قوله: » الله خالق كل شيء «والكثرة في مثله باعتبار التعلقات. فإن قلت: كيف أدرج النحويون العالم والخالق ونحوهما من صفاته في اسم الفاعل، والمعتبر فيه عندهم كونه لمن قام به الفعل على معنى الحدوث؟ قلت: مرادهم أن يكون على معناه وضعا، لكنه قد يستعمل لخلافه إذا قام دليل شرعي أو عقلي على خلافه، أو هو باعتبار [حدوث متعلقة]. وقد تضمر في غير القسم كقول الراجز: (أوصيك أن يحمدك الأقارب ... ويرجع المسكين وهو خائب) أي ولا يرجع، وكما أنهم أضمروا "لا" فقد استعملوها زائدة على وجه الفصاحة

стр. 319

وفتاك، وبني مثال من بالغ في الفعل وكان قويًا عليه على فعول مثل صبور وشكور، وبني مثال من اعتاد الفعل على مفعال مثل امرأة مذكار إذا كان من عادتها أن تلد الذكور، ومثنات إذا كان من عادتها أن تلد الإناث، ومعقاب إذا كان من عادتها أن تلد نوبة ذكرًا ونوبة أنثي، وبني مثال من كان آلة للفعل وعدة له على مفعل نحو محرب ومرجم وحكى "ابن الأعرابي" قال: دفع رجل رجلاً من العرب، فقال المدفوع: لتجدني ذا منكب مزحم وركن مدعم ورأي مصدم ولسان مرجم ووطء ميثم، أي مكسر. وسئل بعض أهل اللغة عن قوله تعالى: » وما ربك بظلام للعبيد «لم ورد ــ وتحسين الكلام، كما قال - سبحانه: » وما منعك ألا تسجد إذ أمرتك «والمراد به: » ما منعك أن تسجد «بدليل قوله تعالى - في السورة الأخري: » ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي «. هذا كله مما صرحوا بخلافه، وإن كانوا قائلين بزيادة لا، وما ذكر في البيت بناء على نصب يرجع، وقد قيل: إن المروى فيه الرفع على الاستئناف، أو على أن الواو حالية شذوذًا، أو بتقدير مبتدأ، ولا فساد فيه من جهة المعنى كما توهمه؛ فإنه على هذا [يكون] أوصاه بتخصيص نفعه بأقاربه دون الأجانب ولا محذور فيه، على أنه لو سلم فلا بأس به، فإن خطأ العربي في المعني لا يضر، وإنما الممتنع منهم الخطأ في الألفاظ، والكلام على الآية المذكورة مفصل في "الكشاف" وشرحه. (وما ألوم البيض ألا تسخروا ... إذا رأين الشمط المنورا)

стр. 320

على وزن "فعال" الذي صيغ للتكثير وهو سبحانه منزه عن الظلم اليسير؟ فأجاب عنه: إن أقل القليل من الظلم لو ورد منه وقد جل سبحانه عنه لكان كثيرًا لاستغنائه عن فعله وتنزهه عن قبحه، ولهذا يقال: زلة العالم كبيرة وإلي هذا أشار المخزومي الشاعر في قوله: (العيب في الجاهل المغمور مغمور ... وعيب ذي الشرف المذكور مذكور) (كفوفة الظفر تخفى من حقارتها ... ومثلها في سواد العين مشهور) ــ الذي رواه "أبو عبيدة": "الشمط القفندر) وهو القبيح ونونه زائدة، فأصله قفدر وهو العظيم الهامة، وفسره- في أمال "ثعلب"- بشيب القفا، وفي "فقه اللغة" أنه الرجل الضخم، وقد يعقب فيه، والعوام تزعم أنه اسم نجم، ولا أصل له. (وبني مثال من كرر الفعل على فعال) [إن] قيل: إن ما ذكره من التفرقة لا تعرفه النحاة فإن صبور وصبار ومضراب وضراب عندهم بمعنى، قلت: ما ذكره هو المشهور، إلا أني رأيت في كتاب "بغية الأمل في شرح الجمل" "لأبي بكر بن طلحة" أن أمثلة المبالغة متفاوتة، ففعول لمن كثر منه الفعل وفعال لمن صار له صناعة، ومفعال لمن صار له كالآلة، وفعيل لمن صار له كالطبيعة، وفعل لمن صار له كالعادة. اهـ. وقد تعقب بأنه لم يقله أحد من النحويين، وأنه تلفيق حمله عليه ما رآه من كثرة "فعال" من الصنائع كخياط، ومفعال في الآلة، وفعيل في أفعال الطبيعة كبخيل وكريم، وفعل في العادات كصليف. وهذا اعتراض من تلقن الجواب كقوله - تعالى: » ما غرك بربك الكريم «. ومن صيغ المبالغة ما جاء على وزن اسم الآلة كمنحار ومسعر [حرب]، وفي شرح مقامات "الزمخشري" له: المعطاء الكثير العطاء كالمهداء من الهدية، ويستوي فيه الرجل والمرأة، وهو على وزن الآلة كالمفتاح والميزان. (وسئل بعض أهل اللغة عن قوله - تعالى: : » وما ربك بظلام للعبيد «: لم ورد على
следующие страницы →